Verse. 5185 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

قُلْ اِنَّ الْمَوْتَ الَّذِيْ تَفِرُّوْنَ مِنْہُ فَاِنَّہٗ مُلٰقِيْكُمْ ثُمَّ تُرَدُّوْنَ اِلٰى عٰلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّہَادَۃِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ۝۸ۧ
Qul inna almawta allathee tafirroona minhu fainnahu mulaqeekum thumma turaddoona ila AAalimi alghaybi waalshshahadati fayunabbiokum bima kuntum taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه» الفاء زائدة «ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة» السر والعلانية «فينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم به.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني أن الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات وغيره ملاقيكم لا محالة، ولا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة يعني ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته، وقوله تعالى: {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } إما عياناً مقروناً بلقائكم يوم القيامة، أو بالجزاء إن كان خيراً فخير. وإن كان شراً فشر، فقوله: {إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ } هو التنبيه على السعي فيما ينفعهم في الآخرة وقوله: {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } هو الوعيد البليغ والتهديد الشديد. ثم في الآية مباحث: البحث الأول: أدخل الفاء لما أنه في معنى الشرط والجزاء، وفي قراءة ابن مسعود {مُلَـٰقِيكُمْ } من غير {فَإِنَّهُ }. الثاني: أن يقال: الموت ملاقيهم على كل حال، فروا أو لم يفروا، فما معنى الشرط والجزاء؟ قيل: إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، وقد صرح بهذا المعنى، وأفصح عنه بالشرط الحقيقي في قوله:شعر : ومن هاب أسباب المنايا تناله ولو نال أسباب السماء بسلم

القرطبي

تفسير : قال الزجاج: لا يقال: إن زيداً فمنطلق، وها هنا قال: «فَإنَّهُ مُلاَقِيكُمْ» لِما في معنى «الَّذِي» من الشرط والجزاء، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه. قال زهير:شعر : ومن هاب أسباب المنايا يَنَلْنَهُ ولو رام أسباب السماء بُسلّمِ تفسير : قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله قوله: «الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ» ثم يبتدىء «فَإنَّهُ مُلاَقِيكُمْ». وقال طرفة:شعر : وكفَى بالمَوْت فاعلم واعظاً لمَن المَوْتُ عليه قد قُدر فاذكر الموتَ وحاذر ذكره إنَّ في الموت لذي اللُّبّ عِبَرْ كلُّ شيء سوف يَلْقَى حَتْفَه في مقامٍ أو على ظَهْرِ سَفَرْ والمنايا حَوْلَه تَرْصُدُه ليس يُنجيه من الموت الْحَذَرْ

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ } الفاء زائدة {مُلَٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } السر والعلانية {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}. في هذه الفاء وجهان: أحدهما: أنها داخلةٌ لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. قال الزجاج: ولا يقال: إنَّ زيداً فمنطلق، وهاهنا قال: "فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ" لما في معنى "الذي" من الشرط والجزاء، أي: فررتم منه فإنه ملاقيكم، وتكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. الثاني: أنها مزيدة محضة لا للتضمين المذكور. وأفسد هؤلاء القول الأول بوجهين: أحدهما: أن ذلك إنما يجوز إذا كان المبتدأ أو اسم إن موصولاً، واسم "إن" هنا ليس بموصول، بل موصوفاً بالموصول. والثاني: أن الفرار من الموت لا ينجي منه فلم يشبه الشرط يعني أنه متحقق فلم يشبه الشرط الذي هو من شأنه الاحتمال. وأجيب عن الأول: بأن الموصوف مع صفته كالشيء الواحد؛ ولأن "الذي" لا يكون إلا صفة، فإذا لم يذكر الموصوف دخلت الفاء، والموصوف مراد، فكذلك إذا صرح بها. وعن الثاني: بأن خلقاً كثيراً يظنون أن الفرار من أسباب الموت ينجيهم إلى وقت آخر. وجوز مكي: أن يكون الخبر قوله: {ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} وتكون الفاء جواب الجملة قال: كما تقول: "زيد منطلق فقم إليه". وفيه نظر؛ لأنها لا ترتب بين قوله: {إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} وبين قوله {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} فليس نظيراً لما مثله. قال القرطبي: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: {ٱلَّذِي تَفِرُّونَ} ثم يبدأ بقوله {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}. وقرأ زيد بن علي: "إنَّهُ" بغير فاء. وفيها أوجه: أحدها: أنه مستأنف، وحينئذ يكون الخبر نفس الموصول، كأنه قيل: فإن الموت هو الشيء الذي تفرّون منه. قاله الزمخشري. الثاني: أن الخبر الجملة من قوله: {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} وحينئذ يكون الموصول نعتاً للموت. الثالث: أن يكون "إنه" تأكيد، لأن الموت لما طال الكلام أكد الحرف تأكيد لفظياً، وقد عرف أنه لا يؤكد كذلك إلا بإعادة ما دخل عليه أو بإعادة ضميره، فأكد بإعادة ضمير ما دخلت عليه "إن". وحينئذ يكون الموصول نعتاً للموت، و"ملاقيكم" خبره، كأنه قيل: إن الموت إنه ملاقيكم. وقرأ ابن مسعود: "ملاقيكم" من غير "فإنه". فإن قيل: الموت ملاقيهم على كل حال فروا أو لم يفروا، فما معنى الشرط والجزاء؟. فالجواب: أنَّ هذا على جهة الرَّد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وهذا وعيد بليغ وتهديد شديد.

القشيري

تفسير : الموتُ حَتْمٌ مَقْضِيٌّ. وفي الخبر: "حديث : مَنْ كَرَهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه"تفسير : . والموتُ جِسْرٌ والمقصدُ عند الله.. ومَنْ لم يَعِشْ عفيفاً فَلْيَمُتْ ظريفاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان الموت الذى تفرون منه} ولا تجسرون على أن تتمنوه مخالفة أن تؤخذوا بوبال كفركم {فانه ملاقيكم} البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه يعنى بكيرد شمارا وشربت آن بجشيد وفرار سودى ندارده، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف اى باعتبار كون الموصوف بالموصوف فى حكم الموصول اى ان فررتم من الموت فانه ملاقيكم كأن الفرار سبب لملاقاته وسرعة لحوقه اذ لايجد الفار بركة فى عمره بل يفر الى جانب الموت فيلاقيه الموت ويستقبله وقد قيل اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة {ثم} اى بعد الموت الاضطرارى الطبيعى {تردون} الرد صرف الشىء بذاته او بحالة من احواله يقال رددته فارتد والآية من الرد بالذات مثل قوله تعالى {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}تفسير : ومن الرد الى حالة كان عليها قوله تعالى {أية : يردوكم على ادباركم}تفسير : {الى عالم الغيب والشهادة} الذى لاتخفى عليه احوالكم اى ترجعون الى حيث لاحاكم ولا مالك سواه وانما وصف ذاته بكونه عالم الغيب والشهادة باعتبار أحوالهم الباطنة واعمالهم الظاهرة وقد سبق تمام تفسيره فى سورة الحشر {فينبئكم} بس خبر دهدشمارا {بما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصى والفواحش الظاهرة والباطنة بأن يجازيكم بها. وفى التأويلات النجمية يشير الى الموت الارادى الذى هو ترك الشهوات ودفع المستلذات الذى تجتنبون منه لضعف همتكم الروحانية ووهن نهمتكم الربانية فانه ملاقيكم لايفارقكم ولكن لاتشعرون به لانهماككم فى بحر الشهوات الحيوانية واستهلاككم فى تبار مشتهياتكم الظلمانية فانكم فى لبس من خلق جديد ولا تزالون فى الحشر والنشر كا قال وجاءكم الموج من كل مكان اى موج الموت فى كل لذة شهية ونعمة نعيمة ثم تردون الى عالم الغيب غيب النيات وغيب الطويات القلبية السرية والشهادة شهادة الطاعات والعبادات فينبئكم اى فيجازيكم بما كنتم تعملون بالنية الصالحة القلبية او بالنية الفاسدة النفسية انتهى، وفيه اشارة الى انه كما لاينفع الفرار من الموت الطبيعى كذلك لاينفع الفرار من الموت الارادى لكن ينبغى للعاقل آن يتنبه لفنائه فى كل آن ويختار الفناء حبا للبقاء مع الله الملك المنان. اعلم ان الفرار الطبيعى من الموت بمعنى استكراه الطبع وتنفره منه معذور صاحبه لان الخلاص منه عسير جدا الا للمشتاقين الى لقاء الله تعالى (حكى) انه كان ملك الملوك أراد أن يسير فى الارض فدعا بثياب ليلبسها فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما اعجبه بعد مرات وكذا طلب دابة فلم تعجبه حتى أتى بدواب فركب احسنها فجاء ابليس فنفخ فى منخره فملأه كبرا ثم سار وسارت معه الخيول وهو لاينظر الى الناس كبرا فجائه رجل رث الهيئة فسلم فلم يرد عليه السلام فأخذ بلجام دابته فقال ارسل اللجام فقد تعاطيت امرا عظيما قال ان لى اليك حاجة قال اصبر حتى انزل قال لا الا الآن فقهره على لجام دابته قال اذكرها قال هو سر فدنا اليه فساره وقال انا ملك الموت فتغير لون الملك واضطرب لسانه ثم قال دعنى حتى ارجع الى اهلى واقضى حاجتى فأودعهم قال لا والله لاترى اهلك ومالك ابدا فقبض روحه فخر كأنه خشبة ثم مضى فلقى عبدا مؤمنا فى تلك الحال فسلم فرد عليه السلام فقال ان لى اليك حاجة اذكرها فى اذنك فقال هات فساره انا ملك الموت فقال مرحبا واهلا بمن طالت غيبته فوالله ما كان فى الارض غائب أحب الى أن القاه منك فقال ملك الموت اقض حاجتك التى خرجت لها فقال مالى حاجى اكبر عندى ولا احب من لقاء الله قال فاختر على اى حالة شئت أن اقبض روحك فقال أتقدر على ذلك قال نعم انى امرت بذلك قال فدعنى حتى اتوضأ واصلى فاقبض روحى وانا ساجد فقبض روحه وهو ساجد (وفى المثنوى) شعر : بس رجال از نقل عالم شادمان وز بقايش شادمان اين كودكان جونكه آب خوش نديدآن مرغ كور بيش او كوثر نمايد آب شور تفسير : واما الفرار العقلى بمعنى استكراهه الموت او بمعنى الانتقال من مكان الى مكان فالاول منهما ان كان من الانهماك فى حظوظ الدنيا فمذموم وان كان من خوف الموقف فصاحبه معذور كما حكى ان سليمان الدارانى قدس سره قال قلت لامى أتحبين الموت قالت لا قلت لم قالت لانى لو عصيت آدميا مااشتهيت لقاءه فكيف احب لقاءه وقد عصيته وقس عليه الاستكراه رجاء الاستعداد لما بعد الموت واما الثانى منهما فغير موجه عقلا ونقلا اذا المشاهدة تشهد أن لامخلص من الموت فأينما كان العبد فهو يدرك واما الفرار من بعض الاسباب الظاهرة للموت كهجوم النار المحرقة للدور والسيل المفرط فى الكثرة والقوة وحمل العدو الغالب والسباع والهوام الى غير ذلك فالظاهر انه معذور فيه بل مأمور واما الفرار من الطاعون فما يرجحه العقل والنقل عدم جوازه، اما العقل فما قاله الامام الغزالى رحمه الله من ان سبب الوباء فى الطب الهوآء المضر واظهر طرق التداوى الفرار من المضر ولا خلاق انه غير منهى عنه الا ان الهوآء لايضر من حيث انه يلاقى ظاهر البدن من حيث دوام الاستنشاق له فانه اذا كان فيه عفونة ووصل الى الرئه والقلب وباطن الاحشاء اثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر الا بعد طول التأثير فى الباطن فالخروج من البلد لايخلص غالبا من الاثر الذى استحكم من قبل ولكنه يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقى والطيرة وغيرهما وانه لو رخص للاصحاء فى الخروج لما بقى فى البلد الا المرضى الذين اقعدهم الطاعون وانكسرت قلوبهم ولم يبق فى البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك سعيا فى اهلاكهم تحقيقا وخلاصهم منتظركما ان خلاص الاصحاء منتظر فلو اقاموا لم تكن الاقامة قاطعة لهم بالموت ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع فى اهلاك الباقين والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضا والمؤمنون كالجسد الواحد اذا اشتكى مه عضو تداعى الى الاشتكاء سائر اعضائه هذا هو الذى يظهر عندنا فى تعليل النهى وينعكس هذا فيما اذا لم يقدم بعد على البلد فانه لم يؤثر الهوآء فى باطنه وليس له حاجة اليهم، واما النقل فقوله تعالى {أية : ألم ترى الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم}تفسير : فانه انكار لخروجهم فرارا منه وتعجيب بشأنهم ليعتبر العقلاء بذلك ويتيقنوا أن لامفر من قضاء الله فالمنهى عنه هو الخروج فرارا فان الفرار من القدر لايغنى شيأ وفى الحديث "حديث : الفار من الطاعون كالفار من الزخف والصابر فيه له اجر شهيد"تفسير : وفى الحديث "حديث : يختصم الشهدآء والمتوفون على فراشهم الى ربنا عز وجل فى الذين يتوفون فى الطاعون فيقول الشهدآء اخواننا قتلوا كما قتلنا ويقول المتوفون اخواننا ماتوا على فراشهم كما متنا فيقول ربنا انظروا الى جراحهم فان اشبهت جراحهم جراح المقتولين فانهم منهم فاذا جراحهم قد اشبهت جراحهم ". تفسير : يقول الفقير دل عليه قوله عليه السلام فى الطاعون "حديث : انه وخز اعدآئكم من الجن"تفسير : والوخز طعن ليس بنافذ والشيطان له ركض وهمر ونفث ونفخ ووخز والجنى اذا وخز العرق من مراق البطن اى مارق منها ولان خرج من وخزه الغدة وهى التى تخرج فى اللحم فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة فحصل التوفيق بين حديث الوخز وبين قوله عليه السلام "حديث : غدة كغدة البعير تخرج من مراق البطن"تفسير : وباقى مايتعلق بالطاعون سبق فى سورة البقرة وقد تكفل بتفاصيله رسالة الشفاء لادوآء الوباء لابن طاش كبرى فارجع

