٦٢ - ٱلْجُمُعَة
62 - Al-Jumu'aa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين في النبوة أنه عليه السلام بعث إلى الأميين واليهود لما أوردوا تلك الشبهة، وهي أنه عليه السلام بعث إلى العرب خاصة، ولم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه الله تعالى بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنبي عليه السلام، والمقصود منه أنهم لما لم يعملوا بما في التوراة شبهوا بالحمار، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها، ولم يوردوا تلك الشبهة، وذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام، والبشارة بمقدمه، والدخول في دينه، وقوله: {حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } أي حملوا العمل بما فيها، وكلفوا القيام بها، وحملوا وقرىء: بالتخفيف والتثقيل، وقال صاحب «النظم»: ليس هو من الحمل على الظهر، وإنما هو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل: الحميل، والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها. قال الأصمعي: الحميل، الكفيل، وقال الكسائي: حملت له حمالة. أي كفلت به، والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء، ونظيره شبر وأشبار، شبه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التوراة، وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب العلمية ولا يدري ما فيها. وقال أهل المعاني: هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن ولم يعمل به، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية، وقوله تعالى: {لَمْ يَحْمِلُوهَا } أي لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما بيناه، فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتباً، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم، ثم ذم المثل، والمراد منه ذمهم فقال: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي بئس القوم مثلاً الذين كذبوا، كما قال: {أية : سَاء مَثَلاً ٱلْقَوْمُ } تفسير : [الأعراف: 177] وموضع الذين رفع، ويجوز أن يكون جراً، وبالجملة لما بلغ كذبهم مبلغاً وهو أنهم كذبوا على الله تعالى كان في غاية الشر والفساد، فلهذا قال: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ } والمراد بالآيات ههنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس ومقاتل، وقيل: الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أشبه هنا {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء وههنا مباحث: البحث الأول: ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات؟ نقول: لوجوه منها: أنه تعالى خلق {ٱلْخَيْل وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } والزينة في الخيل أكثر وأظهر؛ بالنسبة إلى الركوب، وحمل الشيء عليه، وفي البغال دون، وفي الحمار دون البغال، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال، وغيرهما من الحيوانات، ومنها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة، وذلك في الحمار أظهر، ومنها: أن في الحمار من الذل والحقارة مالا يكون في الغير، والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم، لكونه ذلولاً، سلس القياد، لين الانقياد، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة. وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره ومنها: أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في الكلام، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى. الثاني: {يَحْمِلُ } ما محله؟ نقول: النصب على الحال، أو الجر على الوصف كما قال في «الكشاف» إذا الحمار كاللئيم في قوله:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني (فمررت ثمة قلت لا يعنيني) تفسير : الثالث: قال تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ } كيف وصف المثل بهذا الوصف؟ نقول: الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم، فكأنه قال: بئس القوم قوماً مثلهم هكذا. ثم إنه تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : ضرب مَثَلاً لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. {حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي كُلّفوا العمل بها؛ عن ابن عباس. وقال الجُرجاني: هو من الحَمَالة بمعنى الكفالة؛ أي ضمنوا أحكام التوراة. {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} هي جمع سِفْر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء. قال مَيمون بن مِهْران: الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زبِيل؛ فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه؛ لئلا يلحقه من الذّم ما لحق هؤلاء. وقال الشاعر:شعر : زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيّدها إلا كعِلْم الأباعر لَعْمرُك ما يدري البعيرُ إذا غَدَا بأوساقه أو راح ما في الغرائر تفسير : وقال يحيى بن يمان: يكتب أحدهم الحديث ولا يتفّهم ولا يتدبّر، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب. وقال الشاعر:شعر : إن الرواة على جهل بما حَمَلوا مِثْلُ الجمال عليها يُحمل الوَدَعُ لا الوَدْع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الوَدْع تنتفعُ تفسير : وقال منذر بن سعيد الَبلّوطي رحمه الله فأحسن: شعر : انْعِقْ بما شئت تجد أنصارَا وزُمّ أسفاراً تجد حمارا يحمل ما وضعت من أسفارِ يحمله كمثل الحمار يَحملُ أسفاراً له وما دَرَى إن كان ما فيها صواباً وخطا إن سُئلوا قالوا كذا رَوَيْنا ما إن كَذَبْنا ولا أعتديْنا كبيرهم يصغر عند الحَفْلِ لأنه قَلّد أهل الجهل تفسير : {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي لم يعملوا بها. شبههم ـ والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها ـ بالحمار يحمل كتباً وليس له إلا ثِقْل الحِمل من غير فائدة. و «يحمل» في موضع نصب على الحال؛ أي حاملاً. ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف؛ لأن الحمار كاللئيم. قال: شعر : ولقـد أمُـرُّ على اللئـيم يَسُـبنّي تفسير : {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} المثل الذي ضربناه لهم؛ فحذف المضاف. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي من سبق في علمه أنه يكون كافراً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ذاماً لليهود الذين أعطوا التوراة، وحملوها للعمل بها، ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتباً لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملاً حسياً، ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظاً، ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه، فهم أسوأ حالاً من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179] وقال تعالى ههنا: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة» تفسير : . ثم قال تعالى: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمداً وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين، أي: فيما تزعمونه. قال الله تعالى: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} أي: بما يعلمون لهم من الكفر والظلم والفجور {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } تفسير : [البقرة: 94 ــــ 96]، وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} تفسير : [آل عمران: 61] ومباهلة المشركين في سورة مريم: {أية : قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} تفسير : [مريم: 75]. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمداً عند الكعبة، لآتينه حتى أطأ على عُنُقه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت، لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً» تفسير : . رواه البخاري والترمذي والنسائي، من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، قال البخاري وتبعه عمرو بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم، ورواه النسائي أيضاً عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم. وقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كقوله تعالى في سورة النساء: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ بن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: «حديث : مثل الذي يفر من الموت، كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى، حتى إذا أعيا وانبهر، دخل جحره، فقالت له الأرض: ياثعلب ديني، فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات».
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَٰةَ } كلفوا العمل بها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } لم يعملوا بما فيها من نعته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } أي كتباً في عدم انتفاعه بها {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } المصدّقة للنبي صلى الله عليه وسلم والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره هذا المثل {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين.
الماوردي
تفسير : {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معناه تفرون من الداء بالدواء فإنه ملاقيكم بانقضاء الأجل. الثاني: تفرون من الجهاد بالقعود فإنه ملاقيكم بالوعيد. الثالث: تفرون منه بالطيرة من ذكره حذراً من حلوله فإنه ملاقيكم بالكره والرضا. الرابع: إنه الموت الذي تفرون أن تتمنوه حين قال تعالى: {فتمنوا الموت}.
