Verse. 5187 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

فَاِذَا قُضِيَتِ الصَّلٰوۃُ فَانْتَشِرُوْا فِي الْاَرْضِ وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللہِ وَاذْكُرُوا اللہَ كَثِيْرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ۝۱۰
Faitha qudiyati alssalatu faintashiroo fee alardi waibtaghoo min fadli Allahi waothkuroo Allaha katheeran laAAallakum tuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» أمر إباحة «وابتغوا» اطلبوا الرزق «من فضل الله واذكروا الله» ذكرا «كثيرا لعلكم تفلحون» تفوزون، كان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقدمت عير وضرب لقدومها الطبل على العادة فخرج لها الناس من المسجد إلا اثني عشر رجلا فنزلت.

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} هذا أمر إباحةٍ؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : [المائدة:2].يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم. {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي من رزقه. وكان عِراك بن مالك إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهُمّ إني أجبت دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} إنه العمل في يوم السبب. وعن الحسن بن سعيد بن المسَيِّب: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوّع. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا؛ إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى. قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} كي تفلحوا. قال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعاً في «البقرة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أمر إباحة {وَٱبْتَغُواْ } اطلبوا الرزق {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } ذكراً {كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون، كان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقدمت عير وضرب لقدومها الطبل على العادة فخرج لها الناس من المسجد غير اثني عشر رجلاً فنزلت.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَضْلِ اللَّهِ} قال الرسول صلى الله عليه وسلم " حديث : ليس بطلب دنيا ولكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى أو البيع والشراء أو العمل يوم السبت ".

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} أي إذا فرغ من صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم {وابتغوا من فضل الله} يعني الرزق وهذا أمر إباحة قال ابن عباس إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر وقيل قوله فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله وقيل وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين {واذكروا الله كثيراً} أي إذا فرغتم من الصلاة ورجعتم إلى التجارة والبيع والشراء فاذكروا الله كثيراً قيل باللسان وقيل بالطاعة قيل لا تكون من الذاكرين الله كثيراً حتى تذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً {لعلكم تفلحون} قوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} (ق) عن جابر قال "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فانفتلوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا إثنا عشر رجلاً فنزلت هذه الآية وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً" وفي رواية "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام وذكر نحوه" وفيه "إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر" ولمسلم "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة قال فخرج الناس إليها فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم" وذكر الحديث وهو حجة من يرى صحة الجمعة باثني عشر رجلاً. وأجيب عنه بأنه ليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون الحديث حجة لاشتراط هذا العدد وقال ابن عباس في رواية عنه لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط قال الحسن وأبو مالك "حديث : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت وطعام من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فلما رأوه بالبقيع قاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً" تفسير : وقال مقاتل "حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم لم تبق عاتق بالمدينة إلا أتته وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وزيت وغيره وينزل عند أحجار الزيت وهو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم كم بقي في المسجد؟ فقالوا اثني عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء فأنزل الله هذه الآية" تفسير : وأراد باللهو الطبل وكانت العير إذا قدمت استقبلوها بالطبل والتصفيق، وقوله تعالى انفضوا أي تفرقوا وذهبوا نحوها والضمير في إليها راجع إلى التجارة لأنها أهم إليهم وتركوك قائماً اتفقوا على أن القيام كان في الخطبة للجمعة قال علقمة "سئل ابن مسعود أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟ قال أما تقرؤون وتركوك قائماً" قال العلماء الخطبة فريضة في صلاة الجمعة وقال داود الظاهري هي مستحبة ويجب أن يخطب الإمام قائماً خطبتين يفصل بينهما بجلوس وقال أبو حنيفة وأحمد لا يشترط القيام ولا القعود وتشترط الطهارة في الخطبة عند الشافعي في أحد القولين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله هذه الثلاث شروط في الخطبتين جميعاً ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن ويدعو للمؤمنين في الثانية ولو ترك واحدة من هذه الخمسة لم تصح خطبته ولا جمعته عند الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة وهو مأمور بالخطبة والسنة للإمام إذا صعد المنبر أن يستقبل الناس وأن يسلم عليهم خلافاً لأبي حنيفة ومالك وهل يحرم الكلام في حال الخطبة فيه خلاف بين العلماء والأصح أنه يحرم على المستمع دون الخاطب ويستحب أن يصلي تحية المسجد إذا دخل والإمام يخطب خلافاً لأبي حنيفة ومالك. (ذكر الأحاديث الواردة الدالة على هذه الأحكام) (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يعقد بينهما" تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : كان يخطب يوم الجمعة وهو قائم ثم يقوم فيتم كما يفعلون الآن" تفسير : (م) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال "حديث : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس" تفسير : زاد في رواية "فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب"، (م) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن الحكم يخطب جالساً فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}، (م) حديث : عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال "كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً" تفسير : زاد أبو داود ويقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي ولأبي داود عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" تفسير : عن ابن مسعود رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً" تفسير : وفي رواية أن يونس سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فذكر نحوه وقال فيه "ومن يعصيهما فقد غوى ونسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه إنما نحن به وله" أخرجه أبو داود (م) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال "كانت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ" تفسير : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا أخرجه الترمذي (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت والإمام يخطب فقد لغوت" تفسير : عن نافع أن ابن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة فحصبهما أن اصمتا أخرجه مالك في الموطأ قال ابن شهاب خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام "فأما صفة صلاة الجمعة" فركعتان يجهر فيهما بالقراءة ولجواز الجمعة خمس شروط الوقت وهو وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى دخول وقت العصر والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإن فقد شرط من هذه الشروط لخمس يجب أن يصلي ظهراً ولا يجوز للإمام أن يبتدىء الخطبة قبل تمام العدد وهو أربعون عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انفض واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة بل يصلي الظهر ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة فلو نقص واحد قبل أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها ظهراً، وفيه قول آخر وهو أنه إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وقيل إن بقي معه واحد أتمها جمعة وعند المزني إن انفضوا بعد ما صلى بهم الإمام ركعة أتمها جمعة وإن بقي وحده وإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعاً وإن انفض من العدد واحداً، وبه قال أبو حنيفة لكن في العدد الذي يشترط كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعاً (خ) عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" تفسير : (م) عن عبيد الله بن أبي رافع قال "استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة فصلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد الحمد سورة الجمعة في الأولى وإذا جاءك المنافقون في الثانية قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له إنك قرأت سورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة فقال أبو هريرة إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة"، (م) عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين" تفسير : عن سمرة بن جندب رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية" تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي. وقوله تعالى: {قل ما عند الله} أي ما عند الله من الثواب والأجر على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم {خير من اللهو ومن التجارة} الذي جاء بهما دحية {والله خير الرازقين} يعني أنه تعالى موجد الأرزاق وأصلها منه فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا، والله تعالى أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها، وأنه متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم، بين وقت المعاش فقال مبيحاً لهم ما كان حظر عليهم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد: {فإذا قضيت الصلاة} أي وقع الفراغ منها على أي وجه كان {فانتشروا} أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ذلك {في الأرض} جميعها إن شئتم، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم {وابتغوا} أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش {من فضل الله} أي زفلة الملك الأعلى الذي له كل كمال ولا يجب لأحد عليه شيء بالبيع والشراء وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم عنها. ولما كان السعي في طلب الرزق ملهياً عن الذكر، بين أنه أعظم السعي في المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك فقال: {واذكروا الله} أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة في ترك ذكره أصلاً. ولما كان العبد مطلوباً بالعبادة في كل حال فإنه مجبول على النسيان. فمهما فتر عن نفسه استولت عليها الغفلة فمرنت على البطالة فهلكت قال: {كثيراً} أي بحيث لا تغفلوا عنه بقلوبكم أصلاً ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع وعند الإنزال، واستثنى من اللساني وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء الحاجة. ولما كان مراد الإنسان من جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللاً لهذا الأمر: {لعلكم تفلحون *} أي لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من أمثالكم ممن يجهل العواقب على رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم، فإن الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره، وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به وبمن عمل رياء ونحوه فيخيبه، فإذا امتثلتم أمره كان جديراً بتنويلكم ما تريدون، وإن نسيتموه كنتم جديرين بأن يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا. ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب: هذه أوامرنا الشريفة وتقديساتنا العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة، فما لهم إذا نودي لها توانى بعضهم في الإقبال إليها، وكان قلبه متوجهاً نحو البيع ونحوه من الأمور الدنيوية عاكفاً عليها ساعياً بجهده إليها فخالف قوله أنه أسلم لرب العالمين فعله هذا، عطف عليه قوله: {وإذا رأوا} أي بعد الوصول إلى موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح، والاشتغال بشأنها العالي {تجارة} أي حمولاً هي موضع للتجارة. ولما ذكر ما من شأنه إقامة المعاش أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ذو قدر ولا يلقي لها باله فقال: {أو لهواً} أي ما يلهي عن كل نافع. ولما كان مطلق الانفضاض قبيحاً لأنه لا يكون إلا تقرباً على حال سيئ، من الفض وهو الكسر بالتفرقة، والفضاض ما تفرق من الفم والطلع: كسرهما، فكيف إذا كانت علته قبيحة، قال تعالى معبراً به: {انفضوا} أي نفروا متفرقين من العجلة. ولما كان سبب نزول الآية أنه كان أصاب الناس جوع وجهد، فقد دحية الكلبي رحمه الله تعالى بعير تحمل الميرة، وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك بالطبل والمعازف والصياح، وكان قصد بعض المنفضين العير، وبعضهم ما قارنها من اللهو، ولكن قاصد التجارة هو الكثر، أنث الضمير فقال معلماً بالاهتمام بها لأن اللهو مسبب عنها: {إليها} وللدلالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما فيها من النفع والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما والحاجة إذ ذاك شديدة، كان الذم لقصد اللهو نم باب الأولى. ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال: {وتركوك} أي تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلاً، قال جابر رضي الله عنه: أنا أحدهم، ودل على مشروعية القيام بقوله: {قائماً} فالواجب خطبتان: قائماً يفصل بينهما بجلوس، والواجب فيهما أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله تعالى، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معاً، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة عند الشافعي رضي الله عنه، ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو وقت الظهر، والعدد وهو الأربعون، والإمام والخطبة ودار الإقامة، فإن فقد شرط وجبت الظهر، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام، وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر الصلاة، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت. ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق، أمره صلى الله عليه وسلم بوعظهم إلهاباً لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو بالعتاب قال: {قل} أي لهم ترغيباً في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب الخير من معدنه: {ما عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة، الحاصل من سماع الخطبة الآمر بكل خير، الناهي عن كل شر، المفيد لتزكية الباطن وتقويم الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مما لا يدخل تحت الوصف {خير} ولما قدم التجارة أولاً اهتماماً بها، قدم هنا ما كانت سبباً له ليصير كل منهما مقصوداً بالنهي فقال: {من اللهو} ولما بدأ به لإقبال الإغلب في حال الرفاهية عليه قال معيداً الجار للتأكيد: {ومن التجارة} أي وإن عظمت. ولما كان من عنده الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من يحبه قال: {والله} أي ذو الجلال والإكرام وحده {خير الرازقين *} لأنه يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زاداً إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع والعاصي، ويعطي من يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد، وأما المعارف الإلهية والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس وأبعدهم من ذلك ولا يفوت أحداً، أقبل على ما شرعه شيئاً كان ينفعه فلا تظنوا أن الغنى في البيع والتجارة إنما هو في متابعة أمر من أحل البيع وأمر به وشرع ما هو خير منه تزكية وبركة ونماء في الظاهر والباطن، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من قال يوم الجمعة "اللهم أغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله تعالى"تفسير : وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي - وقال حسن - عن علي رضي الله عنه، وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأقبلوا على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وألزموا هدية واستمسكوا بغرزه تنالوا خيري الدارين بسهولة، فقد رجع آخر السورة كما ترى على أولها بما هو من شأن الملك من الرزق وإنالة الأرباح والفوائد ولا سيما إذا كان قدوساً وتبكيت من أعرض عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللازم منه استمرار الإقبال عليه ودوام الإقامة بين يديه، لأنه لا يدعوهم إلا لما يحييهم من الصلاة والوعظ الذي هو عين تنزيه الله وتسبيحه{أية : يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة}تفسير : [آل عمران: 164] يزكيهم ربهم ويرزقهم من فضله إنه كريم وهاب - والله أعلم بالصواب.

القشيري

تفسير : إنما ينصرف مَنْ كان له جَمْعٌ يرجع إليه، أو شغْلٌ يقصده ويشتغل به - ولكن.. مَنْ لا شُغْلَ له ولا مأوى.. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} إذا كان له أرَبٌ.. فأمَّا مَنْ سَكَنَ عن المطالبات، وكُفِيَ داءَ الطَّلَبِ.. فما لَه وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رِقِّه؟!

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} اذا فرغتم من مشقة العبودية فانتشروا فى الارض الى طلب اوليائى وجالسوهم لتستفيدوا من لقائهم وكلامهم الفوايد الغيبية والانباء الملكوتية وجالسوا فى مجلس السماع والقول فهناك فضل الله من الخطاب وكشف النقاب {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} اى اذا فرغتم من جميع ذلك غيبوا بارواحكم وقلوبكم وعقولكم فى بحار الاولية والأخر واذكروه به لا بكم وأتركوا الذكر هناك بعد روية المذكور.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذا قضيت الصلاة} التى نوديتم لها اى اديت وفرغ منها {فانتشروا فى الارض} لاقامة مصالحكم والتصرف فى حوآئجكم اى تفرقوا فيها بأن يذهب كل منكم الى موضع فيه حاجة من الحوآئج المشروعة التى لابد من تحصيلها للمعيشة فان قلت مامعنى هذا الامر فانه لو لبث فى المسجد الى الليل يجوز بل هو مستحب فالجواب ان هذا امر الرخصة لا امر العزيمة اى لاجناح عليكم فى الانتشار بعدما اديتم حق الصلاة {وابتغوا من فضل الله} اى الربح يعنى اطلبوا لأنفسكم واهليكم من الرزق الحلال بأى وجه يتيسر لكم من التجارة وغيرها من المكاسب المشروعة دل هذا المعنى سبب قوله {أية : واذا رأوا تجارة}تفسير : الخ كما سيأتى فالامر للاطلاق بعد الحظر اى للاباحة لا للايجاب كقوله {أية : واذا حللتم فاصطادوا}تفسير : وذكر الامام السرخسى ان الامر للايجاب لما روى انه عليه السلام قال "حديث : طلب الكسب بعد الصلاة هو الفريضة بعد الفريضة"تفسير : وتلا قوله تعالى {فاذا قضيت الصلاة} وقل انه للندب فعن سعيد بن جبير اذا انصرفت من الجمعة فساوم بشىء وان لم تشتره وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم يؤمروا بطلب شىء من الدنيا انما هو عبادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة اخ فى الله وعن الحسن وسعيد بن المسيب طلب العلم (قال الكاشفى) وكفته اند انتشارهم در زمين مسجداست جهت رفتن بمجلس علما ومذكران، وقيل صلاة التطوع والظاهر ا ن مثل هذا ارشاد للناس الى ماهو الاولى ولاشك فى اولوية المكاسب الاخروية مع ان طلب الكفاف من الحلال عبادة وربما يكون فرضا ان الاضطرار {واذكروا الله} بالجنان واللسان جمعيا {كثيرا} اى ذكرا كثيرا او زمانا كثيرا ولاتخصوا ذكره تعالى بالصلاة. يقول الفقير انما امر تعالى بالذكر الكثير لان اللسان هو العالم الاصغر المقابل للعالم الاكبر وكل مافى العالم الاكبر فانه يذكر الله تعالى بذكر مخصوص له فوجب على اهل العالم الاصغر أن يذكروا الله تعالى بعدد أذكار اهل العالم الاكبر حتى تتقابل المرءآتان وينطبق الاجمال والتفصيل فان قلت فهل فى وسع الانسان أن يذكر الله تعالى بهذه المرتبة من الكثرة قلت نعم اذا كان من مرتبة السر بالشهود التام والحضور الكامل كما قال ابو يزيد البسطامى قدس سره الذكر الكثير ليس بالعدد لكنه بالحضور انتهى وقد يقيم الله القليل مقام الكثير كما رى ان عثمان رضى الله عنه صعد المنبر فقال الحمد لله فارتج عليه فقال ان أبا بكر وعمر رضى الله عنها كانا يعدان لهذا المقام مقالا وانكم الى امام فعال احوج منكم الى امام قوال وستأتيكم الخطب ثم نزل ومنه قال امامنا الاعظم ابو حنيفة رحمه الله ان اقتصر الخطيب على مقدار مايسمى ذكر الله كقوله الحمد لله سبحان الله جاز وذلك لان الله تعالى سمى الخطبة ذكرا له على انا نقول قوله عثمان ان ابا بكر وعمر الخ كلام ان كلام من باب الخطبة لاشتماله على معنى جليل فهو يجامع قول صاحبيه والشافعى لابد من كلام يسمى خطبة وهذا مما لا يتنبه له احد والحمد لله على الهامه وقال سعيد بن جبير رضى الله عنه الذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكر ومن لم يطعه فليس بذاكر وان كان كثير التسبيح والذكر بهذا المعنى يتحقق فى جميع الاحوال قال تعالى {أية : رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله}تفسير : والذكر الذى امر بالسعى اليه اولا هو ذكر خاص لايجامع التجارة اصلا اذا المراد منه الخطبة والصلاة امر به اولا ثم قال اذا فرغتم منه فلا تتركوا طاعته فى جميع ما تأتونه وتذرونه {لعلكم تفلحون} كى تفوزوا بخير الدارين، الحاصل ذكروى موجب جميعت ظاهر وباطن وسبب نجات دنيا وآخرتست شعر : از ذكر خدا مباش يكدم غافل كز ذكر بود خير دو عالم حاصل ذكراست كه اهل شوق رادرهمه حال آسايش جان باشد وآرامش دل تفسير : وفى التأويلات النجمية اذا حصلت لكم يااهل كمال الايمان الذوقى العيانى صلاة الوصلة والجمعية والبقاء والفناء فسيروا فى ارض البشرية بالاستمتاع بالشهوات المباحة والاسترواح بالروآئح الفائحة والمراتعة فى المراتع الارضية وابتغوا من فضل الله من التجارات المعنوية الرابحة واذكروا نعم الله عليكم الظاهرة من الفناء من ناسوتيتكم الظلمانية والباطنة من البقاء بلاهوتيته النوارنية لعلكم تفوزون بهذه النعم الظاهرة والباطنة بارشاد الطالبين الصادقين المتوجهين الى الله بالروح الصافى والقلب الوافى قال فى الاشباه والنظائر اختص يوم الجمعة باحكام لزوم صلاة الجمعة واشتراط الجماعة لها وكونها ثلاثة سوى الامام والخطبة لها وكونها قبلها شرط وقرآءة السورة المخصوصة لها وتحريم السفر قبلها بشرطه واستنان الغسل لها والطيب ولبس الاحسن وتقليم الاظفار وحلق الشعر ولكن بعدها افضل والبخور فى المسجد والتبكير لها والاشتغال بالعبادة الى خروج الخطيب ولايسن الابراد بها ويكره افراده بالصوم وافراد ليلته بالقيام وقرآءة الكهف فيه ونفى كراهة النافلة وقت الاستوآء على قول أبى يوسف المصحح المعتمد وهو خير ايام الاسبوع ويوم عيد وفيه ساعة اجابة وتجتمع فيه الارواح وتزار فيه القبور ويأم الميت فيه من عذاب القبر ومن مات فيه اوفى ليلته امن من فتنة القبر وعذابه ولا تسجر فيه جهنم وفيه خلق آدم وفيه اخرج من الجنة وفيه تقوم الساعة وفيه يزور اهل الجنة ربهم سبحانه وتعالى انتهى واذا وقعت الوقفة بعرفة يوم الجمعة ضوعف الحج سبعين لان حج الوداع كان كذلك ذكره فى عقد الدرر واللآلى

