٦٢ - ٱلْجُمُعَة
62 - Al-Jumu'aa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : هذه الآية من جملة ما مر بيانه، وقرىء: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } بكسر الواو، و{هَادُواْ } أي تهودوا، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، فلو كان قولكم حقاً وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، قال الشاعر:شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء تفسير : فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه، وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ } أي بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات، وذكر مرة بلفظ التأكيد {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } ومرة بدون لفظ التأكيد {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ } وقوله: {أَبَدًا... وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } أي بظلمهم من تحريف الآيات وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.
القرطبي
تفسير : لما ادّعت اليهود الفضيلة وقالوا {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قال الله تعالى: {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ} فللأولياء عند الله الكرامة. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلو تمنّوه لماتوا؛ فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادّعوه من الولاية. وفي حديث. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو تمنَّوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات»تفسير : . وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزةٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد مضى معنى هذه الآية في «البقرة» في قوله: {أية : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة:94].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } تعلق بتمنوا الشرطان على أنّ الأوّل قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنكم أولياء لله والولي يؤثر الآخرة ومبدؤها الموت فتمنوه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ...} الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمٰنِ؛ وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى: أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه ـــ جَلَّتْ قُدْرَتُه ـــ جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلى الله عليه وسلم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ؛ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مَاتَ وفَارَقَ الدنيا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً من الموتِ وثقةً بصدقِ نبيِّنَا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ}. أي: من دون محمَّد وأصحابه. لما ادعت اليهود الفضيلة، وقالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18]، قال الله تعالى: {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ} فللأولياء عند الله الكرامة {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله. قوله: {أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ}. سادّ مسد المفعولين أو المفعول على الخلاف، و"لله" متعلق بـ"أولياء" أو بمحذوف نعتاً لـ"أولياء"، و{من دون الناس} كذلك. قوله: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ}. جواب الشَّرط. والعامة: بضم الواو وهو في الأصل واو الضمير. وابن السميفع وابن يعمر وابن إسحاق: بكسرها، وهو أصل التقاء السَّاكنين. وابن السميفع أيضاً: بفتحها وهذا طلب للتخفيف. وتقدم نحوه في: {أية : ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ}تفسير : [البقرة: 16]. وحكى الكسائي إبدال الواو همزة. قوله: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ}، وقال في البقرة: {أية : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ}تفسير : [البقرة: 95]. قال الزمخشري: لا فرق بين "لا" و"لن" في أنَّ كل واحد منهما نفي للمستقبل إلا أن في "لن" تأكيداً وتشديداً ليس في "لا" فأتي مرة بلفظ التأكيد "ولن يتمنوه" ومرة بغير لفظه "ولا يتمنونه". قال أبو حيان: "وهذا رجوع عن مذهبه وهو أن "لن" تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة وهو أنها لا تقتضيه". قال شهاب الدين: وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين "لا" و"لن" في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص "لن" بمعنى آخر. وتقدم الكلام على هذا مشبعاً في "البقرة". فصل المعنى: "ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم" أي: أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فلو تمنوه لماتوا، فكان ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية. "حديث : قال عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية: "والذي نفسي بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات" ". تفسير : وفي هذا إخبار عن الغيب ومعجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد مضى الكلام على هذه الآية في "البقرة" عند قوله: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ}تفسير : [البقرة: 94].
القشيري
