Verse. 5179 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

ہُوَالَّذِيْ بَعَثَ فِي الْاُمِّيّٖنَ رَسُوْلًا مِّنْہُمْ يَتْلُوْا عَلَيْہِمْ اٰيٰتِہٖ وَيُزَكِّيْہِمْ وَيُعَلِّمُہُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ۝۰ۤ وَاِنْ كَانُوْا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۲ۙ
Huwa allathee baAAatha fee alommiyyeena rasoolan minhum yatloo AAalayhim ayatihi wayuzakkeehim wayuAAallimuhumu alkitaba waalhikmata wain kanoo min qablu lafee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي بعث في الأميين» العرب، والأمي: من لا يكتب ولا يقرأ كتابا «رسولا منهم» هو محمد صلى الله عليه وسلم «يتلو عليهم آياته» القرآن «ويزكيهم» يطهرهم من الشرك «ويعلمهم الكتاب» القرآن «والحكمة» ما فيه من الأحكام «وإن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي وإنهم «كانوا من قبل» قبل مجيئه «لفي ضلال مبين» بيّن.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : الأمي منسوب إلى أمة العرب، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم، ولا يقرأون كتاباً ولا يكتبون. وقال ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم، وقيل: الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه وقد مر بيانه، وقرىء الأمين بحذف ياء النسب، كما قال تعالى: {أية : رَسُولاً مّنْهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 32] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم، وهو من جنسهم، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] قال أهل المعاني: وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضاً أمياً مثل الأمة التي بعث فيهم، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقة. وقوله تعالى: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ } أي بيناته التي تبين رسالته وتظهر نبوته، ولا يبعد أن تكون الآيات هي الآيات التي تظهر منها الأحكام الشرعية، والتي يتميز بها الحق من الباطل {وَيُزَكِّيهِمْ } أي يطهرهم من خبث الشرك، وخبث ما عداه من الأقوال والأفعال، وعند البعض {يُزَكِّيهِمْ } أي يصلحهم، يعني يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون به أزكياء أتقياء {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } والكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هي الفرائض، وقيل: {ٱلْحِكْمَةَ } السنة، لأنه كان يتلو عليهم آياته ويعلمهم سننه، وقيل: {ٱلْكِتَـٰبَ } الآيات نصاً، والحكمة ما أودع فيها من المعاني، ولا يبعد أن يقال: الكتاب آيات القرآن والحكمة وجه التمسك بها، وقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام وكانوا في ضلال مبين وهو الشرك، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والإعراض عما كانوا فيه، وفي هذه الآية مباحث: أحدها: احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله: {بَعَثَ فِي ٱلأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ } يدل على أنه عليه السلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصة، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } تفسير : [العنكبوت: 48] أنه لا يفهم منه أنه يخطه بشماله، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة كان قوله تعالى: {أية : كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } تفسير : [سبإ: 28] لا يناسب ذلك، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك، وهو صدق الرسالة المخصوصة، فيكون قوله تعالى: {كَافَّة ٱلنَّاسِ } دليلاً على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الكل.

القرطبي

تفسير : قول تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} قال ابن عباس: الأميُّون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميُّون الذين لايكتبون. وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمّي الذي يقرأ ولا يكتب. وقد مضى في «البقرة». {رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وما من حَيّ من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد وَلَدوُه. قال ابن إسحاق: إلا حَيّ تَغْلِب؛ فإن الله تعالى طهّر نبيّه صلى الله عليه وسلم منهم لنَصْرَانِيَّتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أمّياً لم يقرأ من كتاب ولم يتعلّم صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإن بعث نبياً أمّياً؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها ـ لموافقته ما تقدمت (به) بشارة الأنبياء. الثاني ـ لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث ـ لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعي إليه من الكتب التي قرأها والحِكَم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوّته. قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} يعني القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان؛ قاله ابن عباس. وقيل: يطهّرهم من دنس الكفر والذنوب؛ قاله ابن جُريج ومقاتل. وقال السدّي: يأخذ زكاة أموالهم {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ} السُّنَّة؛ قاله الحسن. وقال ابن عباس: «الكتاب» الخط بالقلم؛ لأن الخط فَشَا في العرب بالشرع لمّا أمِروا بتقييده بالخط. وقال مالك بن أنس: «الحِكْمَة» الفقه في الدِّين. وقد مضى القول في هذا في «البقرة». {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم. {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في ذهاب عن الحق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ } العرب، والأمي: من لا يكتب ولا يقرأ كتاباً {رَسُولاً مِّنْهُمْ } هو محمد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِ } القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ } يطهرهم من الشرك {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ } ما فيه من الأحكام {وَإِن } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي وإنهم {كَانُواْ مِن قَبْلُ } قبل مجيئه {لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأُمِّيِّينَ} لأنهم لم ينزل فيهم كتاب أو لم يكونوا يكتبون، قريش خاصة لم يكونوا يكتبون حتى تعلم بعضهم في آخر الجاهلية من أهل الحيرة أو جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا القليل ومنَّ عليهم بكونه أمياً لموافقة ذلك بشارة الأنبياء قبله أو لمشاكلته لهم ليكون أقرب إلى الموافقه أو لئلا يتهم بقراءة كتب الأولين. {وَيُزَكِّيهِمْ} يجعل قلوبهم زكية بالإيمان أو يطهرهم من الكفر والذنوب أو يأخذ زكاة أموالهم. {الْكِتَابَ} القرآن أو الخط بالقلم "ع" لأنه شاع فيهم لما أمروا بتقييد الشرع بالخط أو معرفة الخير والشر كما يعرف بالكتاب {وَالْحِكْمَةَ} السنة أو الفقه في الدين أو الفهم والاتعاظ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}[2] قال: الأميون هم الذين صدقوا محمد صلى الله عليه وسلم، نسبوا إليه لاتباعهم إياه واقتدائهم به، ومن لم يقتد به فليس من أمته.