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وفيه إشراقات: الإشراق الأوّل في الإشارة إلى ما قيل فيه قيل: إنّ الانتشار في الأرض ليس لطلب دنيا، ولكن مثل عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: المراد من الابتغاء من فضل الله: طلب العلم. وروري عن أبي عبد الله (ع) انّه قال: الصلاة يوم الجمعة. والانتشار يوم السبت. وروى عمر بن زيد عن أبي عبد الله (ع) انّه قال: إنّي لأركب في الحاجة التي كفاها الله تعالى، ما أركب فيها إلاّ التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال، أما تسمع قولا لله عزّ وجلّ: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}، أرأيتَ لو أنّ رجلاً دخل بيتا وطيّن عليه بابه ثمّ قال: "رزقي ينزل عليَّ" أكان يكون هذا؟ أمّا إنّه أحد الثلاثة الذين لا يُستجاب لهم. قال: - قلت -: مَن هؤلاء الثلاثة؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأنّ عصمتها في يده، لو شاء ان يخلّي سبيلها يخلّي سبيلها، والرجل يكون له الحقّ على الرجل ولا يشهد عليه فيجحده حقّه، فيدعو عليه فلا يستاب له، لأنّه ترك ما أمره به، والرجل لا يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتّى يأكله، ثمّ يدعو فلا يستجاب له. وعن بعض السلف أنّه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظراً لهذه الآية. الإشراق الثاني في الإشارة إلى لبّ المعنى إنّ الأمر بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل بعد قضاء الصلاة إشارة إلى الرجوع والمعاشرة مع الخلق بالإرشاد والتعليم، والانتشار في أرض الحقائق، ونشر الفضائل في أراضي قلوب المستعدّين، وإفاضة الصور الكماليّة على قوّة قابليّاتهم بعد العزلة عنهم والإنزعاج والتوحّش عن حصبتهم، والاختلاء مع الله والوقوف بين يديه بالصلاة الحقيقيّة. فإنّ السالك في أوائل سلوكه وانزعاجه عن الخلق إلى الحقّ لا يحتمل الهمس من الحفيف، وأمّا بعد الوصول فإما له استغراق في الحقّ واشتغال به عن كلّ شيء وسير فيه ووقوف مع الجمع، فيكون أيضاً محجوباً بالحق عن الخلق، بل بالذات عن الصفات، وإمّا سعة للجانبين وانشراح صدر للطرفين، فالانتشار في الأرض هو السياحة في أرض الحقائق وإيفاء حقوق الخلائق بالمحبّة الأفعاليّة الناشية من محبّة الذات ومحبّة الصفات والأسماء، فيرى ذاته تعالى في مرائي الصفات، وصفاته في مظاهر الأسماء، فيقول بلسان حاله ومقاله - ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه أو معه -، فيحبّ الخلائق بمحبّة خلاّقهم، ويبتغي من فضل الله بطلب حظوظ التجلّيات الصفاتيّة والأسمائيّة، ويرجع من سماء القدس إلى أرض النفس، لتوفية حظوظها بالحقّ، ويهبط من جنّة المعارف الإلهيّة إلى عالم البدن، لتوفية حظوظ النفس التي هي بمنزلة زوجة العقل في جنّة الصفات {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف:189] كما أنّ حوّاء زوجة آدم في جنّة الأفعال {أية : يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة:35]. وكذلك الرجال البالغون، لهم أن يتصرّفوا في الدنيا وزينتها، والشهوات النفسانيّة ولذتها عند بلوغهم بنور المعرفة والتقوى إلى مرتبة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوّة ربّانية وبصيرة روحانيّة، لا بشهوة حيوانيّة ولذّة نفسانيّة، فقد علم كلّ أناس مشربهم، ويكون لهم ذلك مَمَدّا في العبوديّة ومَجَداً في سلوك طريق الربوبيّة، كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} تفسير : [الأعراف:32]. المطلع العاشر في قوله سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وفيه إشراقات: الإشراق الأول إنّما أمر الله عباده ووصّاهم بإكثار الذكر حتّى لا يلهيهم شيء من تجارة ولا بيع ولا أكل ولا شرب ولا غيرها عن معرفة الله وعبوديّته، ولا تكون هممهم مصروفة عن الترقّي إلى عالَم الربوبيّة، ونفوسهم منغمرة في طلب الأغراض الحيوانيّة، لأنّ فلاحهم في الخلاص عن النشأة السافلة الدنيويّة وفوزهم منوط بالارتقاء منه إلى النشأة العالية الأخرويّة، ولذلك قيل معناه: أذكُروا الله في تجارتكم وأسواقكم. كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: حديث : مَن ذكر الله في السوق مخلصاً عند غفلة الناس وشُغلهم بما فيه، كتب الله له ألف حسنة، ويغفر له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر . تفسير : واعلم أنّ المداومة على تذكّر شيء ومعاودة اسمه، توجب وصاله، ولهذا قيل: العبادة باعثة للمحبّة، والمحبّة باعثة للرؤية. وعن أبي عبد الله (ع): إنّ العبد يرفع رغبته إلى مخلوق، فلو أخلص نيّته لله لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك. ومن علامة المحبّة ذكر المحبوب: من أحبّ شيئاً أكثر ذكره. وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنةٍ تفسير : وروي: سبعين سنة - أيضاً -. وذلك يُشبه أن يكون حقّا، فإنّ الفكر بالحقيقة هو الذكر الحقيقي القلبي، لأنّ حقيقة الإنسان وروحه هو باطنه وسرّه، لا بدنه وهيكله المحسوس، فالذكر الحقيقي منه ما يقع من لسان قلبه وإحضاره وإخطاره صورة المذكور في باله، ولهذا ورد في الحديث القدسي: حديث : أنا جليس من ذكرنيتفسير : . والله سبحانه أجلّ وأرفع من أن يكون جليس البدن حاضراً عنده، ولكن مع تجرّده وتقدّسه ممّا يحضر في قلب العارف ويقع عليه نوره. واعلم أنّي لا أظنّ أحداً من الناس أوفى بعهد الله وعمل بمقتضى هذه التوصية منه في باب إكثار ذكر الله والمداومة عليه بالحقيقة إلاّ الحكماء العارفين بالله، لأنّهم هم الذاكرون الله كثيراً، وهم الذين يذكرون الله قياماً وقُعوداً وَعَلى جُنوبهم، ويتفكَّرونَ في خُلْق السمواتِ والأرضِ، وهم كالمشغوفين بهذا الأمر، والذين آمنُوا أشَدُّ حُبّاً لله. وذلك لأنّ كل أحد سواهم له دوام شغل بغير الله وآياته وأفعاله من صنايعهم العلميّة والعمليّة. مثلاً: النحويّ أكثر اهتمامه بحفظ قوانين النحو، لأنّه الغالب على طبعه، وكذا اللغويّ، والشاعر وما يجري مجراهم، وهمّة المنجّم طول عمره مصروفة في ضبط حركات الأفلاك وتقاويم الكواكب واستنباط الأحكام من حركاتها وأوضاعها وانتقالاتها وارتباطاتها، وإلاّ لم يكن منّجماً بارعاً فائقاً على الأقران، وكذا الطبيب لو لم يكن مشغوفاً بعلمه، مستفرغاً جهده في طلبه، ثمّ في حفظه وضبطه قوانين العلاج ومعرفة الأدوية المفردة والمركّبة على أبلغ وجه وآكده، لم يكن من البارعين في فنّه، وكذا الفقيه الحاوي لفروع الفقه، المستحضر لمسائله، المدقّق في وجوه الاستنباطات الدقيقة وتفريع الاحتمالات البعيدة مع جلوسه في مسند الفتوى والحكومات، لا بدّ له من استغراق القلب وصرف العمر واستيعاب الخاطر وبذل الوسع والطاقة فيه، حتّى يكون فائقاً على الأقران، مشاراً إليه بالأنملة والبَنان، وكذا المحدّث في استعمال أوقاته في علم الرواية أعني في سماعة الحديث، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية الغربية، فهمّته أبداً مصروفة في أن يحصل عنده ما لم يحصل عند كثير من الناس، ولهذا يدور في البلاد ويرى الشيوخ ليقول: "أنا أروي عن فلان"، "ولقد لقيت فلانا" "ومعي من الأسانيد العالية ما ليس مع غيري". وكذلك سائر العلوم والصناعات، إلاّ الحكيم الإلهي والعالم الرّباني، فإنّ موضوع علمه ومادّة صناعته هو الموجود المطلق والإله الحقّ - جّل مجده - فتمام عمره مشغول بالحقّ، وجميع همّه مصروف بالكشف عن توحيده وتقديس صفاته، وأحكام أفعاله، ومعرفة نعوته وأسمائه وآياته، فلا شغل له إلاّ ذكر الله وذكر آلائه، وله علمان شريفان نوريّان: علم المبدأ وعلم المعاد، وله في الأوّل بابان شريفان، أحدهما أشرف وأنور من الآخر، وهو العلم بوجوده ووحدانيته وتقدّس صفاته وأسمائه، وسكّان جبروته من المفارقات والربوبيّات، والآخر، العلم بأفعاله من السماوات والأرضين والبسائط والمركّبات. وإلى الأوّل أشير بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران:191]. وإلى الثاني بقوله تعالى: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}تفسير : [آل عمران:191] وإلى علم المعاد أشير بقوله: {أية : سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} تفسير : [آل عمران:191]. وكذا أشير إلى أحد المنهجين في معرفة المبدأ بقوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت:53] وإلى الآخر بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت:53]. قال بعض الفضلاء في تفسيره الكبير: القرآن مشحون بذكر هذه العلوم الثلاثة، فإنّ للإنسان أيّاماً ثلاثة - الأمس؛ والبحث عنه يسمّى بمعرفة المبدأ، واليوم الحاضر؛ والبحث عنه يسمّى بالعلم الأوسط، واليوم الآخِر؛ والبحث عنه يسمّى علم المعاد. وقد وقعت في آخر سورة البقرة إشارة إلى العلوم الثلاثة، فقوله تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [البقرة:285]. إشارة إلى علم المبدأ. وقوله: {أية : وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [البقرة:285]، إشارة إلى علم الوسط، وقوله: {أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة:285] أشارة إلى علم المعاد. وكذا قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا} تفسير : [البقرة:286] - إشارة إلى الأوّل، وقوله: {أية : لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة:286] إلى قوله تعالى: {أية : مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا} تفسير : [البقرة:286]. إشارة إلى الأوسط، وقوله: {أية : وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [البقرة:286]. - الخ - إشارة إلى علم المعاد. وقال في آخر سورة هود إشارة إلى هذه المعارف الثلاثة: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ} تفسير : [هود:123]. إشارة إلى أوّلها. وأما علم الوسط، وهو علم يجب اليوم أن يشتغل به، فله أيضاً مرتبتان، البداية والنهاية. أمّا البداية، فعلم النفس والاشتغال بالعبوديّة، وأمّا النهاية، فقطع النظر عن الموادّ والأسباب والتجرّد التامّ، والاتّصال بالمبدأ الفعّال، وتفويض الأمور إلى مبدأ المبادئ ومسبّب الأسباب، وذلك هو التوكّل، فذكر هذين المقامين فقال: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}تفسير : [هود:123]. وأمّا علم المعاد فهو مشار إليه بقوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [هود:123] أي: إنّ ليومك غداً ستصل إليك فيه نتائج أعمالك وثمرات أفعالك. وفي كلام أمير المؤمنين ويعسوب الدين - عليه أزكى تسليمات المصلّين - إشراة إلى هذه العلوم الثلاثة للإنسان لإصلاح الأيّام الثلاثة له حيث قال: "رحِم الله امرئ أعدَّ لنفسه واستعدّ لرمسه، وعلِم من أين وفي أين وإلى أين". فقد اشتملت هذه الآية على العلوم الثلاثة، ونظيرها أيضاً قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الصافات:180] إشارة إلى علم المبدأ، وقوله: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الصافات:181] إشارة إلى علم الوسط، وقوله: {أية : وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات:182] إشارة إلى علم المعاد، ولهذا قال في صفة أهل المعاد:{أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس:10]. وهذه العلوم الثلاثة مع أجزائها وأبوابها وفصولها، من علم الكليّات وأحكام الماهيّات، والعلم بالعلل الأربع، والأسباب القصوى لوجود الأشياء الكائنة، فاعلها وغايتها ومادّتها وصورتها، والعلم بمبادئ الحركات الكليّة وغاياتها، وعلم المفارقات، وعلم النبوّات، وعلم السماء والعالم، وعلم الروحانيّات، وعلم النفس وأحوالها بعد الموت، وعلم انبعاث الرسل وكيفيّة الوحي والتنزيل، والكتاب والتأويل، وعلم النبوّة والرسالة، وعلم الإمامة والسياسة، كلها ذكر الله وذكر صفاته وأسمائه وآلائه ونعمائه. فالحكماء الأفاضل سيّما الأنبياء والأولياء منهم - سلام الله عليهم - كلّهم مشتغلون بذِكْره، مشغوفون بمناجاته ومخاطباته، فهم الذاكرون الله كثيراً دون غيرهم، إذ ليس عشق المبدأ الأعلى ومعرفة ذاته داخلاً في موضوعات علوم غيرهم وصنايعهم، ولا مقوّما لمطلوباتهم - من حيث هي مطلوباتهم ومسائلهم -، ولا غاية لأنظارهم وأفكارهم، وثمرة لأفعالهم وأعمالهم القلبيّة إلاّ بوجه من التكلّف والتجوّز البعيد، والتمحّل الشديد، فأولئك تحرّوا رشَداً دون غيرهم. فهم أحقّاء بأن يكونوا عباد الله الصالحين، واولياء الله المتقين، وأنّ الحقّ جليسهم ورفيقهم حسبما ورد من قوله: "حديث : أنا جليسُ مَن ذكرني"تفسير : . وبأن يكون الحقّ حاضراً عندهم مشاهداً لهم بمقتضى قوله: "أنا عند المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم". إذ لهم قلوب منكسرة وأبدان كقبور مندرسة، لتوحّشهم عن الناس، وتفرّدهم عن الخلق بالموت الإرادي، وتضرّرهم بها للمنافاة والتضادّ بين سلوكهم وسلوك غيرهم، فإنّ الرجل بقدر إمعانه في العلوم الباطنيّة، يتوحّش عن الخلق، ويتأذّى عن صحبة أهل الظاهر، وعلى مبلغ عرفانه بالحقّ يتناكر عن الناس. ولهذا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أعرف العرفاء بالحقّ: "حديث : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ". تفسير : وأما غير العالم الربّاني، فليس له هذا التوحّش عن أهل الدنيا والخوف والخشية والموت الإرادي عن مرغوباتها، والرياضة البدنيّة بالأعمال والعبادات، والنفسية بالأفكار والتأمّلات، لاشتغال هؤلاء بما يوجب تقوية القوى، ومماشاة الهوى، والركون إلى أهل الدنيا، والإخلاد إلى الأرض السفلى، والإنسراح إلى مراتع الحظوظ النفسانيّة بالحكومة والفتوى، والاغترار بظواهر الرخص الشرعيّة حيث لم يقفوا على كُنه الأمر، ولا لهم الخوض والإمعان في غرض الشارع منها بحسب الغاية القصوى. فأكثر الخلق كما أخبر الله عن حالهم بقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} تفسير : [الجمعة:11] - {أية : يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان:27] فلم يبق منهم مع خطيب الأنبياء إلاّ قليلاً، وأهل الله في غاية الندرة والقلّة. وهم العارفون بأن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ومن الدنيا ومستلذّاتها ومن الجنّة ومشتهياتها، وهم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، لعلمهم بأنّ ما عند الله خير لأولي الألباب. الإشراق الثاني مراتب الذكر والذاكر قال الله تعالى لنبيّه: {أية : وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمّل:8]. وقال نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : ألا أُنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الوَرِقِ والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءَكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذلك - يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) -؟ قال: ذكر الله عزّ وجلّ . تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: حديث : سبق المفردون، سبق المفرِدون. قيل: ومَن هم - يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: المستهترون بذكر الله تعالى، وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافاً . تفسير : واعلم أنّه قد انكشف لأرباب البصائر المتسنيرة بنور المعرفة، أنّ ذكر الله أفضل الأعمال الروحيّة والقلبيّة والنفسيّة والبدنيّة، ولكن له مراتب بعضها قشور وبعضها لُباب، وللذاكر أيضاً مراتب بحسبه، ولكلّ ذكر نتيجة أيضاً، فإنّ نتجية ذكر العبد لله ذكر الله له، كما قال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152]. وقيل: في هذه العبارة تقديم وتأخير، لأنّ الله أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب، كقوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. وقوله تعالى: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [المائدة:119]. وذلك لأنّ ذكر العبد لله نتيجة ذكر الله له، كما أنّ محبّتهم له ورضاهم عنه تعالى نتيجة محبّته إيّاهم ورضوانه عنهم. والحقّ، أنّ لكلّ من القولين وجهاً وجيهاً، لأنّ التقدّم في الأول على سبيل الإعداد والتهيئة، وفي الثاني على سبيل العليّة واللزوم، لأنّ جميع حالات العبد تابعة لما في علم الله وقضائه الإجمالي، ثمّ التفصيلي، فذِكْرُنا له تعالى مسبّب عمّا في اللوح المحفوظ والذِكْر الحكيم، فافهم هذا. وأيضاً -، فإنّ ذكر العبد لله ومحبّته له ورضاه عنه، وسائر صفاته الحسنة وأعماله الصالحة، مؤديّة له إلى أمثال هذه النتائج على وجه أكمل وأعلى، فإنّ لكلّ شيء حادث، كما لَه مبدأ، كذلك قد يكون له غاية، والمبادئ للأشياء ذوات الغايات هي نفس الغايات بالذات، وغيرها بالاعتبار - كما حقّق في مظانّه -، أوَ لاَ ترى أنّ تصوّر كلّ فاعل مختار لنتيجة فعله وكماله عمله متقدّم علماً على ثبوت تلك الغاية، وهي متأخّرة عنه عيناً. فإذا كان هذا هكذا، فنقول: لمّا كان الله سبحانه مبدأ كلّ شيء وغايته، وأوّل كلّ فكر وذِكْر ونهايته، وظاهر كلّ موجود وباطنه، فالأوّل فيه عين الآخر، والباطن عين الظاهر، والعلم هناك عين العين، فقد صحّ كلّ من الوجهين في الذكر له، وهذا أيضاً من العلوم المختصّة بأحبّاء الله ومشتاقيه المجذوبين إليه - هذا. ولنرجع إلى ما كنّا فيه من بيان مراتب الذكر والذاكر، ونتيجة كلّ مرتبة، فنقول: أمّا مراتب الذكر والذاكر: فذكر اللسان، وذكر الجوارح والأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السرّ. وأمّا تعيينها وتعيين نتائجها: فذكر اللسان: الإقرار ونتيجته احتقان الدم والمال بالأمان، فاذكُروني بالايمان أذكركم بالأمان. وذكر الأركان: باستعمال الطاعات والعبادات للوصول إلى المثوبات، فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمثوبات. وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي للفوز بنور الإسلام، فاذكروني بالإستسلام أذكركم بنور الإسلام. وذكر القلب: تبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة، للتشبّه بالحقّ، والإنخراط في سلك أحبّائه والاتّصال بجنابه، فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق. وذكر الروح: بالتفريد والمحبّة لحصول المعرفة والحكمة، فاذكروني بالتفريد والمحبّة، أذكركم بالتوحيد والقربة. وذكر السرّ: ببذل الوجود لوجدان المعبود، فاذكروني ببذل الوجود والفناء، أذكركم بنيل الشهود والبقاء. وهذا حقيقة قوله في الحديث القدسي: "حديث : وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"تفسير : . وهذا هو لبّ الألباب، وهو الذكر الحقيقي والغاية الأخيرة لما في الخطاب، وهو يجعل الذاكر مذكوراً، والمذكور ذاكراً، بل الذكر والمذكور والذاكر واحداً، كما قال سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر:16]. كما قال قائلهم: شعر : رقّ الزجاج ورقّت الخمر فتشابَها وتشاكل الأمر فكأنّه خمر ولا قَدَح وكأنّها قَدَح ولا خمرُ تفسير : فافهمه واعلم قدره. فإذا تقرّر ذلك فقوله: "واذكُروا الله كَثيراً" يحتمل الجميع، وكذا قياس ما هو نتيجة له بحسب الأقسام من قوله: "لعلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فلكلّ ذكر من أقسام الأذكار فلاح يناسبه معناه، فاذكروا الله باللسان لعلّكم تفلحون بالاطمئنان والأمان، وبعمل الأركان لعلّكم تفلحون بالوصول إلى مثوبات الجنان، وبالنفس بالاستسلام لعلّكم تفلحون بنور الإسلام، وبمحبّة القلب لعلّكم تفلحون بمعرفته وحكمته، وبالسرّ من جهة الفناء فيه لعلّكم تفلحون بنيل شهوده وجماله، والبقاء به بعد الفناء فيه. هداية عرفانية المراتب المختصة بهذه الأمة من الذكر اعلم أنّ مراتب الذكر كمراتب الحكمة، إمّا متعلّقة بذات الله أو صافته أو أفعاله. فنقول: ذكر الذات فضيلة مختصّة بفضلاء هذه الأمّة دون غيرهم، وكذا جزاء الذكر بالذكر المستفاد من قوله: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152] فضيلة مختصّة بهم دون سائر الأمم، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:122] فقد أمر هذه الأمّة بذكر الذات، كما أمر الله موسى (ع) بذكر النعماء. وذلك لأنّ معارج الفكر والذكر والشهود لم تتجاوز في الأمم السابقة من طبقات الأفلاك وما فيها، ومثوبات اقتصرت على نيل درجات الجنان، وأمّا فضلاء هذه الأمّة - رضوان الله عليهم - فلهم أن يتّخذوا مع الرسول سبيلا، ويتجاوزوا بمتابعته عن عالَم الخلق، بل الأمر، ليكون هاديا لهم ودليلا. شعر : بهمراهى خواجه انس وجان توان برشدن تابأقصى الجنان تفسير : فافهم وتدبّر. الاشراق الثالث أعلى مراتب الذكر لمّا قرع سمعك مراتب الذكر ودرجات الذاكر، ونتيجة كلّ مرتبة، وأنّ بعضها فوق بعض فوقيّة الشرف والذات، إلى حيث يصير الذكر والذاكر والمذكور شيئاً واحداً، فاعلم أنّ ذلك إنّما يتصوّر بأن يتمكّن المذكور في القلب تمكّناً شديداً، وحصولا مشرقا نوريّا، بحيث ينمحي الذكر أو يخفى، ولا يلتفت القلب إلى الذكر أصلاً، ولا إلى الذاكر - أي القلب نفسه - بل تستغرق جملته في المذكور، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر يكون ذلك حجاباً عن المقصود وهوّيته بالنسبة إلى الغاية الأصلية، وذلك بأن يغيب عن نفسه حتّى لا يحسّ بشيء من ظواهر جوارحه ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يفنى عن جميع ذلك، ويغيب عنه جميع ذلك ذاهباً إلى ربّه أوّلاً، كما قال الخليل - على نبيّنا وعليه السلام - فيما حكى الله تعالى عنه: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الصافات:99] - ثمّ ذاهباً فيه كما يومئ إليه قوله: {أية : سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات:99] فإنْ خَطَرَ له في أثناء ذلك أنّه ذهب إلى ربّه وفني عن نفسه، وغاب عن ذاته، فذلك سكون عن الذهاب في الجملة ووقوف مع النفس، فهو شوب وكدورة، بل الكمال في أن يفنى عن نفسه، ويفنى عن الفناء أيضاً، فالفناء عن الفناء غاية الفناء ونتيجته البقاء. والغيبة عن الغيبة كمال الغيبة وفائدته الحضور. وهذا يظنّه الفقيه الرسمي أنّه مجرّد ألفاظ بلا طائل، أو طامّات غير معقولة - وليس كذلك - بل هذه الحالة للعرفاء الكاملين - بالإضافة إلى مقصودهم - كحالته بالقياس إلى أكثر مطالبه ممّا يحبّه كثيراً من جاه أو مال، أو تقرّب من سلطان، أو تفوّق في البحث على مشارك أو غير ذلك، فإنّه قد يصير مصروف الهمِّ مستغرَقاً لشدّة الغضب بالفكر في عدوّ أو منازع له في علمه أوجاهه عند الناس، أو مسغرقاً لشدّة الشهوة بالفكر فيما هو معشوقه، حتّى لا يكون فيه متّسع لإدراك آخر، فعند ذلك الحال ربما يخاطب ولا يفهم، ويجتاز بين يديه غيره فلا يراه وعيناه مفتوحتان، ويتكلّم عنده ولا يسمع وما باذُنه صمَم وهو في هذا الاستغراق غافل عن كلّ شيء، وعن الاستغراق أيضاً، فإنّ الملتفت إلى الاستغراق غافل عن المستغرق فيه. وإنّما سمّوا هذه الحالة فناءً - وإن كان الشخص والظلّ باقياً - لأنّ الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل وجودها كحكايات المرائي والظلال، وإنّما الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت، والقلب من عالم الأمر، قال الله تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]. والقوالب من عالم الخلق، وليس هذا إشارة إلى قِدَم الروح وحدوث القالب، بل هما جميعا حادثان، وإنّما أعني بعالَم الخلق ما يقع فيه التقدير والمساحة وهي الأجسام وصفاتها، وبعالَم الأمر ما لا يتطرّق إليه التقدير والمساحة. ونحن خاصّة قد بيّنَا ذلك وبرهنّا على أنّ المقدار الاتّصالي - جوهراً كان أو عَرَضا - غير موجود في نفسه، وعلى أنّه مناط الجهالة والنسيان، كما أنّه مناط العدم والفقدان، لزوال كلّ جزء، وغيبة كلّ بعض عن كلّ بعض، وعن الكلّ أيضاً، فالعالم الجسماني ليس وجوده إلاّ كوجود الظلّ، فهو من العالَم العقلي كالظلّ من الشخص، فكما ليس لظلّ الشخص حقيقة الشخص، فليس للشخص - أي الجسم - حقيقة الوجود، بل هو ظلّ حقيقة الوجود، والكلّ من صنع الله {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد:15] وسجود عالم الأمر لله طوع، وسجود الظلال كره، وتحت هذا سر بل أسرار يحرّك أوائلها سلسلة المجانين والحمقى فضلا عن أواخرها. الإشراق الرابع أحوال الذكر ومراتب سلوكه إذا فهمت معنى مراتب الذكر والذاكر، وفناء الذاكِر بحسب المرتبة الأخيرة في المذكور، فإيّاك والاستنكار والتكذيب بما لم يحط به علمك، ولم تحط بعلمه، كما