٦٢ - ٱلْجُمُعَة
62 - Al-Jumu'aa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
القرطبي
تفسير : قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعني الإسلام، فضلُ الله يؤتيه من يشاء قاله الكلبي. وقيل: يعني الوحي والنبوّة؛ قاله مقاتل. وقول رابع ـ إنه المال يُنفق في الطاعة؛ وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم عن أبي صالح: عن أبي هريرة حديث : أن فقراء المهاجرين أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال:«وما ذاك»؟ قالوا: يُصَلُّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويُعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئاً تُدركون به مَن سبقكم وتَسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضلَ منكم إلاّ من صنع مثل ما صنعتم» قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال «تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمِع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : . وقول خامس ـ إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } النبي ومن ذكر معه {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضْلُ اللَّهِ} النبوة أو الإسلام أو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله للفقراء في أهل الدثور {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}.
الخازن
تفسير : {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} يعني الإسلام وقيل النبوة خص بها محمداً صلى الله عليه وسلم {والله ذو الفضل العظيم} أي على خلقه حيث أرسل فيهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة} يعني اليهود حيث كلفوا القيامة بها والعمل بما فيها وليس هو من الحمل على الظهر وإنما هو من الحمالة والحميل والكفيل {ثم لم يحملوها} أي لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها، {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} جمع سفر الكتب العظام من العلم سمى سفراً لأنه سفر عما فيه من المعنى وهذا مثل ضربه الله تعالى لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم شبهوا إذا لم ينتفعوا بما في التوراة الدال على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود الذين يقرؤون التوراة ولا ينتفعوا بها لأنهم خالفوا ما فيها وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل بما فيه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ولهذا قال ميمون بن مهران يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية ثم ذم هذا المثل والمراد منهم ذمهم فقال تعالى: {بئس مثل القوم} يعني بئس مثلاً مثل القوم {الذين كذبوا بآيات الله} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وما أتي من آيات القرآن وقيل المراد من الآيات آيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يهدي من سبق في علمه أن يكون ظالماً وقيل يعني الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب آيات الله وأنبيائه {قل} أي قل يا محمد {يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس} أي من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه {فتمنوا الموت} ادعوا على أنفسكم بالموت {إن كنتم صادقين} يعني فيما زعمتم أنكم أبناء الله وأحياؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه لأن الآخرة خير لأولياء الله من الدنيا {ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم} أي بسبب ما قدموا من الكفر والتكذيب {والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} أي لا ينفعكم الفرار منه {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} فيه وعيد وتهديد.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} الذي امتازَ بهِ منْ بـينِ سائرِ الأفرادِ {فَضَّلَ ٱللَّهُ} وأحسانُهُ {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} تفضلاً وعطيةً {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} الذي يُستحقَرُ دُونَهُ نعيمُ الدُّنيا ونعيمُ الآخرةِ. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي عُلِّمُوهَا وكُلِّفُوا العملَ بهَا {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أيْ لَمْ يعملُوا بِمَا في تضاعِيفِها منَ الآياتِ التي منْ جُملتِها الآياتُ الناطقةُ بنبوةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} أيْ كتباً منَ العلمِ يتعبُ بحملِهَا ولا ينتفعُ بهَا، ويحملُ إمَّا حالٌ والعاملُ فيهَا مَعْنَى المَثلِ أو صفةٌ للحمارِ إذْ ليسَ المرادُ بهِ معيناً فهُو في حكمِ النكرةِ كمَا في قولِ مَنْ قالَ: شعر : وَلَقَدْ أمرُّ عَلى اللئيمِ يَسُبُّنِي فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني تفسير : { بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} أيْ بئسَ مثلاً مثلُ القومِ الذينَ كذَّبُوا بآياتِ الله، عَلى أنَّ التميـيزَ محذوفٌ والفاعلَ المُفسَّرَ بهِ مستترٌ. ومثلُ القومِ هُو المخصوصُ بالذمِّ والموصولُ صفةٌ للقومِ. أو بئسَ مثلُ القومِ مثلُ الذينَ كذَّبوا إلخ على أنَّ مثلُ القومِ فاعلُ بئسَ والمخصوصُ بالذمِّ الموصولُ بحذفِ المضافِ أو بئسَ مثلُ القومِ المكذبـينَ مثلُ هؤلاءِ على أنَّ الموصولَ صفةُ القومِ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ وهم اليهودُ الذينَ كذَّبُوا بمَا في التوراةِ من الآياتِ الشاهدةِ بصحةِ نبوةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الواضعينَ للتكذيبِ في موضعِ التصديقِ أو الظالمينَ لأنفسِهِم بتعريضِهَا للعذابِ الخالِدِ. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أَيْ تهودُوا {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ} كانُوا يقولونَ نحنُ أبناءُ الله وأحباؤُه ويَدَّعُونَ أنَّ الدارَ الآخرةَ لهُمْ عندَ الله خالصةً ويقولونَ لنْ يدخلَ الجنةَ إلاَّ منْ كانَ هُوداً فأُمِرَ رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم بأنْ يقولَ لهُم إظهاراً لكذبِهِمْ إنْ زعمتُم ذلكَ {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} أيْ فتمنَّوا منَ الله أنْ يميتَكُم وينقُلَكُم منْ دارِ البليةِ إلى دارِ الكرامةِ {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} جوابُهُ محذوفٌ لدلالةِ مَا قبلَهُ عليهِ أيْ إنْ كنتُم صادقينَ في زَعْمِكُم واثقينَ بأنَّه حقٌّ فتمنَّوا الموتَ فإنَّ مَنْ أيقنَ بأنَّهُ مِنْ أهلِ الجنةِ أحبَّ أنْ يتخلصَ إلَيها منْ هذهِ الدارِ التي هيَ قرارةُ الأكدارِ {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً} إخبارٌ بِما سيكونُ منهُم والباءُ في قولِهِ تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} متعلقةٌ بما يدلُّ عليهِ النفيُ أيْ يأبونَ التمنِّي بسببِ ما عملُوا من الكفرِ والمعاصِي الموجبةِ لدخولِ النارِ ولما كانتِ اليدُ من بـينِ جوارحِ الإنسانِ مناطَ عامَّةِ أفاعيله عبَّرَ بها تارةً عن النفسِ وأُخرى عنِ القدرةِ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} أيْ بهِم، وإيثارُ الإظهارِ على الإظمارِ لذمِّهم والتسجيلِ عليهِم بأنَّهم ظالمونَ في كُلِّ ما يأتونَ وما يذرونَ من الأمورِ التي منْ جُملتِهَا ادعاءُ ما هُمْ عنْهُ بمعزلٍ، والجملةُ تذيـيلٌ لما قبلَها مقررةٌ لمضمونِهِ أيْ عليمٌ بهِم وبِمَا صدَرَ عَنْهُم من فنونِ الظلمِ والمعَاصِي المفضيةِ إلى أفانينِ العذابِ وبِمَا سيكونُ منهُم منَ الاحترازِ عَمَّا يؤدِّي إلى ذلكَ فوقعَ الأمرُ كما ذكرَ فلم يتمنَّ منهُم موتَهُ أحدٌ كَما يعربُ عَنْهُ قولُهُ تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ} فإنَّ ذلكَ إنَّما يقالُ لهُم بعدَ ظهورِ فرارِهِم منَ التمنِّي وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « حديث : لَوْ تمنَّوا لماتُوا منْ ساعتِهِم » تفسير : وهذهِ إحدَى المعجزاتِ أيْ إنَّ الموتَ الذي تفرونَ منهُ ولا تجسَرونَ عَلى أنْ تتمنَّوهُ مخافةَ أنْ تُؤخذُوا بوبالِ كفرِكُم {فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ} البتةَ منْ غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيهِ والفاءِ لتضمنِ الاسمِ مَعْنَى الشرطِ باعتبارِ الوصفِ وقُرِىءَ بدونِهَا وقُرِىءَ تفرونَ منْهُ مُلاقِيكُم {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} الذي لا تخفَى عليهِ خافيةٌ {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} منَ الكفرِ والمعاصِي بأنْ يجازيَكُم بهَا.
السلمي
تفسير : سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا على الجوزجانى يقول: ذلك الفضل هو الأنس بالله إذا وجدوا نعمة الأنس نسوا كل نعمة دونه ووجدوا نعمة فوق كل نعمة لأن ربهم نعَّمهم فى معرفته. قال الحسين: جاد الجواد بجوده لغير علة وتفضّل بالتفضل ونعمها بالمنن وغشاها بالنعم إذ يقول: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} فقطع بالمشيئة ومحا بالأسباب فكان الكرم منه صرفاً لا تمازجه العلل ولا تكتسبها الحيل جارية فى الدهور قبل إظهار الأمور.