القشيري

تفسير : جرَّده عن كلِّ تكلُّفٍ لِتَعَلُّمٍ، وعن الاتصافِ بتطَلُّبٍ. ثم بَعَثَه فيهم وأظْهَرَ عليه من الأوصاف ما فاق الجميع. فكما أيْتَمَهُ في الابتداء عن أبيه وأمِّه، ثم آواه بلُطْفِه - وكان ذلك أبلغَ وأتمَّ - فإنه كذلك أفرده عن تكلُّفِه العلم - ولكن قال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113]. وقال: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً}تفسير : [الشورى: 52] ألبسه لباسَ العِزَّة، وتوجَّه بتاج الكرامة، وخَلَعَ عليه حُسْنَ التولِّي. لتكونَ آثارُ البشرية عنه مندرجة، وأنوارُ الحقائقِ عليه لائحة.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الذى بعث فى الاميين} جمع امى منسوب الى امة العرب وهم قسمان فعرب الحجاز من عدنان وترجع الى اسماعيل عليه السلام وعرب اليمن ترجع الى قحطان وكل منهم قبائل كثيرة والمشهور عند اهل التفسير ان الامى من لايكتب ولا يقرأ من كتاب وعند اهل الفقه من لايعلم شيأ من القرءآن كأنه بقى على ماتعلمه من امه من الكلام الذى يتعلمه الانسان بالضرورة عند المعاشرة والنبى الامى منسوب الى الامة الذين لم يكتبوا لكونه على عادتهم كقولك عامى لكونه على عادة العامة وقيل سمى بذلك لانه لم يكتب ولم يقرأ من كتاب وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله له عنه بقوله {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : وقيل سمى بذلك لنسبته الى ام القرى وفى كشف الاسرار سمى العرب اميين لانهم كانوا على نعت امهاتهم مذ كانت بلا خط ولا كتاب نسبوا الى ماولدوا عليه من امهاتهم لان الخط والقرآءة والتعليم دون ماجبل الخلق عليه ومن يحسن الكتابة من العرب فانه ايضا امى لانه لم يكن لهم فى الاصل خط ولا كتابة قيل بدئت الكتابة بالطائف تعلمها ثقيف واهل الطائف من اهل الحيرة بكسر الحاء وسكون المثناة من تحت بلد قرب الكوفة واهل الحيرة اخذوها من اهل الانبار وهى مدينة قديمة على الفرات بينها وبين بغداد عشرة فراسخ ولم يكن فى أصحاب رسول الله عليه السلام كاتب الا حنظلة الذى يقال له غسيل الملائكة ويسمى حنظلة الكاتب لانه ظهر الخط فى الصحابة بعد فى معاوية بن سفيان وزيد بن ثابت وكانا يكتبان لرسول الله عليه السلام وكان له كتاب ايضا غيرهما واختلفوا فى رسول الله عليه السلام انه هل تعلم الكتابة بآخرة من عمره اولا لعلمائنا فيه وجهان وليس فيه حديث صحيح ولما كان الخط صنعة ذهنية وقوة طبيعية صدرت بالآلة الجسمانية لم يحتج اليه من كان القلم الاعلى يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره وعدم كتابته مع علمه بها معجزة باهرة له عليه السلام اذا كان يعلم الكتاب علم الخط واهل الحرف حرفتهم وكان اعلم بكل كمال اخروى او دنيوى من اهله ومعنى الآية هو الذى بعث فى الاميين اى فى العرب لان اكثرهم لايكتبون ولا يقرأون من بين الامم فغلب الاكثر وانما قلنا اكثرهم لانه كان فيهم من يكتب ويقرأ وان كانوا على قلة {رسولا} كائنا {منهم} اى من جملتهم ونسبهم عربيا اميا مثلهم. تارسالت اوازتهمت دور باشده فوجه الامتنان مشاكلة حاله لاحوالهم ونفى التعلم من الكتب فهم يعلمون نسبه واحواله، ودر كتاب شعيا عليه لسلام مذكور است كه انى ابعث اميا فى الاميين واختم به النبيين (قال الكاشفى) ودر اميت آن حضرت عليه السلام نكتهاست ايجا بسه بيت اختصار ميرد شعر : فيض ام الكتاب بروردش لقب امى ازان خدا كردش لوح تعليم ناكرفته بير همه زاسرار لوح داده خبر برخط اوست انس وجانراسر كه نخواندست خط ازان جه خطر تفسير : والبعث فى الاميين لاينافى عموم دعوته عليه السلام فالتخصيص بالذكر لا مفهوم له ولو سلم فلا يعارض المنطوق مثل قوله تعالى {أية : وما أرسلناك الا كافة للناس}تفسير : على انه فرق بين البعث فى الاميين والبعث الى الاميين فبطل احتجاج اهل الكتاب بهذه الآية على انه عليه السلام كان رسول الله الى العرب خاصة رد الله بذلك ماقال اليهود للعرب طعنا فيه نحن اهل الكتاب وأنتم اميون لاكتاب لكم {يتلو عليهم آياته} اى القرءآن مع كونه اميا مثلهم لم يعهد منه قرآءة ولا تعلم والفرق بين التلاوة والقرآءة ان التلاوة قرآءة القرءآن متتابعة كالدراسة والا وارد المظفة والقرءآة اعم لانها جمع الحروف باللفظ لا اتباعها {ويزكيهم} صفة اخرى لرسولا معطوفة على يتلو أى يحملهم على مايصيرن به ازكياء من خبائث العقائد والاعمال وفيه اشارة الى قاعدة التسليك فان المزكى فى الحقيقة وان كان هو الله تعالى كما قال بل الله يزكى من يشاء الا ان الانسان الكامل مظهر الصفات الالهية جميعا ويؤيد هذا المعنى اطلاق نحو قوله تعالى {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : {ويعلمهم الكتاب والحكمة} قال فى الارشاد صفة اخرى لرسولا مترتبة فى الوجود على التلاوة وانما وسط بينهما التزكية التى هى عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العلمية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصلة بالعلم المترتب على التلاوة للايذان بأن كلا من الامور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر فلو روعى ترتيب الوجود لتبادر الى الفهم كون الكل نعمة واحدة وهو السر فى التعبير عن القرءآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزا الى انه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة انتهى. وقال بعضهم ويعلمهم القرءآن والشريعة وهى ماشرع الله لعباده من الاحكام او لفظه ومعناه او القرءآن والسنة كما قاله الحسن او الكتاب الخط كما قاله ابن عباس او الخير والشر كما قاله ابن اسحق والحكمة الفقه كما قاله مالك او العظة كما قاله الاعمش او كتاب احكام الشريعة واسرار آداب الطريقة حال معانيه الحكمية والحكمية ولكن تعليم حقائق القرءآن وحكمه مختص باولى الفهم وهم خواص الاصحاب رضى الله عنهم وخواص التابعين من بعدهم الى قيام الساعة لكن معلم الصحابة عموما وخصوصا هو النبى عليه السلام بلا واسطة ومعلم التابعين قرنا بعد قرن هو عليه السلام ايضا لكن بواسطة ورثة امته وكمل اهل دنيه وملته لو لم يكن سوى هذا التعليم معجزة لكفاه قال البوصيرى فى القصيدة البردية شعر : كفاك بالعلم فى الامى معجزة فى الجاهلية والتأديب فى اليتم تفسير : اى كفاك العلم الكائن فى الامى فى وقت الجاهلية وكفاك ايضا تنبيه على الآداب لعلمه بها فى وقت اليتم معجزة {وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين} ان ليست شرطية ولا نافية بل هى المخففة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية والمعنى وان الشأن كان الاميون من قبل بعثته ومجيئه لفى ضلال مبين من الشرك وخبث الجاهلية لاترى ضلالا اعظم منه وهو بيان لشدة افتقارهم الى من يرشدهم وازاحة لما عسى يتوهم من تعلمه عليه السلام من الغير فان المبعوث فيهم اذا كانوا فى ضلال قبل البعثة زال توهم انه تعلم ذلك من احد منهم قال سعدى المفتى والظاهر ان نسبة الكون فى الضلال الى الجميع من باب التغليب والا فقد كان فيهم مهتدون مثل ورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهم ممن قال رسول الله عليه السلام فى كل منهم يبعث امة وحده. يقول الفقير هو اعتراض على معنى الازاحة المذكورة لكنه ليس بشىء فان اهتدآء من ذكره من نحو ورقة انما كان فى باب التوحيد فقط فقد كانوا فى ضلال من الشرآئع والاحكام ألا ترى الى قوله تعالى {أية : ووجدك ضالا فهدى}تفسير : مع انه عليه السلام لم يصدر منه قبل البعثة شرك ولا غيره من شرب الخمر والزنى واللغو واللهو فكونهم مهتدين من وجه لا ينافى كونهم ضالين من وجه آخر دل على هذا المعنى قوله تعالى {يتلو عليهم} الخ فان بالتلاوة وتعليم الاحكام والشرآئع حصل تزيكة النفس والنجاة من الضلال مطلقا فاعرفه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وفيه إشراقات شمسيّة وأنوار قَمَريّة: الأوّل: في اللّغة: بَعَثَ في الأمّيّن يعني أرسله في العرب لأنّهم كانوا أمّة لا تكتب ولا تقرأ، ولم يبعث إليهم نبي - عن مجاهد وقتادة -. وقيل: يعني أهل مكّة، لأنّ مكّة - شرّفها الله - تسمّى أمّ القرى. وعن بعض المحقّقين من أهل الكشف: إنّ الرسول يسمّى بالأمّي لأنّه منسوب إلى أمّ الكتاب، أي اللوح المحفوظ، وبهذا الإعتبار تكون أمّته أمّيين، فهو رسول مبعوث من الله في الأمّيين مع كونه من جنس الآدميّين متعلّقا بقالب البشريّة المركّب من الماء والطين، ليمكن الوصول إليه والاجتماع بحضرته والاقتداء به والاستفادة من ذاته بجهة الحصّة البشريّة، والاستضاءة من أشعّة عقله المنوّر بوسيلة المشاركة الحسّية من ثقب إصطرلابات الحواسّ والعقول، والاستماع لتلاوة آيات الله القرآنيّة منه في عالَم المخاطبة الكلاميّة والمقارعة الهوائيّة. نور قمري خصائص النبي بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم)، كونه مأموراً بإصلاح هذا النوع الآدمي بواسطة استجماعه لشرائط الرسالة الإلهيّة، وخصاص السعادة الربانيّة من أوصاف شريفة كثيرة، ونعوت كريمة غفيرة، تشملها خصائص ثلاث متعلّقة بروحه ونفسه وحسّه: أمّا الأولى: - وهي أشرف الجميع - فكونه مطّلعا على العلوم الإلهيّة عالما بحقائق الأشياء كما هي، من المبدأ الأعلى وملكوته العلوي والسفلي، وحقيقة النفس بكلا جزئيها العلمي والعملي، وكلتا نشأتيها الآخرة والأولى، وأحوال الخلائق في تلك الدار، ورجوع الكلّ إلى الواحد القهّار، علماً مستفادا من الهام الله بطريق الشكف الروحي والإلقاء السّبوحي، لا بوسيلة التعلّم البشري والتعمّل الفكري. وأمّا الثانية: فكونه ذا قوّة باطنيّة بها تتمثّل له الحقائق بكسوة الأشباح المثاليّة في العالَم المتوسّط بين العالَمين، بل تسري قوّته إلى الحسِّ الظاهر، فهي تتشبّح له في هذا العالَم، فيشاهد الملِك الملقي عياناً، ويسمع كلام الله منه شفاها، بعبارات أنيقة وألفاظ فصيحة دقيقة المعاني، في غاية الفصاحة والسلامة والنفاسة، ويطلع بتعليمه والقائه على المغيبات الجزئيّة ويخبر عن الحوادث الماضية والآتية. وأمّا الثالثة: فكونه ذا قوّة قويّة وبسطة شديدة، بها يقهر المعاندين والمنكرين ويتسلّط على أعداء الله وأولياء الشياطين، وذا مصابرة على الشدائد والامتحانات، واقتدار وتمكّن على تجهيز الجيوش وتثبّت في الحروب والمبارزات. فمجموع هذه الثلاث من خاصية الرسالة، فأمّا آحاد هذه الخواصّ، فقد يوجد في غير الأنبياء بوجه، فإنّ الأولى ممّا تتحقّق في الأولياء والحكماء، وضرب من الخاصيّة الثانية توجد في أهل الكهانة والرهبانيين، والثالثة قد تكون في الملوك الشديدي البأس والهمّة. إشراق شمسي جامعية النبي للنشآت الثلاث جوهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّه مجتمع من ثلاثة أشخاص عظيمة كلّ منهم رئيس مُطاع في نوعه، فبروحه وعقله يكون مَلَكا من المقرّبين، وبمرآة نفسه ولوح ذهنه يكون فَلَكا مرفوعاً عن أدناس العنصريين ولوحاً محفوظاً من مسّ الشياطين {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:79]. وبحسّه يكون مَلِكاً من عظماء الملوك والسلاطين. وتحقيق ذلك: أنّ النشآت ثلاث: نشأة الحسّ، ونشأة النفس، ونشأة العقل. والعوالِم ثلاثة بحسبها: عالَم الدنيا، وعالَم الآخرة، وعالَم الربوبيّة. والإنسان بحسب غلبة كلّ نشأة داخل في عالَم من العوالِم الثلاثة، فمن جهة حسّه ونفسه وروحه داخل في هذه العوالِم إمّا بالقوّة أو بالفعل، فبحسّه من جملة الدنيا وتحت جنس الحيوانات، وبنفسه من جملة الملكوت الأسفل، وبروحه من جملة الملكوت الأعلى، لكن الغالب على أكثر الناس نشأة الحسّ وموطن الدنيا {أية : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الكهف:88]. وأمّا جوهر النبوّة فله جامعيّة النشآت الثلاث، لكونه كامل القوى الثلاث الحسيّة والمثاليّة والعقليّة، فله السيادة العظمى والرئاسة الكبرى والخلافة الإلهيّة في العوالِم كّلها، فهو شارع ورسول ونبيّ، يحكم بالأوّل كالمِلك، ويخبر بالثاني كالفلَك، ويعلم بالثالث كالملَك. فافهم واغتنم. إشراق آخر الاستكمال العلمي النبوي إمتنانه تعلى على الأمّة بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم كما يدلّ عليه قوله: رَسُولاً مِنْهُمْ -، وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ} تفسير : [التوبة:128]. وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الأنعام:130]. للإشعار بأنّ هذه المرتبة الشريفة النبويّة من المراتب التي قد بلغت إليه النفس الإنسانيّة عند استكمال قوّتيها بالعلم والطاعة، وهي ممّا حصلت للنفس المحمديّة - عليه وآله الصلاة والتحيّة - بالأصالة، ولخواصّ أمّته وأولياء الله بالوارثة والتبعيّة، لقوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31] وقوله: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ} تفسير : [النساء:69]. وفي الحديث:"حديث : العلماء ورثة الأنبياء ". تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إنّ في هذه الأمّة محدَّثون متكلّمون ". تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: "حديث : انّ لله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء ". تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: "حديث : علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل ". تفسير : وفي الرواية: "حديث : قلب المؤمن عزلي ". تفسير : فأنت أيّها العالِم - ما لم تكن علومك مقتبسة من مشكاة النبوّة فلست بعالم بالحقيقة، بل بالتسمية المجازيّة، لدلالة قوله: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}، بحسب مفهوم العكس على ذلك فافهم. ومن لم يكن هاشميّاً بأن تكون ولادته المعنويّة - المعبَّر عنه عند الصوفية - بـ "الفتح" من جهة نسبته (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، باعطاء صوَر المعارف الإيمانيّة لمادّة عقله، فليس مؤمناً حقيقيّا، لأنّ المؤمن الحقيقي من تكون روحه وليد القدس، ويكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبوه المقدّس، بأن تحصل في مادّة عقله الهيولاني التي بمنزلة التراب صورة إعتقاديّة إيمانيّة بمنزلة صورة النطفة الآدميّة قابلة للتربية والتنمية بأغذية المقاصد العلميّة والمطالب القرآنيّة، وأشربة الأعمال والأفعال الشرعيّة، ونحن قد بيّنَا شرح هذه الولادة في مقامه، فالمؤمن الحقيقي من يكون من أهل بيت الرسالة الإلهية، متشبّها في أخلاقه بأخلاق أبيه المقدّس، وقوله تعالى: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحج:78] وقوله في حقّ نوح (ع): {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود:46] ينوِّر ما قرّرناه، وقوله (ع): "واشوقاه إلى لقاء الأشباه" يعطى ما ذكرناه. إشراق آخر فائدة البعثة فائدة البعثة جسيمة، ونتيجة الرسالة التي قد منّ الله بها على المؤمنين في هذه الآية وغيرها مِنّة عظيمة، كقوله: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً}تفسير : [آل عمران:164]. هي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويبيّن لهم أحوال الآخرة ويحلّ لهم الطيّبات ويضع عنهم إصْرهم والأغلال التي كانت عليهم، لأجل جهالة الهيوديّة وبلاهة النصرانيّة، اللتين كانتا مركوزتين في النفوس بحسب إفراطها وتفريطها في الصفات والأعمال، وخروجها في التشبيه والتنزيه عن جادّة الإعتدال الذي يكون لهذه الملة البيضاء والشيعة الغرّاء - على الصادع بها وآله أفضل تسليمات الله تعالى - كما دلَّ عليه قوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وقوله في سورة يس: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [يس:6]. وكأنّ قوله: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} عطف تفسيريّ لقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، وشرح له، وبيان حاصل الأثر في تلاوة الآيات على سبيل الإجمال، فإنّ الغرض الأصلي من بعثة الرسول، وتلاوة الآيات على العقول، سياقتهم إلى رضوان ربّهم وهدايتهم إلى جواره الأطهر وملكوته الأنور. وهي إنّما تناط بشيئين: أحدهما: إصلاح الجزء العملي من الإنسان بالتصفية والتهذيب. وثانيهما: تكميل جزئه العلمي بالتصوير والتقريب. فالقرآن المنزل على سرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّلاً، وعلى قلوب أمّته ثانياً يجب أن يكون مشتملاً على أمور ثلاثة: الأوّل: في الحكمة العمليّة المبينّة للأفعال والأعمال، الشارحة للأخلاق والآداب المفيدة للعبد قطع تعلّقه عن الأسباب، وترك التفاته إلى الدنيا وما فيها، والمعالِم الأدبيّة تثبت في القرآن على أبلغ وجه وآكده، كما أشار إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "حديث : أدّبني ربّي فأحسن تأديبي ". تفسير : الثاني: في الحكمة العلمية والمعارف التي تبلغ إليه عقول العلماء والحكماء بقوّتهم الفكريّة، بتعليم الأنبياء والأولياء (ع) إيّاهم. وهذان القسمان من العلوم والمعارف، التي يقع فيها الإشتراك لساير الكتب السماويّة مع القرآن، لكن يكون ما في القرآن أوثقها برهاناً، وأجلّها شأناً، وأرفعها رتبة، وأعلاها مأخذاً، وأقومها غاية، وإليه الإشارة بقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء:9]. وبقوله: {أية : وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [النساء:26]. وقوله: {أية : مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} تفسير : [المائدة:46]. الثالث: في الحكمة التي لا يبلغ إلى طورها إلاّ الخُلّص من أحبّاء الله وأوليائه الصالحين، وهي المشار إليها في قوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت:53]. وهذه الحكمة من خواصّ المحبوبين لله، كما أنّ الحكمتين الأوّليين من خواصّ المحبّين لله، وإليهم الإشارة في قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة:54]. وفي الحديث القدسي:"حديث : لا يزال العبد يتقرّب إليَّ بالنوافل حتّى أُحبّه.... ". تفسير : تأييد عرفاني مراتب الإيمان إنّ مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوامّ، ومرتبة الخواصّ وهم المحبّون، ومرتبة الأخصّين وهم المحبوبون. ولكلّ من هذه المراتب الثلاث علم وعمل. فمرتبة العوام: أمّا من جهة العلم، فهي أن يؤمن بكلّ ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل التسليم والطمأنينة القلبيّة إيماناً بالغيب. وأمّا من جهة العمل، فبأن يفعل الحسنات ويترك المعاصي والسيّئات طلبا لجزيل الثواب وتخلّصاً عن أليم العقاب. وأمّا مرتبة الخواصّ: من حيث العلم، فهي أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأوليائه وبالبعث بعد الموت، وبالجنّة والنار، وبالقَدَر خيره وشرّه - كما ورد في الحديث ويعرف هذه المعارف الإيمانيّة والاعتقادات الأركانيّة كلّها بالبراهين النيِّرة القدسيّة والمبادئ الإلهيّة. وأمّا مرتبتهم من حيث العمل: فهي أنّ الله تعالى إذا تجلى لعبد بصفة من صفاته، خضع له جميع أجزاء وجوده وتبعه قواه ومشاعره، وآمنت بالكليّة بعد ما كان قلبه يؤمن بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا كانت النفس عن تنسيم روائح الغيب بمعزل، كما أشير إليه في الكتاب: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} تفسير : [الأعراف:143] أي: جبل القلب - {أية : جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ} تفسير : [الأعراف:143] أي: موسى النفس - {أية : صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ} تفسير : [الأعراف:143] - بعد رفع الحجب قال: - {أية : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف:143]. وفي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أسلم شيطاني على يدي"تفسير : ، تنبيه على هذا - فانتبه يا مسكين وانزعج من مرقد النائمين. وأمّا مرتبة الأخصّين: فهي من حيث العلم والعمل إنّما تكون بعد رفع حجب الأنانيّة بتجلّي الحقّ بالصفات التمجيديّة والنعوت التقديسيّة، فإذا أفناه عنه بصفة الجلال، يبقيه بصفة الجمال، ويعيد إليه عقله وسمعه وبصره، فلم يبق له الأين والبين، وبقي في العين، فيُشاهد بنور الحقّ جميع الحقائق العينيّة، وينفذ نور بصره في أعيان الملك والملكوت والخلق والأمر، وفي هذه المرتبة يكون العلم والعمل شيئاً واحداً. والإيمان في المرتبة الأولى غَيْبي، وفي الثانية عَيْنيّ، وفي الثالثة عيانيّ، وهذا كما كان حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج، فلمّا بلغ السدرة كان بَعْدُ في حيِّزْ الأين، فلمّا جذبته العناية من الأين إلى العين فأوحى إلى عبده ما أوحى، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} تفسير : [البقرة:285]. أي: من صفات ربّه وأفعاله، فآمنت ذاته بذاته، وصفاته بصفاته، وأفعاله بأفعاله، فصار كلّ وجوده مؤمناً بالله إيماناً عيانيّاً. وفي هذا المقام أسرار عظيمة لا تحتملها العقول المجرّدة فضلا عن العقول الملابسة المغشّاة بغشاوة الوهم والخيال، وتشمئزّ عنها طبائع أهل التقليد والجدال - اللهمّ لا تجعل هذه الكلمات مضلّة الجهّال والأرذال، واجعلها سبباً لزيادة بصيرة أهل الكمال، وموجبة لانارة قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله العزيز المتعال -. إشراق ما يختص بالقرآن من بيان مراتب الإيمان إنّك إذا علمت ما ذكرناه، من اشتمال القرآن على هذه المراتب الثلاث من الإيمان، وعلمت اشتراك سائر الكتب السماويّة معه في المرتبتين الأوليين، واختصاصه بالمرتبة الأخيرة، فقد أحطتَ علماً بأنّ أنزال القرآن - بما فيه - إكمال للدين وإتمام لنعمة الله على المؤمنين، وتحقّقتَ بمعنى قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة:3]. - الآية - أي: جعلت الكماليّة في الدين من الأزل نصيباً لكم من بين جميع أهل الملل والأديان، وأتممت عليكم نعمة الإيمان العياني باظهار دينكم على الآديان كلّها في الظاهر والحقيقة جميعاً، ورضيت لكم الإسلام ديناً به تجازون وتثابون، وبه تتعاملون وتناكحون، فإنّ الإسلام في هذه الأمّة دين طريق به يوصَل إلى الإيمان الحقيقي، وهو بمنزلة الإيمان من سائر الأمم مع زيادة كماليّة لم تكن حاصلة من قبل لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران:85]. وذلك