Verse. 5186 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا نُوْدِيَ لِلصَّلٰوۃِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَۃِ فَاسْعَوْا اِلٰى ذِكْرِ اللہِ وَذَرُوا الْبَيْعَ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۹
Ya ayyuha allatheena amanoo itha noodiya lilssalati min yawmi aljumuAAati faisAAaw ila thikri Allahi watharoo albayAAa thalikum khayrun lakum in kuntum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من» بمعني في «يوم الجمعة فاسعوْا» فامضوا «إلى ذكر الله» للصلاة «وذروا البيع» اتركوا عقده «ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أنه خير فافعلوه.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك، فنبههم الله تعالى بقوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي إلى ما ينفعكم في الآخرة، وهو حضور الجمعة، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية، قال تعالى: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 17] ووجه آخر في التعلق، قال بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله واحباؤه، فكذبهم بقوله: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [الجمعة: 6] وبأنهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة، وقوله تعالى: {إِذَا نُودِىَ } يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول مقاتل، وأنه كما قال لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا على عهد أبي بكر وعمر، وقوله تعالى: {لِلصَّلَوٰةِ } أي لوقت الصلاة يدل عليه قوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } ولا تكون الصلاة من اليوم، وإنما يكون وقتها من اليوم، قال الليث: الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس في ذلك اليوم، ويجمع على الجمعات والجمع، وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيه خلقه» تفسير : وقيل: لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء، فاجتمعت فيها المخلوقات. قال الفراء: وفيها ثلاث لغات التخفيف، وهي قراءة الأعمش والتثقيل، وهي قراءة العامة، ولغة لبني عقيل، وقوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي فامضوا، وقيل: فامشوا وعلى هذا معنى، السعي: المشي لا العدو، وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ: {فَٱسْعَوْاْ } قال من أقرأك هذا، قال: أبي، قال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ } قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب، وسعي بالنية، وسعي بالرغبة، ونحو هذا، والسعي ههنا هو العمل عند قوم، وهو مذهب مالك والشافعي، إذ السعي في كتاب الله العمل، قال تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة: 205] {أية : وَأَنْ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } تفسير : [الليل: 4] أي العمل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة» تفسير : واتفق الفقهاء على: «أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان) متى أتى الجمعة أتى على هينة» وقوله: {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير، وقيل: هو الصلاة، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية، وقوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع، وقال عطاء: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات، وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي في الآخرة {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما هو خير لكم وأصلح، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ } أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا من فضل الله، وهو الرزق، ونظيره: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [البقرة: 198]، وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل إلى العصر، وإن شئت فاقعد، كذلك قوله: {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضاً لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع، بقوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } وعن مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، فمن شاء خرج. ومن شاء لم يخرج، وقال مجاهد: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وقال الضحاك، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ، فإن شاء خرج، وإن شاء قعد، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة، والظاهر هو الأول، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد (و) قال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } قال مقاتل: باللسان، وقال سعيد بن جبير: بالطاعة، وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيراً، قال تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }. وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيـي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة» تفسير : وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } من جملة ما قد مر مراراً، وفي الآية مباحث: البحث الأول: ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف؟ فنقول: قال القفال: هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً، فكان ما سوى الجماد أصنافاً، منها بهائم وملائكة وجن وإنس، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ماأنعم الله تعالى به عليهم، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم، وإن منة الله مثبتة عليهم قبل استحقاقهم لها، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، وللمسلمين يوم الجمعة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غداً وللنصارى بعد غد» تفسير : ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثاً على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع، والله أعلم. الثاني: كيف خص ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر الله وغير الله؟ نقول: المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان. الثالث: قوله: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } لم خص البيع من جميع الأفعال؟ نقول: لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش، وفيه إشارة إلى ترك التجارة، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالباً، والغفلة على أهل السوق أغلب، فقوله: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } تنبيه للغافلين، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة. الرابع: ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟ فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 37].

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى ـ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما «الجُمْعة» بإسكان الميم على التخفيف. وهما لغتان. وجمعهما جُمَع وجُمُعات. قال الفرّاء: يقال الْجُمعة (بسكون الميم) والجُمُعة (بضم الميم) والجُمَعة (بفتح الميم) فيكون صفة اليوم؛ أي تجمع الناس. كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك. وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جُمُعه، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقْيَس وأحسن؛ نحو غُرْفة وغُرَف، وطُرْفة وطُرَف، وحُجرْة وحُجَر. وفتحُ الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعن سَلْمان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما سُمّيت جمعة لأن الله جمع فيها من خلق آدم»تفسير : . وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيها خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. و «مِن» بمعنى «في»؛ أي في يوم؛ كقوله تعالى: {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأحقاف:4] أي في الأرض. الثانية ـ: قال أبو سلمة: أول من قال: «أما بعد» كعب بن لُؤَيّ، وكان أوّل من سَمَّى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم الجمعة: العَرُوبة. وقيل: أول من سماها جمعة الأنصارُ. قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة مِن قبل أن يَقْدَم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة؛ وهم الذين سموها الجمعة؛ وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت. وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلي فيه ونستذكر ـ أو كما قالوا ـ فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى؛ فاجعلوه يوم العَرُوبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة (أبو أمامة رضي الله عنه) فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم، فسمّوْهُ يوم الجمعة حين اجتمعوا. فذبح لهم أسعد شاةً فتعشَّوْا وتغدّوْا منها لقلتهم. فهذه أوّل جمعة في الإسلام. قلت: وروى أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي. وجاء في هذه الرواية: أن الذي جَمّع بهم وصلّى أسعد بن زُرَارة، وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي. وقال البَيْهَقِيّ: وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزُّهْرِيّ أن مُصْعَب ابن عمير كان أولَ من جَمّع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يَقْدَمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مصعب جَمع بهم بمعونة أسعد بن زُرَارة فأضافه كعب إليه. والله أعلم. وأما أوّل جمعة جمَّعها النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه؛ فقال أهل السير والتواريخ: قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً حتى نزل بقُبَاء، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لأثنتي عشرة ليلةٍ خلت من شهر ربيع الأوّل حين اشتّد الضُّحَى. ومن تلك السنة يُعَدّ التاريخ. فأقام بقُبَاء إلى يوم الخميس وأسَّس مسجدهم. ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة؛ فأدركته الجمعة في بني سالم بن عَوْف في بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجداً؛ فجمّع بهم وخَطَب. وهي أوّل خُطْبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: «حديث : الحمدُ لله. أحْمَده وأستعينه، وأستغفره وأَستهديه، وأُومن به ولا أكفُره، وأُعادي من يكفُر به. وأشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهُدَى ودِين الحق، والنور والموعظة والحكمة على فَتْرة من الرُّسل، وقلّة من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقطاع من الزمان ودُنُوٍّ من الساعة، وقُرْب من الأجل. من يُطِع الله ورسولَه فقد رَشَد. ومن يَعْصِ الله ورسوله فقد غَوَى وفرّط وضلّ ضلالاً بعيداً. أُوصِيكم بتَقْوى الله، فإنه خير ما أوصَى به المسلمُ المسلمَ أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. واحذَروا ما حذّركم الله من نفسه؛ فإن تقوى الله لمن عَمل به على وَجَلٍ ومخافةٍ من ربه عَوْنُ صدقٍ على ما تبغُون من (أمر) الآخرة. ومن يُصْلِح الذي بينه وبين ربّه من أمره في السِّر والعَلاَنِية، لا ينوِي به إلا وَجْهَ الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذُخْراً فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قَدّم. وما كان مما سوى ذلك يَوَدّ لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ}. هو الذي صَدق قولَه، وأنجز وعده، لا خُلْف لذلك؛ فإنه يقول تعالى: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. فٱتقوا الله في عاجل أمركم وآجِله في السرّ والعلانية؛ فإنه {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}. ومن يَتَّقِ الله فقد فاز فوزاً عظيماً. وإنّ تقوى الله توقّي مَقْتَه وتُوَقِّي عقوبتَه وتُوَقِّى سَخَطه. وإن تقوى الله تبيّض الوجوهَ، وتُرْضِى الربّ، وترفع الدرجة. فخُذوا بحظّكم ولا تفرِّطوا في جَنْب الله، فقد علَّمكم كتابَه، ونَهَج لكم سبيلَه؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده؛ هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين. لِيَهْلِك من هَلَك عن بيِّنة، ويحيا من حىّ عن بينة. ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله تعالى، واعمَلوا لما بعد الموت؛ فإنه من يُصلح ما بينه وبين الله يَكْفِه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضِي على الناس ولا يَقْضُون عليه، ويملِك من الناس ولا يملِكون منه. الله أكبر، ولا حَوْل ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم»تفسير : . وأوّل جمعة جُمِّعت بعدها جمعة بقرية يقال لها: «جُوَاثى» من قُرَى الْبَحْرَين. وقيل: إن أوّل من سماها الجمعة كعب بن لؤيّ بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب؛ كما تقدم. والله أعلم. الثالثة ـ: خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفاً لهم وتكريماً فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} ثم خصه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: {أية : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [المائدة:58] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ. قال ابن العربيّ: وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} وذلك يفيده؛ لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة. فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام. ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنىً ولا فائدة. الرابعة ـ: فقد تقدّم حكم الأذان في سورة «المائدة» مستوفىً. وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوت؛ يؤذّن واحد إذا جلس النبيّ صلى الله عليه وسلم على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعليّ بالكوفة. ثم زاد عثمان على المنبر أذاناً ثالثاً على داره التي تسمى «الزَّوْراء» حين كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أقبلوا؛ حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذّن مؤذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم يخطب عثمان. خرّجه ابن ماجه في سُنَنه من حديث محمد بن إسحاق عن الزُّهري عن السائب بن يزيد قال: ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد؛ إذا خرج أذّن وإذا نزل أقام. وأبو بكر وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دارٍ في السوق يقال لها «الزوراء»؛ فإذا خرج أذّن وإذا نزل أقام. خرّجه البخاري من طرق بمعناه. وفي بعضها: أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام. وقال الماوَرْديّ: فأما الأذان الأول فمحدَث، فعله عثمان بن عَفّان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها. وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذّن في السوق قِبَل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذّن في المسجد، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد. قاله ابن العربي. وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء، وسمّاه في الحديث ثالثاً لأنه أضافه إلى الإقامة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : بين كل أذانين صلاة لمن شاء» تفسير : يعني الأذان والإقامة. ويتوهّم الناس أنه أذان أصْلِيّ فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وَهَماً، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وَهمَاً على وَهَم. ورأيتهم يؤذِّنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدُّوَل الماضية. وكل ذلك مُحْدَث. الخامسة ـ: قوله تعالى {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} اختلف في معنى السَّعْي ها هنا على ثلاثة أقوال: أوّلها ـ القَصد. قال الحسن: والله ما هو بسَعْيٍ على الأقدام ولكنه سَعْيٌ بالقلوب والنيّة. الثاني ـ أنه العمل، كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [الإسراء:19]، وقوله: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل:4]، وقولِه: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم:39]. وهذا قول الجمهور. وقال زهير:شعر : سَعَى بعـدهم قـومٌ لِكَيْ يدركـوهمُ تفسير : وقال أيضاً:شعر : سَعَى ساعِياً غَيْظِ بن مُرّة بعدما تَبَزَّلَ ما بين العَشِيرة بِالدّمِ تفسير : أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتّوجه إليه. الثالث ـ أن المراد به السَّعْي على الأقدام. وذلك فضلٌ وليس بشرط. ففي البخارِيّ: أن أبا عَبْس بن جَبْر ـ واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة ـ مشى إلى الجمعة راجلاً وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من اغْبَرَّتْ قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار»تفسير : . ويحتمل ظاهره رابعاً ـ وهو الجري والاشتداد. قال ابن العربي: وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر «فامضوا إلى ذِكرِ الله» فراراً عن طريق الجَرْي والاشتداد الذي يدلّ على الظاهر. وقرأ ابن مسعود كذلك وقال: لو قرأت «فاسْعَوْا» لسعيتُ حتى يسقط ردائي. وقرأ ابن شهاب: «فامضُوا إلى ذكر الله سالكاً تلك السبيل». وهو كله تفسير منهم؛ لا قراءة قرآن منزل. وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو بكر الأنباري: وقد احتجّ من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، وأن خَرَشة بن الحُرّ قال: رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} فقال لي عمر: من أقرأك هذا؟ قلت أُبَيّ. فقال: إن أبَيّاً أقرؤنا للمنسوخ. ثم قرأ عمر «فامضُوا إلى ذِكرِ الله». حدّثنا إدريس قال حدّثنا خَلَف قال حدّثنا هُشيم عن المُغيرة عن إبراهيم عن خَرَشة؛ فذكره. وحدّثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سَعدان قال حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر يقرأ قطُّ إلا «فامضُوا إلى ذكر الله». وأخبرنا إدريس قال حدّثنا خلف قال حدّثنا هشيم عن المُغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ «فامضُوا إلى ذكر الله» وقال: لو كانت «فاسْعَوْا» لسعيت حتى يسقط ردائي. قال أبو بكر: فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على «فَاسْعَوْا» برواية ذلك عن الله ربّ العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأما عبد الله ابن مسعود فما صحّ عنه «فَامْضُوا» لأن السَّنَد غير متصل؛ إذ إبراهيم النَّخَعيّ لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئاً، وإنما ورد «فامضوا» عن عمر رضي الله عنه. فإذا انفرد أحدٌ بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسياناً منه. والعرب مُجْمِعة على أن السعي يأتي بمعنى المُضِيّ؛ غير أنه لا يخلو من الجِدّ والانكماش. قال زهير:شعر : سَعَى ساعيا غيْظِ بن مُرّة بعدما تَبَزّلَ ما بين العَشِيرةِ بالدَّمِ تفسير : أراد بالسّعْي المضيَّ بِجِدٍّ وانكماش، ولم يُقصد للعَدْوِ والإسراع في الخَطْو. وقال الفرّاء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضيّ. واحتج الفرّاء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله؛ معناه هو يمضي بجد واجتهاد. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:شعر : أسْعَى على جُلّ بني مالِكٍ كلّ امرِىءٍ في شأنه ساعِي تفسير : فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالإنكماش؛ ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيّته. قلت: ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العَدو: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَون ولكن ائتوها وعليكم السكينة»تفسير : . قال الحسن: أما والله ما هو بالسّعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار؛ ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. وهذا حسن، فإنه جمع الأقوال الثلاثة. وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيّب والتزيّن باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث. السادسة ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} خطاب للمكلفين بإجماع. ويخرج منه المَرْضَى والزَّمْنَى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. روى أبو الزبير حديث : عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلَهْوٍ أو تجارةٍ استغنى الله عنه والله غنيٌّ حميد» تفسير : خرّجه الدَّارَقُطْني وقال علماؤنا رحمهم الله: ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها؛ مثل المرض الحابس، أو خوف الزيادة في المرض، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوَحَل عذر إن لم ينقطع. ولم يره مالكٌ عذراً له؛ حكاه المهدوِيّ. ولو تخلّف عنها متخلف على وَلِيّ حَمِيم له قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رَجَا أن يكون في سَعَة. وقد فعل ذلك ابن عمر. ومن تخلف عنها لغير عذر فصلّى قبل الإمام أعاد، ولا يجزيه أن يصلّي قبله. وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاصٍ لله بفعله. السابعة ـ: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ} يختص بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب. واختلف فيمن يأتي الجمعة من الدّاني والقاصي، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة على من في المِصْر على ستة أميال. وقال ربيعة: أربعة أميال. وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. وقال الشافعي: اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صَيِّتاً، والأصوات هادئة، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سُور البلد. وفي الصحيح عن عائشة: أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العَوَالي فيأتون في الغُبَار ويصيبهم الغُبار فتخرج منهم الريح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو اغتسلتم ليومكم هذا» تفسير : قال علماؤنا: والصَّوْت إذا كان منيعاً والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال. والعَوَالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء. وروى الدَّارَقُطْنيّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما الجمعة على من سمع النداء»تفسير : . وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب على مَن في المصْر، سَمِع النداء أو لم يسمعه، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء. حتى سئل: وهل تجب الجمعة على أهل زبارة ـ بينها وبين الكوفة مجرى نهر ـ؟ فقال لا. وروي عن ربيعة أيضاً: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشياً أدرك الصلاة. وقد روي عن الزُّهْرِي: أنها تجب عليه إذا سمع الأذان. الثامنة ـ: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت، بدليل: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا حضرت الصلاة فأذِّنا ثم أقِيما ولْيَؤُمّكما أكبركما» تفسير : قاله لمالك بن الحُوَيْرِث وصاحبِه. وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وقد روي عن أبي الصِّديق وأحمد بن حنبل أنها تُصَلّى قبل الزوال. وتمسّك أحمد في ذلك بحديث سَلَمة بن الأكْوَع: كنا نصلّي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلّ. وبحديث ابن عمر: ما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة. ومثلُه عن سَهْل. خرّجه مسلم. وحديث سَلَمة محمول على التبكير. رواه هشام بن عبد الملك عن يَعْلَى بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكْوَع عن أبيه. وروى وَكِيع عن يَعْلَى عن إياس عن ابيه قال: كنا نُجَمِّع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفَيْء. وهذا مذهب الجمهور من الخَلَف والسَّلَف، وقياساً على صلاة الظهر. وحديث ابن عمر وسَهْلٍ، دليلٌ على أنهم كانو يبكِّرون إلى الجمعة تبكيراً كثيراً عند الغداة أو قبلها، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة. وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير. وتأوّل: قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بَدَنَة...» تفسير : الحديث بكماله. إنه كان في ساعة واحدة. وحَمَله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه. ابن العربيّ: وهو أصحّ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما كانوا يَقِيلون ولا يتغدّون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها. التاسعة ـ: فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم؛ ردَّا على من يقول: إنها فرض على الكفاية؛ ونقل عن بعض الشافعية. ونقل عن مالك من لم يُحَقّق: أنها سنة. وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان؛ لقول الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}. وثبت: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لَيَنْتَهِيَنّ أقوام عن وَدْعِهم الجُمُعات أو لَيَخْتِمنّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنّ من الغافلين»تفسير : . وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. وفي سُنن ابن ماجه عن أبي الجَعْد الضَّمْرِيّ ـ وكانت له صحبة ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه»تفسير : . إسناده صحيح. وحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طَبَع الله على قلبه»تفسير : . ابن العربي: وثبت: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الرَّواح إلى الجمعة واجبٌ على كل مسلم»تفسير : . العاشرة ـ: أوجب الله السَّعْي إلى الجمعة مطلقاً من غير شَرْط. وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات؛ لقوله عز وجل: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [المائدة:6] الآية. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طهور»تفسير : . وأغْرَبت طائفة فقالت: إن غسل الجمعة فرض. ابن العربيّ: وهذا باطل؛ لما روى النسائي وأبو داود في سننهما: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من توضأ يوم الجمعة فبِها ونِعْمَتْ. ومن اغتسل فالغسل أفضل»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ومن مَسّ الحَصَى فقد لَغَا» تفسير : وهذا نَصٌ. وفي الموطأ: أن رجلاً دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب... ـ الحديث إلى أن قال: ـ ما زدتُ على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا؟ وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. فأمر عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع، فدّل على أنه محمول على الاستحباب. فلم يمكن وقد تلبّس بالفرض ـ وهو الحضور والإنصات للخطبة ـ أن يرجع عنه إلى السُّنة، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم. الحادية عشرة ـ: لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد، خلافاً لأحمد بن حَنْبل فإنه قال: إذا اجتمع عِيدٌ وجمعة سقط فرض الجمعة؛ لتقدّم العيد عليها واشتغال الناس به عنها. وتعلّق في ذلك بما روي أن عثمان أذِن في يوم عِيد لأهل العَوَالي أن يتخلّفوا عن الجمعة. وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. والأمر بالسَّعْي متوجّه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام. وفي صحيح مسلم عن النُّعمان بن بَشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. الثانية عشرة ـ: قوله تعالى: {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي الصلاة. وقيل الخطبة والمواعظ؛ قاله سعيد بن جُبير. ابن العربيّ: والصحيح أنه واجب في الجميع؛ وأوّله الخطبة. وبه قال علماؤنا؛ إلا عبد الملك بن الماجِشُون فإنه رآها سُنّة. والدليل على وجوبها أنها تُحَرِّم البيع ولولا وجوبها ما حَرّمته؛ لأن المستحب لا يُحَرِّم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. والعبد يكون ذاكراً لله بفعله كما يكون مُسَبِّحاً لله بفعله. الزَّمَخْشَرِيّ: فإن قلت: كيف يفسَّر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك! قلت: ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله. فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك؛ فهو من ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل. الثالثة عشرة ـ: قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة، وحرّمه في وقتها على من كان مخاطَباً بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} تفسير : [النحل:81]. وخصّ البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا يُنهى عن البيع والشّراء. وفي وقت التحريم قولان: إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحاك والحسن وعطاء. الثاني ـ من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي. ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نُودِيَ للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت. ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. ابن العربيّ: والصحيح فسخ الجميع، لأن البيع إنما مُنع منه للاشتغال به. فكل أمرٍ يَشْغَل عن الجمعة من العقود كلّها فهو حرام شرعاً مفسوخ رَدْعاً. المهدوِيّ: ورأى بعض العلماء البيعَ في الوقت المذكور جائزاً، وتأوّل النّهْي عنه ندباً، واستدل بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قلت: ـ وهذ مذهب الشافعي؛ فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ. وقال الزَّمَخْشَرِيّ في تفسيره: إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدّي فساد البيع. قالوا: لأن البيع لم يَحْرُم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب؛ فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. وعن بعض الناس أنه فاسد. قلت: والصحيح فساده وفسخه: لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : كلُّ عملٍ ليس عليه أمْرُنَا فهو رَدّ»تفسير : . أي مردود. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : إنما سميت الجمعة جمعة؛ لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق؛ فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «حديث : يا سلمان ما يوم الجمعة؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم ــــ أو أبوكم ــــ » تفسير : وقد رُوي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعلم. وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به، فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدىء فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة؛ كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد» تفسير : لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم: «حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق»تفسير : وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها، وليس المراد بالسعي ههنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [الإسراء: 19] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها (فامضوا إلى ذكر الله) فأما المشي السريع إلى الصلاة، فقد نهي عنه؛ لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» تفسير : لفظ البخاري. وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: «حديث : ما شأنكم؟» تفسير : قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: «حديث : فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» تفسير : أخرجاه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»تفسير : . رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه من طريق يزيد بن زُرَيع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بمثله. قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} يعني: أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ} تفسير : [الصافات: 102] أي: المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك. ويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها؛ لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل» تفسير : . ولهما عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» تفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» تفسير : رواه مسلم، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة» تفسير : رواه أحمد والنسائي وابن حبان. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة؛ صيامها وقيامها» تفسير : وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة، وحسنه الترمذي. وعن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر» تفسير : أخرجاه. ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويتسوك، ويتنظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم «حديث : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من طيب أهله» تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب أهله إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» تفسير : . وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «حديث : ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» تفسير : . وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال: «حديث : ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» تفسير : رواه ابن ماجه. وقوله تعالى: {إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فإنما كان هذا لكثرة الناس؛ كما رواه البخاري رحمه الله حيث قال: حدثنا آدم، هو ابن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن، وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء، يعني: يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي، عن مكحول: أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد، حين يخرج الإمام، ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان رضي الله عنه أن ينادي قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس. وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض، وقيّم المريض، وما أشبه ذلك من الأعذار؛ كما هو مقرر في كتب الفروع. وقوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} أي: اسعوا إلى ذكر الله، واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقوله تعالى: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: ترككم البيع، وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة، خير لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون. وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ} أي: فرغ منها، {فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله؛ كما كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة، بارك الله له سبعين مرة؛ لقول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}. وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وإعطائكم، اذكروا الله ذكراً كثيراً، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : من دخل سوقاً من الأسواق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة» تفسير : . وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن } بمعنى في {يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ } فامضوا {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي الصلاة {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } أي اتركوا عقده {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير فافعلوه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ } أي: وقع النداء لها، والمراد به: الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه، وقوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } بيان لإذا وتفسير لها. وقال أبو البقاء: إن "من" بمعنى: في، كما في قوله: {أية : أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأرْضِ } تفسير : (فاطر 40) أي: في الأرض. قرأ الجمهور: {الجمعة} بضم الميم. وقرأ عبد الله بن الزبير، والأعمش بإسكانها تخفيفاً. وهما لغتان، وجمعها جمع وجمعات. قال الفراء: يقال: الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها. وهي صفة لليوم، أي: يوم يجمع الناس. قال الفراء أيضاً، وأبو عبيد: والتخفيف أخفّ وأقيس، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة عقيل. وقيل: إنما سميت جمعة؛ لأن الله جمع فيها خلق آدم، وقيل: لأن الله فرغ فيها من خلق كلّ شيء، فاجتمعت فيها جميع المخلوقات، وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة. وقال الفراء: المضيّ والسعي والذهاب في معنى واحد، ويدلّ على ذلك قراءة عمر بن الخطاب، وابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله). وقيل: المراد القصد. قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه قصد بالقلوب والنيات، وقيل: هو العمل كقوله: {أية : ومَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ }تفسير : [الإسراء: 19] وقوله: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ }تفسير : [الليل: 4] وقوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، ومنه قول زهير:شعر : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم تفسير : وقال أيضاً:شعر : سعى ساعياً غيظ بن مرة بعد ما تنزل ما بين العشيرة بالدم تفسير : أي: فاعملوا على المضيّ إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه، ويؤيد هذا القول قول الشاعر:شعر : أسعى على جل بني مالك كلّ امرىء في شأنه ساعي تفسير : {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } أي: اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر المعاملات. قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحلّ الشراء والبيع، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى السعي إلى ذكر الله، وترك البيع، وهو مبتدأ، وخبره {خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: خير لكم من فعل البيع، وترك السعي لما في الامتثال من الأجر والجزاء. وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجباً للعقوبة {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ } أي: إذا فعلتم الصلاة وأدّيتموها وفرغتم منها {فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأرْضِ } للتجارة والتصرّف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } أي: من رزقه الذي يتفضل به على عباده بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب، وقيل: المراد به ابتغاء ما عند الله من الأجر بعمل الطاعات، واجتناب ما لا يحلّ {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } أي ذكراً كثيراً بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيويّ، وكذا اذكروه بما يقرّبكم إليه من الأذكار، كالحمد، والتسبيح، والتكبير، والاستغفار، ونحو ذلك {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به. {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت عير من الشام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلاّ اثنا عشر رجلاً في المسجد. ومعنى {ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا }: تفرّقوا خارجين إليها. وقال المبرد: مالوا إليها، والضمير للتجارة، وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو؛ لأنها كانت أهمّ عندهم، وقيل التقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأوّل عليه، كما في قول الشاعر:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف تفسير : وقيل: إنه اقتصر على ضمير التجارة؛ لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً مع الحاجة إليها، فكيف بالانفضاض إلى اللهو، وقيل: غير ذلك {وَتَرَكُوكَ قَائِماً } أي: على المنبر: ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا، فقال: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ } يعني: من الجزاء العظيم وهو الجنة {خَيْرٌ مّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتّجَـٰرَةِ } اللذين ذهبتم إليهما، وتركتم البقاء في المسجد، وسماع خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم لأجلها {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله لأيّ شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: حديث : لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدري ما يوم الجمعةتفسير : ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: "حديث : هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم أفلا أحدّثكم عن يوم الجمعة"تفسير : ، الحديث. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلاّ في يوم الجمعة»تفسير : وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم. وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي فيها، وأنه يستجاب الدعاء فيها، وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحرّ قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه {إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إلى ذكر الله} فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت أبيّ بن كعب، قال: إن أبياً أقرأنا للمنسوخ اقرأها: (فامضوا إلى ذكر الله) وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلاّ: (فامضوا إلى ذكر الله) وأخرجه عنه أيضاً الشافعي في الأمّ، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرجوا كلهم أيضاً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: (فامضوا إلى ذكر الله) قال: ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي. وأخرج عبد بن حميد عن أبيّ بن كعب أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } قال: فامضوا. وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي: العمل. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب: أن رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } فحرم عليهم ما كان قبل ذلك. وأخرج ابن جرير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } قال:«حديث : ليس لطلب دنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: لم تؤمروا بشيء من طلب الدنيا إنما هو: عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلاّ اثنا عشر رجلاً، أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } إلى آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: جاءت عير عبد الرحمٰن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً»تفسير : . وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى عن جماعة من الصحابة وغيرهم.

الماوردي

تفسير : {يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} في السعي إليها أربعة أقاويل: أحدها: النية بالقلوب، قاله الحسن. الثاني: أنه العمل لها، كما قال تعالى: {إن سعيكم لشتى} قاله ابن زيد. الثالث: أنه إجابة الداعي، قاله السدي. الرابع: المشي على القدم من غير إسراع، وذكر أن عمر وابن مسعود كانا يقرآن {فامضوا إلى ذكر الله}. وفي ذكر الله ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها موعظة الإمام في الخطبة، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنها الوقت، حكاه السدي. الثالث: أنه الصلاة، وهو قول الجمهور. وكان اسم يوم الجمعة في الجاهلية العروبة، لأن أسماء الأيام في الجاهلية كانت غير هذه الأسماء، فكانوا يسمون يوم الأحد أوّل، والأثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وأنشدني بعض أهل الأدب: شعر : أؤمل أن أعيش وإن يومي بأوّل أو أهون أو جبار أو التالي دبار أو فيومي يمؤنس أو عروبة أو شيار تفسير : وأول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب، وقيل بل سمي في الإسلام لاجتماع الناس فيه للصلاة. {وذروا البيع} منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على ما كان مخاطباً بفرضها. وفي وقت التحريم قولان: أحدهما: أنه بعد الزوال [إلى ما] بعد الفراغ منها، قاله الضحاك. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى الفراغ من الصلاة، قاله الشافعي رحمه الله فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس به لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها، وقد كان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله [عثمان] آذانين في المسجد، وليس يحرم البيع بعده وقبل الخطبة، فإن عقد في هذا الوقت المحرم بيع لم يبطل البيع وإن كان قد عصى الله، لأن النهي مختص بسبب يعود إلى العاقدين دون العقد، وأبطله ابن حنبل تمسكاً بظاهر النهي. {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} يعني أن الصلاة خير لكم من البيع والشراء لأن الصلاة تفوت بخروج وقتها، والبيع لا يفوت. {فإذا قضيت الصلاة} يعني أُدّيتْ. {فانتشروا في الأرض} حكي عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. {وابتغوا من فضل الله} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الرزق من البيع والشراء، قاله مقاتل والضحاك. الثاني: العمل في يوم السبت، قاله جعفر بن محمد. الثالث: ما رواه أبو خلف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، قال: ليس بطلب الدنيا لكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.