قال سبحانه: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} تفسير : [يونس:39]. وقال أيضاً: {أية : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} تفسير : [الأحقاف:11]. واعلم: أوّل الأمر هو الذهاب إلى الله، وإنّما الهدى بعده كما مرّ ذكره في قوله تعالى حكاية عن الخليل (ع): {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات:99]، فأوّل الأمر ذهاب إلى الله، ثمّ ذهاب في الله تعالى، وذلك هو الفناء والاستغراق به، ولكن هذا أوّلاً يكون كالبرق الخاطف قلّما يدوم ويثبت، فإن دام وصارت مَلَكة راسخة وهيئة ثابتة عرج به إلى العالم الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي للمولى، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتجلّى لذاته قدس اللاهوت. وأوّل ما يتمثّل له من ذلك العالَم جواهر الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء (ع) في صوَر جميلة يفيض بواسطتها عليه بعض الحقائق، وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، فيكافح بصريح الحقّ في كلّ شيء، فاذا ردّ إلى العالم المجازي وجواهره التي هي كالظلال، ينظر إلى الخلق نظر مترحّم عليهم لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس، ويعجب من أصحاب الفهوم الفكريّة وأرباب العلوم والعقائد الجزئيّة وقناعتهم بالظلال، وانخداعهم بعالَم الغرور والخيال، مع ما كان لهم أوّلاً من الاستعداد لطلب الكمال والارتقاء إلى عالَم الحقّ المتعال، فأفسدوه بانكبابهم على أغراض هذا الأدنى، وإعراضهم عن الطريق المثلى، وانحرافهم عن مطالعة آيات الله الكبرى، ومع ذلك فيعاشرهم ويخالطهم بالظاهر، ويكون البُعد بينه وبينهم بحسب الباطن كما بين المشرق والمغرب، فيكون معهم حاضراً بشخصه غائباً بقلبه، تعجّب هو من حضوره ويتعجبون من غيبته لو تفطّنوا. فهذه ثمرة لباب الذِكر، وإنّما مبدؤها ذِكر اللسان، ثمّ ذكر النفس تكلّفاً ثمّ ذكر القلب طبعاً، ثمّ استيلاء المذكور على الروح، ثمّ انمحاء الذكر عن السرّ حقيقة. وهذا سرّ قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وسرّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : من أحبَّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله . تفسير : بل سرّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضل الذكر الخفيّ على الذكر الذي يسمعه الحَفَظة سبعين ضِعْفاً. فإنّ كلّ ذلك يشعر به قلبك فيسمعه الحَفَظة، وذلك لأنّ شعورهم يقارن شعورك كما يعلمه الراسخون في الحكمة، حتّى إذا غاب ذكرك من شعورك بسبب ذهابك في المذكور بالكليّة، فيغيب ذكرك عن شعور الحَفَظة، وما دام القلب يشعر بالذكر ويلتفت إليه، فهو معرض عن الله، وغير منفكّ عن شرك خفيّ حتّى يصير مستغرقاً الواحد الحقّ، فذلك هو التوحيد، كذلك المعرفة إذ هُما واحد كما علمت. قال بعض العارفين في مقاماته: من آثر العرفان للعرفان فقد قال الثاني، ومن وجد العرفان كأنّه ما وجده، بل وجد المعروف به فقد خاض لجّة الوصول، أي هو الذي استمكن من حقيقة الوِصال، وحلّ بحبوحة القُدس. فهذه أمور نبّهت عليها لتكون متشوّقا إلى أن تصير من أهل الذوق والمحبّة بها، فإن لم تكن، فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن، فمن أهل الإيمان بها إيماناً بالغيب: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} تفسير : [المجادلة:11]. وإيّاك وأن تكون من المنكرين لها فتلقى العذاب الشديد إذا كوشفت بالحقّ عند ملاقاة سكَرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل: لك: {أية : لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق:22].

الجنابذي

تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} لمّا كان الاجتماع فى الجمعة لذكر الله بمنزلة الفناء الذّاتىّ والبقاء فى ذلك الفناء يورث نقصان الوجود والمطلوب من الانسان استكماله بجميع جنوده ولا يمكن الاّ بالبقاء بعد الفناء امرهم بالانتشار فى الارض وابتغاء فضله كما قال {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} الصّورىّ بطلب ما تحتاجون اليه من جهة الحلال، وفضل الله المعنوىّ بزيارة الاخوان وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم كما فى الخبر عن النّبىّ (ص) وعن الصّادق (ع): الصّلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السّبت، وعنه (ع) انّى لاركب فى الحاجة الّتى كفاها الله ما اركب فيها الاّ التماس ان يرانى الله اضحى فى طلب الحلال، اما تسمع قول الله عزّ اسمه؟ فاذا قضيت الصّلاة فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل الله {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} فى حال ابتغاء الفضل او فى جميع الاحوال فانّ ذكر الله مرغوب فيه ولو كنت تبول فانّه كما فى الخبر لا بأس بذكر الله وانت تبول وقد مضى فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152] بيان للذّكر ومراتبه وكيفيّته {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فانّ الفلاح بالذّكر لانّ مناط الطّاعة والمعصية كما يستفاد ممّا ورد عن الصّادق (ع) الذّكر والغفلة، روى عن النّبىّ (ص) "حديث : من ذكر الله مخلصاً فى السّوق عند غفلة النّاس وشغلهم بما هم فيه كتب الله له الف حسنةٍ ويغفر الله له يوم القيامة مغفرةً لم تخطر على قلب بشرٍ ".

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلٰوةٌ} أديت {فَانتَشِرُوا فِى الأَرْضِ} تفرقوا فيها {وَابْتَغُوا} اطلبوا {مِن فَضْلِ اللهِ} من رزقه وذلك اطلاق بعد حصر ولا يخفى انه اباحة بعد منع واراد الطلب مع التلبس بذكر الله وليس الانتشار أو الابتغاء واجبين وان قعد في المسجد فافضل وانما الاية مثل وإذا حللتم فاصطادوا فإنهم إن لم يصطادوا فلا بأس وقوله فكاتبوهم إن علمتم فيه خيرا وقوله وللمطلقات متاع إلا التي تطلق قبل الدخول فلها المتعة فرضا. وكان بعضهم إذا صلى الجمعة انصرف إلى باب المسجد فقال اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما امرتني فارزقني من فضلك وانت خير الرازقين وعن ابن عباس وانس ابتغاء الفضل عنا عيادة المريض وحضور الجنازة وزيارة أخ في الله وفي، وهذا ينبغي ان يكون المرء بقية يومه وقال الحسن وسعيد بن المسيب ومكحول الفضل المبتغي العلم فينبغي طلبه بعد صلاة الجمعة وقيل صلاة النافلة وكان بعض السلف لا يشغل نفسه بعد صلاة الجمعة بشيء من الدنيا عملا بالاية. {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً} في جميع احوالكم إلا حال قضاء الحاجة ونحوه ولا تخضوا الذكر بالصلاة وذلك ذكر باللسان ولكن لا يعتد به ما لم يحضر القلب وقيل ذكره طاعته ولا يكون قيل احد ذاكرا لله كثيرا إلا ان ذكره قائما وقاعدا أو مضطجعا وعن معاذ بن جبل واشيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون بخير الدنيا والآخرة وروي ان أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة الكلبي وهو الذي يجيء جبريل على صورته وكان إذ ذاك مشركا ثم أسلم بعد تجارة من الشام زيت ودقيق وبر وغير ذلك من الطعام والنبي صلى الله عليه سلم يخطب يوم الجمعة وكان إذا جاء ضرب الطبل ايذاناً بقدومه فيجيء الناس للبيع منه وذلك في احجار الزيت وهو مكان وفي سوق المدينة وبه ينزل ولا تبقى عاتق فضلا عن غيرها إلا اتته للاحتياج ولرؤية وجهه ولما رأوه بالبقيع وقيل لما سمعوا الطبل قاموا اليه خشية ان يسبقوا اليه ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثمانية فيهم ابو بكر وعمر وقيل احد عشر وقيل اثني عشر رجلا وامرأة وقيل اربعون فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جمعيا لضرم الله عليهم الوادي نارا"تفسير : وروي "حديث : لو تبايعتم لاحاط بكم الوادي نارا"تفسير : وروي "حديث : لو تتابعتم حتى لايبقى منكم احد لسأل بكم الوادي نارا"تفسير : وقال "حديث : لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء"تفسير : وكان فيمن بقي جابر بن عبد الله وعمار ابن ياسر وبلال وابن مسعود وعثمان وعلى وطلحة والزبير وغيرهم فنزل.