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وفيه إشراقات: الإشراق الأوّل في القراءة قرأ زيد بن علي (ع): "إنّه ملاقيكم" بدون الفاء، وفي قراءة ابن مسعود: "تفرّون منه ملاقيكم" وهي ظاهرة. وأمّا التي بالفاء فلتضمّن الذي معنى الشرط. وقيل: إنّ التقدير: قل إنّ الموت هو الذي تفرّون منه، فجعل الذي في موضع الخبر، لا صفة للموت، ويكون "فإنّه" مستأنفاً، وكذلك في قراءة زيد قد جعل: إنّ الموت الذي تفرّون منه، كلاماً برأسه، أي إنّ الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثمّ استؤنف: إنّه ملاقيكم. الإشراق الثاني لا ينفع الفرار من الموت قُلْ - يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) - إنَّ الْمَوتَ الذي تَفِرّونَ مِنْهُ - لاعتباركم بصحبة أهل الدنيا وأبنائِها وشهواتِها ونسائها ومالِها وأسبابِها وبنائِها - فَأِّنَّهُ مُلاَقيكُمْ - أي إنّكم وإن فررَتم من الموت أو القتل بتقوية المزاج، وأكل الأغذية الجيّدة والمشروبات المقوية، والتداوي بالأدوية والترياقات لدفع السموم والآفات، وتحصيل الوقايات من الأسلحة الدافعة والدروع الواقية، واتّخاذ الأبنية والحُصُن الرفيعة والقلاع العالية الحصينة والبروج المشيدة الحارسة عن العدوّ - إلى غير ذلك من التدابير البشريّة والحيل الآدميّة لمدافعة الموت -، فإنّه لا ينفعكم عند حلول الأجل المعلوم عند الله، ولا بدّ أن ينزل بكم الموت ويلاقيكم ويدرككم، ولا ينفعكم الهرب منه {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء:78]. وإنّما قال بالفاء وحرف التأكيد والجملة الاسميّة مبالغة في الدلالة على أنّه لا ينفع الفرار منه، فسواء فّروا منه أو لم يفرّوا فإنّه ملاقيهم، بل ربما كان نفس الفرار من أسباب الموت، كما يشاهَد في بعض مواضع الاحترازات والعلاجات الطبيّة والنجوميّة حيث يصير بعينه سبباً من أسباب الوقوع فيما وقع الفرار منه. فإذا كان الفرار كالسبب في ملاقاة ما يفرّ منه فلا معنى للتعرّض للفرار لأنّه لا يباعدهم على أيّ وجه. وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (ع): كلّ امرئ لاقٍ ما يفرّ منه والأجَل مساق النفس، والهرب منه موافاته. وقال زهير: شعر : ومن هابَ أسباب المنايا ينلنه ولو نالَ أسبابَ السماء بسْلّم تفسير : ولا شكّ أنّها تناله هابَها أو لم يهبَها، ولكنّها ذا كانت بمنزلة السبب للمنيّة فالهيبة لا معنى لها. الإشراق الثالث في حكمة الموت إعلم أنّه قد تقرّر في العلوم الكليّة بيان حكمة الموت، وحكمة نفرة النفس عنه، أمّا حكمة الموت، فلأنّ كون النفس في هذه الدنيا حال نقص دون التمام، وكونها في الآخرة حال تمام، فالبقاء على حال التمام أفضل وأكمل وألذّ وأشرف، كما ان حال الأبدان في الأرحام حال نقص عن التمام والكمال، وحالها بعد الولادة حال تمام وكمال كما لا يخفى على أحد، ولا يجوز في العناية الربّانيّة إهمال شيء من الكمالات والخيرات، وعدم الإجادة به على مستحقّه، فيجب بمقتضى جوده ورحمته إكمال كلّ ناقص بكماله اللائق بحاله. وكما أنّه لا يمكن الوصول إلى تمام الخلقة البديّة في الدنيا إلاّ بعد تقدّم حال النقص في الرحم، والجواز عليه، والخروج عنه، فهكذا حال الأرواح في تمام تكوّنها الأخرويّ ونشأتها الثانويّة، فإنّها لا يصل إليها إلاّ بعد تقدم حال النقص في رحم الدنيا والورود فيها والجواز عليها والخروج عنها، فحال الأرواح بعد الموت على موازنة حال الأبدان بعد مفارقتها الأرحام، لأنّ الموت ليس معناه سوى مفارقة الروح الجسد والدنيا كما أنّ الولادة ليست سوى مفارقة الجسد المشيمة والرحم، فالدنيا كالرحم، والبدن كمالمشيمة، والروح كالجنين. وألَم النزع كألَم الولادة، ومَلَك الموت كالقابلة، والقبر كالمهد، وفضاء الآخرة وأنوارها الإلهيّة والجبروتيّة والملكوتيّة بالنسبة إلى ضيق الدنيا وظلماتها الثلاث التي بعضها فوق بعض، ظلمة الهيولى وظلمة الطبيعة وظلمة النفس بدواعيها الشهويّة والغضبيّة والوهميّة، كفضاء الدنيا وأنوارها الشمسيّة والقمريّة والسراجيّة بالنسبة إلى ضيق الجوف وظلماته الثلاث ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن، أو ظلمات الجماديّة والنباتيّة والحيوانيّة. وأمّا حكمة كراهة الموت للأرواح: فإنّ الله - جلّ ثناؤه - جعل بواجب حكمته في طبع النفوس محبّة الوجود والبقاء أبداً سرمداً، وجعل في جبلّتها كراهة الفناء والعدم، لأنّ الوجود خير محض مؤثَر عند الكلّ، فيحبّه كلّ أحد ويبغض زواله، والموت يزيل هذا الوجود الدنيويّ، فيكون مكروهاً. هذا هو السبب الفاعلي، وأمّا السبب الغائي وحكمته، فلتحرص النفوس بطباعها وغرايزها على حفظ البقاء وتهرب عن الأضداد والمفسدات قبل بلوغها إلى درجة الكمال. وهاهنا وجهان آخران: أحدهما: أنّ الباري جلّ مجده لمّا كانت ذاته بذاته علّة الموجودات ومقوّم الحقائق ومقيّم الكائنات وممسك السموات والأرض، وهو باقٍ أبداً، صارت الموجودات كلّها تحبّ البقاء وتشتاق إليه لأنّه صفة موجِدها وعلّتها والمعلول يحبّ علّته وصفاتها ويشتاق إليها، فمحبّة البقاء وكراهة الفناء من فروع محبّة الباري جلّ ذكره، فمن أجل هذا قالَ الحكماء الأقدمون والعرفاء المحقّقون: إنّ الباري جل ثناؤه هو المعشوق الأوّل، تشتاقه ساير الخلايق جِبلّة وفطرة، ويدور عليه الكلّ طبعاً وإرادة. وثانيهما: أنّ أكثر النفوس لا تدري بأنّ لها وجوداً خلواً عن الأجسام، فتتوهّم أنّ الموت فناء الذات بالكليّة. قيل: لِم لا يلهم الله النفوس بأنّ لها وجوداً مستقلاً ولا حاجة فيه إلى هذا البدن؟ قلنا: لأنّه لا يصلح لها العلم بهذه المعاني، إذ لو علمت لفارقت أجسادها قبل أن تتم وتكمل، أو تهاونت في تدبيرها كما ينبغي فأدّت الأجساد إلى الفساد قبل استعداها للمعاد، وهذا ممّا يبطل حكمة الإيجاد. وأيضاً: إذا فارقت النفوس الأجساد قبل ذلك، بقيت فارغة معطّلة بلا شغل وعمل، ولا معطّل في الوجود، والحكمة تقتضي أن لا يكون شيء من الموجودات مهملاً معطّلاً، كما أنّ الباري - جلّ ذكره - لم يخل أبداً من تدبير وصنعة حتّى يكون فارغاً بلا تدبير وإفاضة، بل كلّ يوم هو في شأن. فظهر أنّ الموت لا بدّ وان يلاقيه الإنسان من جهة القضيّة الربّانية مع كونه مكروهاً تفرّ وتنفر منه النفوس بحسب ما هو مركوز في غرايزها من جهة التدبير الإلهي، ولذلك سلّط عليها دواعي هي أسباب دوامها الدنيوي، وهي بعينها أسباب عَطَبِها وهلاك هياكلها وشقاوة نفوسها، وهذا من عجائب حكمة الله في هذا العالَم، حيث يكون سبب البقاء بعينه سبب الهلاك والشقاوة، وتلك الأسباب والدواعي المسلّطة هي مثل الجوع والعطش والشهوات المختلفة والأشواق واللذّات الزايلة. أمّا قصد الباري في تكوين الجوع والعطش وتسليطهما على النفوس، ليدعوها إلى الأكل والشرب ليخلف على أبدانها من الكيموسات الصالحة بدلاً عمّا يتحلّل منها ساعة فساعة، ليبقى بها الشخص والنوع، إذ كانت أجسامها دائماً في التحلّل والذوبان والسيلان. وأمّا الشهوات المستولية، فلأن يدعوها إلى الأغذية الجيّدة والمأكولات المختلفة الموافقة لامزجة أبدانها، وما تحتاج إليه طباعها مدّة الكون. وأمّا اللذّة: فلأن يكون ما يأكل ويشرب بقدر الحاجة ولا يزيد ولا ينقص، وأمّا الذي يعرض لها من الآلام والأوجاع عند الأمراض والعاهات العارضة لأجسادها فلأن تحرص النفوس على حفظ أجسادها من الآفات لتبقى إلى وقت معلوم ولا تفسد قبل بلوغ النفس إلى كمالها اللائق بحالها، فإنّ استكمالها بالعلم والعمل، وبلوغها إلى درجة العقل والمعقول بالفعل، إنّما يحصل بآلات البدن واستعمال حواسّه الظاهرة والباطنة مدّة مديدة، ولذا قيل: "مَن فقدَ حِسّاً فَقَدَ عِلَماً". الإشراق الرابع لميِّة لحوق الموت الطبيعي إعلم أنّا بيّنا في بعض فصول أسفارنا علّة لحوق الموت الطبيعي لكلّ نفس منفوسة بوجه تحقيقي غير ما اشتهر في الكتب الطبيعيّة والطبيّة، واستنبطنا ذلك من بعض الآيات القرآنيّة حسبما ألهمني الله، وأثبتناه بالبيان البرهاني على نهج الحكماء الإلهيّين، لا بالبيانات التي هي مسلك الأطبّاء والطبيعيّين. وحكاية القول فيه: أن في جِبِلّة النفوس بل المكوّنات العنصريّة كلّها الترقي من حال إلى حال، والتدرّج إلى كمال بعد كمال، والتوجّه والسير الحثيث إلى المبدأ الفعّال والقيّوم المتعال، وهذا أمر مشاهَد في النبات والحيوان فضلاً عن الإنسان، وقد أقيم في مواضعه عليه البرهان. أوَ لا ترى أنّ النفس الإنسانيّة منذ أوّل تكوّنها النطفي قبل حين تكوّنها النطقي، كانت لها قوّة قابلة هيولانيّة شبيهة بالعدم، كما قال تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان:1]. ثمّ دخلت في دائرة النبات، ثمّ في دائرة الحيوان، ثمّ ظهرت منها آثار البشريّة حتّى بلغ غاية النموّ وكمال الخِلقة حين أشدّها الصوري، فصارت قويّة القوى الشهويّة والغضبيّة. ثمّ إذا جاوزت عن وقت بلغ غاية النمو فشرعت في الذبول الخَلْقي والفتور البدني، ولم يكن منشأ ذلك آفة خارجيّة وردت عليها، أو قصور عرض لها في حين حركتها نحو الكمال. وقد علمت أنّ الفائض من المبدأ الحقّ ليس إلاّ خيراً وكمالاً، لا عَدَماً وشرّا، واستدعاء القابل منه ليس إلاّ البقاء والدوام لا الذبول والفساد، بل منشؤه توجّه الطبيعة النفسانيّة نحو نشأة ثانية، وسلوكها مسلكاً آخر إلى عالَم آخر، كما سننبّه عليه تنبيهاً يليق بهذا الموضع. وأمّا حديث تناهي القوى الجسمانيّة في فعلها وانفعالها، وكلال الآلات عن تمادي الحركات والتغيّرات إلى ما لا نهاية، فهو إنّما يصدق فيما تكون الأفعال والانفعالات صادرة عنها على الاستقلال، وأمّا على سبيل الاستمداد عمّا هو أرفع منها فيحتمل اللانهاية كما حركات الأفلاك على رأيهم. وأمّا حديث قصور مزاج الغذاء الذي يصير بدلاً عمّا يتحلّل بحسب الكيفيّة عن مزاج أصل البدن من جهة نقصان مراتب الهضم والتعديل فيه عن مراتبهما في مادّة البدن بمرتبة واحدة، وذلك لأنّ النطفة ممّا وردت عليه خمسة هضوم وتعديلات: أحدها في المعدة. والثاني في الكبد، والثالث في العروق. والرابع عند الأعضاء، والخامس في أوعية المني مثل الأنثيين والرحم. بخلاف الغذاء، فإنّه يقصر عن المني في تلك المراتب بمرتبة واحدة أخيرة، وهي التي