ابن عطية
تفسير : {الذين حملوا التوراة} هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و {حملوا} معناه: كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، فهذا كمال حمل الإنسان الأمانة، وليس ذلك من الحمل على الظهر، وإن كان مشتقاً منه، وذكر تعالى أنهم {لم يحملوها}، أي لم يطيعوا أمرها، ويقفوا عند حدها حين كذبوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، و {التوراة} تنطق بنبوته، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار، فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة واحدة، وقرأ يحيى بن يعمر: "حَمَلوا" بفتح الحاء والميم مخففة، وقرأ المأمون العباسي: "يُحَمَّل أسفاراً" بضم الياء وفتح الحاء وشد الميم مفتوحة، وفي مصحف ابن مسعود: "كمثل حمار" بغير تعريف، والسفر: الكتاب المجتمع الأوراق منضودة، ثم بين حال مثلهم وفساده بقوله تعالى: {بئس مثل القوم} وقوله تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم} الآية، روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا يهود خيبر في أمره، وذكروا لهم نبوته، وقالوا: إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن، وأبناء عُزيْر ابن الله ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب، نحن أحق بالنبوة من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت الآية بمعنى: أنكم إذا كنتم من الله تعالى بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الحسية أحب إليكم {فتمنوا الموت} إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة، أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يتمنونه ولا يلقونه إلا كرهاً لعلمهم بسوء حالهم عند الله وبعدهم منه. هذا هو المعنى اللازم من ألفاظ الآية، وروى كثير من المفسرين أن الله تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيهم، وآية باهرة، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق الدنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تمنوا الموت" تفسير : على جهة التعجيز وإظهار الآية، فما تمناه أحد خوفاً من الموت، وثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، ثم توعدهم تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه، ثم بما بعده من الرد إلى الله تعالى، وقرأ ابن مسعود: "منه ملاقيكم" بإسقاط {فإنه}، وقوله تعالى: {فينبئكم} أي إنباء معاقب مجاز عليه بالتعذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق "فتمنوا الموت" بكسر الواو وكذلك يحيى بن يعمر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ}. هذه قراءة العامَّة. وقرأ زيد بن علي ويحيى بن يعمر: "حَمَلُوا" مخففاً مبنياً للفاعل. قوله: {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ}. هذه قراءة العامة. وقرأ عبد الله: "حِمَارٍ" منكراً، وهو في قوة قراءة الباقين، لأن المراد بالحمار: الجِنْس ولهذا وصف بالجملة بعده، كما سيأتي. وقرأ المأمون بن هارون الرشيد: "يُحَمَّل" مشدداً مبنيًّا للمفعول. والجملة من "يَحْمِلُ أو يُحَمَّلُ" فيها وجهان: أشهرهما: أنه في موضع الحال من "الحمار". والثاني: أنها في موضع الصفة للحمار، لجريانه مجرى النكرة، إذ المراد به الجنس. قال الزمخشري: أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم، في قوله: [الكامل] شعر : 4767 - وَلقَدْ أمُرُّ على اللَّئيمِ يسُبُّنِي ........................... تفسير : وتقدم تحرير ذلك وأن منه عند بعضهم: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ}تفسير : [يس: 37]، وأن "نسلخ" نعت لليل، والجمهور يجعلونه حالاً للتعريف اللفظي. وأما على قراءة عبد الله: فالجملة وصف فقط، ولا يمتنع أن تكون حالاً عند سيبويه. والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب المجتمع الأوراق. فصل في تفسير هذا المثل هذا مثل ضرب لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم "حُمِّلُوا التَّوراةَ" أي: كلفوا العمل بها. قاله ابن عباس. وقال الجرجاني: هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي: ضمنوا أحكام التوراة. وقوله: {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}. لم يعملوا بما فيها ولم يؤدّوا حقها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} أي: كتباً من العلم، واحدها سفر. قال الفرَّاء: هي الكتب العظام، لأنها تسفر عما فيها من المعاني إذا قرئت، ونظيره: شبر وأشبار. يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرأون التوراة ولا ينتفعون بها، لأنهم خالفوا ما فيها. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل، كذلك اليهود، وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ويعمل به لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4768 - لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي البَعِيرُ إذَا غَدَا بأوسَاقِهِ أوْ رَاحَ مَا فِي الغَرَائِرِ تفسير : قوله: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} فيه أوجه: أحدها: وهو المشهُور أن "مثَلُ القَوْمِ" فاعل "بِئْسَ" والمخصوص [بالذم الموصول بعده، وهذا مشكل؛ لأنه لا بد من تصادق فاعل "نعم وبئس" والمخصوص هنا: "المثل" ليس بالقوم المكذبين] والجواب: أنه على حذف مضاف، أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا. الثاني: أن "الَّذينَ" صفة للقوم فيكون مجرور المحلّ، والمخصوص بالذَّم محذوف لفهم المعنى، تقديره: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء، وهو قريب من الأول. الثالث: أن الفاعل محذوف، وأن "مثل القوم" هو المخصوص بالذَّم، وتقديره: بئس المثل مثل القوم، ويكون الموصول نعتاً للقوم أيضاً، وإليه ينحو كلام ابن عطية فإنه قال: والتقدير {بئس المثل مثل القوم}. وهذا فاسد: لأنه لا يحذف الفاعل عند البصريين إلاَّ في مواضع ثلاثة ليس هذا منها، اللهم إلا أن يقول بقول الكوفيين. الرابع: أن يكون التمييز محذوفاً، والفاعل المفسر به مستتر، تقديره: "بئس مثلاً مثل القوم" وإليه ينحو كلام الزمخشري فإنه قال: "بئس مثلاً مثل القوم". فيكون الفاعل مستتراً مفسراً بـ"مَثَلاً"، و"مثلْ القَوْمِ" هو المخصوص بالذم، والموصول صفة له، وحذف التمييز، وهذا لا يجيزه سيبويه وأصحابه ألبتة. نصوا على امتناع حذف التمييز، وكيف يحذف وهو مبين. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمة في تعيين الحمار من دون سائر الحيوانات؟. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه تعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 87]، والزينة في الخيل أظهر وأكثر بالنسبة إلى الركوب والحمل عليه، وفي البغال دون الخيل، وفي الحمير دون البغال، فالحمار كالمتوسط في المعاني الثلاثة، وحينئذ يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال وغيرهما من الحيوانات. وثانيها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة لأولئك القوم، والحمار يمثل به في الجهل والبلادة. وثالثها: أن في الحمار من الحقارة ما ليس في غيره من الحيوانات. والغرض من الكلام هاهنا تحقير القوم وتعييرهم، فيكون تعيين الحمار أليق. ورابعها: أن حمل الأسفار على الحمار أسهل وأعمّ وأسهل لسرعة انقياده، فإنه ينقاد للصبي الصغير من غير كلفة، وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره. وخامسها: أن رعاية الألفاظ والمناسبة من لوازم الكلام [وبين] لفظ الأسفار والحمار مناسبة لفظة [لا توجد] في غيره من الحيوانات فيكون ذكره أولى. فصل قال القرطبي: "معنى الكلام: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم فحذف المضاف {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء يعني من سبق في علمه أنه يكون كافراً".
البقاعي
تفسير : ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء، ودل على فضله العظيم بتعليم الجاهل، دل على عقابه الأليم تتميماً للدلالة على باهر قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه تحذيراً من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم، فقال جواباً لمن كأنه قال: هذا فضله علىالجاهل فكيف فعله بالعالم؟ فقال تحذيراً من يزكي فلا يتزكى بأن يقول ما لا يعمل، ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه. شعر : من فاته العلم وأخطأ الغنى فذاك والكلب على حد سوا تفسير : {مثل الذين} ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه من أيّ موصل كان، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عن العصيان: {حملوا التوراة} أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع. ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في أنفسهم وأجلهم إحساناً إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل لحفظها الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها، عبر بأداة البعد فقال: {ثم لم يحملوها} بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ثم محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء، فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار من غير نفع أصلاً {كمثل} أي مِثَّل مَثَل {الحمار} الذي هو أبله الحيوان، فهو مثل في الغباوة، حال كونه {يحمل أسفاراً} أي كتباً من العلم كاشفة للأمور تنفع الألباء، جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه. ولما كان المثل الجامع لهما - وهو وجه الشبه - شخصاً مثقلاً متعباً جداً بشيء لا نفع له به أصلاً فهو ضرر عليه صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه متعب ولا يدري أصخر هو أم كتب، أنتج قوله معبراً بالأداة التي هي لجامع الذم ترهيباً للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن فيكونوا أسوأ مثلاً من أهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لأن رسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم وكتابهم أعلى وأفخم فقال: {بئس مثل القوم} أي الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون به {الذين كذبوا} أي عمدوا على علم عناداً منهم وكفراً {بآيات الله} أي دلالات الملك الأعظم على رسله ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وجميع ما يرضيه مثلهم فإن مثلهم قد تكفل بتعريف أنهم قد اجتمعوا مع الحمار في وصف هو الروح الباطني، وهو الضرر الصرف الذي لا نفع فيه بوجه بأنفع الأشياء، وهو ما دل على الله فضمن سعادة الدارين، وهذا المثل وإن كان نصاً في اليهود فهو لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما أن مثل الكلب في الأعراف على هذا النحو، وكأنه لم يدخل سبحانه هذه الأمة في ذلك صريحاً إشارة إلى حفظها من غير أن يكلها إلى نفسها كما أنه آتاها العلم مع الأمية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم علم ما ولا تكلف لشيء. ولما كان التقدير: فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد الظلم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال لا يهديهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ: {الظالمين *} أي الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي لم يدع لبساً حتى صار الظلم لهم صفة راسخة. ولما كان قولهم أنهم أولياء الله وأحباؤه في غاية البعد من هذا المثل، استأنف ما يدل على صحة المثل قطعاً، فقال معرضاً عنهم آمراً لمن كذبوه بتبكيتهم: {قل} أي يا أيها الرسول الذي هم قاطعون بأنه رسوله الله: {يا أيها الذين هادوا} أي تدينوا باليهودية. ولما كان الحق يصدع من له أدنى مسكة، فكانوا جديرين بالرجوع عن العناد، عبر بأداة الشك فقال: {إن زعمتم} أي قلتم قولاً هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه {أنكم أولياء الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، خصكم بذلك خصوصية مبتدأة {من دون} أي أدنى رتبة من رتب {الناس} فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا إلى أحد منكم غيركم، بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما الأميين {فتمنوا الموت} وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء {إن كنتم} أي كوناً راسخاً {صادقين *} أي عريقين عند أنفسكم في الصدق فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ومن التطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر أنه يتمنى النقلة إلى وليه، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم"حديث : والذي نفسي بيده لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه" تفسير : فلم يقلها أحد منهم علماً منهم بمصدقه صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عناداً منهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} قال: اليهود. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} قال: أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعملوا به. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً} قال: كتباً لا يدري ما فيها ولا يدري ما هي يضرب الله لهذه الأمة أي وأنتم إن لم تعملوا بهذا الكتاب كان مثلكم كمثلهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {يحمل أسفاراً} قال: كتباً لا يعلم ما فيها ولا يعقلها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} قال: يحمل كتباً على ظهره لا يدري ماذا عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أسفاراً} قال: كتباً. وأخرج الخطيب عن عطاء بن أبي رباح مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {أسفاراً} قال: كتباً والكتاب بالنبطية يسمى سفراً. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة ".