لأنّ حقيقة الدين، هي سلوك سبيل الله عزّ وجلّ بعدم الخروج عن هذا الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، والإنسان مخصوص به من بين ساير الموجودات، ولهذه الأمّة اختصاص بالكماليّة في السلوك من بين ساير الأمم. فالدين من عهد آدم صفيّ الله، كان في التكامل بسلوك الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - سبيل الحقّ إلى عهد نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع المسالك التي سلكها الأنبياء (ع) الماضون بأسرهم، فلم يتحقّق له الخروج أيضاً بقدم السلوك في الحركات الباطنيّة من الوجود المجازي بالكليّة، حتّى تداركته العناية الأزليّة لاختصاصه بالمحبوبيّة من بينهم، فبلغ من القُرب إلى الكماليّة في الدين - وهو سرّ "أو أدنى" -، فاستعَدّ لسعادة الوصول إلى الوجود الحقيقي بالإيمان العياني بعد الإيمان العيني والغيبي جميعا - وهو سرّ "فأوحى إلى عبده ما أوحى" - في الحقيقة قيل له في هذه الحالة: أكملْت لكم دينكم وأتمَمتُ عليكُم نِعمتي. ولكن في حَجّة الوداع عند وقوفه بالجحفة، أظهر على الأمّة عند أظهاره على الأديان كلّها، وظهور كمالية الدين بنزول الفرائض والأحكام بالتمام، وتعيين الخلافة ونصب الإمامة لعلي (ع) والتنصيص عليه بإمامة المسلمين وإمرة المؤمنين. وممّا يدلّ على ذلك، مشاهدة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الأنبياء (ع) في مقامات ملكوت السماء بحسب درجات قربهم إلى الله تعالى، وصعوده (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جميع مقاماتهم إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى الغاية القصوى. وكذا ما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: "حديث : مثَلي ومثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلاّ موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاَّ وضعت هذه اللبنة قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" تفسير : فجعل الناس يتعجبون. يصحّح ما ذكرناه، وينوّر ما قرّرناه من مقامات الأنبياء، وتكامل بنيان الدين بهم، وكماليّته بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخروجه عن هذا الوجود المجازي بالكليّة، وتبعيّة خواصّ أمّته الذين هم خير أمّة أخرجت للناس، لانهم أخصّ خواصّ هذا النوع. ويدلّ على هذا المعنى أيضاً: "حديث : إنّ الأنبياء كلّهم يوم القيامة يقولون نفسي نفسي، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أمّتي أمّتي"تفسير : ، لفناء الوجود وبقائه بالحقّ الودود. فافهم جّداً. نور قمري الحكمة وتقسيمها المراد من الحكمة في هذه الآية إمّا العلم الصحيح، وإمّا الفعل الصواب، كما أن إطلاق الإنسان إمّا على الروح أو على البدن. والروح أيضاً ذو وجهين: وجهُ إلى القدس وعالَم الآخرة، ووجهُ إلى البدن وعالم الدنيا. والعلم لتكميل الوجه الأوّل، والعمل لتكميل الثاني على وجهٍ يؤدّي نفعه إلى تكميل الأوّل، ونفس العمل لنفس البدن. ويروى عن مقاتل انّه قال: تفسير الحكمة في القرآن يقع على أربعة وجوه: أحدها: مواعظ القرآن: ففي النساء:{أية : وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [النساء:113] ومثلها في آل عمران. وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم، قوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} تفسير : [مريم:12] {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [لقمان:12]. يعني الفهم والعلم، وفي الأنعام: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ} تفسير : [الأنعام:89]. وثالثها: الحكمة بمعنى النبوّة، وفي ص: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [ص:20] يعني النبوّة، وفي البقرة: {أية : وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [البقرة:251]. واربعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، وفي النحل: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل:125] {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269]. وأنت - يا حبيبي - إذا تأمّلت في جميع هذه الوجوه الأربعة وجدت مرجعها جميعا إلى العلم، بل لو نظرت في جميع موارد استعمالات لفظة الحكمة لم تجده خارجاً عن العلم بحقائق الأشياء، والعمل بموجبها - وهو التجرّد عن الدنيا وما فيها -، ولهذا قيل في حدّها: "إنّه التخَلّق بأخلاق الله"، أي: في الإحاطة بصور المجرّدات والتقدّس عن الماديّات. وإليها الإشارة في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: "حديث : تخَلَّقوا بأخلاق الله"تفسير : أي: تشبّهوا به في هذين الأمرين. ثمّ اعلم أنّ الحكمة لا يمكن خروجها من هذين المعنيين، وذلك لأنّها كمال الإنسانيّة بلا شبهة، وكمال الإنسان منحصر في شيئين: أحدهما: أن يَعرف الخير لذاته. والثاني: أن يَعرف الخير لأجل العمل به. فالمرجع بالأوّل إلى العلم والإدراك المطابق، وبالثاني إلى الفعل العدل. وكمال هذين الأمرين في نوع الإنسان مرتبة النبوة والولاية، وقد حكى الله عن إبراهيم الخليل وهو شيخ الأنبياء (ع) أنّه قال: {أية : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} تفسير : [الشعراء:83] - وهو الحكمة النظريّة - {أية : وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [الشعراء:83] - وهو الحكمة العمليّة. ونادى موسى ربُّه فقال: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} تفسير : [طه:14] وهو الحكمة النطريّة، ثمّ إنّه قال: {أية : فَٱعْبُدْنِي} تفسير : [طه:14] وهو الحكمة العمليّة. وقال عيسى (ع) كما حكى الله عنه: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [مريم:30] - الآية - كلّ ذلك الحكمة النظريّة، ثمّ قال: {أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} تفسير : [مريم:31] وهو الحكمة العمليّة. وقال الله سبحانه آمراً لِرسوله الخاتم وحبيبه (صلى الله عليه وآله وسلم): فاعْلمْ أنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ الله - وهو الحكمة النظريّة، ثمّ قال: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} تفسير : [محمد:19]. وهو الحكمة العمليّة. لأنّ علم التوحيد لا يحصل بكماله إلاّ بعد الإطّلاع على جميع أبواب الحكمة النظريّة، والعمل الخالص من شوب أغراض النفس، لا يتيسّر إلاّ بأن يكون الإنسان حكيماً عارفاً بأنّ ما عند الله خير للأبرار. وقال في حقّ جميع الأنبياء: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ} تفسير : [النحل:2] وهو الحكمة النظريّة، ثمّ قال: {أية : فَٱتَّقُونِ} تفسير : [النحل:2]. وهو الحكمة العمليّة، والقرآن مملوء من الآيات الدالّة على أنّ كمال الإنسان ليس إلاّ في تكميل هذين الجزءين من النفس بهاتين الحكمتين. وقال أبو مسلم: الحكمة "فِعُلَة" من "الحُكم" كالنِحلَة من النحل، ورجل حكيم: إذا كان ذا حِجى ولبّ وغصابة رأي، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي: مُحكَم. وهو "فعيل" بمعنى مفعول، كما قال الله تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان:4]. وهذا الذي ذكره أبو مسلم من اشتقاق اللغة، يناسب ما ذكرناه من معناه الحقيقي. إشراق معلم الحكمة ومفيضها إعلم أنّ معلّم الحكمة غير مُفيضها وموجدها في النفس، ومخرِجها من القوّة إلى الفعل، وذلك لأنّ القواطع البرهانيّة دالّةُ على أنّ فيّاض المعارف على النفوس هو الله سبحانه، باستخدام بعض ملائكته العلوية البرئية من كلّ وجه عن القوّة والاستعداد، وملابسة الأجسام والموادّ، كما أنّ الباري جلّ مجده مُبَرّء من جميع الوجوه عن الإمكان وملابسة الماهيّات لأنّه محض وجوب بلا إمكان، ووجود بلا ماهيّة، فالمنذِر والمعلِّم هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والله الهادي لمن يشاء، الفيّاض على قلوب عباده بصورة الأشياء كما يدلّ عليه قوله: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة:272]. وتوضيح ذلك: انّ الحكمة ان فسَّرناها بالعلم، لم تكن من العلوم الضروريّة لأنّها حاصلة للبهائم وعامّة الناس والمجانين والأطفال، وهي لا توصف بأنّها حكماء، فهي لا محالة مفسّرة إمّا بالعلوم النظريّة مطلقاً، أو بصفة تكون مبدأ الأفعال الحسنة نظراً إلى قسميها، فإنّ الغاية في أحد قسميها نفس تلك العلوم، وفي الآخرة تحصيل الخُلُق الجيّد، والمَلكة الملكيّة، وعلى أيّ التقديرين، فيلزم أن تكون صورة العلوم النظريّة ومنشأ الأفعال الحسنة حادثة في نفس الإنسان واردة عليه من خارج، فيكون حصولها في نفسه بتأثير مؤثر خارج عن ذاته، إذ الشيء لا يتأثّر عن نفسه، وأيضاً: لا يكون الشيء أشرف من ذاته وأعلم منها. فذلك المؤثر الخارجي يجب أن يكون عليما حكيما عاقلا بالفعل لا بالقوّة، وإلاّ لافتقر أيضاً إلى ما يُخرجه من القوّة إلى الفعل، ومن النقص إلى الكمال، وهكذا حتّى يلزم وجود العقل الفعّال المبدأ للاستكمال دفعاً للدور والتسلسل، والمبدأ الفعّال للكلّ هو الذات الإلهيّة البريئة عن شوب الإمكان والزوال بالكليّة، فقد ثبت أنّ الحكمة نور فائض من الحقّ الأوّل على قلب من يشاء من عباده، وإليه الإشارة بقوله: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الحديد:21].، يشير إلى أنّ ما يفيضه ويؤتيه لخواصّ عباده، رشحة من رشحات بحار علمه، ولمعةُ من لمعات أنوار حكمته اللامتناهية. تنبيه تأمّل - أيّها العارف - إنّ الله تعالى ما أعطى لعباده إلاّ القليل من العلم، لقوله: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء:85]. وسمّى الدنيا بحذافيرها قليلاً: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء:77]. ثمّ قال في العلم الموهوب لعباده: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الجمعة:4] وقال أيضاً: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269]. فانظر كم هو مقدار هذا القليل حتّى تعرف عظمة ذلك العظيم الكثير. والبرهان العقلي أيضاً يطابقه، لأنّ الدنيا بأسرها متناهية المقدار، ومتناهية العدد، ومتناهية المدّة، والعلم لا نهاية لمراتبه وعدده ومدّة بقائه، والسعادات الحاصلة منه، وذلك دالّ على فضيلة الحكمة. وهمٌ وإزاحة لا تدل الآية على مذهب الجبر استدلّ صاحب التفسير الكبير بمثل هذه الآية وبمثل قوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة:269]. على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه. وذلك الاستدلال فاسد، فإنّ الحكمة نور من أنوار الله، وهي ليست من فعل العبد أصلاً، وإن كان حصولها وفيضانها من الله ممّا يتوقّف على تصفية بيت القلب بمكناس الرياضة، وتطهيره بإزالة الأوهام الباطلة وإزاحة العقائد الفاسدة بالتأمّلات والتفكّرات الموافقة لصورة الحقّ، وهي من جملة الحركات الاختياريّة النفسيّة، والأعمال البشرية القلبية المعدّة لورود أشعّة نور الله تعالى، ولا اختيار للعبد إلاّ في مثل ما ذكر، وأمّا في وقوع نور الحكمة في قلبه، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا اختيار لأحد فيه، إلاّ أنّ الغالب عدم تخلّف ذلك النور عن قلب العبد المجاهد الصبور مع شرائط الحضور. اللهمّ إلاّ أن تفسّر الحكمة بنفس الأفعال الحسنة وهو ليس بصحيح، وإلاّ لكان كلّ فعل حسَنٍ حِكمة، وكلّ فاعل يفعل فعلاً حسناً حكيماً - وإن كان من المجانين والسفهاء - بل المراد من الحكمة - كما وقعت إليه الإشارة - إمّا نفس العلوم الحقيقيّة، أو الخُلق الذي هو منشؤها، أو الملكة الصادرة عنها الأفعال على وجه الصواب، وعلى أيّ وجه من هذه لم تكن الحكمة من الأفعال البشريّة، بل تكون إمّا من الكيفيّة النفسانيّة، أو الجوهر المفارق. - تأمّل -. فتلك الآية وأمثالها ما دلّت إلاّ على أنّ الحالة النفسانيّة مخلوقة للحقّ، ولا نزاع لأحد من أهل الكلام فيها، ولا دلالة فيها على أنّ أفعال البشريّة مخلوقة له تعالى من غير اختيار للعبد فيها. وتحقيق هذه المسألة العظيمة التي فيها مزلّة الأفهام ومزلقة الأقدام، ممّا يحتاج إلى بسط في الكلام لا يليق بهذا المقام، وظنّي أن لا ثلمة في الإسلام أكثر ممّا وقع من جهة الإفارط والتفريط في هذا المرام فكم من مقصّر وغالٍ فيه، وما أشد سخافة ما ذهب إليه أصحاب أبي الحسن من الاعتقاد بخلق الأفعال في العباد على الوجه الذي صوّروه وتصوّروه واعتقدوه، إذ بها تنسدّ أبواب المعرفة والحكم وتنفسخ الإعتقادات البرهانيّة وتطبل الغايات والنتائج العقليّة المبتنية كلّها على إثبات الترتيب والعليّة والمعلوليّة بين الموجودات، ووجود سلسلة الأسباب المؤدّية إلى الغايات. وأمّا ما تنوّرت به قلوب المهتدين بأنوار حكمة الأنبياء، وذهب إليه المحقّقون من أكابر الحكماء، من كون الوجود على الإطلاق فائضاً من الحق على كلّ موجود لا بالإتّفاق، بل بترتيب لازم واستحقاق ثابت، فما تقدّم متقدّم ولا تأخّر متأخّر إلاّ بقضاء سابق وقدَر لاحق، فهو الحقّ الذي لا محيد عنه، وهو معنى التوحيد في الأفعال مع إثبات الحكمة والمصلحة والنظام من غير اختلال، وتحقيق هذا فوق ما تصل إليه أذهان الأشاعرة وأهل الاعتزال - فسبحان من تنزّه عن الفحشاء، وسبحان من لا يجري في ملكه إلاّ ما يشاء -. وبحث وتحصيل المقصود من الحكمة ليس القرآن أو النبوة فإن قيل: لِم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة المستعملة في عدّة مواضع من القرآن، إمّا النبوّة، أو القرآن، أو قوّة الفهم، أو الخشية - على ما هو قول الربيع بن أنَس -؟ قلنا: الدليل المذكور يدفع هذه الاحتمالات، لأنّه ثبت بالنقل المتواتر، أنّه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة، والقرآن، ولو كانت بمعنى قوّة الفهم، لكان كلّ قويّ الفهم حكيما، وكذا لو كانت بمعنى الخشية لكان كلّ خاشٍ حكيماً، وليس كذلك. وأمّا الخشية الكاملة التي لا تتحقّق إلاّ في الحكماء، كما يدلّ عليه قوله: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28]. فهي أيضاً من لوازم الحكمة وليست نفسها، لأنّها معللّة بالعلم والحكمة كما يدلّ عليه تعليق الحكم بالوصف، ثمّ إنّ الخشية الموجودة فيهم ليست خشية العقاب، بل خشية القرب، فكيف تتحقّق إلاّ بعد المعرفة التامّة والحكمة الكاملة، فمن فسَّر الحكمة بالخشية، فكأنّه أراد به تفسيرها باللاّزم والأعمّ أو المساوي - فافهم -.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} كلامٌ منقطعٌ عن سابقه وبيانٌ للامتنان على امّة محمّدٍ (ص) وتمهيدٌ للتّعريض الآتى {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} قد مضى بيانٌ لهذه الآية ووجه تقديم التّزكية على التّعليم فيها، ووجه تقديم التّعليم على التّزكية فى دعاء ابراهيم (ع) بقوله: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} تفسير : [البقرة:129].