يصير المنيّ بها تامُّ الاستعداد لقبول الصورة الحيوانيّة، فلا يكاد فيما يزيد منها على البدن لما ينقص من الأعضاء عنه، فلهذا يعرض الفناء، فهو أيضاً أمر تخمينيّ مبناه على الظنون والترجيحات الخياليّة - لا على المقدّمات الاضطراريّة البرهانيّة - والبرهان هو المتّبع. {أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة:111والنمل:64]. وأمّا حكاية النجوم وأحكامها في باب مقادير الأعمار: فأكثرها مجازفات وتخمينات. {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس:36]. بل الحقّ الحقيق بالتصديق: أنّ الطبيعة بحسب ما أودعه الله في جبلتها إذا جاوزت النوع الأخسّ - وقد بقيت بعد - فلا بدّ وأن تتخطّى النوع الأشرف، وإلاّ لكانت معطّلة لا معطّل في الوجود. وقد تقرّر أيضاً في العلوم الإلهيّة أنّ الطبيعة العنصريّة ما لم يُوَفّ النوع الأخسّ لم يتجاوز منه إلى النوع الذي فوقه. ثمّ لا شبهة في أنّ الإنسان بحسب كمال خلقته البدنيّة أشرف الأنواع الحيوانيّة، لكونه تامّ الحواسّ مع قوّتين آخريين يخصّان به، وهما نظريّة وعملية، فمعلوم أنّ طبيعته قد تجاوزت عن جميع الحدود المترتبّة التي في سائر الحيوانات، بعدما تجاوزت عن سائر الدرجات النباتيّة المتجاوزة عن الجماديّة والجسميّة والجوهريّة المطلقة والشيئيّة العامّة، وهي بعد في الحركة المعنويّة، ولم يبق من الصور والأنواع الممكنة في عالَم الطبيعة والنشأة الدنيويّة إلا وتجاوزت عنه متوجّهة نحو غيره، فلا بدّ من توجّهها ورجوعها إلى عالَم الآخرة عند الله، سواء كانت سعيدة مسرورة أو شقيّة مخذولة معذّبة منكوسة، لأنّ هذه الحركة من النفس ليست اختياريّة بل اضطراريّة جِبِليّة. فالموت الطبيعي عبارة عن تجاوز الطبيعة الإنسانيّة عن مراتب الاستكمالات الحيوانيّة المناسبة لها في هذه الدار، وهي عالم الشهادة، إلى أوّل نشأة تكون لها في الدار الآخرة وعالَم الغيب. فهذا هو السبب البرهاني اللّمي لعروض الموت، كما أنّ ما ذكرناه أوّلاً هو السبب الغائي له. فافهم واغتنم، فانّه مع كمال وثاقته وقوّته ووضوحه وجلائه ربما خفي على الأذهان القاصرة الغير المناسبة لمطالعة المبادئ الإشراقيّة وأخذ النتائج المطلوبة منها، لاعتيادها بالتلقّف والاكتساب عن المبادئ التقليديّة الحسيّة - والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم -. تذكرة تمثيلية يجب الاستغناء عن البدن قبل خرابه إنّ معنى الموت في الحقيقة يرجع إلى ترك النفس اسعمال الجسد، لأنّ البدن للنفس بمنزلة الدكّان للصانع، والأعضاء بمنزلة الآلات، فإذا كلّت آلات الصانع أو انكسرت أو خرب الدكّان وانهدم بناؤه فإنّ الصانع لا يقدر على عمل شيء من الصنعة إلاّ أن يجدّد دكّاناً آخر وأدوات متجدّدة أخرى. فكلّ صانع حكيم، إذا فكر في أمره، ونظر في عواقب عمره، علم بأنّه لا بّد وأن يخرب يوماً دكّانه، وتكلّ أدواته، وتضعف قوّة بدنه، وتذهب أيّام شبابه، فمن بادَر واجتهد قبل خراب الدكّان وكسر الآلات وذهاب القوّة، واكتسب مالاً يغنيه عن الدكّان واستغنى عن السعي، فإنّه لا يحتاج بعد ذلك إلى دكّان آخر وأدوات أخرى مجدّدة، بل يستريح من العمل ويتسقلّ بالتمتّع والالتذاذ بما كسب وادّخر، فهكذا تكون حال النفوس الفاضلة بعد خراب أبدانها وعطب أجسامها. فتفكّر - يا مسكين - وبادِر واجتهِد وتزوَّد قبل خراب هذا الدكّان وفساد الآلات، فإنّ خير الزاد التقوى. شك وتحقيق حكمة بقاء النفوس الكاملة في الدنيا إن قيل: ما العلّة في بقاء النفوس الكاملة المجرّدة بذاتها المتسغنية عن البدن وقواه مدّة في هذه الدار، مع ما يعتري اصحابها من المحن والآلام، وما يحلقهم من الأوجاع والشدائد وعداوة الجهّال وفتنة الأشرار؟ يقال: الحكمة في ذلك كون تلك النفوس مشغولة بتدبير النفوس الناقصة المتجسدة كيلا تتم هذه وتتخلص من النفس، وتكمل تلك وتصير فوق التمام وبالغة إلى كمال بعد الكمال، والى حال أشرف وأعلى من ذلك الحال {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم:42]. والمثال في ذلك: الأب الشفيق والأستاذ الرفيق في تعليم التلامذة والأولاد وإخرجه إياهم من الظلمات والجهالات إلى فسحة العلوم والمعارف ليتموّن هؤلاء ويكمل أولئك الآباء والأساتذة ويخرجوا ما في قوّة نفسهم من العلوم والصنايع والحِكم إلى الفعل والظهور اقتداء بالباري سبحانه، وتشبّها بالحكيم الأوّل في حكمته وجوده، إذ هو السبب في إخراج الموجودات من القوّة والبطون إلى الفعل والظهور، فكلّ نفس هي أكثر علوماً وأحكم صنعة وأجود عملاً، وعلى غيرها أكثر إفاضة وجوداً وإفادة، فهي أقرب إلى الله نسبة وأشدّ تشبّهاً. وهذه أوّلا هي مرتبة الملائكة الذين {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم:6] {أية : يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} تفسير : [الإسراء:57]. ولهذا قال أئمّة الحكمة القديمة في تعريفها: إنّها هي التشبّه بالإله بقدر الطاقة البشرية. وفي الحكمة المحمديّة - على الصادع وآله أفضل التقديسات والتسليمات -: تخلٌّوا بأخلاق الله. يعني من تكون علومه حقيقيّة وصنائعه محكمة وأعماله صالحة صافية من الغشّ والدغل، وأخلاقه جميلة وآراؤه صحيحة وفيضه على مَن دونه متّصلاً فهو من أولياء الله المؤمنين المقرّبين منه وأحبّائه المزدلفين لديه. الإشراق الخامس التوحيد الأفعالي في قوله تعالى: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. إعلم أنّه قد وقعت نسبة قبض الأرواح وجذب النفوس وردِّها إلى عالَم الآخرة تارة إلى الله تعالى كما في قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]. وتارة إلى بعض ملائكة الله المقرّبين كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة:11] وتارة إلى رسل الله كما في قوله تعالى: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} تفسير : [الأنعام:61]. وتارة إلى النفس ذاتها كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر:27 - 28]. وتارة لم ينسب إلى فاعلٍ معيّن وقابض معلوم كما في هذه الآية، ونحن قد ذكرنا في تفسير سورة يس ما يستفاد منه وجه في تعدّد هذه النسبة وتكثّر المبادئ في هذا الفعل، فليرجع إليه من أراد ذلك، ولكن لا نَسكت هنا عن ذكر شيء يسير من المقال يشير إلى لِميّة الحال. فنقول: إنّ بين الذّات الأحديّة الإلهيّة وبين كلّ موجود طبيعي أمور متوسّطة هي أسباب تحقّقه ووسائط تكوينه، ومنها ما هو أسباب جذب الأرواح والنفوس من أسفل سافلين، كما أنّها بعينها أسباب وجودها وورودها من أعلى عليّين. فأوّلها اسم الله القابض في العالَم الإلهي، ثمّ المَلَك المقرّب الذي يجذب الأرواح في عالم القدس، ثمّ نفوس رسل الله وهم الدعاة إلى الله، ثمّ النفوس المطمئنّة الراجعة إلى ربّها راضية مرضيّة في عالم النفوس، ثمّ الطبيعة الإنطباعيّة في عالَم الطبائع، وإن كان لكلّ إنسان قوّة محرّكة جاذبة للجسم الغذائي الترابي إلى درجة الطبيعة النباتيّة، وله قوّة أخرى حيوانيّة فاعلة للحسّ والحركة الإراديّة بجذب لطائف الأخلاط إلى أفق الأرواح البخاريّة، وله قوّة نطقيّة فوق القوّة الحيوانيّة تجذبها إلى مرتبة النفس النطقيّة، وفوقها قوّة نبويّة تدعو النفس النطقيّة جاذبة إلى عالم الملكوت الغيبيّة، وفوقها قوّة جبرئيليّة ترافقها وتصعد بها إلى عالَم الربوبيّة، والله سبحانه بقوّته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا فوق الكلّ، {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} تفسير : [الأنعام:61] ويقبض الكلّ باسمه "القَابِض" {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الزمر:67]. فللإشارة إلى هذه المراتب المقتضية لقبض الأرواح وجذب النفوس إلى الله تعالى، وقعت نسبة الترقّي تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى الملك الروحاني، والى ملائكة هي دونه في الرتبة، وتارة إلى رسل الله، وتارة إلى النفس، وتارة إلى الطبيعة المسخّرة - كما في هذه الآية -، تنبيهاً على اختلاف هذه النشآت، وتعدّد العوالِم، وتفاوت الدرجات للإنسان. لكن يجب على الناظر المتأمّل أن يعلم ممّا أكثرنا ذِكره وكرّرنا إثباته في توضيح أسرار بعض الآيات، أنّ كلّ فعل إذا نسب إلى الباري القيّوم يكون بالحقيقة لا بالمجاز، وإن نسب إلى ما سواه يكون بالمجاز، وذلك لأنّ الأسباب مستهلكة الذوات والمهيّات عند مسبّبها، فإذا سمعت مثل قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42]، فاحمله على الحقيقة في التوفّي، وإذا سمعت مثل قوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [السجدة:11] فاحمله على المجاز. فالكامل في العرفان من كان في حدقة عرفانه نوران: نور التوحيد، ونور الحكمة. ولا يطفئ أحدهما نور الآخر، فبأحد النورين ينظر إلى توحيده تعالى، وبالنور الآخر ينظر إلى حكمته في ترتيب الأسباب للمسبّبات، ويرى كثرة صور الأعيان التي هي مظاهر الأسماء في وحدة وجوده وفيض جوده. وأكثر الناس ممّن يشغلهم شأن عن شأن، فمنهم من راعى جانب التوحيد في الأفعال فأهمل رعاية الحكمة والترتيب، كالأشاعرة المنكرين للقول بالعلّة والمعلول وترتيب الأسباب، أو لم يتدبّروا في خلق السموات والأرض وما بينهما من عجائب الحكمة وبدائع الفطرة، وقد قال سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} تفسير : [الدخان:38]. وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأعراف:185 - 186]. فهذه الآية ناصّة على وجوب النظر في المسائل الحِكَميّة على من وفّق له، ومنهم من راعى جانب الحكمة في إثبات والوسائط، لكن أهمل جانب التوحيد الأفعالي، وصارت رؤية الأسباب القريبة حجاباً له عن رؤية مسبّب الأسباب، وهذا كالمعتزلة المثبتين للعبد قوة مستقلة. وأمّا الذي تزيّن به محقّقو الإسلام وحكماء شريعة سيّد الأنام - عليه وآله السلام - وهم الراسخون في علم القرآن، والعالمون بتأويل الأحاديث، فهو الجمع بين التوحيد والشريعة الحِكَميّة، ولأجل هذا الجمع والتوفيق نسب الله الأفعال في القرآن مرّة إلى الملائكة أو العباد، ومرّة إلى نفسه، فقال في القبض تارة {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}تفسير : [السجدة:11] وتارة: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} [الزمر:42] وتارة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر:28] وقال في باب الحراثة: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} تفسير : [الواقعة:63]. ثمّ قال:{أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} تفسير : [عبس:25 - 28]. وقال في باب نفخ الأرواح في الأجساد مرّة: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} تفسير : [مريم:17]. ومرّة: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم:12] ومرّة: {أية : فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:49]. وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف مَلَك الأرحام: حديث : إنّه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده، ثمّ يصوّرها جسداً فيقول: يا ربِّ أذَكَر أم انثى أسويّ أم معوج؟ فيقول الله ما شاء، ويخلق المَلَك . تفسير : وفي لفظ آخر: يصوّر المَلَك فيها الروح بالسعادة والشقاوة. وقال بعض السلف: إنّ الملك الذي يقال له الروح، هو الذي يولج الأرواح في الأجسام، وإنّه يتنفّس بوصفه فيكون كلّ نفَس من أنفاسه روحاً يلج في جسمٍ، ولذلك سُمّي روحاً. وما ذكره في مثل هذا الملك وصفته فهو حقّ يشاهده أصحاب القلوب ببصائرهم، وهذا بعينه كحال المتكلّم بالكلام الحِكَمي، حيث إنّ كلّ نفَس من أنفاسه يفيد معنى عقليّا يلج في تشكّل كلامه، وكذلك ذكر الله في القرآن الآيات الدالاّت على وجوده ووحدانيّته، مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران:190]. ومثل قوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت:53]. فنسب الدلالة على وجود ذاته، والشهادة على وحدانيته إلى الموجودات الآفاقيّة والأنفسيّة، ثمّ قال: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت:53]. وقال أيضاً: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18]. فبيّن أنّه الدليل على نفسه. وليس ذلك بمتناقض، بل طرق المعرفة مختلفة، بعضها من جهة الحكمة والترتيب في النظام، وبعضها من جهة التوحيد وأحديّة الجمع، فكم من سالك عرف ذاته بوسيلة النظر إلى الموجودات، وكم من طالب عرف بالنظر إليه كلّ الموجودات، فقال: عرفت ربّي بربّي، ولولا ربّي لما عرفت ربّي، وهذا بعينه مسلك الصِدّيقين، والأوّل مسلك ذوي الأنظار. وأيضاً قد وصف الله نفسه بأنّه المحيي والمميت، ثمّ فوّض الموت والحياة إلى مَلكين. ففي الخبر: حديث : إنّ ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت. وقال ملك الحياة: أنا أحيي الأموات. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سُخّرتما له من الصنع، فأنا المحيي والمميت، ولا محيي ولا مميت سواي . تفسير : فالمحقّق العارف هو الذي ينشكف له بنور معرفته أن لا قوام للأشياء عنده بأنفسها، وإنّما قوامها بغيرها، فهي باعتبار أنفسها باطلات الذوات هالكات الهويّات والإنيّات، وإنّما حقيّتها بغيرها لا بأنفسها من حيث هي هي، فإذاً لا حقّ عند المحقّق المحقّ إلاّ الحقّ القيّوم الذي ليس كمثله شيء، فهو القائم بذاته، وكلّ ما سواه قائم بقدرته، فهو الحقّ وما سواه باطل. ولمّا جرى هذا المعنى لسان بعض الأعراب قصداً واتّفاقاً صدّقه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أصدق بيت قال الشاعر قول لبيد: شعر : ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل فكلّ شيء هالك إلاّ وجهه تفسير : الإشراق السادس المحيي هو المميت لما علمت أنّ للإنسان مراتب مختلفة في الوجود، لتحصيل كلّ مرتبة أسباب وعلل أوجدها الله تعالى، فاعلم أنّ محصّل كلّ مرتبة عالية للإنسان بالذات، مستتبع لزوال مرتبة دانية له بالعرض والتبعيّة، فمحيي الإنسان في كلّ نشأة هو مميته في النشأة المتقدّمة عليها، ولذا قيل لقابض الروح أنّه مَلَكَ الموت نظراً إلى هاتين الجهتين، ويسمّى بأبي يحيى على الرسم، لا من باب تسمية الشيء باسم ضدّه كما هو عادة العرب، وأمّا نسبة الإحياء إلى ملك آخر غير مَلَك الموت كما سبق، فذلك التعدّد بالقياس إلى وجود مرتبة ونشأة وعدم مرتبة ونشأة أخرى. الإشراق السابع في لميّة توجّه الروح الإنساني إلى الله سبحانه إنّ من الحكمة البالغة والنعمة السابغة، أنّ الله قد جمع في سنخ حقيقة الإنسان ما أفرد به الملائكة المقرّبين والحيوانات المبعدين، فضلاً عمّا خصّ به غير هذين الجنسين من العالمين أجمعين. فمن ذلك أنّه تعالى أفرد المَلَك بنور روحانيّ علويّ باقٍ أبديّ، لأنّه نور من أنوار الله وسر من أسرار الله، وأفرد الحيوانات بروح سفليّ فان ظلماني، فأفرد الإنسان بالتركيب بين الروحين فيه: فان حيواني وباقٍ ملكي، فالحكمة في ذلك أنّ الروح المَلَكي غير متغذٍ ولا نام، وإنّما بقاؤه بالتسبيح والتقديس، وهما بمثابة النَفَس للحيوان، ولهذا ليس للملك الترقّي من مقامه لقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164]. والروح الحيواني قابل للترقيّ لأنه متغذٍ، فجعل الإنسان مركّبا من الروحَين لتنطبع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني في التغذّي وقبول الفناء الذي يعبّر عنه بالموت، ليصير مترقّياً كالحيوان، قابلاً لأن ينتقل من هذه الدار إلى دار البقاء، مترقّياً إلى العالَم الأعلى، وينطبع روحه الحيواني بطبع روحه الملكي ليصير مُسبّحا ومقدّسا كالمَلَك، باقياً بعد المفارقة، عارفاً بالله - بخلاف الحيوانات -. ولكن من اختصاص الروح الحيواني بالتغذّي، أن يجعل الغذاء من جنس المتغذّي ولونه وصفته. ومن اختصاص الروح الإنساني أن يكون متلوّناً بلون الغذاء ومتّصفاً بصفته، وذلك لأنّ غذاء الروح الحيواني الطعام والشراب، وهما من الجماد والنبات، والحيوان المذبوح المطبوخ، وفيها الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليهما ومتصرّف فيهما يجعلهما من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنسان ذِكْر الله وطاعته والشوق إلى جنابه، والمحبّة إلى لقائه، كما قال الله تعالى في أواخر هذه السورة: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : وقوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28]. وأمثال ذلك وفيه النور والجذبة الإلهيّة، وهما غالبان عليه، فالروح يتجوهر بجوهرهما وفي تجوهره بتجوهر الروح الربّاني نوع من الفناء عن وجوده والبقاء بنوريته، فهو بمثابة ميّت ذاق الموت ثمّ أحيي بنور ربّه، كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام:122]. وقد انشكف هذا المعنى لبعض الحكماء السابقين كفرفوريوس مُقَدَّم المشّائين - وهو أعظم تلامذة أرسطاطاليس الحكيم - حيث ذهب إلى أنّ النفس الإنسانية ستصير بعد إحكام نور المعرفة عين النور العقلي الذي هو بذاته عقل بالفعل وفاعل للمعقولات التفصيليّة. وظاهر أنّ النفس ما لم تفن عن نشأتها النفسانيّة لم تتّحد بالعقل الفعّال المنور لما في الدار الآخرة من الصور والماهيّات، فهذا الفضاء الذي استحقّ به الروح الإنساني الإحياء الأخرويّ بنور الله، إنّما استفاده بسبب النفس الحيوانيّة التي هي ذائقة الموت وقابلة الفناء، فافهم واغتنم فإنّه عزيز الجدوى. الإشراق الثامن ظهور صور الأعمال والملكات في الآخرة إنّ قوله تعالى: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} إشارة إلى ظهور صور الأعمال والأخلاق يوم القيامة، فإنّ الناس يحشرون يوم القيامة على صور نيّاتهم، وهيئات ضمائرهم، وأشكال أخلاقهم وصفاتهم الحاصلة من تكرّر الأفاعيل، والمعاملات المؤثرة في القلوب إنارةً وإظلاماً فإنّ الأعمال هنا بمنزلة الحراثة والزراعة وطرح البذور في أراضي القلوب، والنيّات والاعتقادات المستورة فيها بمنزلة البذور، ومدّة الكون في الدنيا كمدّة الشتاء التي تحتجب الأرض فيها عن الشمس عن سمت رؤوس أهلها، فإذا ارتفع النهار واشتدت حرارة الشمس وقت الربيع يظهر ما كمن في باطن الأرض من البذور وتحصل الأزهار والأثمار، وانكشف ما ستر في بواطن الأشجار من الأنواع المختلفة والألوان المتضادّة، فتكون كلّ ثمره مناسباً لحبِّه وبذره ويكون بعضها حلواً وبعضها مُرّاً وبعضها حامضاً، وبعضها ترياقا نافعاً وبعضها سمّاً ناقعاً. فهكذا يكون الحال يوم قيام الساعة وطلوع شمس الحقيقة من مغربها، وعند ذلك يكون حشر الحقائق: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف:47]. وبُروزها للحقّ تعالى: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم:48]. وظهور بواطنها وسرائرها: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق:9]. ويكون الحشر لهم على أنحاء مختلفة فلقوم على سبيل الوفد: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم:85]. ولقوم على سبيل الوهن والعذاب: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم:86] {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [فصلت:19]. وقوم يساقون على وجوههم كالحيوانات المؤذية. وبالجملة، كلّ أحد يحشر إلى ما يعمل لأجله ويحبّه، كما يدلّ عليه مثل قوله تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء:84]. وقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} تفسير : [مريم:68]. حتّى أنّه لو أحب أحدكم حَجَراً لحُشر معه - كما ورد في الحديث -، ولا شكّ أنّ المحشور مع الحجر كان من جنس الحجر. وفيه سر غامض. وبالجملة إنّ أفاعيل الأشقياء المُدْبِرين المتوقّفين بحسب هممهم القاصرة عن الإرتقاء إلى عالم الملكوت في البرازخ الحيوانيّة وما دونها بأعمال يناسبها، فلا جرم تكون تصوّراتهم مقصورة على أغراض شهويّة أو غضبيّة، أو محبّة أجساد جماديّة كالذهب والفضّة والياقوت فيحشرون على صوَر تلك الحيوانات، وما هو أنزل منها في الدار الآخرة كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:5] وقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القِرَدَة والخنازير ". تفسير : وربما يتصوّر بعضهم في هذه الدار بصورهم الحقيقيّة الأخرويّة لأهل الكشف والشهود وذلك لغلبة سلطان الآخرة على بواطنهم. {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الروم:24]