تفسير : هذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم، فَصَرْفُ قلوبِهم عن تمنِّي الموتِ إلى هذه المدة دَلَّ على صِدْقِه صلوات الله عليه. ويقال: من علامات المحبة الاشتياقُ إلى المحبوب؛ فإذا كان لا يَصِلُ إلى لقائه إلا بالموتِ فتمنِّيه - لا محالة - شرطٌ، فأخبر أنهم لا يتمنونه أبداً.. وكان كما أخبر.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} حزب الله المدعين فى محبته بالموت وافرز الصادقين من بينهم لما خلت عليهم من شوق الله وحب الموت فتبين صدق الصادقين ههنا من كذب الكاذبين اذ الصادق يختار اللحوق اليه والكاذب يفر منه قال عليه الصلاة والسلام من احب لقاء الله احب لقاءه ومن ابغض لقاء الله ابغض الله لقاءه وقال الجنيد المحب يكون مشتاقا الى مولاه ووفاته احب اليه من البقاء اذ علم ان فيه الرجوع الى مولاه فهو متمنى الموت ابد وذلك قوله ان زعمتم انكم اولياء الله الخ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا أيها الذين هادوا} من هاد يهود اذا تهود أى تهودوا والتهود جهود شدن ودين جهود داشتن وبالفارسية ايشان كه جهود شديد وازراه راست بكشتيد، فان المهاداة الممايلة ولذا قال بعض المفسرين اى مالوا عن الاسلام والحق الى اليهودية وهى من الاديان الباطلة كما سبق قال الراغب الهود الرجوع برفق وصار فى التعارف التوبة قال بعضهم يهود فى الاصل من قولهم انا هدنا اليك اى تبنا وكان اسم مدح ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وان لم يكن فيه معنى المدح كما ان النصارى فى الاصل من قولهم نحن انصار الله ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم ثم ان الله تعالى خاطب الكفار فى اكثر المواضع بالواسطة ومنها هذه الآية لانهم ادخلوا الواسطة بينهم وبين الله تعالى وهى الاصنام واما المؤمنون فان الله تعالى خاطبهم فى اغلب المواضع بلا واسطة مثل ياايها الذين آمنوا لانهم اسقطوا الوسائط فأسقط الله بينه وبينهم الوسائط {ان زعمتم} الزعم هو القول بلا دليل والقول بأن الشىء على صفة كذا قولا غير مستند الى وثوق نحو زعمتك كريما وفى القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد واكثر مايقال فيما يشك فيه انتهى. فبطل ماقال بعضهم من ان الزعم بالضم بمعنى اعتقاد الباطل وبالفتح بمعنى قول الباطل قال الراغب الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء فى القرءآن فى كل موضع ذم القائلون به وقيل للمتكفل والرئيس زعيم للاعتقاد فى قولهم انه مظنة للكذب {انكم اولياء الله} جمع ولى بمعنى الحبيب {من دون الناس} صفة اولياء اى من دون الاميين وغيرهم ممن ليس من بنى اسرآئيل وقال بعضهم من دون المؤمنين من العرب والعجم يريد بذلك ما كانوا يقولون نحن ابناء الله واحباؤه ويدعون ان الدار الآخرة لهم عند الله خالصة وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا فأمر رسول الله عليه السلام بأن يقول لهم اظهارا لكذبهم ان زعمتم ذلك {فتمنوا الموت} اى فتمنوا من الله أن يميتكم من دار البلية الى دار الكرامة وقولوا اللهم أمتنا والتمنى تقدير شىء فى النفس وتصويره فيها وبالفارسية آرزوا خواستن، قال بعضهم الفرق بين التمنى والاشتهاء ان التمنى اعم من الاشتهاء لانه يكون فى الممتنعات دون الاشتهاء {ان كنتم صادقين} جوابه محذوف لدلالة ماقبله عليه اى ان كنتم صادقين فى زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فان من أيقن انه من اهل الجنة احب أن يتخلص اليها من هذه الدار التى هى قرارة اكدار ولا يصل اليها احد الا بالموت قال البقلى جرب الله المدعين فى محبته بالموت وافرز الصادقين من بينهم لما غلب عليهم من شوق الله وحب الموت فتبين صدق الصادقين ههنا من كذب الكاذبين اذ الصادق يختار اللحوق اليه والكاذب يفر منه قال عليه السلام "حديث : من احب لقاء الله احب الله لقاءه ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه"تفسير : قال الجنيد قدس سره المحب يكون مشتاقا الى مولاه ووفاته احب اليه من البقاء اذ علم ان فيه الرجوع الى مولاه فهو يتمنى الموت ابدا
الطوسي
تفسير : هذا أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله أن يخاطب اليهود، فيقول لهم {إن زعمتم أنكم أولياء لله} فالزعم قول عن ظن او علم، ولهذا صارت من أخوات (ظن) فى الظن والعلم وعملت ذلك العمل من الاعراب قال الشاعر: شعر : فان تزعميني كنت أجهل فيكم فأني شريت الحلم بعدك بالجهل تفسير : والاولياء جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، فالله ولي المؤمنين، لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم. والمؤمن ولي الله لهذه العلة. ويجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له بنصرته عند حاجته، فقال الله لهؤلاء اليهود: إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم انصار الله وأن الله ينصركم {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} فى ادعائكم أنكم أولياؤه دون الناس، فالتمني هو قول القائل - لما كان - ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان. وهو من صفات الكلام. وقال بعضهم: هو معنى فى النفس. ثم اخبر تعالى عن حالهم وكذبهم واضطرابهم فى دعواهم، وانهم غير واثقين بما يدّعونه فقال {ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم} ومعناه لا يتمنون الموت أبداً فيما بعد {بما قدمت أيديهم} مما لا يرجعون فيه إلى ثقة من التكذيب بالنبي صلى الله عليه وآله والتحريف لصفته فى التوراة {والله عليم بالظالمين} أي عالم بأحوالهم وافعالهم، لا يخفى عليه شيء منها. وفى الاية دليل على النبوة لأنه اخبر بأنهم لا يتمنون الموت ابداً، وما تمنوه فكان ذلك اخباراً بالصدق قبل كون الشيء، وذلك لا يعلمه، إلا الله تعالى. وفيها بطلان ما ادعوه من انهم أولياء الله. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {قل} لهم {إن الموت الذي تفرون منه} أي تهربون منه {فإنه ملاقيكم} وإنما قال {فإنه} بالفاء، وسواء فروا منه او لم يفروا منه فانه ملاقيهم، مبالغة فى الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه لانه إذا كان الفرار منه بمنزلة السبب فى ملاقاته فلا معنى للتعرض له لانه لا يباعد منه قال زهير: شعر : ومن هاب اسباب المنايا ينلنه ولو رام أن يرقى السماء بسلم تفسير : وهن ينلنه هابها او لم يهبها، ولكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية كان لا معنى للهيبة، وقال قوم: تقديره قل إن الموت هو الذي تفرون منه فجعلوا {الذي} فى موضع الخبر لا صلة. ويكون {فإنه} مستأنف. وقوله {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} معناه ثم ترجعون الى الله تعالى يوم القيامة الذي يعلم سركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم {فينبئكم} أي يخبركم {بما كنتم تعملون} فى دار الدنيا ويجازيكم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} معناه إذا سمعتم، أذان يوم الجمعة فامضوا إلى الصلاة. قال قتادة: معناه امضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين وبه قال ابن زيد والضحاك. وقال الزجاج: المعنى فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع قال وقرأ ابن مسعود {فامضوا} إلى ذكر الله ثم قال: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي عن كتفي. قال: وكذلك كان يقرأ {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى}تفسير : يريد مضى فيه دون الاسراع. ومثله قوله {أية : إن سعيكم لشتى}تفسير : وفرض الجمعة لازم على جميع المكلفين إلا صاحب العذر: من سفر او مرض او عمى او عرج او آفة وغير ذلك. وعند اجتماع شروط وهي: كون سلطان عادل او من نصبه السلطان للصلاة، وتكامل العدد - عندنا - سبعة، وعند قوم اربعين. وعند آخرين أربعة، وثلاثة. وقد بينا الخلاف فى ذلك فى (خلاف الفقهاء). وظاهر الآية متوجه إلى المؤمنين وإنما يدخل فيه الفاسق على التغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث، هذا على قول من يقول إن الفاسق ليس بمؤمن. فأما من قال: إنه مؤمن مع كونه فاسقاً، فالآية متوجهة اليهم كلهم. وقال مجاهد وسعيد ابن المسيب: المراد بالذكر موعظة الامام فى خطبته. وقال غيرهما: يعني الصلاة التي فيها ذكر الله. وقوله {وذروا البيع} معناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء. قال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وقال الحسن: كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فانه بيع حرام، لا يجوز، وهو الذي يقتضيه ظاهر مذهبنا، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه. ثم قال {ذلكم} يعني ما ذكره من السعي الى الصلاة {خير لكم} فى دينكم وانفع لكم عاقبة {إن كنتم تعلمون} صحة ما قلناه أي اعلموه. وقوله تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} أي إذا صليتم الجمعة فانتشروا فى الأرض طلباً لرزق الله. وصورته صورة الأمر وهو إباحة وإذن ورخصة - فى قول الحسن والضحاك وابن زيد وغيره - {وابتغوا من فضل الله} أي اطلبوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء به {واذكروا الله كثيراً} يا محمد على إحسانه وبالشكر على نعمه والتعظيم لصفاته {لعلكم تفلحون} ومعناه لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم. ثم اخبر تعالى عن حال جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وهو يخطب وهم معه يصلي بهم، فقال {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} قال جابر بن عبد الله والحسن: قدم عير لدحية الكلبي فيها طعام المدينة بعدما أصابتهم مجاعة، فاستقبلوه باللهو والمزامير والطبول - فى قول جابر بن عبد الله ومجاهد - وكانوا مع النبي صلى الله عليه وآله فى الصلاة فلما سمعوا صوت الطبول والمزامير {انفضوا} أي تفرقوا إلى العير يبصرونه وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وحده قائماً، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم يا محمد {ما عند الله} من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة {خير من اللهو ومن التجارة} وانفع واحمد عاقبة {والله خير الرازقين} أى ليس يفوتهم بترك البيع شيء من رزق الله، والتقدير وإذا رأوا تجارة او لهواً انفضوا اليها وتركوك أى اليه، وإنما قيل {إليها} لانها كانت أهم اليهم، ذكره الفراء. وقيل: تقديره وإذا رأوا لهواً او تجارة انفضوا اليها، فرد الضمير الى اقرب المذكورين، لأنه كان أهم اليهم، وكذلك قرأ ابن مسعود فى مصحفه.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وفيه إشراقات: الإشراق الأول في اللغة هَاد يَهُودُ: إذا تهوَّد، أي: انتحل مذهبهم ورأيهم في ذات الله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسُله واليوم الآخر. أمّا في الذات: فكذهابهم إلى أنّه تعالى ذو ولد وصاحبة. وأمّا في صفاته: فبإلحادهم فيها وتشبيههم. وأمّا في الأفعال: فبإنكارهم النسخ والتغيير، وقولهم يد الله مغلولة. وأمّا في الكتب والرسل: فبإنكارهم حقيقة القرآن وحقيقة الرسول المنذر به. وأمّا في اليوم الآخر: فلما قالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة:80]. و "الزعَم": قول عن ظنّ وتخمين. والأولياء: جمع وليّ، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، والله وليّ المؤمنين لأنّه يولّيهم النصرة عند حاجتهم، والمؤمن وليّ الله لهذه العلّة لأنّه ينصر دينه، ويجوز أن يكون لأنّه يولي المطيع له وينصره وعند حاجته. و "التَمْنّي": قول القائل لِما كان: ليتَه لم يكُن. ولما لم يكن: ليتَه كان، فهو يتعلّق بالماضي والمستقبل، وهو من جنس الكلام عند الجبائي والقاضي، وقال أبو هاشم: هو معنى في النفس يوافق هذا القول. وهو