القشيري
تفسير : {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}: ثم لم يعملوا بها. ويُلْحَقُ بهؤلاء في الوعيد - من حيث الإشارة - الموسومون بالتقليد في أي معنى شِئتَ: في علم الأصول، وممَّا طريقُه أدلةُ العقول، وفي هذه الطريقة ممَّا طريقُه المنازلات.
اسماعيل حقي
تفسير : {مثل الذين حملوا التوراة} اى علموها وكلفوا العمل بها وهم اليهود ومثلهم صفتهم العجيبة {ثم لم يحملوها} اى لم يعملوا بما فى تضاعيفها من الآيات الى من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله عليه السلام واقتنعوا بمجرد قرآءتها {كمثل الحمار} الكاف فيه زآئدة كما فى الكواشى والحمار حيوان معروف يعبر به عن الجاهل كقولهم هو اكفر من الحمير اى اجهل لان الكفر من الجهالة فالتشبيه به لزيادة التحقير والاهانة ولنهاية التهكم والتوبيخ بالبلادة اذا الحمار يذكر بها والبقر وان كان مشهورا بالبلادة الا انه لا يلائم الحمل شعر : تعلم يافتى فالجهل عار ولا يرضى به الا حمار تفسير : {يحمل اسفارا} اى كتبا من العلم يتعب بحملها ولا ينتفع بها ويحمل اما حال والعامل فيها معنى المثل اوصفة للحمار اذ ليس المراد معينا فان المعرف بلام العهد الذهنى فى حكم النكرة كما فى قول من قال ولقد امر على اللئيم يسبنى والاسفار جمع سفر بكسر السين وهو الكتاب كشبر واشبار قال الراغب السفر الكتاب الذى يسفر عن الحقائق اى يكشف وخص لفظ الاسفار فى الآية تنبيها على ان التوراة وان كانت تكشف عن معانيها اذا قرئت وتحقق مافيها فالجاهل لايكاد يستبينها كالحمار الحامل لها وفى القاموس السفر الكتاب الكبير او جزء من اجزآء التوراة وفى هذا تنبيه من الله على انه ينبغى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم مافيه ويعمل به لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء (قال الشيخ سعدى) مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب شعر : علم جندانكه بيشتر خوانى جون عمل درتونيست تادانى نه محقق بود نه دانشمند جار بايى برو كتابى جند آن تهى معزرا جه علم وخبر كه برو هيز مست با دفتر تفسير : (وقال الكاشفى) شعر : كفت ايزد يحمل اسفاره بار باشد علم كان نبود زهو علمهاى اهل دل حمالشان علمهاى اهل تن احما لشان جون بدل خوانى زحق كيرى سبق جون بكل خوانى سبه سازى ورق تفسير : وفى التأويلات النجمية يعنى مثل يهود النفس فى حمل توراة العلم والمعرفة بصحة رسالة القلب وعدم اتباع رسومه واحكامه كمثل حمار البدن فى حمله اثقال الامتعة النفسية الا قمشة الشريفة والملابس الفاخرة والطيالس الناعمة فكما ان حمار البدن لايعرفها ولا يعرف شرفها ولا كرامتها كذلك يهود النفس لاتعرف رفعة رسول القلب ولا رتبته ونعم مايحكى عن بعض الظرفاء انه حضر دعوة لطعام فلم يلتفتوا اليه واجلسوه فى مكان نازل ثم انه خرج واستعار ألبسة نفيسة وعاد الى المجلس فلما رأوه على زى الاكابر عظموه واجلسوه فوق الكل فلما حضر الطعام قال ذلك الظريف خطابا لكمه كل والكم لايدرى ماالطعام وما اللذة لكن نظر اهل الصورة مقصور على الظاهر لايرون الفضل الا بالزخارف والزين فما أبعد هؤلاء عن ادراك المعانى والحقائق {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله} اى بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله على أن التمييز محذوف والفاعل المفسر له مستتر والمذكور هو المخصوص بالذم وهم اليهود الذين كفروا بما فى التوراة من الآيات الشاهدة بصحة نبوة محمد عليه السلام {والله لايهدى القوم الظالمين} الواضعين للتكذيب فى موضع التصديق او الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد باختيار الضلالة على الهداية والشقاوة على السعادة والعداوة على العناية كاليهود ونظائرهم وفيه تقبيح لهم بتشبيه حالهم بحال الحمار والمشبه بالقبيح قبيح وقد قال تعالى {أية : ان أنكر الاصوات لصوت الحمير}تفسير : فصوت الجاهل والمدعى منكر كصوت الحمار وأضل وانزل فهو ضار محض وفى الحمار نفع لانه يحمل الاثقال ويركبه النساء والرجال وقد قال فى حياة الحيوان ان اتخذ خاتم من حافر الحمار الاهلى ولبسه المصروع لم يصرع ثم ان فى الحمار شهوة زآئدة على شهوات سائر الحيوانات وهى من الصفات الطبيعية البهيمية فمن أبدلها بالعفة نجا وسلم من التشبيه المذكور وكم ترى من العلماء الغير العاملين ان اعينهم تدور على نظر الحرام ومع مالهم من النكاح يتجاوزون الى الزنى لعدم اصلاح قوتهم الشهوية بالشريعة اقوالهم لا أعمالهم واحوالهم نسأل الله العصمة مما يوجب المقت والنقمة انه ذو المنة والفضل والنعمة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {مَثَلُ} اليهود {الذين حُمِّلُوا التوراةَ} أي: كُلِّفوا علمها، والعمل بما فيها، {ثم لم يحملوها}؛ لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، {كَمَثَلِ الحمارِ يحمل أسفاراً} جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شَبّه اليهودَ بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقُرّاؤها وحُفّاظ ما فيها، ثمّ لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أنَّ فيها بعث رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كُتباً كباراً من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلاَّ ما يلحقه من الكدّ والتعب. وفي التلخيص: وَجْهُ الشَبَه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمُّل التعب في استصحابه، وكل مَن عَلِمَ ولم يعمل بعلمه فهذا مثلُه. قال الطيبي: لمّا تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين"؛ لأنه خاص بالعرب, أتبعه بضرب المثل لمَن تمسّك بهذه الشبهة, وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفاراً، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. هـ. وجملة " يحمل" حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار؛ إذ ليس المراد به معيناً, فهو كقوله: شعر : ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني... تفسير : {بئس مثلُ القومِ الذين كذّبوا بآيات الله} أي: بئس مثلاً مثل القوم الذين كذّبوا، أو بئس مثل القوم المكذِّبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذّبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، {واللهُ لا يهدي القوم الظالمين} وقت اختيارهم الظلمَ، أو: لا يهدي مَن سبق في علمه أنه يكون ظالماً، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. {قل يا أيها الذين هادوا إِن زعمتم أنكم أولياءُ لله من دون الناس فتَمَنَّوا الموتَ إِن كنتم صادقين}، كانوا يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة:18]، أي: إن كان قولكم حقًا، وكنتم على ثقة, فتمنُّوا على الله أن يُميتمكم ويبعثكم سريعاً إلى دار كرامته، التي أعدّها لأوليائه، فإنّ الحبيب يُحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: {ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم} من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم، {والله عليم بالظالمين} أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحدٌ منهم أن يتمناها، بل فرٌّوا منها، كما قال تعالى: {قل إِنَّ الموت الذي تفرون منه} ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، {فإنه مُلاقيكم} لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يُثنيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : لو تَمَنَّوه لماتوا من ساعتهم "تفسير : ، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر "إن" مع أنه لا يجوز: إن زيداً فمنطلق؛ لأنَّ "الذي" قد عُرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان؛ من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، {ثم تُرَدُّون إلى عالم الغيب والشهادة} الذي لاتخفى عليه خافية، {فيُنبئكم بما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب اللهُ اليهودَ في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: {فتَمنَّواالموتَ} وبأنهم أهل الكتاب, والعرب لا كتاب لهم، فشُبِّهوا بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. هـ. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مَثَلُ الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبّر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعُروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقِّي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدّم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأمّا تمني الموت فقد نُهي عنه، إلاّ لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: ما لك تُكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مَلِلت من العيش؟ أما تُقوّم فاسداً وتعين صالحاً؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلاّ فاتحاً فاه لِلعدة من الدنيا إمّا بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. هـ. وقيل لسفيان الثوري: لِمَ تتمنَّ الموت، وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد: شعر : قد قلتُ لمّا مَدَحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تُعرف فيهـا أمـان لقــائــه بلقــائـه وفـراق كـل معـاشــرِ لا يُنصِــف تفسير : وقال طاوس: لا يحرز المرء إلاَّ حفرته، وأنشدوا: شعر : يبكي الرجـالُ علـى الحياة وقـد أفـنى دمـوعـي شوقـي إلـى الأجـل أموت من قبـل أن يفـر منـي دَهْـري فإني منه على وجل تفسير : ثم ذكر شأن الجمعة، ردًّا على افتخار اليهود بالسبت، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وفيه إشراقات: الأوّل في الغرض المسوق إليه هذا التمثيل إنّ الله تعالى قد مثّل الذين حُمّلوا الكتب السماويّة وكُلّفوا القيام بها والعمل بموجبها، وهم لم يحملوها حقّ حملها من أداء حقّها، ولم يتدبّروا فيها ولم ينظروا بعين الاستبصار والاعتبار، بل حفظوها بالتكرار لفظاً، ودوّنوها في الأسفار لأغراض عاجلة لهم في هذه الدار، ثمّ لم يعملوا بما فيها، بالحمار الذي يحمل أسفارا، لأنّ الحمار الذي يحمل كتب الحِكمة على ظهره، لا يشعر بما فيها، فمثَل من يحفظ الكتاب ولا يدرك أسراره ومعانيه فلا يعمل بمؤدّاه ومقتضاه، كمثَل دابّة تحمل على ظهرها الكتب - لا تعلم بما فيها -. قال ابن عبّاس: فسواء حمل على ظهره أو جحده إذا لم يعمل به. وعلى هذا، فمن تلا القرآن ولم يفهم معناه، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، فكان حَرِياً بهذا المثل، وكذا من تدبّر في إعراب إلفاظه ودقائق عربيّته ونكاته البديعيّة، وهو بمعزل عن أسرار حكمته ومقاصده الأصليّة من المعارف الإلهيّة، والعلوم الربّانيّة، وأسرار المبدأ والمعاد وعلم الروحانيّين والملائكة والشياطين، وكيفيّة الوحي والتنزيل، وعلم النفس ومعرفة الروح، وورودها إلى هذا العالم، وردّها إلى أسفل سافلين، ثمّ عودها ورجوعها إلى باريها ومبقيها إمّا راضية مرضيّة إن آمنت وعملت الصالحات، أو ناكِسة منكوسة منحوسة محجوبة مظلمة إذا جحدت وعملت السيئّات، وكيفيّة نشو الآخرة من الدنيا، وأحوال القبر والبعث والحشر والنشر، إلى غير ذلك من المعارف التي هي الغرض الأصلي من إنزال الكتاب والوحي والإلهام والخطاب. فلمن لم يطّلع من القرآن إلاّ على تفسير الألفاظ وتبين اللغات ودقائق العربيّة والفنون الأدبيّة، وعلم الفصاحة والبيان وعلم بدائع اللسان، وهو عند نفسه انّه من علم التفسير في شيء، وانّ القرآن انّما انزل لتحصيل هذه المعارف الجزئيّة، فهو أحرى بهذا التمثيل ممّن لا خبر له أصلا، لا من إعراب الألفاظ ولا من حقائق المعاني، مع اعترافه بعجزه وقصوره. وممن أَنشد في هذا الباب شعراً أبو سعيد الضرير حيث قال: شعر : زوامل للأسْفار لا علم عندهم بجيّدها، إلاّ كعلم الأباعر لعمرك ما يدري المطيُّ إذا غدا بأسفاره إذ راح ما في الغرائر تفسير : وفي قوله: بئس مثل القوم الذين كذّبوا بآيات الله -، تنبيه بليغ على كليّة هذه القضيّة، وحقّية هذا المَثل، من غير اختصاصها بشأن اليهود الذين كذّبوا بالآيات الدالّة على إعجاز القرآن، وجلالة قدر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كلّ من جحد ما وراء فهمه، وأنكر ما سوى ما أخذه من معلّميه وأشياخه على غير بصيرة، أو وصل إليه من ظواهر النقول والروايات، فهو حقيق بهذا التمثيل، بالقياس إلى ما جحده وأنكره عند التحقيق. الإشراق الثاني المقصود من المثَل إنّ قوله: بئس مَثَل القوم الذين كذّبوا بآيات الله -، معناه: بئس القوم قوم مثلَهم هذا، لأنّ اليهود إنّما صاروا مذمومين مطرودين عن باب الله، لإنكارهم حقيّة الرسول، وإعراضهم عن مطالعة آيات الله، وجحودهم لما سمعوا من الحقائق الإيمانيّة والمعارف الربّانية التي لم تبلغ أفهامهم إليها من قبل، ولم تُسْمَع من شيوخهم الماضين ومعلّميهم وآبائهم السابقين كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المؤمنون:24] - الآية -. وكلّ مَن هذا صفته بالنسبة إلى أهل الحقّ وأصحاب الحكمة القرآنيّة في وراء معلومه وفوق مفهومه، من الإعراض والإنكار اغتراراً بظواهر الآثار وما سمعه وتلقّفه من أشياخه ومعلّميه، أو إعجاباً بما حصَّله بالبحث والتكرار من غير استكشاف واستبصار، فهو داخل في هذا الحكم، ومكذَّب لأيات الله بالحقيقة، لأنّ مقاصد أهل الله هي بعينها معارف الكتاب والسنّة، وهو حَرِيّ بهذا التمثيل، لأنّه - وإن لم يكن يهوديّ النِحْلة - لكنّه يهوديّ الخصلة. فكما أنّ القدريّة مجوس هذه الأمّة، فالظاهريّة والمشبّهة يهود هذه الأمة، والباطنيّة نصرانيّو هذه الأمّة، فإنّ جميع المذاهب القديمة توجد في أمّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) بواحد يزيد عليها - وهي الفرقة الناجية - والباقون في النار، كما دلّ عليه الحديث المشهور. وهذه الفرقة الناجية في غاية الخمول والخفاء والندرة والإنزواء. الإشراق الثالث المؤمن الحقيقي هو العارف الرباني إنّ المؤمن الحقيقي من يكون من الحكماء الإلهيّين والأولياء الربّانييّن، وإنّ غيرهم إمّا من أهل الإغرار وحَمَلة الأسفار، ومتحمّلة الأوزار، المنسلخين عن الفطرة الأصليّة كالحمار، المقيّدين بسلاسل تعلّقات هذه الدار، لا يهديهم الله لظلمهم وفسادهم سبيلاً للارتقاء إلى دار القرار، ولا يوفّقهم للنجاة من منازل الأشرار ومهاوي الفجّار إلى عالَم الأسرار ومعدن الأبرار. وإمّا من أهل السلامة والتسليم، والطاعة والانقياد من غير جحود ولا إنكار ولا استنكار، لبقائهم على فطرتهم الأصليّة، ونقاء صحائف خواطرهم وأذهانهم عن نقوش الأقاويل المظلمة المضلّة، فهم من أهل الرحمة والنجاة، الذين ينالهم ضَرْب من الرحمة الواسعة التي وسعت كلّ شيء. والدليل على ما ادّعيناه، من كون المؤمن الحقيقي هو العارف الربّاني والحكيم الإلهي، ممّا يستفاد من هذه الآيات على أتّم وجه وأوضحه، فإنّ ما ذكره تعالى في علّة البعثة وغاية الرسالة من قوله: {أية : يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [الجمعة:2] - يدلّ دلالة واضحة على أنّ نتيجة البعثة دعوة الخق إلى العلم والحكمة، وأنّ الإيمان بالله والرسول عبارة عن تعلّم الكتاب والحكمة بالحقيقة لا بالمجاز، وإلاّ لكان الإيمان إيماناً بالمجاز، فيكون المؤمن المجازي مسلوباً عنه الإيمان الحقيقي، كما هو قاعدة إطلاق اللفظ على سبيل المجاز. فثبت أن الإيمان الذي كون فائدة البعثة وثمرة إنزال القرآن، عبارة عن صيروة كون العبد المسلم حكيما عارفاً بحقائق ما في الكتاب، - لا بمجرّد حفظ الألفاظ وتكرارها، ولا بمجرّد تفسير العربيّة ونكاتها البديعيّة - فإنّ معرفة ألفاظ العرب ودقائق علم البيان، ليس من مقصود علم القرآن من شيء، بل المقصود سياقة الخلق إلى جوار الله بالعلم بحقائق الأشياء، والتجرّد عن علائق الدنيا، وهو لا يحصل بمجرّد الاطّلاع على علم العربيّة والكلام، والقرآن إنّما نزل بلغة العرب ليكون أوضح دلالة وأفصح بيانا، إذ لا يكون في دقّة الألفاظ وغرابة أبنية الكلام فائدة يعتدّ بها كما دلّت عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يوسف:2] وقوله: {أية : وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل:103]. الإشراق الرابع طهارة القلب واستكماله بفضل الله ثمّ لمّا بيّن فائدة البعثة وثمرة الرسالة - وهو تزكية الأمّة بإصلاح الجزء العملي من نفوسهم ليكونوا صلحاء حلماء، وتعليمهم الكتاب والحِكمة بتكميل الجزء العمليّ منها ليكونوا علماء حكماء -، أشار إلى أنّ طهارة القلب عن رذائل الصفات، واستكماله بمعارف الآيات الإلهيّات، من فضل الله يؤتيه من يشاء، أي لا بدّ فيه من سابقة عناية أزليّة، وهداية إلهيّة، وجذبة ربّانيّة لا يوازيها عمل وكسب، وهي من الحكمة التي من يؤتَها فقد أُوتي خيراً كثيراً، يعني أنّ ذلك مزيّة نوارنيّة ونعمة روحانيّة لا تناط بكثرة التكرار آناء الليل وأطراف النهار، ولا بحمل الكتب والأسفار، لا بطول المراجعة إلى أهل الاشتهار والتبسّط في البلاد والديار طلباً لحطام هذه الدار، كما هو عادة المشتغلين بكسب الشيخوخة ورياسة المذهب، وشيمة طلاّب الافتخار قصداً للجمع والإكثار، مع