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لليهود او لجميع الخلق {إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} فلا ينفعكم الفرار منه وليكن فراركم ممّا يضرّ فيما بعده {ثُمَّ تُرَدُّونَ} بعد الموت {إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} اى الى الّذى يعلم جميع الغائبات عن المدارك او جميع الغائبات عن الخلق وجميع المشهودات، او جميع ما من شأنه ان يشاهد او عالم عالم الغيب وعالم عالم الشّهادة وعلى اىّ تقديرٍ فهو تحذير عن مخالفة الله فى السّرّ والعلانية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ويجازيكم بحسبه وبعد ما هدّد المسلمين بالتّعريض ناديهم تلطّفاً فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ}.

الهواري

تفسير : قال عز وجل: {قُلْ} يا محمد {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ} أي يوم القيامة {إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الغيْب). السر، (وَالشَّهَادَة): العلانية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} يعني صلاة الجمعة. وهي في حرف ابن مسعود: فامضوا إلى ذكر الله. وقال بعضهم: فامشوا إلى ذكر الله، ذكروا عن الحسن في قوله: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} قال: السعي بالقلوب والسعي بالنيات. قوله عز وجل: {وَذَرُواْ الْبَيْعَ} ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم البيع. قال بعضهم: إنما يقال ذلك لأن الشمس إذا زالت يوم الجمعة جاء وقت الصلاة. وإنما هو قدر ما يتهيأ للجمعة إذا انتصف النهار. ويستحب تعجيل الجمعة إذا زالت الشمس ليس كصلاة الظهر. قال عز وجل: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. ذكروا عن محمد بن عبد الرحمن عن زرارة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر كتب من المنافقين تفسير : . ذكروا عن ابن عباس قال: من ترك أربع جمع من غير عذر طبع الله على قلبه. قوله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللهِ} أي: من رزق الله. {وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. رخّص لهم أن ينتشروا إذا صلوا إن شاءوا، فإن أقاموا على ذلك كان أفضل لهم. ذكر بعضهم قال: أربع أمر بهن في القرآن لسن بفرائض، من شاء فعلهن ومن شاء لم يفعلهن: هذه الآية، وقوله عز وجل: (أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ) تفسير : [المائدة: 2]؛ إن شاء اصطاد وإن شاء لم يفعل، وقوله عز وجل: (أية : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) تفسير : [النور:33]؛ إن شاء كاتب مملوكه وإن شاء لم يفعل، ويستحب له أن يفعل، وليس بحتم. وقوله عز وجل: (أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ).تفسير : [البقرة:241] إن شاء متع وإن شاء لم يمتع، ويستحب له أن يفعل، وليس يحتم، إلا أن يطلق قبل أن يدخل بها ولم يفرض، فتلك التي لها المتعة واجبة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ} وتخافون أن تتمنوه بألسنتكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} لا تفوتونه والجملة خبر وقرنت بالفاء لكون اسم ان موصوفا بالموصول حتى كان فرارهم سبب للحوقه بهم وقد قرأ زيد بن علي باسقاط الفاء ويجوز كون الخبر هو الذي وقرأ ابن مسعود قل ان الموت الذي تفرون منه ملاقيكم وإذا كان الموصول خبرا فالفاء عاطفة أو استئنافية. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ} السر {وَالشَّهَادَةِ} العلانية الرد لبعث يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ومن لازم التنبئة الجزاء.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ } ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم. {فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ } البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والجملة خبر {إِن} والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار وصفه بالموصول، فإن الصفة والموصوف كالشيء الواحد، فلا يقال: إن الفاء إنما تدخل الخبر / إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط، والمتضمن له الموصول وليس بمبتدأ، ودخولها في مثل ذلك ليس بلازم كدخولها في الجواب الحقيقي، وإنما يكون لنكتة تليق بالمقام وهي هٰهنا المبالغة في عدم الفوت، وذلك أن الفرار من الشيء في مجرى العادة سبب الفوت عليه فجىء بالفاء لإفادة أن الفرار سبب الملاقاة مبالغة فيما ذكر وتعكيساً للحال. وقيل: ما في حيزها جواب من حيث المعنى على معنى الإعلام فتفيد أن الفرار المظنون سبباً للنجاة سبب للإعلام بملاقاته كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] وهو وجه ضعيف فيما نحن فيه لا مبالغة فيه من حيث المعنى. ومنع قوم منهم الفراء دخول الفاء في نحو هذا، وقالوا: هي هٰهنا زائدة، وجوز أن يكون الموصول خبر {إِن} والفاء عاطفة كأنه قيل: إن الموت هو الشيء الذي تفرون منه فيلاقيكم. وقرأ زيد بن علي ـ إنه ملاقيكم ـ بدون فاء، وخرج على أن الخبر هو الموصول وهذه الجملة مستأنفة أو هي الخبر والموصول صفة كما في قراءة الجمهور، وجوز أن يكون الخبر {مُلَـٰقِيكُمْ } و ـ إنه ـ توكيداً لإن الموت، وذلك أنه لما طال الكلام أكد الحرف مصحوباً بضمير الاسم الذي لإن، وقرأ ابن مسعود ـ تفرون منه ملاقيكم ـ بدون الفاء ولا ـ إنه ـ وهي ظاهرة. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } الذي لا يخفى عليه خافية. {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها. واستشعر غير واحد من الآية ذم الفرار من الطاعون، والكلام في ذلك طويل، فمنهم من حرمه كابن خزيمة فإنه ترجم في «صحيحه»: باب الفرار من الطاعون من الكبائر وأن الله تعالى يعاقب من وقع منه ذلك ما لم يعف عنه، واستدل بحديث عائشة « حديث : الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف » تفسير : رواه الإمام أحمد والطبراني وابن عدي وغيرهم، وسنده حسن. وذكر التاج السبكي أن الأكثر على تحريمه، ومنهم من قال بكراهته كالإمام مالك، ونقل القاضي عياض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها عن جماعة من الصحابة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، وعن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، وروى الإمام أحمد والطبراني أن عمرو بن العاص قال في الطاعون في آخر خطبته: إن هذا رجز مثل السيل من تنكبه أخطأه ومثل النار من تنكبها أخطأها ومن أقام أحرقته، وفي لفظ إن هذا الطاعون رجس فتفرقوا منه في الشعاب وهذه الأودية فتفرقوا فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فلم ينكره ولم يكرهه، وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث إلى أبـي موسى الأشعري وهو في داره بالكوفة فقال لنا وقد وقع الطاعون: لا عليكم أن تنزحوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم حتى يرفع هذا الوباء فإني سأخبركم بما يكره من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا فلا عليه أن يخرج ويتنزه عنه. وأخرج البيهقي وغيره عنه بسند حسن أنه قال: إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل واحذروا اثنتين أن يقول قائل: خرج خارج فسلم وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان ولو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان، ويفهم أنه لا بأس بالخروج مع اعتقاد أن كل مقدر كائن، وكأني بك تختار ذلك، لكن في «فتاوى العلامة ابن حجر» أن محل النزاع فيما إذا خرج فاراً منه مع اعتقاد أنه لو قدر عليه لأصابه وأن فراره لا ينجيه لكن يخرج مؤملاً أن ينجو أما الخروج من محله بقصد / أن له قدرة على التخلص من قضاء الله تعالى وأن فعله هو المنجي له فواضح أنه حرام بل كفر اتفاقاً. وأما الخروج لعارض شغل أو للتداوي من علة طعن فيه أو غير ذلك فهو مما لا ينبغي أن يختلف في جوازه كما صرح به بعض المحققين، ومن ذلك فيما أرى عروض وسوسة طبيعية له لا يقدر على دفعها تضر به ضرراً بيناً وغلبة ظن عدم دفنه أو تغسيله إذا مات في ذلك المحل، قيل: ولا يقاس على الفرار من الطاعون الفرار من غيره من المهالك فإنه مأمور به؛ وقد قال الجلال السيوطي: الفرار من الوباء كالحمى ومن سائر أسباب الهلاك جائز بالإجماع، والطاعون مستثنى من عموم المهالك المأمور بالفرار منها للنهي التحريمي أو التنزيهي عن الفرار منه. واختلفوا في علة النهي فقيل: هي أن الطاعون إذا وقع في بلد مثلاً عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه بل إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل وإلا فلا، وإن أقام فتعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء. واعترض بمنع عمومه إذا وقع في بلد جميع من فيه بمداخلة سببه ولو سلم فالوباء مثله في أن الشخص الذي في بلده إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل وإلا فلا وإن أقام مع أنهم جوزوا الفرار منه، وقيل: هي أن الناس لو تواردوا على الخروج لضاعت المرضى العاجزون عن الخروج لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم، وأيضاً في خروج الأقوياء كسراً لقلوب الضعفاء عن الخروج، وأيضاً إن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت، والمقيم: لو خرجت لسلمت فيقعان في اللو المنهي عنه. واعترض كل ذلك بأنه موجود في الفرار عن الوباء أيضاً، وكذا الداء الحادث ظهوره المعروف بين الناس بأبـي زوعة الذي أعيا الأطباء علاجه ولم ينفع فيه التحفظ والعزلة على الوجه المعروف في الطاعون، وقيل: هي إن للميت به وكذا للصابر المحتسب المقيم في محله وإن لم يمت به أجر شهيد، وفي الفرار إعراض عن الشهادة وهو محل التشبيه في حديث عائشة عند بعض، واعترض بأنه قد صح أنه صلى الله عليه وسلم مر بحائط مائل فأسرع ولم يمنع أحد من ذلك، وكذا من الفرار من الحريق مع أن الميت بذلك شهيد أيضاً، وذهب بعض العلماء إلى أن النهي تعبدي، وكأنه لما رأى أنه لا تسلم علة له عن الطعن قال ذلك. ولهم في هذه المسألة رسائل عديدة فمن أراد استيفاء الكلام فيها فليرجع إليها.

ابن عاشور

تفسير : تصريح بما اقتضاه التذييل من الوعيد وعدم الانفلات من الجزاء عن أعمالهم ولو بَعُد زمان وقوعها لأن طول الزمان لا يؤثر في علم الله نسياناً، إذ هو عالم الغيب والشهادة. وموقع هذه الجملة موقع بدل الاشتمال من جملة {أية : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}تفسير : [الجمعة: 6]، وإعادة فعل {قل} من قبيل إعادة العامل في المبدل منه كقوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا}تفسير : في سورة [العقود: 114]. ووصف {الموت} بـ{الذي تفرّون منه} للتنبيه على أن هلعهم من الموت خطأ كقول علقمة:شعر : إن الذين ترونهم إخوانكم يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا تفسير : وأطلق الفرار على شدة الحذر على وجه الاستعارة. واقتران خبر (إن) بالفاء في قوله: {فإنه ملاقيكم} لأن اسم (إن) نُعِت باسم الموصول والموصول كثيراً ما يعامل معاملة الشرط فعومل اسم (إن) المنعوت بالموصول معاملة نعته. وإعادة {إِنّ} الأولى لزيادة التأكيد كقول جرير:شعر : إن الخليفةَ إن الله سربله سِربال مُلْكٍ به تُزْجى الخَواتِيم تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً}تفسير : في سورة [الكهف: 30]. وفي سورة الحج أيضاً. والإِنباء بما كانوا يعملون كناية عن الحساب عليه، وهو تعريض بالوعيد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}. أي إن فررتم من الموت بعدم تمنيه فلن يجعلكم تنجون منه وهو ملاقيكم لا محالة، وملاقيكم بمعنى مدرككم، كما في قوله تعالى:{أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }تفسير : [النساء: 78].