ليس بشيء، إذ جميع أقسام الكلام - خيراً كان أو انشاءً - من هذا القبيل، حيث أنّ لها معاني في النفس وضعت بازاء ألفاظ تطابقها وتوازيها. وقرأ: فَتَمَنَّوِا الْمَوْتَ - بكسر الواو - تشبيهاً بلَوِ استَطَعْنَا. و "لا" كـ "لَنْ" لنفي المستقبل، ولا فرق بينهما إلاّ أنّ في "لَن" زيادة تأكيد أو تأييد ليس في "لاَ". فأتى مرّة مؤكداً: وَلَنْ يَتمَنّوهُ. ومرّة بدونه: "وَلا يَتمَنّونَه". الإشراق الثاني في النظم لمّا تقدّم ذكر اليهود في إنكارهم لما في التوارة من المعاني التي تستنبط منها أو تتضح فيها بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحريفهم الكلم عن مواضعه كما هو عادة المتشبّثين بذيل الدنيا وشهواتها وأغراضها من صرفهم الكتاب إلى معان توافق طباعهم الخبيثة وتناسب مقاصدهم الخسيسة، وادّعاؤهم مع ذلك أنّهم من أولياء الله وأنصاره دينه، أمر سبحانه نبيّه أن يخاطبهم بما يفحمهم فقال: قُلْ - يا محمّد - {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ} - أي انتحلوا دين اليهود واتّصفوا بأوصافهم - {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ} - أي إن كنتم تظنّون على زعمكم أنّكم أنصار الله وأنّ الله ينصركم - {مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} - في دعواكم أنّكم أولياء الله وأحبّاؤه، فإنّ الموت من أسباب الوصلة إليه تعالى. ثمّ أخبر عن حالهم وكذب مقالهم وفساد زعمهم وقبح سيرتهم ودغل سريرتهم وسوء شكيمتهم واضطراب رأيهم وتزلزل دعواهم ووخامة عاقبتهم وآخرتهم وأنّهم غير واقفين بما يقولون إذ ليس بناؤه على أصل صحيح عاقبتهم متين. بل على مجرّد ظنّ فاسد واغترار بما يستحسنه أهل الظاهر، فقال: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} من الكفر والمعاصي، معناه: ولا يتمنّون الموت لما اكتسبت نفوسهم من مَلَكَة محبة الدنيا ولذاتها وشهواتها ومَلَكَة الانجذاب إلى دواعيها وأغراضها، فصارت نفوسهم مقيدة بها، محبوسة فيها، لتكرّر الأفاعيل البدنية الشهويّة والغضبية، وتكثّر الأعمال الحيوانيّة البهيميّة والسَّبُعيّة الموجبة للركون إلى نعيم الدنيا وزهرتها، والإخلاد إلى أرض الشهوات والاستغراق في بحر اللذّات. ومنشأ هذه الأعمال والأفعال كلّها، هو الفساد في الاعتقاد، والشكّ في بقاء النفس في المعاد، ورجوعها إلى الواحد القهّار، فصارت هذه الأخلاق الرديّة، والملكات الدنيّة الحاصلة من تكرّر الالتفاتات إلى عالَم الخلق، وتكثّر الاعراض، والاستيحاش عن عالَم الحقّ وملكوته الأعلى، وإنكار وجود المفارقات، ونفي ثبوت الملائكة العقليّات، مسامير مؤكّدة وأوتاداً مستحكمة في النفس، بحيث لا فرق عندهم بين ترك البدن ونزع الروح عن الدنيا وبين ترك اللذات للّذات، ونزع الروح عن الروح، لأنّ نفوسهم صارت كأنّها عين البدن. ولهذا لا يمكنهم تصوّر بقاء النفس من دون استعمالها للحواسّ واشتغالها بالمحسوسات، فلو فرضوا أنّ أحداً يقوم بنفسه من غير مباشرة الأكل والشرب والوقاع، ولا مصادقة الأقرباء والعشاير والديار والعقار والضياع والمواشي وغيرها، بل يكتفي بذكر الله وعالم ملكوته، لاستحالوا ذلك، أو عدّوا حاله من أسوء الحالات، وشبّهوه بحالة الأموات والجمادات جهلاً بأنّ غاية ما سمّوه لذّة وغبطة بالنسبة إلى ما يجده أولياء الله من ملاحظة حضرة الربوبية ومشاهدة العاكفين لجنابه أشبه بأن يسمّى عذاباً وانما حق ان يسمّى لذّة وراحة. كيف ولو كان ما زعموه حقّا لكان البغال والحمير أوفر سعادة وأجلّ سروراً وغبطة من ملائكة الله الذين طعامهم الذِكر والتحميد، وشرابهم التنزيه والتقديس؟! الإشراق الثالث الفطرة التوحيدية في الإنسان بالقوة إنّ في الآية إشعاراً بأنّ طبيعة أكثر الناس متنفّرة عن حقيقة الدين، معرِضة عن لقاء الحقّ، لكونهم غير متمنّين للموت بل مستكرهين له، فهُم ليسوا من أولياء الله بحسب قاعدة عكس النقيض، بل من أولياء الطاغوت، فلذلك طبائعهم مجبولة على حبّ الدنيا وزينتها ورياستها، والجوهر الروحاني الذي جُبل على فطرة الله، وفطر على قبول دعوة الإسلام ودين التوحيد، هو مودع في الإنسان بالقوّة كالجوهر في المعدن، لا يستخرج إلى الفعل إلاّ بجهدٍ جهيد، وكدّ شديد، وسعي تامّ، وتنقية للقلب، وتصفية للباطن عن أغراض النفس، وأعمال وعبادات على قانون الشريعة الحقّة، ومتابعة تامة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوامره وزواجره، وأحكامه ورموزه وإشاراته. وبَعده لورَثة علمه وخُزّان كتابه، وهم الأئمة المعصومون من أهل بيت نبوّته وولايته، والعلماء الربّانيّون الراسخون في العلوم الإلهيّة، المتأدّبون بالآداب السبحانيّة خلَفاً بعد خَلَف وخليفة بعد خليفة، إلى آخر الدور والقرون، ومنتهى العصر والزمان. وفي زمان كلّ واحد منهم جمهور الناس - بل أكثر علمائهم وفقهائهم - مع دعوى إيمانهم علانية ينكرون أطوار الأئمّة وسيرهم ضميراً وسرّاً ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق - وهو بعينه تمنّى الموت - وينكرون التبتيل إلى الله بالكليّة بالموت الإرادي طلباً للحياة المعنويّة الأبديّة إلاّ من كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيّدهم بروح منه، وهو نتيجة الصدق في الطلب وحسن الإرادة الحاصلَيْن من بذر "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه". وذلك فَضْلُ الله يُؤتْيهِ مَنْ يَشَاءُ - وإلاّ فمن خصوصيّة الإنسان بحسب ما ذكر فيه من الطبيعة الظلمانيّة التي لأصحاب الشيطان أن يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وان كانوا يُصَلّون ويصومون ويزعمون أنّهم متديِّنون ولكن بالتقليد - لا بالتحقيق -، اللهمّ إلاّ من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:22]. تنبيه: لا يخفى عليك أنّ في الإخبار بعدم تمنّيهم الموت - ولو بحسب القول واللسان - معجزة من معجزات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما روي أنّه قال لهم: "حديث : والذي نفسي بيده، لا يقولها أحد منكم إلاّ غصّ الله بريقه"تفسير : . فلولا أنّهم كانوا موقنين بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لتمنّوا ذلك، ولكنّهم علموا أنّهم لو تمنّوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالَك أحد منهم أن يتمنّى. الإشراق الرابع تمني الموت دليل كون صاحبه أهل السعادة قد نبّه الله في هذه الآية على كذب اليهود في دعواهم ولاية الله وقربه. ونبّه في موضع آخر على كذبهم في دعواهم أنّ الآخرة خير لهم من الأولى. وأن الدار الآخرة خالصة لهم، وكشف عن ذلك أيضاً بهذا الطريق فقال مخاطِباً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): {أية : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة:94] فأخبر بأنّهم لن يتمنّوا الموت أبداً بما قدّمت أيديهم من سوء الأفعال وقبح الأعمال وفساد الأنظار والأطوار، المؤدية إلى الاحتراق بالنار. كما قال طبق هذا المقال: {أية : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} تفسير : [البقرة:95] تنبيها على أنهم ليسوا من أهل سلامة الآخرة وسعادة تلك الدار، إذ ليسوا من أهل المحبّة الإلهية، والمودّة والروحانيّة، فإن لمحبّة الله وولايته التي للأولياء المقرّبين علامات مرجعها إلى ترك الالتفات إلى غير الله، وقطع النظر عمّا سواه، وتنقية القلب عن سائر المحبوبات. والمتضمّن لهذه التروك كلّها هو الموت، فمَن أحبّ لقاء الله اشتاق إلى الموت، إذ بالموت يتخلّص عن صحبة الأغيار بالكليّة ويرجع إلى لقاء الله العزيز القهّار. ومن جملة الأغيار المحبوبة بالمحبّة المجازيّة هي النفس والأهل والولد، والمال والجاه والشهرة، وكلّ محبة لمحبوب مجازيّ يمنعه عن نحو من العبوديّة التامّة والمحبّة الحقيقيّة لله تعالى، فمَن غلبت عليه محبّة المال منعته عن الزكاة، ومحبّة الوطن تمنعه عن الحجّ، ومحبّة البدن بالأكل والشرب تمنعه عن الصوم، ومحبّة النفس تمنعه عن الجهاد، ومحبّة الجاه والشهرة تمنعه عن تعلّم العلوم الحقيقية عن الغير، والاعتراف بقصوره وجهله والإقرار بفضيلة من هو أعلم منه كثيراً. فترك كلّ منها علامة من علامات محبّة الله من جهة امتثال أمره بما يكرهه ونهيه عمّا هو يحبّه، فمهما ترك جميع محبوباته فحصلت له علامة الاستعداد للقاء الله فيهون عند ذلك عليه الموت، لأنّ محبّة كلّ شيء سوى الله فرع محبّة النفس، فمهما ترك بمحبّة الله محبّة النفس زالت عنه محبّة كلّ شيء سوى الله، فصار وليّاً من أولياء الله عارفاً به، مشتاقاً إليه وإلى عالم ملكوته فيتمنّى الموت. فتمنّي الموت لهذا الوجه يكون من علامة ولاية الله وعرفانه، ولذا قال: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} -، ومن كان حاله على مضادّة هذا الحال، حيث يحبّ النفس والولد والأهل والمال والعشيرة والجاه، يكون من أعداء الله، كما قال سبحانه: {أية : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} تفسير : [التوبة:24]. الإشراق الخامس الإنسان لماذا لا يتمنى الموت قد نفى الله تعالى عن اليهود ومَن يحذو حذوهم من أولي الطبائع الغليظة والقلوب القاسية، عن قبول نور المعرفة والحكمة، تارة درجة الولاية والقرب - كما في هذه الآية -، وأخرى درجة السعادة الأخرويّة - كما في الآية المنقولة -. والسبب في ذلك، أنّ أهل الآخرة إن كانوا من الكاملين في المعرفة واليقين فهم من أولياء الله المقرّبين، وإن كانوا من الكاملين في العمل فهم من أصحاب اليقين. وجزاء المقربين مجاورة الحقّ الأوّل، ومشاهدة لقاءه ولقاء العاكفين في حضيرة قدسه وساحة ملكوته، وجزاء أصحاب اليمين السَيَحان في روضات الجنان، ومنادمة الحور والغلمان، والابتهاج باللؤلؤ والمرجان، وهاتان المرتبتان كلتاهما مسلوبتان عنهم رأسا، لفساد اعتقادهم لعنادهم وجحودهم للعلوم الحقّة الحقيقية، واعتمادهم على أوهام وظنون تقليديّة تلقفوها من غير دارية، وبطلان أعمالهم لغلبة دواعيهم الحيوانيّة، وانكبابهم على طلب هذه الدنيا الدنيّة، فينفى عنهم ما يؤدّي إلى الكمال العلمي والعملي بالكليّة فيمتنع عليهم تمنّى الموت. وإنّما يتمنّاه مَن كان حكيماً عارفاً الله، حارسا لآخرته، عاملاً عمل أهل الآخرة من الزهد في الدنيا وترك مرغوباتها ومستلذّاتها ورياساتها، حتّى يكون الموت موصلاً إيّاه إلى محبوبه الأصلي، ومطلقا له عن أسْر الطبيعة وحبس الظلمات، وصحبة الأضداد والمؤذيات، وقاطعاً عنه كلفة العبادات وشدّة الرياضات والمحن والأمراض. الإشراق السادس تمنّي الموت عن علامات أهل النجاة إنّ في كلّ واحدة من هذه الآية ونظيراتها إشارة إلى أنّ أصحاب العلوم الظاهرة، المنكرين على أرباب المعارف الحقيقيّة، يزعمون أنّهم من أهل النجاة وأهل الدرجات دون هؤلاء المحقّقين المعرضين عن الصيت والاشتهار وطلب الافتخار، والتقلّب في البلاد والديار، والتعرض للشيخوخة والقضاء وتولية الأوقاف. فجعل الله تعالى علامة أهل النجاة السآمة من حياة هذه الدنيا وتمنّي الموت. وأشار إلى أنّ هذا حال السالك والمحبّ الصادق، والمحقّق العاشق، كما قال بعضهم: شعر : اقتلوني يا ثقاتي إنّ في قتلي حياتي تفسير : فإنّ العبد المطيع يحب الرجوع إلى مولاه، والعبد العاصي الآبق يكره الرجوع إلى مولاه. وفي الحديث:"حديث : من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"تفسير : أي: محبّة العبد للقاء الله نتيجة محبّة الله للقاء العبد بحسب الجذبة الإلهية التي لا يوازيها عمل الثَقَلين. ولذا قال: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54] بتقديم