فرات الكوفي

تفسير : {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ 2} [فرات بن إبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثني محمد بن أحمد المدائني قال: حدثني هارون بن مسلم عن الحسين بن علوان. [حيلولة] قال: [و] حدثني الفضل بن يوسف قال: حدثني عبد الملك بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الآية. ش] قال: الكتاب القرآن والحكمة ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِّيِّينَ} أي في العرب لان اكثرهم لا يكتبون ولا يقرأون وقيل الامي هو الذي على ما خلق عليه كأنه منسوب الى امه وقيل الاميون الذين لا كتاب لهم وهم العرب وقد كانوا يخطون بأيديهم. {رَسُولاً مِّنْهُمْ} من انفسهم وجنهسم يعلمون نسبه وقيل أميا مثلهم وقد قيل ان الأُميين نسب الى امة العرب لانهم لا يكتبون ولا يقرأون من بين الامم قيل بدأت الكتابة بالطائف أخذوها من أهل الحيرة وأخذها اهل الحيرة من اهل الانبار وجاء في حديث شعيب اني ابعث اعمى في عميان وأمياً في اميين وقد وصف في كتب الانبياء صلى الله عليه وسلم بأنه أمي وهو مشاكل لحال قومه وذلك اقرب لصدقه لئلا يتوهم انه يكتب ما يقول عن غيره أو يقرأه من كتاب وقرأ في الأُمِّين بحذف ياء النسب. {يَتْلُوا عَلَيْهِم أَيَاتِهِ} القرآن وقيل ما بين رسالته وقيل الحلال والحرام {وَيُزَكِّيهِمْ} يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابِ} القرآن {وَالحِكْمَةَ} السنة أو الشريعة {وَإِن} مخففة بدليل لام الفرق في خبر كان {كَانُوا مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيئه بالكتاب والحكمة {لَفِى ضَلالٍ مُّبِينٍ} من الشرك والأعمال والأقوال القبيحة لم يكن فيهم من يعلم الحق إلا ما جاء به صلى الله عليه وسلم غير متقدم عليه فهم شديدو الاحتياج الى ارشاد.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمّيّينَ } يعني سبحانه العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرأون. وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » تفسير : وأريد بذلك أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى، فالأمي نسبة إلى الأم التي ولدته، وقيل: نسبة إلى أمة العرب، وقيل: إلى أم القرى، والأول أشهر، واقتصر بعضهم في تفسيره على أنه الذي لا يكتب. والكتابة على ما قيل: بدئت بالطائف أخذوها من أهل الحيرة وهم من أهل الأنبار. وقرىء (الأمين) بحذف ياء النسب. {رَسُولاً مّنْهُمْ } أي كائناً من جملتهم، فمن تبعيضية، والبعضية: إما باعتبار الجنس فلا تدل على أنه عليه الصلاة والسلام أمي، أو باعتبار الخاصة المشتركة في الأكثر فتدل، واختار هذا جمع، فالمعنى رسولاً من جملتهم أمياً مثلهم. {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } مع كونه أمياً مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم {وَيُزَكِّيهِمْ } عطف على {يَتْلُو } فهو صفة أيضاً ـ لرسولاً ـ أي يحملهم على ما يصيرون به أزكياء طاهرين من خبائث العقائد والأعمال. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } ((صفة أيضاً ـ لرسولاً ـ مترتبة في الوجود على التلاوة، وإنما وسط بينهم التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر، ولو روعي ترتيب الوجود لربما يتبادل إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة كما مَرَّ في سورة البقرة، وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزاً إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة، ولا يقدح فيه شمول الحكمة لما في تضاعيف الأحاديث النبوية من الأحكام والشرائع)) قاله بعض الأجلة. وجوز كون {ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } كناية عن جميع النقليات والعقليات كالسماوات والأرض بجميع الموجودات، والأنصار والمهاجرين بجميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفيه من الدلالة على مزيد علمه صلى الله عليه وسلم ما فيه؛ ولو لم يكن له عليه الصلاة والسلام سوى ذلك معجزة لكفاه كما أشار إليه البوصيري بقوله: شعر : كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم تفسير : {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } من الشرك وخبث الجاهلية، وهو بيان لشدة افتقارهم إلى من يرشدهم وإن كان نسبة الضلال إليهم باعتبار الأكثر إذ منهم مهتد كورقة وأضرابه. وفي الكلام إزاحة لما عسى أن يتوهم من تعلمه عليه الصلاة والسلام من الغير {وَإِنْ } هي المخففة واللام هي الفارقة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني ناشىء عن إجراء الصفات المذكورة آنفاً على اسم الجلالة إذ يتساءل السامع عن وجه تخصيص تلك الصفات بالذكر من بين صفات الله تعالى فكأن الحال مقتضياً أن يبين شيء عظيم من تعلق تلك الصفات بأحوال خلقه تعالى إذ بعث فيهم رسولاً يطهر نفوسهم ويزكيهم ويعلمهم. فصفة {أية : الملك}تفسير : [الجمعة: 1] تعلقت بأن يدبر أمر عباده ويصلح شؤونهم، وصفة {أية : القدوس}تفسير : [ الجمعة: 1] تعلقت بأن يزكي نفوسهم، وصفة {أية : العزيز}تفسير : [ الجمعة: 1] اقتضت أن يلحق الأميين من عباده بمراتب أهل العلم ويخرجهم من ذلة الضلال فينالوا عزة العلم وشرفه، وصفة {أية : الحكيم}تفسير : [ الجمعة: 1] اقتضت أن يعلمهم الحكمة والشريعة. وابتداء الجملة بضمير اسم الجلالة لتكون جملة اسمية فتفيد تقوية هذا الحكم وتأكيده، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم مَبعوث من الله لا محالة. و{في} من قوله: {في الأميين} للظرفية، أي ظرفية الجماعة ولأحد أفرادها. ويفهم من الظرفية معنى الملازمَة، أي رسولاً لا يفارقهم فليس ماراً بهم كما يَمرّ المرسل بمقالةٍ أو بمالكةٍ يبلغها إلى القوم ويغادرهم. والمعنى: أن الله أقام رسوله للناس بين العرب يدعوهم وينشر رسالته إلى جميع النّاس من بلاد العرب فإن دلائل عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم معلومة من مواضع أخرى من القرآن كما في سورة [الأعراف: 158] {أية : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}تفسير : وفي سورة [سبأ: 28] { أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً}.تفسير : والمراد بـ{الأميين}: العرب لأن وصف الأميّة غالب على الأمة العربية يومئذٍ. ووصف الرسول بـ{منهم}، أي لم يكن غريباً عنهم كما بعث لوطاً إلى أهل سدوم ولا كما بعث يونس إلى أهل نينوَى، وبعث إلياس إلى أهل صيدا من الكنعانيين الذين يعبدون بَعل، فـ(من) تبعيضية، أي رسولاً من العرب. وهذه منة موجهة للعرب ليشكروا نعمة الله على لطفه بهم، فإن كون رسول القوم منهم نعمةٌ زائدة على نعمة الإِرشاد والهدي، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم إذ قال: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم}تفسير : [البقرة: 129] فتذكيرهم بهذه النعمة استنزال لطائر نفوسهم وعنادهم. وفيه تورك عليهم إذ أعرضوا عن سماع القرآن فإن كون الرسول منهم وكتابه بلغتهم هو أعون على تلقي الإِرشاد منه إذ ينطلق بلسانهم ويحملهم على ما يصلح أخلاقهم ليكونوا حملة هذا الدين إلى غيرهم. و{الأميين}: صفة لموصوف محذوف دل عليه صيغة جمع العقلاء، أي في الناس الأميين. وصيغة جمع الذكور في كلام الشارع تشمل النساء بطريقة التغليب الاصطلاحي، أي في الأميين والأمِّيات فإن أدلة الشريعة قائمة على أنها تعم الرجال والنساء إلا في أحكام معلومة. والأميون: الذين لا يقرؤون الكتابة ولا يكتبون، وهو جمع أمي نسبة إلى الأمة، يعنون بها أمة العرب لأنهم لا يكتبون إلا نادراً، فغلبت هذا التشبيه في الإطلاق عند العرب حتى صارت تطلق على من لا يكتب ولو من غيرهم، قال تعالى في ذكر بني إسرائيل {أية : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني}تفسير : وقد تقدم في سورة [البقرة: 78]. وأوثر التعبير به هنا توركاً على اليهود لأنهم كانوا يقصدون به الغض من العرب ومن النبي جهلاً منهم فيقولون: هو رسول الأميين وليس رسولاً إلينا. وقد قال ابن صياد للنبي لما قال له: أتشهد أني رسول الله. أشهد أنكَ رسولُ الأميين. وكان ابن صياد متديناً باليهودية لأن أهله كانوا حلفاء لليهود. وكان اليهود ينتقصون المسلمين بأنهم أميون قال تعالى: {أية : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}تفسير : [آل عمران: 75] فتحدى الله اليهود بأنه بعث رسولاً إلى الأميين وبأن الرسول أمي، وأعلمهم أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء كما في آخر الآية وأن فضل الله ليس خاصاً باليهود ولا بغيرهم وقد قال تعالى من قبل لموسى {أية : ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أيمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض}تفسير : [القصص: 