ابن عطية

تفسير : "النداء بالجمعة" هو في ناحية من المسجد، وكان على الجدار في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السائب بن يزيد: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد على باب المسجد، وفي مصنف أبي داود: كان بين يديه وهو على منبر أذان، وهو الذي استعمل بنو أمية، وبقي بقرطبة إلى الآن، ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس، فقوم عبروا عن زيادة عثمان بالثاني، كأنهم لم يعتدوا الذي كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقوم عبروا عنه بالثالث، وقرأ الأعمش وابن الزبير: "الجمْعة" بإسكان الميم وهي لغة، والمأمور بالسعي هو المؤمن الصحيح البالغ الحر الذكر، ولا جمعة على مسافر في طاعة، فإن حضرها أحسن، وأجزأته. واختلف الناس في الحد الذي يلزم منه السعي، فقال مالك: ثلاثة أميال. قال القاضي أبو محمد: من منزل الساعي إلى المنادي، وقال فريق: من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء، وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل المدينة كلها السعي من سمع النداء ومن لم يسمع، وإن كانت أقطارها فوق ثلاثة أميال. قال أبو حنيفة: ولا من منزله خارج المدينة كزرارة من الكوفة، وإنما بينهما مجرى نهر، ولا يجوز لهم إقامتها لأن من شروطها الجامع والسلطان القاهر، والسوق القائمة، وقال بعض أهل العلم: يلزم السعي من خمسة أميال، وقال الزهري: من ستة أميال، وقال أيضاً: من أربعة أميال وقاله ابن المنكدر، وقال ابن عمر وابن المسيب وابن حنبل: إنما يلزم السعي من سمع النداء، وفي هذا نظر. والسعي في الآية: ليس الإسراع في المشي كالسعي بين الصفا والمروة، وإنما هو بمعنى قوله: {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} تفسير : [النجم: 39]، فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي سعي كله إلى ذكر الله تعالى، قال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم: إنما تؤتى الصلاة بالسكينة، فالسعي هو بالنية والإرادة، والعمل والذكر هو وعظ الخطبة قاله ابن المسيب، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الملائكة على باب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول إذا خرج الإمام طويت الصحف وجلست الملائكة يستمعون الذكر" تفسير : ،والخطبة عند جمهور العلماء شرط في انعقاد الجمعة، وقال الحسن: وهي مستحبة، وقرأ عمر بن الخطاب، وعلي وأبي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وجماعة من التابعين: "فامضوا إلى ذكر الله"، وقال ابن مسعود: لو قرأت "فاسعوا" لأسرعت حتى يقع ردائي. واختلف الناس في: {البيع} في الوقت المنهي عنه إذا وقع ما الحكم فيه بعد إجماعهم على وجوب امتناعه بدءاً، فقال الشافعي: يمضي، وقال مرة: يفسخ ما لم يفت فإن فات صح بالقيمة، واختلف في وقت التقويم، فقيل: وقت القبض، وقيل: وقت الحكم، وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى السعي وترك البيع، وقوله: {فانتشروا} أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة، وكذلك قوله تعالى: {وابتغوا من فضل الله} أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: {أية : وإذا حللتم فاصطادوا} تفسير : [المائدة: 2] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة، ويكون نحوه صبيحة يوم السبت، قاله جعفر بن محمد الصادق، وقال مكحول: الفضل المبتغي العلم، فينبغي أن يطلب إثر الجمعة، وقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً} الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل عير الميرة بالطبل والمعازف والصياح سروراً بها، فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلاً. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. قال القاضي أبو محمد: ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن، إلا إني سمعت أبي رضي الله عنه يقول: هم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الحادي عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: عبد الله بن مسعود، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: بقي معه ثمانية نفر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على المنفضين من السماء" تفسير : ،وفي حديث آخر: "حديث : والذي نفس محمد بيده، ولو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد، أسال عليكم الوادي ناراً"تفسير : . وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، لأن قدوم العير كان يوافق يوم الجمعة يشبه أن المراحل كانت تعطي ذلك. وقال تعالى: {إليها} ولم يقل تهمماً بالأهم، إذ هي كانت سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها، وفي مصحف ابن مسعود: "ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين". وتأمل إن قدمت التجارة مع الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبين، وهذه الآية، قيام الخطيب، وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية وخطب جالساً، والرازق صفة فعل، وقد يتصف بها بعض البشر تجوزاً إذا كان سبب رزق الحيوان، {والله} تعالى {خير الرازقين}. نجز تفسير سورة الجمعة والحمد لله كثيراً.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاسْعَوْاْ} بالمشي على الأقدام من غير إسراع أو بنية القلوب أو بالعمل لها أو بإجابة الداعي {ذِكْرِ اللَّهِ} موعظة الخطبة أو الصلاة عند الجمهور أو الوقت، وكانوا يسمون الأيام في الجاهلية غير هذه الأسماء الأحد أول والأثنين أهون والثلاثاء جبار والأربعاء دبار والخميس مؤنس والجمعة عروبة والسبت شيار. شعر : أؤمل أن أعيش وإن يومي بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار "فإن أفُته" فمؤنس أو عروبة أو شيار تفسير : وأول من سماه الجمعة كعب بن لؤي لاجتماع قريش فيه إلى كعب أو في الإسلام لاجتماعهم فيه إلى الصلاة. {وَذَرُواْ الْبَيْعَ} فحرم البيع على المخاطب بالجمعة من بعد الزوال إلى الفراغ منها، أو من وقت آذان الخطبة إلى الفراغ من الصلاة والآذان الأول أحدثه عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ ليتأهبوا لحضور الخطبة لما اتسعت المدينة وكثر أهلها وكان عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أمر بآذان في السوق قِبَل المسجد ليقوموا عن البيع فإذا اجتمعوا أذَّن في المسجد فجعله عثمان آذانين في المسجد {ذَلِكُمْ} الصلاة خير من البيع الشراء.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة} أي لوقت الصلاة {من يوم الجمعة} أي في يوم الجمعة وأراد بهذا النداء الإذن عند قعود الإمام على المنبر للخطبة لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه "كان إذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال" (خ) عن السائب بن يزيد قال "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء" زاد في رواية "فثبت الأمر على ذلك"، ولأبي داود قال "كان يؤذن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وذكر نحوه" الزوراء موضع عند سوق المدينة قريب من المسجد وقيل كان مرتفعاً كالمنارة. واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فقيل لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم وقيل لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه فاجتمعت فيه المخلوقات وقيل لاجتماع الجماعات فيه للصلاة وقيل أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة أول من قال أما بعد كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة وكان يقال لها يوم العروبة، عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموا الجمعة وقالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر اسم الله تعالى ونصلي فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة ثم أنزل الله تعالى في ذلك اليوم {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة} الآية عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقال له ابنه عبد الرحمن يا أبت إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون" أخرجه أبو داود وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أصحاب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين امتد الضحى فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامداً إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واديهم وقد اتخذوا في ذلك الموضع مسجداً فجمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب. وقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} أي فامضوا إليه واعملوا له وليس المراد من السعي الإسراع في المشي وإنما المراد منه العمل وكان عمر بن الخطاب يقرأ فامضوا إلى ذكر الله وقال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الاقدام ولقد نهوا أن يأتوا إلى الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وعن قتادة في هذه الآية فاسعوا إلى ذكر الله قال السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله: {أية : فلما بلغ معه السعي} تفسير : [الصافات: 102] بقوله فلما مشى معه (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"تفسير : وفي رواية "حديث : فإذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة" تفسير : وذكره زاد مسلم "حديث : فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في الصلاة" تفسير : والمراد بقوله فاسعوا إلى ذكر الله الصلاة وقال سعيد بن المسيب هو موعظة الإمام {وذروا البيع} يعني البيع والشراء لأن البيع اسم يتناولهما جميعاً وهو من لوازمه وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري عند خروج الإمام وقال الضحاك إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء {ذلكم} أي الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع والشراء {خير لكم} أي من المبايعة في ذلك الوقت {إن كنتم تعلمون} أي من مصالح أنفسكم والله تعالى أعلم. (فصل في فضل الجمعة وأحكامها وإثم تاركها) وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في فضلها (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج لما منها"تفسير : ، زاد في رواية "حديث : ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" تفسير : (ق) عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل فيها شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها" تفسير : (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا أحرم الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"تفسير : ، وفي رواية "حديث : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر" تفسير : قوله من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة معناه غسلاً كغسل الجنابة (م) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا" تفسير : قوله ومن مس الحصى فقد لغا معناه أنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله الكلام فجعله كاللغو (خ) عن عبادة قال أدركني أبو عيسى وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار" تفسير : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرجت إلى الطور فرأيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيما حدثته أن قلت له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه وفيه تقوم الساعة وما دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه" تفسير : قال كعب ذاك في كل سنة يوماً فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة فقال عبد الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي قال أبو هريرة فقلت أخبرني بها ولا تكن عني، وفي رواية تضن عليّ قال هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة قلت وكيف تقول آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيها قال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها" تفسير : قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك أخرجه مالك في الموطأ والنسائي (خ) عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلم يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة" تفسير : الأخرى عن أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ واستمع كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها" تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي قال أبو داود سئل مكحول عن غسل واغتسل قال غسل رأسه وجسده. (المسألة الثانية): في إثم تاركها (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره "حديث : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" تفسير : عن أبي الجعد الضمري وكان له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه" تفسير : أخرجه أو داود والنسائي وللترمذي نحوه (م) عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة "حديث : هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ". تفسير : (المسألة الثالثة): في تأكيد وجوبها قال العلماء صلاة الجمعة هي من فروض الأعيان فتجب على كل مسلم حر بالغ عاقل ذكر مقيم إذا لم يكن له عذر في تركها ومن تركها من غير عذر استحق الوعيد أما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما لأنهما ليسا من أهل الفرض ولا جمعة على النساء بالاتفاق يدل عليه ما روي عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا على أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض"تفسير : ، أخرجه أبو داود وقال طارق "رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الجمعة على من سمع النداء" تفسير : أخرجه أبو داود وقال رواه جماعة ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"تفسير : ، أخرجه الترمذي ولا تجب الجمعة على العبيد وقال الحسن وقتادة والأوزاعي تجب على العبد المكاتب وعن أحمد في العبيد روايتان وتجب الجمعة على أهل القرى والبوادي إذا سمعوا النداء من موضع تقام فيه الجمعة يلزمهم الحضور وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة فكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة وقال سعيد بن المسيب تجب الجمعة على من آواه المبيت وقال الزهري تجب على كل من كان على ستة أميال وقال ربيعة على أربعة أميال، وقال مالك والليث على ثلاثة أميال وقال أبو حنيفة لا جمعة على أهل السواد سواء كانت القرية قريبة أو بعيدة دليل الشافعي ومن وافقه ما روي البخاري عن ابن عباس قال "إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجؤاثى من البحرين" ولأبي داود نحوه فيه بجؤائى قرية من قرى البحرين. (المسألة الرابعة): في تركها لعذر كل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو خوف جاز له ترك الجمعة وكذا له تركها بعذر المطر والوحل يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس "أنه خطب في يوم ذي ردغ فأمر المؤذن فلما بلغ حي على الصلاة قال قل الصلاة في الرحال فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا ذلك فقال كأنكم أنكرتم هذا إن هذا فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم وإنها عزمة وإني كرهت أن أخرجكم" زاد في رواية "فتمشون في الطين و الدحض والزلق"، أخرجه البخاري ومسلم وكل من لا تجب عليه الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام الجمعة سقط عنه فرض الظهر ولكن لا يكمل به عدد الذين تنعقد بهم الجمعة إلا صاحب العذر فإنه إذا حضر كمل به العدد. (المسالة الخامسة): في العدد الذي تنعقد به الجمعة اختلف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة فقيل لا تنعقد بأقل من أربعين رجلاً وهو قول عبيد الله بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلاً من أهل الكمال وذلك بأن يكونوا أحراراً بالغين عاقلين مقيمين في موضع لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً إلا ظعن حاجة، وشرط عمر بن عبد العزيز أن يكون فيهم وال والوالي غير شرط عند الشافعي وقال علي بن أبي طالب: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي ثم عند أبي حنيفة تنعقد بأربعة والوالي شرط عنده وقال الأوزاعي وأبو يوسف تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال وقال الحسن تنعقد باثنين وكسائر الصلوات وقال ربيعة تنعقد باثني عشر رجلاً ولا يكمل العدد بمن لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والصبي ولا تنعقد إلا في موضع واحد من البلد وبه قال الشافعي ومالك وأبو يوسف وقال أحمد تصح بموضعين إذا كثر الناس وضاق الجامع. (المسألة السادسة): لا يجوز أن يسافر الرجل يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت أما إذا سافر قبل الزوال وبعد طلوع الفجر فإنه يجوز غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة كحج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيماً فلا يسافر حتى يصلي الجمعة يدل على جوازه ما روي عن ابن عباس قال "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال أردت أن أصلي معك ثم أتبعهم فقال لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم" تفسير : أخرجه الترمذي وروى أن عمر رأى رجلاً عليه أهبة السفر وسمعه يقول لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. وللجمعة شرائط وسنن وآداب مذكورة في كتب الفقه وفي هذا القدر كفاية والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَٰوةِ} الآية، النداءُ: هو الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفي مصنف أبي داودَ: كَانَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ. * ت *: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر؛ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَنِ ٱغْتَسَلَ، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَصَلَّىٰ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حَتَّىٰ يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَىٰ، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ»تفسير : انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان. وقوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في»، انتهى. وقوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ...} الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ }تفسير : [النجم:39] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ؛ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ؛ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، * ت *: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهُوَ قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «حديث : فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ»تفسير : ، * ت *: والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين: «فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: {فَٱسْعَوْاْ} معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} هو وعظُ الخطبةِ؛ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «حديث : إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ عَلَىٰ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلاَئِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، فَإذَا جَلَسَ [الإمَامُ] طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» تفسير : الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : إنَّ اللَّهَ ـــ عزَّ وجلَّ ـــ يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ عَلَىٰ هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا؛ كالْعَرُوسِ تُهْدَىٰ إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم؛ يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا؛ أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ»تفسير : خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة»: وإسنادهُ صحيح، انتهى. وقوله سبحانه: {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ البَيْعِ. وقوله: {فَٱنتَشِرُواْ} أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله: «وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ }تفسير : [المائدة:2] إلا مَا رُوِيَ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ»تفسير : ، قال * ع *: وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يُطْلَبَ إثْرَ الجمعةِ. وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً...} الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنْجَىٰ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: رواه الترمذي واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك»؛ وقال صحيحُ الإسناد، انتهى من «السلاح». وقوله سبحانه: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً...} الآية، نزلتْ بسبب أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلكَ وسماعِه؛ وتركُوا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال * ع *: ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي ـــ رحمه اللَّه ـــ يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، * ت *: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فَقِيل: عمار بن ياسرِ، وقيل: ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه أنَّ: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ؛ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا ـــ رضي اللَّه عنهم ـــ أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعدَ ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مُرْسَلاً فالظن الجميلُ بأصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم؛ انتهى، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: «حديث : لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ»تفسير : ، وفي حديثٍ آخر: «حديث : والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّىٰ لاَ يَبْقَىٰ أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً»تفسير : ، قَالَ البخاريُّ: {ٱنفَضُّواْ} معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود: «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ ٱتَّقُوْا، وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: {إِلَيْهَا} على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، * ص *: وقرىء «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} الآية. قرأ العامة: "الجُمُعَة" بضمتين. وقرأ عبد الله بن الزبير وزيد بن علي والأعمش وأبو حيوة وأبو عمرو في رواية بسكون الميم. فقيل: هي لغة في الأولى وسكنت تخفيفاً وهي لغة تميم. وقيل: هو مصدر بمعنى الاجتماع. وقيل: لما كان فيه معنى الفعل صار "كرجل هُزْأة" أي: يُهزأ به، فلما كان في "الجمعة" معنى التجمع أسكن؛ لأنه مفعول به في المعنى أو يشبهه، فصار كـ"هزأة" الذي يهزأ به. قاله مكي. وكذا قال أبو البقاء: هو بمعنى المجتمع فيه، مثل: رجل ضحكة، أي يضحك منه. وقال مكي: يجوز إسكان الميم إستخفافاً، وقيل: هي لغة. وقد تقدم أنها قراءة وأنها لغة تميم. وقال أبو حيان: "ولغة بفتحها لم يقرأ بها". قال شهاب الدين: "قد نقلها أبو البقاء قراءة، فقال: ويقرأ - بفتح الميم - بمعنى الفاعل، أي: يوم المكان الجامع، مثل: رجل ضحكة، أي: كثير الضحك". وقال مكي: "وفيه لغة ثالثة - بفتح الميم - على نسبة الفعل إليها كأنها تجمع الناس، كما يقال: "رجل لحنة" إذا كان يلحن الناس، وقرأة إذا كان يقرىء الناس"، ونقلها قراءة أيضاً الزمخشري، إلا أن الزمخشري جعل "الجمعة" - بالسكون - هو الأصل، وبالمضموم مخففاً منه يقال: يوم الجمعة، يوم الفوج المجموع، كقولهم: "ضُحَكَة" للمضحوك منه، ويوم الجمعة - بفتح الميم - يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة ولعبة، ويوم الجمعة، كما قيل: عُسَرة في عُسْرة، وقرىء بهن جميعاً. وتقديره: يوم الوقت الجامع أحسن [من تقدير أبي البقاء يوم] المكان الجامع؛ لأن نسبة الجمع إلى الطرفين مجاز، فالأولى إبقاؤه زماناً على حاله. قال القرطبي: "وجمعها جُمع وجُمعان". وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم، فاقرأوها "جمعة" يعني بضم الميم. وقال الفرَّاء وأبو عبيد: والتخفيف أحسن وأقيس، نحو: غُرْفة وغُرَف، وطُرْفة وطُرَف وحُجرة وحُجَر وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. فصل في الكلام على الآية فإن قيل: قال ابن الخطيب: قوله: "للصَّلاةِ"، أي: لوقت الصلاة، بدليل قوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} ولا تكون الصلاة من اليوم وإنما يكون وقتها من اليوم. فالجواب: روى سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّمَا سُمِّيتْ جُمعَةً لأنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهَا خلقَ آدَمَ " تفسير : وقيل: لأن الله - تعالى - فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمع فيها جميع المخلوقات. وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع النَّاس فيها للصلاة. قوله: {مِن يَوْمِ}. "من" هذه بيان لـ"إذا" وتفسير لها. قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: إنها بمعنى "في" أي: في يوم، كقوله تعالى: {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 40]، أي: في الأرض. فصل في أول من قال أما بعد وسمى الجمعة قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال أبو سلمة: أول من قال: أما بعد، كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة لاجتماع قريش فيه إلى كعب، وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل: أول من سماها جمعة: الأنصار. قال ابن سيرين: جمَّع أهل "المدينة" من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن ننزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: إن اليهود يجتمعون فيه في كل سبعة أيام وهو يوم السَّبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله فيه ونصلي فيه ونستذكر، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاةً فتعشَّوا وتغدَّوا منها لقلتهم فهذه أول جمعة في الإسلام. وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلاً. وقال البيهقي: وروينا عن موسى بن عقبة عن الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة للمسلمين بالمدينة قبل أن يقدمها النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي: يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة، فأضافه كعب إليه. وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحَّم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النَّبيت من حرَّة بني بياضة في بقيع يقال له: بَقِيعُ الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين. ذكره البغوي. وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، [فقال أهل السير: حديث : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم] مهاجراً حتى نزل بـ"قباء" على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنين عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى، ومن تلك السَّنة يُعَدُّ التاريخ فأقام بها إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته في بني سالم ابن عوف في بطن واد لهم اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجداً، فجمع بهم وخطب، وهي أول جمعة خطبها بالمدينة، وقال فيها: "الحَمْدُ لِلَّهِ، أحْمَدهُ، وأسْتَعينُهُ، وأسْتَغفِرُهُ، وأسْتَهْدِي بِهِ، وأومِنُ بِهِ، ولا أكْفُرُهُ، وأعَادِي من يَكْفُرُ بِهِ، وأشْهَدُ ألا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمداً عَبْدُهُ ورسُولهُ، أرْسلَهُ اللَّهُ بالهُدَى ودَيِنِ الحَقِّ ليظهره على الدين كله والنُّورِ والمَوعِظَةِ والحِكْمَةِ، على فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وقلَّةِ العِلْمِ وضَلالةٍ مِنَ النَّاسِ، وانقِطاعٍ مِنَ الزَّمانِ، ودُنُوٍّ مِنَ السّاعةِ، وقُرْبٍ مِنَ الأَجَلِ؛ مَن يُطِع الرَّسُول فَقَدْ رَشَدَ ومن يَعْصِي اللَّهَ ورسُولَهُ فَقَدْ غَوَى وفرَّطَ وضَلَّ ضلالاً بَعِيداً. وأوصِيكُمْ بتَقْوَى اللَّهِ فإنَّهُ خَيْرُ ما أوصيكم وخير ما أوصى بِهِ المُسْلِمُ المُسْلِمَ أنْ يَحُضَّهُ على الآخِرةِ وأنْ يأمرهُ بتَقْوَى اللَّهِ، واحْذَرُوا ما حذَّرَكُمُ اللَّهُ من نَفْسِهِ، فإنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِنْ عَمِلَ بِهِ على وجَلٍ ومخَافَةٍ من ربِّهِ عُنْوانُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْغُونَ مِنَ الآخِرةِ ومَن يُصْلِح الذي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِنْ أمْرِهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ لا يَنْوِي بِهِ إلاَّ وجْهَ اللَّهِ يَكُنْ لَهُ ذِكْراً في عَاجل أمْرِهِ وذُخْراً فِيمَا بَعْدَ المَوْتِ حِينَ يَفْتَقِرُ المَرْءُ إلى ما قدَّم ومَا كَانَ ممَّا سِوَى ذلك {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30]. هُوَ الَّذي صدقَ قولهُ، وأنجَزَ وعْدَهُ، لا خُلْفَ لذَلِكَ فإنَّه يقولُ: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة ق: 29]. فاتَّقُوا اللَّهِ في عاجلِ أمْركُمْ وآجلهِ، فِي السِّرِّ والعلانيةِ، فإنَّهُ {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} [الطلاق: 5]. ومَنَ يتَّقِ اللَّهَ فقد فَازَ فَوْزاً عَظِيماً. وإنَّ تَقْوَى اللَّهِ تُوقِي مقْتَهُ وتُوقِي عُقوبتَهُ وتُوقِي سُخْطَهُ، وإنَّ تَقْوَى اللَّه تُبَيِّضُ الوُجُوه وتُرْضي الرَّبَّ، وترفعُ الدَّرجة، فخُذُوا حِذْركُمْ ولا تُفَرِّطُوا في جَنْب اللَّهِ فقدْ عَلَّمَكُمْ في كتابهِ ونَهَجَ لَكُمْ سبيلهُ، ليَعْلَمَ الَّذينَ صَدَقُوا وليَعْلَمَ الكَاذِبِينَ، فأحْسِنُوا كَمَا أحسن اللَّهُ إليْكُمُ، وعادُوا أعْدَاءهُ، وجَاهِدُوا في اللَّهِ حقَّ جِهَادِهِ هُو اجتبَاكُمْ وسمَّاكُمُ المُسلِمينَ، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}[الأنفال: 42]، ولا حَولَ ولا قُوَّة إلاَّ باللَّهِ العليِّ العظيم، فأكْثِرُوا من ذِكْرِ اللَّهِ تعالى واعْمَلُوا لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، فإنَّه من يُصْلِحْ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ يَكْفِهِ اللَّهِ مَا بَيْنَه وبيْنَ النَّاسِ، ذلِكَ بأنَّ اللَّهِ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ولا يَقْضُون عليْهِ، ويَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ ولا يَمْلِكُونَ مِنْهُ، اللَّهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ ". تفسير : فصل في خطاب الله للمؤمنين خاطب اللَّهِ المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفاً لهم وتكريماً، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}، ثُمَّ خصه بالنِّداء وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: {أية : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ}تفسير : [المائدة: 58] ليدلّ على وجوبه وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصَّلاة الجمعة ها هنا معلُوم بالإجماع لا من نفس اللفظ. وقال ابن العربي: "وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} وذلك يفيده لأن النداء الذي يختصّ بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة". فصل كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات مؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فعل أبو بكر وعمر وعلي بـ"الكوفة" ثم زاد عثمان أذاناً ثانياً على داره التي تسمى الزوراء حين كثر الناس بالمدينة، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب عثمان. أخرجه ابن ماجه في سننه. وقال الماوردي: فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفَّان ليتأهب النَّاس لحضور الخطبة عند اتساع "المدينة" وكثرة أهلها، وقد كان عمر - رضي الله عنه - أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان - رضي الله عنه - أذانين في المسجد. قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث: ثالثاً، لأنه إضافة إلى الإقامة، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : بَيْنَ كُلِّ أذَانَينِ صلاةٌ لِمن شَاءَ"تفسير : يعني الأذان والإقامة. وتوهّم بعض الناس أنه أذان أصلي، فجعلوا المؤذنين ثلاثة، فكان وَهْماً، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهماً على وهم. قوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. قيل: المراد بالسعي هنا القصد. قال الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية. وقال الجمهور: السعي العمل كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [الإسراء: 19]، وقوله: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [من سورة الليل: 4]، وقوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39]. والمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا بأسبابه من الغسل والطهر والتوجه إليه. وقيل: المراد به السعي على الأقدام، وذلك فضل، وليس بشرط، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَن اغْبرَّتْ قَدمَاهُ في سبيل اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النَّارِ ". تفسير : قال القرطبي: "ويحتمل ظاهره وجهاً رابعاً، وهو الجري والاشتداد". قال ابن العربي: وهو الذي أنكره الصَّحابة والفقهاء الأقدمون، فقرأها عمر - رضي الله عنه -: {فامضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ} فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل عليه الظاهر. وقرأ ابن مسعود كذلك، وقال: لو قرأت: "فاسْعَوا" لسعيت حتى يسقط ردائي. وقال ابن شهاب: [فامضوا] إلى ذكر الله، سالكاً تلك السبيل، وهو كله تفسير منهم لا قراءة قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو بكر بن الأنباري: وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، وأن خرشة بن الحر قال: رآني عمر - رضي الله عنه - ومعي قطعة فيها: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} فقال عمر: من أقرأك هذا؟ قلت: أبيٌّ، فقال: إن أبيًّا أقرؤنا للمنسوخ ثم قرأ عمر: {فامضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}. وقال الفراء وأبو عبيدة: معنى السَّعي في الآية المضي للجمعة. واحتج الفراء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر: [السريع] شعر : 4769 - أسْعَى عَلَى جدِّ بَنِي مَالِكٍ كُلُّ امْرِىءٍ فِي شأنِهِ سَاعِ تفسير : فهل يحتمل السعي في هذا البيت المضي والانكماش، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود وعلى فصاحته وإتقان عربيته. قال القرطبي: وما يدلّ على أن المراد هنا العدو، قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذَا أقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ تَأتُوهَا وأنتُمْ تَسْعونَ ولكِن ائْتُوهَا وعَليْكُمُ السَّكِينَةُ ". تفسير : قال الحسنُ رضي الله عنه: أما والله ما هو بالسَّعْي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصَّلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. فصل في أن الآية خطاب للمكلفين هذه الآية خطاب للمكلفين [بالإجماع] ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. لما روى الدارقطني عن أبي الزبير عن جابر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَعليْهِ الجُمُعة يَوْمُ الجُمُعةِ إلاَّ مَريضٌ أو مُسافِرٌ أو امْرَأةٌ أوْ صَبِيٌّ أو مَمْلوكٌ، فمن اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أو تجارة اسْتَغْنَى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - عَنْهُ، واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ". تفسير : قال العلماء رضي الله عنهم: لا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه معه الإتيان إليها كالمرض الحابس أو خوف الزيادة في المرض أو خوف جور السلطان عليه في مال أو ولد دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوَحْل عذر إن لم ينقطع. وروى المهدوي عن مالك أنهما ليسا بِعُذْرٍ. ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره فهو معذور، وقد فعل ذلك ابن عمر رضي الله عنه، ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاده ولا يجزيه أن يصلي قبله وهو عاص في تخلفه ذلك مع إمكانه. فصل في وجوب السعي وجوب السعي يختص بالقريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الذي لا يسمع النداء فلا يجب عليه السعي. واختلف الناس في القريب والبعيد. فقال ابن عمرو وأبو هريرة رضي الله عنهما وأنس: تجب الجمعة على من كان في المصر على ستة أميال. وقال ربيعة: أربعة أميال. وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. وقال الشافعيُّ: اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صَيِّتاً، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سور البلد. حديث : وروت عائشةُ - رضي الله عنها - أن الناس كانوا ينتابُون الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لو اغْتسَلْتُمْ ليَوْمِكُمْ هَذَا ". تفسير : قال العلماء: والصوت إذا كان رفيعاً والناس في هدوء وسكون، فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال، والعوالي من "المدينة" أقربها على ثلاثة أميال. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّمَا الجُمعَةُ عَلَى مَن سَمِعَ النِّداءَ ". تفسير : وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب الجمعة على من في المصر سمع النداء أو لم يسمعه ولا تجب على من هو خارج المصر ولو سمع النداء، حتى سئل: وهل تجب الجمعة على أهل "زبارة" وهي بينها وبين الكوفة مجرى نهر؟ فقال: لا. وروي عن ربيعة أيضاً: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشياً أدرك الصلاة. فصل في وجوب الجمعة بالنداء. دلّت هذه الآية على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذَا حَضرتِ الصَّلاةُ فليُؤذِّنْ أحَدُكُمَا وليَؤُمّكما أكْبَركُمَا ". تفسير : وروى أنس بن مالك "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" ". تفسير : وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأحمد بن حنبل: أنها تصلى قبل الزوال، واستدل أحمد بحديث سلمة بن الأكوع: "كنا نصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ". وحديث ابن عُمَر: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة". وأخرج مسلم مثله عن سهل. قال القرطبي: وحديث سلمة محمول على التكبير، لقول سلمة: "كنا نُجمِّعُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشَّمس ثم نرجع ونتتبّع الفيء". فصل نقل عن بعض الشافعية أن الجمعة فرض على الكفاية، وجمهور الأمة على أنها فرض عين لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ليَنْتَهينَّ أقْوامٌ عَنْ ودْعِهِمُ الجُمعاتِ أو ليَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلوبِهِم ثُمَّ ليَكونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ ". تفسير : وروى ابن ماجه في "سننه" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن تركَ الجُمَعَة ثَلاثَ مرَّاتٍ طَبَعَ اللَّهُ على قَلْبِهِ"تفسير : إسناده صحيح. وقال ابن العربي: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الرَّواحُ إلى الجُمُعَةِ واجِبٌ على كُلِّ مُسْلمٍ ". تفسير : فصل في العدد الذي تنعقد به الجمعة اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة. فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلاً أحراراً عاقلين مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفاً إلا ظعن حاجة تجب عليهم إقامة الجمعة فيها، وهو قول عبيد الله بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلاً على هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع الأربعين أن يكون فيهم والٍ، وعند أبي حنيفة تنعقد بأربعة والوالي شرط. وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاث إذا كان فيهم وال. وقال الحسن وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلاً. فصل في اجتماع العيد والجمعة. إذا اجتمع العيد والجمعة سقط فرض الجمعة عند أحمد لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها، ولما روي أن عثمان أذن في [يوم] عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة. وقال غيره: لا يسقط فرض الجمعة لأن الأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام، وقول الصحابي ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} [الأعلى: 1] و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصَّلاتين"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه. قوله: {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. أي: الصلاة. وقيل: الخطبة والمواعظ. قاله سعيد بن جبير. قال ابن العربي: والصحيح أنه واجب في الجميع؛ لأنها تحرم البيع، ولولا وجوبها ما حرمته؛ لأن المُستحبَّ لا يحرم المباح. قال القرطبي: وإذا قلنا: إنَّ المراد بالذِّكر الصَّلاة فالخطبة من الصَّلاة، والعبد يكون ذاكراً لله بقلبه كما يكون مسبحاً لله بفعله. قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك؟. قلت: ما كان من ذكر رسول الله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير، فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك". فصل في السفر يوم الجمعة ذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيماً فلا يسافر حتى يصلي الجمعة، وذهب بعضهم إلى الجواز، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: "مَا مَنَعَكَ أن تَغْدُوَ مَعَ أًصْحَابِكَ"، قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لَوْ أنفقْتَ مَا فِي الأرْضِ مَا أدْرَكْتَ". فصلى غدوتهم . تفسير : وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً عليه أهبة السفر، يقول: لولا أن اليوم الجمعة لخرجت، فقال له عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفرٍ. قوله: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}. يدل على تحريم البيع في وقت الجمعة على من كان مخاطباً بفرضها، والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}تفسير : [النحل: 81] وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، ومن لا يجب عليه حضور الجمعة، فلا ينهى عن البيع والشراء. وفي وقت التحريم قولان: أحدهما: أنه من بعد الزَّوال إلى الفراغ منها. قاله الضحاك، والحسن، وعطاء. الثاني: أنه من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصَّلاة. قاله الشافعي. قال القرطبي: "ومذهب مالك أن البيع يفسخ إذا نودي للصلاة، ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره، إذ ليس من عادة الناس اشتغالهم به كاشتغالهم بالبيع، قال: وكذلك الشرك والهبة والصدقة نادر لا يفسخ". قال ابن العربي: "والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعاً مفسوخ". وحمل بعضهم النهي على الندب لقوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وهو مذهب الشافعي؛ فإن البيع عنده ينعقد ولا يفسخ. وقال الزمخشري: إن عامة العلماء على أن ذلك النهي لا يؤدي إلى فساد البيع، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه عن الذُّهُول عن الواجب، فهو كالصلاة في الدار والثوب والمغضوب، والوضوء بماء مغصُوب. قال القرطبي: "والصَّحيح فساده وفسخه لقوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : كُلُّ عملٍ ليْسَ عليْهِ أمْرُنَا فهُو ردٌّ"تفسير : أي: مردود. ثم قال: "ذَلِكُمْ" أي: ذلك الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع {خَيْرٌ لَّكُمْ} من المبايعة {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} مصالح أنفسكم. قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}. هذا أمر إباحة كقوله: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}تفسير : [المائدة: 2]، والمعنى: إذا فرغتم من الصلاة {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} للتجارة والتصرف في حوائجكم {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي: من رزقه. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك رزقاً حلالاً وأنت خير الرازقين. وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}: إنه العمل في يوم السبت. وقال سعيد بن المسيب: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. وقال ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هي عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيادة الأخ في الله تعالى. فصل في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة. منها ما روي عن أبي هريرة قال: "حديث : خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه هَبَطَ من الجنة، وفيه مَاتَ، وفِيهِ تِيبَ علَيْهِ، وفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، ومَا مِن دابَّةٍ إلاَّ وهِيَ مُسَبِّحَةٌ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ حِين تُصْبحُ حتَّى تطلُعَ الشَّمْسُ شفقاً من السَّاعَة إلاَّ الجِنَّ والإنْسَ وفيهَا سَاعَةٌ لا يُصادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهُو يُصلِّي فيسألُ اللَّهَ شَيْئاً إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ". قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ هي في آخر ساعة من يوم الجمعة. قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُصادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وهُو يُصلِّي" وتِلْكَ السَّاعَةُ لا يُصلَّى فِيهَا؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن جَلَسَ مَجْلِساً يَنتظِرُ الصَّلاة فَهُوَ فِي صلاةٍ حتَّى يُصلِّيهَا"؟. قال أبو هريرة: بلى. قال: "فهو ذاك" ". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمعة واسْتَنَّ ومسَّ طِيْباً إن كان عِندَهُ ولبِسَ مِنْ أحْسَن ثيابهِ ثُمَّ خَرَجَ حتَّى يَأتِيَ المَسْجِدَ ولمْ يتَخَطَّ رِقَاب النَّاسِ ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ أن يَرْكَعَ وأنصَتَ إذا خَرَجَ الإمامُ، كَانَتْ كفَّارة لما بَيْنهُمَا وبَيْنَ الجُمُعةِ الأخْرَى الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا ". تفسير : وقال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام؛ لأن اللَّه تعالى يقول: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}تفسير : [الأنعام: 160]. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا كَانَ يَوْمُ الجمعة كَانَ عَلى كُلِّ بَابٍ مِنْ أبْوابِ المَسْجدِ ملائِكةٌ يَكْتُبُونَ [النَّاسَ على مَنَازلِهِم]، الأوَّل فالأوَّلَ، فإذا خرج الإمامُ طُويتِ الصُّحَفُ واستَمَعُوا الخُطْبَةَ ". تفسير : وقال: "حديث : مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمعَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعةِ الأولى، فكَأنَّما قَرَّب بَدَنةً، ومن رَاحَ فِي السَّاعةِ الثَّانيةِ فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالثة فكأنَّما قرَّب كبْشاً، ومن رَاحَ في السَّاعةِ الرَّابعةِ فكأنَّما قرَّب دَجَاجَةً [ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب عصفوراً]، ومن رَاحَ فِي السَّاعةِ السادسة، فكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً فإذا خَرَجَ الإمامُ حَضرتِ الملائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ". تفسير : قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق لأداء فرائضه {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [كي تفلحوا]. وقال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره؛ ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح. قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟. فالجواب: أن الأول من جملة ما لا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة والثاني من جملة ما يجتمع مع التجارة كما في قوله تعالى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37]. قوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}. روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من "الشام" فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثني عشر رجلاً، وفي رواية: أنا فيهم، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. وذكر الكلبي: أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من "الشام" في مجاعةٍ وغلاء سعر وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من برّ ودقيق وغيره فنزلت عند أحجار الزيت وضرب بالطبل ليعلم الناس بقدومه فخرج الناس إلا اثني عشر رجلاً وقيل إلا أحد عشر رجلاً وحكى البغوي قال: فلما رأوه قاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه قال الكلبي وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليه وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال حكاه الثعلبي عن ابن عباس وذكر الدارقطني من حديث جابر قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع فالتفتوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلاّ أربعين رجلاً أنا منهم قال: وأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} قال الدارقطني لم يقل في هذا الآثار إلاّ أربعين رجلاً غير علي بن عاصم بن حصين وخالفه أصحاب حصين فقالوا لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ اثني عشر رجلاً. واحتج بهذا الحديث من يرى أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلاً وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة وذكر الزمخشري أن النبي صلى الله عيله وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً ". تفسير : وروي في حديث مرسل عن أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح وسعيد بن زيد وبلال وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر قال القرطبي ولم يذكر جابراً وذكر مسلم أنه كان فيهم والدارقطني أيضاً فيكونون ثلاثة عشر وإن كان عبد الله بن مسعود بينهم فهم أربعة عشر. وروى البغوي قال: "حديث : وكان ذلك قبل أن يسلم دحية، قال: فخرج الناس إليه، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قام هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء""تفسير : فأنزل الله هذه الآية. فصل وذكر أبو داود في مراسيله: السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقاً بفضلهم ألاَّ يفعلوا، فقال: حدثنا محمود بن خالد، قال: حدثنا الوليد، قال: أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قدم بتجارته، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله - عز وجل - {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة فكان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عيله وسلم ثم يشير إليه بيده، فكان في المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق في جنبه مستتراً به حتى يخرج، فأنزل الله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً}تفسير : [النور: 63] الآية. قال السُّهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عيله وسلم يوجب أن يكون صحيحاً. والله أعلم. وقال قتادة: وقد بلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات، كل مرة عير تقدم من "الشام" وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارة ونظرهم إلى العير تمر لهوٌ لا فائدة فيه، إلا أنه كان مما لا إثمَ فيه لو وقع على ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ وكبر، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، وضرب بالطبل [ليؤذن] الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثنا عشر رجلاً. وقيل: أحد عشر رجلاً. وحكى البغوي قال: "فلما رأوه قام خشية أن يسبقوا إليه". قال الكلبي: كانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليه وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال، وحكاه الثعلبي عن ابن عباس. وذكر الدارقطني من حديث جابر قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع فالتفتوا إليها، وانفضوا إليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعين رجلاً أنا فيهم"، قال: وأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. قال الدارقطني: لم يقل في هذا الاسناد: "إلا أرْبعِينَ رَجُلاً" غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين، فقالوا: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً. واحتج بهذا الحديث من يرى أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلاً، وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة. وذكر الزمخشري أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : والَّذي نَفْسِي بِيدِهِ لوْ خَرَجُوا جَمِيعاً لأضرَمَ اللَّهُ عليْهِمُ الوَادِي نَاراً ". تفسير : وروي في حديث مرسل عن أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر. قال القرطبي: "لم يذكر جابراً. وذكر مسلم: أنه كان فيهم. والدارقطني أيضاً فيكونون ثلاثة عشر، وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر". قوله: {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}. أعاد الضمير على التجارة دون اللهو لأنها الأهم في السبب. قال ابن عطية: "وقال: إليها، ولم يقل: إليهما، تهمُّماً بالأهم، إذ كانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللَّهْو سببها، وتأمل أن قدمت التجارة على اللهو في الرؤية؛ لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبْيَن" انتهى. وفي قوله: "لم يقل: إليهما" ثم أجاب بما ذكر نظر، لأن العطف "بأو" لا يثنى معه الضمير ولا الخبر ولا الحال، ولا الوصف؛ لأنها لأحد الشيئين، ولذلك تأول الناس: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}تفسير : [النساء: 135] كما تقدم في موضعه. وإنما الجواب عنه: أنه وحَّد الضمير؛ لأن العطف بـ"أو"، وإنما جيء بضمير التجارة دون ضمير اللهو، وإن كان جائزاً للأهتمام كما قاله ابن عطية وغيره. وقال الزمخشري قريباً من ذلك فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: إليها، وقد ذكر شيئين؟ فالجواب: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: انفضوا إليه. انتهى. فقوله: "قلت: تقديره" إلى آخره، يشعر بأنه كان حق الكلام أن يثنى الضمير ولكنه حذف، وفيه ما تقدم من المانع من ذلك أمر صناعي وهو العطف بـ"أو". وقرأ ابن أبي عبلة: "إلَيْهِ". أعاد الضمير إلى اللهو، وقد نصَّ على جواز ذلك الأخفش سماعاً من العرب، نحو: إذا جاءك زيد أو هند فأكرمه، وإن شئت فأكرمها. وقرأ بعضهم: "إليْهِمَا" بالتثنية. وتخريجها كتخريج: "إن يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيراً فالله أولى بهما" كما تقدم تحريره. والمراد باللهو الطبل. وقيل: كانت العير إذا قدمت "المدينة" استقبلوها بالتصفيق والصفير. قوله: "وتَركُوكَ". جملة حالية من فاعل "انفضَّوا" و"قد" مقدرة عند بعضهم. فصل في أن الخطبة فريضة في صلاة الجمعة. الخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائماً فإن هذه الآية تدل على أن القيام شرط، ويخطب متوكئاً على قوس أو عصا، لما روى ابن ماجه في سننه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا ". تفسير : وأن يخطب على منبر؛ لأنه أبلغ في إعلام الحاضرين، ويسلم إذا صعد المنبر على الناس. لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم ". تفسير : ولم ير ذلك مالك. وهل تشترط الطهارة في الخطبة؟ فيه قولان مبنيان على أن الجمعة ظهر مقصورة، أو فريضة مستقلة. فإن قيل: بأنها ظهر مقصورة. فقيل: الخطبتان عوض عن الركعتين الأخريين، وعلى هذا فيشترط لهما الطهارة. وإن قيل: بأنها فريضة مستقلة فالخطبتان وعظ وتذكير، وذلك لا يشترط لها طهارة، وأقل ما يجزىء في الخطبة أن يحمد الله - تعالى - ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية من القرآن، وكذلك في الخطبة الثانية إلا أن الواجب بدلاً من قراءة الآية الدعاء في قول أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد، أو التسبيح، أو التكبير أجزأه. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم الخطبة. وقال ابن عبد البر: وهذا أصح ما قيل في ذلك. قال القرطبي: "والسكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سُنَّة". قوله: {مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ}. "ما" موصولة مبتدأ، و"خير" خبرها. والمعنى: ما عند الله من ثواب صلاتكم خيرٌ من لذَّة لهوكم، وفائدة تجارتكم. وقيل: ما عندكم من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم. وقرأ أبو رجاء العطاردي: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين آمنوا}. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِين}. أي: خير من رَزَقَ وأعْطَى، فمنه فاطلبوا واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيْرَي الدنيا والآخرة. قال ابن الخطيب: قوله {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِين} من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين، والمعنى: إن أمكن وجودُ الرازقين فهو خيرُ الرازقين. وقيل: لفظ الرَّازق لا يطلقُ على غيره إلا بطريقِ المجازِ. فإن قيل: التِّجارةُ واللَّهْوُ من قبيل ما لا يرى غالباً، فكيف يصحُّ قوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً}؟. فالجواب: ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، كقوله: {أية : حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 6] إذ الكلام غيرُ مسموعٍ. وروى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ الجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ بعددِ مَنْ ذَهبَ إلى الجُمعةِ من مِصْرٍ مِنْ أمْصَارِ المُسْلمينَ ومَنْ لَمْ يَذْهَبْ ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏إن زعمتم أنكم أولياء لله‏} ‏ قالوا‏:‏ نحن أبناء الله واحباؤه، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يتمنونه أبداً، بما قدمت أيديهم‏} ‏ قال‏:‏ عرفوا أن محمداً نبي الله فكتموه، وقالوا‏:‏ نحن أبناء الله وأحباؤه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم‏}‏ قال‏:‏ إن سوء العمل يكره الموت شديدا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال‏:‏ تلا قتادة ‏ {‏ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة‏} ‏ قال‏:‏ إن الله أذل ابن آدم بالموت لا أعلمه إلا رفعه‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه ‏ ‏‏حديث : عن أبي هريرة قال‏:‏ قلت يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة‏؟‏ قال‏: "لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا فيها بدعوة استجاب له‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏حديث : ‏"أتدري ما يوم الجمعة‏؟‏" قال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قالها ثلاث مرات، ثم قال‏‏ ‏في الثالثة: "هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل فيحسن طهوره، ويلبس أحسن ثيابه، ويصيب من طيب أهله، إن كان لهم طيب، وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فيجلس وينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كانت كفارة ما بين الجمعة ما اجتنيت الكبائر، وذلك الدهر كله‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال:‏ خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك ولا أرض ولا سماء ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن سعد بن عبادة حديث : أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير‏؟‏ قال‏:‏ "فيه خمس خصال‏:‏ فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل ولا ريح إلا يشفقن من يوم الجمعة‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏في سبعة أيام يوم اختاره الله على الأيام كلها يوم الجمعة، فيه خلق الله السموات والأرض، وفيه قضى الله خلقهن، وفيه خلق الله الجنة والنار، وفيه خلق آدم، وفيه أهبطه من الجنة وتاب عليه، وفيه تقوم الساعة ليس شيء من خلق إلا وهو يفزع من ذلك اليوم شفقة أن تقوم الساعة إلا الجن والانس ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئاتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة لأهلها يحفون بها كالعروس يهدي إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانها كالثلج بياضهم، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرفون تعجباً حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : سيد الأيام يوم الجمعة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه النفخة وفيه الصعقة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ لم تطلع الشمس في يوم هو أعظم من يوم الجمعة إنها إذا طلعت فزع لها كل شيء إلا الثقلان اللذان عليهما الحساب والعذاب‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ إن يوم الجمعة لتفزع له الخلائق إلا الجن والإِنس وأنه ليضاعف فيه الحسنة والسيئة، وإنه ليوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ الحسنة تضاعف يوم الجمعة‏.‏ وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عمر قال‏:‏حديث : نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده شبه مرآة فيها نكتة سوداء، فقال يا جبريل‏:‏ ما هذه‏؟‏ قال‏:‏ هذه الجمعة‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، فقلت يا جبريل‏:‏ ما هذه‏؟‏ قال‏:‏ هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ لكم فيها خير، قلت‏:‏ وما لنا فيها‏؟‏ قال‏:‏ تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لك‏.‏ قلت‏:‏ وما لنا فيها‏؟‏ قال‏:‏ لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً من الدنيا والآخرة هو لكم قسم إلا أعطاه إياه، وليس له قسم إلا ادخر له عنده ما هو أفضل منه، أو يتعوّذ به من شر هو عليه مكتوب إلا صرف عنه من البلاء ما هو أعظم منه، قلت له‏:‏ وما هذه النكتة فيها‏؟‏ قال‏:‏ هي الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن ندعوه يوم القيامة، يوم المزيد، قلت‏:‏ مم ذاك‏؟‏ قال‏:‏ لأن ربك اتخذ في الجنة وادياً من مسك أبيض، فإذا كان يوم القيامة هبط من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، وينزل أهل الغرف حتى يجلسوا على ذلك الكثيب، ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى ثم يقول‏:‏ سلوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيقول‏:‏ رضاي أحلكم داري وأنا لكم كريم، متى تسألوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيشهدهم أني قد رضيت عنهم، فيفتح لهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، وذلكم مقدار انصرافكم من يوم الجمعة، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي درة بيضاء ليس فيها وصم ولا فصم، أو درة حمراء، أو زبرجدة خضراء فيها غرفها وأبوابها مطروزة، وفيها أنهارها وثمارها متدلية، قال‏:‏ فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا إلى ربهم نظراً، وليزدادوا منه كرامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن في الجمعة لساعة ما دعا الله فيها عبد مسلم بشيء إلا استجاب له‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطي سؤله، قيل‏:‏ أي ساعة هي‏؟‏ قال‏: هي أن تقام الصلاة إلى الانصراف فيها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تفتح فيه أبواب الرحمة، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئاً إلا أعطاه، قيل وأي ساعة‏؟‏ قال‏:‏ إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة‏. وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، وإن فيه لساعة تفتح أبواب الرحمة، فقيل‏:‏ أي ساعة‏؟‏ قالت‏:‏ حين ينادي بالصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا‏:‏ الساعة التي تذكر في الجمعة، قال‏:‏ فقلت‏:‏ هي الساعة اختار الله لها أوفى فيها الصلاة، قال‏:‏ فمسح رأسي وبرك عليّ وأعجبه ما قلت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة قال‏:‏ إني لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات إذا أذن المؤذن أو جلس الإِمام على المنبر، أو عند الإِقامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ هي عند زوال الشمس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‏:‏ هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بردة قال‏:‏ إن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة حين يقوم الإِمام في الصلاة حتى ينصرف منها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن حصيرة في الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين خروج الإِمام إلى أن تقضى الصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال‏:‏ إن الساعة التي ترجى في الجمعة بعد العصر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏"حديث : إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه، فقال رجل‏:‏ يا رسول الله ماذا أسأله‏؟‏ قال‏: سل الله العافية في الدنيا والآخرة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهوره وادهن من دهنه أو مس طيباً من بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا تكلم الإِمام إلا غفر له ما بينه إلى الجمعة الأخرى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد قال‏:‏ كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان أن ينادي المنادي إذا جلس الإِمام على المنبر، فلما تباعدت المساكن وكثر الناس أحدث النداء الأول، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى، قال‏:‏ فكنا في زمان عمر نصلي، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة وتحدثنا، فربما أقبل عمر على بعض من يليه فسألهم عن سوقهم وقد أمهم والمؤذن يؤذن، فإذا سكت المؤذن قام عمر فتكلم ولم يتكلم حتى يفرغ من خطبته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏{‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏}‏ قال‏:‏ هو الوقت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏} ‏ قال‏:‏ النداء عند الذكر عزمة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان عن ابن عباس قال‏:‏ الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال‏:‏ جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار‏:‏ لليهود يوم تجمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره، فقالوا‏:‏ يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ الآية‏. وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال‏:‏حديث : ‏ أذن النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير‏ "أما بعد، فأنظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نسائكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين" ‏قال‏:‏ فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فجمع بعد الزوال من الظهر وأظهر ذلك‏ . تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت له يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الآذان للجمعة ما هو‏؟‏ قال‏:‏ إنه أول من جمع بنا في نقيع يقال له نقيع الخضمات من حرة بني بياضة‏.‏ قلت‏:‏ كم كنتم يومئذ‏ٍ؟‏ قال‏:‏ أربعون رجلاً‏.‏ وأخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال‏:‏ أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلاً‏.‏ وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن ابن شهاب قال‏:‏ ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من قباء، فمر على بني سالم، فصلى فيهم الجمعة ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن ماجة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بركة له، حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه "‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن عباس قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد المنبر‏:‏ ‏"حديث : ‏لينتهين أقوام عن ترك الجمعة والجماعات، أو ليطمسن الله على قلوبهم وليكتبن من الغافلين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة بن جندب مرفوعاً ‏"‏من ترك الجمعة من غير عذر طمس على قلبه‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم عن أبي قتادة مرفوعاً ‏"‏من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه‏"‏‏.‏ وأخرج النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من حديث جابر مثله‏.‏ وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي الجعد الضمري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى والمروزي في الجمعة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمس خلال‏:‏ خلق آدم فيه، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وتوفي فيه آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه إلا أعطاه، ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ميمون بن أبي شعيب قال‏:‏ أردت الجمعة في زمن الحجاج، فتهيأت للذهاب، ثم قلت‏:‏ أين أذهب أصلي خلف هذا، فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏‏. ‏قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذكر الله‏} ‏ الآية‏. أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال‏:‏ رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه ‏ {‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏} ‏ فقال‏:‏ من أملى عليك هذا‏؟‏ قلت‏:‏ أبيّ بن كعب‏.‏ قال‏:‏ إن أبياً أقرؤنا للمنسوخ قرأها ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ قيل لعمر‏:‏ إن أبياً يقرأ ‏ {‏فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ قال عمر‏:‏ أبيّ أعلمنا بالمنسوخ، وكان يقرأها ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏.‏ وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال‏:‏ ما سمعت عمر يقرأها قط إلا ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال‏:‏ ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال‏:‏ لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏ قال‏:‏ ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود‏:‏ ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏ وهو كقوله‏:‏ ‏{أية : ‏إن سعيكم لشتى‏}‏ ‏تفسير : [الليل: 4‏].‏ وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبيّ بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأها ‏"‏فامضوا إلى ذكر الله‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذكر الله‏} ‏ قال‏:‏ فامضوا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏فاسعوا إلى ذكر الله‏} ‏ قال‏:‏ ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فاسعوا إلى ذكر الله‏} ‏ قال‏:‏ السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها‏.‏ قال الله‏:‏ ‏{‏أية : فلما بلغ معه السعي‏}تفسير : ‏ ‏[الصافات: 102‏]‏ قال‏:‏ لما مشى مع أبيه‏. وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال‏:‏ كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال‏:‏ قم لنسعى إليها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ قال‏:‏ الذهاب والمشي‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال‏:‏ إنما السعي العمل، وليس السعي على الأقدام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال‏:‏ السعي العمل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال‏:‏ خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء، فرفعت في المشي لقول الله‏ ‏ {‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ فجذبني جذبة فقال‏:‏ أولسنا في سعي‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب في قوله‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ قال‏:‏ موعظة الإِمام‏.‏ أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : حرمت التجارة يوم الجمعة ما بين الأذان الأول إلى الإِقامة إلى انصراف الإِمام، لأن الله يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر‏}‏ إلى ‏{‏وذروا البيع‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب فيدعونه ويقومون فيما هم إلا بيعاً حتى تقام الصلاة فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع‏}‏ قال‏:‏ فحرم عليهم ما كان قبل ذلك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال‏:‏ الأذان الذي يحرم فيه البيع هو الأذان الذي عند خروج الإِمام‏.‏ قال‏:‏ وأرى أن يترك البيع الآن عند الأذان الأول‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم الشراء والبيع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ إذا زالت الشمس من يوم الجمعة حرم البيع والتجارة حتى تقضى الصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن أنهما قالا‏:‏ ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال‏:‏ لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون‏:‏ حرم البيع، وذلك عند خروج الإِمام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال‏:‏ كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون في الأسواق‏:‏ حرم البيع حرم البيع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله في يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه، فاشتروا منه، وخرج القاسم إلى الجمعة، فوجد الإِمام قد خرج، فأمرهم أن يناقضوه البيع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ من باع شيئاً بعد الزوال يوم الجمعة فإن بيعه مردود لأن الله تعالى نهى عن البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ هل تعلم من شيء يحرم إذا أذن بالأولى سوى البيع‏؟‏ قال عطاء‏:‏ إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها هي بمنزلة البيع والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً قلت‏:‏ إذا نودي بالأولى وجب الرواح حينئذ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ من أجل قوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فليدع حينئذ كل شيء وليرح‏. أخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبدالله بن بسر الحراني قال‏:‏ رأيت عبدالله بن بشر المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له‏:‏ لأي شيء تصنع هذا‏؟‏ قال‏:‏ لأني رأيت سيد المرسلين هكذا يصنع، وتلا هذه الآية ‏ {‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يصلي بالناس الجمعة، فإذا سلم صاح ‏ {‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله‏}‏ فيبتدر الناس الأبواب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعطاء ‏{‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض‏} ‏ قالا‏:‏ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ هو إذن من الله، فإذا فرغ فإن شاء خرج، وإن شاء قعد في المسجد‏. وأخرج ابن جرير عن أنس قال‏:‏ ‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله‏} ‏ قال‏:‏ "‏ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله"‏‏‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله‏} ‏ قال‏:‏ لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله‏. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من صلى الجمعة فصام يومه وعاد مريضاً وشهد جنازة وشهد نكاحاً وجبت له الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا رأوا تجارة‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله ‏{‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏}‏ إلى آخر السورة‏. وأخرج البزار عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدم دحية بن خليفة يبيع سلعة له، فما بقي في المسجد أحد إلا نفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، فأنزل الله ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما‏ً} ‏ قال‏:‏ قدم دحية الكلبي بتجارة، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما‏ً} ‏ قال‏:‏ حديث : جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة، بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قدمت عير المدينة يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فانفض أكثر من كان في المسجد، فأنزل الله في هذه الآية ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏}‏ ‏. وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال‏:‏ إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف، فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏}‏ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقوم قائماً، وإن دحية الكلبي كان رجلاً تاجراً، وكان قبل أن يسلم‏:‏ قدم بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به ويشترون منه، فقدم ذات يوم ووافق الجمعة، والناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهو قائم يخطب، فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو، فذلك اللهو الذي ذكر الله، فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارة عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، وسمعوا أصواتاً، فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ليس معه كبير عدة أحد، فبلغني والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة قليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏: "‏لولا هؤلاء، يعني الذين بقوا في المسجد؛ عند النبي صلى الله عليه وسلم: لقصدت إليهم الحجارة من السماء"‏‏تفسير : ونزل ‏ {‏قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، فإذا كان نكاح لعب أهله وعزفوا ومروا باللهو على المسجد، وإذا نزل بالبطحاء جلب قال‏:‏ وكانت البطحاء مجلساً بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعراب إذا جلبوا الخيل والإِبل والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا للهو والتجارة وتركوه قائماً، فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏} ‏ قال‏:‏ رجال يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يقدمون يبتغون التجارة واللهو‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ حديث : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ قدمت عير المدينة فانفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق معه إلا رهط منهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً"‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏حديث : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل‏:‏ جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال‏:‏ "‏كم أنتم فعدوا‏" أنفسكم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل‏:‏ جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال‏:‏ "كم أنتم" فعدوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال‏: "والذي نفس محمد بيده لو أتبع آخركم أولكم لالتهب الوادي عليكم ناراً"‏‏تفسير : وأنزل الله فيها ‏ {‏وإذا رأوا تجارة‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أو لهواً‏} ‏ قال‏:‏ هو الضرب بالطبل‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال‏:‏ حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة أقبل شاء وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏لو تتابعتم لتأجج الوادي ناراً" ‏‏‏.‏ ‏‏تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود أنه سئل‏:‏ أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعدا‏ً؟‏ قال‏:‏ أما تقرأ ‏ {‏وتركوك قائما‏ً}‏ ‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مرديه والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال‏:‏ انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله‏:‏ ‏{‏وتركوك قائما‏ً}‏‏ .‏ وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما‏ً.‏ وأخرج أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة قال‏:‏ كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب خطبتين يجلس بينهما‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ‏ {‏وتركوك قائما‏ً}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة قال‏:‏ سألت أبا عبيدة رضي الله عنه عن الخطبة يوم الجمعة، فقرأ ‏ {‏وتركوك قائما‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وإن أوّل من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال‏:‏ الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‏:‏ إنما خطب معاوية قاعداً حين كثر شحم بطنه ولحمه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه الكريم، فقال‏:‏ السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن سمرة قال‏:‏ كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصراً وصلاته قصرا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال‏:‏ إنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ‏ {‏وتركوك قائما‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في شعب الإِيمان والديلمي حديث : عن الحسن البصري قال‏:‏ طلبت خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقال‏:‏ كان يخطب فيقول في خطبته يوم الجمعة‏:‏ "‏يا أيها الناس إن لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزوّد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خلقتم للآخرة، والدنيا خلقت لكم والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار، وأستغفر الله لي ولكم" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن شهاب قال‏:‏ بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب‏:‏ ‏"‏حديث : كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً ويريد الله أمراً، وما شاء الله كان، ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ} أيْ فُعِلَ النداءُ لهَا أيْ أُذِّنَ لَهَا {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} بـيانٌ لإذَا وتفسيرٌ لهَا وقيلَ من بمَعْنَى في كَما في قولِهِ تعالَى: { أية : أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [سورة فاطر، الآية 40] أيْ في الأرضِ وإنَّما سمِّي جمعةً لاجتماعِ الناسِ فيهِ للصلاةِ وقيلَ أولُ مَنْ سمَّاها جمعةً كعبُ بنُ لُؤَي وكانتِ العربُ تسميهِ العَرُوبَةَ وقيلَ إنَّ الأنصارَ قالُوا قبلَ الهجرةِ لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيهِ بكُلِّ سبعةِ أيامٍ وللنَّصارَى مثلُ ذلكَ فهلمُّوا نجعلْ لَنَا يوماً نجتمعُ فيهِ فنذكرُ الله فيهِ ونُصلِّي فقالُوا يومُ السبتِ لليهودِ ويومُ الأحدِ للنَّصارَى فاجعلُوه يومَ العَروبَةِ فاجتمعُوا إلى سعدِ بنِ زُرارةَ فصلَّى بهمْ ركعتَينِ وذكَّرَهُم فسمَّوه يومَ الجمعةِ لاجتماعِهِم فيهِ فأنزلَ الله آيةَ الجمعةِ فهيَ أولُ جمعةِ كانتْ في الإسلامِ. وأما أولُ جمعةً جَمَّعها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فهُو أنَّه لما قدمَ المدينةَ مُهَاجِراً نزلَ قُبَاءَ على بني عمرو بنِ عوفٍ وأقامَ بها يومَ الاثنينِ والثَّلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ وأسَّس مسجدَهُم ثم خرجَ يومَ الجمعةِ عامداً المدينةَ فأدركتْهُ صلاةُ الجمعةِ في بني سالمِ بنِ عوفٍ في بطنِ وادٍ لهم فخطبَ وصلَّى الجمعةَ {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أيْ امشُوا واقْصِدُوا إلى الخطبةِ والصلاةِ {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} واتركُوا المعاملةَ {ذٰلِكُمْ} أي السعيُ إلى ذكرِ الله وتركُ البـيعِ {خَيْرٌ لَّكُمْ} منْ مباشرتِهِ فإنَّ نفعَ الآخرةِ أجلُّ وأبقَى {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أيْ الخيرَ والشرَّ الحقيقينِ أوْ إِنْ كنتم أهلَ العلمِ. {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ} أي أُدِّيتْ وفُرغَ منهَا {فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} لإقامةِ مصالِحِكم {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي الربحَ فالأمرُ للإطلاقِ بعدَ الحظرِ وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا لَمْ يؤمُروا بطلبِ شيءٍ من الدُّنيا إنَّما هو عيادةُ المرضَى وحضورُ الجنائزِ وزيارةُ أخٍ في الله وعنِ الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيِّبِ طلبُ العلمِ وقيلَ صلاةُ التطوعِ {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} ذِكراً كثيراً أو زماناً كثيراً ولا تخصوا ذكرَهُ تعالَى بالصلاةِ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} كي تفوزُوا بخيرِ الدارينِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 9]. قال النصرآباذى: العوام فى قضاء الحوائج فى الجمعات والخواص فى السعى إلى ذكره لاستغنائهم بالغنى لم تبق لهم حاجة لعلمهم أنَّ المقادير قد جرت فلا زيادة فيها ولا نقصان ولكنهم يسعون إلى ذكره سعى مشتاق إلى مذكوره يطلب منه محل القربة إليه والدّنو منه.

القشيري

تفسير : أوْجَبَ السَّعْيَ يومَ الجمعة إذا نودِيَ لها، وأمَرَ بِتَركِ البيع. ومنهم من يحمله على الظاهر؛ أي تَرْك المعاملة مع الخَلْقِ، ومنهم من يحمله عليه وعلى معنىً آخر: هو تَرْكُ الاشتغال بملاحظة الأعراض، والتناسي عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر؛ فمنهم مَنْ يسعى إلى ذِكْرِ الله، ومنهم من يسعى إلى الله، بل يسعون إلى ذِكْرِ الله جَهْراً بِجَهْرٍ، ويسعون إلى الله تعالى سِرًّا بسِرٍّ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} لما جرى حديث البيع والتجارة دعاهم الى ذكره بنعت السرعة والاستباق والا دعا الكل فى الازل الى نفسه فان الذكر عند المذكور حجاب والسعى الى الذكر مقام المريدين والمحقق فى المعرفة غلب عليه ذكر الله اياه بنعت تجلى نفسه لقلبه قال النصر ابادى العوام فى قضاء الحوائج فى الجمعات والخواص فى السعى الى ذكره لاستغنائهم بالغنى لم يبق لهم حاجة لعلمهم بالمقادير قد جرت فلا زيادة فيها لا نقصان لكنهم يسعون الى ذكره سعى مشتاق الى مذكوره بطلب منه محل القربة اليد والدنو منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ياأيها الذين آمنوا اذا نودى للصلاة} الندآء رفع الصوت وظهوره ونداء الصلاة مخصوص فى الشرع بالالفاظ المعروفة والمراد بالصلاة صلاة الجمعة كما دل عليه يوم الجمعة والمعنى فعل الندآء لها اى اذن لها والمعتبر فى تعلق الامر الآتى هو الاذان الاول فى الاصح عندنا لان حصول الاعلام به لا الاذان بين يدى المنبر وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان اذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فاذا نزل اقام الصلاة ثم كان ابو بكر وعمر رضى الله عنهما على ذلك حتى اذا كان عثمان رضى الله عنه وكثرت الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر فأمر بالتأذين الاول على دار له بالسوق يقال لها الزورآء ليسمع الناس فاذا جلس على المنبر اذن المؤذن الثانى فاذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه {من يوم الجمعة} بضم الميم وهو الاصل والسكون تخفيف منه ومن بيان لاذا وتفسير لها اى لا بمعنى انها لبيان الجنس على ماهو المتبادر فان وقت الندآء جزء من يوم الجمعة لايحمل عليه فكيف يكون بيانا له بل المقصود انها لبيان ان ذلك الوقت فى اى يوم من الايام اذ فيه ابهام فتجامع كونها بمعنى فى كما ذهب اليه بعضهم وكونها للتبعيض كما ذهب اليه البعض الآخر وائما سمى جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة فهو على هذا الاسم اسلامى وقيل اول من سماه جمعة كعب بن لؤى بالهمزة تصغير لأى سماه بها لاجتماع قريش فيه اليه وكانت العرب قبل ذلك تسميه العروبة بمعنى الظهور وعروبة وباللام يوم الجمعة كما فى القاموس وقان ابن الاثير فى النهاية الافصح انه لايدخلها الالف واللام وقيل ان الانصار قالوا قبل الهجرة لليهود يوم يجمعون فيه فى كل سبعة ايام وللنصارى مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلى فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا الى سعد بن زرارة رضى الله عنه بضم الزاى فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه وحين اجتمعوا ذبح لهم شاة فتعشوا وتغذوا منها لقلتهم وبقى فى اكثر القرى التى يقال فيها الجمعة عادة الاطعام بعد الصلاة الى يومنا هذا فأنزل الله آية الجمعة فهى اول جمعة فى الاسلام واما اول جمعة جمعها رسول الله عليه السلام فهى انه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول حين امتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ الاسلامى فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس واسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف فى بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم فى ذلك الموضع مسجدا فخطب وصلى الجمعة وهى اول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها "حديث : الحمد لله واستعينه واستهديه وأومن به ولا اكفره واعادى من يكفر به وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا اوصيكم بتقوى الله فان خير ما أوصى به المسلم المسلم ان يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله واحذر ماحذركم الله من نفسه فان تقوى من عمل به ومخافته من ربه عنوان صدق على مايبغيه من الآخرة ومن يصلح الذى بينه وبين الله من امره فى السر والعلانية لاينوى به الا وجه الله يكون له ذكرا عاجل امره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ماقدم وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه امدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد هو الذى صدق قوله وانجز وعده ولا خلف لذلك فانه يقول مايبدل القول لدى وما انا بظلام للعبيد فاتقوا الله فى عاجل امركم وآجله فى السر والعلانية فانه مايتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له اجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وان تقوى الله توقى مقته وتوقى عقوبته وتوقى سخطه وان تقوى الله تبيض الوجه وترضى الرب وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولاتفرطوا فى جنب الله فقد علمكم فى كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما احسن الله اليكم وعادوا اعدآءه وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة ولاحول ولاقوة الا بالله فاكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت فان من يصلح مابينه وبين الله يكفر الله مابينه وبين الناس ذلك بان الله يقضى على الناس ويقضون عليه ويملك من الناس ولايملكون منه الله اكبر ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم"تفسير : انتهت الخطبة النبوية ثم ان هذه الآية رد لليهود فى طعنهم للعرب وقولهم لنا السبت ولا سبت لكم {فاسعوا الى ذكر الله} قال الراغب السعى المشى السريع وهو دون العدو اى امشوا واقصدوا الى الخطبة والصلاة لاشتمال كل منهما على ذكر الله وما كان من ذكر رسول الله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين واتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو فى حكم ذكر الله واما ماعدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم احقاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل كما فى الكشاف وبالفارسية رغبت كنيد بدان وسعى نماييد دران. وعن الحسن رحمه الله اما والله ماهو بالسعى على الاقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيات والخشوع والابتكار ولقد ذكر الزمخشرى فى الابتكار قولا وافيا حيث قال وكانت الطرقات فى ايام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة اى مملوءة بالمبكرين الى الجمعة يمشون بالسرج وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على ابواب المسجد بأيديهم صحف من فضة واقلام من ذهب يكتبون الاول فالاول على مراتبهم فاذا خرج الامام طويت الصحف واجتمعوا للخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنه ثم الذى يليه كالمهدى بقرة ثم الذى يليه كالمهدى شاة حتى ذكر الدجاجة والبيضة"تفسير : وفى عبارة السعى اشارة الى النهى عن التثاقل وحث على الذهاب بصفاء قلب وهمة لابكسل نفس وغمة وفى الحديث "حديث : اذا اذن المؤذن اى فى الاوقات الخمسة ادبر الشيطان وله حصاص"تفسير : وهو بالضم شدة العدو وسرعته وقال حماد بن سلمة قلت لعاصم بن أبى النجود ما الحصاص قال اما رأيت الحمار اذا اصر باذنيه اى ضمهما الى رأسه ومصع بذنبه اى حركه وضرب به وعدا اى اسرع فى المشى فذلك حصاصه وفيه اشارة الى ان ترك السعى من فعل الشيطان وهذا بالنسبة الى غير المريض والاعمى والعبد والمرأة والمقعد والمسافر فانهم ليسوا بمكلفين فهم غير منادين اى لاسعى من المرضى والزمنى والعميان وقد قال تعالى {فاسعوا} واما النسوان فهن امرن بالقرار فى البيوت بالنص والعبد والمسافر مشغولان بخدمة المولى والنقل قال النصر آبادى العوام فى قضاء الحوآئج فى الجمعات والخواص فى السعى الى ذكره لعلمهم بأن المقادير قد جرت فلا زيادة ولا نقصان وقال بعضهم الذكر عند المذكور حجاب والسعى الى ذكر الله مقام المريدين يطلبون من المذكور محل قربة اليه والدنو منه واما المحقق فى المعرفة وقد غلب عليه ذكر الله اياه بنعت تجلى نفسه لقلبه {وذروا البيع} يقال فلان يذر الشىء اى يقذفه لقلة اعتداده به ولم يستعمل ماضيه وهو وذر اى اتركوا المعاملة فالبيع مجاز عن المعاملة مطلقا كالشرآء والاجارة والمضاربة وغيرها ويجوز ابقاء البيع على حقيقته ويلحق به غيره بالدلالة وقال بعضهم النهى عن البيع يتضمن النهى عن الشرآء لانهما متضايفان لايعقلان الا معا فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر واراد الامر بترك مايذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وانما خص البيع والشرآء من بينها لان يوم الجمعة يوم تجمع فيه الناس من كل ناحية فاذا دنا وقت الظهيرة يتكاثر البيع والشرآء فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول عن ذكر الله والمضى الى المسجد قيل لهم بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا الى ذكر الله الذى لاشىء انفع منه واربح وذروا البيع الذى نفعه يسير وربحه قليل {ذلكم} اى السعى الى ذكر الله وترك البيع {خير لكم} من مباشرته فان نفع الآخرة اجل وابقى {ان كنتم تعلمون} الخبر والشر الحقيقين روى انه عليه السلام خطب فقال "حديث : ان الله افترض عليكم الجمعة فى يومى هذا وفى مقامى هذا فمن تركها فى حياتى وبعد مماتى وله امام عادل او جائر من غير عذر فلا بارك الله له ولاجمع الله شمله ألا فلا حج له ألا فلا صوم له ومن تاب تاب الله عليه "

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}، والإمام على المنبر، و"مِن" بيان لـ"إذا" أو تفسير لها، وقيل: "مِن" بمعنى "في" كقوله: {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِن ألأَرْضِ } تفسير : [فاطر:40 و الأحقاف:4] أي: في الأرض. وإنما سُمي جُمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أول مَن سمّاها جمعة: كعب بن لؤي، وكان يُسمى العروبة، وقيل: إنَّ الأنصار قالوا قبل الهجرة: لليهود يومٌ يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلُموا نجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله نُصلّي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم الجمعة، فاجتعوا إلى سعد بن زُرارة، فصلَّى بهم ركعتين، وذكَّرهم، فسموه يومَ الجمعة، لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة ـ أي: بعد ذلك ـ تقريراً لفعلهم، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فهي لمَا قَدِم المدينةَ مهاجراً، نزل قباء، على بني عَمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء الأربعاء والخميس، وأسّس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً إلى المدينة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، في بطن وادٍ لهم، وقد بنوا هناك مسجداً، فخطب، وصلّى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. ويوم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث: "حديث : مَن مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووُقي فتنة القبر ". تفسير : فإذا نُودي للصلاة {فاسْعَوا إِلى ذكر الله} أي: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة {وذَرُوا البيع} أي: اتركوا المعاملة كلها، وإنما خص البيع؛ لأنّ يوم الجمعة كان سوقًا يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، فقيل لهم: بادِروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، {واسْعَوا إِلى ذكر الله} الذي لا شيء أنفع منه، {ذالكم} أي: السعي إلى ذكر الله {خيرٌ لكم} من البيع والشراء {إِن كنتم تعلمون} الخير والشر الحقيقيين، أو: إن كنتم من أهل العلم. {فإِذا قُضِيَتِ الصلاةُ} أي: أُدّيت وفرغ منها {فانتشِرُوا في الأرض}، أمْرُ إباحة، أي: اخرجوا لإقامة مصالحكم، {وابتغوا من فضل الله}؛ الرزق، قال ابن عباس: "إنما هي عيادة المريض، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله" ومثله في الحديث، وعن الحسن: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوُّع. {واذكروا اللهَ كثيراً}، أي: ذكراً كثيراً, أو زمناً كثيراً، ولا تخصُّوا ذكره بالصلاة، {لعلكم تُفلحون} أي: كي تفوزوا بخير الدارين. {وإِذا رأَوْا تجارةً أو لهواً انفَضُّوا إِليها}، حديث : رُوي أنّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقَدِم دِحْيَة بن خَليفةَ، بتجارة من زيت الشام، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليها؛ خشية أن يُسبقوا إليه، فما بقي معه عليه السلام إلاّ ثمانية، أو اثنا عشر؛ العشرة المبشَّرون بالجنة، وبلال وابن مسعود، وقيل: أربعون، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي تنعقد بهم وتجب عليهم، فقال مالك: تنعقد باثني عشر غير الإمام، وتجب على قرية يُمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب، وقال الشافعي: أربعون رجلاً وقال أبو حنيفة: لا بد من المصر الجامع، والسلطان القاهر، وتصح الصلاة عنده بأربعة. ولمّا انفضُّوا قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو قاموا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً " تفسير : . وفي مراسيل أبي داود: إنّ الخطبة كانت بعد الصلاة، فتأو‍ّلوا ـ رضي الله عنهم ـ أنهم قد قضوا ما عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. هـ. وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو. وتخصيص التجارة برجْع الضمير إليها؛ لأنها المقصودة، أو لأن الانفضاض إذا كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموماً، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو، فهو مذموم في نفسه، وقيل: التقدير: إذا رأوا تجارة انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان: وإنما قال: "إليها"، ولم يقل: إليهما، لأن العطف بـ"أو" لا يثنى فيه الضمير، بل يفرد، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أنَّ التجارة إذا شغلت المكلّف عن الذكر عُدت لهواً، وتعد فضلاً إن لم تشغله، كما ذكر قبل ذلك، فراجعه. {وتَركُوك قائمًا} على المنبر، وفيه دليل على طلب القيام في الخطبة إلاَّ لعذر. {قل ما عند الله} من الثواب {خير من اللهو ومن التجارة} فإنَّ في ذلك نفع محقق دائم، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. {واللهُ خيرُ الرازقين} فإليه اسعوا،ومنه اطلبوا الرزق، أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين. الإشارة: إذا نُودي لصلاة القلوب في مقام الجمع، من ناحية الداعي إليها، وهم المشايخ العارفون، فاسعوا إلى ذكر الله، ودُوموا عليه باللسان والقلب، ثم بالقلب فقط، ثم بالروح، ثم بالسر، فإنَّ الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، قال الورتجبي بعد كلام: الساعي إلى الذكر مقام المريدين، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت تجلِّي نفسه لقلبه. هـ. {وذّرُوا البيع} أي: اتركوا كلَّ ما يشغل عن الله، فلا تتجلى الحقائق إلاّ بعد ترك العلائق، ذلكم، أي: ترك كل شاغل، خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون، أي: إن كنتم من أهل العلم بالله فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض... الخ، أي: إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء؛ فانتشِروا في أرض العبودية، واتسعوا في ميادين البشرية، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، وابتغوا من فضل الله، بالتجارات الرابحة، وهي إرشاد العباد إلى الله، {واذكروا الله كثيراً} أي: في كل شيء وعند كل شيء، برؤية الحق في كل شيء، وإليه تُشير وصيته صلى الله عليه وسلم لمُعاذ بقوله: "حديث : واذكر الله عند كل حَجر وشجر ". تفسير : وقوله تعالى: {وإِذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إِليها}، قال القشيري: يشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة ـ وهو السالك الأبتر ـ إذا رأوا تجارة، أي: طاعة تُوجب ثواب الآخرة، يقومون إليها، ويَثبون عليها، نظراً إلى ثواب الآخرة، كما قال عليه السلام: "حديث : لا تكونوا كالأجير السوء، إن أُعطي عمل، وإن لم يُعطَ لم يعمل"تفسير : ، أو لهواً أطرب النفس برؤية الطاعة واستِلْذَاذها بنظر الخلق إليها، انفضُّوا إليها وتركوك ـ أيها السالك الحقيقي ـ قائماً بعبودية الحق، ومشاهدة قيوميته، قل: ما عند الله من المواهب العالية، والعطايا السنية، خيرٌ من لهو النفس برؤية الغير، ومن التجارات بثواب الآخرة، لقوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلآ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً } تفسير : [الكهف:110] أو: ما عند الله نَقْداً للعارفين من واردات القلوب، وبواده الحقيقية، خير مما يؤمل من الدنيا والآخرة للغافلين، والله خير الرازقين، لإعطائه رزق النفس، وهو الطاعة على المنهاج والشرع، ورزق القلب، وهو الأعمال القلبية، كالزهد والورع والرضا والتسليم والمراقبة، والبسط والقبض، والأُنس والهيبة، ورزق الروح بالتجليات والمشاهدات، والمعاينات والتنزُّلات، ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. هـ. قال الورتجبي: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ، بخلواتهم وعباداتهم، لطلب الكرامة, ولم يعلموا أنَّ ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم لَهْوٌ. هـ. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد، عين عيان التحقيق, وعلى آله وصحبه وسلّم.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وفيه إشراقات: الإشراق الأوّل في اللغة والقراءة قال الشيخ أبو علي الطبرسي (ره): "الجُمْعة" و "الجُمُعة" لغتان وجمعهما "جُمَع" و "جُمْعَات"، قال الفرّاء: وفيه لغة ثالثة: "جُمَعَة" - بفتح الميم - كضُحَكة وهُمَزة. وفي الكشّاف: يوم الجُمْعَة يوم الفوج المجموع كقولهم: "ضُحْكَة" للمضحوك منه. ويوم الجُمَعة - بفتح الميم - يوم الوقت الجامع كقولهم "ضُحَكَة" و "لُعَنَة" و "لُعَبَة"، ويوم الجُمْعَة تثقيل للجُمْعَة كما قيل: عُسُرة في عُسرة، وقرئ بالوجود الثلاثة. و "مِن" بيانيّة مفسّرة لـ "إذا". و "النداء" الأذان. وقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤذّن واحد، وكان إذا جلس على المنبر أذّن المؤذّن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، وكان ذلك مستمرّا إلى زمان عثمان، فكثر الناس، وتباعدت المنازل، فأحدث الأذان الثاني، فزاد مؤذّنا آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمّى زوراء، فإذا جلس على المنبر أذّن المؤذّن الثاني، فإذا نزل أقام الصلاة. وإنّما سمّيت جمعة لأنّ الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء، فاجتمعت فيه المخلوقات. وفيه سر سنشير إليه. وقيل: لأنّه تجتمع فيه الجماعات. وقيل: إنّ أوّل من سمّاها جمعة كعب بن لؤي، وهو أوّل من قال: "أمّا بعد". وكان يقال لها "العُروبة" - عن أبي سلمة -. وقيل: أوّل من سمّاها جمعة الأنصار، وذكر ابن سيرين: جمع أهل المدينة قبل قدوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول هذه السورة، فقالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيّام، وللنصارى مثل ذلك، فهلمّوا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصّلي. فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العُروبَة. فاجتمعوا إلى سعد بن زارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين، وذكَّرهم فسمّوه يوم الجُمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل آية الجُمعة، فهي أوّل جمعة كانت في الإسلام. وأمّا أوّل جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي أنّه لمّا قدم المدينة مهاجراً، نزل قبا على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسّس مسجدهم، ثمّ خرج يوم الجمعة عامداً المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم، فخطب وصلّى الجمعة. الإشراق الثاني في فضل يوم الجمعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة . تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : أتاني جبرئيل وفي كفّه مرآة بيضاء، وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربُّك لتكون لك عيداً ولامّتك من بعدك. وهو سيّد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد . تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : إنّ لله في كلّ جمعة ستمائة ألف عتيق من النار . تفسير : وفي الحديث: حديث : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضّة وأقلام من ذهب، يكتبون الأوّل فالأوّل على مراتبهم . تفسير : قيل: كانت الطرقات في أيّام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصّة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسُرجُ. وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. وعن أبي جعفر (ع) يقول: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة. وروى سهل بن زياد عن أبي بصير، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال حديث : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انّ يوم الجمعة سيّد الأيّام يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئّات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات وتكشف فيه الكربات، وتقضي فهي الحوائج العظام وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعا الله فيه أحد من الناس وعرف حقّه وحرمته إلاّ كان حقّاً على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيداً وبُعث آمِناً، وما استخفّ أحد بحرمته وضيَّع حقّه إلاّ كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أن يصليه نار جهنّم إلاّ أن يتوب . تفسير : وفي فضله أحاديث كثيرة، وفيما نقلناه كفاية للمستبصر. الإشراق الثالث في الحكمة المتعلّقة بالنداء - أي الأذان - إعلم أنّه لمّا كان كلّ واحد من الأوضاع الشرعيّة مشتملاً على سر إلهي نوريّ كاشتمال الإنسان المكلّف به على لطيفة ربّانيّة نوريّة، ليكون له قربة إلى جناب الحقّ، ووصلة إلى رضوانه، ومناجاة له، ومن جملة تلك الأوضاع: الأذان، فشرع قبل الصلاة ليتنبّه ويعرض عن غير الله، ويتوجّه بشراشر قلبه وسرّه إلى جناب القدس ليتأهل لمناجاة الحقّ، لأنّ الإنسان متغيّر عمّا هو عليه حالاً بعد حال، متعرّض للانتقال والزوال، ليس له قوّة الثبات على أمر، ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جلالة قدره وعلوّ سرّه، يؤمر بالثبات والاستقامة، ويسأل الثبات على الدين والطاعة، فكأن شرع الأذان موجباً لانتباه النفوس الراقدة، معدّاً لأن تتأهل النفس لذكر الله، لأنّه معراج المؤمن، وذكر العبد لله مستلزم لذكر الله العبد، كما قال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152]. وفي الحديث القدسي: حديث : من ذَكرني في خلاء ذكرته في خلاء ومَن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . تفسير : ومعلوم أنّ من ذكَر الحقّ فقد جالَسه، لقوله تعالى: أنّا جليس من ذكرني. ومن جالَس من ذكره وهو ذو بصيرة رأى جلسيه وشاهده، ومن شاهده فقد أدركه، وهذا غاية مطلب الصدّيقين، ومآل حال أهل الله {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28]. ثمّ الأذان مجمع صفات الجلال والإكرام، وأوّل أجزائه: الله أكبر، وهو إيذان بأن الله أكبر من جميع الأشياء، بل هو أكبر من أن تنسب إليه هذه النسبة، فإنّ الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره، ووظيفة السامع من استماع هذه الكلمة الرجوع إلى الله تعالى، ورفض ما سواه الذي هو ظِلُّه، لأنّ الوجود كلّه لله من حيث ذاته ومن حيث أسمائِه الحسنى ومن حيث أفعاله لا وجود لما سواه. ولمّا كانت النوبة الأولى لم تثبت النفوس المشتغلة الماديّة غالباً، شرع التكرار لاثبات معنى الألوهيّة الجامعة لجُملة الأسماء والصفات في مرآة النفس الناطقة. ثمّ كلمة الشهادة، التي هي كالعنوان لما حصل في النفس من معنى الجزء الأوّل من التصديق الذي هو عمل القلب، والجزء الأوّل يشير إلى اثبات الواحد الحقّ، والثاني يشير إلى نفي شريكه، وقد علمتَ ممّا سبق إليك في التعاليم، أنّ الإيمان بالله يجعل للنفس استعدادً لقبول الفيض الإلهي الموجب للقربة والزلفى، وينقّي النفس عن المضارّ الدنيويّة والأخرويّة - على ما بيّن فيما سبق من تفسير آية النور -، أنّ كلمة التوحيد بمنزلة المصقلة في إزالة ظلمة الرَّيْن والطبع عن مرآة القلب. ثمّ عقّب بالكلمة الثالثة المشيرة إلى الاعتراف برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحصل لهم بذلك التزام أوامره ونواهيه، وقد علمت الاحتياج إلى وجود النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما مرّت إليه الإشارة من أنّ الناس صنفان: صنف يستوي عندهم المعقول والمحسوس - وهم الأنبياء -، وصنف لا يتعدّى نظرهم عن عالَم المحسوس - وهم أكثر الخلق - فلا بدّ لهم من مرشد يرشدهم إلى ما لا يهتدى إليه بالحسّ بل بالعقل، فإنّ للنبوّة طوراً وراء طور لا يدرك إلاّ بالكشف الشهودي، وليس لكلّ عبد أن ينال درجة النبوّة، بل رتبة الولاية، فإنّ جناب الحقّ جل عن أن يكون شريعة لكلّ وارد، أو يطّلع عليه إلاّ واحداً بعد واحد. على أنّ النبوّة قد ختمت بنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه في أعلى مرتبة العلم والحكمة، وله الدرجة العليا والزلفى، وقد طلب إبراهيم الخليل (ع) في دعائه عن الله تعالى بعَثة منه في ذريّته، حيث قال تعالى حكاية عن دعائه: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} تفسير : [البقرة:129]. ثمّ ذكر بعد كلمتي الشهادة دعوة الخلق إلى مناجاة الحقّ، وطلب الوقوف بين يدي الربّ سبحانه للدعاء والصلاة الموجبة للفلاح - وهو إدراك المُنْية والبغية، إمّا في الدنيا، كالسعادة التي يطلب بها حياتهم في دنياهم، وإمّا في العقبى، وهو بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزّ بلا ذلّ، وعلم بلا جهل - {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64]. ثمّ إنّه ختم بما بدأ منه، إشارة إلى استغنائه عن الجميع - فإنّ الله غَنيٌّ عَن العَالَمين -، والأمر كلّه منه ابتداؤه، وإليه انتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كلّه، وهو المقصود الأوّل والمرتجى وإليه الرُجعى - كما قيل: شعر : محرّك الكلّ أنت القصد والغرض وغاية مالها مرمى ولا غرض مَن كان في قلبه مثقال خردلة سوى جلالك فاعلم أنّه مرض تفسير : واعلم أنّ سرّ الإقامة قد علم ممّا سبق، ونذكر فيها نكتتين: الأولى: الإفراد ليكون أسرع إلى المراد هو الصلاة وفيه إشارة إلى طلب زيادة الإخلاص والخُشوع والتواضع لقربه من الوقوف بين يدي الله. والثانية: زيادة لفظ "قد قامت الصلاة" للدلالة على أنّ ذكر الله قائم على باطن كلّ نفس، فيجب أن يكون الظاهر موافقاً للباطن والعلانية حاكيةً عن السرّ. الإشراق الرابع في الحكمة المتعلّقة بوجوب الصلاة يوم الجمعة اعلم أنّه لمّا اقتضت الأسماء الحسنى الإلهيّة ظهور آثارها جميعاً في المظاهر الكونيّة، لئلاّ يتعطّل طرف من الألوهيّة، ظهرت من نوع الإنسان الذي أوجده لأجل العبادة، كما أشار إليه بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56]. وطبائع أكثر الناس مجبولة على العدول عن منهج الحقّ، والانحراف عن سنن العدل، كما أشار إليه بقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ:13] وقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103] وقوله: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون:70]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقد تقرّر هذا البيان بنيانه في كثير من الأحاديث القدسيّة مثل قوله تعالى: حديث : كُلّكُم ضالّ إلاّ من هديته فاسألوني الهدى اهْدِكُم، وكلّكم فقير إلاّ من أغنيته فاسألوني أرزقكم، وكلّكم مذنب إلاّ من غفرته فمن علم منكم أنّي ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي . تفسير : فلو أنّ الناس أُهْمِلوا وطبائعهم، وتُركوا سدى، وخُلّي بينهم وبين طبائعهم لتوغّلوا في الدنيا وانهمكوا في اللذات الجسمانيّة، وطلبوا دواعي القوى الظلمانيّة لضرواتهم بها واعتيادهم من الطفوليّة والصبا، حتّى زالت استعداداتهم، وانحطوا عن رتبة الإنسانيّة فمسخوا ومثلوا بالبهائم والسباع كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ} تفسير : [المائدة:60]. وإن حوفظوا ودعوا بالسياسات الشرعيّة والعقليّة والحِكَم والآداب والمواعظ الوعديّة الوعيديّة، ترّقوا من حدّ البهيمة، وتنوّرت بواطنهم بنور الملكيّة، كما قال الشاعر: شعر : هي النفس إن تهمل تلازم خساسة وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج تفسير : فلهذا وضعت العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعيّنة لتزول عنهم بها دَرَن الطبائع المتراكمة في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة اتّخاذ اللذّات، وارتكاب الشهوات، فتتنوّر بواطنهم بنور الحضور، وتتنقّش قلوبهم بالتوجّه إلى الحقّ عن السقوط في هاوية النفس والعثور، وتستريح بروح الروح وحبّ الوحدة عن وحشة الهوى وتفرّق الكثرة. كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما من الصغائر ما اجتنبت الكبائر . تفسير : ألا تَرى كيف أمرهم عند الحدث الأكبر، ومباشرة الشهوة، بتطهير البدن بالغسل، وعند الحدث الأصغر بالوضوء، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيويّة في ساعات اليوم والليلة بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات مدركات الحواسّ الخمس، الحاصلة في النفس منها كلٌّ بما يناسبه. ولذلك وضعوا بإزاء وحشة تفرقة الأسبوع، وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال والمكاسب والملابس البدنيّة والملاذّ الجسمانيّة اجتماع قوم على العبادة، والتوجّه، لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع والحضور، ويحصل بينهم نور المحبّة الإيمانيّة، والمؤالفة القلبيّة، وتزول عنهم ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيويّة، والإعراض عن الحقّ من جهة الأغراض المختصّة الشخصيّة، فوضع لليهود في قديم الزمان أوّل الأسابيع لكونهم أهل المبدأ والحسّ الظاهر، وللنصارى ما بعده آخرها لكونهم أهل المعاد الروحاني، وأهل الباطن المتأخّرين عبد المبدأ والظاهر، وللمسلمين آخرها الذي هو يوم الجمعة لكونهم في آخر الزمان، وهم أهل النبوّة الختميّة وأهل الوحدة الجمعيّة للكلّ. وإن جعل السبت آخر الأسبوع - على ما نقل أنّه السبع فالبنسبة إلى الحقّ تعالى لأنّ عالَم الحسّ الذي إليه دعوة اليهود، وهو آخر العوالم بالنسبة إليه، وأوّل العوالم عالَم العقل الذي إليه دعوة النصارى، والجمعة هي يوم الجمع والختم - هذا على ما ذكر بعض أهل القرآن. رحمه الله. اشتشهاد قرآني علة تعيين الجمعة للمسلمين ومما يناسب ما ذكر ويؤكّده، ما استفيد من كلام بعض المحقّقين وهو أنّ موسى (ع) لمّا كان باعتبار قومه من أهل المبدأ وصاحب التنزيل، كان من جانب الغرب، وهو موضع أفول النور، كما أُشير إليه بقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} تفسير : [القصص:44]. وإنّ عيسى (ع) لمّا كان من أهل المعاد وصاحب التأويل، كان مكانه في الشرق - وهو موضع النور وطلوعه -، {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} تفسير : [مريم:16]. وإنّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان جامع المنزلتين - المبدأ والمعاد - والبرزخ المتوسّط بين الجانبين - المشرق والمغرب - بوجه، والمبرّأ عن العالمين - الدنيا والآخرة بوجه -، كان مكانه متوسّطاً بين الشرق والغرب. أمّا كونه جامعاً للمبدأ والمعاد، فلأنّ له منزلة في المبدأ "كنتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطين" - ولكلّ شيء جوهر وجوهر الخلق محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وله (صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة في المعاد، إذ هو شفيع يوم المحشر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):"حديث : ادّخَرْت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي"تفسير : . وأمّا كونه متوسّطا فلأنّ قبلة موسى (ع) إلى الغرب من وسط العالَم، وقبلة عيسى (ع) منه إلى المشرق، وقبلة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهما كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلتي ". تفسير : وأمّا كونه مُبَرّءاً عنهما فلقوله تعالى: {أية : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}تفسير : [النور:35] وهما حرامان على أهل الله. الإشراق الخامس في لميّة وجوب الصلاة مطلقاً لمّا علم الشارع أنّ جميع أفراد الإنسان لا يرتقون في مدارج العقل إلى درجة العرفان، فلا جَرَم سوّى لهم رياضة بدنيّة، وسياسة تكليفيّة تخالف أهواءهم الطبيعيّة وحفظ لهم الصورة الإنسانيّة، وراعى فيهم حكاية النسك العقليّة، فمهّد لهم قاعدة في الأذكار والأوراد، وألزمهم ترك النسيان بتكرير الأعداد، وهي أعمّ وفي الحسّ أعظم لترتبط بظواهر الإنسان وتمنعهم عن التشبّه بسائر أفراد الحيوان، وأقر بهذا الهيكل الظاهر على كلّ بالغ عاقل فقال: "حديث : صلّوا كما رأيتموني أُصلّي"تفسير : ولو قال: "صلّوا كصلاتي" فمن الذي صلّى مثل صلاته؟ لأنّه كان يصلّي وبصدره أزير كأزير المرجل من البكاء، وكان في صلاته يرى مَنْ خَلْفَه. فقد ظهر أنّ في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا تخفى على اللبيب العاقل، ولا يقرّ به لسان الجاهل العادل، وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على الأمم السابقة على أعداد أكثر من أعداد صلاتنا لعموم جدواها، وكانوا مكلّفين بأعمال جسمانيّة كثيرة المشقّة لغلبة الجسمانيّةّ عليهم وقلّة آثار الملكوتيّين فيهم، وشريعتنا المحمديّة - على الصادع بها وآله أفضل الصلاة والتحيّة - أقلّ تكلّفاً وأكثر فائدة، لصفاء القوابل ولطافة القلوب ورقّة الحجاب في أمّته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : بعثت بالشريعة السهلة السمحاء ". تفسير : الإشراق السادس في لميّة وجوب الصلاتين الجسمانيّة والروحانيّة إنّ الله تعالى قد بعث النبيّين معلّمين بالكتاب والحكمة، واضعين الشريعة والملّة، مقيميمن للعدل والقسط لقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الحديد:25] فوضعوا للناس النواميس الإلهيّة ليخرجوهم عن حضيض البرزخ الظلماني، ويبلغوهم إلى أوج العالَم النوراني، لينخرطوا في سلك الملائكة المقرّبين، ويتنعّموا في جوار القدس مع النبيّين والصديقين، رحمة من الله وفضلاً ونعمة منه وإحسانا، فشرع كلّ منهم بإذن الله لأمّته حسب ما أعطته العناية الإلهيّة، واقتضته الرحمة الأزليّة في ذلك الوقت والزمان، من الأعمال القلبيّة والبدنيّة، ما تكمل به قوّتاهم العلميّة والعمليّة بحسب طاقتهم. ولمّا كانت الحكمة المحمديّة - على مقيمها وآله أفضل المحامد العليّة - حكمة فريدة، لأنّه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، بل هو أكمل الممكنات علويّها وسفليّها، روحانيّها وجسمانيّها، وكان تأثيره قوّة نبوّته في تكميل نوع الإنسان أبلغ وأتمّ، وكماله أقوم، وحكمته أحكم، وكتابه وشريعته أبلغ وأعمّ، كانت أمّته خير الأمم وأعدلها، وأشرف الفرق وأكملها، كما قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران:110]. وإليه أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: "حديث : علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل ". تفسير : فخُصّ المحمّديون بوجوب حقيقة الصلاة والذكر القلبي، والمعرفة الإلهيّة التي هي روح الصلاة، كما وجب عليهم صورة الصلوات الخمس المكتوبة، وأمروا بالمواظبة عليها والمحافظة لها، وتكريرها في كلّ يوم بهيئة مخصوصة مشتملة على سرٍّ إلهيّ في أوقات معيّنة، وهي ذكر له تعالى وقربة إلى جناب الحقّ ومناجاة معه، وروح الصلاة أشدّ وجوبا على بواطن العقلاء الكاملين من وصورتها على ظواهر سائر الناس، وقد قال سبحانه: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه:124]. الاشراق السابع في تحقيق القول من سبيل آخر قد بان لك أنّ في الإنسان شيئاً من العالَم الأسفل، وشيئاً من العالَم الأعلى، وأعني بالعالم الأسفل: الدنيا وما فيها، وأعني بالعالم الأعلى: الآخرة ما فيها، كذلك في كلّ عمل من الأعمال الدينيّة قشر ظاهر ولبّ باطن، فالقشر متعلّق بالدنيا، واللبّ متعلّق بالآخرة، فكما أنّ مقصود الشارع من طهارة الثوب - وهما القشر الخارج -، ثمّ من طهارة البدن - وهو القشر القريب -، إنّما هو طهارة القلب وهو اللبّ الباطن، وطهارة القلب عن نجاسات الأخلاق الذميمة؛ كالكفر والحسد والبخل والإسراف وغيرها، فكذلك مقصود الشارع من صورة كلّ عبادة هو الأثر الحاصل منها في القلب. ولا يبعد أن يكون لأعمال الجوارح آثار في تنوير القلب وإصلاحه، كما لا يبعد أن يكون لطهارة الظاهر أيضاً تأثير في إشراق نورها على القلب، فإنّك إذا أسبغت الوضوء واستشعرت نظافة ظاهرك، صادفت في القلب انشراحاً وصفاء لا تصادفه قبله، كيف، وإدراك النظافة يوجِب حصول صورتها في القلب، وهذا ضرب من الوجود فعل الطهارة اوجَب حصوله في القلب - ولو بوجه ضعيف -. وذلك لسرِّ العلاقة بين عالَم الشهادةِ وعالَم الغيبِ، وعالَم المَلَكوت، فإنّ ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وعالم الغيب بأصل فطرته، وإنّما يكون هبوطه إلى هذا القالب كالغريب عن موطنه الأصلي، ونزوله إلى أرض عالَم الشهادة عن الجنّة التي هي موطنه وموطن أبيه المقدّس، لجناية صدرت أوّلاً عن أبيه، وكما تنحدر عن معارف القلب آثار إلى البدن، فكذلك ترتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب، ولذلك أمر بالصلاة مع أنّها حركات للجوارح وهي من عالم الشهادة. وبهذا الوجه جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدنيا فقال: "حديث : أحببت من دنياكم ثلاثا - الحديث - وعدّ الصلاة من جملتها . تفسير : ومن هنا قد شممت شيئاً يسيراً من روائح أسرار الطهارة أيضا، فإن كنت بحيث لا تصادف بعد الطهارة وإسباغ الوضوء شيئاً من الصفاء الذي وصفناه، فاعلم أنّ الخَدَر الذي عرض على قلبك من كدورة شهوات الدنيا وشواغلها، اقتضى كلال حسّ قلبك، فصار لا يحسّ باللطائف والأشياء الخفيّة اللطيفة كأكثر الناس، فاشتغِل بجلاء قلبك فذلك واجب عليك من كلّ ما أنت فيه. فإذا تقرّر هذا عندك، وعلمت بمثل هذا التقسيم فيها وفي جميع العبادات، واتّضح أيضا لك وتأكّد عندك حسبما قدّمناه إليك، أنّ الصلاة منقسمة إلى رياضيّ جسماني وإلى حقيقي روحاني، فاعلم أنّ نفوس الإنسان متفاوتة بحسب آثار القوى والأرواح الدواعي المركّبة فيها، فمن غلب عليه الروح الطبيعي والحيواني فإنّه عاشقُ البدن، يحبّ نظامه وتزيينه وأكله وشربه ولبسه، وطالب لجذب منفعته ودفع مضرّته، وهذا الطالب من عداد الحيوانات وفي زمرة البهائم، فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه، وأوقات عمره موقوفة على مصالح جثّته وشخصيّته، فهو غافل عن الحقّ، جاهل بأمره، فلا يجوز له التهاون بهذا الأمر الشرعي اللازم الواجب، وإن قعد عنه فبالسياسات والزواجر يكره عليه ويُجْبَر حتّى لا يفوت عنه بالكليّة حقّ التضرّع والاشتياق إلى الله تعالى، ليفيض عليه بجوده وينجيه من عذاب وجوده، ويخلصه من آمال بدنه، ويوصله إلى منتهى أمله، فإنّه لو انقطع عنه قليلُ خيرٍ لتسارع إليه كثيرُ شرِّ، ولكان أدنى درجة من البهائم، وأضلّ سبيلا من الأنعام. ومن غلبت عليه قواه الروحانيّة، وتسلطت على هواه قوّته الناطقة، وتجرّدت عن محبّة الدنيا وعلائق العالم الأدنى، فهذا الأمر الحقيقي والتعبّد الروحاني، وذكر الله بالقلب، ومناجاته وقربانه واجب عليه أشدّ وجوبا وأقوى إلزاماً كما قيل: "الحكمة أشدّ تحكّما على باطن العاقل من السيف على ظاهر الأحمق". لأنّه استعدّ بطهارة نفسه وشرافة عقله ليفيض عليه ربّه، فلو أقبل عليه بمشقّة، واجتهد في تعبّده، لتسارعت إليه جميع الخيرات العلويّة والسعادات الأخرويّة، حتّى إذا انفصل عن جسمه، وفارَق الدنيا تدخل عليه الملائكة من كلّ باب، ويشاهد مفيضه وموجده ومكلّمه ربّ الأرباب، ويجاور حضرته، ويلتذّ بمنادمته حينئذ ومجاوريه، وهم سكّان ملك الملكوت وقطّان عالم الجبروت.. الإشراق الثامن في سرّ الصلاة وروحها وفي تمثيل الصلاة الكاملة بالإنسان الكامل من جهة اشتمالها على ظاهر جسماني وباطن روحاني إعلم أنّ الصلاة عبارة عن تشبّه مَا للنفس الإنسانيّة بالأشخاص الفلكيّة، فما أشدّ شباهة حال الإنسان حين الاشتغال بالصلاة الكاملة بتلك الأجرام الكريمة، بأرواحها الملكيّة في تعبّدها الدائم، وركوعها وسجودها وقيامها وقعودها، طلباً للثواب السرمدي، وتقرّبا إلى المعبود الصَمَدي. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الصلاة معراج المؤمن ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) "حديث : الصلاة عماد الدين ". تفسير : وأصل الدين تصفية الروح عن الكدورات الشيطانيّة والهواجس النفسانيّة، والصلاة هي التعبّد للعلّة الأولى والمعبود الأعظم والخير الأعلى، والتعبّد في الحقيقة عرفان الحقّ جلّ مجده، والعلم به وبآياته، بالسرّ الصافي، والقلب النقيّ، والنفس الفارغة، فسرّ الصلاة التي هي عماد الدين، هو العلم بوحدانيّة الله تعالى، ووجوب وجوده، وتنزّه ذاته، وتقدّس صفاته، وإحكام آياته، ومعرفة أمره وخلقه، وقضائه وقَدَره، وعنايته وحكمته، وإرادته وقدرته ويده، وقلمه ولوحه ورقمه، وملائكته وكرام الكاتبين، وكتبه ورسله، واليوم الآخر لمعاد عباده إليه، ورجوع الخلائق لديه، ومُثول الأرواح والنفوس بين يديه، مع الإخلاص له في العبوديّة. وأعني بالإخلاص؛ أن يَعبد الله بلا مشاركة أحد، وأن يعلم ذاته وصفاته بوجه لا يبقى للكثرة فيه مشرعاً وللإضافة مترعا، ومن فعل هذا فقد أخلص وصلّى، وما ضلّ وما غوى، ومن لم يفعل هكذا فقد افترى وعصى، والله تعالى أجلّ من ذلك وأعلى. ثمّ إنّك لمّا قرع سمعك مراراً أنّ موجودات العالم الطبيعي والنشأة الدنيويّة مثنويّة، وحقيقة الإنسان من جملتها لها ظاهر جلّي وباطن خفيّ، ولها صورة مشهورة وحقيقة مستورة، فهو منقسم إلى ظاهر متغيّر، وباطن ثابت هو قلبه وسره، فالصلاة التي هي أشرف أعماله، منقسمة إلى ظاهر خَلقي - وهو الرياضي المتعلّق بالظاهر -، وباطن أمري - وهو الحقيقي الملتزم به الباطن -. والأوّل يجري مجرى السياسات للأبدان والرياضات للقوى والأدوات الصوريّة، به يناط نظام الجمعيّة التمدنيّة، وقوام الشعرية المصلحيّة لاصلاح الخلق بحسب حالهم، على وجه يؤدي إلى كمالهم وإصلاح بالهم لسلامة مآلهم، وكلتاهما واجبتان عقلاً وشرعاً، فالأولى كلّف بها الشارع بالغا عاقلا ليتشبّه بدنه بما يختصّ به روحه من التضرّع والخشوع إلى الجنبة العالية، ليفارق البهائم بهذه الهيئة الشرعيّة، فإنّ البهائم متروكة عن الخطاب، مسلمة عن العذاب، فأمّا الإنسان فإنّه مخاطب ومحاسب مثاب ومعاقَب، إذ يجب عليه امتثال الأوامر الشرعيّة والعقليّة، والاجتناب عن المناهي الشرعيّة والعقليّة، فلمّا رأى الشارع الحكيم أنّ العقل المنوّر بنور معرفة الله أكرم عند الله، ألزم النفس بالصلاة الحقيقيّة المجرّدة، وهي عرفان الله وملكوته، وكلّف البدن بالصلاة الجسمانيّة اثراً على تلك الصلاة وعنواناً لها لتكون قواه العمليّة مشايعة لقواه الإدراكيّة لئلاّ تزاحمها. وهذا الذي ذكرنا نظير مطالعة البصر الأرقام الهندسيّة عند مطالعة العقل براهينها الكليّة، وكذا المحاكاة الخياليّة والبدنيّة عن التعمّق في العلوم الدقيقة وأشباهها، وذلك لعلاقة شديدة بين النفس والبدن، فإذا كانت حركات القالب محاكية لما يتصوّره القلب، تكون أعمال القلب آكد وأصفى عن المزاحمة، فلذلك اوجب الشارع صورة الصلاة على الإنسان تتميماً لصلاته الحقيقية ما دام في الدنيا، كما أثبت الله له الوجود الجسدي ما دام الدنيا، وقايةً لروحه وحفظاً وإمساكاً له عن الخلل والفساد إلى حين بلوغه العقلي، ووصوله إلى عالَم المعاد، فركّب أعداد هذا التعبد الجسماني، ونظّم أركانه على أبلغ نظام في أحسن صورة وأتمّ هيئة، لتتابع الأجسام الأرواح في التعبّد - وإن لم تطابقه في المرتبة والتوحّد -، وتتابعه في التكرار، وإن لم توافقه في الدوام والإتّصال -. الإشراق التاسع في منشأ وجوب هذا التعبد الروحاني هذه الصلاة قد وجبت على سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة قد صعد إلى العالَم العلوي، وتجرّد من بدنه، وتنزّه من أمله، ولم يبق معه من آثار الحيوانيّة شهوة ولا من لوازم الطبيعة قوّة، ولا من الدواعي النفسانيّة بقيّة، فناجى ربّه بقلبه وروحه، فقال كما روي عنه: "حديث : وجدت لذّة غريبة في ليلتي هذه فاعطني هدى ويسِّر عليّ طريقاً توصلني كلّ وقت إلى لذّتي ". تفسير : فأمره الله بالصلاة فقال: "يا محمّد - المصلّي مناج ربه". ولا يخفى على المتأمّل العاقل أنّ مناجاة الله لا تكون بالأعضاء الجسمانيّة، ولا بالألسن الحسيّة، لأنّ هذه المكالمة لا تصلح إلاّ لمن يحويه مكان وتعتريه حركة وزمان، أمّا الواحد المقدّس الذي لا يحيط به مكان، ولا يحويه زمان، ولا يدركه حسّ أحد، ولا يشار إليه بجهة من الجهات، ولا يختلف حكمه في صفة من الصفات، ولا يتغيّر في وقت من الأوقات، فكيف يعاينه الإنسان المشكّل المجسّم المحدود بجسمه وقوله وفعله وحسّه، وكيف يناجي في هذ العالَم المركّب الخروب من لا يعرف حدود جهاته ولا يرى جناب صفاته، فإنّ الموجود المطلق عن عالَم المُثل والمحسوسات، بل المرتفع عن العقول القادسات غائب عن الحواسّ غير مشار إليه بالأخماس، ولا يدرك بالإلماس، ومن عادة الجسم والجسمي أن لا يناجي ولا يجالس إلاّ مع من يراه بالبصر ويحسّ بالحسّ، ويدركه بإحدى الخمس، وإذا لم ينظر إليه يعده غائباً، ويكون بفقده عن المَشاعر خائباً، فمن كان خارجا عن هذا الباب مقدّسا عن طرفي هذا النفي والإثبات جميعا، وعن المداخلة والمزايلة رفيعا، فمناجاته بإحدى الظواهر والآلات أمحل المحالات، وأفحش الخرافات والموهومات. فإذاً قوله: "المصلّي مناج ربّه" محمول على عرفان النفوس العرافة العلاّمة المجردة عن جهات الجسم والمكان، وحوادث الحركة والزمان، فهم يشاهدون الحقّ مشاهدة عقليّة، ويبصرون الإله ببصيرة نوريّة ويسمعون كلامه سماعاً روحانيّاً. تفريع درجات الانتفاع من الصلاة فتبيّن أنّ الصلاة الحقيقيّة التي تنهى عن فحشاء القوّة الشهوية البهيميّة، ومنكر القوّة الغضبيّة السَّبُعيّة، وبغي القوّة الوهميّة الإبليسيّة، هي المعارفة الربانية والمشاهدة الإلهيّة والمكالمة العقليّة، وهي التضرّع بالنفس الناطقة نحو الإله الحقّ والموجود المطلق. ولأصحاب العلوم الظاهرة من هذه حظّ ناقص، وإن ارتقوا من منزل البهائم قليلاً وارتفعوا من درجة العوامّ والأنعام يسيراً، وللمحقّقين قِسم وافر ونصيب كامل من هذا البحر الزاخر، ولهم قرّة عين في الصلاة، ومن كان حظّه أكمل فثوابه أجزل، فالعاقل يتأمّل سلوك طريق التعبّد والمداومة على الصلاة ويلتذّ بمناجاة ربه لا بشخصه، وينطقه لا بقوله، ويبصره لا ببصره، ويحسّه لا بحسّه. وأمّا الجاهل المغرور فيطلب ربّه بشخصه وجسمه، ويطمع في رؤيته بعينه، وكذا العالم الممكور المشغوف بما عنده من القشور، الطالب في مناجاته للذّات عالَ الزور، المتوجّه إلى تحصيل المنزلة والجاه عند أصحاب القبور، ومن آثر الهوى واتّبع الشيطان، انحرف عن الحقّ والهدى، وحرّم الله عليه لذيذ مناجاته، كما ورد في أخبار داود - على نبيّنا وعليه السلام - "إنّ أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أُحرّم عليه لذيذ مناجاتي. وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: "إنّ الله عزّ وجلّ يقول: إنّ أهون ما أصنع بالعالِم إذا أحبّ الدنيا أن أخرج مناجاتي في قلبه". - {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. الإشراق العاشر في سرّ الأسبوع ولميّة وضع أيّامها اعلم - أنّ كلّ وضع من الأوضاع إذا لم تطلع على سرّه العقول البشريّة، فلا بدّ في إدراك لميته وسببه من طور آخر وراء طور العقل المشوب بالوهم، وذلك لامتناع التخصيص من غير مخصّص، كحروف التهجّي، وأيّام الأسبوع، فما ثبت للعقول الكشفيّة من أصحاب الذوق والعرفان أنّها وضعت بإزاء الأيّام الإلهيّة التي هي مدة عمر الدنيا - وهي سبعة آلاف - كما هو المشهور بين الجمهور - على عدد أدوار الكواكب السبعة السيّارة التي مدّة دورة كّل منها الخاصّة ألف سنة. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه قال: "حديث : عمر الدنيا سبعة إلاف سنة، بقيت في آخرها ألف ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا نبيّ بعدي على هذه الأمّة إلى يوم القيامة ". تفسير : وهو يوم العرض الأكبر، ويوم العرض الثاني، كما أنّ يوم الميثاق يوم العرض الأوّل، كما أشار إليه تعالى بقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف:172]. وبين اليومين مدّة سبعة أيّام، كلّ يوم كألف سنة ممّا تعدّون. فكما أنّ الدنيا كمدينة جامعة ومصر جامع، فيها من كلّ الخلائق والرجال والنسوان والمشايخ والصبيان، فمنهم أخيار وأشرار، وصلحاء وفجّار، وعلماء وجهّال، وهم مختلفو الطبائع والأحوال والأخلاق والآراء والأعمال، فهكذا في العالم الكبير، نفوس كثيرة بسيطة، ونفوس جزئية مختلفة الحالات، فمنها نفوس علامّة خبيرة فاضلة، ومنها نفوس درّاكة شريرة وهميّة، ومنها نفوس جاهلة شريرة، ومنها جاهلة غير شريرة. فالأول جنس الملائكة، وصالحو المؤمنين والعلماء الربّانيّون، والثانية مردة الشياطين، وسحرة الجنّ والإنس، والفراعنة والدجّالون، والثالثة أنفس السباع الضارية، والجهّال الأشرار من السباع، والرابعة أنفس الحيوانات السليمة كالغنم والحمام وغيرها، والنفوس الساذجة من الإنسان. وكما أنّ المدنية الجامعة فيها مساجد وبيَع وصلوات، ولأهل الدين فيها مجالس وجماعات، وأعياد وجمعات، وعبادات وأذكار، فهكذا في فضاء الملكوت وأرض القيامة وفسحة الجنان وسِعة العرش والسموات، جموع من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والعلماء، ولهم تسبيحات ودعوات مستجابات، كما ذكر الله تعالى بقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء:20] وقال: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} تفسير : [الزمر:75] - الآية -. وكما أنّ لأهل المدينة فيها حبوس ومطامير عليها شُرَط وأعوان، فهكذا في العالم الكبير، للنفوس الشريرة جهنّم وسجّين ونيران وهاوية، عليها زبانية وملاك وغضبان. وكما أنّ تلك المدينة فيها لأهلها صنائع وأعمال، وللصناع والعمّال أجرة وأرزاق، وفيها بائعون وتجّار يتعاملون بموازين ومكائيل، ولهم مظالم وخصومات ودعاوى، ولهم فيها قضاة وعدول، ولهم فقه وأحكام وفصول، وأنّ من سنّة القضاة والحكّام البروز والجلوس لفصل القضاء في كلّ سبعة أيّام يوم واحد، فهكذا يجري حكم الله وحكم النفوس الكليّة يوم القيامة ويوم العرض الأكبر، ففي كلّ سبعة أيّام يوم واحد وضع لعرض النفوس الجزئية لدى النفوس الكليّة لفصل القضاء بينهم، لقوله تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} تفسير : [الزمر:69 - 70]. وقوله: {أية : فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء:47]. الإشراق الحادي عشر في سرّ يوم الجمعة اعلم أنّ اليوم السابع من الأيّام الربّانيّة الأسبوعيّة، هو الذي وقع فيه ظهور النور التوحيدي في المظهر الجمعيّ المحمّدي، وإكمال الدين وارتقاء النفوس إلى المبدأ الذي هبطت منه، وقطع القوس العروجيّة إلى غايتها الأصليّة، هو يوم الجمعة، وهو آخر يوم من آيّام الدنيا بوجه، وأوّل يوم من أيّام الآخرة بوجه، لقيام الساعة فيه، والظهور التامّ للحقّ، ووقوع القيامة الكبرى، وعند ذلك يظهر فناء الخلق والبعث والنشور والحساب، وفيه يتميّز عند عرفاء أمّته أهل الجنّة وأهل النار، وفيه يُرى عرش الله بارزاً كما حكينا في حديث حارثة الأنصاري (ره) عن شهوده. وقد مرّ في تفسير سورة الحديد عند قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الحديد:4]. أنّ الأيّام الستّة الماضية هي مدّة احتجاب الحقّ بالخلق، لأنّ الخلق حجاب على وجه الحقّ، فمتى خلقهم اختفى بهم، وقد بيّنا هناك بوجه حِكَميّ؛ أنّ بقاء الدنيا وعالَم الطبيعة عين حدوثها وتغييرها، ووجودها عين عدمها وزوالها، واليوم السابع هو يوم الجمعة، وزمان استواء الرحمن على العرش بالظهور في جميع الصفات، وابتداء يوم القيامة الذي طلع فجره ببعثه نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم). فالمحمديّون أهل الجمعة، ومحمّد صاحبها وخاتم النبيّين، وبه اكمال الدين لقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة:3] - الآية -. تتمة: اتّفق أهل الملل كلّها من اليهود وغيرهم على أنّ الله قد فرغ من خلق السموات والأرض في اليوم السابع، إلاّ أنّ اليهود قالوا: "إنّه السبت وابتداء الخَلق من يوم الأحد"، وعلى التأويل الذي ذكرنا يكون هو يوم الجمعة. وكون الأحد ابتداء الخلق، يُأوّل بأنّ أحديّة الذات منشأ الكثرة، وإن جعلنا الأحد أوّل الأيّام ووقت ابتداء الخلق، كان جميع دور النبوة دور الخفاء، وفي السادس ابتدأ وازداد في الخواصّ، كما ذكر انّه يوم خلق آدم الحقيقي، ويوم الساعة، ويوم المزيد، ويوم دخول الجنّة، وسيّد الأيام - كما مرّ ذكره في الأحاديث المرويّة في فضل يوم الجمعة -، حتّى ينتهي إلى تمام الظهور، وارتفاع الخفاء في آخره عند خروج المهدي (ع) ويعمّ الظهور في السابع الذي هو السبت. إكمال: لمّا كان هذا اليوم - أي الجمعة - موضوعاً بأزاء المعنى المذكور ندب الناس فيه إلى الفراغ من الأشغال الدنيويّة التي هي حجب كلّها، وإلى الحضور والاجتماع في الصلاة وأوجب السعي إلى ذكر الله وترك البيع والسعي في الدنيا لكي تتظاهر النفوس بهيئة الاجتماع في صلاة الحضور المعدّ للوصول إلى حضرة الجمع بالصلاة الحقيقيّة، والتعبد الروحاني، عسى أن يتذكّر أحدهم بالفراغ عن الأشغال الدنيويّة التجرد عن الحجب الخلقيّة، وبالسعي إلى ذكر الله السلوك في طريق الوصول إليه، وبالصلاة مع الاجتماع الوصول إلى حضرة الجمع فيفلح - {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} - أي سرّ ذلك وحقيقته. الإشراق الثاني عشر في ما قيل في قوله تعالى: { إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} قال المفسّرون: أي إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكراً له، ذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أنّه ان اقتصر الخطيب على مقدار ما يسمّى ذكرَ الله - كقوله: الحمد لله. سبحان الله - لكفى. وقيل إنّ عثمان صعد المنبر فقال: "الحمدُ لله" وأرتجّ عليه، قال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً، وإنّكم إلى إمامٍ فعَّال أحوج منكم إلى إمامٍ قوّال، وستأتيكم الخطب. ثمّ نزل وكان ذلك بحضور الصحابة فلم يعب عليه. وعند الشافعي وصاحبيه؛ لا بدَّ من كلام يسمّى خطبة، وعند فقهائنا الإمامييّن - رضوان الله عليهم أجمعين - تجب الخطبتان، ويجب في كلّ منهما: الحمد لله بما هو أهله، والصلاة على النبيّ وآله، والموعظة وقراءة سورة خفيفة. وقيل: يجزئ ولو آية واحدة ممّا تتمّ به فائدتها. وفي رواية سماعة: يحمد الله ويثني عليه، ثمّ يوصي بتقوى الله، ويقرأ سورة خفيفة من القرآن، ثمّ يجلس، ثمّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه ويصلّي على النبيّ وآله وعلى أئمّة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات. فإن سئل: كيف يفسّر ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثناء عليه وعلى أئمّة المسلمين، وأهل بيته، وأتقياء المؤمنين، والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، وأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقّاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونَكد الأيّام. الإشراق الثالث عشر في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} أي: دعوا المبايعة. قال الحسن: كلّ بيع تفوت منه الصلاة يوم الجمعة فإنّه بيع حرام لا يجوز، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية، لأنّ النهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه مطلقا، عبادةً كان أو غيرها. وأكثر فقهائنا الإماميّين - رضوان الله عليهم - على أنّ البيع حرام إلاّ أنّه غير فاسد بل منعقد، لأنّ النهي في العبادات وإن كان مستلزماً للفساد لاستحالة الجمع بين المأمور به في الجملة والمنهيّ عنه، ولكن في غيرها غير مستلزم له. وقيل: إنّ النهي فيها أيضاً غير مستلزم للفساد إلاّ أن يكون المنهيّ منافياً لها أو لبعض أركانها، كالصلاة في الدار المغصوبة، لأنّ خروج المكلّف عنا مأمور به، والقيام منهيّ عنه وهو ركن في الصلاة، والحركة والسكون متنافيان فلا يكونان مأموراً بهما معاً، وكيف يكونان مأموراً بهما حتّى يلزم أن يكون قيام واحد مأموراً به ومنهيّاً عنه، وهو محال، لأنّ الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضدّه العامّ بل الخاصّ - على رأي -، وتنقيح هذه المسألة موكول إلى علم أصول الفقه، فليطلب من هناك. الإشراق الرابع عشر في قوله تعالى: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: ما أمرتم به من حضور الجمعة واستماع الذكر وأداء الفريضة وترك البيع، أنفع لكم عاقبة إن كنتم عالمين بمنافع الأمور ومضارّها، ومصالح أنفسكم وأرواحكم ومفاسدها. وفيه دليل على أنّ ملاك الأمر في العبادات على العلم الصحيح والنيّات الخالصة. وقيل: معناه: اعملوا ذلك. عن الجبائي. وفي هذه الآية دلالة على وجوب الجمعة وتحريم جميع التصرّفات عند سماع أذان الجمعة، والبيع إنّما خُصّ بالنهي عنه لكونه أعمّ التصرّفات في أسباب المعايش. وفي الكشّاف: لأنّ يوم الجمعة يوم يهبط الناس من قُراهم وبواديهم وينصبّون إلى المصر من كلّ اوب ووقت لسقوطهم واجتماعهم واختصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى إلى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تجرى التّجارة ويتكاثر البيع والشراء وقيل لهم: بادِرو تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه مقارب، وممّا يدلّ على تحريم شواغل الدنيا عن حضور الجمعة عند النداء، أنّ الله سمّاه خيراً، وترك الخير الكثير من العالم به لأجل النفع الحقير - وإن كان الحقير عاجلاً والكثير آجلاً - حرام عقلا، فكيون حراماً شرعا، كما هو عند أصحابنا القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين. تفريع: في هذه الآية دلالة على أمور: الأوّل: أنّ الخطاب للأحرار لأنّ العبيد لا يملكون البيع. الثاني: اختصاص الجمعة بمكان معيّن. ولذلك اوجب السعي إليه. الثالث: اختصاص وجوبها على من يقدر على الحركة والسعي، فخرج من المكلّفين أصحاب الأعذار من السفر والمرض والعمى والعرج، أو أن يكون امرأة أو شيخاً هما لا حراك به، أو عبداً أو يكون على رأس أكثر من فرسخين من الجامع. وعند حضور هذه الشروط ونفي الأعذار لا يجب إلاّ عند حضور السلطان العادل أو من نصبه للصلاة. والعدد يتكامل عند أكثر فقهاء أهل البيت - عليهم السلام - بخمسة لصحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (ع) قال: يُجمع القوم يوم الجمعة إذا كان خمسة فما زاد، وإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم. وغير ذلك من الروايات. وقيل: بسبعة لما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على أقلّ منهم: الإمام وقاضيه، والمدّعي حقّاً، والذي عليه الحقّ، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام. وعند أبي حنيفة والثوري يتكامل العدد بثلاثة سوى الإمام. وعند الشافعي ينعقد بأربعين رجلاً أحراراً بالغين مقيمين. وعند أبي يوسف ينعقد بإثنين سوى الإمام. وعند الحسن وداود ينعقد بواحد غير الإمام كسائر الجماعات. وقال صاحب الكشّاف: "عند أبي حنيفة لا ينعقد إلاّ في مصر جامع لما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا جمعة ولا تشريق ولا فطرة ولا أضحى إلاّ في مصر جامع"تفسير : - والمصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام -. ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لوقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):"فمن تركها وله إمام عادل - الحديث -". وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أربع إلى الولاة - الفيء والصدقات والحدودات والجماعات" تفسير : "فإن أمّ رجل بغير إذن الأمام أو من ولاّه من قاضي أو صاحب شرطة لم يجز، فإن لم يمكن الاستيذان فاجتمعوا على واحد فصلّى بهم جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام" - انتهى - والاختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير موضع بيانه كتب الفقه.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ}. اعلم، انّ ايّام الاسبوع مظاهر للايّام الرّبوبيّة ودَوَران الايّام على الاسبوع ليس بمواضعة بنى آجم والاّ لكان الاختلاف فى دَوَرانها وكان فرقة يديرها على السّتة او الخمسة او الاربعة، وفرقة يديرها على الثّمانية او التّسعة، او غير ذلك ومن يديرها على السّبعة لم يكن يديرها بتلك الادارة بان يجعل المبدء الاحد والمنتهى السّبت، او المبدء السّبت والمنتهى الجمعة، وفى الجملة لم يكونوا يسمّى كلّهم احداً احداً ومنسوباً الى الشّمس والسّبت سبتاً ومنسوباً الى كوكبٍ خاصٍّ وبالجملة لم يكن عند جميع المنجّمين كلّ يوم مخصوصٍ منسوباً الى كوكبٍ خاصٍّ، وقد اتّفق المنجّمون من كلّ ملّةٍ وفى كلّ لسانٍ على ادارة الايّام على السّبعة بهذا التّرتيب المخصوص وانتساب كلّ يومٍ مخصوصٍ الى كوكبٍ خاصٍّ سمّيت بهذه الاسماء ام لم تسمّ، والايّام الرّبوبيّة الّتى هذه الايّام بازائها يوم المجرّدات الّتى هم قيام لا ينظرون، ويوم الصّافّات صفّاً، ويوم المدبّرات امراً، ويوم ذوى الاجنحة مثنى وثلث ورباع، ويوم الكيان، ويوم الملكوت السّفلى، او يوم المدبّرات امراً، ويوم الرّكّع والسّجّد، ويوم المتقدّرات المجرّدة علويّين كانوا ام سفليّين، وهذه الايّام كما اشير اليها فى سورة الاعراف هى الايّام الّتى خلق السّماوات والارض فيها وبها احتجب عن الخلق، واليوم السّابع هو يوم جمع الجمع الّذى يعبّر عنه بالمشيّة ومقام الظّهور، ولمّا كان الجمعة بازاء يوم الجمع طولاً امر الله العباد بانعقاد الجمعة، وامر ان لا ينعقد الجمعة باقلّ من سبعةٍ او خمسةٍ، ولمّا كان يوم الجمع خاصّاً بمحمّدٍ (ص) لا حظّ لاحدٍ سواه (ص) فيه جعل الجمعة الّتى بازائه عيداً خاصّاً بمحمّد (ص) وحرّم السّفر فيها على من كان المسافة بينه وبين مجمع النّاس للجمعة اقلّ من فرسخين او بقدر فرسخين، ولذلك قال: اذا نودى للصّلاة من يوم الجمعة يعنى اذا اذّن لصلاة الجمعة {فَٱسْعَوْاْ} اى فأسرعوا {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} يعنى الصّلاة {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} فانّ البيع فى هذا اليوم خلاف مقتضى هذا اليوم خصوصاً وقت وصول الشّمس الى نصف النّهار {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فانّه اذا اعطى كلّ يومٍ حقّه كان خيراً لكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} كان خيراً لكم يعنى ان اتّبعتم عليّاً (ع) وقبلتم ولايته بالبيعة معه فانّ العلم والتّعلّم منحصران فى شيعة علىٍّ (ع)، او ان كنتم تعلمون انّه خير لكم اخترتموه.

فرات الكوفي

تفسير : {فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللّهِ} قال: حدثنا زيد بن حمزة معنعناً: عن ابراهيم - يعني ابن الهيثم الزهري - قال: سمعت خالي يقول: قال سعيد بن جبير: ما خلق الله عز وجل رجلاً بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من علي بن أبي طالب عليه السلام، قول الله عز وجل: {فاسعوا إلى ذكر الله} قال: إلى ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}، قيل: كان قوم بالبقيع يسكنون يبيعون ويشترون إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ولا يقومون فنزلت، نودي للصلاة قيل: هو آذان الجمعة للوقت، وقيل: هو الآذان عند وجود الإِمام على المنبر للخطبة، وقيل: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤذّن واحد وكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، وأول جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم مهاجراً فنزل قباء على بني عمرو وبني عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واديهم فخطب وصلى الجمعة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد"تفسير : ، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أتاني جبريل (عليه السلام) في كفه درة بيضاء وقال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعو إلى الآخرة يوم المزيد"تفسير : ، وعنه: "حديث : إن لله في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق من النار" تفسير : وعن كعب: أن الله فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة، وقال (عليه السلام): "حديث : من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد ووقّي فتنة القبر" تفسير : وفي الحديث: "حديث : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم" تفسير : وقوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} قيل: امضوا إليه مسرعين، وقيل: ما أمروا بالسعي على الأقدام وقد نهوا أن يؤتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع، والمراد بالذكر قيل: بالخطبة، وقيل: الصلاة والله أعلم {وذروا البيع}، قيل: يحرم البيع عند الأذان الثاني، وقيل: عند خروج الإِمام {إن كنتم تعلمون} بمصالح نفوسكم {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} أي تفرقوا للتصرف والتجارة وهو إباحة وليس بأمر، وروي: ليس أتطلب شيئاً ولكن عيادة مريض أو حضور جنازة وزيارة أخ في الله، وقيل: هو طلب العلم، وقيل: التطوع {وإذا رأوا تجارة أو لهواً} حديث : وروي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة، فقاموا اليه خشيوا أن يسبقوا فما بقي معه الا نفر يسير، قيل: ثمانية، وقيل: أحد عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: أربعون فقال (عليه الصلاة والسلام): "والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأظلم الله عليهم الوادي ناراً" تفسير : وكانوا إذا قيل لهم: العير استقبلوها بالطبل والتصفيق وهو المراد باللهو، وعن قتادة: فعل ذلك ثلاث مرات وقرئ {انفضّوا} وقرئ اليهما {قل} يا محمد {ما عند الله خير من اللّهو ومن التجارة والله خير الرازقين} سبحانه وتعالى.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلٰوةِ} أي لاجلها أو اليها وقيل لام التوقيت أي لوقتها {مِن يَوْمِ} بيان لأداء أو بمعنى في {الجُمُعَةِ} سمي لاجتماع الناس فيه للصلاة وكانت العرب تسميه العروبة وقيل سماه كعب بن لؤي لاجتماع الناس فيه اليه وقيل اسماه اهل المدينة قبل الهجرة اختاروه ليذكروا الله فيه ويصلوا لما رأوا اليهود يجتمعون في السبت والنصارى في الاحد وقيل سمي لأن الله جمع فيه بين خلق آدم وقيل لانقضاء خلق المخلوقات فيه فاجتمعت في الوجود وقيل: معناه يوم الفرح المجموع وقرىء باسكان الميم وفتحها والمراد النداء عند قعود الامام على المنبر للخطبة. وكان يؤذن بلال عند قعوده صلى الله عليه وسلم على المنبر ولما كثر الناس في زمان عثمان زاد نداء آخر في الزوراء وهي موضع قرب المسجد عند سوق المدينة قيل كان مرتفعا كالمنارة وقيل لما تباعدت المنازل وكثر النأي زاد مؤذن آخر وأما الأذان الاول فجعله على داره المسماة بالزوراء فإذا جلس على المنبر اذن الثاني وإذا نزل اقام الصلاة ولم يعيبوا ذلك عليه. وقيل لما اراد كعب المذكور يوما للذكر والصلاة وجعلوه يوما العروبة اجتمعوا الى سعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة وفي أول جمعة في الاسلام وكان كعب بن مالك اذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لسعد بن زرارة فقال له ابنه عبدالرحمن يوما: لم تترحم له إذا سمعت نداء الجمعة فقال: لانه أول من جمع بنا في هذا البيت في موضع يسمى نقيع الخصمان فقال له: كم كنتم يومئذ قال: اربعون وأول جمعة جمعها صلى الله عليه وسلم انه لما نزل قباء مهاجرا على بني عمرو بن عوف واقام بها يومٍ الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس واسس مسجدهم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فادركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلى الجمعة ونزوله قباء يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الاول حين امتد الضحى. {فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} امضوا اليه مسرعين فإن السعي دون العدو وفوق المشي والذكر الخطبة عند سعيد بن المسيب وفي الحديث "حديث : إذا كان يوم الجمعة كان على باب من ابواب المسجد ملائكة يكتبون للاول فالاول فإذا جلس الامام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر"تفسير : وقيل: الذكر الخطبة والصلاة وقيل: الصلاة وهو المشهور. قال ابو حنيفة: ان اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله الحمد لله أو سبحان الله أو الله اكبر جاز لتسمية الله الخطبة ذكراً وصعد عثمان المنبر فقال: "الحمد لله" وابسح عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وانكم إلى إمام فعال أحوج منه إلى إمام قوال وستأتيكم الخطب ثم نزل وذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد والمشهور أن أقل ما يجزي في خطبة الجمعة وغيرها الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. وعن أحمد وابي يوسف والشافعي لابد من كلام يسمى خطبة وما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين والاتقياء والموعظة والذكر في حكم ذكر الله واما ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فلا يجوز وهو بعيد من ذكر الله. وعن بعض: إن السعي هنا المبادرة وقيل: المراد المشي فقط وقيل: السعي بالنية والعمل من وضوء وغسل ومشي ولبس ثوب كل ذلك سعي قال مالك: إنما تؤتى الصلاة بالسكينة وفي الحديث في الصلاة "حديث : لا تأتوها وأنتم تسعون وآتوها وعليكم السكينة"تفسير : ويدل على أن المراد بالسعي المضي قراءة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين. "فامضوا إلى ذكر الله" وعن ابن مسعود فلوا قرأت فاسعوا لاسرعت حتى يقع ردائي وسمع عمر قارئا فاسعوا فقال من أقرأك هذا قال أُبي بن كعب فقال لا يزال يقرأ بالمنسوخ لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي وسمع ابن عمر الاقامة وهو بالبقيع فاسرع المشي قال محمد بن الحسن وهو لا بأس به مالم يجهد نفسه. والخطبة فرض وبها تنعقد الجمعة عند الجمهور وقال داود الظاهري مستحبة وعن علي اما والله ما هو بالسعي على الاقدام ولكن بالنية والخشوع والوقار وعنه صلى لله عليه وسلم: "حديث : إِذا سمعتم الاقامة فامشوا الى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا ". تفسير : {وَذَرُوا البَيْعَ} اتركوه وهو شامل للشراء حقيقة أو مجاز وعلى الاول ففيه استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيين وعلى الثاني فيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه والواضح عندي ان المراد البيع بمعنى اتركوا عقده فهو نهي ايضاً عن الشراء لانه ينعقد بالشراء وأيضا اذا حرم البيع حرم الشراء لانه اعانه على المحرم ويحرم إذا كان الأذان الثاني وقيل الاول وهو الواضح. وقال الزهري عند خروج الامام وقال الضحاك عند الزوال والصحيح انه ان وقع ثبت وعصى المتبايعان لانه لم يحرم لعينه بل لما فيه عن الاشتغال عن الواجب. وقد صحت صلاة الغاصب في الارض المغصوبة وبالثوب المغصوب على قول ولا يصح الوضوء بالماء المغصوب خلاف لبعض وقيل ان وقع فسد واراد ترك كل ما يشغل ولكن خص البيع لاجتماع الناس الى المصر واغتصاص الاسواق بهم عند دنو الزوال ويتكاثر البيع والشراء وقد منه بعضهم السفر بعد الزوال حتى يصلي الجمعة واجازه اصحاب الرأي ان كان يفارق البلد قبل خروج الوقت وكره ايضا قبل الزوال إلا ان كان لطاعة ومنع بعضهم السفر بعد طلوع الفجر حتى يصليها والصحيح الجواز بدليل حديث : انه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في غزوة يوم الجمعة ولما صلى رآه فقال ما منعك ان تغز وقال اريد ان اصلي معك فالحقهم فقال: لو انفقت ما في الارض جميعاً ما ادركت فضل غزوتهم تفسير : وإن عمر رأى رجلا عليه أهبة السفر يقول لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت فقال له عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. ولا يجب ترك البيع على من لا تجب عليه الجمعة على التحقيق كالمريض والحائض والنفساء والخائف ولا تجب إذا كانت الارض تزلق وقيل اذا ابتلت وكذا الجماعة في سائر الصلوات كما في الحديث وقد خطب ابن عباس وامر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة ان يقول الصلاة في الرجال فنظر بعض إلى بعض انكروا ذلك فقال كأنكم انكرتم قد فعله من هو خير مني وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولا تجب على مملوك وامرأة وتجب في الامصار السبعة ولو مع جائر وتجب حيث كان الامام العدل ولا تجب على مسافر وتجب على من سمع النداء وتجب على المكاتب لانه حر عندنا، وقد قال بعض من قال انه عبد مابقي عليه درهم انها تجب عليه وقولان عن احمد في العبد بل روايتان عنه ولا جمعة على من لايسمع نداءها إلا إن كان المؤذن غير جهور أو منع الريح أو الاصوات من السماع وعن سعيد بن المسيب تجب على من آواه المبيت. وعن الزهري: تجب على من كان ستة اميال وقال ربيعة: على أربعة أميال وقال مالك والليث: على ثلاثة أميال وقال ابو حنيفة لا جمعه: على أهل نواحي القرية وتنعقد بأربعين فصاعدا إن كانوا أحراراً بالغين عاقلين مقيمين في موضع لا يضعنون عنه شتاء ولا صيفا إلا ضعن حاجة وشرط عمر بن عبدالعزيز ان يكون فيهم وال ولم يشترطه الشافعي وتنعقد باربعة عند ابي حنيفة بشرط الوالي وقال الاوزاعي وابو يوسف: تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال وقال الحسن: تنعقد باثنين كسائر الصلوات وقال ربيعة: تنعقد باثنى عشر رجلا ولا يكمل العدد بمن لا تجب عليه وتصح في موضعين في البلد إذا كثر الناس وضاق الجامع عند احمد لا عند الشافعي ومالك وابي يوسف ولا جمعة عند ابي حنيفة إلا في مصر جامع وهو الذي اقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الاحكام ومن شروطها الامام أو من يقوم مقامه وفي الحديث حديث : أَربع الى الولاة الفىء والصدقات والحدود والجماعة تفسير : وان اجتمع ناس على واحد بلا اذن الامام فصلى بهم جاز عند بعض ولا تجب على الاعمى ولا على الشيخ الذي لايقدر. {ذَلِكُمْ} السعي إلى ذكر الله {خَيْرٌ لَّكُمْ} من المعاملة بالبيع والشراء وما يشغل لأن نفع الآخرة خير وأبقى {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الخير والشر أو كنتم من أهل العلم وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر كتب من المنافقين"تفسير : وعن ابن عباس:"حديث : من تركها أربعا من غير عذر طبع الله على قلبه"تفسير : قيل:ابطل الله قول اليهود في ثلاث افتخروا انهم اولياء الله واحباؤه فكذبهم بقوله {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} وافتخروا انهم اهل كتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل اسفارا وافتخروا بالسبت فشرع الله فيهم الجمعة. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ادخل الجنة وفيه اهبط الى الارض وفيه تقوم الساعة وهو عند الله يوم المزيد"تفسير : . وقال: "حديث : اتاني جبرائيل وفي كفه مرآة بيضاء وقال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولامتك من بعدك وهو سيد الايام عندنا ونحن ندعوه الى الآخرة يوم المزيد وقال: ان لله في كل جمعة ستمائة الف عتيق من النار تفسير : وعن كعب: حديث : إِن الله فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأًيام الجمعة"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من مات يوم الجمعة كتب الله له اجر شيهد ووقي فتنة القبر"تفسير : وقال: "حديث : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الاول فالاول"تفسير : وكانت الطرق في ايام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة احدثت ترك البكور الى الجمعة وبكر ان ابن مسعود فرأى ثلاثة سبقوه فاغتنم وعاتب نفسه وقال اراك رابع اربعة وما رابع اربعة بسعيد وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعث الله الأًيام على هيئاتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة اهلها محفون بها كالعروس تهدي الى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها الوانهم كالثلج بياضاً وريحهم يسطع كالمسك يخوضون جبال الكافور ينظر اليهم الثقلان ما يطرفون تعجباً يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا لمؤذون المحتسبون"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي فهو يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه"تفسير : وأشار بيده يقللها وفي روايات اسقاط قيد الصلاة ذكر ابو هريرة ذلك لكعب فقال كعب ذلك في كل سنة فقال أبو هريرة: في كل جمعة فقرأ كعب التوراة وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. التقى كعب معه في الطور فهو يحدثه عن التوراة وابو هريرة يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مما حدث به كعبا ما مر انه يقع يوم الجمعة أو وقع وقال ايضاً له انه تيب على آدم فيه وانه مات فيه وما من دابة لا مصخية حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والانس وصدقه كعب ولقي عبد الله بن سلام فحدثه بمجلسه مع كعب وما قالا قال عبد الله قد علمت ساعة الاجابة فيها فقال أخبرني ولا تكن عني أو لاتضن علي قال هي آخر ساعة فقال كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي الخ..... وتلك الساعة لا يصلي فيها فقال عبدالله: ألم يقل من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في الصلاة حتى يصليها فقال: بلى. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة أي كغسلها ثم راح في الساعة الأُولى فكانما قرب بدنه ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح الثالثة فكأنما قرب كبشا ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم جاء واستمع وأنصت غفر له ما بينهما وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا ومن قال انصت فقد لغا ومس الحصى لغو إذا مسه على جهة العبث به ولا يجب لها الغسل ولكنه أفضل إلا من لزمه لنحو جنابة وقال: من غسل لها غفر له ومن اغبرت قدماه في سبيل الله عفر له"تفسير : وقال "حديث : لايغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع ويدهن ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلم يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينها وبين الأخرى"تفسير : وقال: "حديث : من غسل واغتسل وبكر ومشى ولم يركب ودنا من الإِمام ولم يلغ واستمع كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها"تفسير : قول مكحول معنى غسل واغتسل غسل رأسه وجسده. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين"تفسير : والودع الترك وفيه دليل على وجود مصدر لـ(ودع) وورد عنه أنه هتم أن يأمر من يصلي الجماعة في سائر الأيام والجمعة ويتخلف يحرق بيوت من لا يحضرهما ومسائل الجمعة كثيرة مذكورة في الايضاح والقناطير وغيرهما.

اطفيش

تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} يكفى أذان واحد كما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذن واحد يؤذن على باب المسجد إِذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر لكثرة الناس، وإِذا نزل عن المنبر أقام الثانى الصلاة، والمعتبر هو الأَذان الأَول للأَحكام كوجوب السعى وحرمة البيع، وهذا هو الحق ولا وجه لإِلغاء الأَول مع أنه العمدة والمتبادر من الآية وغيرها، وإِنما نرى الثانى المحدث كالتأكيد له كالإِقامة تأَكيدا للأَذان، ولأَنه لم يوجد على عهده - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين بعده إِلا واحد فهو الأَذان المأَمور به وليس بثان والذى بين يدى المنبر على عهده - صلى الله عليه وسلم - هو الإِقامة لا أذان ثان، ولما كثر الناس فى زمان الإِمام عثمان زاد نداء ثانيا على الزوراء فثبت الأَمر على ذلك، والزوراء موضع مرتفع كالمنارة عند سوق المدينة قريب من المسجد، ومن بمعنى فى كقوله تعالى: {أية : أروني ماذا خلقوا من الأَرض} تفسير : [فاطر: 40، الأحقاف: 4]. أى فى الأَرض، على أحد أوجه، ومن العجيب جعلها تبعيضية وجعلها لبيان إِذا ولم يسمع بيان إِذا قط بمن ولا تعقبها بالبعضية ولا يخبر على إِذا بأَنه يوم الجمعة، وإِذا جعلت من لبيان إِذا، فكأَنه أخبر عن إِذا بأَنه يوم الجمعة والجمعة علم لليوم المخصوص فالإِضافة للبيان على أن لفظ الجمعة وحده يطلق عليه، ولو بلا ذكر يوم كما عليه جمهور أهل اللغة وتسميته متقدمة على نزول الآية، وهو اسم جنس يقرن بالـ ولا يقرن، وقيل لازمة والأَول أصح، ومعنى الجمعة بضم الميم هو معنى الجمعة بإِسكانها كما قرأ به عبد الله بن الزبير بن العوام وزيد بن على وهو رواية عن أبى عمرو بالإِسكان وهو المجموع فيه كالضحكة بضم فاسكان بمعنى المضحوك منه وهما وصف أو هما مصدر بمعنى الاجتماع وكل ذلك فى الأَصل. قال الأَنصار قبل الهجرة وقبل نزول السورة لليهود يوم وللنصارى يوم فتعالوا نجعل لنا يوما نجتمع فيه ونذكر الله عز وجل، فاجتمعوا إِلى أسعد بن زرارة فجعلوه يوم الجمعة فصلى بهم ركعتين ووعظهم وذبح لهم شاة تغدوا وتعشوا بها وذلك فى قرية على ميل من المدينة فسموه بذلك يوم الجمعة، وقيل سمى لاجتماع الناس فيه للصلاة جماعات وأول جمعة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأَصحابه لما هاجر نزل على بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتى عشرة مضت من ربيع الأَول، حين امتد الضحى فأَقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأَربعاء والخميس وأسس مسجدهم وخرج منهم يوم الجمعة، فأَدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف فى بطن واديهم وخطب وصلى صلاة الجمعة واتخذ فيه مسجدا، أعنى أن ذلك الموضع الذى فيه اتخذه مسجدا وعرفه الناس وقصدوه ويأتى ذلك قريبا، وقيل أول من سماها كعب بن لؤى، وقيل ذلك يسمى عروبة ويوم عروبة ويوم العروبة، والأَفصح ترك (الـ)، وعروبة سريانى عرب ومعناه الرحمة، والعجمى لا تدخله (الـ) إِلا للمح الأَصل كشلوبين بمعنى أشقر أبيض، فتدخل الـ لهذا المعنى. وقيل سمى لأَنه اجتمع فيه آدم وحواء. وفى الحديث سمى لأَنه جمعت فيه طينة آدم، وعبارة بعض اجتمع فيه خلق آدم وظاهره أنه تم فى جسده، وقيل لأَنه اجتمع فيه الخلق كلهم أى تم، وآخرهم آدم. وقال عبد الرحمن بن كعب بن مالك قلت لأَبى: لماذا تترحم على أسعد بن زرارة كلما سمعت الأَذان يوم الجمعة؟ فقال لأَنه أول من جمع بنا فى نقيع الخضمات من حرة بنى بياضة. فقلت: كم أنتم يومئذ؟ فقال: أربعون كما فى أبى داود. وبعد ذلك نزل فرضها وشرطها وكيفيتها، ولم يكن أسعد ومن معه يصلون الخمس، ونزلت فى مكة وأُقيمت فى المدينة حين هاجر وقيل فى العام الثانى وقيل وقيل إِلى أن قيل فى العام العاشر عشرة أقوال، واختير أنها فى السادس وأول من أقامها على كيفيتها النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المدينة، خطب وقال: "حديث : فرضت في مقامي هذا ولا شيء من أُمور الفرض والنفل لمن لم يقمها ومن تاب فمن تركها تاب الله عليه"تفسير : . وأول من صلاها قبله من الصحابة على وجهها مصعب بن عمير أول من هاجر وأقامها هو وأصحابه، وهو وهم اثنا عشر رجلا وذلك على غير وجوب لقوله - صلى الله عليه وسلم - فرضت فى مقامى هذا، وقيل صلاها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اجمع الأَولاد والنساء وصل بهم الركعتين يوم الجمعة" تفسير : يعنى كل من قدرت عليه وقد فرضت فى مكة ولم يقدر عليها إِلا فى المدينة ولا يخفى أن الإِسلام يذكر فى المدينة قبل العقبات، ومن العقبات فلا مانع من أن الأَنصار فيهم من يصلى الخمس ويصلى الجمعة كما جاءه عن رسول الله فى مكة إِذ يذكرها من غير أن تفرض عليهم حتى يهاجر. {فَاسْعَوْا} من حيث يسمع النداء ويدرك الصلاة ماشيا عند ابن عمر وأحمد وعن ابن عمر وأبى هريرة من ستة أميال وقيل من خمسة وقيل من أربعة وقال مالك من ثلاثة. وقال أبو حنيفة من المصر الذى فيه الأَذان ولو كان لا يسمع الأَذان لا من خارج، ولو كان يسمع إِلا أن يشاء، وفى أبى داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الجمعة على من سمع النداء" تفسير : ولا يخفى أنه تلزم الأَصم إِذا كان فى موضع يسمع الأَذان فيه غيره، وقالوا يعتبر صوت مؤذن جهور الصوت فى وقت تكون الأَصوات هادئة والرياح ساكنة، وقيل تجب على من أواه الليل، ولا يجوز أن يسافر الرجل يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلى الجمعة، وقيل يجوز إِذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت، وإِذا سافر الزوال فلا بأس إِلا أنه يكره إِذا طلع الفجر إِلا إِن خرج لطاعة كحج وغزو وقيل لا يجوز بعد الفجر، وسمع عمر رجلا يقول لولا أن اليوم يوم الجمعة لسافرت، فقال: سافر فإِن الجمعة لا تحبس عن سفر، وكذلك يدل على الجواز ما رواه الترمذى أنه صلى الله عليه وسلم - أمَّرَ عبد الله بن رواحة على سريَّة، فصلى الجمعة معه - صلى الله عليه وسلم - فقال له - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أُريد أن أصلي الجمعة معك ثم ألحقهم. فقال: لو أنفقت ما في الأَرض ما أدركت فضل غدوتهم"تفسير : ، إِلا أن الحديث فى السفر للطاعة. {إِلَى ذِكْرِ اللهِ} أى إِلى الصلاة أو وعظ الإِمام، أى أسرعوا إِليه بقلوبكم ناشطة وحريصة ونية وخشوع، وأما المشى فمتوسطا، وقد جاء فى الحديث ذكر المشى فى شأن الصلاة عموما بأَنه بلا إِسراع. قال البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتموا تفسير : والسعى فى الآية مجاز عن الحرص والرغبة بالقلوب لعلاقة الشبه بالمشى بالأَرجل أو لعلاقة اللزوم والتسبب، وفى رواية حديث : إِذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون واتوها تمشون وعليكم السكينة. إِن أحدكم إِذا كان يعمد إِلى الصلاة فهو في الصلاة تفسير : وذلك كقوله تعالى: {أية : فلما بلغ معه السعي} تفسير : [الصافات: 102]. أى المشى وكان عمر يقرأ فامضوا إِلى ذكر الله، ولعلها قراءة تفسير. قال الحسن: والله ما هو بإِسراع بالأَقدام بل بالقلوب والسنة المشى إِلا لبعد أو ضعف، وقومنا يفسدون جمعتهم برفع الأَيدى وأخذ الأَيمن على الشمال لأَحاديث وضعها أوائلهم أو غيرهم وهب أنها صحت عنه - صلى الله عليه وسلم - لكن فعل ذلك لداع مثل أن يقع سلاح من تأَبطه للشر، وهل صح أنه أدام - صلى الله عليه وسلم - ذلك كما يديمه هؤلاء ولو أدامه لشهر ولم يختلف فيه وكذا يفسدون سائر صلواتهم. وذكرُ اللهِ الخطبةُ وقيل الصلاة ورجح بعضهم الأَول والأَولى أنه الخطبة والصلاة معا وليست الصلاة كلها ذكرا لله، فذلك تسمية للكل باسم البعض وكذا الخطبة، أو المراد بالذكر ما يدل على الله ويستعمل فى شأنه فذلك مجاز لغوى حقيقة عرفية خاصة ويكفى القليل من الذكر فى الخطبة كالحمد والصلاة والسلام وهى واجبة كما فى الحديث إِلا على الصبى والمرأة والمريض والمملوك، كما رواه أبو داود مرفوعا عن طارق بن شهاب وقيل تجب على العبد، وبه قال الحسن وقتادة والأَوزاعى ولا تجب على مسافر. كما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - سافر ولم يصلها كما فى زمان فتح مكة، ولكن تجوز له كما روى أنه نزل فى أهل قباء على بنى عمرو بن عوف وأقام الاثنين والثلاثاء والأَربعاء والخميس وأسس مسجدهم وخرج يوم الجمعة إِلى المدينة فأَدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف فى بطن وادٍ لهم فخطب وصلى الجمعة، وهى أول جمعة صلاها وتجب بثلاثة وإِمام رابع، ونسب لأَبى حنيفة، وروى قديما للشافعى وهو الواضح، وقيل على اثنين أحدهما إِمام وقيل ثلاثة أحدهم الإِمام، ونسب لأَبى يوسف ومحمد وروى قديما للشافعى أو بسبعة أو تسعة أو اثنى عشر أو ثلاثة عشر أو عشرين ونسب لمالك، أو ثلاثين وهو رواية عن مالك، أو أربعين وهو جديد الشافعى وهو ما فى مصر إِذ هرب إِليها وقديمه ما له فى بغداد قبل الهروب، والأَربعون بُلَّغ أحرار ذكور عاقلون مقيمون فى موضع لا يظعنون شتاء ولا صيفا إِلا ظعن حاجة، زاد عمر بن عبد العزيز أن يكون فيهم وال. وعن على لا جمعة إِلا فى مصر جامع، ولم يشترط الشافعى الولى وقال أبو حنيفة تنعقد بأَربعة والوالى شرط، وقال الأَوزاعى وأبو يوسف بثلاثة إِذا كان فيهم وال، ولا تصح إِلا فى موضع واحد. وقال أحمد تصح فى موضعين إِذا كثر الناس وضاق الجامع، وشهر عن أحمد أو خمسين أو ثمانين والإِمام فى ذلك كله واحد من العدد، وزعم القاشانى أنه تصح برجل وحده وهو قول ساقط وهى خلف الإِمام العدل أو خلف من أمره الإِمام بإِقامتها، وأقول بوجوبها خلف الإِمام الكبير الجائر إِذا كان حريصا على إِقامة دين الإِسلام ولما يدخل فيها ما يبطلها، ويجزى فى الخطبة حمد الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويوصى بتقوى الله تعالى، والخطبة واجبة لا تصح الجمعة إِلا بها وهى قائمة مقام الركعتين، وقال داود الظاهرى مستحبة. {وَذَرُوا} اتركوا {الْبَيْعَ} المعاملة بالمال ولو إِجارة أو شراء أو سلما أو عقد الرهن وغير ذلك، وذلك إِطلاق للخاص على العام وقيل المراد البيع والشراء وأما غيرهما فبالنسبة ويحتمل أن يكون عبارة عن كل شاغل كإِطلاق الأَكل على مطلق الإِتلاف فيحرم كل مباح شاغل والأَمر للوجوب، وعن عطاء شملت الآية أن يأتى الرجل أهله وأن يكتب كتابا وزعم بعض أن الأَمر فى الآية للتنزيه وهو خطأ وإِن وقع بيع أو غيره من العقود صح وعصى متعمده وقيل فسق وقيل بطل العقد وعليه ابن العربى وإِن نسيا أو لم يسمعا الأَذان أو لم تلزمهما صح ويستمر التحريم من الأَذان الأَول على الصحيح. وقال الزهرى: من الأَذان الثانى وقيل من أول وقت الزوال الذى هو أول وقت الصلاة ولو قبل أن يؤذن والأَذان إِنما هو لأَول الوقت، وهو قول الحسن ولا يحرم البيع على من لا تلزمه كما مر خلافا لما روى عبد الرحمن بن القاسم أن أباه القاسم دخل على أهله وعندهم عطاء يبايعونه وذهب ووجد الإِمام قد فرغ من الصلاة فرجع إِليهم فقال لهم: البيع منتقض، قلت: لعله انتقض لأَن البائع قد لزمته الجمعة ولو لم تلزم النساء والخدم والأَطفال من أهله. {ذَلِكُمْ} ذلكم المذكور من السعى إِلى ذكر الله وترك البيع {خَيْرٌ لَّكُمْ} فى دنياكم وأُخراكم من مصالح الدنيا، فإِن خير الآخرة أعظم فى نفسه وأكثر أفرادا وأبقى وكثيرا ما يفضل الفرض على المباح وعلى المحرم فلا يقال لما علم التفضيل على الأَمر الدنيوى علمنا أن الأَمر للندب {إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تعرفون حقيقة الخير والشر، أو إِن كنتم من أهل العلم على تنزيل المتعدى منزلة اللازم علمتم خيرية السعى وترك البيع، ومن خيريتهما عن أبى بردة أن وقت الإِجابة وقت قيام الإِمام فى الصلاة حتى يسلم. وقال الحسن: وقت الإِجابة وقت زوال الشمس. وقال الشعبى: وقت تكبير الإِمام تكبير الإِحرام إِلى أن يسلم، وعن عائشة وقت الأَذان، وعن كثير بن عبد الله المزينى: وقت إِقامة الصلاة إِلى التسليم، وعن أبى أُمامة: إِذا أذن المؤذن أو جلس الإِمام على المنبر أو عند الإِقامة، وعن مجاهد: بعد العصر، وشهر إِخفاؤها. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ} أتمت وفرغ منها {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} إِباحة للانتشار بعد ما منعوا منه بالحشر إِلى الصلاة، لا إِيجاب لجواز البقاء فى المسجد بعد الصلاة، ولا ندب إِجماعا فيما قيل وليس كذلك، أعنى لا إِجماع فقد قال السرخسى إِن بعضا قال بوجوب الانتشار وإِن بعضا قال بالندب. قلت: وجههما أن فى الخروج من المسجد زيادة بيان إِقامة الجمعة، قال عبد الله بن بسر الحرانى: رأيت عبد الله بن بسر المازنى صاحب النبى - صلى الله عليه وسلم - إِذا صلى الجمعة خرج فدار فى السوق ساعة ثم رجع إِلى المسجد فصلى ما شاء الله تعالى أن يصلى فقيل له: لماذا تفعل ذلك؟ فقال: لأَنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، وتلا الآية. قال سعيد بن جبير لابن المنذر: إِذا فرغت من صلاة يوم الجمعة فاخرج إِلى باب المسجد فساوم الشئ وإِن كنت لا تشتريه وارجع إِلى المسجد فالخروج مندوب إِليه، كما روى أيضا عن سعيد بن جبير وهو ظاهر الآية وموافق للسنة والأَثر، وهو أنسب بقوله تعالى: واذكروا الله كثيرا، أى ذكرا كثيرا قبل الصلاة وبعدها ولا تقتصروا على الصلاة، ولا ذكر حال الخطبة إِلا للاستمتاع لها. {وَابْتَغُوا} اطلبوا {مِنْ فَضْلِ اللهِ} إِباحة للبيع بعد المنع عنه فالمراد بفضل الله فضله الدنيوى، وعن الحسن المراد طلب العلم. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شئ من الدنيا إِنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة وزيارة أخ فى الله تعالى. وكذا روى عن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومراده - صلى الله عليه وسلم - ومراد الحسن وابن عباس التمثيل بما ذكر من العبادة وشهر أن الأَمر بعد النهى للإِباحة ولا يتعين هذا إِلا أنه - صلى الله عليه وسلم - فسره بالعبادة، لا بإِباحة ما نهى عنه من البيع لكن لا مانع من تفسير البيع بمطلق الشاغل عن السعى إِلى الجمعة ولو كان الشاغل عبادة، كما أطلق الأَكل على مطلق الإِتلاف فيكون قوله تعالى: وابتغوا، لإِباحة سائر العبادات بعدما نهوا عنها بعد الأَذان وإِباحة سائر المباحات. {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون بثواب الذكر الكثير فى الدنيا والآخرة وبثواب سائر الأَعمال الصالحة. قال البخارى ومسلم والترمذى عن جابر بن عبد الله: بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة قائما إِذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق منهم إِلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم وأبو بكر وعمر فأَنزل الله تعالى {وَإِذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} إِلى آخر السورة، وفى بقاء اثنى عشر وهو واقعة حال مناسبة لقول من قال: تتم الجمعة باثنى عشر لكن ليس فى هذا دليل على أن أقل منها لا يجزى، وفى رواية ابن عباس: بقى فى المسجد اثنا عشر رجلا وسبع نسوة، وقيل: إِلا اثنا عشر رجلا وامرأة وفيهم عمر وأبو بكر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً ". تفسير : وعن قتادة: لو اتبع آخركم أولكم لالتهب الوادى عليكم نارا وقيل: لم يبق إِلا أحد عشر رجلا قال غالب بن عطية فيما رواه قومنا: هم العشرة المبشرون بالجنة وعمار. وفى رواية العشرة المبشرة وابن مسعود، وفى رواية ذكر جابر بن عبد الله وبلال، وفى رواية ذكر بلال وابن مسعود دون جابر. وقيل: لم يبق إِلا ثمانية وقيل: بقى أربعون. ومعنى اضطرام المسجد عليهم نارا اضطرامه لأَجلهم نارا وكذا اضطرام الوادى فعلى للتعليل وذلك دليل سوء إِذ هدم المسجد لأَجلهم نارا ولم يقبل بناءه عنهم، وإِذ اضطرم بطن واديهم نارا انتقاما أو يحرقهم الله فى الوادى أو يردهم الله عز وجل إِلى المسجد فيحرقه عليهم عقابا، فتكون على للاستعلاء وذلك أنه أصاب أهل المدينة جوع وغلاء وخرجوا للعير وهى لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه تحمل طعاما وقيل لدحية بن خلف الكلبى، وكان أهله يتلقونه بالدفوف إِذا قدم وتخرج إِليه العواتق ويضرب الدف ليحضروا للشراء منه إِذ يقدم بزيت ودقيق وغيرهما وينزل عند أحجار الزيت بالمدينة وهو مكان فى سوق المدينة، وفى هذه الرواية أنه - صلى الله عليه وسلم - يقدم الصلاة على الخطبة وقد صلى وجاء رجل يقول إِن دحية قد قدم فخرجوا يظنون أنه لا يجب الاستماع للخطبة وقد صلوا الجمعة، وبعد ذلك كان يقدم الخطبة وهذا غير معروف، والمعروف أنه لم يقدم الصلاة عليها قط وإِنما يقدم الصلاة فى العيدين والانفضاض الافتراق والضمير فى إِليها للتجارة وخصها بالإِضمار لأَنها المقصودة بالذات واللهو تابع لها كما مر أنهم يستقبلون دحية إِذا قدم بالتجارة بالدفوف وهذا إِنما يناسب قدومه لا قدوم عير عبد الرحمن بن عوف اللهم إِلا أن يكون تستقبل بالدفوف أيضا أو بغيرها، أو يقال بالحذف تقديره أو إِليه بأَن ينفضوا تارة للتجارة وتارة للهو بلا تجارة وإِنما لا يحتاج إِلى تقدير بعد أو إِذا صلح المذكور لهما على البدلية نحو زيد أو عمرو قائم، فإِن لفظ قائم لائق بكل وأما إِذا لم يصلح لهما فلا بد من التقدير مثل ما هنا، فإِن لفظ إِليها لا يصلح للهو ويجوز قيل رد الضمير إِلى الرؤية المأخوذة من رأَوا على حذف مضاف أى إِلى مرآها أو إِلى مطلوبها وذلك خلاف الظاهر ويجوز تأويل التجارة واللهو بالخصلة أو بنحو ذلك من المفردات المؤنثة، فيصلح رد الضمير إِليها شاملة لهما شمولا بدليا قدم التجارة لأَنها الغرض الأَهم لهم، وأما اللهو فتابع كما علمت وأُخرت فى التفضيل بعد لتقع النفس أولا على ما هو أذم ومحرم مطلقا ولو فى غير صلاة الجمعة {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} على المنبر وكان الواجب أن يمكثوا حتى تتم الخطبة ويصلوا فبعد ذلك لست قائماً على المنبر والآية دليل على أن الخطيب يكون على المنبر قائما لا قاعدا، وأول من قعد فيه معاوية وذلك لعجزه عن القيام، وسئل ابن مسعود وابن سيرين وأبو عبيدة: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، فقالوا أما تقرأ وتركوك قائما. وكان عبد الرحمن ابن الحكم يخطب قاعدا فدخل كعب بن عجرة فقال انظروا إِلى هذا الخبيث يخطب قاعدا وقد قال الله تعالى: وتركوك قائما. وقال أبو حنيفة لا يشترط قيام ولا قعود وكذا قال أحمد وقيل أول من استراح فى الخطبة عثمان، والمراد استراحة غير الجلسة التى رويت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخطب خطبتين يجلس بينهما. رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه عن ابن عمر وكذا أبو بكر وعمر لهما جلسة بين الخطبتين، وظاهر قوله تعالى: وإِذا رأوا تجارة إِلخ أنهم فعلوا ذلك مرارا. روى البيهقى عن مقاتل أنهم فعلوه ثلاث مرات. قلت: لا يصح ذلك ولا دليل عليه ولم يتبين ذلك ولو كان لبين. بل كثيرا ما يذكر الله تعالى ما وقع أو يقع مرة واحدة بلفظ يفيد التكرير وبيان ذلك أنه من فتح باب فعل ففتحه فتح للتعدد ولو لم يتعدد، وإِذا افترق الناس عن الإِمام وبقى معه اثنان أتمها جمعة اعتبارا لبقاء حكم المبدأ للآخر، ولما صحت أولا انسحبت الصحة للآخر وقيل إِن بقى معه ثلاثة، وقيل إِن بقى أربعون والجامع أنه إِن بقى معه قدر ما تتم به وتجب على الأَقوال السابقة فى أقل ما تنعقد به فيتمها جمعة، وإِن بقى أقل نقضها واستأنفها أربع ركعات، فقيل إِذا خرج على قدر ما يجزى ولو نقضوا قبل قراءة الفاتحة، وقيل إِن أتموا معه ركعة وقيل إِن ركعوا وقيل إِن قعدوا فى التحيات بعض قعود. وقيل إِن أتموا التحيات، وقيل إِن وصلوا الطيبات وقيل إِن سلموا، وبعض هذه الأَقوال مستخرجة. {قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ} من الثواب على استماع الخطبة والصلاة فى الدنيا والآخرة. {خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} اعتبر ما تحصل للنفس من منفعة دنيوية مضمحلة من اللهو وما تحصل من منفعة التجارة، فحصل التفضيل وقدم اللهو لأَنه أقوى مذمة، والمقام لذم من اشتغل به عن العبادة وهو محرم فى الجمعة وغيرها، ولا يقال قدم لأَنه تخلية لأَنا نقول لا تحلية بعده، لأَن التجارة لا تتصف بها هنا، لأَنها فى مقام ذم القاصد إِليها، وأُعيدت (من) لتأكيد أن كلا مستقبل بالذم، ولبعد اللهو عن التجارة فى المعنى {وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} فاسعوا إِليه فى طلب الرزق يرزقكم واسعوا إِليه بالطاعة يكفيكم مؤونة الرزق والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَٰوةِ } أي فعل النداء لها أي الأذان، ((والمراد به على ما حكاه في «الكشاف» الأذان عند قعود الإمام على المنبر. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل عليه الصلاة والسلام أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذناً آخر فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب ذلك عليه)). وفي حديث الجماعة ـ إلا مسلماً ـ فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، وفي رواية للبخاري ومسلم زاد النداء الثاني، والكل بمعنى، وتسمية ما يفعل من الأذان أولاً ثانياً باعتبار أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان بعد، وتسميته ثالثاً لأن الإقامة تسمى أذاناً كما في الحديث « حديث : بين كل أذانين صلاة » تفسير : وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبـي: المعتبر في تعلق الأمر يعني قوله تعالى الآتي: {فَٱسْعَوْاْ } هو الأذان الأول في الأصح عندنا لأن حصول الإعلام به، لا الأذان بين يدي المنبر، ورد بأن الأول لم يكن على عهد النبـي صلى الله عليه وسلم كما سمعت فكيف يقال: المراد / الأول في الأصح؟ وأما كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر لأن وقته معلوم تخميناً ولو أريد ما ذكر وجب بالأول السعي وحرم البيع وليس كذلك. وفي كتاب «الأحكام» روي عن ابن عمر والحسن في قوله تعالى: {إِذَا نُودِىَ } الخ قال: إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة انتهى، وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره كذا قال الخفاجي. وفي كتب الحنفية خلافه ففي «الكنز» و«شرحه»: ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَٰوةِ } الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو الصحيح في المذهب، وقيل: العبرة للأذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر لأنه لم يكن في زمنه إلا هو ـ وهو ضعيف ـ لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة انتهى، ونحوه كثير لكن الاعتراض عليه قوي فتدبر. {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } أي فيه كما في قوله تعالى: { أية : أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [فاطر: 40] أي فيها، وجوز أبو البقاء أيضاً كون {مِنْ } للتبعيض، وفي «الكشاف» هي بيان ـ لإذا ـ وتفسير له. والظاهر أنه أراد البيان المشهور فأورد عليه أن شرط (مِنْ) البيانية أن يصح حمل ما بعدها على المبين قبلها وهو منتف هنا لأن الكل لا يحمل على الجزء واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لأن يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف ولا قرينة عليه هنا؛ وقيل: أراد البيان اللغوي أي لبيان أن ذلك الوقت في أي يوم من الأيام إذ فيه إبهام فيجامع كونها بمعنى في، وكونها للتبعيض وهو كما ترى. والجمعة بضم الميم وهو الأفصح والأكثر الشائع، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وزيد بن علي والأعمش بسكونها، وروي عن أبـي عمرو ـ وهو لغة تميم ـ وجاء فتحها ولم يقرأ به، ونقل بعضهم الكسر أيضاً، وذكروا أن الجمعة بالضم مثل الجمعة بالإسكان، ومعناه المجموع أي يوم الفوج المجموع كقولهم: ضحكة للمضحوك منه، وأما الجمعة بالفتح فمعناه الجامع أي يوم الوقت الجامع كقولهم: ضحكة لكثير الضحك. وقال أبو البقاء: الجمعة بضمتين وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع. وقيل: في المسكن هو بمعنى المجتمع فيه كرجل ضحكة أي كثير الضحك منه انتهى. وقد صار يوم الجمعة علماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وظاهر عبارة أكثر اللغويين أن الجمعة وحدها من غير يوم صارت علماً له ولا مانع منه، وإضافة العام المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة فيما إذا خفي الثاني كما هنا لأن التسمية حادثة كما ستعلمه إن شاء الله تعالى فليست قبيحة كالإضافة في إنسان زيد. وكانت العرب ـ على ما قال غير واحد ـ تسمي يوم الجمعة عروبة. قيل: وهو علم جنس يستعمل بأل وبدونها؛ وقيل: أل لازمة، قال الخفاجي: والأول أصح. وفي «النهاية» لابن الأثير: عروبة اسم قديم للجمعة، وكأنه ليس بعربـي يقال: يوم عروبة ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام انتهى، وما ظنه من أنه ليس بعربـي جزم به مختصر كتاب «التذييل والتكميل مما استعمل من اللفظ الدخيل» لجمال الدين عبد الله بن أحمد الشهير بالشيشي فقال: عروبة منكراً ومعرفاً هو يوم الجمعة اسم سرياني معرب، ثم قال: قال السهيلي: ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم انتهى وهو غريب فليحفظ. وأول من سماه جمعة قيل: كعب بن لؤي، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبـي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه / بكل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة بذلك فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغذوا وتعشوا منها وذلك لعامتهم؛ فأنزل الله تعالى في ذلك بعد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَٰوةِ } الآية. وكون أسعد هذا أول من جمع مروى عن غير ابن سيرين أيضاً، أخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب [بن مالك] أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت: يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان للجمعة ما هو؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في نقيع الخضمات من حرة بني بياضة قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً، وظاهر قول ابن سيرين: فأنزل الله تعالى في ذلك بعد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ أن أسعد أقام الجمعة قبل أن تفرض، وكذا قوله: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبـي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، وفي «فتح القدير» التصريح بذلك، وقال العلامة ابن حجر في «تحفة المحتاج» فرضت ـ يعني صلاة الجمعة ـ بمكة ولم نقم بها لفقد العدد، أو لأن شعارها الإظهار، وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفياً، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة انتهى، فلعلها فرضت ثم نزلت الآية كالوضوء للصلاة فإنه فرض أولاً بمكة مع الصلاة ثم نزلت آيته. لكن يعكر على هذا ما أخرجه ابن ماجه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: « حديث : إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً بها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه » تفسير : فإن الظاهر أن هذه الخطبة كانت في المدينة بل ظاهر الخبر أنها بعد الهجرة بكثير إذ ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام فيه: « حديث : لا حج له » تفسير : أن الحج كان مفروضاً إذا ذاك، وهو وإن اختلف في وقت فرضه فقيل: فرض قبل الهجرة، وقيل: أول سنيها، وقيل: ثانيها، وهكذا إلى العاشرة لكن قالوا: إن الأصح أنه فرض في السنة السادسة فإما أن يقدح في صحة الحديث، وإما أن يقال: مفاده افتراض الجمعة إلى يوم القيامة أي بهذا القيد، ويقال: إن الحاصل قبل افتراضها غير مقيد بهذا القيد ثم ما تقدم من كون أسعد أول من جمع بالمدينة يخالفه ما أخرج الطبراني عن أبـي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمع بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلاً. وأخرج البخاري على ما نقله السيوطي نحوه، وكان ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: أذن النبـي عليه الصلاة والسلام بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك فلعل ما يدل على كون أسعد أول من جمع أثبت من هذه الأخبار أو يجمع بأن أسعد أول من أقامها بغير أمر منه صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه خبر ابن سيرين، وصرح به ابن الهمام ومصعباً أول من أقامها بأمره عليه الصلاة والسلام، أو بأن مصعباً أول من أقامها في المدينة نفسها وأسعد أول من أقامها في قرية قرب المدينة، وقولهم: في المدينة تسامح، وقال الحافظ ابن حجر: يجمع / بين الحديثين بأن أسعد كان أميراً، ومصعباً كان إماماً وهو كما ترى. ولم يصرح في شيء من الأخبار التي وقفت عليها فيمن أقامها قبل الهجرة بالمدينة بالخطبة التي هي أحد شروطها، وكأن في خبر ابن سيرين رمزاً إليها بقوله: وذكرهم، وقد يقال: إن صلاة الجمعة حقيقة شرعية في الصلاة المستوفية للشروط، فمتى قيل: إن فلاناً أول من صلى الجمعة كان متضمناً لتحقق الشروط لكن يبعد كل البعد كون ما وقع من أسعد رضي الله تعالى عنه إن كان قبل فرضيتها مستوفياً لما هو معروف اليوم من الشروط، ثم إني لا أدري هل صلى أسعد الظهر ذلك اليوم أم اكتفى بالركعتين اللتين صلاهما عنها؟ وعلى تقدير الاكتفاء كيف ساغ له ذلك بدون أمره عليه الصلاة والسلام؟! وقصارى ما يظن أن الأنصار علموا فرضية الجمعة بمكة وعلموا شروطها وإغناءها عن صلاة الظهر فأرادوا أن يفعلوها قبل أن يؤمروا بخصوصهم فرغب خواصهم عوامهم على أحسن وجه وجاءوا إلى أسعد فصلى بهم وهو خلاف الظاهر جداً فتدبر والله تعالى الموفق. وأما ما كان من صلاته عليه الصلاة والسلام إياها فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة مهاجراً نزل قبا على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلى الجمعة وهو أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم: إنما سمي هذا اليوم يوم الجمعة لأن آدم عليه السلام اجتمع فيه مع حواء في الأرض، وقيل: لأن خلق آدم عليه السلام جمع فيه وهو نحو ما أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه « حديث : عن أبـي هريرة قال: قلت: يا نبـي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ فقال: لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم عليه السلام » تفسير : الخبر، ويشعر ذلك بأن التسمية كانت قبل كعب بن لؤي ويسميه الملائكة يوم القيامة يوم المزيد لما أن الله تعالى يتجلى فيه لأهل الجنة فيعطيهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر كما في حديث رواه ابن أبـي شيبة عن أنس مرفوعاً. وهو من أفضل الأيام، وفي خبر رواه كثيرون منهم الإمام أحمد وابن ماجه عن أبـي لبابة بن عبد المنذر مرفوعاً « حديث : يوم الجمعة سيد الأيام وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى » تفسير : وفيه أن فيه خلق آدم وإهباطه إلى الأرض وموته وساعة الإجابة ـ أي للدعاء ما لم يكن سؤال حرام - وقيام الساعة، وفي خبر الطبراني « حديث : وفيه دخل الجنة وفيه خرج » تفسير : . وصحح ابن حبان خبر « حديث : لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة » تفسير : وفي خبر مسلم « حديث : فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وأنه خير يوم طلعت عليه الشمس » تفسير : وصح خبر « حديث : وفيه تيب عليه وفيه مات » تفسير : . وأخذ أحمد من خبري مسلم وابن حبان أنه أفضل حتى من يوم عرفة، وفضل كثير من الحنابلة ليلته على ليلة القدر، قيل: ويردهما أن لذينك دلائل خاصة فقدمت. واختلف في تعيين ساعة الإجابة فيه، فعن أبـي بردة: هي حين يقوم الإمام في الصلاة حتى ينصرف عنها، وعن الحسن: هي عند زوال الشمس، وعن الشعبـي: هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، وعن عائشة: هي حين ينادي المنادي بالصلاة، وفي حديث مرفوع أخرجه ابن أبـي شيبة عن كثير بن عبد الله المزني: هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها، وعن أبـي أمامة إِنّي لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات: إذا أذن المؤذن أو جلس الإمام على المنبر أو عند الإقامة، وعن طاوس ومجاهد: هي بعد العصر، وقيل غير ذلك، ولم يصح تعيين الأكثرين، وقد أخفاها الله تعالى كما أخفى سبحانه الاسم الأعظم وليلة القدر وغيرهما لحكمة لا تخفى. / {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي امشوا إليه بدون إفراط في السرعة، وجاء في الحديث مقابلة السعي بالمشي، وجعل ذلك من خصائص الجمعة، فقد أخرج الستة في «كتبهم» عن أبـي سلمة من حديث أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » تفسير : والمراد بذكر الله الخطبة والصلاة، واستظهر أن المراد به الصلاة، وجوز كون المراد به الخطبة وهو على ما قيل مجاز من إطلاق البعض على الكل كإطلاقه على الصلاة، أو لأنها كالمحل له، وقيل: الذكر عام يشمل الخطبة المعروفة ونحو التسبيحة. واستدلوا بالآية لأبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه على أنه يكفي في خطبة الجمعة التي هي شرط لصحتها الذكر مطلقاً، ولا يشترط الطويل وأقله قدر التشهد كما اشترطه صاحباه، وبينوا ذلك بأنه تعالى ذكر الذكر من غير فصل بين كونه ذكراً طويلاً يسمى خطبة أو ذكراً لا يسمى خطبة فكان الشرط هو الذكر الأعم بالقاطع غير أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم اختيار أحد الفردين وهو الذكر المسمى بالخطبة والمواظبة عليه فكان ذلك واجباً أو سنة لا أنه الشرط الذي لا يجزىء غيره إذ لا يكون بياناً لعدم الإجمال في لفظ الذكر، والشافعية يشترطون خطبتين، ولهما أركان عندهم، واستدلوا على ذلك بالآثار، وأياً مّا كان فالأمر بالسعي للوجوب. واستدل بذلك على فرضية الجمعة حيث رتب فيها الأمر بالسعي لذكر الله تعالى على النداء للصلاة فإن أريد به الصلاة أو هي والخطبة فظاهر، وكذلك إن أريد به الخطبة لأن افتراض السعي إلى الشرط ـ وهو المقصود لغيره ـ فرع افتراض ذلك الغير، ألا ترى أن من لم تجب عليه الصلاة لا يجب عليه السعي إلى الجمعة بالإجماع. وكذا ثبتت فرضيتها بالسنة والإجماع، وقد صرح بعض الحنفية بأنها آكد فرضية من الظهر وبإكفار جاحدها وهي فرض عين، وقيل: كفاية وهو شاذ، وفي حديث رواه أبو داود - وقال النووي: على شرط الشيخين - « حديث : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، أو امرأة أو صبـي أو مريض » تفسير : . وأجمعوا على اشتراط العدد فيها لهذا الخبر وغيره، وقول القاشاني: تصح بواحد لا يعتد به كما في «شرح المهذب» لكنهم اختلفوا في مقداره على أقوال: أحدها: أنه اثنان أحدهما الإمام ـ وهو قول النخعي والحسن بن صالح وداود ـ الثاني: ثلاثة أحدهم الإمام ـ وحكي عن الأوزاعي وأبـي ثور وعن أبـي يوسف ومحمد وحكاه الرافعي وغيره عن قول الشافعي القديم ـ الثالث: أربعة أحدهم الإمام ـ وبه قال أبو حنيفة والثوري والليث وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبـي ثور واختاره، وحكاه في «شرح المهذب» عن محمد، وحكاه صاحب «التلخيص» قولاً للشافعي في القديم ـ الرابع: سبعة ـ حكي عن عكرمة ـ الخامس: تسعة ـ حكي عن ربيعة ـ السادس: اثني عشر ـ في رواية عن ربيعة وحكاه الماوردي عن محمد والزهري والأوزاعي ـ السابع: ثلاثة عشر أحدهم الإمام ـ حكي عن إسحاق بن راهويه ـ الثامن: عشرون ـ رواه ابن حبيب عن مالك ـ التاسع: ثلاثون ـ في رواية عن مالك ـ العاشر: أربعون أحدهم الإمام ـ وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة والإمام الشافعي في الجديد، وهو المشهور عن الإمام أحمد، وأحد القولين المرويين عن عمر بن عبد العزيز ـ الحادي عشر: خمسون ـ في الرواية الأخرى عنه ـ الثاني عشر: ثمانون ـ حكاه المازري ـ الثالث عشر: جمع كثير بغير قيد ـ وهو مذهب مالك ـ فقد اشتهر أنه قال: لا يشترط عدد معين بل تشترط جماعة تسكن بهم قرية ويقع بينهم البيع، ولا تنعقد بالثلاثة والأربعة ونحوهم. / قال الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري»: ولعل هذا المذهب أرجح المذاهب من حيث الدليل. وأنا أقول أرجحها مذهب الإمام أبـي حنيفة، وقد رجحه المزني ـ وهو من كبار الآخذين عن الشافعي ـ وهو اختيار الجلال السيوطي، ووجه اختياره مع ذكر أدلة أكثر الأقوال بما لها وعليها مذكور في رسالة له سماها «ضوء الشمعة في عدد الجمعة»، ولولا مزيد التطويل لذكرنا خلاصتها، ومن أراد ذلك فليرجع إليها ليظهر له بنورها حقيقة الحال. وقرأ كثير من الصحابة والتابعين ـ فامضوا ـ وحملت على التفسير بناءاً على أنه لا يراد بالسعي الإسراع في المشي ولم تجعل قرآناً لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه. {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } أي واتركوا المعاملة على أن البيع مجاز عن ذلك فيعم البيع والشراء والإجارة وغيرها من المعاملات، أو هو دال على ما عداه بدلالة النص ولعله الأولى، والأمر للوجوب فيحرم كل ذلك بل روي عن عطاء حرمة اللهو المباح وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتاباً أيضاً. وعبر بعضهم بالكراهة وحملت على كراهة التحريم، وقول الأكمل في «شرح المنار»: إن الكراهة تنزيهية مردود وكأنه مأخوذ من زعم القاضي الإسبيجابـي أن الأمر في الآية للندب وهو زعم باطل عند أكثر الأئمة. وعامة العلماء على صحة البيع، وإن حرم نظير ما قالوا في الصلاة بالثوب المغصوب أو في الأرض المغصوبة. وقال ابن العربـي: هو فاسد، وعبر مجاهد بقوله: مردود. ويستمر زمن الحرمة إلى فراغ الإمام من الصلاة، وأوله إما وقت أذان الخطبة ـ وروي عن الزهري، وقال به جمع ـ وأما أول وقت الزوال ـ وروي ذلك عن عطاء والضحاك والحسن. والظاهر أن المأمورين بترك البيع هم المأمورون بالسعي إلى الصلاة. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه فاشتروا منه وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد الإمام قد خرج فلما رجع أمرهم أن يناقضوه البيع، وظاهره حرمة البيع إذا نودي للصلاة على غير من تجب عليه أيضاً، والظاهر حرمة البيع والشراء حالة السعي. وصرح في «السراج الوهاج» بعدمها إذا لم يشغله ذلك. {ذٰلِكُمْ } أي المذكور من السعي إلى ذكر الله تعالى وترك البيع {خَيْرٌ لَّكُمْ } أنفع من مباشرة البيع فإن نفع الآخرة أجل وأبقى، وقيل: أنفع من ذلك ومن ترك السعي، وثبوت أصل النفع للمفضل عليه باعتبار أنه نفع دنيوي لا يدل على كون الأمر للندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب كما لا يخفى {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } الخير والشر الحقيقيين، أو إن كنتم من أهل العلم على تنزيل الفعل منزلة اللازم.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ذكرناه آنفاً. وقد تقدم ما حكاه «الكشاف» من أن اليهود افتخروا على المسلمين بالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة. فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيداً وتوطئة. اللام في قوله: {للصلاة} لام التعليل، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة، فعلم أن النداء هنا هو أذان الصلاة. والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز. وبنُو عُقَيْل بسكون الميم. والتعريف في {الصلاة} تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة. وقد ثبتت شرعاً بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة. وكانت صلاةُ الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة. رُوي عن ابن سيرين أن الأنصار جمَّعوا الجمعة قبل أن يقدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالَوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلي فيه. وقالوا: إن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العَروبة. فاجتمعَوا إلى أسعدَ بنِ زُرَارةَ فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم. وروى البيهقي عن الزهري أن مُصْعَب بن عُمير كان أول من جَمَّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين أن يكون ذلك قد عَلم به النبي صلى الله عليه وسلم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثُ فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين. فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من الله تعالى رغبة المسلمين مثل إجابته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم استقبال الكعبة المذكورة في قوله تعالى: {أية : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 144]. وأما أول جمعة جمَّعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السِيرَ: كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يومَ الاثنين لاثنتيْ عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأول فأقام بِقُبَاء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقتُ الجُمعة في بطن واد لبني سَالم بنِ عوف كان لهم فيه مسجد، فجمَّع بهم في ذلك المسجد، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في «تفسيره». وقولهم: «فأدركه وقت الجمعة»، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذٍ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم، ثم صلّى الجمعة القابلة في مسجده بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانيةَ بالأخبار الصحيحة. وأول جُمعة جُمِّعت في مسجد من مساجد بلاد الإِسلام بعدَ المدينة كانت في مسجد جُؤَاثاء من بلاد البحرين وهي مدينة الخَطّ قرية لعبد القيس. ولما ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أهل جُؤَاثاء على الإِسلام. وتقرر أن يوم الجمعة اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإِسلام وهو الذي كان يسمّى في الجاهلية عَروبَة. قال بعض الأيمة: ولا تدخل عليه اللام. قال السهيلي: معنى العَروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم اهـ. قلت وذلك مروي عن ثعلب، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيدَ الأسبوع عند اليهود وهو آخر أيام الأسبوع. وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنص التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمّى العرب القدماءُ يوم الأحد أولَ. فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي: أوَّلُ، أَهونُ جُبَار، (كغُراب وكِتاب)، دُبار (كذلك)، مُؤيِس (مهموزاً)، عَروبة، شِيار (بشين معجمة مكسورة بعدها تحتية مخففة). ثم أحدثوا أسماءَ لهذه الأيام هي: الأحد، الإثنين، الثُّلاثاء ـــ بفتح المثلثة الأولى وبضمها ـــ، الإِرْبِعاء ـــ بكسر الهمزة وكسر الموحدة ـــ، الخميس، عَروبة أو الجمعة ـــ في قول بعضهم ـــ السَّبْت. ـــ وأصل السبت: القطع، سمي سبتاً عند الإِسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل، وشاع ذلك الاسم عند العرب ـــ. وسمّوا الأيام الأربعة بعدهُ بأسماء مشتقة عن أسماء العدد على ترتيبها وليس في التوراة ذكر أسماء للأيام. وفي سفر التكوين منها «ذُكرت أيامُ بدء الخلق بأعدادها أولُ وثانٍ» الخ، وأن الله لم يخلق شيئاً في اليوم الذي بعد اليوم السادس. وسمتْه التوراة سَبْتاً، قال السهيلي: قيل أول من سَمى يوم عَروبة الجمعةَ كَعبُ بن لُؤَي جدُّ أبي قُصي. وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب قال: وفي قول بعضهم. لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلا مذ جاء الإِسلام. جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيدَ الأُسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في المسجد وسماعَ الخطبة ليعلَّموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم. قال القفّال: ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يُخْففِ عظم المنة وجلالة قدر موهبتِه لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به عليهم. ولكل أهل ملةٍ معروفة يومٌ من الأسبوع معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : نحن الآخِرون»تفسير : ، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة (يوم القيامة يتعلق بـ«السابقون»). بيدَ أنهم (أي اليهود والنصارى) أوتوا الكتاب من قبلنا ثم كان هذا اليومَ الذي اختلفوا فيه فهدَانَا الله إليه، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد. ولما جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجُمِّعت الجماعات لذلك، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثّاً على استدامتها. ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تُجْز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اهــــ. كلام القفال. وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والنصارى بعد غد»تفسير : ، إشارة إلى ما عمله النصارى بعد المسيح وبعدَ الحواريين من تعويض يوم السبت بيوم الأحد لأنهم زعموا أن يومَ الأحد فيه قام عيسى من قبره. فعوضوا الأحد عن يوم السبت بأمر من قُسطنطين سلطانِ الروم في سنة 321 المسيحي. وصار دِيناً لهم بأمر أحبارهم. وصلاة الجمعة هي صلاة ظُهرِ يوم الجمعة، وليست صلاةً زائدة على الصلوات الخمس فأُسقط من صلاة الظهر ركعتان لأجْل الخطبتين. روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: وإنما قُصِّرت الجمعة لأجل الخطبة. وأحسب أن ذلك تخفيف على الناس إذ وجبت عليهم خطبتان مع الصلاة فكانت كل خطبة بمنزلة ركعةٍ وهذا سبب الجلوس بين الخطبتين للإِيماء إلى أنهما قائمتان مقام الركعتين ولذلك كان الجلوس خفيفاً. غير أن الخطبتين لم تعطيَا أحكام الركعتين فلا يضر فوات إحداهما أو فواتهما معاً ولا يجب على المسبوق تعويضهما ولا سجودٌ لنقصهما عند جمهور فقهاء الأمصار، روي عن عطاء ومجاهد وطاووس: أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعاً صلاة الظهر. وعن عطاء: أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات وهو أراد إن فاتته الخطبة وركعة من صلاة الجمعة. وجعلت القراءة في الصلاة جهراً مع أن شأن صلوات النهار إسرار القراءة لفائدة إسماع الناس سُوراً من القرآن كما أسمِعوا الخطبة فكانت صلاةَ إرشاد لأهل البلد في يوم من كل أسبوع. والإِجماع على أن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر في يوم الجمعة فمن صلاها لا يصلي معها ظهراً فأما من لم يصلِها لعذر أو لغيره فيجب عليه أن يصلي الظهر. ورأيت في الجامع الأموي في دمشق قَام إمام يصلي بجماعة ظُهراً بعد الفراغ من صلاة الجمعة وذلك بدعة. وإنما اختلف الأيمة في أصل الفرض في وقت الظهر يوم الجمعة فقال مالك والشافعي في آخر قوليه وأحمد وزُفَر من أصحاب أبي حنيفة: صلاة الجمعة المعروفة فرضُ وقت الزوال في يوم الجمعة وصلاة الظهر في ذلك اليوم لا تكون إلا بَدلاً عن صلاة الجمعة، أي لمن لم يصل الجمعة لعذر ونحوه. وقال أبو حنيفة والشافعي في أول قوليه (المرجوع عنه) وأبو يوسف ومحمدٌ في رواية: الفرضُ بالأصل هو الظهر وصلاة الجمعة بَدل عن الظهر، وهو الذي صححه فقهاء الحنفية. وقال محمد في رواية عنه: الفرض إحدى الصلاتين من غير تعيين والتعيينُ للمكلف فأشبه الواجبَ المخير (لأن الواجب المخير لا يأثم فيه فاعل أحد الأمرين وتارك الجمعة بدون عذر آثم). قالوا: تظهر فائدة الخلاف في حُرٍّ مقيم صلّى الظهر في أول الوقت؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه: له صلاة الظهر مطلقاً حتى لو خرج بعد أن صلّى الظهرَ أو لم يخرج لم يبطل فرضُه، لكن عند أبي حنيفة يبطل ظُهره بمجرد السعي مطلقاً وعند صاحبيه لا يبطل ظُهره إلا إذا أدرك الجمعة. وقال مالك والشافعي: لا يجوز أن يصلّي الظهر يوم الجمعة سواء أدرك الجمعةَ أم لا، خرج إليها أم لا (يعني فإن أدرك الجمعة فالأمرُ ظاهر وإن لم يدركها وجب عليه أن يصلي ظهراً آخر). والنداء للصلاة: الأذان المعروف وهو أذان الظهر ورد في «الصحيح» عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر. قال السائب بن يزيد: فلما كان عثمان وكثُر الناس بالمدينة زاد أذاناً على الزوراء (الزوراء موضع بسوق المدينة). وربما وصف في بعض الرّوايات بالأذان الثاني. ومعنى كونه ثانياً أنه أذانٌ مكرِّر للأذان الأصلي فهو ثان في المشروعية ولا يريد أنه يؤذن به بعد الفراغ من الأذان الذي يؤذن به وقت جلوس الإِمام على المنبر، أي يؤذن به في باب المسجد، إذْ لم يكن للناس يومئذٍ صومعة، وربما وقع في بعض الروايات وصفه بالنداء الثالث وإنما يُعنَى بذلك أنه ثالث بضميمه الأذان الأول. ولا يراد أن الناس يؤذنون أذانين في المسجد وإنما زاده عثمان ليُسمعَ النداءُ من في أطراف المدينة، وربما سموه الأذان الأول. والذي يظهر من تحقيق الروايات أن هذا الأذان الثاني يؤذّن به عقب الأذان الأول، لأن المقصود حضور الناس للصلاة في وقت واحد ووقع في بعض عبارات الروايات والرواة أنه كان يؤذن بأذان الزوراء أولاً ثم يخرج الإِمام فيؤذن بالأذان بَين يديه. قال ابن العربي في «العارضة»: «لما كثر الناس في زمن عثمان زاد النداءَ على الزوراء ليشعر الناس بالوقت فيأخذوا بالإِقبال إلى الجمعة ثم يخرج عثمان فإذا جلس على المنبر أُذِّن الثاني الذي كان أولاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب. ثم يؤذَّن الثالث يعني به الإِقامة» اهـ. وقال في «الأحكام»: «وسمّاه في الحديث (أي حديثِ السائب بن يزيد) ثالثاً لأنه أضافه إلى الإِقامة فجعله ثالثَ الإِقامة، (أي لأنه أحدث بعد أن كانت الإِقامة مشروعة وسمّى الإِقامة أذاناً مشاكلة أو لأنها إيذان بالدخول في الصلاة) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : بينَ كل أذانَيْن صلاةٌ لمن شاء»تفسير : يعني بين الأذان والإِقامة، فتوهم الناس أنه أذانٌ أصْليّ فجعلوا الأذانات ثلاثة فكان وهَماً. ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهَماً على وهَم اهـ. فتوهم كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة. قال ابن العربي في «العارضة»: فأما بالمَغْرب (أي بلاد المغرب) فيؤذن ثلاثة من المؤذنين لجهل المفتين قال في «الرسالة»: «وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية» فوصفه بالثاني وهو التحقيق، ولكنه نسبه إلى بني أمية لعدم ثبوت أن الذي زاده عثمان، ورواه البخاري وأهل السنن عن السائب بن يزيد ولم يروه مسلم ولا مالك في «الموطأ». والسبب في نسبته إلى بني أمية: أن علي بن أبي طالب لما كان بالكوفة لم يُؤذّن للجمعة إلا أذاناً واحداً كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وألغى الأذان الذي جعله عثمان بالمدينة. فلعل الذي أرجع الأذان الثاني بعضُ خلفاء بني أمية قال مالك في «المجموعة»: إن هشام بن عبد الملك أحدث أذاناً ثانياً بين يَدَيه في المسجد. واعلم أن النداء الذي نيط به الأمر بالسعي في هذه الآية هو النداء الأول، وما كان النداء الثاني إلا تبليغاً للأذان لمن كان بعيداً فيجب على من سمعه السعي إلى الجمعة للعلم بأنه قد نُودي للجمعة. والسعي: أصله الاشتداد في المشي. وأطلق هنا على المشي بحرص وتوقي التأخر مجازاً. و{ذِكر الله} فُسر بالصلاة وفُسر بالخطبة، بهذا فسره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. قال أبو بكر بن العربي «والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة». قلت: وإيثار {ذكر الله} هنا دون أن يقول: إلى الصلاة، كما قال: {فإذا قضيت الصلاة} لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة. وفيه دليل على وجوب الخطبة في صلاة الجمعة وشرطيته على الجملة. وتفصيل أحكام التخلف عن الخطبة ليست مساوية للتخلف عن الصلاة إلاّ في أصل حرمة التخلف عن حضور الخطبة بغير عذر. وفي حديث «الموطأ» «فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ولا شك أن الإِمام إذا خرج ابتدأ بالخطبة فكانت الخطبة من الذكر وفي ذلك تفسير للفظ الذكر في هذه الآية. وإنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم ولأن سبب نزول الآية كان لترك فريق منهم الجمعة إقبالاً على عِير تجارة وردت كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11]. ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة، وبعد كون البيع وما قيس عليه منهياً عنه فقد اختُلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة. وهو مبني على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه، ومذهب مالك أن النهي يقتضي الفساد إلا لِدليل. وقول مالك في «المدونة»: إن البيع الواقع في وقت صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ. وقال الشافعي: لا يفسخ. وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضاً. وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة: ففي «العتيبة» عن ابن القاسم: لا يفسخ. ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجباً لفسخ المقيس. وكذلك قال أيمة المالكية: لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع. وخطاب الآية جميعَ المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان. وشذ قوم قالوا: إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس: ونسب إلى بعض الشافعية وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء والعبيد والمسافر إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها. و{مِن} في قوله: {من يوم الجمعة} تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه، فنزّل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء الشيء. ويجوز كون {مِن} للظرفية مثل التي في قوله تعالى: {أية : أروني ماذا خلقوا من الأرض}تفسير : [فاطر: 40]، أي فيها من المخلوقات الأرضية. والإِشارة بـ{ذلكم} إلى المذكور، أي ما ذُكر من أمر بالسعي إليها، وأمر بترك البيع حينئذٍ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات. فلفظ {خير} اسم تفضيل أصله: أخير، حذفت همزته لكثرة الاستعمال. والمفضل عليه محذوف لدلالة الكلام عليه. والمفضل: الصلاة، أي ثوابها. والمفضل عليه: منافع البيع للبائع والمشتري. وإنما أعقب بقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} تنبيهاً على أن لهم سعة من النهار يجعلونها للبيع ونحوه من ابتغاء أسباب المعاش فلا يأخذوا ذلك من وقت الصلاة، وذكر الله. والأمر في {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} للإباحة. والمراد بـ{فضل الله}: اكتساب المال والرزق. وأما قوله: {واذكروا الله كثيراً} فهو احتراس من الانصباب في أشغال الدنيا انصباباً ينسي ذكر الله، أو يشغل عن الصلوات فإن الفلاح في الإِقبال على مرضاة الله تعالى.