اشتباه واغترار بأنّ ما فهمه من علم الدين وأسرار اليقين. ومنشأ هذه الغلظة وبذر هذا النفاق، هو حبّ الجاه الذي يعمي القلب عن رؤية الحقائق، ويصمّ السمع عن الشعور بغير ما يتوسّل به إلى تحصيل المنزلة عند الناس، فإنّ من غلب على قلبه حبّ الجاه وميل الثروة، صار مقصور الهمِّ على مراعاة الخلق، ولا يزال في أقواله وأفعاله، وتحصيله ظواهر العلوم واتيانه بصور العبادات والخيرات، متلفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وربما يهمّ ويشتهي أن يجمع الدنيا مع الدين، ويراعي الخلق مع الحق بظنّه الفاسد وطمعه الكاسد، انّ ذلك أمر ممكن. ولا يدري الجاهل المسكين أنّ ذلك بذر النفاق، ومادّة الفساد، وسبب الجحود والعناد في العلوم، ومنشأ المراءاة في النسك والعبادات للتوسّل بها إلى اقتناص القلوب وجلب خواطر الخلق. ثمّ لا يدري السفيه أنّ مَن أراد أن يجمع بين الدين والدنيا صار في آخر الأمر بحيث لا دين له ولا دنيا. على أنّ الدنيا لا حقيقة لها عند العقلاء، بل هي من قبيل الأوهام والأحلام وصورة المرايا والظلال. وقد شبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حبّ الجاه والشرف وافسادهما للدين بذئبين ضاريين - كما هو المرويّ عنه في كتب العامّة والخاصّة -. وهذا الحديث روي عن بعض ساداتنا المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - في مدح صفوان بن يحيى حيث قال: ما ذئبان ضاريان قد وقعا في غنم غاب عنها رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من حبّ الرياسة لكن صفوان لا يحبّ الرياسة. وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه قال: حديث : حبّ الجاه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقلَ . تفسير : فعلم أنّ حبّ الجاه والشهرة من المهلكات التي لا يمكن النجاة لأحد منها، وإهلاكه وإفساده للمغترّين بظواهر العلوم أشدّ وأكثر من إهلاكه للمتغرّين بظواهر الأعمال، بقدر التفاوت بين قبح الكفر الذي هو ضرب من فساد العلم، وبين الفسق الذي هو ضرب من فساد العمل، ومن الأمور الواضحة المستبينة عند أرباب الإطلاع على كيفيّة تحصيل المعارف اليقينيّة، أنّ حبّ الجاه وحبّ التكبر يحجب القلوب عن مطالعة الآيات ومشاهدة الحقائق، كما قال الله تعالى: {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف:146]. ثمّ انظر أنّه تعالى كيف أشار إلى أنّ المؤمنين هم أولياء الله والحكماء والإلهيّون، وأنّ المتغرّين بظوهر الآثار من الفجّار والمنافقين حيث أثبت أولاً أغراض الرسالة وفائدة البعثة، وأنّهما تصفية القلوب من الجهل والرذائل، وتكميلها بعلم الكتاب والحكمة التي هو رئيس الفضائل. ثمّ ضرب الله مثلاً لليهود ومَن يجري مجراهم الحمار في حملهم الكتب والأسفار، وتركهم التدبّر والإعتبار، وإنكار ما ورد من آيات الله على ألواح أنبيائه، وجحود ما قذف من أنوار الله في قلوب أوليائه وأحبّائه. ثمّ أشار بعد لك إلى بطلان زعمهم وفساد ادّعائهم انّهم من أولياء الله وأحبّائه، أنّهم لو كانوا كذلك لوجب أن يعرضوا عن الدنيا وطيّباتها ويحبّوا الموت، لكونه وسيلة إلى لقاء الله، ولا يكونوا أحرص الناس على حياة هذه النشأة الجسمانيّة، وحيث إنّهم كانوا على أضداد صفات أولياء الله والحكماء، فقد علم أنّهم من أعداء الله تعالى، المنكرين للدار الآخرة وعالَم الغيب وعالَم الأرواح، الكارهين لقاء الله، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءَه لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون. كلاّ إنّهم يومئذ عن ربِّهم لمحجوبون. {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين:14]. الإشراق الخامس فهم القرآن كلّ من اكتفى بظاهر العربيّة، وبادَر إلى تفسير القرآن بمجرّد نقل الكتب وحمل الأسفار، من دون الارتقاء إلى عالم الأنوار وفقه الأسرار، ونقاء السريرة من أغراض هذه الدار، وخلاص القلب عن غشاوة هذه الآثار، فهو حريٌّ بهذا التمثيل، فإنّ الاطّلاع على ظاهر العربيّة وحفظ النقل عن أئمّة التفسير في ترجمة الألفاظ، لا يكفي في فهم حقائق المعاني، ومن أراد أن ينكشف له أنّ هذه المرتبة ليست من مرتبة إدراك المعاني القرآنيّة، والاطّلاع على حقائقها، فليتأمّل في مسألة واحدة منها، وعجز المفسّرين عن دركها، ليقيس عليها غيرها، وهو أنّ الله تعالى قال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال:17]. وظاهر تفسيره واضح جلي، وحقيقة معناه في غاية الغموض، فإنّه إثبات للرمي ونفي له، وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه ولم يرم من وجه، ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله تعالى، ثمّ يفهم انّه ما جهة الوحدة والهوهوية، وما جهة الغيريّة والكثرة. وكذلك قال تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة:14]. فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله هو المعذّب، وإن كان الله هو المعذّب بتحريكهم فما معنى أمرهم بالقتال؟ فالتحقيق في مثل هذا المقام يحتاج إلى العلوم المتعالية عن علوم المعاملات، ولا تغني عنه علوم العربيّة وتفسير الألفاظ، ولعلّ العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدّماته ولواحقه، لانقطع العمر قبل الوصول إلى الإحاطة بجميع لواحقه، والقرآن مشحون بأمثاله، بل ما من كلمة من القرآن إلاّ وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك، وإنّما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأنواره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم وتوفّر دواعيهم على التدبّر وتجرّدهم للطلب، ويكون لكلّ واحد حدٌّ في الترقّي إلى درجة منه، فأمّا الاستيفاء التامّ فلا مطمع لأحد فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً والخلائق كتّاباً لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، فأسرار كلماته وأنوار آياته ممّا لا نهاية لها ولا بداية، فمن هذا الوجه يتفاضل الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير. فقِس على هذا المثال جميع ما ورد في الكتاب والسنّة، ولا تغتّر بما سمعته وتلقّفته من معلّميك في أوان الجاهليّة وزمان الاحتجاب، فإنّها كلّها تماثيل وأشباح للحقائق - إن لم تكن أغلاطاً فاسدة -، وإنّها قوالب وصور بلا معنى إن لم تكن أوهاماً باطلة، وظواهر أعمال بلا فائدة تبقى، وخيال أشخاص من غير صورة بها تحيى، ومثال أشجار بلا ثمرة تجنى، وحبال وعصيٌّ يخيّل من سحْرهم انّها حيّة تسعى - {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف:103 - 104]. ومن الأمثلة أيضاً في فهم الأسرار والأنوار المودعة في ألفاظ القرآن والحديث، ما ذكره بعض أصحاب القلوب في معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سجوده: حديث : أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك . تفسير : وهو انّه لمّا قيل له: {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} تفسير : [العلق:19]. فَوجَدَ القُرب في سجوده، فنظر إلى الأفعال فاستعاذ من بعضها ببعض، ثمّ زاد في قُربه فنظر إلى الصفات فاستعاذ من بعضها ببعض، فإنّ الرضا والسخط صفتان، ثمّ زاد في قربه واندرج القرب الأوّل فيه فترقّى إلى الذات وقال: أعوذ بك منك. ثمّ زاد قربه واستحيى عن الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فأثنى بقوله: لا أحصي ثناء عليك، ثمّ علِم أنّ ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك. فهذه وأمثالها خواطر تفتح لأرباب المعاني وأصحاب القلوب، ثمّ لها أغوار وأسرار وراء هذا المعنى وهو معنى فهم القرب واختصاصه بالسجود، ومعنى الاستعاذة من فعل إلى فعل، ومن صفة إلى صفة، ومنه به. وأسرار ذلك كثيرة، ولا يدلّ ظاهر تفسير اللفظ عليها، ومع ذلك فليس مناقضاً لظاهر التفسير، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن قشره، فإنّ للقرآن حقيقة كالإنسان، وله قشران ولبّان كالجوز، ولكلّ منها مراتب كثيرة حسب تعدّد النشآت، وكما أنّ الإنسان الحسّي صنم لسائر مراتبه، واقع في أوّل درجات الإنسانيّة ومراتبها ومعارجها، وأعلى منه الإنسان المثالي، ثم الإنسان النفسي، ثم العقلي كالحكماء، ثمّ الإلهي كالمتألّهين من العرفاء والأولياء فهكذا يجب أن يعلم مراتب فهم القرآن فكلّ أحد لا يفهم إلاّ بما يتحقّق فيه. والقرآن بحسب حقيقته الأصليّة خُلُق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ ما فهمه المفسّرون، ويصل إليه إدراكهم ظل من ظلاله القريبة والبعيدة، وشبح من أشباحه العالية والدانية - فافهم هذا واغتنم -.