د. أسعد حومد

تفسير : {مُلاَقِيكُمْ} {عَالِمِ} {ٱلشَّهَادَةِ} (8) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الفِرَارَ مِنَ المَوْتِ لاَ يُجْدِيهِمْ نَفْعاً، وَإِنَّهُ سَيُلاَقِيهِمْ حِينَمَا يَحِينَ أَجَلُهُمْ، لاَ يَصْرِفُهُ عَنْهُمْ صَارِفٌ، وَأَيَّامُ الحَيَاةِ مَعْدُودَةٌ، وَهِيَ سَتَنْقَضِي مَهْمَا طَالَ أَمَدُهَا، ثُمَّ تَرْجِعُونَ بَعْدَ المَوْتِ إِلَى عَالِمِ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَعَالِمِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِيهَا، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} أي في يوم الجمعة كقوله سبحانه {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 40] أي في الأرض وأراد بهذا النداء الآذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، يدل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد بلال لم يكن له مؤذن آخر غيره، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذّن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان فكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً فأمر بالتأذين الأوّل على دار له بالسوق يقال لها الزوراء، فكان يؤذن له عليها، فأذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأوّل، فإذا نزل أقام للصلاة فلم يُعب ذلك عليه. وقراءة العامة (ٱلْجُمُعَةِ) بالضم الميم، وقرأ الأعمش مخففة بجزم الميم وهما لغتان وجمعها: جُمع وجمعات. أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا أبا الحسن بن أيوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: سمعت الكسائي يخبر عن سليمان عن الزهري قال: قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم قال الفرّاء وأبو عبيد: التخفيف حسن وهو [........] في مذهب العربية مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر. وقال الفراء: وفيها لغة أخرى ثالثة: جمعة بالفتح كقولك رجل ضحكة وهمزة ولمزة وهي لغة بني عقيل، وقيل: هي لغة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما أخبرنا الحسن قال: حدّثنا الكندي قال: حدّثنا محمد بن مخلد العطّار قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن أبي موسى قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أُمية قال: حدّثنا قيس الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي عن سليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه"تفسير : . وقيل: لأنّ الله سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء فأجتمعت فيه المخلوقات. وقيل: يجمع الجماعات فيها، وقيل: لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أوّل من سماها جمعة كعب بن لؤي. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حفصويه قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن حفص الحلواني قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة قال: أول من قال: أما بعد كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة الجمعة وكان يقال للجمعة: العروبة، وقيل: أوّل من سماها جمعة الأنصار. أخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا سلمة ابن شيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سمّوها الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فهلموا فلنجعل يوماً يجمع فيه فيذكر الله عزّ وجلّ ونصلّي ونشكره أو كما قالوا. فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة واجتمعوا الى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسمّوه يوم الجمعة حين أجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحده وذلك لقلتهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك بعد {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام. فأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الأثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين أشتد الضحى فأقام صلى الله عليه وسلم بقباء يوم الأثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد وكانت هذه الجمعة أول جمعة. وقال: الحسن هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد: جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وإنقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيداً، وأوصيكم بتقوى الله فأنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وأن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون وصدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرِّ والعلانية لاينوي بذلك إلاّ وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما كان من سوء تودّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله روؤف بالعباد، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلق لذلك فأنه يقول ما يبدلّ القول لديَّ وما أنا بظلام للعبيد، واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرِّ والعلانية فإنه من يتّق الله كفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وان تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وأن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظّكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقّ جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيى عن بيّنة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فأنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوّة إلاّ بالله العظيم ". تفسير : فلهذا صارت الخطبة شرطاً في إنعقاد الجمعة وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن: هي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من الظهر فإذا تركها وصلّى الجمعة فقد صلى الركعتين من الظهر، وأقلّ ما يجزي من الخطبة أن يحمد الله ويصلّي على نبيّه ويوصي بتقوى الله سبحانه ويقرأ آية من القرآن في الخطبة الأولى ويجب في الثانية أربع كالأولى إلاّ إن الواجب بدل قراءة الآية الدعاء، هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، وقال أبو حنيفة: لو أقتصر على التحمد أو التسبيح أو التكبير أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما يتناوله أسم الخطبة. ثم القيام شرط في صحة الخطبة مع القدرة عليه في قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا حنيفة فأنه لم يشرطه فيها، والدليل على أن القيام شرط في الخطبة قوله سبحانه: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} . وحديث ابن عمر: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين إلاّ وهو قائم. وللشافعي قولان في الطهارة في حال الخطبة فقال في الجديد: هي شرط في الخطبة، وقال في القديم: ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله. فهذا بيان القول في أول جمعة جمعت في الإسلام، وأول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول خطبة خطبها فيها في المدينة، فأمّا أول جمعة جمعت بعدها بالمدينة فقال ابن عباس: أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة بقرية يقال لها جُواثا من قرى البحرين. قوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي أمضوا إليه واعملوا له. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا يحيى بن حنظلة قال: سمعت سالماً قال: قال ابن عمر: سمعت صلى الله عليه وسلم يقرأ فأمضوا الى ذكر الله. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع ابن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر قط يقرأها إلاّ وأمضوا الى ذكر الله. وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الكلمواني قال: حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن حفص قال: حدثنا السري بن خزيمة قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان عن حنظلة عن سالم عن عمر أنه كان يقرأها فأمضوا الى ذكر الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله يقرأها فأمضوا الى ذكر الله ويقول: لو قرأها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وهي قراءة أبي العالية أيضاً، وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيّة والخشوع. وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا عبد الوهاب قال: سئل سعيد عن فضل الجمعة فأخبرنا عن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ} فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال: وكان يتأوّل هذه الآية {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} تفسير : [الصافات: 102] يقول فلما مشى معه، وقال: الكلبي فلما عمل مثله عمله. وأخبرنا محمد بن حمدويه قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله سبحانه وتعالى أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4] وقال سبحانه: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} تفسير : [البقرة: 205] وقال زهر: سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يدركوهم ولم يلاقوا ولم يألوا الى ذكر الله يعني الصلاة. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب وليع قال: حدّثنا منصور بن دينار عن موسى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} قال: موعظة الإمام {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} يعني البيع والشراء لأنَّ البيع يتناول المعنيين جميعاً ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا" تفسير : أراد البائع والمشتري، وقال الأخطل: شعر : وباع بنيه بعضهم بخشارة وبعت لذبيان العلاء بمالكا تفسير : يريد بالأول البيع وبالآخر الابتياع، وإنَّما يحرم البيع عند الأذان الثاني، وقال الزهري: عند خروج الإمام، وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشرى، وروى السدي عن أبي مالك قال: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير ويشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ولا يقومون فنزلت هذه الآية. {ذَلِكُمْ} الذي ذكرت من حضور الجمعة والإستماع الى الجمعة وأداء الفريضة {خَيْرٌ لَّكُمْ} من المبايعة {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} مصالح أنفسكم ومضارها. ذكر تلكم الآية أعلم أن صلاة الجمعة واجب على كل مسلم إلاّ خمسة نفر: النساء الصبيان والعبيد والمسافر والمرضى. يدل عليه ما أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري [باسفرائين] قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال: أخبرنا المزني قال: قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثني سلمة بن عبد الله الحطمي عن محمد ابن كعب القرطي أنه سمع رجلا من بني وائل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تجب الجمعة على كلّ مسلم إلا امرأة أو صبي أو مملوك ". تفسير : وأخبرنا أن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا الربيع بن سليمان الحبري قال: حدّثنا عبد الملك بن سلمة القرشي قال: حدّثنا أبو المثنى سلمان بن يزيد الكعبي عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تحرم التجارة عند الأذان يوم الجمعة ويحرم الكلام عند الخطبة وتحل التجارة بعد صلاة الجمعة ولا تجب الجمعة على أربعة: المريض والعبد والصبي والمرأة، فمن سعى بلهو أو تجارة أستغنى الله عنه والله غني حميد ". تفسير : وتجب الجمعة على أهل القرى إذا سمعوا النداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان يكون المؤذّن صيّتاً والأصوات هادئة والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سور البلد، ويعتبر كل قرية بالسور الذي يليها، هذا مذهب الشافعي، وقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة على من كان على عشرة أميال من المصر، وقال سعيد بن المسيب: يجب على من آواه المبيت، وقال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال، ربيعة أربع أميال، مالك والليث: ثلاثة أميال. وقال أبو حنيفة، لا تجب الجمعة على أهل السواد سواء كانت القرية قريبة من البلد أو بعيدة، حتى حكي أن محمد بن الحسن سأله هل تجب الجمعة على أهل دياره وبينها وبين الكوفة مجرى نهر، فقال: لا. واختلف الفقهاء في عدد من ينعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: ينعقد بأثنين، وقال الليث ابن سعد وأبو يوسف: بثلاثة، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة، وقال ربيعة: الرأي بأثني عشر، وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين نفساً، قال: فكل قرية جمعت فيها أربعين بالغين عاقلين أحرار مقيمين لا يظعنون عنها شتاءً وصيفاً الا ظعن حاجة وجبت عليهم الجمعة، وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير أعتبار عدد، وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى ولا يجوز لهم أقامتها فيها، وأشترط في وجوب الجمعة وأنعقادها: المصر الجامع للسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري، واحتج بحديث علي كرم الله وجهه: لا جمعة ولا تسويق إلا في مصر جامع، وفي بعض الأخبار إلا على أهل مصر جامع وضعّفه بعضهم. والدليل على أبي حنيفة حديث ابن عباس قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في قرية من قرى البحرين يقال لها جواثاً، وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى أهل البحرين صلّوا الجمعة حيث ماكنتم، وتصح إقامة الجمعة بغير إذْن السلطان وحضوره، وقال أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو خليفة. والدليل على أن السلطان ليس بشرط في أنعقاد الجمعة، ما روي أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوماً في حضور الجمعة فتقدّم عبد الله بن مسعود وصلى الجمعة بالناس من غير إذنه، وروي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه صلى الجمعة بالناس، يوم حصر عثمان ولم يُنقل أنه إستأذنه، وروى أن سعيد بن العاص والي المدينة لما أخرج من المدينة صلى أبو موسى الأشعري الجمعة بالناس من غير استئذان. ولا يجوز أن يصلي في بلد واحد إلاّ جمعة واحدة فأن صليت ثانية بطلت، وقال أبو يوسف: فإن كان للبلد جانبان جاز أن يصلي كل جانب منه جمعة، وقال محمد بن الحسن يجوز أن يصلي في بلد واحد جمعتان أستحساناً. فأما الوعيد الوارد لمن ترك صلاة الجمعة من غير عذر، فأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: حدّثنا أبو العباس الأحمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال: أخبرنا ابن أبي فديك قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أسيد البرّاد عن عبد الله بن قتادة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه ". تفسير : وروى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يشهدونها أو ليطبعن الله على قلوبهم أو ليكونن من الغافلين أو ليكونن من أهل النار ". تفسير : وروى أنه صلى الله عليه وسلم خطب فقال: "حديث : إن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، [في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة] فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر من غير عذر فلا بارك الله له ولا جمع الله شمله ألا فلا حج له ألا ولاصوم له، ومن تاب تاب الله عليه ". تفسير : أخبرنا أبو عبد الله الفتحوي قال: حدّثنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حسن بن علي عن الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي المسيّب قال: أردت الجمعة زمن الحجاج، قال: فتهيأت للذهاب ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا فقلت مرة: أذهب، وقلت مرة: لا أذهب قال: فاجمع رأي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} قال: وجلست اكتب كتاباً فعرض لي شيء إن أنا كتبته في كتابي زُين كتابي وكنت قد كذبت، فأن أنزلته كان في كتابي بعض القبح وكنت قد صدقت، فقلت مرة: اكتب، وقلت مرة: لا أكتب، فأجمع رأي على تركه فتركته، فناداني مناد من جانب البيت {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [إبراهيم: 27]. فأما ثواب من شهد الجمعة وأخبرنا أحمد بن أبي قال: حدّثنا الهيثم بن كليب قال: حدّثنا عيسى بن أحمد قال: حدّثنا بقية قال: حدّثني الضحاك بن حمزة عن أبي نصرة عن أبي رجاء العطار عن أبي بكر الصديق وعمر بن حصين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اغتسل يوم الجمعة كُفِّرت عنه ذنوبه وخطاياه فإذا أخذ في المشي [إلى الجمعة] كتب له بكل خطوة عمل عشرين سنة فإذا (فرغ) من (الجمعة) أجيز بعمل مائتي سنة ". تفسير : وأخبرنا أحمد بن أُبي في آخرين قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ". تفسير : وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن أحمد بن الحسن البصري قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن شودب قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا بن يزيد بن هارون عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليلة أُسري بي الى السماء رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدّسونه ويقولون في تسبيحهم: اللهم أغفر لمن شهد الجمعة، اللهم أغفر لمن اغتسل في الجمعة ". تفسير : فأما فضل يوم الجمعة فأخبرنا أبو عمرو الفراتي وأبو عبد الله الحافظ وأبو محمد الكناني وأبو علي الثوري قالوا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يزيد بن عبد الله بن السهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه [تِيْبَ] عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلاّ وهي مسبحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلاّ الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه إياه ". حديث : قال أبو هريرة: قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، فقلت له: كيف يكون آخر ساعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيه فقال ابن سلام ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "من جلس مجلساً ينتظر فيه الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلّي» فقلت بلى قال: «فهو ذلك ". تفسير : وأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا إبن هند قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال حدّثنا أَبُو بدر شجاع بن الوليد السكوني قال حدّثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن أبي مسلم حديث : عن أنس بن مالك قال: أبطأ علينا رسول اللّه (عليه السلام) ذات يوم فلمّا خرج قلنا: أحُبستَ قال: ذلك أنّ جبرئيل (عليه السلام) أتاني بهيئة المرأة البيضاء فيها نكتة سوداء فقال إنّ هذه الجمعة فيها خيرٌ لك ولأمّتك وقد أرادها النصارى فأخطؤوها، قلت: يا جبرائيل ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه السّاعة الّتي في يوم الجمعة لا يوافقها مسلم يسأل اللّه فيها خيراً إلاّ أعطاه إيّاه أو ذخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوءِ مثله وإنّه خيرُ الأيّام عند اللّه، وإنّ أهل الجنّة يسمّونه يوم المرند، قلت: يا رسول الله وما يوم المرند؟ قال: إنّ في الجنّة وادياً، رائحة نبته مسك أبيض، يتنزل اللّه سبحانه وتعالى كل يوم جمعة ويضع كرسيّه فيه، ثم يجاءُ بمنابر من نور وتوضع خلفه فتحفُّ منه الملائكة ثم يجاءُ بكرسي من ذهب فيوضع، ثمّ يجيىء النبيّيون والصدّيقون والشهداء والمؤمنون أهل الغرف فيجلسون ثمّ يُقسم اللّه سبحانه وتعالى فيقول: أي عبادي سلوا، فيقولون: نسألك رضوانك؟ فيقول: قد رضيت عنكم، فسلوا، فيسألون مناهم فيعطيهم اللّه ما شاءوا وأضعافها فيعطيهم مالا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، ثم يقول: ألم أُنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، ثم ينصرفون إلى غرفهم ويعودون كلّ يوم جمعة قلت: يا جبرائيل ما غرفهم؟ قال: من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء مفرزة منها أبوابها فيها أزواجها، مطردة فيها أنهارها . تفسير : وأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا أَبُو العبّاس عبد الوهّاب بن عبد الجليل ذكر قال حدّثنا أَبُو محمّد أحمد بن محمّد بن إسحاق السني قال حدّثنا أحمد بن غالب البصري الزاهد بعد إذ قال حدّثنا دينار مولى أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ ليلة الجمعه ويوم الجمعة أربعة وعشرون ساعة، للّه سبحانه في كل ساعة ستمائه ألف عتيق من النّار ".