الشنقيطي

تفسير : هذه الآية الكريمة، وهذا السياق يشبه في مدلولة وصورته قوله تعالى:{أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ }تفسير : [الحج: 27-28] مع قوله: {أية : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 198] الآية. ففي كل منهما نداء، وأذان الحج وصلاة وسعي وإتيان وذكر الله، ثم انتشار وإفاضة مما يربط الجمعة بالحج في الشكل وإن اختلف الحجم، وفي الكيف وإن تفاوتت التفاصيل، وفي المباحث والأحكام كثرة وتنويعاً من متفق عليه ومختلف فيه، مما يجعل مباحث الجمعة لا تقل أهمية عن مباحث الحج، وتتطلب عناية بها كالعناية به. وقد نقل عن الشيخ رحمة الله تعالى عليه أنه كان عازماً على بسط الكلام فيها كعادته رحمة الله تعالى عليه، ولكن إرادة الله نافذة، وقدرته غالبة. وإن كل إنسان يستشعر مدى مباحث الشيخ وبسطه وتحقيقه للمسائل ليحجم ويترك الدخول فيها تقاصراً دونها ولا سيما وأن ربط هذه المباحث بنصوص القرآن ليس بالأمر المبين، كما أشار إليه أبو حيان في مضمون قوله في نهاية تفسيره لهذه السورة بعد إيجاز الكلام عن أحكامها، قال ما نصه: وقد ملأ المفسرون كثيراً من أوراقهم بأحكام وخلاف في مسائل الجمعة مما لا تعلق بها بلفظ القرآن اهـ. فهو يشير بأن لفظ القرآن لا تعلق له بتلك الأحكام التي ناقشها المفسرون في مباحث الجمعة، ولكن الدارس لمنهج الشيخ رحمة الله تعالى عليه في الأضواء، والمتذوق لأسلوبه لم يقتصر على اللفظ فقط، أي دلالة النص التطابقي وتأمل أنواع الدلالات من تضمن والتزام وإيماء وتنبيه، فإنه يجد لأكثر أو كل ما قاله المفسرون والمحدثون والفقهاء من المباحث أصولاً من أصول تلك الدلالات. وإني أستلهم الله تعالى الرشد وأستمد، العون والتوفيق لبيان كل ما يظهر من ذلك إن شاء الله، فإن وفقت فبفضل من الله وخدمة لكتابه، وإلا فإنها محاولة تغتفر بجانب القصور العلمي وتحسين القصد، والله الهادي إلى سواء السبيل. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْع} [الجمعة: 9] الآية. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الدراسة ما نصه: إذا نودي للصلاة أي قام المنادي بها، وهو المؤذن يقول: حي على الصلاة. وقوله: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَة} أي من صلاة يوم الجمعة أي صلاة الجمعة اهـ. ومما يدل على أن المراد بها صلاة الجمعة نفسها دون بقية صلوات ذلك اليوم مجيء من التي للتبعيض ثم تتبين هذا البعض بالأمر، بترك البيع في قوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْع}، لأن هذا خاص بالجمعة دون غيرها لوجود الخطبة، وقد كانت معينة لهم قبل نزول هذه الآية، وصلوها قبل مجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كما سيأتي إن شاء الله. والمراد بالنداء هو الأذان، كما أشار إليه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وكما في قوله تعالى:{أية : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً}تفسير : [المائدة: 58]. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " تفسير : وقيل: النداء لغة هو النداء بصوت مرتفع لحديث: "حديث : فإنه أندى منك صوتاً " تفسير : وقد عرف الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الأذان لغة عند قوله تعالى:{أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً}تفسير : [الحج: 27] فال: الأذان لغة الإعلام. ومنه قوله تعالى:{أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}تفسير : [التوبة: 3] وقول الحارث بن حلزة: شعر : آذنتنا ببنيها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء تفسير : والأذان من خصائص هذه الأمة، شعاراً للمسلمين ونداء للصلاة. بدء مشروعيته: اختلف في بدء المشروعية، والصحيح أنه بدئ بعد الهجرة، وجاءت نصوص لكنها ضعيفة: أنه شرع ليلة الإسراء أو بمكة. منها: عن علي رضي الله عنه عند البزار: أنه شرع مع الصلاة. ومنها عن ابن عباس عند ابن حبان أنه شرع بمكة عن أول الصلاة. وقال ابن حجر: لا يصح شيء من ذلك. أما مشروعيته بعد الهجرة، وفي المدينة ففيها نصوص عديدة صحيحة نبين بدأه وكيفيته. منها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما قال: "حديث : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولاً تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بلال قم فناد بالصلاة"تفسير : ، وفي الموطأ لمالك رحمه الله "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأرى عبد الله بن زيد الأنصاري خشبتين في النوم فقال: إن هاتين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا تؤذنون للصلاة"؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استيفظ فذكر له ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان ". تفسير : وبعض الروايات الأخرى عن غير ابن عمر وعند غير الشيخين بألفاظ أخرى، وصور مختلفة منها قالوا: "انصب راية فإذا رآها الناس أذن بعضهم بعضاً أي أعلمه عند حضور الصلاة، فلم يعجبه ذلك فذكر له القنع، وهو الشَّبُّور لليهود فلم يعجبه، فقال هذا من أمر اليهود". وفي رواية أنس "أن ينوروا ناراً فلم يعجبه شيء من ذلك كله". وفي حديث عبد الله بن زيد "حديث : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلوات طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده. فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك. فقلت: بلى، فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله! أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله". ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: "نقول: إذا أقمت للصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فلما أصبحت أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به فسمع عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت ما رأى، فقال صلى الله عليه وسلم: "فلله الحمد"تفسير : رواه أبو داود. وفي رواية له، فقال: "إني لبين نائم ويقظان إذا أتاني آت فأراني الأذان". فتبين من هذا كله أن الصحيح في مشروعية الأذان أنه كان بعد الهجرة، وفي المدينة المنورة. وهنا سؤال حول مشروعية الأذان. قال بعض الناس: كيف يترك أمر الأذان وهو بهذه الأهمية من الصلاة فيكون أمر مشروعيته رؤيا يراها بعض الأصحاب، وطعن في سند الحديث واستدل بحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : قم يا بلال فناد بالصلاة"تفسير : والجواب عن هذا من عدة وجوه: منها: سند حديث عبد الله صحيح، وقد ناقشة الشوكاني رحمه الله، وذكر تصحيحه ومن صححه ويشهد لصحته ما قدمناه من رواية الموطإ بإرادة اتخاذ خشبتين، فأرى عبد الله بن زيد خشبتين الحديث، وكذلك في الصحيحين إثبات التشاور فيما يعلم به حين الصلاة. ومنها: أنه لا يتعارض مع حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر لم يذكر ألفاظ النداء فيكون الجمع بينهما. إما أن بلالاً كان ينادي بغير هذه الصيغة، ثم رأى عبد الله الأذان فعلمه بلالاً. وقد يشهد لهذا الوجه ما جاء عن ابن أبي ليلى قال: "أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وحدثنا أصحابنا أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالاً في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين حتى نقسوا أكادوا أن ينقسوا"، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلاً كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قال فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت يقظان غير نائم. فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد أراك الله خيراً فمر بلالاً فليؤذن"، فقال عمر: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما سبقت استحييت"تفسير : لأبي داود أيضاً. ففيه أنه صلى الله عليه وسلم كان قد همَّ أن يبث رجالاً في الدور، وعلى الأطم ينادون للصلاة، فيكون نداء بلال أولاً من هذا القبيل دون تعيين ألفاظ، أما أن يكون نداء بلال الوارد في الصحيح بألفاظ الأذان، الواردة في حديث عبد الله بعد أن رأى ما رآه أمره صلى الله عليه وسلم أن يعلمه بلالاً فنادى به، ولا تعارض في ذلك كما ترى. ومنها أيضاً: أن رؤيا عبد الله للأذان لا تجعله مشروعاً له من عنده ولا متوقفاً عليه، لأنه جاء في الرؤيا الصالحة أنها جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة وهذا النظم لألفاظ الأذان لا يكون إلا من القسم فهي بعيدة عن الوساوس والهواجس لما فيها من إعلان العقيدة وإرغام الشيطان كما في الحديث:"حديث : إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر"تفسير : إلخ. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما سمعها أقرها وقال: حديث : إنها لرؤيا حقتفسير : ، أو حديث : لقد أراك الله حقاًتفسير : ، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال. ثم جاء بعد ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة فصار سنة ثابتة، وكان يتوجه السؤال لو أنه لم يبلغه صلى الله عليه وسلم وعملوا به مجرد الرؤيا، ولكن وقد بلغه وأقره فلا سؤال إذاً. ومنها: أن في بعض الروايات أن الوحي قد جاءه به، ولما أخبره عمر قال له: سبقك بذلك الوحي. ذكر في مراسيل أبي داود. وذكر عن ابن العربي بسط الكلام إثبات الحكم بالرؤيا ذكرهما المعلق على بذل المجهود. ومنها ما قيل: ترك مجيء بيان وتعليم لأذان إلى أن رآه عبد الله ورواه عمر رضي الله عنهما لأمرين، ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم معلناً مع ذكر الله فيكون مجيئه عن طريقهما أولى وأكرم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يأتيهم من طريقه هو حتى لا يكون عناية من يدعوهم لإطرائه. وهذا وإن كان متوجهاً إلا أن فيه نظراً لأنه صلى الله عليه وسلم لو جاءهم بأعظم من ذلك لما كان موضع تساؤل. من مجموع ما تقدم يكون أصل مشروعية الأذان سنة ثابتة، إما أنه كان قد همّ أن يبعث رجالاً في البيوت ينادوه، وإما لأنَّه أقرّ ما رأى عبد الله فيكون أصل المشروعيّة منه صلى الله عليه وسلم، والتقرير منه على الألفاظ التي رآها عبد الله. فضل الأذان وآداب المؤذن لا شك أن الأذان من أفضل الأعمال، وأن المؤذن يشهد له ما سمع صوته من حجر ومدر. إلخ. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة " تفسير : وقال عمر رضي الله عنه: لولا الخلافة لأذنت. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين"تفسير : رواه أبو داود والترمذي، إلى غير ذلك من فضائل الأذان، فقيل: مؤتمن على الوقت، وقيل: مؤتمن على عورات البيوت عند الأذان فقد حث صلى الله عليه وسلم المؤذنين على الوضوء له كما في حديث:"حديث : لا ينادي للصلاة إلا متوضىء"تفسير : وإن كان الحدث لا يبطله اتفاقاً. ولما كان بهذه المثابة كانت له آداب في حق المؤذنين. منها: أن يكونوا من خيار الناس، كما عند أبي داود: "ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم"، وعليه حذر صلى الله عليه وسلم من تولي الفسقة الأذان كما في حديث: "حديث : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن"تفسير : المتقدم. فإن فيه زيادة عند البزار قالوا يا رسول الله. لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك فقال: "حديث : إنه يكون بعدي أو بعدكم قوم سفلتهم مؤذنوهم " تفسير : ومنها: أنه يكره التغني فيه، لأنه ذكر ودعاء إلى أفضل العبادات، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني أحبك في الله، قال ابن عمر: لكني أبغضك في الله، فقال: ولم؟ قال لأنك تتغنى في أذانك. وفي المغني لابن قدامة: ولا يعتد بأذان صبي ولا فاسق، أي ظاهر الفسق، وعند المالكية: لا يحاكي في أذلة الفسقة. ومنها: ألا يلحن فيه لحناً بيناً، قال في المغني: ويكره اللحن في الأذان، فإنه ربما غيّر المعنى، فإن من قال: أشهد أن محمداً رسول الله ونصب لام رسول. أخرجه عن كونه خبراً. ولا يمد لفظه أكبر لأنه يجعل فيها ألفاً فيصير جمع كبر، وهو الطبل، ولا يسقط الهاء من اسم الله والصلاة ولا الحاء من الفلاح، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤذن لكم من يدغم الهاء"تفسير : الحديث أخرجه الدار قطني. فأما إن كان ألثغ لا تتفاحش جاز أذانه، فقد روي أن بلالاً كان يقول: أسهد بجعل الشين سينا، نقله ابن قدامة، ولكن لا أصل لهذا الأثر مع شهرته على ألسنة الناس، كما في كشف الخفاء ومزيل الإلباس. ومن هذا ينبغي تعهد المؤذنين في هذين الأمرين اللحن والتلحين وكذلك الفسق، وصفة المؤذنين ولا سيما في بلاد الحرمين الشريفين مهبط الوحي ومصدر التأسي، وموفد القادمين من كل مكان ليأخذوا آداب الأذان والمؤذنين، عن أهل هذه البلاد المقدسة. ألفاظ الأذان والإقامة والراجح منها مع بيان التثويب والترجيع مدار ألفاظ الأذان والإقامة في الأصل على حديثي عبد الله بن زيد بالمدينة، وحديث أبي محذورة في مكة بعد الفتح. وما عداهما تبع لهما كحديث بلال وغيره، رضي الله عنهم. وحديث عبد الله موجود في السنن أي فيما عدا البخاري ومسلم. وهو متقدم من حيث الزمن كما تقدم ذلك في مبحث مشروعية الأذان وأنه كان ابتداء في المدينة أول مقدمه صلى الله عليه وسلم إليها. وحديث أبي محذورة موجود في السنن وفي صحيح مسلم. ولم يذكر البخاري واحداً منهما، وإنما ذكر قصة سبب المشروعية، وحديث "حديث : أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"تفسير : على ما سيأتي إن شاء الله. وعليه سنقدم حديث عبد الله لتقدمه في الزمن: وألفاظه كما تقدم في بدء المشروعية هي: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. ومجموعه خمس عشرة كلمة أي جملة. ففيه تربيع التكبير في أوله وتثنية باقيه، وإفراد آخره. وفيه الإقامة بتثنية التكبير في أوله في كلمة وإفراد باقيها إلا لفظ الإقامة، ولفظها: الله أكبر الله اكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الفلاح. قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. قال الشوكاني: رواه أحمد وأبو داود، وقال عنه الترمذي: حسن صحيح. وذكر له عدة طرق. ومنها عند الحاكم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والبيهقي وابن ماجه. حديث أبي محذورة: وحديث أبي محذورة كان بعد الفتح كما في السنن أنه خرج في نفر فلقي النَّبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من حنين، وأذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم، فظل أبو محذورة في نفره يحونه استهزاء به، فسمعهم صلى الله عليه وسلم فأحضرهم فقال: "حديث : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشاروا إلى أبي محذورة، فحبسه وأرسلهم، ثم قال له قم فأذن بالصلاة فعلمه " تفسير : أما ألفاظه: فعند مسلم بتثنية التكبير في أوله: والباقي كحديث عبد الله بن زيد مع زيادة ذكر الترجيع. وقد ساقه مسلم في ثلاثة مواضع وبلفظ التكبير مرتين فقط. الموضع الأول: عن أبي محذورة نفسه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان: الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والموضع الثاني: في قصة الإغارة أنه "حديث : كان صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار. فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خرجت من النار"تفسير : الحديث. والموضع الثالث: عن عمر رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله"تفسير : الحديث، فهذه كلها ألفاظ مسلم لأذان أبي محذورة، ولم يذكر مسلم عن الإقامة إلا حديث أنس، أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وعند غير مسلم جاء حديث أبي محذورة بتربيع التكبير في أوله، كحديث عبد الله بن زيد، وبالترجيع والتثويب في الفجر، وفيها أن الترجيع يكون أولاً بصوت منخفض. ثم يرجع ويمد بهما أي بالشهادتين صوته، وذلك عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، أما الإقامة فجاءت عن أبي محذورة روايتان: الأولى قال: وعلمني النَّبي صلى الله عليه وسلم الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الثانية: مثل الأذان تماماً بتربيع التكبير، وبدون ترجيع، وتثنية الإقامة أي: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فالأولى كالأذان في رواية مسلم، والثانية كرواية الأذان عند غيره بدون ترجيع ولا تثويب، وإضافة لفظ الإقامة مرتين. هذا مجموع ما جاء في أصول ألفاظ الأذان من حديثي عبد الله بن زيد وأبي محذورة. وبالنظر في حديث عبد الله بن زيد نجده لم تختلف ألفاظه لا في الأذان ولا في الإقامة. وهو بتربيع التكبير في الأذان وبدون تثويب ولا ترجيع، وبإفراد الإقامة إلا لفظ الإقامة، أما حديث أبي محذورة فجاء بعدة صور في الأذان وفي الإقامة. أما الأذان فعند مسلم بتثينة التكبير في أوله وعند غيره بتربيعه، وعند الجميع إثبات الترجيع في الشهادتين، وأن الأولى منخفضة، والثانية مرتفعة، كبقية ألفاظ الأذان، وأما الإقامة فجاءت مرتين مرتين، وجاءت مثل الأذان تماماً عند غير مسلم سوى الترجيع والتثويب مع تثنية الإقامة، فكان الفرق بين الحديثين كالآتي: في ألفاظ الأذان ثلاثة نقاط: أولاً: ذكر الترجيع. ثانياً: التثويب. ثالثاً: عدد التكبير في أوله. أما الترجيع فيجب أن يؤخذ به، لأنه متأخر بعد الفتح، ولا معارضة فيه، لأنه زيادة بيان وبسند صحيح. وأما التثويب، فقد ثبت من حديث بلال، وكان أيضاً متأخراً عن حديث عبد الله قطعاً، وقد ثبت أن بلالاً أذن للصبح فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه سلم نائم فصرخ بلال بأعلى صوته: "الصلاة خير من النوم". قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : اجعل ذلك في أذانك"تفسير : فاختصت بالفجر. وذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني حديث : عن بلال: "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يثوب في العشاء"تفسير : رواه ابن ماجه، وقال: دخل ابن عمر رضي الله عنهما مسجداً يصلي فيه، فسمع رجلاً يثوب في أذان الظهر فخرج فقيل له: أين؟ فقال: أخرجتني البدعة، فلزم بهذا كله الأخذ بها في صلاة الفجر خاصة. أما التكبير في أول الأذان، ففي رواية مسلم لأبي محذورة مرتين في كلمة فاختلف مع حديث عبد الله بن زيد، وعند غير مسلم بتربيع التكبير. وبالنظر إلى سند مسلم فهو أصح سنداً، وبالنظر إلى ما عند غيره، تجد فيه زيادة صحيحة، وهي تربيع التكبير، فوجب العمل بها كما وجب العمل بالتثويب والترجيع، لأن الرواية المتفقة مع الحديث الآخر أولى من المختلفة معها. أما الإقامة: ففي حديث عبد الله لم تختلف كما تقدم، ولكنها في حديث أبي محذورة قد جاءت متعددة ولم تتفق صورة من صورها مع حديث عبد الله، حيث إن فيها مرتين مرتين في جميع الكلمات، ومنها كالأذان مع لفظ الإقامة مرتين، وسند الجميع سواء. فهل نأخذ في الإقامة بحديث عبد الله أم بحديث أبي محذورة؟ من حيث الصناعة كل منهما في السند سواء. وفي حديث أبي محذورة زيادة وهي تشبيهها بالأذان، فلو كان الأمر قاصراً على ذلك لكان العمل بحديث أبي محذورة في الإقامة أولى، لأنه متأخر وفيه زيادة صحيحة، ولكن وجدنا حديث بلال في الصحيح، وعند مسلم أيضاً وهو أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر بالإقامة. وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، والإقامة مرة، مرة غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة" رواه أبو داود والنسائي. وبهذين الحديثين يمكن الترجيح بين حديثي عبد الله وأبي محذورة في كل من الأذان والإقامة. فمن حديث بلال: نشفع الأذان ولكنهم يختلفون في تحقيق المناط في المراد بالشفع من حيث التكبير لأن الشفع يصدق على اثنين وأربع، وعند في الأذان إما مرتان وإما أربع، وكلاهما يصدق عليه معنى الشفع. ولكن إذا اعتبرنا أن كل تكبيرتين جملة واحدة، كان تحقق الشفع بجملتين، فيأتي أربع تكبيرات. وإذا اعتبرنا كل تكبيرة كلمة وجد الشفع في جملة واحدة لاشتمالها على كلمتين، ولهذا وقع الخلاف. ولكن الأذان لم تعد عباراته بالكلمات المفردة بل بالجمل، لأننا نعد قولنا: حي على الصلاة، وهي في الواقع جملة تشتمل على عدة كلمات مفردة، وعليه فقولنا: الله أكبر الله اكبر كلمة، وعلى هذا يكون الشفع بتكرارها، فيأتي أربع تكبيرات: وهذا يتفق مع رواية الحديثين، وحديث عبد الله تماماً. وقال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض: إن حديث أبي محذورة جاء في نسخة الفاسي لمسلم بأربع تكبيرات اهـ. وبهذا تتفق الروايات كلها في تربيع التكبير في الأذان. أما الإقامة فحديث بلال نص في إيثار الإقامة إلا لفظ الإقامة وهو عين نص الإقامة في حديث عبد الله، وعين النص في حديث عبد الله بن عمر، والإقامة مرة مرة إلا الإقامة، أي فهي مرتين وعلى هذا العرض وبهذه المناقشة يكون الراجح هو العمل بحديث عبد الله بن زيد في الأذان والإقامة، مع أخذ الترجيع والتثويب من حديث أبي محذورة للأذان. ثم نسوق ما أخذ به فقهاء الأمصار من هذا كله مع بيان النتيجة من جواز العمل بالجميع إن شاء الله. قال ابن رشد في البداية ما نصه: اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة. إحداها: تثنية التكبير وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع في الشهادتين بصوت أخفض من الأذان. والصفة الثانية: أذان المكيين، وبه قال الشافعي، وهو تربيع التكبير الأول والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. والصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان، وبه قال أبو حنيفة. والصفة الرابعة: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين، وحي على الصلاة وحي على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إله إلا الله حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية أعني الأربع كلمات تبعاً ثم يعيدهن ثالثة. وبه قال الحسن البصري وابن سيرين. والسبب في اختلاف كل واحد من هؤلاء الفرق الأربع اختلاف الآثار في ذلك، واختلاف اتصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضاً يحتجون بالعمل المتصل عندهم بذلك، وكذلك الكوفيون والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله اهـ. ثم ساق نصوص كل فريق من النصوص التي أوردناها سابقاً، ولم يورد نصاً لمذهب البصريين الذي فيه التثليث المذكور، وقد وجد في مصنف عبد الرزاق بسند جيد مجلد (1) ص 465 وجاء مروياً عن بعض الصحابة في المصنف المذكور. وقال في الإقامة: أما صفتها فإنها عند مالك والشافعي بتثنية التكبير في أولها، وبإفراد باقيها إلا لفظ الإقامة، فعند الشافعي مرتين وعند أبي حنيفة، فهي مثنى مثنى، وأما أحمد فقد خير بين الأفراد والتثنية. فيها اهـ. تلك هي خلاصة أقوال أئمة الأمصار في ألفاظ الأذان والإقامة، وقد أجملها العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد تحت عنوان: فصل مؤذنيه صلى الله عليه وسلم قال ما نصه: وكان أبو محذورة يرجع الأذان ويثني الإقامة وبلال لا يرجع ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال، ويعني بأذان أبي محذورة على رواية تربيع التكبير، وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل الحديث وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، أي بتربيع التكبير وبدون ترجيع، وبإفراد الإقامة إلى لفظ الإقامة، قال: وخالف مالك في الموضعين إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة، فإنه لا يكررها اهـ. ومراده بمخالفة مالك هنا لأهل الأمصار، وإلا فهو متفق مع بعض الصور المتقدمة. أما في عدم إعادة التكبير، فعلى حديث أبي محذورة عند مسلم، وعدم تكريره للفظ الإقامة، فعلى بعض روايات حديث بلال أن يوتر الإقامة أي على هذا الإطلاق، وبهذا مرة أخرى يظهر لك أن تلك الصفات كلها صحيحة، وأنها من باب اختلاف التنوع وكل ذهب إلى ما هو صحيح وراجح عنده، ولاتعارض مطلقاً إلا قول الحسن البصري وابن سيرين بالتثليث ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة. وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى كلمة فصل في ذلك: في المجموع بعد ذكر هذه المسألة ما نصه: فإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يكرهون شيئاً من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اهـ. وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في موضع آخر: مما لا ينبغي الخلاف فيه ما نصه: وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه. وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد والتمتع والقرآن. تنبيه قد جاء في التثويب بعض الآثار عن عمر وبعض الأمراء، والصحيح أنه مرفوع، كما في قصة بلال المتقدمة، ولا يبعد أن ما جاء عن عمر أو غيره يكون تكراراً لما سبق أن جاء عن بلال مع النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقيل فيها هل هو خاص بالفجر أو عام في كل صلاة يكون الإمام نائماً فيها؟ والصحيح أنه خاص بالفجر وفي الأذان لا عند باب الأمير أو الإمام. وتقدم أثر عبد الله بن عمر فيمن ثوب في أذان الظهر أنَّه اعتبره بدعة وخرج من المسجد. كيفية أداء الأذان يؤدي الأذان بترسل وتمهل، لأنه إعلان للبعيد، والإقامة حدراً لأنها للحاضر القريب، أما النطق بالأذان فيكون جزماً غير معرب. قال في المغني: ذكر أبو عبد الله بن بطة، أنه حال ترسله ودرجه أي في الأذان والإقامة. لا يصل الكلام بعضه ببعض، بل جزماً. وحكاه عن ابن الانباري عن أهل اللغة، وقال: وروي عن إبراهيم النخعي قال: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما الأذان والإقامة، قال: وهذا إشارة إلى إجماعهم. حكم الأذان والإقامة قال ابن رشد: واختلف العلماء في حكم الأذان هل هو واجب أو سنة مؤكدة؟ وإن كان واجباً فهل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية؟ اهـ. فتراه يدور حكمه بين فرض العين والسنة المؤكدة، والسبب في هذا الاختلاف، اختلافهم في وجهة النظر في الغرض من الأذان هل هو من حق الوقت للإعلام بدخوله أو من حق الصلاة، كذكر من أذكارها أو هو شعار للمسلمين يميزهم عن غيرهم؟ وسنجمل أقوال الأئمة رحمهم الله مع الإشارة إلى مأخذ كل منهم ثم بيان الراجح إن شاء الله. أولاً: اتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه سنة على ما رجحه النووي عن الشافعي في المجموع أنه سنة في حق الجميع المنفرد والجماعة في الحضر وفي السفر، أي أنه لا تتعلق به صحة الصلاة. وحكي عنه أنه فرض كفاية أي للجماعة أو للجمعة خاصة، والدليل لهم في ذلك حديث المسيء صلاته، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم علمه معها الوضوء واستقبال القبلة، ولم يعلمه أمر الأذان ولا الإقامة. ثانياً: مالك جاء عنه أنه فرض على المساجد التي للجماعة وليس على المنفرد فرضاً ولا سنة. وعنه: أنه سنة مؤكدة على مساجد الجماعة، ففرق مالك بين المنفرد ومساجد الجماعة. وفي متن خليل عندهم أنه سنة لجماعة تطلب غيرها في فرض وقتي، ولو جمعة أي وما عدا ذلك فليس بسنة. فلم يجعله على المنفرد وأصلاً. واختلف القول عنه في مساجد الجماعة ما بين الفرض والسنة المؤكدة، واستدل بحديث ابن عمر رضي الله عنه. كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح، وكان يقول إنما الأذان للإمام الذي يجتمع له الناس. رواه مالك. وكذلك أثر ابن مسعود وعلقمة: صلوا بغير أذان ولا إقامة قال سفيان، كفتهم إقامة المصر، وقال ابن مسعود: إقامة المصر تكفي، رواهما الطبراني في الكبير بلين. ثالثاً: وعند الحنابلة: قال الخرقي: هو سنة أي كالشافعي وأبي حنيفة، وغير الخرقي قال كقول مالك. رابعاً: عند الظاهرية فرض على الأعيان، ويستدلون بحديث مالك بن الحويرث وصاحبه، قال لهما صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما"تفسير : . متفق عليه. فحملوا الأمر على الوجوب. هذا موجز أقوال الأئمة رحمهم الله مع الإشارة إلى أدلتهم في الجملة وحكمه كما رأيت دائر بين السنة عموماً عند الشافعي وأبي حنيفة، والوجوب عند الظاهرية. والسنة المؤكدة أو فرض الكفاية عند مالك وغيره على تفصيل في ذلك. وقد رأيت النصوص عند الجميع، ولكن من أسباب الخلاف في حكم الأذان هو تردد النظر فيه هل هو في حق الوقت للإعلام بدخول الوقت، أو هو حق الصلاة نفسها، أو هو شعار للمسلمين؟ فعلى أنه من حق الوقت، فأذان واحد، فإنه يحصل به الإعلام ويكفي عن غيره، ولا يؤذن من فاته أول الوقت، ولا من يصلي في مسجد قد صليت فيه الفريضة أولاً ولا للفوائت. وإن كان من حق الصلاة فهل هو شرط في صحتها أو سنة مستقلة. وعلى أنه للوقت للإعلام به، فإنه يعارضه حديث قصة تعريسهم آخر الليل، ولم يوقظهم إلا حر الشمس، وأمره صلى الله عليه وسلم بالانتقال عن ذلك الوادي ثم نزولهم والأمر بالأذان والإقامة، فلا معنى لكونه للوقت في هذا الحديث، وهو من رواية مالك في الموطأ. وعلى أنه للصلاة فله جهتان: الأولى: إذا كان المصلي منفرداً ولا يطلب من يصلي معه. والثانية: أنه إذا كانوا جماعة. فإذا كان منفرداً لا يطلب من يصلي معه، فلا ينبغي أن يختلف في كونه ليس شرطاً في صحة الصلاة، وليس واجباً عليه لأن الأذان للإعلام، وليس هناك من يقصد إعلامه. ولحديث المسيء صلاته المتقدم ذكره، وقد يدل لذلك ظاهر نصوص القرآن في بيان شروط الصلاة التي هي: الطهارة، والوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة. ففي الطهارة قال تعالى:{أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}تفسير : [المائدة: 6] الآية. وفي الوقت قال تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [هود: 114] الآية ونحوها. وفي العورة قال تعالى: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}تفسير : [الأعراف: 31] الآية. وفي القبلة قال تعالى:{أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144]. وأما في الأذان: فقال تعالى:{أية : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً}تفسير : [المائدة: 58]. وقال في سورة الجمعة في هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} وكلاهما حكاية واقع، وليس فيهما صيغة أمر كغير الأذان مما تقدم ذكره. أما حديث ابن الحويرث فهو في خصوص جماعة، وليس في شخص واحد كما هو نص الحديث. وبقي النظر فيه في حق الجماعة، هل هو على الوجوب في حقهم أم على الندب؟ وإذا كان بالنصوص القرآنية المتقدمة أنه ليس شرطاً لصحة صلاة الفرد، فليس هو إذاً بشرط في صحة صلاة الجماعة فيجعل الأمر فيه على الندب. وعليه حديث ابن صعصعة أن أبا سعيد قال له: "أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري ومالك في الموطإ والنسائي. ومحل الشاهد فيه قوله رضي الله عنه: فأذنت للصلاة فارفع صوتك. فيفهم منه أنه إن لم يؤذن فلا شيء عليه، وأنه يراد به الحث على رفع الصوت لمن يؤذن ولو كان في البادية، لما يترتب عليه من هذا الأجر. أما كونه شعاراً للمسلمين فينبغي أن يكون وجوبه متعلقاً بالمساجد في الحصر، فيلزم أهلها، كما قال مالك والشافعي في حق المساجد. قال الشافعي: يقاتلون عليه إن تركوه، ذكر النووي في المجموع لدليل الإغارة في الصبح أو الترك بسبب سماعه، وكذلك يتعلق في السفر بالإمام، وينبغي أن يحرص عليه لفعله صلى الله عليه وسلم في كل أسفاره في غزواته وفي حجه كما هو معلوم، وما عدا ذلك فهو لا شك سنة لا ينبغي تركها. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تقسيم نحو هذا في المجموع في الجزء الثاني والعشرين: وللأذان عدة جوانب تبع لذلك منها في حالة الجمع بين الصلاتين، فقد جاءت السنة بالأذان والإقامة للأولى منهما، والاكتفاء بالإقامة للثانية، كما في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء في المزدلفة على الصحيح، وهو من أدلة عدم الوجوب لكل صلاة. ومنها أن لا أذان على النساء أي لا وجوب. وإن أردن الفضيلة أتين به سراً، وقد عقد له البيهقي باباً قال فيه: ليس على النساء أذان ولا إقامة، وساق فيه عن عبد الله بن عمر موقوفاً، قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ثم ساق عن أسماء رضي الله عنها مرفوعاً: "ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة، ولكن تقوم في وسطهن" هكذا رواه الحكم ابن عبد الله الأيلي وهو ضعيف، وقال: ورويناه في الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوفاً ومرفوعاً، ورفعه ضعيف وهو قول الحسن وابن المسيب وابن سيرين والنخعي. تعدد المؤذنين لصلاة الجمعة ولبقية الصلوات الخمس في المسجد الواحد أولاً: ما يتعلق بالجمعة، صور التعدد لها فيه صورتان، صورة تعدد الأذان أي قبل الوقت وبعد الوقت، وضورة تعدد المؤذنين بعد الوقت على ما سيأتي في ذلك إن شاء الله، أما تعدد الأذان فقد بوَّب له البخاري رحمه الله في صحيحه في باب الجمعة قال: باب الأذان يوم الجمعة، وساق حديث السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء ففيه الأذان أولاً للوقت كبقية الصلوات، وفيه أذان قبل الوقت زاده عثمان لما كثر الناس، وهو المعنى الثالث، والاثنان الآخران هما الأذان للوقت، والإقامة الموجودان من قبل. وذكر ابن حجر رحمه الله في الشرح، تنبيهاً قال فيه: ورد ما يخالف ذلك الخبر بأن عمر رضي الله عنه هو الذي زاد الأذان. ففي تفسير جويبر عن الضحاك عن زيادة الراوي عن برد بن سنان عن مكحول عن معاذ أن عمر أم مؤذنيه أن يؤذنا للناس الجمعة خارجاً من المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. ثم قال عمر نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين اهـ. ثم ناقش ابن حجر هذا الأثر وقال: إنه منقطع ثم ذكر أنه وجد له ما يقويه إلى آخر كلامه. فهذا دليل على تعدد الأذان للجمعة قبل الوقت وعند دخوله، سواء من عمر أو من عثمان أو منهما معاً، رضوان الله عليهما. أما مكان هذا الأذان وزمانه، فإن المكان قد جاء النص أنه كان على الزوراء. وقد كثر الكلام في تحديد الزوراء مع اتفاقهم أنها مكان بالسوق، هذا يتفق مع الغرض من مشروعيته لتنبيه أهل السوق بوقت الجمعة للسعي إليها. أما الزوراء بعينها فقال علماء تاريخ المدينة إنه اسم للسوق نفسها، وقيل: مكان منها مرتفع كان عند أحجار الزيت، وعند قبر مالك بن سنان، وعند سوق العباءة. والشيء الثابت الذي لم يقبل التغير، هو قبل مالك بن سنان، لكن يقولون عنده، وليس في مكانه، وقد بدا لي أن الزوراء هو مكان المسجد الذي يوجد الآن بالسوق في مقابلة الباب المصري المعروف بمسجد فاطمة، ويبدو لي أن الزوراء حرفت إلى الزهراء، والزهراء عند الناس يساوي فاطمة لكثرة قولهم: فاطمة الزهراء، ومعلوم قطعاً أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن لها مسجد في هذا المكان، فلا صحة لنسبة هذا المسجد إليها، بل ولا ما نسب لأبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم من مساجد في جوانب مسجد المصلى المعروف الآن بمسجد الغمامة. وإنما صحة ما نسب إليهم رضوان الله تعالى عليهم هو أن تلك الأماكن كانت مواقفهم في مصلى العيد، ولهذا تراها كلها في هذا المكان المتواجدة فيه. فأولهم أبو بكر رضي الله عنه، وقد أخر موقفه عن موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العيد تأدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء من بعده، واختلفت أماكن مصلاهم فأقيمت تلك المساجد في أماكن قيامهم. أما ما ينسب إلى فاطمة الزهراء فلا مناسبة له ولا صحة له، وقد قال بعض المتأخرين: إنه منسوب إلى إحدى الفضليات من نساء العصور المتأخرة، واسمها فاطمة، وعليه فلعلها قد جددته ولم تؤسسه لأنه لا موجب أيضاً لتبرعها بإنشاء مسجد بهذا القرب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبمناسبة العمل بالقضاء فقد عرض على صك شرط وقف للأشراف الشراقمة بالمدينة المنورة، وفي بعض تحديد أعيانه يقول: الواقع في طريق الزوراء، ويحده جنوباً وقف الحلبي، ووقف الحلبي موجود حتى الآن معروف يقع عن المسجد الموجود بالفعل في الجنوب الشرقي وليس بينه وبين المسجد المذكور إلا السور. والشارع فقط، وتاريخ هذا الصك قبل مائة سنة من تاريخ كتابة هذه الأحرف أي قبل عام ألف ومائتين من الهجرة. وبهذا ترجح عندي أن موضع أذان عثمان رضي الله عنه كان بذلك المكان، وأنه المتوسط بسوق المدينة، وتقدر مسافته عن المسجد النبوي بحوالي مائتين وخمسين متراً تقريباً. وقد كان الأذان الأول زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم على المنارة، وهكذا الأذان للوقت زمن الخلفاء الراشدين، ثم من بعدهم. أما هذا الأذان فكان ابتداؤه من الزوراء، ثم نقل إلى باب المسجد، ثم نقل إلى ما بين يدي الإمام، وذلك زمن هشام بن عبد الملك، ثم نقل إلى المنارة. أما زمانه فلم أقف على تحديد صحيح صريح، كم كان بينه وبين الثاني؟ وهل كان بعد دخول الوقت أو قبله. وقد ذكر ابن حجر في الفتح رواية عن الطبراني ما نصه: فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء، فكان يؤذن عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي رواية له من هذا الوجه، فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، إلى أن قال: وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. فتراه يرجح كونه بعد دخول الوقت وعند خروج عثمان أي من بيته وكان يسكن إلى تلك الجهة، ولكن هذا لا يتمشى مع الغرض من إيجاد هذا الأذان، لأنه لما كثر الناس جعله في السوق لإعلامهم، فإذا كان بعد الوقت، فأي فائدة منه، وكيف يعد ثالثاً، إنه يكون من تعدد المؤذنين لا من تعدد الأذان. ثم إن مسكن عثمان رضي الله عنه كان بجوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحله معروف حتى الآن، وكان يعرف برباط عثمان. فكيف يجعل هذا الأذان عند خروجه مع بعد ما بين الزوراء ومكان سكناه. ثم إن من المتفق عليه أن الأذان بين يدي الإمام هو الأذان الذي بعد دخول الوقت، وتصح الصلاة بعده، فالأذان الثالث كالأول بالنسبة للصبح، وبهذا يترجح أنه كان قبل الوقت لا بعده، كالأول للصبح ليتحقق الغرض منه، وعليه ينبغي أن يراعي في زمنه ما بينه وبين الثاني وما يتحقق به الغرض من رجوع أهل السوق وتهيئتهم للجمعة وهذا يختلف باختلاف الأماكن والبلاد، وسواء كان قبل الوقت أو بعده، فلا بد من زمن بينهما يتمكن فيه أهل السوق من الحضور إلى المسجد وإدراك الخطبة. ولو أخذنا بعين الاعتبار ما وقع لعثمان نفسه زمن عمر رضي الله عنه لما دخل المسجد وعمر يخطب فعاتبه على التأخير، ثم أحدث عثمان هذا الأذان في عهده لوجدنا قرينة تقديمه عن الوقت لئلا يقع غيره فيما يقع هو فيه، والله تعالى أعلم. وسيأتي نص ابن الحاج على أنه قبل الوقت. وهذا آخر ما يتعلق بتعدد الأذان يوم الجمعة، وسيأتي التنبيه على ما يوجد من نداءات أخرى يوم الجمعة في بعض الأمصار عند الكلام على ما استحدث في الأذان وابتدع فيه، مما ليس منه إن شاء الله. أما تعدد المؤذنين يوم الجمعة فقد جاء صريحاً في صحيح البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا في حديث طويل عن ابن عباس زمن عمر رضي الله عنه، وفيه: ما نصه:"حديث : فجلس عمر على المنبر ولما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله إلى آخر"تفسير : الحديث. فهذا نص صريح من البخاري أنه كان لعمر مؤذنون، وكانوا يؤذنون حين يجلس على المنبر، وكان يجلس إلى أن يفرغوا من الأذان، ثم يقوم فيخطب أي كان أذانهم كلهم بعد دخول الوقت. قال ابن الحاج في المدخل، وكانوا ثلاثة يؤذنون واحداً بعد واحد، ثم زاد عثمان أذاناً آخر بالزوراء قبل الوقت، فتحصل من هذا وجود تعدد المؤذنين لصلاة الجمعة، وكانوا زمن عمر ثلاثة وكانوا يؤذنون متفرقين واحداً بعد واحد. وقد ذكر ابن حجر في الفتح أيضاً ضمن كلامه على الحديث المتقدم تحت عنوان "المؤذن الواحد يوم الجمعة" رواية عن ابن حبيب حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رقي المنبر وجلس أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة واحداً بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب . تفسير : ثم قال: فإنه دعوى تحتاج إلى دليل، ولم يرد ذلك صريحاً من طريق متصلة يثبت مثلها. ثم قال: ثم وجدته في مختصر البويطي عن الشافعي، وفي تعليق لسماحة رئيس الجامعة في الحاشية على ذلك قال في مخطوطة الرياض في مختصر المزني: وسواء كان في مختصر البويطي أو المزني فإن عزوه إلى الشافعي صحيح وابن حجر لم يعلق على وجود هذا الأثر بشيء. وقال النووي في المجموع: قال الشافعي رحمه الله في البويطي: والنداء يوم الجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ليسمع الناس، فيأتون إلى المسجد، فإذا فرغوا خطب الإمام بهم. فهذا أيضاً نص الشافعي ينقله النووي على تعدد المؤذنين يوم الجمعة فوق المنارة جملة. والإمام على المنبر، وبهذا تظهر مشروعية تعدد الأذان للجمعة، قبل وبعد الوقت من عمل الخلفاء الراشدين، وفي توفر الصحابة المرضيين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مما يصلح أن يقال فيه إجماع سكوتي في وفرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما ثبتت مشروعية تعدد الأذان بعد الوقت من فعل الخلفاء أيضاً وإجماع الصحابة عليه مع أثر فيه نقاش مرفوع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم. أما ما يتعلق بالأذان لبقية الصلوات الخمس فكالآتي: أولاً: تعدد الأذان، فقد ثبت في حديث بلال وابن أم مكتوم في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"تفسير : متفق عليه، وهذا في صلاة الفجر فقط لما في الحديث من القرائن المتعددة التي منها: ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، أي إن أذان بلال قبل الفجر يحل الطعام وأذان ابن أم مكتوم بعد دخول الوقت حين يحرم الطعام على الصائم. وفي رواية: "لم يكن ابن مكتوم يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت" وكان بينهما من الزمن، ففي بعض الروايات أنه "لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا". رواه مسلم. وفي رواية للجماعة عن ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن"تفسير : - أو قال:"حديث : ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم " تفسير : قال الشوكاني: يريد القائم المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطاً أو يتسحر، إن كان له حاجة إلى الصيام، ويوقظ النائم ليتأهب للصلاة بالغسل والوضوء، فالأول يشعر بتواليهما مع فرق يسير، والآخر يدل بالفرق بينهما، وكلاهما صحيح السند. وقد فسر هذا النووي في شرح مسلم ونقله عن الشوكاني في نيل الأوطار بقوله: قال العلماء معناه: إن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع طلوع الفجر، وهذا يتفق مع قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم"تفسير : إلى آخره، ويصدقه ما جاء في الأثر أيضاً عن ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى فلا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وهذا الأذان الأول للفجر هو مذهب الجمهور ما عدا الإمام أبا حنيفة رحمه الله من الأئمة الأربعة، وحمل أذان بلال على النداء بغير ألفاظ الأذان. قال الشوكاني: وعند الأحناف أن أبا حنيفة رحمه الله حديث : لما أذن بلال قبل الوقت أمره النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فيقول: إلا أن العبد قد نام،تفسير : وهذا الأثر رواه الترمذي وقال حديث غير محفوظ. وفي فتح القدير للأحناف، ما نصه: ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها، ويعاد في الوقت. وقال أبو يوسف: يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل، قال في الشرح: وهو قول الشافعي، وقال: لتوارث أهل الحرمين، فيكون أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله قد وافق الجمهور في مشروعية الأذان قبل الفجر قبل الوقت، وإن ما استدل به أن أبو حنيفة ليس بمحفوظ، وقد جوزه أبو يوسف في النصف الأخير من الليل. وجاء نص المالكية أنه في السدس الأخير، قال في مختصر خليل: غير مقدم على الوقت إلا الصبح فبسدس الليل الأخير. وعند الحنابلة في المعنى ما نصه: قال أصحابنا: ويجوز الأذان للفجر بعد نصف الليل، وهذا مذهب الشافعي إلى قوله: وقد روى الأثرم عن جابر قال: كان مؤذن مسجد دمشق يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكب ستة أميال فلا ينكر ذلك مكحول ولا يقول فيه شيئاً اهـ. تنبيه قال في المغني: وقال طائفة من أهل الحديث إذا كان مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعده، فلا بأس أي ليعرف الأول منهما من الثاني ويلتزما بذلك ليعلم الناس الفرق بين الأذانين كما كان زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصاً. أما تعدد المؤذنين لبقية الأوقات الخمسة فكالآتي: أولاً: فإن الأصل في ذلك عند العلماء هو حديث بلال وابن أم مكتوم المتقدم ذكره في صلاة الفجر، ثم قاسوا عليه للحاجة بقية الصلوات، كما استأنسوا لزيادة عمر وعثمان في الجمعة للجماعة لزيادة الإعلام كما تقدم. ثانياً: نسوق موجز الأقوال في ذلك عند الشافعية: قال النووي في شرح مسلم: باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد، وساق كلامه على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم. ثم قال ما نصه: وفي الحديث استحباب مؤذنين للمسجد الواحد، يؤذن أحدهما قبل الفجر والآخر عند طلوعه. قال أصحابنا: فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة، وأربعة فأكثر بحسب الحاجة. وقد اتخذ عثمان رضي الله عنه أربعة للحاجة عند كثرة الناس. قال أصحابنا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعداً، فالمستحب ألا يؤذنون دفعة واحدة، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطاره، وإن كان ضيقاً وقفوا معاً وأذنوا، وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلا واحد اهـ. فهذا نص النووي على قول أصحابه أي الشافعية في المسألة ساقه في شرح مسلم، وقال في المجموع شرح المهذب على نص المتن إذ قال: الماتن: والمستحب أن يكون المؤذن للجماعة اثنين. وذكر حديث بلال وابن أم مكتوم، فإن احتاج إلى الزيادة جعلهم أربعة، لأنه كان لعثمان أربعة، والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، لأن ذلك أبلغ في الإعلام. قال النووي في الشرح: قال أبو علي الطبري: تجوز الزيادة إلى أربعة، ثم ناقش المسألة مع من خالفه في العدد: ثم قال: العبرة بالمصلحة، فكما زاد عثمان إلى أربعة للمصلحة جاز لغيره الزيادة. وذكر عن صاحب الحاوي إلى ثمانية، ثم قال: فرع. وساق فيه ما نصه: فإن كان للمسجد مؤذنان أذن واحد بعد واحد، كما كان بلال وابن أم مكتوم، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم، فإن ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره كل واحد في قطر ليسمع أهل تلك الناحية، وإن كان صغيراً أذنوا معاً وإذا لم يؤد إلى تهويش. قال صاحب الحاوي وغيره: ويقفون جميعاً عليه كلمة كلمة فإن أدى إلى تهويش أذن واحد. إلخ. وفي صحيح البخاري، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، وساق بسنده حديث : عن مالك بن الحويرث "أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً ورفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: "ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " تفسير : قال في الفتح أثناء الشرح: وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في السفر: لأن الحضر أيضاً لا يؤذن فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعددهم لتباعد أقطار البلد أذن كل واحد في جهة ولا يؤذنون جميعاً. وقد قيل: إن أول من أحدث التأذين جميعاً بنو أمية. وقال الشافعي في الأم: وأحب أن يؤذن مؤذن بعد مؤذن، ولا يؤذنون جميعاً، وإن كان مسجد كبير فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه، مؤذن، يسمع من يليه في وقت واحد اهـ. وهذا الذي حكاه الشارح عن الشافعي موجود في الأم، ولكن بلفظ فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد اهـ. وهذا القدر كاف لبيان قول الشافعي وأصحابه، من أن التعدد جائز بحسب المصلحة. وعند مالك جاء في الموطأ حديث بلال وابن أم مكتوم أيضاً. وقال الباجي في شرحه: ويدل هذا الحديث على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد يؤذنان، لصلاة واحدة. وروى علي بن زياد عن مالك: لا بأس أن يؤذن للقوم في السفر والحرس والمركب ثلاثة مؤذنين وأربعة، ولا بأس أن يتخذ في المسجد أربعة مؤذنين وخمسة. قال ابن حبيب: ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات، كالصبح والظهر والعشاء، أن يؤذن خمسة إلى عشرة واحد بعد واحد، وفي العصر من ثلاثة إلى خمسة، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد. فهذا نص مالك والمالكية في جواز تعدد الأذان في المسجد الواحد، يؤذنون واحداً بعد واحد. وفي متن خليل ما نصه: وتعدده وترتيبهم إلا المغرب، وجمعهم كل على أذان. وذكر الشارح الخرشي من خمسة إلى عشرة في الصبح والظهر والعشاء، وفي العصر من ثلاثة إلى خمسة، وفي المغرب واحد أو جماعة. إلخ. وعند الحنابلة قال في المغني: "فصل" ولا يستحب الزيادة على مؤذنين لحديث بلال وابن أم مكتوم أيضاً، ثم قال: إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليهما فيجوز. فقد روي عن عثمان رضي الله عنه، أنه كان له أربعة مؤذنين. وإن دعت الحاجة إلى أكثر منهم كان مشروعاً، وإذا كان أكثر من واحد وكان الواحد يسمع الناس، فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، لأن مؤذني النَّبي صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، وإن كان الإعلام لا يحصل بواحد أذنوا على حسب ما يحتاج إليه، إما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية أو دفعة واحدة في موضع واحد. قال أحمد: إن أذن عدة في منارة فلا بأس، وإن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت، أذنوا جميعاً دفعة واحدة. وعند الأحناف: جاء في فتح القدير شرح الهداية في سياق إجابة المؤذن وحكاية الأذان ما نصه: إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحداً بعد واحد، فالحرمة للأول إلى أن قال: فإذا فرض أن سمعوه من غير مسجده تحقق في حقه السبب، فيصير كتعددهم في المسجد الواحد، فإن سمعهم معاً أجابة معتبراً كون جوابه لمؤذن مسجده، هذا نصوص الأئمة رحمهم الله في جواز تعدد المؤذنين والأذان في المسجد الواحد للصلاة الواحدة متفرقين أو مجتمعين. وقال ابن حزم: ولا يجوز أن يؤذن إثنان فصاعداً معاً، فإن كان ذلك فالمؤذن هو المبتدئ إلى أن قال: وجائز أن يؤذن جماعة واحداً بعد واحد للمغرب وغيرها سواء في كل ذلك، فلم يمنع تعدد الأذان من عدة مؤذنين في المسجد الواحد أحد من سلف الأمة. الحكمة في الأذان أما الحكمة في الأذان فإن أعظمها أن من خصائص هذه الأمة كما تقدم في أصل مشروعيته، وقد اشتمل على أصول عقائد التوحيد تعلن على الملأ، تملأ الأسماع حتى صار شعار المسلمين. ونقل عن القاضي عياض رحمه الله قوله: اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله: إثبات الذات وما تستحقه من الكمالات والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله "الله أكبر" وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه. ثم يصرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين، ثم يصرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كلمات العقائد العقليات، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة، لأن معرفة وجوبها من جهة النَّبي صلى الله عليه وسلم، لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. إلخ. ومراده بالعقليات في العقائد أي إثبات وجود الله وأنه واحد لا شريك له، وهو المعروف عندهم بقانون الإلزام، الذي يقال ففيه إن الموجود إما جائز الوجود أو واجبه، فجائز الوجود جائز العدم قبل وجوده واستوى الوجود والبقاء في العدم قبل أن يوجد، فترجح وجوده على بقائه في العدم. وهذا الترجيح لا بد له من مرجح وهو الله تعالى. وواجب الوجود لم يحتج إلى موجد. ولم يجز في صفة عدم وإلا لاحتاج موجده إلى موجد، ومرجح وجوده على موجود. وهكذا فاقتضى الإلزام العقلي وجوب وجود موجد واجب الوجود، وهذا من حيث الوجود فقط، وقد أدخل العقل في بعض الصفات التي يستلزمها الوجود، والحق أن العقل لا دخل له في العقائد من حيث الإثبات أو النفي، لأنها سمعية ولا تؤخذ إلى عن الشارع الحكيم، لأن العقل يقصر عن ذلك، ومرادنا التنبيه على إدخال العقليات هنا فقط. وقد سقنا كلام القاضي عياض هذا في حكمة الأذان لوجاهته، ولتعلم من خصوصية الأذان في هذه الأمة وغيرها به أنه ليس بصلصلة ناقوس أجوف، ولا أصوات بوق أهوج، ولا دقات طبل أرعن، كما هو الحال عند الآخرين، بل هو كلمات ونداء يوقظ القلوب من سباتها، وتفيق النفوس من غفلتها، وتكف الأذهان عن تشاغلها، وتهيئ المسلم إلى هذه الفريضة العظمى، ثانية أركان الإسلام وعموده. فإذا ما سمع الله أكبر الله أكبر مرتين، عظم الله في نفسه، واستحضر جلاله وقدسه واستصغر كل شيء بعد الله، فلا يشغله شيء عن ذكر الله، لأن الله أكبر من كل شيء، فلا يشغل نفسه عنه أي شيء. فإذا سمع أشهد أن لا إله إلا الله، علم أن من حقه عليه طاعة الله وعبادته. وإذا سمع: أشهد أن محمداً رسول الله، علم أنه يلزمه استجابة داعي الله. وإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح، علم أن فلاحه في صلاته في وقتها لا فيما يشغله عنها. وهكذا فكان ممشاه إليها تخشعاً، وخطاه إلى المسجد تطوعاً مع حضور القلب واستجماع الشعور. ومن هنا أيضاً ندرك السر في طلب السامع محاكاة الأذان تبعاً للمؤذن ليرتبط معه في إعلانه وعقيدته وشعوره، كما جاء في أثر عمرو بن العاص رضي الله عنه حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل مثل ما يقولون، فإذا انتهيت فاسأل تعطه"تفسير : . رواه أبو داود. وقد قدمنا هذا الموضع هنا، وإن كان ليس من منهج الكتاب، ولكن لموجب اقتضاء، ولمناسبة مبحث الأذان. أما الموجب فهو أني سمعت منذ أيام أثناء الكتابة في مباحث الأذان، وسمعت من إذاعة لبلد عربي مسلم أن كاتباً استنكر الأذان في الصبح خاصة، وفي بقية الأوقات بواسطة المكبر للصوت، وقال إنه يرهق الأعصاب وخاصة عند أداء الناس لأعمالهم أو عند الفراغ منها والعودة لراحتهم، ولا سيما في الفجر عند نومهم، فكان وقعه أليماً أن يصدر ذلك وينشر، ولكن أجاب عليه أحد خطباء الجمع في خطبة وافية، وأفهمه أن الإرهاق والاضطراب إنما هو من عدم الاستجابة لهذا النداء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان يبول في أذن النائم، وأنه يعقد عليه ثلاث عقد. فإذا ما استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة أخرى، فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة، وأصبح نشيطاً إلى غير ذلك من الرد الكافي. ولا شك أن مثل تلك الكتابة لا تصدر إلا ممَّن لا يعي معنى الأذان. هذا ما استوجب عرض الحكمة من الأذان، وإن كانت مجانبة لمنهج الكتاب، ولكن بمناسبة مباحث الأذان يغتفر ذلك، وبالله التوفيق. محاكاة المؤذن تعتبر محاكاة المؤذن ربطاً لسامع الأذان، وتنبيهاً له لموضوعه، جاء الحديث: "حديث : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول"تفسير : رواه البخاري. وفي رواية عنده عن معاوية رضي الله عنه أنه قال - أي معاوية -: وهو على المنبر مثل قول المؤذن إلى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله، ولما قال المؤذن "حي على الصلاة" قال معاوية: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وكذلك "حي على الفلاح"، ثم قال: "هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم". وعند النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه: "كنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي، فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة " تفسير : كيفية المحاكاة، في الحديث الأول فقولوا مثلما يقول، وهكذا يشعر بتتبعه جملة جملة، وفي الحديث الثاني: فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم: "من قال مثل هذا" وبعد السكوت تنطبق المثلية بمجيء الأذان بعد فراغ المؤذن، فوقع الاحتمال. وقد جاء عند مسلم وأبي داود ما يؤيد الأول، فعن عمر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد ألا إله إلا الله، قال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة " تفسير : فهذا نص صريح في أن محاكي المؤذن يتابعه جملة جملة إلى آخره ما عدا الحيعلتين. فإنه يتي بدلاً منها بالحوقلة. وقالوا: إن الحيعلتين نداء للإقبال على المنادي. وهذا يصدق في حق المؤذن. أما الذي يحكي الأذان فلم يرفع صوته ولا يصدق عليه أن ينادي غيره فلا أجر له في نطقه بهما. فيأتي بلا حول ولا قوة إلا الله لأمرين: الأول أنه ذكر يثاب عليه سراً وعلانية. والثاني: استشعار بأنه لا حول له عن معصية ولا قوة له على طاعة إلا بالله العلي العظيم، وفيه استعانة بالله وحوله وقوته على إجابة هذا النداء. وأداء الصلاة مع الجماعة. وقد أخذ الجمهور بحديث عمر عند مسلم بمحاكاة المؤذن في جميع الأذان على النحو المقدم. وعند مالك يكتفي إلى الحوقلة لحديث معاوية. ونص كتب المالكية أنه هو المشهور في المذهب. وغير المشهور أي مقابل المشهور طلب حكاية الأذان جميعه، ذكره الزمخشري على خليل. بعض الزيادات على ألفاظ الأذان تقدم ذكر الحوقلة عند الحيعلة في بعض روايات مسلم وغيره، عند الشهادتين يقول زيادة: "وأنا أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً. وبالإسلام ديناً، غفرت له ذنوبه". الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الله له الوسيلة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنَّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"تفسير : وهذا عام للأذان، في الصلوات الخمس إلا أنه جاء في المغرب والفجر بعض الزيادات، ففي المغرب حكى النووي: أنه له أن يقول بعد النداء: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك اغفر لي"، ويدعو بين الأذان، والإقامة. ذكره صاحب المهذب وعزاه لحديث أم سلمة، وأقره النووي في المجموع. أما في سماع أذان الفجر فيقول عند الصلاة خير من النوم: صدقت وبررت. حكاه النووي في المجموع. وعن الرافعي قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصلاة خير من النوم. وإذا سمع المؤذن وهو في الصلاة، نص العلماء على أنه لا يحكيه، لأنه في الصلاة لشغلا، وإذا سمعه وهو في المسجد جالس نص أحمد أنه لا يقوم حالاً للصلاة حتى يفرغ المؤذن أو يقرب. وإذا دخل المسجد وهو يؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعاً بن الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة، فلا بأس ذكره صاحب المغني عن أحمد رحمه الله. أجابة أَكثر من مؤذن وللعلماء مبحث فيما لو سمع أكثر من مؤذن، قال النووي: لم أر فيه شيئاً لأصحابنا، وفيه خلاف للسلف، وقال حكاه القاضي عياض في شرح مسلم، والمسألة محتملة، ثم قال: والمختار أن يقال: المتابعة سنة متأكدة يكره تركها لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر، وهذا يختص بالأول لأن الأمر لا يقتضي التكرار. وذكر صاحب الفتح وقال: وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب اهـ. وعند الأحناف الحق للأول. وأصل هذه المسألة في مبحث الأصول، هل الأمر المطلق يقتضي تكرار المأمور به أم لا؟ وقد بحث هذا الموضع فضيلة شيخنا رحمة الله تعالى عليه في مذكرة الأصول وحاصله: إن الأمر إما مقيد بما يقتضي التكرار أو مطلق عنه: ثم قال: والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل يخرج من عهدته بمرة، ثم فصل رحمة الله تعالى عليه القول فيما اتفق عليه وما اختلف به، ومنه تعدد حكاية المؤذن وبحثها بأوسع في الأضواء عن تعدد الفدية في الحج، والواقع أن سبب الخلافة فيما اختلف فيه إنما هو من باب تحقيق المناط هل السبب المذكور مما يقتضي التعدد أم لا؟ والأسباب في هذا الباب ثلاثة أقسام، قسم يقتضي التكرار قطعاً، وقسم لا يقتضيه قطعاً، وقسم هو محل الخلاف. فمن الأسباب المقتضية التكرار قطعاً: ما لو ولد له توأمان فإن عليه عقيقتين، ومنها: لو ضرب حاملاً فأجهضت جنينين لوجبت عليه غرتان. ومن الأسباب التي لا تقتضي التكرار ما لو أحدث عدة أحداث من نواقض الوضوء فأراد أن يتوضأ فإنه لا يكرر الوضوء بعدد الأحداث، ويكفي وضوء واحد، وكذلك موجبات الغسيل لو تعدت قبل أن يغتسل فإنه يكفيه غسل واحد عن الجميع. ومما اختلف فيه ما كان دائراً بين هذا وذاك، كما لو ظاهر من عدة زوجات هل عليه كفارة واحدة نظراً لما أوقع من ظهار أم عليه عدة كفارات نظراً لعدد ظاهر منهن؟ وكذلك إذا ولغ عدة كلاب في إناء هل يعفر الإناء مرة واحدة، أم يتعدد التعفير لتعدد الولوغ من عدة كلاب؟ ومن ذلك ما قالوه في إجابة المؤذن إذا تعدد المؤذنون تعددت الأسباب، فهل تتعدد الإجابة أم يكتفي بإجابة واحدة. تقدم قول النووي أنه لم يجد شيئاً لأصحابه، وكلام العز بن عبد السلام بتعدد الإجابة وبالنظر الأصولي، نجد تعدد المؤذنين ليس كتعدد نواقض الوضوء لأن المتوضئ إذا أحدث ارتفع وضوءه وليس عليه أن يتوضأ لهذا الحديث، فإذا أحدث مرة أخرى لم يقع هذا الحدث الثاني على طهر ولم يجد حدثاً آخر. وهكذا مهما تعددت الأحداث، فإذا أراد الصلاة كان عليه أن يرفع حدثه فيكفي فيه وضوء واحد، ولكن مستمع المؤذن حينما سمع المؤذن الأول فهو مطالب بمحاكاته، فإن فرغ منه وسمع مؤذناً آخر، فإن من حق هذا المؤذن الآخر أن يحاكيه، ولا علاقة لأذان هذا بذاك، فهو من باب تجدد السبب وتعدده أو هو إليه أقرب، كما لو سمع أذان الظهر فأجابه ثم سمع أذان العصر فلا يكفي عنه إجابة أذان الظهر، فإن قيل: قد اختلف الوقت وجاء أذان جديد، فيقال قد اختلف المؤذن فجاء أذان جديد. وأقرب ما يكون لهذه المسألة مسألة الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره في حديث قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : آمين آمين" ثلاث مرات وهو يصعد المنبر، ولما سئل عن ذلك قال: "أتاني جبريل فقال يا محمد من ذكرت عنده ولم يصل عليك باعده الله في النار فقل: آمين فقلت آمين"تفسير : ، وذكر بقية المسائل فإن بهذا يتعين تكرار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند كل ما يسمع ذكره صلوات الله وسلامه عليه، وهنا عليه تكرار محاكاة المؤذن، كما رجحه ابن عبد السلام والله تعالى أعلم. تنبيه وإذا سمع المؤذن وهو في صلاة فلا يقول مثل ما يقول المؤذن، وإذا كان في قراءة أو دعاء أو ذكر خارج الصلاة، فإنه يقطعه ويقول مثل قول المؤذن. قاله ابن تيمية في الفتاوى وابن قدامة في المغني، والنووي في المجموع. تنبيه ولا يجوز النداء للصلاة جمعة أو غيرها من الصلوات الخمس إلا بهذه الألفاظ المتقدم ذكرها، وما عداها مما أدخله الناس لا أصل له، كالتسبيح قبل الفجر، والتسبيح والتحميد والتكبير يوم الجمعة بما يسمى [بالتطليع] ونحوه فكل هذا لا نص عليه ولا أصل له. وقد نص في فتح الباري رداً على ابن المنير، حيث جعل بعض الهيئات أو الأقوال من مكملات الإعلام، فقال ابن حجر: وأغرب ابن المنير ولو كان ما قاله على إطلاقه لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة، ومن الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً. وفي الحاشية للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تعليق على كلام ابن المنير بقوله هذا فيه نظر. والصواب أن ما أحدثه الناس من رفع الصوت بالتسبيح قبل الأذان والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده، كما أشار إليه الشارع بدعة يجب على ولاة الأمر إنكارها حتى لا يدخل في الأذان ما ليس منه، وفيما شرعه الله غنية وكفاية عن المحدثات فتنبه. وقال في الفتح أيضاً ما نصه: وما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى، وقال ابن الحاج في المدخل جلد2 ص 254، وينهي المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح بالليل، وإن كان ذكر الله تعالى حسناً وعلناً لكن في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله وسلامه عليه، ولم يعين فيها شيئاً معلوماً. وقال بعده بقليل: وكذلك ينبغي أَن ينهاهم عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند طلوع الفجر، وإن كانت الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من أكبر العبادات وأجلها، فينبغي أن يسلك بها مسلكها، فلا توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها. وقال صاحب الإبداع في مضار الابتداع. ما نصه: ومن البدع ما يسمى بالأولى والثانية، أعني ما يقع قبل الزوال يوم الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، ولا خلاف في أن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد السلف الصالح، وإنما النظر في ذمه واستحسانه اهـ. وهذا النظر مفروغ منه في التنبيهات المتقدمة لابن حجر وابن الحاج وابن باز. والقاعدة الأصولية الفقهية: أن العبادات مبناها على التوقيف، وما لم يكن ديناً ولا عبادة عند السلف الصالح فلا حاجة إليه اليوم، كما قال مالك رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقد ذكر صاحب الإبداع أيضاً تاريخ إحداث رفع الصوت بالصلاة والتسليم على النَّبي الكريم عقب الأذان، فقال: كان ابتداء ذلك في أيام السلطان الناصر صلاح الدين بن أيوب وبأمره في مصر وأعمالها، لسبب مذكور في كتب التاريخ اهـ. والسبب يتعلق ببدعة الفاطميين بسبب بعض الأشخاص على المنابر والمنائر، فغير عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما كان على المنابر بقوله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر. وكذلك غير صلاح الدين ما كان بعد الأذان بالصلاة والتسليم على النَّبي صلى الله عليه وسلم. تنبيه من أسباب تمسك بعض البلاد بهذين العملين هو ألا يؤذن قبل الجمعة، فاعتاضوا عن الأذان بما يسمى التطليع أو بالأولى والثانية أي التطليعة الأولى والتطليعة الثانية، وكذلك لا يؤذنون للفجر قبل الوقت فاستعاضوا عنه بالتسبيح والتكبير وغيره. أما الصلاة والسلام على النَّبي صلى الله عليه وسلم عقب كل أذان، فقد قاسوا المؤذن على السامع في حديث: "حديث : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإن من صلَّى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً " تفسير : فقالوا: والمؤذن أيضاً يصلي ويسلم، ثم زادوا في القياس خطة وجعلوا صلاة المؤذن وتسليمه على النَّبي صلى الله عليه وسلم بصوت مرتفع كالأذان، وبهذا تعلم أنه ما أميتت سنة إلا ونشأت بدعة، وأن قياس المؤذن على السامع ليس سليماً. وتقدم لك أن محاكاة المؤذن لربط السامع بالأذان ليتجاوب معه في معانيه، ولو قيل: إن للمؤذن أن يصلي ويسلم على النَّبي صلى الله عليه وسلم سراً بعد الفراغ من الأذان، وأن يسأل الله الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم ليشارك في الأجرين: أجر الأذان وأجر سؤال الوسيلة. لكان له أجر. والعلم عند الله تعالى. حي على خير العمل في الأذان اتفق الأئمة رحمهم الله على أنها ليست من ألفاظ الأذان، وحكاها الشوكاني عن العترة، وناقش مقالتهم وآثارها بأسانيدها. ومما جاء فيها عندهم أثر عن ابن عمر، أنه كان يؤذن بها أحياناً. ومنها عن علي بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول. ثم قال: وأجاب الجمهور عن كل ذلك بأن أحاديث ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما لم يثبت فيهما شيء من ذلك. قالوا: وإذا صح ما روي أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره فيها. وقد أورد البيهقي حديثاً في نسخ ذلك، ولكن من طريق لا يثبت النسخ بمثلها اهـ. ملخصاً. وقد ذكر صاحب جمع الفوائد حديثاً عن بلال رضي الله عنه أنه كان يؤذن للصبح فيقول: حي على خير العمل، فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل"، وقال: رواه الطبراني في الكبير بضعف اهـ. ولا يبعد أن يكون أثر بلال هذا هو الذي عناه علي بن الحسين، وعلى كل فهذا الأثر وإن كان ضعيفاً فإنه مرفوع، وفيه التصريح بالمنع منها، وعليه الأئمة الأربعة وغيرهم إلا ما عليه الشيعة فقط. ومن جهة المعنى، فإن معناها لا يستقيم مع بقية النصوص الصحيحة الصريحة، وذلك أنه ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أن خر العمل أمر نسبي، وأن خير جميع الأعمال كلها هو أولاً وقبل كل شيء الإيمان بالله، وذلك حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل "أي الأعمال أفضل يا رسول الله، قال: "إيمان الله"، قيل: ثم ماذا؟ فقال: "مرة الجهاد في سبيل الله"، وقال مرة: "الصلاة على أول وقتها"، وقال مرة: "بر الوالدين"تفسير : وفي كل مرة يقدم إيماناً بالله. فعليه، الإيمان بالله هو خير العمل، وليست الصلاة، ثم بعد الإيمان بالله فهو بحسب حال السائل وحالة كل شخص، فمن كان قوياً وليس عليه حق لوالديه، فالجهاد أفضل الأعمال في حقه مع من الحفاظ على الصلاة، فإن كان ذا والدين، فبّرهما مقدم على كل عمل. ولم لا، فإن الصلاة على أول وقتها لغير هؤلاء فإطلاق القول بالصلاة خير العمل في حق جميع الناس لا يصح مع هذه الأحاديث. ولهذا منع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يقولها، وجعلها: خيراً من النوم. وهذا لا نزاع فيه ولا بالنسبة لأي أحد من الناس. والله تعالى أعلم. الصلاة بين أذان عثمان رضي الله عنه والأذان الذي بين يدي الإمام تعوَّد الناس في جميع الأمصار صلاة ركعتين عند الأذان الأول، والذي يقع الآن قبل الوقت وقبل جلوس الإمام على المنبر، وهو المسمى عند الفقهاء بأذان عثمان، وقد تساءل الناس عن هذه الصلاة، أهي سنة أم لا؟ ويتجدد هذا السؤال من حين إلى آخر، وأجمع ما رأيت فيه هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة خاصة، جواراً على سؤال وجه إليه هذا نصه: هل الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة فعلها النَّبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه أو التابعين أو الأئمة أم لا؟ وهل هو منصوص في مذهب من مذاهب الأئمة المتفق عليهم، وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بين كل أذانين صلاة"تفسير : ، هل هو مخصوص بيوم الجمعة، أم هو عام في جميع الأوقات؟ فأجاب رحمه الله بقوله: أما النَّبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عن أحد، فإن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النَّبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي بالناس، فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عن أحد أنه صلَّى صلى الله عليه وسلم في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت كقوله:"حديث : من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له"تفسير : ... الحديث. وهذا المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أتوا امسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. منهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي ثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي أقل من ذلك. ولهذا كان جمهور الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد. ثم قال: وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور من مذهب أحمد. وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة، فمنهم من جعلها ركعتين، ومنهم من جعلها أربعاً تشبيهاً لها بسنة الظهر، وقالوا: إن الجمعة ظهر مقصورة، وهذا خطأ من وجهين وساقهما. وخلاصة ما ساقه فيهما أن الجمعة لها خصائص لا توجد في الظهر فليست ظهراً مقصورة. وكذلك أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم في سفره سنة للظهر، أي وهي مقصورة في السفر فلا تمسك في ذلك. أما عن حديث "حديث : بين كل أذانين صلاة"تفسير : فالصواب أنه لا يقال إن قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بين كل أذانين صلاة " مرتين. وقال في الثالثة: "لمن شاء " تفسير : وهذا يدل على أن الصلاة مشروعة قبل الأوقات الخمسة، وأن ذلك ليس بسنة راتبة. وقد احتج بعض الناس بهذا على الصلاة يوم الجمعة. وعارض غيره قائلاً: الأذان الذي على المنارة لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ويتوجه عليه أن يقال: هذا الأذان الثالث لما سنه عثمان رضي الله عنه واتفق عليه المسلمون صار أذاناً شرعاً، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائز حسنة، وليست سنة راتبة كالصلاة قبل المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه. وهذا أعدل الأقوال. وكلام أحمد يدل عليه، وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يعتقدون أن هذه سنة راتبة أو واجبة، لا سيما إذا داوم الناس عليها، فينبغي تركها أحياناً، كما ينبغي ترك قراءة السجدة يوم الجمعة أحياناً. ثم قال: وإذا كان رجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعاً إذا تركها وبين لهم السنة لم ينكروا عليه، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعاً ورأى في صلاتها تأليفاً لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعاً للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم، وقولهم له ونحو ذلك. فهذا أيضاً حسن. فالعمل الواحد يكون مستحباً فعله تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية. كما ترك النَّبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم إلى آخره. اهـ ملخصاً. فأنت تراه رحمه الله قد بين أولاً أنها ليست من فعله صلى الله عليه وسلم، لعدم وجود مكان لها في عهده، ولا في عهد صاحبيه من بعده، وأن فعلها بعد حديث عثمان رضي الله عنه يرجع إلى حال الشخص، فإن كان عامياً التمس له مخرج من حديث: "حديث : بين كل أذانين صلاة"تفسير : لا على أنها سنة راتبة. أما العالم الذي يقتدى به فإن كان مطاعاً فتركها أحسن. وتعليم الناس متعين، وإن كان غير مطاع ويرجو نفعهم أو يخشى خصومة عليهم تضيع عليهم منفعتهم منه، ففعلها تأليفاً لقلوبهم، فهذا حسن. اهـ ملخصاً. وهذا منه رحمه الله من أدق مسالك سياسة الدعوة إلى الله، حيث ينبغي للداعي أن يراعي حالة العامة، وأن يكون بفعله مؤثراً كتأثيره بقوله مع مراعاة الأحوال ما هو أصلح لهم فيما فيه سعة من الأمر، كما بين أنها ليست بسنة راتبة. وقد ساق ضمناً كلام العلماء في حكم الصلاة قبل الجمعة مطلقاً، أي عند المجيء وقبل الأذان، وهذا كله ما عدا الداخل للمسجد وقت الخطبة فيما يتعلق بتحية المسجد. وقال النووي في المجموع بعد مناقشة كلام المذهب. قال: وأما السنة قبلها فالعمدة فيها حديث عبد الله بن معقل المذكور. "حديث : بين كل أذانين صلاة"تفسير : ، والقياس على الظهر قال: وذكر أبو عيسى الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعاً، وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك، وهذا منهم على أنها راتبة الظهر انتقلت إلى الجمعة، ولا علاقة لها بالأذان، بل من حين مجيئه إلى المسجد. قوله تعالى: {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ}. قال الزمخشري ونقله عنه أبو حيان من في قوله {مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} بيان لإذا وتفسير له اهـ. يعني: إذا نودي فهي بيان لإذا الظرفية وتفسير لها. والجمعة: بضم الجيم والميم قراءة الجمهور. وبضم الجيم وتسكين الميم قراءة عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما، وهما لغتان وجمعهما جمع وجمعات. قال الفراء: يقال الجمعة بإسكان الميم، والجمعة بضمها والجمعة بفتح الميم، فتكون صفة لليوم أي يجمع الناس. وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤها جمعة، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن، مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر، وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النَّبي صلى الله عليه وسلم. حكاه القرطبي وغيره. وقال الزمخشري: قرئ بهن جميعاً. وقال غيره: والأول أصح لقول ابن عباس رضي الله عنهما. وذكر في سبب تسمية هذا اليوم عدة أسباب لا تناقض بين شيء منها. من ذلك ما قاله ابن كثير رحمه الله: إنها مشتقة من الجمع، وأهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع. ومنها: أنه تم فيه خلق جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خلق آدم يعني جمع خلقه، وفيه الحديث عن سلمان أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : يا سلمان، ما يوم الجمعة"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم أو أبوكم"تفسير : ، قال ابن كثير: وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعلم. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن ما حكاه عن أبي هريرة له حكم الرفع، كما جاء في الموطإ في فضل يوم الجمعة "حديث : أنه خير يوم تطلع فيه الشمس، فيه خلق آدم"تفسير : إلى آخر الحديث، وسيأتي إن شاء الله عند بيان فضلها. وقد كان يقال له في الجاهلية يوم العروبة. ونقل عن الزجاج والفراء وأبي عبيدة: أن العرب العاربة كانت تسمي الأيام هكذا: السبت شبار، الأحد أول، الاثنين أهون، الثلاثاء جبار، الأربعاء دبار، الخميس مؤنس، الجمعة العروبة. وأول من نقل العروبة إلى الجمعة كعب بن لؤي، نقل من بذل المجهود شرح أبي داود. وقيل: أول من سماه بالجمعة كعب بن لؤي، وقد كان معروفاً بهذا الاسم في أول البعثة، كما جاء في سبب أول جمعة صليت بالمدينة. قال القرطبي: وأول من سماها جمعة: الأنصار، ونقل عن ابن سيرين قوله: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة هم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه في كل سبعة أيام يوم، وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنتذاكر الله ونصلي فيه ونستذكر أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة وهو أبو أمامة رضي الله عنه، فصلى بهم يومئذ ركعتين. وذكرهم فسموه يوم الجمعة حتى اجتمعوا فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم. فهذه أول جمعة في الإسلام. أما أول جمعة أقامها النَّبي صلى الله عليه وسلم، فهي التي أقامها في مقدمه إلى المدينة حين نزل قباء يوم الإثنين ومكث الثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي صبيحة الجمعة نزل إلى المدينة فأدركته في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجداً فجمع بهم صلى الله عليه وسلم وخطب، وهو موضع معروف إلى اليوم في بني النجار، وقد ساق القرطبي خطبته صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ثم كانت الجمعة التي تلتها في الإسلام في قرية جوانا بالأحساء اليوم. وقد خص الله المسلمين بهذا اليوم وفضَّله، كما قال ابن كثير وغيره لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري ومسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد"تفسير : ، لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم "حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق"تفسير : ذكره ابن كثير، من خصائص يوم الجمعة. كما اختصت هذه الأمة بيوم الجمعة عن سائر الأيام، فقد اختص يوم الجمعة نفسه بخصائص عن سائر الأيام، أجمعها ما جاء في الموطإ مالك عن أبي هريرة "أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه وفيه مات، وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"تفسير : . قال كعب: ذلك في كل سنة. قلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت: فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تعمل المَطِيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إِيْليَاءَ أو بيت المقدس"تفسير : يشك. قال أبو هريرة، ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعب. فقلت: ثم قرأ التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب. قم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ قال أبو هريرة فقلت له: أخبرني بها ولا تضن عليَّ، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي"تفسير : وتلك الساعة ساعة لا يصلي فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"تفسير : قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال فهو كذلك". فهذا نص صريح في أنه خير يوم طلعت عليه الشمس، ثم بيان أن الخيرية فيه لما وقع به من أحداث، وإلا فجميع الأيام حركة فلكية لا مزية فيها إلا ما خصها الله دون غيرها من الوقائع. وقد تعددت هنا في حق أبينا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولذا قيل: يوم الجمعة يوم آدم، ويوم الإثنين يوم محمد صلى الله عليه وسلم، أي حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن كثرة صيامه يوم الإثنين قال "ذلك يوم ولدت فيه، وعلي فيه أنزل"تفسير : الحديث. ولما كان يوم الجمعة هو يوم آدم فيه خلق، وفيه أسكن الجنة، وفيه أنزل إلى الأرض، وفيه تاب الله عليه، وفيه قيام الساعة. فكان يوم العالم من بدء أبيهم إلى منتهى حياتهم، فكأنه في الإسلام يوم تزودهم إلى ذلك المصير. وروى البخاري ومسلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {ألم} السجدة، و{هل أتى على الإنسان} في فجر يوم الجمعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وذلك لما فيهما من ذكر خلق الله آدم وحياة الإنسان ومنتهاه، كما في سورة السجدة في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [السجدة: 4-9]. وفي سورة {هل أتى على الإنسان} قوله تعالى:{أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}تفسير : [الإنسان: 1-5]. ففي هذا بيان لخلق العالم كله جملة ثم خلق آدم، ثم تناسل نسله ثم منتهاهم ومصيرهم ليتذكر بخلق أبيه آدم، وما كان من أمره كيلا ينسى ولا يسهو عن نفسه. وهكذا ذكر مثل هذا التوجيه في الجملة ابن حجر في الفتح، وناقش حكم قراءتهما والمداومة عليها أو تركهما، وذلك في باب ما يقرأ في صلاة الجمعة. وفي المنتقى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح: آلم تنزيل، وهل أتى على الإنسان، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وناقش الشوكاني السجود فيها أي في فجر الجمعة أو في غيرها من الفريضة، إذا قرأ ما فيه سجدة تلاوة. وحكي السجود في فجر الجمعة عن عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وقال: هو مذهب الشافعي، وقال: كرهه مالك وأبو حنيفة وبعض الحنابلة، فراجعه. الساعة التي في يوم الجمعة فقد تقدم كلام أبي هريرة رضي الله عنه مع عبد الله بن سلام وهو قول الأكثر، ويوجد عند مسلم: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أَن يفرغ من الصلاة، وقد ناقش هذه المسألة جميع العلماء، وحكى أقوالهم الزرقاني في شرح الموطأ، وكلاهما بسند صحيح: إلا أن سند مالك لم يطعن فيه أحمد وسند مسلم قد نقل الزرقاني الكلام. فيه، ومن تكلم عليه، والذي يلفت النظر ما يتعلق بقيام الساعة في يوم الجمعة من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس"تفسير : ففيه التصريح بأن الدواب عندها هذا الإدراك الذي تفرق به بين أيام الأسبوع، وعندها هذا الإيمان بيوم القيامة والإشفاق منه، وأخذ منه العلماء أن الساعة تكون في يوم الجمعة وفي أوله، فإذا كان هذا أمر غيب عنا، فقد أخبرنا به صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نعطي هذا اليوم حقه من الذكر والدعاء، مما يليق من العبادات إشفاقاً أو تزوداً لهذا اليوم، لا أن نجعله موضع النزهة واللعب والتفريط، وقد يكون إخفاؤها مدعاة للاجتهاد كل اليوم كليلة القدر، وقد نفهم من هذا كله المعنى الصحيح لحديث: "حديث : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه"تفسير : إلى آخره، وأن الحق فيه ذهب إليه الجمهور على ما سيأتي إن شاء الله عند مناقشة وقت السعي إلى الجمعة. قال النيسابوري في تفسيره: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة، إذ البكور إليها من شدة العناية بها. قوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. قرأ الجمهور فاسعوا وقرأها عمر فامضوا. روى ابن جرير رحمه الله أنه قيل لعمر رضي الله عنه: إن أبياً يقرؤها فاسعوا، قال أما إنه أقرؤنا وأعلمنا بالمنسوخ. وإنما هي فامضوا. وروي أيضاً عن سالم أنه قال: ما سمعت عمر قط يقرؤها إلا فامضوا. وبوب له البخاري قال باب قوله: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}تفسير : [الجمعة: 3] وقرأ عمر {فامضوا}، وذكر القرطبي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأها {فامضوا إلى ذكر الله}، وقال لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي اهـ. وبالنظر فيما ذكره القرطبي نجد الصحيح قراءة الجمهور لأمرين. الأول: لشهادة عمر نفسه رضي الله عنه أن أبياً أقرؤهم وأعلمهم بالمنسوخ، وإذا كان كذلك فالقول قوله، لأنه أعلمهم وأقرؤهم. أما قراءة ابن مسعود فقال القرطبي: إن سنده غير متصل، لأنه عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود شيئاً اهـ. وقد اختلف في معنى السعي هنا، وحاصل أقوال المفسرين فيه على ثلاثة أقوال لا يعارض بعضها بعضاً: الأول: العمل لها، والتهيؤ من أجلها. الثاني: القصد والنية على إتيانها. الثالث: السعي على الأقدام دون الركوب. واستدلوا لذلك بأن السعي يطلق في القرآن على العمل، قاله الفخر الرازي. وقال: هو مذهب مالك والشافعي، قال تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 205]، وقال: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 4] أي العمل. واستدلوا للثاني بقول الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام، ولكن سعي القلوب والنية. واستدلوا للثالث بما في البخاري عن أبي عبس بن جبر واسمه عبد الرحمن، وكان من كبار الصحابة مشى إلى الجمعة راجلاً، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار"تفسير : . ذكره القرطبي، ولم يذكره البخاري في التفسير. وبالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة نجدها متلازمة لأن العمل أعم من السعي، والسعي أخص، فلا تعارض بين أعم وأخص، والنية شرط في العمل، وأولى هذه الأقوال كلها ما جاء في قراءة عمر رضي الله عنه الصحيحة: فامضوا. فهي بمنزلة التفسير للسعي. وروي عن الفراء: أن المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، والصحيح أن السعي يتضمن معنى زائداً وهو الجد والحرص على التحصيل، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}تفسير : [الحج: 51] بأنهم حريصون على ذلك: وهو أكثر استعمالات القرآن. قال الراغب الأصفهاني: السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيراً كان أو شراً، قال تعالى: {أية : وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ}تفسير : [البقرة: 114].{أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 205]. {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}تفسير : [الإسراء: 19]. وجمع الأمرين الخير والشر {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}تفسير : [النجم: 39-40] وهو ما تشهد له اللغة، كما في قول زهير بن أبي سلمى: شعر : سعى ساعياً غيظ ابن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم تفسير : وكقول الآخر: شعر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه لا أجزه ببلاء يوم واحد تفسير : تنبيه من هذا كله يظهر أن السعي هو المضي مع مراعاة ما جاء في السنة من الحث على السكينة والوقار. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " تفسير : وهذا أمر عام لكل آت إلى كل صلاة ولو كان الإمام في الصلاة لحديث أبي قتادة عند البخاري قال: "حديث : بينا نحن نصلي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع جلبة رجال فلما صلى قال: "ما شأنكم"؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: "فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"تفسير : اهـ. وكذلك حديث حديث : أبي بكرة رضي الله عنه لما ركع خلف الصف ودب حتى دخل في الصف وهو راكع، فقال له صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصاً، ولا تعد"تفسير : على رواية تعد من العود. وهنا يأتي مبحث بم تدرك الجمعة؟ الأقوال في القدر الذي به تدرك الجمعة ثلاثة، وتعتبر طرفين وواسطة. الطرف الأول: القول بأنها لا تدرك إلا بإدراك شيء من الخطبة، هذا ما حكاه ابن حزم عن مجاهد وعطاء وطاوس وعمر، ولم يذكر له دليلاً. والقول الآخر: تدرك ولو بالجلوس مع الإمام قبل أن يسلم، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله: ومذهب ابن حزم، بل عند أبي حنيفة رحمه الله: أنه لو أن الإمام سها وسجد، وفي سجود السهو أدركه المأموم لأدراك الجمعة بإدراكه سجود السهو مع الإمام، لأنه منها، ولكن خالف الإمام أبا حنيفة صاحبه محمد على ما سيأتي. والقول الوسط هو قول الجمهور: أنها تدرك بإدراك ركعة كاملة مع الإمام، وذلك بإدراكه قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، فحينئذ يصلي مع الإمام ركعة ثم يضيف إليها أخرى وتتم جمعته بركعتين، وإلا صلى ظهراً. أما الراجح من ذلك فهو قول الجمهور للأدلة الآتية: أولاً أن القول الأول لا دليل عليه أصلاً، ويمكن أن يلتمس لقائله شبهة من قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} لحمل ذكر الله على خصوص الخطبة لقوله تعالى بعدها {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} [الجمعة: 10]. فسمى الصلاة في الأول بالنداء إليها، وسمى الصلاة أخيراً بانقضائها، وذكر الله جاء بينهما ولكن يرده استدلال الجمهور الآتي. والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وابن حزم استدل له بحديث "حديث : فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " تفسير : والجمعة ركعتان فقط، فإتمامها بتمام ركعتين، واعتبروا إدراك أي جزء منها إدراكاً لها، وقد خالف أبا حنيفة في ذلك صاحبه محمد لأدلة الجمهور الآتية: وأدلة الجمهور من جانبين: الأول: خاص بالجمعة، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى"تفسير : أي فتتم له جمعة بركعتين، وأخذوا من مفهوم إدراك ركعة، أن من لم يدرك ركعة كاملة فلا يصح له أن يضيف لها أخرى، وعليه أن يصلي ظهراً. والجانب الثاني عام في كل الصلوات، وهو حديث الصحيحين، "حديث : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " تفسير : وقد رد الأحناف على الحديث الأول بأنه ضعيف، واعتبروا الإدراك في الحديث الثاني، يحصل بأي جزء، ورد عليهم الجمهور بالآتي: أولاً: الحديث الخاص بمن أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى. ذكره ابن حجر في بلوغ المرام. وقال: رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوى أبو حاتم إرساله، وقال الصنعاني في الشرح: وقد أخرج الحديث من ثلاث عشرة طريقاً عن أبي هريرة، ومن ثلاث طرق عن ابن عمر، وفي جميعها مقال إلى أن قال: ولكن كثرة طرقه يقوي بعضها بعضاً، مع أنه خرجه الحاكم من ثلاث طرق: إحداها: من حديث أبي هريرة: وقال فيها على شرط الشيخين إلى آخر اهـ. وقال النووي في المجموع: ويغني عنه ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"تفسير : فهذا نص صحيح، وهو صريح في أن إدراك الصلاة إنما هو بإدراك ركعة، وبالإجماع لا يكون إدراك الركعة بإدراك الجلوس قبل السلام، لأن من دخل مع الإمام في إحدى الصلوات وهو جالس في التشهد لا يعتد بهذه الركعة إجماعاً، وعليه الصلاة كاملة. والنص الخاص أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى يجعل معنى الإدراك لركعة كاملة يعتد بها، ومن لم يدرك ركعة كاملة لم يكن مدركاً للجمعة. وقد حكى النووي في المجموع أن الجمعة تدرك بركعة تامة لحديث الصحيحين المذكور، وقال: احتج به مالك في الموطأ، والشافعي في الأم وغيرهما. وقال الشافعي معناه: لم تفته تلك الصلاة، ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين، وقال: وهو قول أكثر العلماء. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب، والأسود، وعلقمة والحسن البصري وعروة بن الزبير، والنخعي والزهري، ومالك والأوزاعي والثوري، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي يوسف. وتقدم أن الذي وافق الجمهور من أصحاب أبي حنيفة، إنما هو محمد لما في كتاب الهداية ما نصه: وقال محمد رحمه الله: إن من أدرك أكثر الركعة بني عليها الجمعة وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر. وفي الشرح: أن أكثر الركعة هو بإدراك الركوع مع الإمام. وبالنظر في الأدلة نجد رجحان أدلة الجمهور للآتي: أولاً: قوة استدلالهم بعموم "حديث : من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة"تفسير : ، وهذا عام في الجمعة وفي غيرها، وهو من أحاديث الصحيحين. ثم بخصوص "حديث : من أدرك من الجمعة ركعة مع الإمام فليضف إليها أخرى"تفسير : ، وتقدم الكلام على سنده وتقوية طرقه بعضها ببعض. وقد أشرنا إلى معنى الإدراك وهو ما يمكن الاعتداد به في عدد الركعات، وهي نقطة هامة لا ينبغي إغفالها، وأن مفهوم من أدرك ركعة مع الإمام فليضف إليها أخرى، أن من لم يدرك ركعة كاملة لا يتأتى له أن يضيف إليها أخرى، بل عليه كما قال الجمهور أن يصلي أربعاً. ثانياً ضعف استدلال المعارض لأن: ما أدركتم فصلوا. على من أدرك من الجمعة ركعة خاص بها. ثم إن معنى الإدراك ليس كما ذهب المستدل إليه، بل لا بد أن يكون إدراكاً لما يعتد به. وأشرنا إلى أن الإجماع على أن من لم يدرك ركعة كاملة لا يعتد بها في عدد الركعات، ويشير إلى هذا المعنى حديث أبي بكرة حيث ركع قبل أن يصل إلى الصف ليدرك الركعة قبل أن يرفع النَّبي صلى الله عليه وسلم رأسه، ولو كان إدراك الركعة يتم بأي جزء منها لما فعل أبو بكرة هذه الصورة، وقد قال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا زادك الله حرصا ولا تعد " تفسير : ومعلوم أنه اعتد بتلك الركعة لإدراكه الركوع منها، وبهذا تعلم أنه لا دليل لمن اشترط إدراك شيء من الخطبة، لأن من أدرك ركعة فقد فاتته الخطبة كلها، وفاتته الأولى من الركعتين، وأدراك الجمعة بإدراك الثانية. والعلم عند الله تعالى. حكم صلاة الجمعة عنقها الفدء قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. فيه الأمر بالسعي إذا نودي إليها، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا، فكان يكفي حكاية الإجماع على وجوبها، كما حكاه ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، ونقله الشوكاني، وهو قول الأئمة الأربعة رحمهم الله، ولكن وجد من يقول: إن الجمعة ليست واجبة. ولعله ظن أن في الآية صارف للأمر عن الوجوب، وهو ما جاء في آخر السياق في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فقالوا: إن الأمر لتحصيل الخير المذكور، وقد نقل عن بعض اتباع بعض الأئمة رحمهم الله ما يوهم أنها ليست بفرض، وهو مسطر في كتبهم، مما قد يغتر به بعض البسطاء ولا سيما مع ضعف الوازع وكثرة الشاغل في هذه الآونة، مما يستوجب إيراده من أقوال أصحابهم وأئمتهم رحمهم الله جميعاً. فعند المالكية حكاية ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة. وعند الشافعية قال الخطابي: فيها الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية. وعند الأحناف، قال في شرح الهداية: وقد نسب إلى مذهب أبي حنيفة أنها ليست بفرض. وكلها أقوال مردودة في المذهب من أصحابهم وأئمة مذاهبهم، فلزم التنبيه عليها، وبيان الحق فيها من كتبهم، ومن كلام أصحابهم، وإليك بيان ذلك: أما ما نسب لمالك رحمه الله فقد حكاه ابن العربي عن ابن وهب ورده بقوله: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، ورد عليه قوله بتأويلين: أحدهما أن مالكاً يطلق السنة على الفرض، والثاني: أنه أراد سنة على صفتها لا يشاركها فيها سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمة الجمعة على كل من سمع النداء، اهـ. نقلاً من نيل الأوطار. ومما يؤيد قول ابن العربي في الوجه الأول ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه، عن مالك وغيره في تحرزهم في الفتيا من قول حلال وحرام وواجب إلخ. في سياق ما وقع من خلاف والنهي عن التعصب، وأن مالكاً أشد تحفظاً في ذلك، ومما يؤيد الوجه الثاني أيضاً رواية المدونة بما نصه ما قول مالك: إذا اجتمع الأضحى والجمعة أو الفطر فصلى رجل من أهل الحضر العيد مع الإمام ثم أراد ألا يشهد الجمعة هل يضع ذلك عنه شهود صلاة العيد ما وجب عليه من إتيان الجمعة؟ قال لا، كان مالك يقول: لا يضع ذلك عنه ما وجب عليه من إتيان الجمعة، وقال مالك: ولم يبلغني أن أحداً أذن لأهل العوالي إلا عثمان، ولم يكن مالك يرى الذي فعل عثمان، وكان يرى أن من وجبت عليه الجمعة لا يضعها عنه إذن الإمام، وإن شهد مع الإمام قبل ذلك من يومه ذلك عيداً.اهـ من المدونة، فهذه نصوص صريحة عن مالك أن الجمعة واجبة لا يضعها عمن وجبت عليه إذن الإمام بصرف النظر عن فقه مسألة العيد والجمعة، فإن فيها خلافاً مشهوراً، ولكن يهمنا تنصيص مالك على خصوص الجمعة، وفي مختصر خليل عند المالكية ما نصه: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر، قال شارحه الخرشي: لزمت ووجبت إثم تاركها وعقوبته، فهذه أقوال المالكية وحقيقة مذهب مالك رحمه الله. أما الشافعية فقال صاحب المهذب، ما نصه: صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر وساق حديثه. وقال النووي في المجموع شرح المهذب: إنما تتعين على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه.إلى أن قال: أما حكم المسألة فالجمعة فرض عين على كل مكلف غير أصحاب الأعذار، والنقص المذكور بين هذا هو المذهب، وهو المنصوص للشافعي في كتبه، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما من بعض الأصحاب أنه غلط، فقال: هي فرض كفاية، قالوا: وسبب غلطه أن الشافعي قال: من وجبت عليه الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، وغلط من فهمه. لأن مراد الشافعي من خوطب بالجمعة وجوباً خوطب بالعيدين متأكداً، واتفق القاضي أبو الطيب وسائر من حكى هذا الوجه على غلط قائله، قال القاضي أبو إسحاق المروزي: لا يحل أن يحكى هذا عن الشافعي ولا يختلف أن مذهب الشافعي: أن الجمعة فرض عين، ونقل ابن المنذر في كتابيه كتاب الإجماع والإشراق: إجماع المسلمين على وجوب الجمعة. اهـ من المجموع للنوي، وهذا الذي حكاه النووي وابن المنذر والمروزي عن الشافعي هو المنصوص عنه في كتاب الأم للشافعي نفسه، قال مجلد (1) ص 188 تحت عنوان: إيجاب الجمعة بعد ما ذكر الآية {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} قال: ودلت السنة من فرض الجمعة على ما دل عليه كتاب الله تبارك وتعالى وساق حديث: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم - يعني الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع"تفسير : إلى أن قال: والتنزيل ثم السنة يدلان على إيجاب الجمعة، وقال: ومن كان مقيماً ببلد تجب فيه الجمعة من بالغ حر لا عذر له وجبت عليه الجمعة. فهذه نصوص الشافعي عامة في الوجوب وخاصة في الأعيان، وهذا بيان كاف لمذهب الشافعي رحمه الله من نص كتابه الأم اهـ. الحديث الذي استدل به الشافعي رحمه الله "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : هو عين الحديث الذي بوب عليه البخاري وجوب الجمعة، ووجه الاستدلال منه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم"تفسير : ففيه التنصيص على الفرضية. أما الأحناف، فقال في شرح الهداية ما نصه: وقد نسب إلى مذهب أبي حنيفة أنها ليست بفرض. ثم قال: وهذا من جهلهم، وسبب غلطهم قول القدوري: ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته، وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر بترك الفرض. إلى آخره. ثم قال: وقد صرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر، وذكر أول الباب، اعلم أن الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع، فحكي الإجماع على وجوبها وجهل من نسب إلى مذهبهم القول بعدم فرضيتها، وهذه أيضاً حقيقة مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأنها عند أصحابه آكد من الظهر. أما الحنابلة. فقال في المغني ما نصه: الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع، وساق الآية {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} الآية، وقال بعدها: فصل: وتجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنياً أو مبتدعاً أو عدلاً أو فاسقاً، نص عليه أحمد، وهذا أعم وأشمل، حتى مع الإمام غير العادل وغير السني. فهذه نصوص المذاهب الأربعة في وجوب الجمعة وفرضها على الأعيان. فلم يبق لأحد بعد ذلك أدنى شبهة يلتمسها من أي مذهب، ولا تتبع شواذه للتهاون بفرض الجمعة لنيابة الظهر عنها. ثم اعلم أن في الآية قرينة على هذا الوجوب وأنه لا صارف للأمر عن وجوب السعي إليها، وذلك أن مع الأمر بالسعي إليها الأمر بترك البيع والنهي عنه، إذا كان ترك البيع واجباً من أجلها فما وجب هو من أجله كان وجوبه هو أولى، قال في المغني: فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب ولا ويجب السعي إلا إلى الواجب، ونهي عن البيع لئلا يشغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها، وهو واضح كما ترى والأحاديث في الوعيد لتاركها بدون عذر مشهور تؤكد هذا الوجوب. من ذلك حديث أبي الجعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله عليه قلبه"تفسير : رواه أبو داود، وسكت عنه. وفي المنتقى، قال: رواه الخمسة أي ما عدا البخاري ومسلماً، وفي المنتقى عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: "حديث : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين"تفسير : رواه مسلم. وعن ابن مسعود أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "حديث : لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم"تفسير : رواه أحمد ومسلم. وقد فسر الطبع في حديث أبي الجعد بأنه طبع النفاق، كما في قوله تعالى في سورة المنافقون {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}تفسير : [المنافقون: 3]، وقيل: طبع ضلال، كما في الحديث: ثم يكون أي القلب كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً. نسأل الله العافية والسلامة لنا ولجميع المسلمين والتوفيق لفضل هذا اليوم الذي خص الله به هذه الأمة. مسألة من المخاطب بالسعي هنا، أي من الذي تجب عليه الجمعة تستهل الآية الكريمة بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}، وهو نداء عام لكل مؤمن ذكر وأنثى، وحر، وعبد صحيح ومريض، فشمل كل مكلف على الإطلاق كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183]. وقوله تعالى (فاسعوا) الواو فيه للجميع، وإن كانت للمذكر إلا أنها عائدة إلى الموصول السابق وهو عام كما تقدم، فيكون طلب السعي متجهاً إلى كل مكلف إلا ما أخرجه الدليل. وقد أخرج الدليل من هذا العموم أصنافاً، منها: المتفق عليه، ومنها المختلف فيه. فمن المتفق عليه: ما أخرج من عموم خطاب التكليف كالصغير والنائم والمجنون لحديث "حديث : رفع القلم عن ثلاثة " تفسير : وما خرج من خصوص الجمعة، كالمرأة إجماعاً فلا جمعة على النساء. وكالمريض فلا جمعة عليه اتفاقاً كذلك. وهو من يشق عليه أو يزيد مرضه، ومن يمرضه تابع له. وقد اختلف في المسافر والمملوك. ومن في حكم المسافر وهم أهل البوادي. قال القرطبي: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} خطاب للمكلفين بإجماع ويخرج منه المرضى، والزمنى، والعبيد، والنساء، بالدليل والعميان، والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضاً، أو مسافراً، أو امرأة، أو صبياً، أو مملوكاً، فمن استغنى بلهو، أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد"تفسير : خرجه الدارقطني اهـ. ويشهد لما رواه القرطبي ما رواه ابن حجر في بلوغ المرام عن طارق بن شهاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوكاً وامرأة، وصبياً، ومريضاً"تفسير : ، رواه أبو داود. وقال: طارق لم يسمع من النَّبي صلى الله عليه وسلم: وذكر أبو داود أنه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى اهـ. قال الصنعاني: يريد المؤلف بهذا، أي برواية عن أبي موسى أنه أصبح متصلاً. قال: وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر ومولى لابن الزبير رواه البيهقي وناقش سنده. وقال: وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً "خمسة لا جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية" اهـ. وقد ذكر صاحب المنتقى. حديث طارق كما ساقه صاحب البلوغ، وقال الشوكاني فيه: قال الحافظ وصححه غير واحد. وقال الخطابي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، وذكر صحبة طارق، ونقل قول العراقي، فإذا ثبتت صحبته فالحديث صحيح، وغايته أن يكون مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبو إسحاق الاسفرائيني، بل ادعى بعض الأحناف الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة اهـ. وقال الشوكاني: على أنه قد اندفع الإعلال: بالإرسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى إلى آخره، أي صار موصولاً، كما قال ابن حجر سابقاً. ووجه حجية مرسل الصحابي عندهم. هو أن الصحابي إذا أرسل الحديث ولم يرفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فيكون بينه وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم واسطة وتلك الواسطة هي صحابي آخر والصحابي ثقة، فتكون الواسطة الساقطة ثقة، فيصح الحديث، ولذا دعي بعض الأحناف أن مرسل الصحابي حجة لهذا السبب، وعلى هذا مناقشة أهل الحديث والتفسير لهذه المسألة، وبالتأمل في الآية الكريمة وعموم السياق يظهر من مجموعه شهادة القرآن، إلى صحة ذلك لدلالة الإيماء. أما عن النساء ففيه الإجماع كما تقدم، ويشهد له أن الدعوة إلى السعي إلى الجمعة، وترك البيع من أجلها، ثم الانتشار بعدها في الأرض والابتغاء من فضل الله بالعمل والكسب يشعر بأن هذا كله للرجال، لأن المرأة محلها في بيتها، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}تفسير : [الأحزاب: 33]. وتقدم لفضيلة والدنا الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، مبحث مفصل استدل بدليل قرآن على سقوط الجمعة عن النساء، وذلك عند قوله تعالى:{أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ}تفسير : [النور: 36-37]. وبين رحمة الله تعالى علينا وعليه، مفهوم رجال، هل هو مفهوم صفة أو مفهوم لقب، وساق علاقة النساء بالمساجد في الجمعة وغيرها، أما المملوك فمما يستأنس له أيضاً من السياق في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} إذ البيع والشراء ابتداء ليس من حق العبيد إلا بإذن السيد. وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} [الجمعة: 10]، فإن المملوك لا ينتشر في الأرض إلا بإذن السيد أيضاً، وكذلك المسافر فليس مشتغلاً ببيع ولا محل اشتغال به، وهو منتشر في الأرض بسفره وسفره شاغل له، وبسفره يقصر الصلاة ويجمعها. وقد حكى الشوكاني الاتفاق بين الفقهاء على سقوط الجمعة عن المملوك إلا داود، وكذلك المسافر إذا كان سائراً، أما إذا كان نازلاً، فخالف فيه داود أيضاً. ومما استدل به الجمهور على سقوط الجمعة عن المسافر وقت نزوله ما وقع من فعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، إذا كانت الوقفة يوم الجمعة، وكان صلى الله عليه وسلم نازلاً ولم يصل الجمعة، بدليل أنه لم يجهر بالقراءة، ونازع في ذلك ابن حزم وقال: غاية ما فيه ترك الجهر في الجهرية، وهذا لا يبطلها. ولكن يمكن أن يقال له: لقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني مناسككم " تفسير : والصلاة أثناء الحج مما يؤخذ عنه صلى الله عليه وسلم كالجمع تقديماً في عرفة وتأخيراً في مزدلفة، ولا يتأتى أن يترك الجهر في الجهرية وهو أقل ما فيه أنه خلاف الأولى ويأمرهم أن يأخذوه عنه. ومن هذا كله صح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا جمعة على مملوك ولا مسافر. كما لا جمعة على المرأة والمريض، وبالله تعالى التوفيق. قال ابن كثير: وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض ويتم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار. أما سقوطها عن أهل البوادي ومن في حكمهم، فهو قول لجمهور مع اختلافهم في تحقيق المناط في ذلك بين المصر والقرية، والبادية، وبالرجوع إلى أقوال الأئمة نجد الخلاف الآتي أقوال الأئمة في مكان الجمعة. أولاً: عند أبي حنيفة رحمه الله قال في الهداية ما نصه: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرية لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع " تفسير : وفسر الشارح ابن الهمام المصر بقوله: والمصر الجامع كل موضع له أمير وقاضي ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وناقش الأثر الذي أورده المصنف قائلاً: رواه ابن أبي شيبة موقوفاً على عليّ رضي الله عنه "لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة" صححه ابن حزم. ورواه عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، قال: لا تشريق ولا جمعة إلا في مصر جامع اهـ. وذكر هذا الأثر القرطبي موقوفاً على عليّ رضي الله عنه. وعند المالكية قال في متن خليل في فصل شروط الجمعة مانصه: باستيطان بلد أو أخصاص لا خيم. وفسر الشارح: الاستيطان بالعزم على الإقامة على نية التأبيد، ولا تكفي نية الإقامة ولو طالت، وجاء في المتن بعدها قوله: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر المتوطن. وقال الشارح على كلمة متوطناً: هو أيضاً من شروط الوجوب. يعني أنه يشترط في وجوبها الاستيطان ببلد يتوطن فيه ويكون محلاً للإقامة يمكن الشراء فيه، وإن بعدت داره من المنارة سمع النداء أو لم يسمع، ولو على خمسة أميال أو ستة إجماعاً. فلا تجعل على مسافر ولا مقيم ولو نوى إقامة زمناً طويلاً إلا تبعاً اهـ. أي تبعاً لغيره. وعند الشافعي قال في المهذب ما نصه: ولا تصح الجمعة إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد أو قرية لأنه لم تقم جمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية، ولم ينقل أنها أقيمت في بدو، فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز، لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو، وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته، فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع الاستيطان. قال النووي في الشرح ما نصه: قال أصحابنا يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء وصيفاً من تنعقد بهم الجمعة. قال الشافعي والأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب أو طين أو قصب أو سعف أو غيرهما، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق والقرى الصغار، والأسراب المتخذة وطناً، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة بلا خلاف، لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف. وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءاً وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان. ثم قال: أصحهما باتفاق الأصحاب لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم، وبه قطع الأكثرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ثم ذكر الدليل بقوله لحديث:"حديث : صلوا كما رأيتموني أصلِّي"تفسير : ولم يصل هكذا. وعند الحنابلة قال في المغني ما نصه: فصل فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم، وهو الاستيطان في قرية على الأوصاف المذكورة لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء، ولا تجب على مسافر ولا على مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف، أو في بعض السنة. فإن خربت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون فيها عازمون على إصلاحها فحكمها باق في إقامة الجمعة بها وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان. هذه خلاصة أقوال أهل المذاهب الأربعة متفقة على اشتراط الوطن والاستيطان. وإن اختلفت في صفة الوطن من مصر أو قرية أو نحوها مبينة بحجر أو طين أو أخشاب أو خيام ثابتة صيفاً وشتاء على ما تقدم. وقد انفرد أبو حنيفة ومعه صاحبه أبو يوسف باشتراط وجود الأمير والقاضي الذي يقيم الحدود احترازاً من القاضي الذي لا يقيم الحدود، كقاضي السوق، أو إذا كان من يلي القضاء امرأة على مذهبه في ذلك وهي لا تقضي في الحدود لعدم جواز شهادتها فيها، واكتفى الأئمة الثلاثة بمطلق الاستيطان، ومعلوم أن الاستيطان يستلزم الإمارة شرعاً وعقلاً. أما شرعاً فلقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من ثلاثة لا يؤمرون عليهم أميراً إلا استحوذ عليهم الشيطان ". تفسير : وعقلاً، فإن مستوطنين لا تسلم أحوالهم من خلافات ومشاحة فيما بينهم فلا بد من شخص يرجعون إليه، وهو في معنى الأمير المطلوب، كما أن الاستيطان يستلزم السوق لحوائجهم كما هو معلوم عرفاً. وقد استدل الجمهور بحديث ابن عباس رضي الله عنه "أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي" وبحديث أبي أمامة أنه جمع بهم بالمدينة قبل مجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات. مما لا يستلزم المصر الذي اشترطه أبو حنيفة رحمه الله، وأجاب الأحناف عن ذلك بعدم المعارضة بين حديث علي وحديث ابن عباس، وفعل أبي أمامة، وقالوا: إن قول علي لا يكون إلا عن سماع، ولأن قوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} ليس على إطلاقه بإتفاق الأمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعاً، ولا في كل قرية عند ابن عباس، بل يشترط ألا يظعن أهلها عنها صيفاً ولا شتاء، فكان خصوص المكان مراداً فيها إجماعاً، فقدر القرية من أخذ بحديث ابن عباس بأنها القرية الخاصة. وقدر الأحناف المصر وقالوا: هو أولى لنص حديث علي "إلا في مصر جامع"، وقالوا إن إقامتها في قرية جواثي غاية ما فيه تسمية جواثاً قرية، وهذه التسمية هي عرف الصدر الأول، وهو لغة القرآن في قوله تعالى:{أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] أي مكة والطائف، ومكة بلا شك مصر، وفي الصحاح أن جواثاً حصن بالبحرين، فهي مصر إذ الحصن لا يخلو عن حاكم عليهم وعالم، أما صلاة أبي أمامة فلم تكن عن علم ولا تقرير من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا كانت شرعت الجمعة آنذاك، فلا حجة فيه. والذي يقتضيه النظر بين هذه الأقوال والله تعالى أعلم: أن رأي الجمهور أرجح. ويتمشى مع قواعد مذهب أبي حنيفة في الجملة، لأن الأحناف يتفقون مع الجمهور على تسمية المصر قرية كشمية الطائف ومكة قرى. وجاء في القرآن: مكة أم القرى، فالقرية أعم من المصر، ومذهب أبي حنيفة تقديم العام على الخاص في كثير من الأمور، كما في حديث "حديث : فيما سقت السماء العشر"تفسير : فقدمه على حديث "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"تفسير : ، من هذا كله يتضح أن الاستيطان مجمع عليه، فلا تصح في غير وطن، ولا تلزم غير مستوطن. ومن قال بغير ذلك فقد خالف الأئمة، وشذ عن الأمة، وليس له سلف فيما ذهب إليه، والذي قاله الجمهور يشهد له سياق القرآن الكريم بالإيماء والإشارة، لأننا لو أخذنا بعين الاعتبار الأمر بالسعي إلى ذكر الله وترك البيع حتى لا يشغل عنها، ثم الانتشار في الأرض بعد قضائها، لتحصل عندنا من مجموع ذلك كله أن هناك جماعة نوديت وكلفت باستجابة النداء والسعي، ثم الكف عن البيع الذي يشغل عن السعي، ومثل هذا البيع الذي يكلفون بالكف عنه والذي يخشى منه شغل الناس عن السعي إلى الجمعة لا يكون عقداً بين اثنين فقط، ولا يكون عملاً فردياً بل يشعر بأنه عمل بين أفراد عديدين ومبايعات متعددة مما يشكل حالة السوق، والسوق لا يكون في البوادي بل في القرى وللمستوطنين. والعادة أن أهل البوادي ينزلون إلى القرى والأمصار للتزود من أسواقها، وإذا وجد السوق، ووجدت الجماعة، اقتضى ذلك وجود الحاكم لاحتمال المشاحة والمنازعات. كما تقدم استلزام ذلك شرعاً وعقلاً، كما أن قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 10] يدل على الكثرة، لأن مادة الانتشار لا تطلق على الواحد ولا الاثنين، كما في حديث "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"تفسير : ، ومنه انتشار الخبر لا يصدق على ما يكون بين اثنين، أو أكثر، إذا كانوا يتكتمون. فإذا استفاض وكثر من يعرفه، قيل له: انتشر الخبر. قال صاحب معجم مقاييس اللغة في مادة نشر: النون والشين والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وتشعبه، فقوله: وتشعبه يدل على الكثرة. وقد يقال: اكتسى البازي ريشاً نشراً، أي منتشراً واسعاً طويلاً، ومعلوم أن ريش البازي كثير، وهذا الوصف لا يتأتى من نفر قلائل في بادية، بل لا يتأتى تحققه إلا من أهل القرى المستوطنين. وفعلنا في هذا قد أوضحنا هذه المسألة خاصة لهؤلاء الذين يقولون: إن الجمعة كالجماعة تصح من أي عدد في أي مكان على أية حالة كانوا، وهو قول في الواقع لم يكن لهم فيه سلف، وخالفوا به السلف والخلف، مع ما في قولهم من هدم حكمة التشريع في إقامة الجمعة، حيث إننا وجدنا حكمة الجماعة في العدد القليل، ولأهل كل مسجد في كل ضاحية. ثم نأت الجمعة لأهل القرية والمصر ومن في ضواحيها على بعد خمسة أو ستة أميال، كما قال المالكية، وكما كان السلف يأتون إلى المدينة زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، لما فيه من تجمع للمسلمين على نطاق أوسع من نطاق الجماعة. ثم يأتي العيد وهو على نطاق أوسع فيشمل حتى النساء يحضرن ذلك اليوم، ثم يأتي الحج يأتون إليه من كل فج عميق، ولعل مما يشهد لهذا ويرد على من خالفه، ما جاء في اجتماع العيد والجمعة. إذ خيرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم بين النزول إلى الجمعة وبين الاكتفاء بالعيد أي أهل الضواحي. ثم أخبرهم بأنه سيصلي الجمعة، فلو أن الجمعة تصح منهم في منازلهم وضواحيهم لأرشدهم إلى ذلك وأعفاهم من النزول سواء في يوم العيد الذي يكون في يوم الجمعة أو في الجمعة من غير يوم العيد، بل كانوا ينزلون من أطراف المدينة كما هو معلوم، والعلم عند الله تعالى. العدد في الجمعة والواقع أن مسألة العدد في الجمعة قد كثر الخلاف فيها. فمن قائل: تصح بواحد مع الإمام. وعزاه ابن رشد للطبري، ومن قائل باثنين مع الإمام وعزاه القرطبي للحسن، ومن قائل بثلاثة مع الإمام وعزى لأبي حنيفة، ومن قائل باثني عشر رجلاً، وعزاه القرطبي لربيعة، ومن قائل بثلاثين، ومن قائل بأربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. ومن قائل بكل عدد يتأتى في قرية مستوطنة، وألا يكونوا ثلاثة ونحوها، وهو قول مالك. قال في متن خليل: وبجماعة تتقرى بهم قرية بلا حد. وقال في الشرح: أي جماعة يمكنهم الدفع عن أنفسهم في الأمور الكثيرة لا النادرة، وذلك يختلف بحسب الجهات إلى أن قال: وأفهم كلام المؤلف أن الاثني عشر لا تتقرى بهم قرية. فقوله: بلا حد أي بعد الاثني عشر اهـ. والواقع أن كل هذه الأقوال ليس عليها مستند يعول عليه في العدد. بحيث لو نقص واحد بطلت، ولكن الذي يشهد له الشرع من السماحة واليسر، هو ما قاله مالك رحمه الله، وما قدمنا من أن السياق يدل على وجود جماعة لها سوق، ويتأتى منها الانتشار في الأرض بعد انقضاء الصلاة. ولم نطل الكلام في هذه المسألة لعدم وجود نص صريح فيها، وكل ما يستدل به فهو حكاية حال تحتمل الزيادة والنقص ولا يعمل بمفاهيمها. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنبيه على ما فيها من مبحث أصولي، وهو الأمر بعد الحظر وأصح ما فيه أنه يرد الأمر المحظور إلى ما كان عليه قبل ورود الحظر عليه. مسألة وقت السعي إلى الجمعة ظاهر قوله تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} [الجمعة: 9] أن السعي يكون بعد النداء، وعند ترك البيع، ومفهومه أن قبل النداء لا يلزم السعي ولا ترك البيع، وهذا ظاهر من النص، ولكن جاءت نصوص للحث على البكور إلى الجمعة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما تيسر له"تفسير : الحديث. وحديث "حديث : من راح في الساعة الأولى"تفسير : إلى آخر الحديث، فكان البكور مندوباً إليه، وهذا أمر مسلم به، ولكن وقع الخلاف بين مالك والجمهور في مبدأ البكور، ومعنى الساعة الأولى أي ساعة لغوية أو زمنية. وهل هي الأولى من النهار أو الأولى بعد الأذان، فقال مالك: إن الساعة لغوية، وهي الأولى بعد الأذان، إذ لا يجب السعي إلا بعده وقبله لا تكليف به. وحمل الجمهور الساعة على الساعة الزمنية، وأن الأولى هي الأولى من النهار، والراجح ما ذهب إليه الجمهور لعدة أمور: أولاً: في لفظ حديث البكور، لأن لفظ البكور لا يكون إلا لأول النهار، ولا يقال لما بعد الزوال بكور، بل يسمى عشياً كما في قوله تعالى: {أية : بُكْرَةً وَعِشِيِّاً}تفسير : [مريم: 11] وتكرار بكر، وابتكر، يدل على أنه في بكرة النهار وأوائله، وكذلك لفظة من راح، لأن الرواح لأول النهار. ثانياً في الحديث: "حديث : وصلى ما تيسر"تفسير : . له دليل قاطع على أن هناك زمناً يتسع للصلاة بقدر ما تيسر له. أما على مذهب مالك فلا متسع لصلاة بعد النداء. ولا سيما في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا أذان واحد، وبعد النداء فلا متسع للصلاة. ثالثاً: ما جاء عن بعض السلف، كما تقدم أنه كان يصلي أربعاً وثماني واثنتي عشرة ركعة، وهذا كله لا يكون مع الساعات اللغوية، وما جاء عند النيسابوري من قوله في تفسيره: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة، والذي يقتضيه النظر في هذه المسألة: هو أن زمن السعي له جهتان: جهة وجوب وإلزام، وهذا لا شك أنه بعد النداء إلا من كان محله بعيداً. بحيث لو انتظر حتى ينادى لها لا يدركها فيتعين عليه السعي إليها قبل النداء اتفاقاً، لأنه لا يتمكن من أداء ما وجب عليه من صلاة الجمعة إلا بذلك. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا مخصوص من ظاهر النص المتقدم. الجهة الثانية: جهة ندب واستحباب، وهذا لا يتقيد بزمن وإنما هو بحسب ظروف الشخص. فمن تمكن من البكور ولم يتعطل ببكوره ما هو ألزم منه، فيندب له البكور، وبحسب ما يكون بكوره في الساعات الخمس المذكورة في الحديث يكون ماله من الأجر، ويشهد لهذا المعنى أمران: الأول: حديث الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول. فإذا حضر الإمام طوت الصحف وجلسوا يستمعون الذكر، فكتابة الأول فالأول قبل خروج الإمام، تدل على فضل الأولية قبل النداء كما تقدم. الأمر الثاني: أننا وجدنا لكل واجب مندوباً والسعي إلى الجمعة عند النداء واجب، فيكون له مندوب وهوالسعي قبل النداء، فكما للصلاة والصيام والزكاة واجب ومندوب. فكذلك للسعي واجب ومندوب، فواجبه بعد النداء، ومندوبه قبله، والله تعالى أعلم. الغسل للجمعة في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الجمعة: 9] ترتيب السعي إلى ذكر الله على النداء، ومعلوم أن هذا مقيد بسبق الطهر إجماعاً. وقد جاء في قوله تعالى {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}تفسير : [المائدة: 6] فكانت الطهارة بالوضوء شرطاً في صحة الصلاة. وهنا في خصوص الجمعة لم يذكر شيء في خصوص الطهر لها بوضوء أو غسل. وقد جاءت أحاديث في غسل الجمعة منها حديث أبي سعيد من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"تفسير : ، وفي لفظ "حديث : طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم كطهر الجنابة"تفسير : وهذا نص صريح في وجوب الغسل على كل من بلغ سن الحلم. وجاء حديث آخر: "حديث : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"تفسير : . وهذا نص صريح في أفضلية الغسل على الوضوء، وبالتالي صحة الجمعة بالوضوء وهذا مذهب الجمهور. وقد جاء عند مالك في الموطإ: أن عثمان دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فعاتبه على تأخره، فأخبره أنه ما إن سمع النداء حتى توضأ. وأتى إلى المسجد فقال له: والوضوء أيضاً، وذلك بمحضر من الصحابة، فلم يأمره بالعودة إلى الغسل، ولو كان واجباً لما تركه عثمان من نفسه، ولا أقره عمر وتركه على وضوئه. فقال الجمهور: إن الحديث الأول قد نسخ الوجوب فيه بحديث المفاضلة المذكور، واستدلُّوا على ذلك بأمرين: الأول قصة عمر مع عثمان هذه. والثاني: قول عائشة رضي الله عنها كانوا في أول الأمر هم فعلة أنفسهم فكانوا يأتون إلى المسجد ويشتد عرقهم فتظهر لهم روائح فعزم عليهم صلى الله عليه وسلم بالغسل، ولما فتح الله عليهم وجاءته العلوج وكفوا مؤنة العمل، رخص لهم في ذلك، وهذا هو مذهب الجمهور، كما قدمنا. وعند الظاهرية وجوب الغسل، ولكن لليوم لا للجمعة، لنص الحديث: غسل يوم الجمعة ولم يقل الغسل لصلاة الجمعة، واستدلوا لما ذهبوا إليه من النصوص في تعهد الشعور والأظافر والغسل بصيغة عامة كل يوم على الإطلاق، وقيدوه في الغسل بخصوص الجمعة، وعليه فإن من لم يغتسل عندهم قبل الصلاة فعليه أن يغتسل بعدها، وأنه ليس شرطاً عندهم لصحتها، والذي يظهر هو صحة مذهب الجمهور لأمرين: الأول: أن مناسبة الغسل في هذا اليوم أنسب ما تكون لهذا التجمع، كما أشارت عائشة رضي الله عنها، فإذا أهدرنا هذه المناسبة كان يوم الجمعة وغيرها سواء. الثاني: أن سياق الآية يشير إشارة خفية إلى عدم وجوب الغسل، لأنه لم يذكر نوع طهارة عند السعي بعد الأذان، ومعلوم أنه لا بد من طهر لها، فيكون إحالة على الآية الثانية العامة في كل الصلوات، {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}تفسير : [المائدة: 6] الآية. فيكتفي بالوضوء وتحصل الفضيلة بالغسل، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. في عود الضمير على التجارة وحدها مغايرة لذكر اللهو معها. وقال الزمخشري: حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وذكر قراءة أخرى، انفضوا إليه يعود الضمير إلى اللهو، وهذا توجيه قد يسوغ لغة كما في قول نابغة ذبيان: شعر : وقد أراني ونعما لاهيين بها والدهر والعيش لم يهمم بإمرار تفسير : فذكر الدهر والعيش، وأعاد عليهما ضميراً منفرداً اكتفاء بأحدهما عن الآخر للعلم به، وهو كما قال ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز؟ وقد ذكر الشيخ رحمه الله لهذا نظائر في غير عود الضمير، كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}تفسير : [النحل: 81]، فالتي تقي الحر، تقي البرد، فاكتفى بذكر أحدهما لدلالته على الآخر، ولكن المقام هنا خلاف ذلك. وقد قال الشيخ عن هذه الآية في دفع إيهام الاضطراب: لا يخفى أن أصل مرجع الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو، بدلالة لفظة أو على ذلك، ولكن الضمير رجع إلى التجارة وحدها دون اللهو، فبينه وبين مفسره بعض منافاة في الجملة، والجواب: أن التجارة أهم من اللهو وأقوى سبباً في الانفضاض عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لأنهم انفضوا من أجل العير واللهو كان من أجل قدومها، مع أن اللغة يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله. أما في العطف بأو فواضح، كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً}تفسير : [النساء: 112]. وأما الواو فهو فيها كثير كقوله {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}تفسير : [البقرة: 45] وقوله {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة: 62]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 34] اهـ. أي أن هذه الأمثلة كلها يذكر فيها أمران، ويعود الضمير على واحد منهما. وبناء على جواب الشيخ رحمة الله تعالى عليه، يمكن القول بأن عود الضمير على أحد المذكورين، إما لتساويهما في الماصدق، وإما لمعنى زائد فيما عاد عليه الضمير. فمن المتساويين قوله تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً} لتساويهما في النهي والعصيان، ومما له معنى زائد قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} وإنها أي الصلاة، لأنها أخص من عموم الصبر، ووجود الأخص يقتضي وجود الأعم دون العكس، ولأن الصلاة وسيلة للصبر، كما في الحديث: "حديث : كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرهم فزع إلى الصلاة " تفسير : وكذلك قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} أي الفضة، لأن كنز الفضة أوفر، وكانزوها أكثر فصورة الكنز حاصلة فيها بصفة أوسع، ولدى كثير من الناس، فكان توجيه الخطاب إليهم أولى، ومن ناحية أخرى لما كانت الفضة من ناحية أخرى لما كانت الفضة من الناحية النقدية أقل قيمة، والذهب أعظم، كان في عود الضمير عليها تنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه أشمل وأعم، وأشد تخويفاً لمن يكنزون الذهب. أما الآية هنا، فإن التوجيه الذي وجهه الشيخ رحمه الله تعالى عليه، لعود الضمير على التجارة، فإنه في السياق ما يدل عليه، وذلك في قوله تعالى بعدها: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ}، فذكر السببين المتقدمين لانفضاضهم عنه صلى الله عليه وسلم، ثم عقبه بقوله تعالى، بالتذييل المشعر بأن التجارة هي الأصل بقوله: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، والرزق ثمرة التجارة. فكان هذا بياناً قرآنياً لعود الضمير هنا على التجارة دون اللهو. والعلم عند الله تعالى. تنبيه قال أبو حيان عن ابن عطية: تأمل إن قدمت التجارة على اللهو في الرؤية، لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبين اهـ. يريد بقوله: في الرؤية، وإذا رأوا. وبقوله: مع التفضيل {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} أي لأن اللهو أبين في الظهور، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى: أنه عند التفضيل ذكر اللهو للواقع فقط، لأن اللهو لا خير فيه مطلقاً فليس محلاً للمفاضلة، وأخر ذكر التجارة لتكون أقرب لذكر الرزق لارتباطهما معاً، فلو قدمت التجارة هنا أيضاً لكان ذكر اللهو فاصلاً بينهم وبين قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، وهو لا يتناسق مع حقيقة المفاضلة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 9- يا أيها الذين آمنوا إذا أُذِّنَ للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله. حريصين عليه، واتركوا البيع، ذلكم الذى أُمرتم به أنفع لكم إن كنتم تعلمون. 10- فإذا أديتم الصلاة فتفرقوا فى الأرض لمصالحكم، واطلبوا من فضل الله، واذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم كثيراً، لعلكم تفوزون بخيرى الدنيا والآخرة. 11- وإذا أبصروا متاعاً للتجارة أو لهواً تفرقوا إليها وتركوك قائماً تخطب، قل لهم: ما عند الله من الفضل والثواب أنفع لكم من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين، فاطلبوا رزقه بطاعته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا نودي للصلاة: أي إذا أذن المؤذن لها عند جلوس الإِمام على المنبر. من يوم الجمعة: أي في يوم الجمعة وذلك بعد الزوال. فاسعوا إلى ذكر الله: أي امضوا إلى الصلاة. وذروا البيع: أي اتركوه، وإذا لم يكن بيع لم يكن شراء. وابتغوا من فضل الله: أي اطلبوا الرزق من الله تعالى بالسعي والعمل. تفلحون: أي تنجون من النار وتدخلون الجنة. انفضوا إليها: أي إلى التجارة. وتركوا قائماً: أي على المنبر تخطب يوم الجمعة. ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة: أي ما عند الله من الثواب في الدار الآخرة خير من اللهو ومن التجارة. والله خير الرازقين: أي فاطلبوا الرزق منه بطاعة واتباع هداه. معنى الآيات قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يا من صدقتم الله ورسوله {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} أي إذا أذن المؤذن بعد زوال يوم الجمعة وجلس الإِمام على المنبر {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي امضوا إلى ذكر الله الذي هو الصلاة والخطبة إذ بهما يُذكر الله تعالى. وقوله {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} إذ هو الغالب من أعمال الناس، وإلا فسائر الأعمال يجب إيقافها والمضيُّ إلى الصلاة. وقوله {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي ترك الأعمال من بيع وشراء وغيرها والمضيُّ إلى أداء صلاة الجمعة وسماع الخطبة خير ثوابا عاقبة. وقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} أي أديت وفرغ منها فانتشروا في الأرض أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمال الدين والدنيا. تبتغون من فضل الله، {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي أثناء تفرقكم وانتشاركم في أعمالكم اذكروا الله ولا تنسوه واذكروه ذكراً كثيراً لعلكم تفلحون أي رجاء فلاحكم وفوزكم في دنياكم وآخرتكم. وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} هذه الآية نزلت في شأن قافلة زيت كان صحابها دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري رضي الله عنه قدمت من الشام، وكان عادة أهل المدينة إذا جاءت قافلة تجارية تحمل الميرة يستقبلونها بشيء من اللهو كضرب الطبول والمزامير. وصادف قدوم القافلة يوم الجمعة والناس في المسجد، فلما انقضت الصلاة وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب، وكانت الخطبة بعد الصلاة لا قبلها كما هي بعد ذلك فخرج الناس يتسللون حتى لم يبق مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة فنزلت هذه الآية تعيب عليهم خروجهم وتركهم نبيهم يخطب. فقال تعالى في صورة عتاب شديد {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} أي خرجوا إليها {وَتَرَكُوكَ} يا رسولنا قائما على المنبر تخطب. وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} أي أعلمهم يا نبينا أن ما عند الله من ثواب الآخرة خير من اللهو التجارة التي خرجتم إليها، {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} فاطلبوا الرزق منه بطاعته وطاعة رسوله ولا يتكرر منكم مثل هذا الصنيع الشين. وإلا فقد تتعرضون لعذاب عاجل غير آجل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب صلاة الجمعة ووجوب المضي إليها عند النداء الثاني الذي يكون والإمام على المنبر. 2- حرمة البيع والشراء وسائر العقود إذا شرع المؤذن يؤذن الأذان الثاني. 3- الترغيب في ذكر الله والإِكثار منه والمرء يبيع ويشتري ويعمل ويصنع ولسانه ذاكر. 4- ينبغي أن لا يقل المصلون الذين تصح صلاة الجمعة بهم عن اثني عشر رجلاً أخذاً من حادثة انفضاض الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب إلى القافلة حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً.