الجنابذي
تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} حملهم التّوراة انبياؤهم وعلماؤهم بان علّموهم التّوراة وكلّفوهم العمل بها، وهذا بيانٌ لحال اليهود وذمّ لهم لكنّه تعريض بمنافقى امّة محمّدٍ (ص) الّذين لم يقرّوا بعلىٍّ (ع) والّذين لم يعملوا بالقرآن {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} بان لم يعملوا بها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} فى كلفة الحمل والتّعب فيها وعدم الانتفاع بها بل التّضرّر بثقلها وتعب حملها، فمن تعلّم القرآن ولم يعمل بما فيه كائناً من كان كان من اهل هذا المثل مثل الصّحابة الّذين اهتمّوا بحفظ القرآن عن التّغيير وبتلاوته وقراءته ولم يعملوا بما فيه من مراعاة العترة ومودّتهم واتّباعهم، وكذلك من تعلّم القرآن وعلم احكامه وعمل بما فيه، ومن تعلّم احكام الشّريعة وعمل بها لكن كان منظوره من علم ذلك الحياة الدّنيا لا الحياة الآخرة كان من اهل هذا المثل، ونعم ما قال المولوىّ: شعر : علمهاى اهل دل حمّالشان علمهاى اهل تن احمالشان علم جون بر دل زند يارى شود علم جون برتن زند بارى شود كَفت ايزد يحمل اسفاره بار باشد علم كان نبود زهو علم كان نبود ز هو بيواسطه آن نبايد همجو رنكَ ما شطه ليك جون اين بار را نيكوكشى بار بركَيرند وبخشندت خوشى هين بكش بهر خدا اين بار علم تا ببينى در درون انبار علم تا كه بر رهوار علم آئى سوار آنكَهان افتد ترا از دوش بار تفسير : {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} يعنى كلّ من كذّب بآيات الله وكلّ من كان اهل ملّة ولم يرد وجه الله كان من اهل هذا المثل {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} يعنى المكذّبين بآيات الله والمحمّلين للكتب السّماويّة والغير الحاملين لها، لكنّه وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بظلمهم وتعليلاً للحكم يعنى انّ الله لا يهديهم الى الصّراط الانسانىّ او الى الجنّة او الى مقاصدهم.
الأعقم
تفسير : {مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها} يعني اليهود كلفوا علمها والعمل بها {ثم لم يحملوها} في الحقيقة صفه اليهود في أنهم حملوا التوراة وقرأوها، ثم أنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والبشارة به ولم يؤمنوا {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} أي.... العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل فهو مثله، وبئس المثل وفيه إشارة إلى أهل القرآن إذا لم يعملوا به {مثل القوم الذين كذَّبوا بآيات الله} وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) {والله لا يهدي القوم الظالمين} قيل: لا يثيبهم ولا يهديهم إلى رحمته، وقيل: لا يحكم بهدايتهم {قل يأيها الذين هادوا} الآية نزلت في اليهود لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ولنا الجنة دون الناس، فأنزل الله فيهم {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} قيل: سموا يهوداً نسبتهم الى يهودا، وقيل: لقولهم انا هدنا اليك، وعلى أي وجه كان فقد صار في الشرع اسم ذم {إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس} وان لكم الجنة {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} فيما زعمتم أنه يوصلكم إلى الجنة، ثم قال: {ولا يتمنونه أبداً} بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي، وقد قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غصّ بريقه"تفسير : ، فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد وهي أحد المعجزات للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {قل} يا محمد {إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة} إلى المواضع الذي يحكم فيه {فينبّئكم بما كنتم تعملون} قيل: يحشركم بأفعالكم ويجازيكم عليها.
اطفيش
تفسير : {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} علمهم الله اياها وكلفهم العمل بها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما فيها فإن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به وهم اليهود ولما لم يعملوا بها سماهم غير حاملين أو اراد بالحمل العمل وقرىء حملوا بالتخفيف والبناء للفاعل أي حملوها ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بها. {كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْملُ} حال من الحمار أو نعته لان ال نافيه للجنس قاله ابن هشام.{أَسْفَاراً} كتباً كبارا من العلم يتعب بحملها ولا يدري ما فيها وكل من علم شيئاً ولم يعمل به مما هو فرض فكأنه لم يعلمه وهذا مثله وبئس مثلا فدخل من يقرأ القرآن ولا يعمل به والمفرد سفر سمي لانه يسفر أي يكتشف عما فيه من المعنى وقرأ ابن مسعود كمثل حمار ومثل ذلك قول الشاعر: شعر : لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر تفسير : {بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأَيَاتِ اللهِ} هم اليهود والمخصوص محذوف أي ذلك المثل وقيل: هو الذين على حذف مضاف أي مثل الذين وقيل: هو مثل وفاعل بئس محذوف أي بئس المثل ويرده ان فيه حذف الفاعل كما لا يجوز والاولى حنيئذ جعله الفاعل مستترا عائدا الى المثل. {وَاللهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ} الكافرين والآيات القرآن أو التوراة لانهم لم يعملوا بها أو كلاهما، قيل: أراد بالظالمين اليهود.
الالوسي
تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } أي علموها وكلفوا العمل بما فيها، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة، والمراد بهم اليهود {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } أي لم يعملوا بما في تضاعيفها التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } أي كتباً كباراً على ما يشعر به التنكير، وإيثار لفظ السِّفر وما فيه من معنى الكشف من العلم يتعب بحملها ولا ينتفع بها. و {يَحْمِلُ } إما حال من ـ الحمار ـ لكونه معرفة لفظاً والعامل فيه معنى المثل، أو صفة له لأن تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف بما توصف به على الأصح. ونسب أبو حيان للمحققين تعين الحالية في مثل ذلك. ووجه ارتباط الآية بما قبلها تضمنها الإشارة إلى أن ذلك الرسول المبعوث قد بعثه الله تعالى بما نعته به في التوراة وعلى ألسنة أنبياء بني إسرائيل كأنه قيل: هو الذي بعث المبشر به في التوراة المنعوت فيها بالنبـي الأمي المبعوث إلى أمة أميين؛ مثل من جاءه نعته فيها وعلمه ثم لم يؤمن به مثل الحمار. وفي الآية دليل على سوء حال العالم الذي لا يعمل بعلمه، وتخصيص الحمار بالتشبيه به لأنه كالعلم في الجهل، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : ذوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أوراح ما في الغرائر تفسير : بناءاً على نقل عن ابن خالويه أن البعير اسم من أسماء الحمار كالجمل البازل. وقرأ يحيـى بن يعمر وزيد بن علي {حُمّلُواْ } مبنياً للفاعل، وقرأ عبد الله ـ حمار ـ بالتنكير، وقرىء {يَحْمِلُ } بشد الميم مبنياً للمفعول. {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا، فحذف المضاف وهو المخصوص بالذم وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون {ٱلَّذِينَ } صفة {ٱلْقَوْمِ}، والمخصوص محذوف أي بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله هو، والضمير راجع إلى {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ }، وظاهر كلام «الكشاف» أن المخصوص هو {مَثَلُ } المذكور، والفاعل مستتر يفسره تمييز محذوف، والتقدير بئس مثلاً مثل القوم الخ. وتعقب بأن سيبويه نص على أن التمييز الذي يفسر الضمير المستتر في باب نعم لا يجوز حذفه ولو سلم جوازه فهو قليل. وأجيب بأن ذاك تقرير لحاصل المعنى وهو أقرب لاعتبار الوجه الأول، وكان قول ابن عطية التقدير بئس المثل مثل القوم من ذلك الباب، وإلا ففيه حذف الفاعل، وقد قالوا بعدم جوازه إلا في مواضع ليس هذا منها. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } أي الواضعين للتكذيب في موضع التصديق، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بسبب التكذيب.