القشيري
تفسير : يقصد به هنا النبوة، يؤتيها {مَن يَشَآءُ}؛ وفي ذلك ردٌّ على مَنْ قال: إنها تُُسْتَحَقُّ لكثرة طاعة الرسول - وردٌّ على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم؛ فالفضل ما لا يكون مُسْتَحَقّاً، والاستحقاق فَرضٌ لا فضل. ويقال: {فَضْلُ ٱللَّهِ} هنا هو التوفيق حتى يؤمِنوا به. ويقال: هو الأُنْسُ بالله، والعبدُ يَنْسَى كلَّ شيء إذا وَجَدَ الأُنْسَ. ويقال: قَطَعَ الأسباب، - بالجملة - في استحقاق الفضل، إذا أحاله على المشيئة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} فضله معرفته وبمحبته والاستقامة فيهما بنعت العبودية فى مشاهدة الربوبية نؤت هذا الفضل من نشاء من عباده المصطفين فى الازل قال الجوزجانى ذلك الفضل هو الانس بالله اذا وجد نعمة الانس نسوا كل نعمة دون اذا وجدوا نعمة فوق كل نعم بان ربهم نعمهم فى معرفته وهو قوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقال الحسين جاد الجواد يجوده لغير علية وتفضل بالفضل وأتممها بالمنن وغشاها بالنعم اذ يقول ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقطع بالمشية ومحق الاسباب فكان الكرم منه صرفا لا يمازجه العلل ولا يكسبها الجبل جاد به فى الدهور قبل ظهار الامور.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} الذى امتاز به من بين سائر الافراد وهو أن يكون نبى ابناء عصره ونبى ابناء العصور الغوابر {فضل الله} واحسانه {يؤتيه من يشاء} تفضلا وعطية لا تأثير للاسباب فيه فكان الكرم منه صر فالا تمازجه العلل ولا تكسبه الحيل {والله ذو الفضل العظيم} الذى يستحقر دونه نعم الدنيا ونعيم الآخرة وفى كشف الاسرار {والله ذو الفضل العظيم} على محمد وذو الفضل العظيم على الخلق بارسال محمد اليهم وتوفيقهم لمابيعته انتهى. يقول الفقير وايضا {والله ذو الفضل العظيم} على اهل الاستعداد من امة محمد بارسال ورثة محمد فى كل عصر اليهم وتوفيقهم للعمل بموجب اشاراتهم ولولا اهل الارشاد والدلالة لبقى الناس كالعميان لايدرون اين يذهبون وانما كان هذا الفضل عظيما لان غايته الوصول الى الله العظيم وقال بعض الكبار {والله ذو الفضل العظيم} اذ جميع الفضائل الاسمائية تحت الاسم الاعظم وهو جامع احدية جميع الاسماء وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب اهل الدثور بالاجور فقال "حديث : قولوا سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم"تفسير : فقالوها وقالها الأغنياء فقيل انهم شاركونا فقال {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وفى بعض الروايات "حديث : اذا قال الفقير سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر مخلصا وقال الغنى مثل ذلك لم يلحق الغنى بالفقير فى فضله وتضاعف الثواب وان أنفق الغنى معها عشرة آلاف درهم وكذلك اعمال البر كلها"تفسير : (قال الشيخ سعدى قدس سره) شعر : نقنطار زر بخش كردن زكنج نباشد جو قيراطى ازدست رنج
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ظل قمري في الكشّاف: ذلك الفضل الذي أعطاه محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أن يكون نبيّ أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر هو فضل الله يؤتيه مَن يشاء إعطاءه وتقتضيه حكمته. وفي مجمع البيان: عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم يرفعه، قال: حديث : جاء الفقراء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله - إنّ للأغنياء ما يتصّدقون وليس لنا ما نتصدّق. ولهم ما يحجّون وليس لنا ما نحجّ ولهم ما يعتقون وليس لنا ما نعتق. فقال: من كبّر الله مائة مرّة كان أفضل من عتق رقبة، ومن سبّح الله مائة مرّة كان أفضل من مائة فرس في سبيل الله يسرجها ويلجمها للجهاد ومن هلّل الله مائة مرة كان أفضل الناس عملاً في ذلك اليوم إلاّ من زاد . فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه، فرجع