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} [الجمعة: 8] يعني: أنتم تفرون من الموت الاختياري، والموت الاضطراري الذي هو ملاقيكم لا محالة {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8] في الشهادة باستيفاء حظوظهم على وفق الهوى وفي الغيبة باستعداد الوارد السري والمعارف التي حصلت لكم في سلوككم في الباطل، وكسب الشهوات النفسانية العاجلة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا نوديتم للتقرب إلى حضر الرب، والرجوع إليه من يوم الجمعة في مقام الجمع في مسجد جامع القلب بالوارد الخفي؛ فاسعوا إلى ذكر الله القلبي السري الخفي وذروا كسبكم في سوق القالب بمتاع الحياة الدنيوية النفسية بالاشتغال بالذكر القلبي والسري والخفي في تلك الساعة، وترك الأعمال البدنية والذكر اللساني، {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] حقيقة هذا الحال؛ لأن الأعمال البدنية كانت معبرة لاستجلاب هذا الوقت، فإذا دخل الوقت المطلوب اشتغالك بأسباب وإعراضك عن المقصود يكون في ركاكة العقل، ودناءة الهمة، وخساسة النفس، ويكون مثلك مثل شخص يطلبه السلطان لترقبه إليه، ويجعله نديمه، ويشيره وهو يقول: دعوني لأن أغرس للسلطان شجرة في البستان، وأجتني ثمراتها، وآتي بها إلى السلطان، كيف يضحك أولو الألباب من قلة عقله؟ وكيف يسقط من عين السلطان لدناءة همته؟ والذي نقل عن المشايخ أنهم قالوا: صاحب الورد ملعون لأجل هذا السر، قالوا: لأن الورد معتبر ليحصل منه الوارد، فإذا جاء الوارد وهو يدفعه بورده لا يكون إلا من المبعدين من حضرة الرب، وهم أيضاً قالوا: لا وارد لمن لا ورد له، فالورد مستجلب الوارد وهو المقصود من الورد {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} [الجمعة: 10] في مسجد جامع القلب بيد الوارد القدسي {فَٱنتَشِرُواْ} [الجمعة: 10] أيتها القوى المؤمنة {فِي ٱلأَرْضِ} [الجمعة: 10] يعني: أرض البشرية {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} [الجمعة: 10] بالكسب في سوق القالب من الأعمال الصالحة البدنية {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} [الجمعة: 10] باللسان بعد الفراغ عن التوجه في مقام الجمع بالذكر القلبي والسري والخفي {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] أي: تنجون من الكدورات الحاصلة في دار الكسب، وسوق القالب، والذكر اللساني يدفع الكدورات الحاصلة عند الاشتغال بالكسب في عالم الكون والفساد من غبار الطبيعة والفلاح منوط بالتزكية لا تحصيل إلا بالذكر اللساني القوي الخفي على وفق قانون أهل الطريقة بشرط النفي والإثبات {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} [الجمعة: 11] في جامع القلب وقت الحضور مع الرب، إذا رأت القوى المؤمنة عملاً بدنياً أو ذوقاً سمعياً يتركون اللطيفة الخفية في مقام الجمع قائماً في الإمامة، وتركون الاقتداء وخرجوا من جامع القلب إلى سوق القالب للكسب والسماع {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ} [الجمعة: 11] من المعارف الوهبية والأذواق الحاصلة من العلم اللدني في مقعد صدق {خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ} [الجمعة: 11] من الذوق السمعي {وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} [الجمعة: 11] أي: من الأعمال البدنية والمعارف الكسبية {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] يرزق القوى القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية والحقية بالوسائط والأسباب، ويرزقهم أيضاً غير الوسائط والأسباب من عنده بلطفه وكرمه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالواجب على السالك أن يعتبر بهذه السورة، ولا يلتفت عند ورود الوارد ونزور الواقعة بالأعمال البدنية ولا بالسماع الصورية البتة حتى يسكن سلطان الوارد ويقضي بالواقعة وطرد من السالك، ثم يرجع إلى عالم الكسب وذكر اللسان ولا يترك العقل والذكر بعد انقضاء مدة الوارد والواقعة، ولو يترك لترك صار متروكاً نعوذ بالله منه... اللهم اجعلني من المحفوظين المقبولين إليك بالكلية في جميع الأحوال بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه خير صحبة وآل.

همام الصنعاني

تفسير : 3216- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}: [الآية: 8]، فقال: إنَّ الله أَذَلَّ ابن آدم بالموت - لا أعلمه إلا رفعه.