5 - 6]. ووصف الرسول بأنه منهم، أي من الأميين شامل لمماثلته لهم في الأمية وفي القومية. وهذا من إيجاز القرآن البديع. وفي وصف الرسول الأمي بأنه يتلو على الأميين آيات الله، أي وحيه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب، أي يلقنهم إياه كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب بالكتابة، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم في كل هذه الأوصاف تحد بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى الله عليه وسلم أي هو مع كونه أمّياً قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرّسل غير الأميين أممهم ولم ينقص عنهم شيئاً، فتمحضت الأمية للكون معجزة حصل من صاحبها أفضل مما حصل من الرسل الكاتبين مثل موسى. وفي وصف الأميّ بالتلاوة وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ضرب من محسن الطباق لأن المتعارف أن هذه مضادة للأمية. وابتدىء بالتلاوة لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثني بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يعْلق به من مساوىء الأعمال والطباع. وعقب بذكر تعليمهم الكتاب لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تُبيّن لهم مقاصده ومعانيه كما قال تعالى: {أية : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}تفسير : [القيامة: 18، 19]، وقال: {أية : لتبين للناس ما نزل إليهم}تفسير : [النحل: 44]، وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة قال تعالى: {أية : واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به}تفسير : [البقرة: 231] ونظيرها قوله: {أية : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}تفسير : في سورة [آل عمران: 164]. وجملة {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} في موضع الحال من الأميين، أي ليست نعمة إرسال هذا الرسول إليهم قاصرة على رفع النقائص عنهم وعلى تحليتهم بكمال علم آيات الله وزكاة أنفسهم وتعليمهم الكتاب والحكمة بل هي أجل من ذلك إذ كانت منقذة لهم من ضلال مبين كانوا فيه وهو ضلال الإِشراك بالله. وإنما كان ضلالاً مبيناً لأنه أفحش ضلال وقد قامت على شناعته الدلائل القاطعة، أي فأخرجهم من الضلال المبين إلى أفضل الهدى، فهؤلاء هم المسلمون الذين نفروا إسلامهم في وقت نزول هذه السورة. و{إنْ} مخففة من الثقيلة وهي مهملة عن العمل في اسمها وخبرها. وقد سد مسدها فعل (كان) كما هو غالب استعمال {إنْ} المخففة. واللام في قوله: {لفي ضلال مبين} تسمى اللام الفارقة، أي التي تفيد الفرق بين (إنْ) النافية و{إنْ} المخففة من الثقيلة وما هي إلا اللام التي أصلها أن تقترن بخبر (إن) إذ الأصل: وإنهم لفي ضلال مبين، لكن ذكر اللام مع المخففة واجب غالباً لئلا تلتبس بالنافية، إلا إذا أمن اللبس.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}. بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الأميين في مذكرة الدراسة بقوله: الأميين أي العرب، والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب اهـ. وسمي أمياً نسبة إلى أمه يوم ولدته لم يعرف القراءة ولا الكتابة وبقي على ذلك. ومما يدل على أن المراد بالأميين هم العرب بعثة النَّبي صلى الله عليه وسلم منهم لقوله تعالى {رَسُولاً مِّنْهُمْ} كما يدل عليه قوله تعالى عن نبي الله إبراهيم: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}تفسير : [إبراهيم: 37] إلى قوله تعالى:{أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}تفسير : [البقرة: 129]. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: وهذه الآية نص في أن الله تعالى استجاب دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام فيهم اهـ. وفي الحديث:"حديث : إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب"تفسير : ، وهذا حكم على المجموع لا على الجميع، لأن في العرب من كان يكتب مثل كتبة الوحي، عمر وعلي وغيرهم. وقوله تعالى: {رَسُولاً مِّنْهُمْ} هو النَّبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى عن أهل الكتاب:{أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157]. وقد بين تعالى أن المكتوب عندهم هو ما بشر به عيسى عليه السلام في قوله تعالى:{أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف: 6]. وكونه صلى الله عليه وسلم أمياً بمعنى لا يكتب، بينه قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}تفسير : [العنكبوت: 48]. وبين تعالى الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم أمياً مع أنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم بنفي الريب عنه كما كانوا يزعمون أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ}تفسير : [الفرقان: 5] فقال:{أية : إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 48].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأُمِّيِّينَ} {يَتْلُواْ} {آيَاتِهِ} {ٱلْكِتَابَ} {ضَلاَلٍ} (2) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولاً فِي العَرَبِ الأُميِّينَ هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أُميٌّ مِنْهُمْ. لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليْهِمْ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ القُرآنِ التِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى، لِيُطهرَهُمْ مِنْ خَبَائِث العَقَائِِدِ وَالأَعْمَالِ، وَلِيعَلِّمَهُم الشَّرَائِعَ وَالأَحْكَامَ، وَحِكْمَتَهَا وَأَسْرَارَهَا، وَقَدْ كَانَ هَؤُلاَءِ الأُمِّيونَ، قَبْلَ إِرْسَالِ النَّبِيِّ إِليهِمْ، فِي ضَلاَلٍ بَيِّنٍ عَنْ جَادَّةِ الهُدَى، إِذْ إِنَّ العَرَبَ كَانُوا قَبْلاً عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ ابْتَعَدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ، وَتَسَرَّبَتِ الضَّلاَلاَتُ إِلَى عَقِيدَتِهِمْ، فَأَصْبَحُوا مُشْرِكِينَ. الأُميِّينَ - العَرَبِ - وَالأُمِّيُّ هُوَ مَنْ لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ. يُزَكِّيهِمْ - يُطَهِّرُهُمْ مِنْ أَدْنَاسِ الجَاهِلِيَّةِ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً} معناه في الذين لاَ يَكتُبونَ. وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} معناه يُطهرُهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : المراد بالأميين: الذين لا كتاب عندهم، ولا أثر رسالة من العرب وغيرهم، ممن ليسوا من أهل الكتاب، فامتن الله تعالى عليهم، منة عظيمة، أعظم من منته على غيرهم، لأنهم عادمون للعلم والخير، وكانوا في ضلال مبين، يتعبدون للأشجار والأصنام والأحجار، ويتخلقون بأخلاق السباع الضارية، يأكل قويهم ضعيفهم، وقد كانوا في غاية الجهل بعلوم الأنبياء، فبعث الله فيهم رسولا منهم، يعرفون نسبه، وأوصافه الجميلة وصدقه، وأنزل عليه كتابه { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ } القاطعة الموجبة للإيمان واليقين، { وَيُزَكِّيهِمْ } بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة، { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أي: علم القرآن وعلم السنة، المشتمل ذلك علوم الأولين والآخرين، فكانوا بعد هذا التعليم والتزكية منه أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، وأكمل الخلق أخلاقًا، وأحسنهم هديًا وسمتًا، اهتدوا بأنفسهم، وهدوا غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين، وهداة المؤمنين، فلله عليهم ببعثه هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، أكمل نعمة، وأجل منحة، وقوله { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } أي: وامتن على آخرين من غيرهم أي: من غير الأميين، ممن يأتي بعدهم، ومن أهل الكتاب، لما يلحقوا بهم، أي: فيمن باشر دعوة الرسول، ويحتمل أنهم لما يلحقوا بهم في الفضل، ويحتمل أن يكونوا لما يلحقوا بهم في الزمان، وعلى كل، فكلا المعنيين صحيح، فإن الذين بعث الله فيهم رسوله وشاهدوه وباشروا دعوته، حصل لهم من الخصائص والفضائل ما لا يمكن أحدًا أن يلحقهم فيها، وهذا من عزته وحكمته، حيث لم يترك عباده هملا ولا سدى، بل ابتعث فيهم الرسل، وأمرهم ونهاهم، وذلك من فضل الله العظيم، الذي يؤتيه من يشاء من عباده، وهو أفضل من نعمته عليهم بعافية البدن وسعة الرزق، وغير ذلك، من النعم الدنيوية، فلا أعظم من نعمة الدين التي هي مادة الفوز، والسعادة الأبدية.

همام الصنعاني

تفسير : 3214- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}: [الآية: 2]، قال: كانت هذه الأمة أُميّة، لا يقرأون كتاباً.