الفقراء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، قد بلغ الأغنياء ما قلتَ فصنعوه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . تفسير : نور عَرشي المراد بالفضل ما يتراءى من مواضع استعمالات هذه اللفظ في القرآن وغيره مع ضرب من إلهام الله تعالى وتأييده، هو أنّ الفضل عبارة عمّا به يفضّل الإنسان على جميع ما في هذا العالَم من الجواهر والأعراض، ويستحقّ بذلك مسجوديّة الملائكة والجانّ، وهو عبارة عن الإيمان بالله، والعلم بحقائق الأشياء كما هي، والتجرّد عن العالَم الحسّي، وهو إنّما حصل عيانا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإصالة، ولأولياء الله من أهل بيت نبوّته وولايته تبعاً، وحصل علما برهانيّا لحكماء أمّته، وسماعا تقليديّا لعوام أهل الإيمان، كلّ ذلك بواسطة إشراق نور النبوّة على أراضي قابليّة قلوبهم، إلاّ أنّ في الأوّل وقوع النور، وفي الثاني انعكاسه، وفي الثالث ظلّه، {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. فقوله تعالى: "ذلك" إشارة إلى ما تضمّنه قوله: {أية : وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : أي: العلم بهما. فكلّ من كان أو يكون من العلماء الربّانيّين، والحكماء الإلهيّين أو سيجيء في هذا العالَم، فهو من الذين يزكّيهم الرسول ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فهم من الذين شاء الله أن يؤتيهم هذا الفضل، ومأخذ هذا التعليم هو ما يدلّ عليه قوله: {أية : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف:65]. بل لا يقتبس نور العلم والحكمة إلاّ من مشكاة النبوّة، ولهذا من يؤتاها فقد أوتي خيراً كثيراً، ويشهد بذلك قوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء:113]. فالتخلّق بأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يوجب للعبد استعداداً لقبول المعارف الإلهيّة الفايضة على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل الانعكاس منه على قلب هذا العبد المطيع لله ولرسوله، لقوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. وأمّا من لم يكن متأدّباً بآدابه، متخلّقاً بأخلاقه، ولا مهتديا بهداه ضميراً واعتقاداً، سواء تكلّف في ذلك ظاهراً كأكثر المنتحلين لِمذهبه من غير بصيرة باطنيّة ولا انقياد سرّي، أو كان من المنكرين الجاهدين رأساً، فحالهم ما كشف عنه تعالى بقوله: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة:6] فالتزكية والتعليم لا ينجع معهم لأنّ نفعه مختص بالمؤمنين، وإن كان نور الهداية والرحمة ينتشر منه على العالمين لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء:107]. والدعوة أيضاً شاملة للمكلّفين كافة إلاّ أنّ نصيب النفوس الكَدِرة والأوهام العسوفة منها ليس إلاّ الوحشة والعمى والظلمة والضلال والخسران والوبال، وعليه جرى القلم، ونفذ فيه فحكم القضاء الحتم والقدر المبرم. ولذلك خلقهم {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الأنعام:115]. لأنّ نظام العالَم لا يتمشّى إلاّ بنفوس غلاظ شداد، ولا تنصلح العمارة في الدنيا إلاّ بطبائع جسمانية يعملون أعمالاً حسيّة بحسب ما يحملون عليه من الدواعي الشهويّة والصوارف الغضبيّة والأغراض البهيميّة والسَّبُعيّة. ثمّ العجب أنّ نفس التزكية والتعليم كما يوجِب الفضل الجسيم للقلوب الصافية والضمائر النقيّة، كذلك يوجب العذاب الأليم على سبيل التبع والعرَض للنفوس المريضة بِداء الجهالة والغِلظة والمعلومة بعلّة الجحود والاستنكار. وذلك كرائحة المسك بالقياس إلى خيشوم المزكوم ونور الشمس بالنسبة إلى عين الأخفش. تبصرة كشفية الكتاب والنبي هاديان ومضلاّن وهنا هنا يتحقّق وينكشف عند البصير المحدِق والخبير المحقّق انّه إذا تجلّت شمس عظمة القرآن، ووقعت أشعّة أنواره على صفائح هياكل الأرواح الإنسيّة، وسطوح قوابل العقول الهيولانيّة، فكما يظهر منه بالإرادة