الأوّل على الثاني دون العكس. وبالمقايسة إلى حال السالك العارف، يعرف حال الواقف الجاهل، والمبتدع المضلّ المداهن الحريص على الدنيا، لأنّ حال العدوّ بخلاف حال الوليّ، وحال الساكن الواقف في النشأة الأولى، بخلاف حال المسافر الساير إلى النشأة الأخرى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:62]. ولذا قال سبحانه في وصفهم: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} تفسير : [البقرة:96] لأنّ المشركين وإن كانوا حريصين على الحياة، ولكن لم يكن لهم خوف العذاب لانكارهم البعث، وأمّا المغرور الممكور، فيكن له حرص الحياة وخوف العقاب، فيكون أحرص الناس على الحياة من المشرك. وبالجملة، حبّ الدنيا نتيجة الغفلة من الله، فأشدّهم منه غفلة أحبّهم للدنيا، وحال المؤمن على ضدّ هؤلاء كما عرفت. الإشراق السابع حكمة خلق العصاة وذوي القلوب القاسية قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} - إشارة إلى أنّ إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين أمور مرتبة بالعلم الأزلي والقضاء الأولي، بحسب اقتضاء الأسماء الإلهيّة الموجبة لأن يكون وجود هذا العالم السفلي والمحلّ الهيولي ممتزجاً بالأنوار والظلمات، مركّبا من الشرور والخيرات، لأنّ نظامه حاصل من تركيب الأضداد وطبائع متخالفة المواد والأجساد، ولا ينصلح تعميرها إلاّ بنفوس فظاظ غلاظ شداد وقلوب قاسية كالحجارة متلطّخة بالظلمة والسواد، لا يلينها إلاّ النار الآخرة التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين، ولا يؤثر فيها الوعظ والنصيحة والإنذار، ولا ينجع لها تلاوة الكتاب والسُنّة بالدرس والتكرار، لعدم اهتدائهم بعالَم آخر إليه رجعى نفوس الأخيار معدن العلوم والأنوار. وعن بعضهم: إنّ الله قد أبطل قول اليهود وأظهر لهم كذبهم في هذه السورة في ثلاثة أمور: افتخَروا بأنّهم أولياء الله وأحبّاؤه فكذّبهم في قوله: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} وبأنّهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبّههم بالحمار يحمل أسفاراً. وبالسبت وأنّه ليس للمسلمين مثله، فشرع الله لهم الجمعة - والله وليّ الهداية والتوفيق.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} لليهود تعريضاً بمن ادّعى منك الخلافة او بجميع امّتك {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى هذا الادّعاء يعنى ان كنتم اولياء لله فالحياة الدّنيويّة تحجبكم عنه وكلّ محبّ يتمنّى لقاء المحبوب والموت يخرجكم من الحجاب ويوصلكم الى لقاء الله.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا} هاد يهود إذا تهود {إِن زَعَمْتُم أَنَّكُم أَوْلِيَآءُ للهِ مِن دُونِ النَّاسِ} محمد واصحابه. {فَتَمَنُّوا المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قيل: نزلت بسبب ان يهود المدينة لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا يهود خيبر في امره وذكروا لهم نبوته وقالوا ان رأيتم اتباعه اطعناكم وان رأيتم خلافه خالفناه معكم فأجابهم أهل خيبر بانا نحن أبناء ابراهيم خليل الرحمن وأبناء عزيز بن الله ومنا الانبياء ومتى كانت النبوة في العرب فنحن احق بالنبوة من محمد ولا سبيل الى اتباعه أي إن كنتم من الله بهذه المنزلة من انكم الاولياء والاحباء فتمنوا من الله أن يميتكم وتفارقوا هذه الحياة الخسيسة إلى محل الكرامة والولاء يؤثر الآخرة ومبدأها الموت.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يٰأََيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي تهودوا أي صاروا يهوداً {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ } أي أحباء له سبحانه ولم يضف أولياء إليه تعالى كما في قوله سبحانه: { أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 62] قال الطيبـي: ليؤذن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه عز وجل بها {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } حال من الضمير الراجع إلى اسم {إِنَّ} أي / متجاوزين عن الناس {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } أي فتمنوا من الله تعالى أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن كنتم صادقين في زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد والأكدار، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك إظهاراً لكذبهم فإنهم كانوا يقولون: { أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] ويدّعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة ويقولون: { أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا } تفسير : [البقرة: 111] وروي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبت يهود المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم محمداً أطعناه وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا نحن أبناء خليل الرحمن ومنا عزيز ابن الله والأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب نحن أحق بها من محمد ولا سبيل إلى اتباعه فنزلت {قُلْ يٰأََيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ } الآية، واستعمال {إِنَّ} التي للشك مع الزعم وهو محقق للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه. وقرأ ابن يعمر وابن أبـي إسحٰق وابن السميقع {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } بكسر الواو تشبيهاً بـ { أية : لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } تفسير : [التوبة: 42]، وعن ابن السميقع أيضاً فتحها، وحكى الكسائي عن بعض الأعراب أنه قرأ بالهمزة مضمومة بدل الواو.