القطان

تفسير : اذا نودي للصلاة: اذا أُذّن لها. فاسعَوا الى ذكر الله: فامشوا الى الصلاة. وذروا البيع: اتركوه. فاذا قضِيت الصلاة: أُدّيت وانتهت. فانتشِروا: تفرقوا في طلب الرزق والعمل. اللهو: كل ما يلهي عن ذكر الله. انفضّوا: انصرفوا. الحديثُ في هذه الآيات الكريمة عن صلاةِ الجمعة، وهي ركعتان بعد خطبتين يلقيهما الإمام، وهي فرضُ عَين، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنّة والاجماع. وتجب صلاةُ الجمعة على المسلم الحرّ العاقلِ البالغ المقيمِ القادرِ على السعي إليها، ولا تجب على المرأة والصبيّ، والمريضِ والمسافر، وكلِّ معذور مرخَّص له في ترك الجماعة، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك، ولا تصحّ إلا جماعة. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل يوم الجمعة، وفضل الصلاة فيها، والحثّ عليها والاستعداد لها بالغسل والثياب النظيفة والطِّيب. ويجوز للنساء والصبية ان يحضروا الجمعة، فقد كانت النساء تحضر المسجدَ على عهد رسول الله وتصلّي معه. ومن صلى الجمعةَ سقطت عنه فريضة الظهر، ومن أراد زيادة فليرجع الى كتب الفقه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} يا أيها الذين آمنوا: إذا أُذَّن للصلاة يوم الجمعة فاذهبوا الى المسجد لحضور الصلاة وذِكر الله، واتركوا البيعَ وكلَّ عمل من الاعمال، وامشوا الى الصلاة بسَكينة ووقار، ولا تسرعوا في مشيكم. والأفضلُ ان يبكّر الانسان بالذهاب الى المسجد، فاذا لم يستطع فليمشِ الهوينا. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: "حديث : بينما نحن نصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ سمع جلبةَ رجالٍ، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا الى الصلاة. قال: فلا تفعلوا، إذا أَتيتم فامشُوا وعليكم السَكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا ". تفسير : {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك الذي أُمِرْتم به أنفعُ لكم ان كنتم من ذوي العلم الصحيح، فصلاةُ الجمعة عبادة من العبادات الممتازة لأنها تنظم المسلمين وتعوّدهم على النظام، وفيها الخطبة فيها موعظةٌ حسنة وتعليم للمسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. روى الامام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من اغتسلَ يوم الجمعة، ومسَّ من طِيب أهله إن كان عنده، ولبس أحسنَ ثيابه، ثم خرج يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدا، ثم أنصتَ اذا خرج إمامُه حتى يصلي، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى ". تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فاذا أديتم الصلاة فتفرقوا في الأرض لمتابعة أعمالكم ومصالحكم الدنيوية التي فيها معاشُكم، واطلبوا من فضلِ الله ما تشاؤون من خَيري الدنيا والآخرة، واذكُروا الله بقلوبكم وألسنتِكم كثيراً، لعلّكم تفوزون بالفلاح في الدنيا والآخرة. هذا هو روح الاسلام: الجمعُ بين المحافظة على الجسم والروح معا، وهذا هو التوازن الذي يتّسم به الدين الاسلامي، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [القصص: 77]. هل هناك أجملُ وأحلى من هذا الكلام؟. {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. روى الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة اذ قدمت عِير (ابل محمَّلة طعاما وغير ذلك من الشام) فابتدرها الناس حتى لم يبق في المسجد الا اثنا عشر رجلاً انا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً}... تفسير : والذي قدِم بهذه التجارة دِحْيةُ الكلبي من الشام، وكانت العادةُ إذا قدمت هذه العير يُضرب بالطبل ليؤذَنَ الناسُ بقدومها، فيخرجوا ليبتاعوا منها، فيخرج الناس. فصادف مجيءُ هذه العِير وقتَ صلاة الجمعة، فترك عدد من المصلّين الصلاة وذهبوا اليها. فعاتبهم الله على ذلك وافهمهم ان الصلاة لها وقتٌ محترم ولا يجوز تركها. ثم رغّبهم في سماع العظات من الأئمة وان الله عنده ما هو خير من اللهو ومن التجارة، فقال: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} فاطلبوا رزقه وتوكلوا عليه، ولا يأخذ كل انسان الا ما كُتب له. والله كفيل بالأرزاق للجميع. وكان عراك بن مالك، رضي الله عنه، اذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إنّي أجبتُ دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتَني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. عراك هذا من التابعين من الفقهاء العلماء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {لِلصَّلاَةِ} (9) - يَحُثَّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى تَرْكِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعَلَى السَّعْيِ بِسَكِينَةٍ وَوِقَارٍ إِلَى المَسَاجِدِ، حِينَما يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ، لِلاسْتِمَاعِ إِلَى مَوَاعِظِ الخُطَبَاءِ، وَلأَداءِ الصِّلاَةِ مَعَ الجَمَاعَةِ. وَذَلِكَ السَّعْيُ إِلَى الصَّلاَةِ خَيْرٌ لِلمُؤْمِنِينَ وَأَبْقَى مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ، هَذَا إِنْ كَانَ المُخَاطَبُونَ مِنْ ذَوِي العِلْمِ الصَّحِيحِ بِمَا يَضرُّ وَيَنْفُعُ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ (أَيْ تُسْرِعُونَ) وَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّواتفسير : ). (رَوَاهُ الشّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة). (وَالسَّعْيُ هُنَا مَعْنَاهُ الاهْتِمَامُ بِالصَّلاَةِ وَلَيْسَ السُّرْعَةَ). ذَرُوا - اتْرُكُوا البَيْعَ وَتَفَرُّغُوا لِلْعِبَادَةِ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {فَٱسْعَوْاْ} [الآية: 9]. قال: إِنه والله ليس سعي على الأَقدام وحده، ولكنه سعي بالنية وسعي بالرغبة، وسعي القلوب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا أَبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أَبي العالية قال: كان أُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود يَقْرَآنِهَا "فامضوا إِلى ذكر الله". أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن: أَنه كره الشراءَ والبيع يوم الجمعة، بعد زوال الشمس، حتى تقضى الصلاة [الآية: 10]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كانوا يقومون إِلى نواضحهم وإِلى السفر. يقدمون يبتغون التجارة /82 و/ وينظرون إِلى اللهو، ورسول الله، صلى الله عليه [وسلم]، يخطب فأَنزل الله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} [الآية: 11]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عبد الله قال آدم: لا أَدري ابن من. عن إِبراهيم ابن أَبي بكر، عن مجاهد في قوله الله، عز وجل: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ} [الآية: 11]. قال: اللهو: الطبل.

الصابوني

تفسير : [1] صلاة الجمعة وأحكامها التحليل اللفظي {نُودِيَ}: النداء: الدعاء بأرفع الصوت تقول: ناديته نداءً ومناداة، وفي الحديث "حديث : فإنه أندى صوتاً منك" تفسير : أي أحسن وأعذب، وقيل: أرفع وأعلى، والمرادُ بالنداء هنا: الأذانُ والإعلام لصلاة الجمعة. {ٱلْجُمُعَةِ}: هو اليوم المعروف، وهو يوم عيد المسلمين الأسبوعي قال الفراء: يقال (الجُمْعة) بسكون الميم، و(الجُمُعة) بضم الميم، و(الجُمَعة) بفتح الميم فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس، كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك الناس، ففيها ثلاث لغات. والأفصح الأشهر (الجمُعة) بضم الميم، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤها جُمُعة. وقد صار يوم الجمعة عَلَماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وسميت جمعة لاجتماع الناس فيها للصلاة، وكان العرب تسمي يوم الجمعة (عَروبة) وأول من سمّاها جمعة (كعب بن لؤي). قال السهيلي: ومعنى العروبة: الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم. {فَٱسْعَوْاْ}: السعي: العَدْوُ في المشي والإسراع فيه، والمراد منه في الآية: امشوا إلى الصلاة بدون إفراط في السّرعة لقوله عليه السلام: "حديث : إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتُوها وأنتم تَمْشُون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا ". تفسير : قال الفراء: المضيّ، والسعي، والذهاب، بمعنى واحد واحتج بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله، معناه يمضي بجد واجتهاد، وليس معناه: العدو والركض. واحتج أبو عبيدة: بقول الشاعر: شعر : أسعى على جُلّ بني مالك كلّ امرئ في شأنه ساعي تفسير : وكان ابن مسعود: يقرؤها: (فامضوا إلى ذكر الله) ويقول: "لو كانت من السعي لسعيتُ حتى يسقط ردائي". قال القرطبي: وقراءةُ ابن مسعود تفسير منه، لا قراءة قرآن منزل، وجائزٌ قراءة القرآن بالتفسير، في معرض التفسير. {ذِكْرِ ٱللَّهِ}: المراد بذكر الله صلاةُ الجمعة، بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} وقيل: المراد به الخطبة. والصحيح الراجح: أن المراد به (الصلاة، والخطبة) جميعاً لاشتمالهما على ذكر الله. {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}: أي اتركوا البيع، والمعاملة، وسائر أمور التجارة والأعمال. قال الألوسي: أي اتركوا المعاملة، فيعمّ البيع، والشراء، والإجارة وغيرها من المعاملات. وقال القرطبي: وخصّ البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. {قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ}: أي أديتم الصلاة وفرغتم منها، يقال: قضى الرجل عمله أي أدّاه ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ}تفسير : [البقرة: 200] أي أديتموها، وقضى دينه أي وفَّاه، وليس من قضاء الفائتة في الصلاة، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية الكريمة على أن لفظ (القضاء) يطلق على (الأداء) وهو استدلال لطيف. {فَٱنتَشِرُواْ}: أي تفرقوا في الأرض لإقامة مصالحكم، والانتشار معناه التفرق، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ} تفسير : [الأحزاب: 53]. {وَٱبْتَغُواْ}: أي اطلبوا من الابتغاء بمعنى الطلب، قال تعالى: {أية : وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [القصص: 77]. {فَضْلِ ٱللَّهِ}: المراد به الرزق والتجارة، والكسبُ الحلال. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، وإنما هو عيادة المرضى، وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله. {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}: بمعنى انصرفوا إليها، وتفرّقوا عنك، والانفضاض معناه: التفرق والانصراف، قال ذو الرُمّة: شعر : تكاد تنقضّ منهنّ الحيازيم تفسير : وأعاد الضمير إلى التجارة، لأنها كانت أهمّ إليهم، وقال الزجّاج: المعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه مثل قوله تعالى: {أية : يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} تفسير : [المؤمنون: 33]، وكما قال الشاعر: شعر : نحنُ بما عندنا وأنت بما عندكَ راضٍ والرأيُ مختلف تفسير : {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}: أي على المنبر تخطب، قال بعض العلماء: وفيه دلالة على مشروعية القيام في الخطبة. {خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ}: لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ويجحده، فهو يعطي من سأل سواءً كان مؤمناً أم كافراً. قال الطبري: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ}: يقول: والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإيّاه فاسألوا أن يوسّع عليكم من فضله دون غيره. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: "يا أيها المؤمنون يا من صدّقتم بالله ورسوله، إذا سمعتم المؤذّن، ينادي لصلاة الجمعة ويؤذّن لها، فاتركوا أعمالكم وأشغالكم، ودَعُوا البيع والشراء وامضوا سراعاً إلى ذكر الله وعبادته، وإلى أداء صلاة الجمعة مع إخوانكم المسلمين، فإنّ ذلك خير لكم وأفضل، وأرجى لكم عند الله، وأعود عليكم بالخيرات والبركات، إن كنتم من أهل العلم والفهم السليم، فإذا أدّيتم الصلاة وفرغتم منها، فانبثّوا في الأرض لقضاء مصالحكم، واطلبوا من فضل الله، فإن الرزق بيده، وهو المنعم المتفضّل، الذي لا يخيّب أمل السائل، ولا يضيع عمل العامل، ولا يمنع أحداً من فضله وإحسانه، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. ثم أخبر تعالى أنّ هناك فريقاً من الناس يؤثرون الدنيا الفانية، على الآخرة الباقية، فإذا سمعوا بتجارة رابحة، أو صفقة قادمة، أو شيء من لهو الدنيا، وزينتها وبهرجها، تفرّقوا عن رسول الله عليه السلام، وانصرفوا إلى متاع الحياة، وتركوا الرسول قائماً يخطب، ولو عقلوا لعلموا أنّ ما عند الله خير وأبقى، وأن ثوابه خير من اللهو والتجارة، وأن الله - جلّ وعلا - هو خير الرازقين، يرزق من يشاء بغير حساب، وما عند الله خير للأبرار. وصدق الله حيث يقول: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 96]. سبب النزول أ - أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً، إذ قدمت عير إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلاّ اثنا عشر رجلاً أنا فيهم، وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} إلى آخر السورة. ب - وروى ابن كثير عن أبي يعلى بسنده إلى جابر بن عبد الله أنه قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً"تفسير : ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً...}. جـ - وروى أبو حيان في تفسيره "البحر المحيط" في سبب هذا الانصراف أنَّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدم (دحية) بعيرٍ تحمل ميرةً وكان من عُرْفهم أن يدخل بالطبل والمعازف من درى بها. فدخلت بها فانفضوا إلى رؤية ذلك وسماعه، وتركوه صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر في اثني عشر رجلاً، قال جابر: أنا أحدهم، فنزلت {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً}. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {من يوم الجُمُعة} بضم الجيم والميم، وقرأ الزهري والأعمش بضم الجيم وسكون الميم {الجُمْعة} وهي لغة تميم، وقرأ أبو العالية والنخعي {الجُمَعة} بضم الجيم مع فتح الميم، وهي ثلاث لغات. قال الزجاج: من قرأ بتسكين الميم فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين، وأمّا فتح الميم فمعناها: الذي يجمع الناس، كما تقول: رجلٌ لُعَنَة: يُكثر لعنة الناس، وضُحَكَة: يكثر الضحك. 2 - قرأ الجمهور {انفضّوا إليها} بضمير المؤنث عائداً إلى التجارة، وقرأ ابن أبي عَبْلة بضمير المذكّر {انفضّوا إليه} عائداً إلى اللهو. قال الأخفش: وكلاهما جائز عند العرب، وقرئ {انفضُّوا إليهما} بضمير التثنية عائداً إلى التجارة واللهو. 3 - قرأ الجمهور {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} وروي عن ابن مسعود وعمر أنهما كانا يقرآنها {فامضوا إلى ذكر الله} وقراءتهما محمولة على أنها وجه من وجوه التفسير، لا أنها قراءة من القراءات وقد مرّ معك كلام القرطبي فتدبره. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} (إذا) شرطية و(نودي) مبني للمجهول، و(مِنْ) بمعنى (في) أي في يوم الجمعة كقوله تعالى: {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 40] أي في الأرض. وجوّز أبو البقاء كون (مِنْ) للتبعيض. وفي "الكشاف": هي بيان لـ (إذا) وتفسير له، وقد اعترض عليه في هذا، والصحيح أنها بمعنى (في). 2 - قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً...}. (اذكروا) فعل أمر مبني على حذف النون لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، ولفظ الجلالة منصوب على التعظيم تأدباً، و(كثيراً) صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره: (ذكراً كثيراً)، وقد صرّح به في سورة الأحزاب في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 41-42]. 3 - قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}، قائماً منصوب على الحال، وصاحب الحال هو النبي صلى الله عليه وسلم المشار إليه بـ (تركوك) أي تركوك أيها النبيّ حال كونك قائماً. 4- قوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِ...} (ما) اسم موصول مبتدأ، و(خير) خبره، والجملة (ما عند الله خير) مقول القول. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية يوم (العَروبة). وأوّل من سمّاه جمعة (كعب بن لؤي) وروي في سبب تسميته أن أهل المدينة اجتمعوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه بكل سبعة أيام، وللنصارى مثلُ ذلك، فهلمّ فلنجعلْ لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى، ونشكره، فقالوا: يومُ السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العَروبة، فاجتمعوا إلى (أسعد بن زُرارة) فصلَّى بهم يومئذٍ ركعتين، وذكّرهم، فسميت الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدّوا وتعشّوا منها، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. اللطيفة الثانية: في التعبير بقوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ...} لطيفة وهي أنه ينبغي للمؤمن أن يقوم إلى صلاة الجمعة بجدٍّ ونشاط، وعزيمة وهمَّة، لأن لفظ (السعي) يفيد القصد والجدّ والعزة، وليس المراد منه العَدْو في المشي فإنّ ذلك منهي عنه. قال الحسن: "والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنّه سعي بالقلوب وسعي بالنيّة، وسعي بالرغبة، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار". اللطيفة الثالثة: أُطلق لفظ البيع (وذروا البيع) وقصد به جميع أنواع المعاملة من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها من المعاملات فهو على سبيل المجاز المرسل. قال أبو حيان: "وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرَّمات، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، إذ يكثر الوافدون من القرى إلى الأمصار ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار، فأُمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة، ونُهوا عن تجارة الدنيا حتى الفراغ من الصلاة". اللطيفة الرابعة: كان السلف الصالح يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله وحركاته وسكناته، حتى ولوْ لم يدركوا السرّ فيه، وذلك من فرط حبِّهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن بعضهم أنه كان إذا صلَّى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلَّى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فقيل له: لأيّ شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم هكذا يصنع، وتلا هذه الآية: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ}. اللطيفة الخامسة: كان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: "اللهمّ إني أجبتُ دعوتك، وصلَّيتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين". اللطيفة السادسة: في قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} لطيفة وهي أن الله عز وجل أمر بالسعي في طلب الرزق، والاشتغال بالتجارة، ولمّا كان هذا قد يسوق الإنسان إلى الغفلة، وربما دفعته الرغبة في جمع المال، إلى الكذب، والغش، والاحتيال، أُمِر المسلمُ أن يذكر الله تعالى، ليعلم أن الدنيا ومتاعها فانية وأن الآخرة وما فيها باقية، وأنّ ما عند الله خير وأبقى، فلا تشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة كما قال تعالى في وصف المؤمنين: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 37] وهذا هو السرّ في الأمر بذكر الله كثيراً فتدبره. اللطيفة السابعة: الأصل في (إذا) أنها للاستقبال، والآية الكريمة نزلت بعد تلك الحادثة وبعد انفضاض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا فقد خرجت عن الاستقبال واستعملت في الماضي، على حدِّ قول القائل: شعر : ونَدْمانٍ يزيدُ الكأس طيباً سَقَيْتُ (إذا) تَغَوّرتِ النَجومُ تفسير : ما ورد في فضائل يوم الجمعة أ - يومُ الجمعة أفضل الأيام وأشرفها على الاطلاق فقد روى مسلم في "صحيحه" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ". تفسير : ب - وروى مالك في "الموطأ" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلاَّ الإنس والجن، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه إياه ". تفسير : جـ - وروى أبو داود في "سننه" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقةُ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ، قالوا يا رسول الله: كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمتَ؟ يعني (بليتَ) فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ الله عز وجلّ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ". تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو الأذان الذي يجب السعي عنده؟ دلَّ قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} على وجوب السعي إلى المسجد، وترك البيع والشراء، وقد اختلف العلماء في الأذان الذي يجب السعي عنده. 1 - قال بعض العلماء: المراد به الأذان الأول الذي هو على (المنارة). 2 - وقال آخرون: المراد به الأذان الذي بين يدي الخطيب إذا صعد الإمام المنبر. حجة الفريق الأول: أ - أن المراد من النداء هو الإعلام، والسعيُ إنما يجب عند الإعلام، وهو (الأذان الأول) على المنارة، الذي زاده عثمان رضي الله عنه، وذلك حين رأى كثرة الناس، وتَباعُدَ مساكنهم عن المسجد، فأمر بالتأذين الأول على دارٍ له بالسوق، يقال لها (الزّوراء) وقد ثبت الأمر على ذلك من عهده إلى عصرنا هذا. ب - واستدلوا بما رواه البخاري في "صحيحه" عن (السائب بن يزيد) رضي الله عنه أنه قال: (كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزّوراء فثبت الأمر على ذلك). جـ - وقالوا: السعيُ عند الأذان الثاني، وقت صعود الخطيب المنبر، يفوّت على الناس سماع الخطبة التي من أجلها خفّف الله تعالى الصلاة فجعلها ركعتين، ولم تكن بالمسلمين حاجة إلى هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لقرب مساكنهم من المسجد، ولحرصهم الشديد على أن يجيئوا من أول الوقت محافظة على أخذ الأحكام عن الرسول صلى الله عليه وسلم فكان النداء الذي بين يدي الخطيب يُسْمعهم فيحضرون سراعاً، ويدركون الخطبة من أولها لقرب المساكن من المسجد. وهذا القول هو الظاهر المعتمد في مذهب الحنفية، وقد نصّ عليه صاحب "الكنز" من أئمة فقهاء الحنفية فقال: "ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ} الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو الصحيح في المذهب. وقيل: العبرة للأذان الثاني، الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر، لأنه لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم إلاّ هو - وهو ضعيف - لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السُنّة القبلية، ومن الاستماع، بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة انتهى. حجة الفريق الثاني: أ - الأذان الذي يجب فيه السعيُ وتركُ البيع، هو (الأذان الثاني) الذي يكون بين يدي الخطيب، لأنه هو الأذان الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو عليه السلام أحرص الناس على أن يؤدي المؤمنون الواجب عليهم في وقته، فلو كان السعي واجباً قبل ذلك لبيّنه لهم، ولجعل بين الأذان والخطبة زمناً يتسع لحضور الناس. ب - ما روي عن ابن عمر والحسن في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} قالا: "إذا خرج الإمام وأذّن المؤذن فقد نودي للصلاة". قالوا: وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره. جـ - وقالوا أيضاً: إن المصلي يندب له أن يجيء مبكّراً لفوائد جمّة كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة، ولكنّ تحريم البيع والشراء والحكمَ بالإثم شيءٌ، وإدراكَ الأمر المندوب شيءٌ آخر. ثم إن السنة القبلية - على فرض أنها بقيت مطلوبة في الجمعة - فإنه لا يمكننا أن نوجب السعي قبل وقته لتحصيل سنّة لم تثبت، فيبقى النداء الذي يحرم عنده البيع هو (النداء الثاني) الذي يكون عند صعود الخطيب المنبر، وهو الذي كان في زمنه عليه السلام. وهذا المذهب هو رأي جمهور العلماء، وقولٌ عند فقهاء الحنفية، ولعله يكون الأرجح والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: هل يفسخ البيع عند الأذان؟ دلَّ قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} على حرمة البيع والشراء وسائر المعاملات عند الأذان، وقد اختلف العلماء في عقد البيع هل هو صحيح أم فاسد؟ فقال بعضهم إنه فاسد لورود النهي {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}. وقال الأكثرون إنه حرام ولكنه غير فاسد وهو يشبه الصلاة في الأرض المغصوبة تصحُّ مع الكراهة. قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": "وفي وقت التحريم قولان: الأول: أنه من بعد الزوال إلى الفراغ من الصلاة. قاله الضحّاك، والحسن، وعطاء. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي. قال: ومذهب مالك: أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من البيع في ذلك الوقت، ولا يفسخ العتق، والنكاح، والطلاق وغيره، إذا ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع، قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. قال ابن العربي: والصحيحُ فسخ الجميع، لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به، فكلُّ أمرٍ يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعاً. مفسوخ رَدْعاً. ورأى بعضُ العلماء البيع في الوقت المذكور جائزاً، وتأَوَّل النّهيَ عنه ندباً، واستدل بقوله تعالى: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وهذا مذهب الشافعي فإن البيع عنده ينعقد ولا يفسخ. وقال الزمخشري في تفسيره: إن عامة العلماء على أنّ ذلك لا يؤدي إلى فساد البيع، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. قال القرطبي: والصحيح فسادُه، وفسخُه، لقوله عليه الصلاة والسلام: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردّ" أي مردود، والله أعلم. الحكم الثالث: هل الخُطْبة شرط لصحة الجمعة؟ دلّ قوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} على أن الخطبة شرط لصحة صلاة الجمعة، لأن ذكر الله سواء قلنا إنه: (الموعظة) أو إنه (الموعظة والصلاة معاً) يدخل فيه خطبة الجمعة، فلا بدّ أن تكون شرطاً لصحة الصلاة. ولأن صلاة الجمعة إنما خفّفت من أجل الخطبة وسماع الموعظة، وعليه تكون الخطبة واجبة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. غير أن فقهاء الحنفية قالوا: لا يشترط في الخطبة أن تكون مشتملة على ما يسمّى (خطبة) عرفاً، لأن الله تعالى ذكر الذّكر من غير تفصيل بين كونه طويلاً، أو قصيراً، يسمّى خطبة أو لا يسمى خطبة، فكان الشرط هو الذكر مطلقاً، ويكفي فيه أقل ما يطلق عليه اسم الذكر، غير أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم هو الذكر المسمّى بـ (الخطبة) والمواظبة عليه فكان ذلك واجباً أو سنّة، لا أنه الشرطُ الذي لا يجزئ غيره. وفقهاء الشافعية والحنابلة: يشترطون أن يأتي الخطيب بخطبتين مستوفيتين لشروط خاصة منها: حمدُ الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية من كتاب الله تعالى، والوصيةُ بتقوى الله تعالى. وزاد الشافعية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وفقهاء المالكية: شرطوا في الخطبة شرطاً واحداً وهي أن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير ممّا يسمّى في العرف موعظة وخطبة. قال في "الروضة الندية": "ثمّ اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله عليه وسلم من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روحُ الخطبة الذي لأجله شرعت، وأمّا اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسوله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعُه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاقُ مثل ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنه مقصود متحتم، وشرط لازم. ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عُرْف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاماً، ويقول مقالاً، شرع بالثناء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم - وما أحسن هذا وأولاه - ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده، ولو قال: إنّ من قام في محفل من المحافل خطيباً، ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد، والصلاة، لما كان هذا مقبولاً بل كل طبع سليم يمجّه ويردّه، إذا تقرّر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع إلاّ أنه إذا قدّم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن". الحكم الرابع: ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة؟ لا خلاف بين الفقهاء أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة، لقوله عليه السلام: "حديث : الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ". تفسير : ولأن التسمية تقتضي ذلك، فلا يقال لمن صلَّى وحده إنه صلى الجمعة. فلا بدّ من الجماعة، وقد اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة إلى خمسة عشر قولاً ذكرها الحافظ في "الفتح". والآية الكريمة لم تنصّ على عددٍ معيّن، وكذلك السُنَّةُ المطهّرة لم يرد فيها نص صريح صحيح على العدد الذي تنعقد به، ولهذا اختلف الفقهاء على أقوال عديدة: أ- الحنفية قالوا: يكفي أربعة أحدهم الإمام، وقيل: ثلاثة. ب- الشافعية والحنابلة قالوا: لا بدّ من جمع غفير أقله أربعون. جـ - المالكية قالوا: لا يشترط عدد معيّن بل تشترط جماعة تُسْكن بهم قرية، ويقع بينهم البيع، ولا تنعقد بالثلاثة والأربعة ونحوهم. قال الحافظ ابن حجر: ولعلّ هذا المذهب أرجح المذاهب من حيث الدليل. وهناك أحكام أخرى تطلب من كتب الفروع ضربنا صفحاً عنها لأنّ الآية الكريمة لا تدل عليها والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: الجمعة فريضة على المسلمين المكلفين بالشروط المعروفة. ثانياً: وجوب السعي للاستماع إلى الخطبة وأداء فريضة الجمعة. ثالثاً: حرمة البيع والشراء وسائر المعاملات عند الأذان. رابعاً: جواز الاشتغال بأمور التجارة والمعاش قبل الصلاة وبعدها. خامساً: الرزق بيد الله ومع ذلك ينبغي أن يأخذ الإنسان بأسباب الكسب. سادساً: لا ينبغي للمؤمن أن تشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة. خاتمة البحث: حكمة التشريع الصلاة صلة العبد بربه، وعبادة تشدُّ القلب، وتقوِّي الإيمان فيه، وهي إلى جانب هذا تزيد المجتمع ترابطاً وتآلفاً، يلتقي فيها أفراده على الخير، ويتعاونون على البر والتقوى، وإذا كانت الصلوات الخمس في كل يوم وليلة مفروضة فقد يُشْغل المرء عن بعضها في شغله الدنيوي الذي يُبعده عن المسجد، أو يتساهل في عدم المجيء إليها، لذلك فقد فرض الله صلاة الجمعة في كل أسبوع مرة واحدة ليسرع إلى الصلاة يستمع إلى كلام الله وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وموعظة الخطيب، فيكون له زاداً إيمانياً، ويجتمع بإخوانه المؤمنين جميعاً، فيتفقد الغائب، ويعين المحتاج، ويعود المريض، ويصالح المتخاصمين، ويبذل نصحه للمقصِّرين... كما يتعلم الآداب الإسلامية في الاجتماع من السلام، والاحترام، والبشاشة التي تجعل المجتمع في سلام وأمان، لهذا كله فرض الله سبحانه صلاة الجمعة على كل مسلم، وأمره أن يسعى إليها، وحثه على أدائها.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} معناه أجيبوه. وذِكرُ الله تعالى: موعظةُ الإِمامِ. ويقالُ: الوقتُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من حين ينادى لها والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال، لا العدو الذي قد نهي عنه عند المضي إلى الصلاة، وقوله: { وَذَرُوا الْبَيْعَ } أي: اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها. فإن { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ } من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض. { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، فقد خسر الخسارة الحقيقية، من حيث ظن أنه يربح، وهذا الأمر بترك البيع مؤقت مدة الصلاة. { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ } لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح. { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا } أي: خرجوا من المسجد، حرصًا على ذلك اللهو، و [تلك] التجارة، وتركوا الخير، { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } تخطب الناس، وذلك [في] يوم جمعة، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، إذ قدم المدينة، عير تحمل تجارة، فلما سمع الناس بها، وهم في المسجد، انفضوا من المسجد، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب استعجالا لما لا ينبغي أن يستعجل له، وترك أدب، { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ } من الأجر والثواب، لمن لازم الخير وصبر نفسه على عبادة الله. { خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } التي، وإن حصل منها بعض المقاصد، فإن ذلك قليل منغص، مفوت لخير الآخرة، وليس الصبر على طاعة الله مفوتًا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب. وفي هذه الآيات فوائد عديدة: منها: أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها، والمبادرة والاهتمام بشأنها. ومنها: أن الخطبتين يوم الجمعة، فريضتان يجب حضورهما، لأنه فسر الذكر هنا بالخطبتين، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له. ومنها: مشروعية النداء ليوم الجمعة، والأمر به. ومنها: النهى عن البيع والشراء، بعد نداء الجمعة، وتحريم ذلك، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه، فدل ذلك على أن كل أمر ولو كان مباحًا في الأصل، إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك الحال. ومنها: الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة، وذم من لم يحضرهما، ومن لازم ذلك الإنصات لهما. ومنها: أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله، وقت دواعي النفس لحضور اللهو [والتجارات] والشهوات، أن يذكرها بما عند الله من الخيرات، وما لمؤثر رضاه على هواه. تم تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والثناء

همام الصنعاني

تفسير : 3217- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال في حرف ابن مَسْعُود: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ [فامضوا] إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 9]. 3218- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه كانَ يقرؤها: {[فامضوا] إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}. 3219- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ}: قال: إذا زالَت الشمس حُرِّمَ البَيْعُ والشراء. 3220- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن جابر، عن مجاهد قال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ}، قال: العزيمة عند التذكرة، كأنه إذا خطب. 3221- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصور عن رجل، عن مسروق، قال: {إِذَا نُودِيَ}، هو الوقت.