الإلهيّة والمشيّة الربّانيّة جوهر النور المحمّدي، وإكسير الخلاص السرمدي، ومعدن السعادة الأبديّة، ومولد النشأة الثانية الدائميّة، فكذلك ينشأ منه جوهر النار الإبلسية، وبذر الشجرة الخبيثة الشيطانيّة. وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم):"حديث : بُعثت داعياً وليس إليّ من الهداية شيء وخُلق إبليس مضِلاً وليس إليه من الإضلال شيء ". تفسير : فكما ينشأ من التعليم المحمّدي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النفوس السقيمة زيادة في مرض الجهل والضلال لقوله تعالى: {أية : فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [البقرة:10] وقوله: {أية : مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر:42]. فربما ينشأ من الإغواء الإبليسي في القلوب السليمة الخالصة المخلصة زيادة في العصمة والهداية لهم من الله، كما قال تعالى في حقّ يوسف الصدّيق - على نبيّنا وعليه السلام -: {أية : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [يوسف:24]. فالله الهادي والمُضلّ. وهاهنا أسرار لا تحتملها الأفهام تركناها مخافة شنعة اللئام. تذكرة تنبيهية القهر واللطف ومظاهرهما قوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} -، فيه إشارة إلى أنّ مشيّته الأزليّة متعلّقة بأمور متكثّرة متخالفة بحسب صفات وأسماء متعدّدة متقابلة، فإنّ لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - وخصوصاً ملك الملوك - كذلك، إذ كلّ منها من أوصاف الكمال كما لا يخفى، ولا بد لكلّ من الوصفين من مظهر، فالملائكة ونفوس المقرّبين والأخيار ومَن ضاهاهم مظاهر اللطف، والشياطين والأشرار ومَن والاهم مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنّة والأعمال المستعقبة لها، ومظاهر القهر هُم أهل النار والأفعال المعقّبة إيّاها. ثمّ اعلم - يا مسكين - أنّ لكلّ نور ظلمة في عالم الإمكان ولكل كمال نقصاً، وأنّ كلّ ممكن زوج تركيبيّ كما أشار إليه الحكماء، وبهذا جرت المشيّة الأزليّة والسُنّة الإلهيّة. وعلى هذا، يكون مقتضى السلطنة الربّانيّة بحسب ازدواج صفتي القهر والمحبّة والغضب والرحمة، ومنهما تنشأ الهداية والضلال والتوفيق والخذلان، والسعادة والشقاوة، والجنّة والنار، والآخرة والدنيا، والأرواح والأجرام بحسب غلبة أحد الطرفين، وإن كان لكلّ جمال أيضاً جلال كالهَيَمان الحاصل من الجلال الإلهي، فإنّه عبارة عن انقهار العقل منه وتحيّره فيه، ولكلّ جلال جمال وهو اللطف المستور في القهر الإلهي، كما قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة:179]. وقال أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: سبحان من اتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته، واشتدّت نقمته لأعدائه في سعة نعمته. ومن هنا يُعلم سرّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حُفّت الجنّة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات. فهو الله الباري المصّوِّر الغفّار لقوم، وهو الله الواحد العزيز القهّار المتكبّر لقوم آخرين، ولا اعتراض عليه في تخصيص كلّ من الفريقين بما خصّصوا به، فإنّه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله. إشراق شَمْسي السعادة والشقاوة والإنسان المختار ثم اعلم أنّ كلّ ما في عالم المُلك والملكوت له طبع خاصّ تصدر عنه آثار وأفعال مخوصة، وكلّ طبع مسخّر لفعل خاصّ، كالنار للتسخين، والماء للتبريد، وله حدّ محدود لا يتجاوزه، ومقام معلوم لا يتعدّاه من أعلى شواهق عالَم الأمر إلى أدنى منازل عالَم الخلق، إلاّ الإنسان، فإنّه مسخّر للاختيار، فالاختيار له بمنزلة الفعل الطبيعي لغيره، لأنّ ذاته ليست ممّا يقف على حدّ ومقام في جوهرها وهويتّها، بل تنقلب من طور إلى طور، ومن نشأة إلى نشأة، وسِعة هذه التقلّبات في الإنسان الكامل أكثر، وتخالف أطواره أشدّ، وقوسه الصعوديّة أعظم، وارتقاؤه