ابن عاشور
تفسير : أعقب تمثيل حال جهلهم بالتوراة بذكر زعم من آثار جهلهم بها إبطالاً لمفخرة مزعومة عندهم أنهم أولياء الله وبقية الناس ليسوا مثلهم. وذلك أصل كانوا يجعلونه حجة على أن شؤونهم أفضل من شؤون غيرهم. ومن ذلك أنهم كانوا يفتخرون بأن الله جعل لهم السبت أفضل أيام الأسبوع وأنه ليس للأميين مثله فلما جعل الله الجمعة للمسلمين اغتاظوا، وفي «الكشاف» «افتخر اليهود بالسبت وأنه للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة». وافتتح بفعل {قل} للاهتمام. و{الذين هادوا}: هم الذين كانوا يهوداً، وتقدم وجه تسمية اليهود يهوداً عند قوله تعالى: { أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا}تفسير : في سورة [البقرة: 62]. ويجوز أن يكون {هادوا} بمعنى تابوا لقول موسى عليه السّلام بعد أن أخذتهم الرجفة: {أية : إنا هُدنا إليك}تفسير : كما تقدم في سورة [الأعراف: 156]. وأشهر وصف بني إسرائيل في القرآن بأنهم هود جمع هائد مثل قعود جمع قاعد. وأصل هود هُوُود وقد تنوسي منه هذا المعنى وصار علماً بالغلبة على بني إسرائيل فنودوا به هنا بهذا الاعتبار لأن المقام ليس مقام ثناء عليهم أو هو تهكم. وجيء بـ{إن} الشرطية التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط مع أن الشرط هنا محقق الوقوع إذ قد اشتهروا بهذا الزعم وحكاه القرآن عنهم في سورة [العقود: 18]: {أية : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : للإِشارة إلى أن زعمهم هذا لما كان باطلاً بالدلائل كان بمنزلة الشيء الذي يفرض وقوعه كما يفرض المستبعد وكأنه ليس واقعاً على طريقة قوله تعالى: {أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين}تفسير : [الزخرف: 5] ويفيد ذلك توبيخاً بطريق الكناية. والمعنى: إن كنتم صادقين في زعمكم فتمنوا الموت. وهذا إلجاء لهم حتى يلزمهم ثبوت شكهم فيما زعموه. والأمر في قوله: {فتمنوا} مستعمل في التعجيز: كناية عن التكذيب مثل قوله تعالى: {أية : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}تفسير : [آل عمران: 93]. ووجه الملازمة بين الشرط وجوابه أن الموْت رجوع الإِنسان بروحه إلى حياة أبدية تظهر فيها آثار رضى الله عن العبد أو غضبه ليجزيه على حسب فعله. والنتيجة الحاصلة من هذا الشرط تُحَصِّلُ أنهم مثل جميع الناس في الحياتين الدنيا والآخرة وآثارهما، واختلافِ أحوالِ أهلهما، فيعلم من ذلك أنهم ليسوا أفضل من الناس. وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلِمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق}تفسير : [المائدة: 18]. وبهذا يندفع ما قد يعرض للناظر في هذه الآية من المعارضة بينها وبين ما جاء في الأخبار الصحيحة من النهي عن تمني الموت. وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من أحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كَره لقاء الله كره الله لقاءه»، فقالت عائشة: «إنا نكره الموت فقال لها ليس ذلك»تفسير : الحديث. وما روي عنه أنه قال: «حديث : ارسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكُه فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» تفسير : إلى قوله: «قال موسى فالآن». ذلك أن شأن المؤمنين أن يكونوا بين الرجاء والخوف من الله، وليسوا يتوهمون أن الفوز مضمون لهم كما توهم اليهود. فما تضمنته هذه الآية حكاية عن حال اليهود الموجودين يومئذٍ، وهم عامة غلبت عليهم الأوقام والغرور بعد انقراض علمائهم، فهو حكايه عن مجموع قوم، وأما الأَخبار التي أوردناها فوصف لأحوال معيّنة وأشخاص معينين فلا تعارض مع اختلاف الأحوال والأزمان، فلو حصل لأحد يقين بالتعجيل إلى النعيم لتمنى الموت إلا أن تكون حياته لتأييد الدين كحياة الأنبياء. فعلى الأول يحمل حال عُمَير بن الحُمَام في قوله: شعر : جَرْياً إلى الله بغير زاد تفسير : وحال جعفر بن أبي طالب يوم مُوتَةَ وقد اقتحم صَفّ المشركين: شعر : يَا حَبَّذا الجنةُ واقترابهاتفسير : وقول عبد الله بن رواحة: شعر : لكنني أسأل الرحمان مغفرة وضربة ذات فَرْغٍ تقذف الزبدا تفسير : المتقدمة في سورة البقرة لأن الشهادة مضمونة الجزاء الأحسن والمغفرة التامة. وعلى الثاني يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في تأويل قوله: «حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» تفسير : إن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله فليس شيء أحبَّ إليه مما أمَامَه فأحَب لقاء الله. وقول موسى عليه السلام لملَك الموت: «فالآن».
الشنقيطي
تفسير : قال الشيخ رحمة الله تعالىعلينا وعليه في إملائه: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والذين هادوا هم اليهود. ومعنى هادوا: أي رجعوا بالتوبة إلى الله من عبادة العجل. ومنه قوله تعالى:{أية : إنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 156]، وكان رجوعهم عن عبادة العجل بالتوبة النصوح: حيث سلموا أنفسهم للقتل توبة وإنابة إلى الله كما بينه بقوله:{أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 54] إلى قوله{أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 54]. وقوله: {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في: {إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ اللَّهِ} اي إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله، وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس، فتمنوا الموت لأن ولي الله حقاً يتمنى لقاءه، والإسراع إلى ما أعد له من النعيم المقيم اهـ. وفي قوله رحمة الله تعالى علينا وعليه. إشارة إلى بيان زعمهم المجمل في الآية وهو ما بينه تعالى بقوله عنهم وعن النصارى معهم:{أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18]. وقد ردّ زعمهم عليهم بقوله تعالى:{أية : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}تفسير : [المائدة: 18]. ومثل هذه الآية إن زعمتم قوله تعالى:{أية : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [البقرة: 94]. وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: وقيل المراد بالتمني المباهلة، والمراد من الآية إظهار كذب اليهود في دعواهم أنهم أولياء الله. وقوله: {إِن زَعَمْتُمْ} مع قوله: {إن كُنتُمْ} شرطان يترتب الأخذ منهما على الأول أي فتمنوا الموت، إن زعمتم، إن صدقتم في زعمكم، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: شعر : إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {صَادِقِينَ} (6) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ اليَهُودِ: إِنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى حَقٍّ وَهُدًى، وَأَنَّ مُحَمَّداً وَأَصْحَابَهُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، فَادْعُوا بِالمَوْتِ عَلَى الضَّالِ مِنَ الفِئَتَينِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تَزَعُمُونَ مِنْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ اللهِ وأحِبَّاؤهُ. هَادُوا - دَانُوا باليَهُودِيَّةِ.