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن تبين أنه تعالى آتى فضله قوماً أميين أعقبه بأنه قد آتى فضله أهل الكتاب فلم ينتفع به هؤلاء الذين قد اقتنعوا من العلم بأن يحملوا التوراة دون فهم وهم يحسبون أن ادخار أسفار التوراة وانتقالها من بيت إلى بيت كافٍ في التبجح بها وتحقير من لم تكن التوراة بأيديهم، فالمراد اليهود الذين قاوموا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وظاهروا المشركين. وقد ضرب الله لهؤلاء مثلاً بحال حمار يحمل أسفاراً لا حظّ له منها إلا الحَمل دون علم ولا فهم. ذلك أن علم اليهود بما في التوراة أدخلوا فيه ما صيره مخلوطَاً بأخطاء وضلالات ومتبعاً فيه هوى نفوسهم وما لا يعدو نفعهم الدنيوي ولم يتخلقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدعاء إلى تزكية النفس وقد كتموا ما في كتبهم من العهد باتباع النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضلال فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات التي قبلها، وبذلك كانت هي كالتتمة لما قبلها. وقال في «الكشاف» عن بعضهم: افتخر اليهود بأنهم أهل كتاب. والعرب لا كتاب لهم. فأبطل الله ذلك بشَبَههم بالحمار يحمل أسفاراً. ومعنى {حُمّلوا}: عُهد بها إليهم وكلفوا بما فيها فلم يفوا بما كلفوا، يقال: حَمَّلت فلاناً أمر كذا فاحتمله، قال تعالى: {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحمِلنها وأشفَقْنَ منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً }تفسير : سورة [الأحزاب: 72]. وإطلاق الحمل وما تصرف منه على هذا المعنى استعارة، بتشبيه إيكال الأمر بحمل الحِمل على ظهر الدابة، وبذلك كان تمثيل حالهم بحال الحمار يحمل أسفاراً تمثيلاً للمعنى المجازي بالمعنى الحقيقي. وهو من لطائف القرآن. و{ثم} للتراخي الرتبي فإن عدم وفائهم بما عُهد إليهم أعجب من تحملهم إياه. وجملة {يحمل أسفاراً}في موضع الحال من الحمار أو في موضع الصفة لأن تعريف الحمار هنا تعريف جنس فهو معرفة لفظاً نكرة معنى، فصحّ في الجملة اعتبار الحاليَّة والوصف. وهذا التمثيل مقصود منه تشنيع حالهم وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف، ولذلك ذيل بذم حالهم {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله}. و{بئس} فعل ذم، أي ساء حال الذين كذبوا بكتاب الله فهم قد ضموا إلى جهلهم بمعاني التوراة تكذيباً بآيات الله وهي القرآن. و{مَثلُ القوم}، فاعل {بئس}. وأغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوصِ بالذم لحصول العلم بأن المذموم هو حَال القوم المكذبين فلم يسلك في هذا التركيب طريق الإِبهام على شرط التفسير لأنه قد سبقه ما بينه بالمثَل المذكور قبله في قوله: {كمثل الحمار يحمل أسفاراً}. فصار إعادة لفظ المثل ثقيلاً في الكلام أكثر من ثلاث مرات. وهذا من تفننات القرآن. و{الذين كذبوا} صفة {القوم}. وجملة {والله لا يهدي القوم الظالمين} تذييل إخباراً عنهم بأن سوء حالهم لا يرجى لهم منه انفكاك لأن الله حرمهم اللطف والعناية بإنقاذهم لظلمهم بالاعتداء على الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب دون نظر، وعلى آيات الله بالجحد دون تدبر. قال في «الكشاف»: «وعن بعضهم قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث»، أي آيات من هذه السورة: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: {أية : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}تفسير : [الجمعة: 6]. وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: هذا مثل ضربه الله لليهود، وهو أنه شبههم بحمار، وشبه التوراة التي كلفوا العمل بما فيها بأسفار أي كتب جامعة للعلوم النافعة، وشبه تكليفهم بالتوراة: بحمل ذلك الحمار لتلك الأسفار، فكما أن الحمار لا ينتفع بتلك العلوم النافعة التي في تلك الكتب المحمولة على ظهره، فكذلك اليهود لم ينتفعوا بما في التوراة من العلوم النافعة لأنهم كلفوا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وإظهار صفاته للناس فخانوا وحرفوا وبدَّلوا فلم ينفعهم ما في كتابهم من العلوم اهـ. فأشار الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، إلى أن وجه الشبه عدم الانتفاع بما تحملوه من التوراة وهم يعلمون ما فيها من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أوضح الله تعالى هذا في موضع آخر في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 146] فقد جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلم ينفعهم علمهم به. وهذه الآية أشد ما ينبغي الحذر منها، وخاصة لطلاب العلم وحملته، كما قال تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} [الجمعة: 5] أي تشبيههم في هذا المثل بهذا الحيوان المعروف. وقد سبق للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على هذا المثال في عدة مواضع من الأضواء، منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى:{أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ}تفسير : [الأعراف: 176] الآية. ومنها في الجزء الثالث عند قوله تعالى:{أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ}تفسير : [إبراهيم: 18] الآية. ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ}تفسير : [الكهف: 54] في سورة الكهف بما فيه الكفاية. والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله من قبيل التشبيه المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد وهو عدم الانتفاع بالمحمول، كالبيت الذي فيه: شعر : كالعيس في البَيْداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول تفسير : والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتباً نافعة، والحامل حمار لا علاقة له بها بخلاف ما في البيت، لأن العيش يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه، والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينيه، وفيه إشارة إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كلية أنهم وصلوا إلى حد الإياس من انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل، فنقلها الله إلى قوم أحق بها وبالقيام بها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حملوا التوراة: أي كلفوا بالعمل بها عقائد وعبادات وقضاء وآداباً وأخلاقاً. ثم لم يحملوها: أي لم يعملوا بما فيها، ومن ذلك نعته صلى الله عليه وسلم والأمر بالإِيمان فجحدوا نعته وحرفوه ولم يؤمنوا به وحاربوه. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله: أي المصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم هذا المثل الذي ضربه الله لليهود كمثل الحمار يحمل أسفاراً أي كتباً من العلم وهو لا يدري ما فيها. قل يا أيها الذين هادوا: أي اليهود المتدينون باليهودية. إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس: أي وأنكم أبناء الله وأحباؤه وأن الجنة خاصة بكم. فتمنوا الموت إن كنتم صادقين: أي إن كنتم صادقين في أنكم أولياء الله فتمنوا الموت مؤثرين الآخرة على الدنيا ومبدأ الآخرة الموت فتمنوه إذاً. بما قدمت أيديهم: أي بسبب ما قدموه من الكفر والتكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنون. والله عليم بالظالمين: أي المشركين ولازم علمه بهم أنه يجزيهم بظلمهم العذاب الأليم. تفرون منه: أي لأنكم لا تتمنونه أبداً وذلك عين الفرار منه. فإنه ملاقيكم: أي حيثما اتجهتم فإنه ملاقيكم وجهاً لوجه. ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة: أي إلى الله تعالى يوم القيامة. معنى الآيات: قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي كلفوا بالعمل بها من اليهود والنصارى ثم لم يحملوها أي ثم لم يعملوا بما فيها من أحكام وشرائع ومن ذلك جحدهم لنعوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإِيمان به واتباعه عند ظهوره. وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} أي كمثل حمار يحمل على ظهره أسفاراً من كتب العلم النافع وهو لا يعقل ما يحمل ولا يدري ماذا على ظهره من الخير، وذلك لأنه لا يقرأ ولا يفهم. وقوله تعالى {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي المصدقة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المثل الذي ضربه تعالى لأهل الكتاب من يهود ونصارى. وقوله والله لا يهدي القوم الظالمين ولهذا ما هداهم إلى الإِسلام. لتوغلهم في الظلم والكفر والشر والفساد لم يكونوا أهلاً لهداية الله تعالى. وقوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ} أي قل يا رسولنا يا أيها الذين هادوا أي يا من هم يدَّعون أنهم على الملة اليهودية، إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس حيث ادعيتم أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة لكم دون غيركم إلى غير ذلك من دعاويكم فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في دعاويكم إذ الموت طريق الدار الآخرة فتمنوه لتموتوا فتستريحوا من كروب الدنيا وأتعابها. وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً} أخبر تعالى وهو العليم أنهم لا يتمنونه في يوم من الأيام أبداً، وبيّن تعالى علة ذلك بقوله: بما قدمت أيديهم من الذنوب والآثام الموجبة للعذاب. وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} أي من أمثال هؤلاء اليهود وسيجزيهم بظلمهم عذاب الجحيم. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} أي قل لهم يا رسولنا إن الموت الذي تفرون منه ولا تتمنونه فراراً وخوفاً منه فإنه ملاقيكم لا محالة حيثما كنتم سوف يواجهكم وجهاً لوجه ثم تُردون إلى عالم الغيب والشهادة وهو الله تعالى الذي يعلم ما غاب في السماء والأرض، ويعلم ما يسر عباده، وما يعلنون وما يظهرون وما يخفون فينبئكم بما كنتم تعملون ويجزيكم الجزاء العادل إنه عليم حكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ذم من يحفظ كتاب الله ولم يعمل بما فيه. 2- التنديد بالظلم والظالمين. 3- بيان كذِب اليهود وتدجيلهم في أنهم أولياء الله وأن الجنة خالصة لهم. 4- بيان أن ذوي الجرائم أكثر الناس خوفاً من الموت وفراراً منه.