إلى عالَم الملكوت أعلى وأتمّ، فلذلك قيل: إنّ الإنسان مضطّر في صورة مختار. فالمختاريّة مطبوعة فيه اضطراريّة له، وهو مجبول عليه كما جبل طبع الماء والنار والخبز واللحم على التبريد والتسخين والتغذية، فهو من لدن أوّل تكوّنه النطفي، إلى تمام بلوغه الحسّي واستعداده النطقي، لم يكن لاختياره في الترقيّات والتقلّبات مدخل، حتّى بلغ إلى مرتبة حيوان تامّ الحيوانيّة منتصب القامة عريض الأظفار بادي البشرة، ثمّ من عند كونه عاقلاً مكلّفاً ينتقل باختياره الذي هو عين اضطراره، ويتطوّر بأطواره في مراتب افتقاره، فهو إمّا أن يرتقي إلى أعلى علّيين، أو يتردّى إلى أسفل سافلين، أو يقع في أحد أوساط المتوسّطين حسب ما شاء الله وكتب في كتابه المبين: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} تفسير : [هود:105 - 106] - الآية - {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} تفسير : [هود:108] - الآية - أمّا السعيد فلا يختار إلاّ عمل أهل السعادة، وأمّا الشقيّ فلا يختار إلاّ عمل أهل الشقاوة: {أية : أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [السجدة:19 - 20]. ومع ذلك فلا اعتذار لأحد في الشريعة، بل الجميع خوطبوا بخطاب واحد "اعملوا فكلّ ميسّر لما خُلِق له". ومن هنا نشأت لك شبهة قديمة غير منحلّة - إلاّ لمن أيّده الله بكشف الحقائق -، وهي أنّ الكلّ إذا كان بمشيّة الله، فما الفائدة في بعثه الرسول وتزكيته والتهذيب وإنذاره والتأديب؟ فيقال لك: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كما هو سبب من أسباب سعادة السعداء كذلك هو بعينه سبب من أسباب شقاوة الأشقياء، وبهذا السبب كما يرتقي السعيد إلى منازل الملكوت، يهوي الشقيّ إلى مهاوي الطاغوت - كما أشير إليه -. واعلم أنّ شهوات الدنيا مقرونة بالآفات العظيمة، وحلاواتها ممزوجة بالسموم المهلكة القتّالة، وفائدة البعثة والإنزال إعلام الخلائق وإنذارها عن تناولها والتشاغل بها، فمن كان ذا فطرة صحيحة صدّق الرسول وسمع القرآن بقلبه فانتهى عن تناولها، ومن لم يصدّق الرسول ويُصَمّ عن سماع الكتاب ويعمى عن رؤية الآيات، وكان مريض النفس عليل القلب، أخلَد إلى الأرض واتّبع هواه، فوقع في الهلاك ويئس من الآخرة كما يئس الكفّار من أصحاب القبور. فكما أنّ المَلك والقرآن والنبيّ رسل الله إلى هؤلاء، فالهوى والنفس والشيطان رسل الله إلى هؤلاء العميان، فاقرأ قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة:257] - الآية -، وقوله: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة:268] {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة:105]. وقوله - في الحديث القدسي -: حديث : خلقتُ هؤلاء للجنّة ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي . تفسير : فالمؤمن الحقيقي من يقبل دعوة الله ويردّ دعوة الشيطان، ولا يقع في حبائل غروره وشَرَك مكره، ويسمع بسمع التيقّظ قول المبلّغ: رُبّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلا. والرسول قد حذّره بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : الدنيا حيّةً فقاتلوها . تفسير : والقرآن علّمه بالبيان والبرهان: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ}تفسير : [الحديد:20]. والمنافق يردّ دعوة الرحمن ويقبل دعوة الشيطان: {أية : لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأعراف:40 - 41]. قال بعض أصحاب القلوب: إنّ الله يعامل العباد في الأبد على ما عاملهم في الأزل. وقال بعضهم: ليس الخوف من سوء العاقبة، إنّما الخوف من سوء السابقة. {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم:30]. فالسعيد سعيد في الأزل، والشقّي لم يزل. واتل قوله:{أية : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}تفسير : [آل عمران:152]. وقوله: {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران:145].