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام نيابةً عنَّا لليهود الذين يدّعون محبة الله وولايته بقولهم: نحن أولياء الله وأحباؤه منادياً لهم، متهكماً معهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ} وتهودوا {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} املقرب لكم إلى الله؛ إذ الانتقال من دار الغرور إلى دار السرور تقربكم إلى الرحيم الغفور {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6] في دعوى المحبة والولاء، فمتنوه. {وَ} الله يا أكمل الرسل {لاَ يَتَمَنَّونَهُ} أي: لا يتمنى أحد منهم الموت أصلاً {أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} أي: بسبب ما قدموا، واقترفوا بأنفسهم من الكفر والعصيان، وأنواع الفسوق والطغيان {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بعموم ما في استعدادات عباده {عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [الجمعة: 7] وبما في ضمائرهم من المحبة والقساوة، يجازيهم على مقتضى علمه. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أعرضوا عن تمني الموت وابتغائه طلباً لمرضاة الله، وشوقاً إليه أيضاً على وجه التبكيت والإلزام: {إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} وتخافون أن تمنوه بلسانكم مخالفة أنه لا يلحقكم، بل تفرون عن مجرد التلفظ به، فكيف عن لحوقه {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} ملاصقكم، ولاحق بكم حتماً؛ إذ كل نفس ذائقة كأس لموت، ولك حي لا بدَّ وأن يموت سوى الحي الذي لا يموت، ولا يفوت {ثُمَّ} بعدما تموتون {تُرَدُّونَ} وتُحشرون نحو المحشر، وتعرضون {إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} بعلمه الحضوري {فَيُنَبِّئُكُم} ويخبركم حينئذٍ {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8] من خير وشر، فيجازيكم عليهما. ثمَّ لمَّا تهاون المسلمون في أمر الجمعة، وتكاسلوا في الاجمتاع قبل الصلاة، بل انفضوا وصرفوا عن الجامع حين خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سمعوا صداء الملاهي المعهودة لمجيء العير على ما هو عادتهم دائماً، عاتبهم الله سبحانه، وأنزل عليهم الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم: المبادرة إلى مطلق الطاعات، سيما {إِذَا نُودِيَ} وأُذن {لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} أي: في يوم الجمعة، وهو الأذان المعهود قبيل الجمعة {فَٱسْعَوْاْ} مسرعين مجيبين {إِلَىٰ} سماع {ذِكْرِ ٱللَّهِ} في الخطبة والتذكيرات الواردة فيها {وَذَرُواْ} واتركوا {ٱلْبَيْعَ} بعد سماع الأذان {ذَلِكُمْ} أي: ترك البيع والانصراف نحو المسجد {خَيْرٌ لَّكُمْ} وأنفع في عقابكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] صلاحكم وإفسادكم في أولاكم وأخراكم. {فَإِذَا قُضِيَتِ} وأُديت {ٱلصَّلاَةُ} المكتوبة لكم يوم الجمعة مع الإمام {فَٱنتَشِرُواْ فِي} أقطار {ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ} واطلبوا حوائجكم {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} وإحسانه، وسعة جوده وإنعامه {وَ} بالجملة: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} المنعم المفضل عليكم {كَثِيراً} في عموم أحوالكم وأعمالكم، ولا تحصروا ولا تقصروا ذكره في الصلوات المفروضة فقط، بل اشتغلوا بذكره في عموم الأوقات والحالات، بالقلب واللسان، وسائر الجوارح والأركان؛ إذ ما من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا يفقهون تسبيحهم إلاَّ قليلاً، وواظبوا عليه {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] وتفوزون بخير الدارين. {وَ} هم من غاية حرصهم على مقتضيات القوى البهيمية بعدما كانوا في الجامع عند سماع الخطبة {إِذَا رَأَوْاْ} وسمعوا {تِجَارَةً} حاضرة تدبير الناس حولها {أَوْ لَهْواً} طبلاً مخبراً لهم على مجيئ العير {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} أي: مالوا وتحركوا نحوها مسرعين، فخرجوا من الجامع سوى اثني عشر من الرجال والنساء {وَتَرَكُوكَ} يا أكمل الرسل {قَآئِماً} على المنبر، وما هي إلا ثلمة ظهرت في الدين المستبين، موجبة مقتضية للتهاون بأحكام الشرع المتين، حدثت فيما بينهم. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إزاحةً لها، وإزالةً لما يتفرع عليها: {مَا عِندَ ٱللَّهِ} من المثوبات الأخروية الموجبة للدرجات العليَّة، والمقامات السنيَّة {خَيْرٌ} لكم وأصلح بحالكم، وأعظم نفعاً، وأبقى فائدة {مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} إذ لا نفع لها عند أهل الحق وإن فرض، فهو متناه زائل عن قريب، بخلاف الكرامة الأخروية فإنها تدوم أبداً {وَ} إن عللوا انفضاضهم بتحصيل الرزق الصوري قل لهم يا أكمل الرسل: {ٱللَّهُ} المظهر لكم من كتم العدم، المدبر المربي لأشباحكم بما ليس في وسعكم {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] يرزقكم من حيث لا تحستبون إن توكلتم عليه مخلصين، وفوضتم أموركم إليه سبحانه واثقين بكرمه العميم، وجوده العظيم. خاتمة السورة عليك أيها الموحد الخائض لجج بحر الوجود، المتحقق بمقام الكشف والشهود - مكنك الله في مقر عز الوحدة، وجنبك عن الزيغ والضلال - أن تتوكل على الله، وتتخذه وكيلاً، وتفوض أمورك كلها إليه، وتجعله كفيلاً، فعليك ألاَّ تشتغل عن الله في آن وشأن، ولا تغفل عنه في حين من الأحيان، سيما في أمر الرزق الصوري الضروري، المقدر عند الله المدبر الحكيم لكل من دخل في حيطة الوجود، وظهر على صورة الموجود، فإنه يصل على من يصل حسب إرادة الله ومشيئته. وإياك إياك أن تطلبه بالتجارة والسؤال، بل لك أن تستعمل آلاتك الموهبة لك من عند العليم الحكيم إلى ما جُلبت لأجله؛ لتكون من زمرة الشاكرين المتوكلين. وبالجملة: الرزق على الله، ولا تكن من القانطين، واعبد ربك، واشكر على آلائه ونعمائه {أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99]. ربنا اجعلنا بلطفك من زمرة الشاكرين، آمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):