الالوسي

تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ } أي أديت وفرغ منها {فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } لإقامة مصالحكم {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } أي الربح على ما قيل، وقال مكحول والحسن وابن المسيب: المأمور بابتغائه هو العلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى، وأخرج نحوه ابن جرير عن أنس مرفوعاً. والأمر للإباحة على الأصح فيباح بعد قضاء الصلاة الجلوس في المسجد ولا يجب الخروج، وروي ذلك عن الضحاك ومجاهد. وحكى الكرماني في «شرح البخاري» الاتفاق على ذلك وفيه نظر، فقد حكى السرخسي القول بأنه للوجوب، / وقيل: هو للندب، وأخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن بسر الحُبْراني قال: رأيت عبد الله بن بسر المازني صاحب النبـي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم هكذا يصنع وتلا هذه الآية {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ } الخ. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره، ونقل عنه القول بالندبية وهو الأقرب والأوفق بقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } أي ذكراً كثيراً ولا تخصوا ذكره عز وجل بالصلاة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كي تفوزوا بخير الدارين، ومما ذكرنا يعلم ضعف الاستدلال بما هنا على أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة. واستدل بالآية على تقديم الخطبة على الصلاة وكذا على عدم ندب صلاة سنتها البعدية في المسجد، ولا دلالة فيها على نفي سنة بعدية لها، وظاهر كلام بعض الأجلة أن من الناس من نفى أن للجمعة سنة مطلقاً فيحتمل على بعد أن يكون استشعر نفي السنة البعدية من الأمر بالانتشار وابتغاء الفضل، وأما نفي القبلية فقد استند فيه إلى ما روي في «الصحيح» وقد تقدم من أن النداء كان على عهده عليه الصلاة والسلام إذا جلس على المنبر إذ من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام إذا كمل الأذان أخذ في الخطبة وإذا أتمها أخذ في الصلاة، فمتى كانوا يصلون السنة؟ وأجيب عن هذا بأن خروجه عليه الصلاة والسلام كان بعد الزوال بالضرورة فيجوز كونه بعد ما كان يصلي الأربع، ويجب الحكم بوقوع الحكم بهذا المجوز لعموم ما صح من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إذا زالت الشمس أربعاً، وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضاً يعلمون الزوال كالمؤذن بل ربما يعلمونه بدخول الوقت ليؤذن. واستدل بقوله تعالى: { أية : إِذَا نُودِىَ } تفسير : [الجمعة: 9] الخ من قال: إنما يجب إتيان الجمعة من مكان يسمع فيه النداء، والمسألة خلافية فقال ابن عمر وأبو هريرة ويونس والزهري: يجب إتيانها من ستة أميال، وقيل: من خمسة، وقال ربيعة: من أربعة، وروي ذلك عن الزهري وابن المنكدر. وقال مالك والليث: من ثلاثة، وفي «بحر أبـي حيان»: ((وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب الإتيان على من في المصر سمع النداء أو لم يسمع لا على من هو خارج المصر وإن سمع النداء؛ وعن ابن عمر وابن المسيب والزهري وأحمد وإسحاق على من سمع النداء، وعن ربيعة على من إذا سمع وخرج من بيته ماشياً أدرك الصلاة))، وكذا استدل بذلك من قال بوجوب الإتيان إليها سواء كان إذن عام أم لا، وسواء أقامها سلطان أو نائبه أو غيرهما أم لا لأنه تعالى إنما رتب وجوب السعي على النداء مطلقاً كذا قيل، وتحقيق الكلام على ذلك كله في كتب الفروع المطولة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةُ} (10) - فَإِذَا أَدَّيْتُمُ الصَّلاَةَ فَتَفَرَّقُوا لِمُبَاشَرَةِ مَصَالِحِكُمْ الذُّنْيَوِيَّةِ، وَاسْأَلُوا اللهَ الرِّزْقَ الحَلاَلَ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً أَثْنَاءَ بَيْعِكُمْ وَشِرَائِكُمْ، وَلاَ تَتْركُوا الدُّنْيَا تَشْغَلُكُمْ عَمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي الآخِرَةِ، لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تُفْلِحُونَ، وَتَفُوزُونَ بِرِضَا اللهِ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ. انْتَشِرُوا - تَفَرَّقُوا طَلَباً لِحَوَائِجِكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} أي فرغ منها. {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} للتجارة والتصرف في حوائجكم. {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي الرزق وهما أمر إباحة وتخيير كقوله سبحانه {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : [المائدة: 2]. وقد أخبر عقيل أنّ أبا الفرح أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثني العبّاس بن أبي طالب قال حدّثنا علي بن المعافي بن يعقوب الموصلي قال: حدّثنا أَبُو علي الضايع عن أبي خلف عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في قول الله سبحانه {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} قال: ليس بطلب دنيا ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في اللّه. قال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} هو طلب العلم. وقال جعفر بن محمّد الصّادق {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} هو يوم السبت. {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} الآية أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال حدّثنا علي بن حرب قال حدّثنا إبن فضيل قال حدّثنا حُصَين عن سالم بن الجعد عن جابر ابن عبد اللّه قال: أقبلت عيرٌ ونحن نصلّي مع النبّي (عليه السلام) الجمعة فانفضّ الناس إليها فما بقي غير إثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} الآية. وقال الحسن وأَبُو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دُحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلمّا رأوهُ قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ رهط منهم أَبُو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال رسول اللّه (عليه السلام): "حديث : والّذي نفس محمّد بيده لو تتابعتم حتّى لا يبقى أحدٌ منكم لسال بكم الوادي ناراً ". تفسير : قال المقاتلان: "حديث : بينا رسول اللّه (عليه السلام) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دُحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة بن عامر من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلاّ أتاه وكان يقدّم إذا قدم كل ما يحتاج إليه من دقيق أو بُرّ أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يُسلم، ورسول اللّه (عليه السلام) قائماً على المنبر يخطب، فخرج النّاس فلم يبقَ في المسجد إلاّ إثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي (عليه السلام): لولا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء"تفسير : وأنزل اللّه سبحانه هذه الآية، وقال ابن عباس في رواية الكلبي لم يبق في المسجد إلاّ ثمانية رهط، وقال إبن كيسان: رجوا إلاّ أحد عشر رجلا وامرأة. قال قتادة ومقاتل: بلغنا أنّهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وكل مرّة بعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقال مجاهد: كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر، يقدّمون يتبعون التجارة واللهو، فأنزل اللّه سبحانه {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} قال المفسّرون: يعني الطبل وذلك أنّ العير كانت إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفير. وقال جابر بن عبد اللّه: كان الجواري إذا نكحوا يمرّون بالمزامير والطبل فانفضّوا إليها، فنزلت هذه الآية، وقوله {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} ردّ الكناية إلى التجارة لاّنّها أهم وأفضل، وقد مضت هذه المسألة. وقرأ طلحة بن مصرف {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}. {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} على المنبر. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا أَبُو عَمُرو بن الحسن قال حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حُصين عن مسعر وأبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن حسان عن عبيدة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه أنّه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟ قال أما تقرأ {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} قرأ أَبُو رجاء العطاردي {خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ}. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} لأنّه مُوجد الأرزاق فإيّاه فاسألوا ومنه فاطلبوا.