الهواري
تفسير : [قوله عز وجل: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} يعني من رُزِق الإسلامَ من الناس كلّهم. {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ الْعَظِيمِ}]. قوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ} يعني اليهود {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي: كذبوا ببعضها. ومن كفر بحرف من كتاب الله فقد كفر به أجمع. وهو جحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام وما غيروا من التوراة فأحلوا ما أحبّوا مما حرّم الله فيها، وحرّموا ما أحبّوا أن يحرّموا مما أحلّّ الله لهم فيها. قال عز وجل: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} والأسفار: الكتب. شبّههم بالحمار الذي لو حملت عليه جميع كتب الله لم يدر ما حملت عليه. قال تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ} أي: لشبههم بالحمار الذي يحمل أسفاراً ولا يدري ما حُمِل عليه. قال الله عز وجل: {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: من ظالم مشرك وظالم منافق. قال الله عز وجل للنبي عليه السلام: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ} أي: تهوّدوا {إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: بأنكم أولياء لله من دون الناس. قال الله عز وجل: {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً} يعني الموت {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي: المشركين.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} الفضل الذي امتاز محمد به عن اقرانه.{فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} هم النبي ومن ذكر معه تفضلا وقيل الاشارة الى النبوة فيخص بها النبي صلى الله عليه وسلم {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} الذي تستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة وهو ارسال محمد صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} المذكور العالى الشأن من بعث الله ورسوله. صلى الله عليه وسلم فى الأُميين وتعليمه وتزكيته وقيل النبوة، قلت: أو كل ذلك {فَضْلُ اللهِ} إِحسانه جل شأنه. {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} وليس لغيره صلى الله عليه وسلم وغير أُمته، وإِذا نزل عيسى عليه السلام جرى على القرآن والسنة، ومنها حينئذ أن لا تقبل جزية والجملة مستأنفة أو خبر ثان أو حال من فضل. {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} على الإِطلاق هذا الفضل وغيره. {مَثَلُ} أى صفة {الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} اليهود الذين علمهم الله التوراة وجعلهم حاملين لها بالقراءة والحفظ والكتابة {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} لم يعملوا بها، لم يحملوها حمل عمل بل حمل رواية وفيها رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفاته وأسقطوها وغيروها، أو من الحمالة وهى الضمانة أى ألزمهم أن يتكلفوا بها {كَمَثَلِ الْحِمَارِ} جنس الحمار كصفة الحمار {يَحْمِلُ أسْفَارَاً} كتبا عظام الشأن والصورة، كما يدل عليه التنكير لم يعرفوا للتوراة حقا ولا انتفعوا بها كما هو شأن الحمار، وكأَنهم لا يحتاجون إِليها واختار لفظ أسفار تنبيها على أنها كتب تسفر بالحق وتوضحه، والجملة نعت الحمار ولو كان معرفة لشبهه بالنكرة لأَن تعريفه جنسى، وإِن جعلت حالا لم يوجد عامل فى الحال لأَن مثل بمعنى صفة فنكلف بجعل الكاف زائد لتأكيد التشبيه، وجعل مثل فى الموضعين بمعنى مماثل، فيصلح للعمل فى الحال، ونسب الإِمام أبو حيان وجوب الحالية للمحققين مراعاة للفظ المعرفة. {بِئْسَ} أى هو أى ذلك المثل المذكور والمخصوص بالذم هو قوله عز وجل. {مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ} أى القرآن وقيل القرآن ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل التوراة كذب اليهود بها إِذ لم يؤمنوا بما فيها من محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفاته، واستتار فاعل باب نعم بلا تمييز جائز، ودعوى أن هناك تمييزا مفسر للمستتر بعيد، كيف يكون المحذوف مفسرا لما لم يذكر {واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} هذا عموم يشمل المذكورين بالأَولى لأَن الكلام عليهم أو هم المراد لم يضمر لهم ليصفهم بالظلم الموجب للخزى. قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم قرأ الآية. {قُلْ يَا أيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا} انتسبوا إِلى اسم اليهود أو إِلى يهوذا بن يعقوب بأَلف بعد ذال معجمة حذفت وأُبدلت الذال دالا مهملة. {إِنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أوْلِيَاءُ} أحباءُ كما يقولون نحن أبناءُ الله وأحباؤه، ولن يدخل الجنة إِلا من كان هودا {للهِ} لم يضف فرقا بين مدعى الولاية بلا تحقيق وبين من ثبتت له كقوله تعالى: أَلا أن أولياء الله {مِن دُونِ النَّاسِ} سائر الناس متعلق بمحذوف خال من ضمير الاستقرار {فَتَمَنَّوُا} من الله عز وجل {الْمَوْتَ} لكم بأَن يميتكم لتلقوا حبيبكم ويثيبكم وتنتقلوا من دار الكدر إِلى دار الصفاء. {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى دعوى أنكم أولياء الله عز وجل ولما ظهرت رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كتب يهود المدينة إِلى يهود خيبر إِن اتبعتم محمدا أطعناه، وإِن خالفتموه خالفناه، فقالوا نحن أبناء خليل الرحمن ومنا عزير ابن الله والأَنبياء، وفى أى زمان كانت النبوة فى العرب نحن أحق بالنبوة من محمد ولا سبيل إِلى اتباعه فنزل قوله تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا} الآية، وإِن قلت تحقق عند الله أنهم زعموا فما وجه (إِن) الشكية، قلت: وجهها أن زعمهم أمر باطل بعيد حتى كأَنه مما يشك فيه هل وقع.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من كونه عليه الصلاة والسلام رسولاً في الأميين ومن / بعدهم معلماً مزكياً وما فيه من معنى البعد للتعظيم أي ذلك الفضل العظيم {فَضَّلُ ٱللَّهُ } وإحسانه جل شأنه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } من عباده تفضلاً، ولا يشاء سبحانه إيتاءه لا حد بعده صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة.