القطان
تفسير : حُملوا التوراة: عُلِّموها وأمروا ان يعملوا بها. ثم لم يحملوها: لم يعملوا بها. الأسفار: جمع سِفر وهي الكتب، السفر الكتاب. هادوا: تهوّدوا يعني: اليهود. أولياء الله: أحبّاء الله. بما قدّمت أيديهم: بسبب أعمالهم وكفرهم. الغيب: ما غاب علمُه عن الخلق. والشهادة: ما شاهدوه وعلموه. الكلام في هذه الآيات الكريمة عن اليهود وكَذِبهم، وتعنُّتِهِم، وتبجُّحهم، فبعد ان منّ الله على هذه الأمة بإرسال رسول من أنفسِهم. قال اليهود: إن هذا الرسولَ لم يُبعث اليهم، ولذلك يردّ الله عليهم مقالهم بأنهم لو عملوا بالتوراة وفهموها حقَّ الفهم، لرأوا فيها وصفَ النبي الكريم والبشارة به، وانه يجب عليهم اتّباعه، لأنه رسول ورحمة للعالمين. وما مثلُهم في حَملِهم للتوراة وتركهم العملَ بها الا كمثل الحمار الذي يحمل الكتبَ ولا يفهم منها شيئا، ولا يجديه حملُها نفعا. ثم زاد في توبيخهم بقوله: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وكيف يهتدون وهم متكبرون وقد رانَ الضلالُ على قلوبهم؟. ثم زاد الله تعالى في توبيخهم على تماديهم في الغيّ والضلال بأن تحداهم أن يتمنّوا الموت اذا كانوا صادقين في زعمهم انهم وحدَهم أحباءُ الله وأولياؤه. فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قل لهم ايها الرسول: أيها اليهود، إن كنتم تزعمون أنكم على هدى من ربكم، وأنكم أحباء الله وحدكم، فتمنوا من الله الموتَ حتى تذهبوا اليه ان كنتم صادقين، وتلاقوا ربكم. ثم أخبر الله تعالى بأنهم لن يتمنوا الموت ابدا، لما يعلمون من سوء أفعالهم وكذبهم على الله وعلى الناس، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} لا يخفى عليه شيء. ثم أخبر أن الموتَ عاقبة كل حيّ، لا مهربَ منه فقال: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قل لهم أيها الرسول: إنكم ميتون، ولا مهرب لكم من الموت، ثم تُرجَعون الى خالقكم الذي يعلمُ السر والعلانية، فيخبركم بما كنتم تعملون، وتحاسَبون على كل ما قلتموه وعملتموه. وأيّ تهديد ووعيد أشد من هذا القول لو كانوا يعقلون!!
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلتَّوْرَاةَ} {بِآيَاتِ} {ٱلظَّالِمِينَ} (5) - لَمَّا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّداً، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، رَسُولاً قَالَ اليَهُودُ: إِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إليهِمْ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُبَيِّناً: لَوْ أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّوْرَاةَ حَقَّ الفَهْمِ، وَعَمِلُوا بِمَا فِيهَا، لَرَأَوْا فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ وَالبِشَارَةَ بِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ، وَمَا مَثَلُهُمْ فِي حَمْلِهِمْ التَّوْرَاةَ، وَتَرْكِهِمْ العَمَلَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَام، إِلاَّ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ الكُتُبَ وَهُوَ لاَ يَدْرِي مَا فِيهَا. وَكَذَلِكَ حَالُ اليَهُودِ فِي حَمْلِهِمْ التَّوْرَاةَ، فَقَدْ حَفِظُوهَا لَفْظاً، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَهَّمُوهَا، فَهُمْ أَسْوَأَ حَالاً مِنَ الحِمَارِ. وَمَا أَقْبَحَ هَذَا المَثَلَ مَثَلاً لَهُمْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ التِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، لَوْ كَانُوا يَتَفَكَّرُونَ وَيَتَدَبَّرُونَ. وَاللهُ لاَ يُوفِّقُ إِلَى الهُدَى القَوْمَ الظَّالِمِينَ لأَِنْفُسِهِمْ. حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ - كُلِّفُوا العَمَلَ بِمَا فِيهَا. يَحْمِلُ أَسْفَارَاً - يَحْمِلُ كُتُباً عِظَاماً وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهَا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} معناه كُتبٌ واحدُها سِفرٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} [الجمعة: 5] مثل القوى النفسية المؤمنة باللطيفة السرية، وقبولهم الوارد السري من حيث الظاهر، ولم يحملوا حقيقة الوارد من حيث المعنى، وترك العمل بما في ضمن الوارد {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة: 5] يعني: يحملون الأسفار من حيث الظاهر، وهم جاهلون في باطنه غافلون عن حقيقة وروده، فيجب التعزية لنفسهم على حفظ كلمات القرآن المقتصرين على حفظه وقراءته والتاركين لفهمه، والعمل به، وعلى السالك الذي يرد عليه الوارد، وهو يتكلم بالوارد ولا يعمل به، وعلى اللطيفة المبلغة التي تأمر القوى عن الاجتناب عن الهوى، ويلقي الشيطان في أمنيته أن يتكلم بشرب نفسه، وهو طبعه ويظن أن نفسه مطمئنة لا يضرها الاشتغال بصحبة الخلق، والتوسع في المعيشة، ولا يذكر حال أشرف الخلق وأحبهم إلى الله محمد صلى الله عليه وسلم أنه صلى حتى تورمت قدماه بعد أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وما شبع في مدة حياته من خبز الشعير إلا مرتين، وبعده حال سيد الأولين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على مدين ونصف من السويق الشعير، الغير متحول في رمضان الذي استشهد فيه حتى وزنوا ما في جرابه بعده، وهو رضي الله عنه استشهد صبيحة يوم الثالث والعشرين من رمضان كان منا، ونصف من قالوا يجب على السالك ما دامه في قيد الحياة الدنيوية؛ الاحتراز عن الطعام والكلام والمنام {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الجمعة: 5] من القوى المكذبة القالبية والنفسية {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5] الذين ظلموا أنفسهم بكسبهم السيئات، وتكذبهم اللطائف المنذرة {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6] في هذه الدعوى يعني: أيتها القوى المؤمنة باللطيفة السرية من حيث الظاهر، وهي القوى التي إذا اشتغل صاحبها بالسلوك، وشاهد أنوار السر والمعارف السرية آمنت بالآيات السرية، واطمأنت بأنوارها، وظنت أن ليس وراء العبادات قربة، ورجعت إلى عالمها واشتغلت بشهواتها التي تركتها وقت سلوكها وقالت: إني وصلت فيما يضرني الاشتغال بشهوات النفس يعتريها العجب والغرور من المعارف السرية والأنوار التي تشاهدها حتى يستدرجها الحق من حيث لا يعلم، ويجعل تلك المعارف والأنوار {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ}تفسير : [النور: 39] وناقشها في المحاسبة وليس لأحد من أهل الآخرة عذاب أشد من عذابها نعوذ بالله منه، ونسأل الله العافية، وحسن المنقلب والمآب والثبات على طاعة الله، وعبوديته على وفق متابعة نبيه محمد سيد الأحباب صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه. وإذا أودعتها الخفية إلى الترقي إلى عالم الخفي والحق أبت دعوتها خوضاً على تركها الشهوات بعد أن قاستها في السلوك السري ورجوعها إلى مألوفات طبعها، وقالت: أنا وصلت إلى حضرة الله ولينا وهو حسبنا لا يحتاج إلى دليل غيره في طريقنا، فيقول الله تعالى في كتابه لحبيبه: قل لهم {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6] في محبتنا عاشقين جمالنا يعني: اشتغلوا بالمجاهدة ليحصل لكم الموت الاختياري {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} [الجمعة: 7] يعني: لا يشتغلون بالمجاهدة ولا يجتهدون في تضعيف النفس، ولا يشتهون أن يكشف غطاؤهم بما كسبت أيديهم من الاشتغال بملاذهم العاجلة وشهواتهم الهوية {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [الجمعة: 7] الذين ظلموا على قواهم بعد اشتغالهم بذكر الله، وتحصيل الاستعداد السري بالرجوع إلى مألوفات طبعهم، وتركهم السلوك والذكر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها، ويعملوا بما فيها، وانهم لم يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارًا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به. { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: لا يرشدهم إلى مصالحهم، ما دام الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا ومن ظلم اليهود وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء الله من دون الناس. ولهذا أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } وهذا أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلا على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده، ولهذا قال: { وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي من الذنوب والمعاصي، التي يستوحشون من الموت من أجلها، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء، هذا وإن كانوا لا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم، و يفرون منه [غاية الفرار]، فإن ذلك لا ينجيهم، بل لا بد أن يلاقيهم الموت الذي قد حتمه الله على العباد وكتبه عليهم. ثم بعد الموت واستكمال الآجال، يرد الخلق كلهم يوم القيامة إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر، قليل وكثير.
همام الصنعاني
تفسير : 3215- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}: [الآية: 5]، قال: مثل الحمار يحمل كُتُباً لا يدري ما على ظَهْرِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):