ابن عاشور
تفسير : الإِشارة إلى جميع المذكورِ من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم بالآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة والإِنقاذ من الضلال ومن إفاضة هذه الكمالات على الأميين الذين لم تكن لهم سابقة علم ولا كتاب، ومن لحاق أمم آخرين في هذا الخبر فزال اختصاص اليهود بالكتاب والشريعة، وهذا أجدع لأنفهم إذ حالوا أن يجيء رسول أمي بشريعة إلى أمة أمية فضلاً عن أن نلتحق بأمية أمم عظيمة كانوا أمكن في المعارف والسلطان. وقال: {أية : قل إن الهدى هدى الله أن يُؤْتَى أحد مثلما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}تفسير : [آل عمران: 73] يختص به. وهذا تمهيد ومقدمة لقوله تعالى: {أية : مثل الذين حملوا التوراة}تفسير : [الجمعة: 5]الآيات.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. اختلف في مرجع اسم الإشارة هنا وفي المراد بالمتفضل به عليهم، أهم الأمة الأميّة تفضل الله عليها ببعثة نبي منهم فيهم؟ أم هو النَّبي صلى الله عليه وسلم الأمّي تفضل الله تعالى عليه ببعثته معلماً هادياً؟ أم هم الآخرون الذين لم يلحقوا زمن البعثة ووصلتهم دعوتها، وأدركوا فضلها؟ وقد اكتفى الشيخ رحمة الله تعالى عليه وعلينا، في مذكرة الدراسة بقوله ذلك أي المذكور من بعث هذا النَّبي الكريم في الأميين، فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومن عظم فضله تفضله على هذه الأمة بهذا النَّبي الكريم اهـ. وهذا القول منه رحمة الله تعالى علينا وعليه، يتضمن القولين الأول والثاني من الأقوال الثلاثة، تفضل الله على الأميين ببعثته هذا النَّبي الكريم فيهم، وتفضل الله على النَّبي ببعثه فيهم مما لا يشعر بأنه لا خلاف بين هذه الأقوال الثلاثة، وأنها من الاختلاف التنوعي أو هي من المتلازمات فلا مانع من إدارة الجميع، لأن فضل الله تعالى قد شمل الجميع. وقد نص الأول بقوله: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}تفسير : [آل عمران: 164] وهذا عين ما في سورة الجمعة سواء، لأن الامتنان هو التفضل. ونص على الثاني بقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113]. ونص على الثالث بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [المائدة: 54]. فقوله: فسوف يأتي، ويساوي { أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}تفسير : [الجمعة: 3]، فهو خلاف تنوع، وفضل الله شامل للجميع.
د. أسعد حومد
تفسير : (4) - وَإِنَّ إِرْسَالَ الرَّسُولِ إِلَى البَشَرِ لِيُطَهِّرَهُمْ وَيُزَكِّيَهُمْ وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى الخَيْرِ، هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَإِحْسَانٌ مِنْهُ إِلَى عِبَادِهِ، يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ يَصْطَفِيهِمْ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ تَعَالَى عَظِيمُ الفَضْلِ عَلَيهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):