Verse. 5188 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

وَاِذَا رَاَوْا تِجَارَۃً اَوْ لَہْوَۨا انْفَضُّوْۗا اِلَيْہَا وَتَرَكُوْكَ قَاۗىِٕمًا۝۰ۭ قُلْ مَا عِنْدَ اللہِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّہْوِ وَمِنَ التِّجَارَۃِ۝۰ۭ وَاللہُ خَيْرُ الرّٰزِقِيْنَ۝۱۱ۧ
Waitha raaw tijaratan aw lahwan infaddoo ilayha watarakooka qaiman qul ma AAinda Allahi khayrun mina allahwi wamina alttijarati waAllahu khayru alrraziqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها» أي التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو «وتركوك» في الخطبة «قائما قل ما عند الله» من الثواب «خير» للذين آمنوا «من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين» يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق الله تعالى.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : قال مقاتل: إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق: وكان ذلك في يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا إثنا عشر رجلاً أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين، فقال عليه السلام: لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة، ونزلت الآية: وكان من الذين معه أبو بكر وعمر. وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم ناراً» تفسير : قال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات، وقوله تعالى: {أَوْ لَهْواً } وهو الطبل، وكانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير، فمروا يضربون، فتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } أي تفرقوا وقال المبرد: مالوا إليها وعدلوا نحوها، والضمير في (إليها) للتجارة، وقال الزجاج: انفضوا إليه وإليها، ومعناهما واحد كقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45] واعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم إليهم، وقوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً } اتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة قال جابر: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة إلا وهو قائم، وسئل عبد الله أكان النبي يخطب قائماً أو قاعداً فقرأ: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً } وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ } أي ثواب الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم {خَيْرٌ مّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتّجَـٰرَةِ } من اللهو الذي مر ذكره، والتجارة التي جاء بها دحية، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين، والمعنى إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين، وقيل: لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلاً، ولو كان كذلك كيف يصح {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً } نقول: ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، ومثله حتى يسمع كلام الله، إذ الكلام غير مسموع، بل المسموع صوت يدل عليه. الثاني: كيف قال: {ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه، وقال صاحب «الكشاف»: تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. الثالث: أن قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } مناسب للتجارة التي مر ذكرها لا للهو، نقول: بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذي مر ذكره كالتبع للتجارة، لما أنهم أظهروا ذلك فرحاً بوجود التجارة كما مر، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : فيه سبع عشرة مسألة: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عِيرٌ من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ـ في رواية أنا فيهم ـ فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. في رواية: فيهم أبو بكر وعمر وقد ذكر الكلبِيّ وغيره: أن الذي قدِم بها دِحْيَة بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاءِ سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بُرّ ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه؛ فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل: أحد عشر رجلا. قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال؛ حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر الدَّارَقُطْنيّ من حديث جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عِير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع؛ فالتفتوا إليها وانفضوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم. قال: وأنزل الله عز وجل على النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. قال الدَّارَقُطْنيّ: لم يقل في هذا الإسناد «إلا أربعين رجلا» غيرُ عليّ بن عاصم عن حُصين، وخالفه أصحاب حُصين فقالوا: لم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي ناراً»تفسير : ؛ ذكره الزَّمَخْشرِيّ. وروي في حديث مرسلٍ أسماء الاثني عشر رجلاً، رواه اسد بن عمرو والد أسار بن موسى بن أسد. وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجَرّاح، وسعيد بن زيد وبلال، وعبد الله ابن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى عَمّار بن ياسِر. قلت: لم يذكر جابراً؛ وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم؛ والدَّارَقُطْنيّ أيضاً. فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخّصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقاً بفضلهم ألا يفعلوا؛ فقال: حدّثنا محمود بن خالد قال حدّثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر ابن معروف أنه سمع مقاتل بن حَيّان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلّى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دِحْيَة بن خليفة الكَلْبي قدم بتجارة، وكان دِحيَة إذا قدم تلقّاه أهله بالدِّفاف؛ فخرج الناس فلم يظنّوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء؛ فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}. فقدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخّر الصلاة. وكان لا يخرج أحد لرُعاف أو أحداث بعد النّهي حتى يستأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام؛ فيأذن له النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده. فكان من المنافقين من ثَقُل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى يخرج؛ فأنزل الله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} تفسير : [النور:63]الآية. قال السُّهَيْليّ: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا. وقال قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات؛ كل مَرّة عِير تَقْدُم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دِحْيَة الكَلْبي بتجارته ونظرهم إلى العِير تَمُرّ، لَهْوٌ لا فائدة فيه؛ إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته، غَلُظ وكَبُر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللّهو ما نزل. وجاء: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل ما يَلْهو به الرجل باطل إلا رَمْيه بقَوْسه»تفسير : . الحديث. وقد مضى في سورة «الأنفال» فلله الحمد. وقال جابر بن عبد الله: كانت الجواري إذا نُكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها؛ فنزلت. وإنما رَدّ الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «وإذا رأوا التجارة واللّهو انْفضُّوا إليها». وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه، فحذف لدلالته. كما قال:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عنـدك راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ تفسير : وقيل: الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين. الثانية ـ: واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال؛ فقال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال سفيان الثَّوْريّ وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلاً. وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال: حدّثنا أبو خالد يزيد بن الهَيْثم بن طَهْمان الدقّاق، حدّثنا صبح بن دِينار قال حدّثنا المعافى بن عمران حدّثنا مَعْقِل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مُصعب بن عمير: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ، فجمّع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. وقال الشافعي: بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشِّيرازي في (كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي): كل قرية فيها أربعون رجلاً بالِغين عقلاء أحراراً مقيمين، لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاءً إلا ظَعْن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أوّل الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط. وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. وكتب عمر بن عبد العزيز: أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة. وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السَّواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المِصر الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتجّ بحديث عليّ: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم. وهذا يردّه حديث ابن عباس، قال: أنّ أوّل جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جُوَاثى. وحجة الإمام الشافعيّ في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرّجه الدَّارَقُطْنيّ. وفي سنن ابن ماجه والدَّارقُطْني أيضاً ودلائل النبوّة للبَيْهَقيّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلّى على أبي أمامة واستغفر له ـ قال ـ فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك؛ فقلت له: يا أبةِ، استغفارك لأبي أمامة كلّما سمعت أذان الجمعة، ما هو؟ قال: أي بُنَيّ، هو أوّل من جَمَّع بالمدينة في هَزْم من حَرّة بني بَيَاضة يقال له نَقِيع الخَضِمات؛ قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقال جابر بن عبد الله: مضت السُّنة أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضْحَى وفِطراً، وذلك أنهم جماعة. خرّجه الدَّارقُطْنيّ. وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النَّجاد: قرىء على عبد الملك بن محمد الرّقاشي وأنا أسمع حدّثني رجاء بن سلمة قال حدّثنا أبي قال حدّثنا رَوْح بن غُطيف الثَّقفي قال حدّثني الزُّهِري عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلاً جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قُرىء على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال حدّثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد بن عباد المُهَلَّبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك»تفسير : . قال ابن المنذر: وكتب عمر بن عبد العزيز: أيّما قرية اجتمع فيها خمسون رجلاً فليصلوا الجمعة. وروى الزّهري عن أم عبد الله الدُّوسِيّة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة»تفسير : . يعني بالقُرَى: المدائن. لا يصح هذا عن الزهري. في رواية «حديث : الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم»تفسير : . (الزهري) لا يصح سماعه من الدّوسية. والحكم هذا متروك. الثالثة ـ: وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عُقْبة والي الكوفة أبطأ يوماً فصلى ابن مسعود بالناس من غير إذنه. ورُوِي أن عليّا صلى الجمعة يوم حصِر عثمان ولم يُنقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلّى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك: إن لله فرائض في أرضه لا يضيّعها؛ وَلِيَها والٍ أو لم يَلِها. الرابعة ـ: قال علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقّف. قال ابن العربي: ولا أعلم وجهه. قلت: وجهه قوله تعالى: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} تفسير : [الحج:26]، وقوله: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} تفسير : [النور:36]. وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العُرْف، والله أعلم. الخامسة ـ: قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب. قال عَلقَمة: سئل عبد الله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟ فقال: أما تقرأ {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. وفي صحيح مسلم: عن كعب بن عُجْرَة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحَكَم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعداً! وقال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. وخرّج عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فمن نبَّاك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب؛ فقد والله صلّيتُ معه أكثر من ألفي صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. وقال أبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها. ويروى أن أوّل من خطب قاعداً معاوية. وخطب عثمان قائماً حتى رقّ فخطب قاعدا. وقيل: إن معاوية إنما خطب قاعداً لسِنِّه. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته. رواه جابر بن سَمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري. السادسة ـ: والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها؛ وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن: هي مستحبة. وكذا قال ابن الماجِشُون: إنها سُنّة وليست بفرض. وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر؛ فإذا تركها وصلّى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. وهذا ذمّ، والواجب هو الذي يُذَم تاركه شرعاً، ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة. السابعة ـ: ويخطب متوكّئاً على قوس أو عَصاً. وفي سنن ابن ماجه قال حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدّثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قَوْس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا. الثامنة ـ: ويسلّم إذا صَعِد المِنبر على الناس عند الشافعي وغيره. ولم يره مالك. وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلّم. التاسعة ـ: فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلّها أو بعضها أساء عند مالك؛ ولا إعادة عليه إذا صلّى طاهراً. وللشافعيّ قولان في إيجاب الطهارة؛ فَشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم. وهو قول أبي حنيفة. العاشرة ـ: وأقلّ ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلّي على نبيّه صلى الله عليه وسلم، ويوصى بتقوى الله ويقرأ آية من القرآن. ويجب في الثانية أربع كالأولى؛ إلا أن الواجب بدلاً من قراءة الآية في الأولى الدعاء؛ قاله أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزأه. وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله؛ وارْتُجّ عليه فقال: أن أبا بكر وعمر كانا يُعِدّان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فَعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب؛ ثم نزل فصلّى. وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم خطبة. وهو قول الشافعي: قال أبو عمر بن عبد البر: وهو أصح ما قيل في ذلك. الحادية عشرة ـ: في صحيح مسلم: عن يَعْلَى بن أُمَيّة أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ}. وفيه عن عَمْرة بنت عبد الرحمن عن أختٍ لعَمْرَة قالت: ما أخذت {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. وقد مضى في أوّل «قۤ». وفي مراسيل أبي داود عن الزّهري قال: حديث : كان صدر خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم«الحمد لله. نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادِي له. ونشهد أن لا إلٰه إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يَدَي الساعة. من يطِع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يعصهما فقد غَوَى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتّبع رضوانه ويجتنب سَخطه، فإنما نحن به وله»تفسير : . وعنه قال: بلغنا حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب:«كلُّ ما هو آتٍ قريبٌ، و لا بُعْدَ لما هو آت. لا يعجل الله لعجلةِ أحدٍ، ولا يَخِفّ لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. يريد الله أمراً ويريد الناسُ أمراً، ما شاء الله كان ولو كَرِه الناس. ولا مُبْعِدَ لما قَرّب الله، ولا مقرِّب لما بعّد الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز»تفسير : . وقال جابر: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يَحْمَد الله ويصلّي على أنبيائه: «أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله قاضٍ فيه، وبين أجل قد بقِي لا يدري ما الله صانع فيه. فلْيَأْخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الكِبَر، ومن الحياة قبل الممات. والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنّة أو النار. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم»تفسير : . وقد تقدّم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أوّل جمعة عند قدومه المدينة. الثانية عشرة ـ: السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سُنّة. والسُّنّة أن يسكت لها من يسمع ومَن لم يسمع، وهما إن شاء الله في الأجر سواء. ومن تكلم حينئذ لَغا؛ ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قلت لصاحبك أنْصِت يوم الجمعة والإمامُ يخطب فقد لَغَوْت»تفسير : . الزَّمَخشْرِي: وإذا قال المُنصِت لصاحبه صَهْ؛ فقد لَغَا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغياً؟ نعوذ بالله من غُرْبة الإسلام ونكد الأيام. الثالثة عشرة ـ: ويستقبلُ الناس الإمام إذا صَعِد المنبر؛ لما رواه أبو داود مُرْسَلاً عن أبان بن عبد الله قال: كنت مع عدِيّ بن ثابت يوم الجمعة؛ فلما خرج الإمام ـ أو قال صعد المنبر ـ استقبله وقال: هكذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم. خرّجه ابن ماجه عن عديّ بن ثابت عن أبيه؛ فزاد في الإسناد: عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال ابن ماجه: أرجو أن يكون متّصلا. قلت: وخرّج أبو نعيم الحافظ قال حدّثنا محمد بن مَعْمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال حدّثنا عبّاد بن يعقوب قال حدّثنا محمد بن الفضل الخُرَاسانِيّ عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرّد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور. الرابعة عشرة ـ: ولا يركع من دَخل المسجد والإمام يخطب؛ عند مالك رحمه الله. وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره. وفي المُوَطَّأ عنه: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي صحيح مسلم من حديث جابر: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما»تفسير : . وهذا نصٌّ في الركوع. وبه يقول الشافعي وغيره. الخامسة عشرة ـ:...... ابن عَوْن عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون النّوم والإمام يخطب ويقولون فيه قولاً شديداً. قال ابن عَوْن: ثم لَقِيني بعد ذلك فقال: تدري ما يقولون؟ قال: يقولون مَثَلُهم كَمَثل سَرِيّة أخفقوا؛ ثم قال: هل تدري ما أخفقوا؟ لم تَغْنَم شيْئاً. وعن سَمُرة بن جُنْدب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا نَعَس أحدكم فليتحوّل إلى مقعد صاحبه وليتحوّل صاحبه إلى مقعده»تفسير : . السادسة عشرة ـ: نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتّها ما لم نذكره. روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال:«فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلّي يسأل الله عز وجل شيئاً إلا أعطاه إياه» تفسير : وأشار بيده يُقَللها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة». حديث : وروي من حديث أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم؛ فلما خرج قلنا: احتبستَ! قال: «ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نُكْتة سَوْداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها قلت يا جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه أو أدّخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير الأيام عند الله وإن أهل الجنة يسمّونه يوم المزيد»تفسير : . وذكر الحديث. وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا: حدّثنا المسعوديّ عن المِنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعو إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كَثِيب من كافور أبيض، فيكونون منه في القُرْب ـ قال ابن المبارك ـ على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد: فيُحْدِث لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه: وهو قوله تعالى: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} تفسير : . [ق:35] قلت: قوله «في كَثيب» يريد أهل الجنة. أي وهم على كثيب؛ كما روى الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يُرَى طرفاه وفيه نهرٌ جارٍ حافتاه المسك عليه جوارٍ يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأوّلون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ماشاء منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة» تفسير : ذكره يحيى بن سلام. وعن أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليلة أُسْرِي بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبّحون الله ويقدّسونه ويقولون في تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة» تفسير : ذكره الثّعلبيّ. وخرّج القاضي الشريف أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العِيسَوي من ولد عيسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفّون بها كالعروس تُهْدَى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثَّقَلان ما يطرقون تعجُّباً يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذّنون المحتسِبون»تفسير : . وفي سُنن ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تُغْشَ الكبائر» تفسير : خرّجه مسلم بمعناه. وعن أوس بن أوس الثَّقَفيّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من غسل يوم الجمعة واغتسل وبَكّر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغ كان له بكل خطوة عمل سَنَة أجر صيامها وقيامها»تفسير : . وعن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ياأيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا. وصِلُوا الذي بينكم وبين ربّكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصّدقة في السر والعلانية تُرزقوا وتُنصروا وتُؤجروا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شَمْله ولا بارك له في أمره. ألاَ ولاَ صلاة له ولا زكاة له ولا حَجّ له. ألاَ ولا صوم له ولا برّ له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه. ألاَ لا تَؤُمّن امرأة رجلاً ولا يؤم أعرابيٌّ مهاجراً ولا يؤمّ فاجرٌ مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه»تفسير : . وقال مَيْمون بن أبي شيبة: أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب أصلّي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة لا أذهب، ثم أجْمَع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت «يَأَيُها الذينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ للصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسعَوْا إلىَ ذِكْر الله وَذَرُوا الْبَيْعَ». السابعة عشرة ـ: قوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} فيه وجهان: أحدهما ـ ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني ـ ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خيرٌ مما أصبتموه من لهوِكم وتجارتكم. وقرأ أبو رجاء العُطّارِديّ:«قُلْ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ للذين آمنوا». {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي خير من رزق وأعطى؛ فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نَيْل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.

ابن كثير

تفسير : يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة، يوم الجمعة، إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} أي: على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة. وزعم مقاتل ابن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، إلا القليل منهم، وقد صح بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فخرج الناس، وبقي اثنا عشر رجلاً، فنزلت: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم، به. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي ناراً» تفسير : ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وفي قوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائماً. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر ابن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. ولكن ههنا شيء ينبغي أن يعلم، وهو: أن هذه القصة قد قيل: إنها كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب "المراسيل": حدثنا محمود بن خالد عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بن معروف: أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني: فانفضوا، ولم يبق معه إلا نفر يسير. وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ} أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة {خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَٰزِقِينَ} أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } أي التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو {وَتَرَكُوكَ } في الخطبة {قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ } من الثواب {خَيْرٌ } للذين آمنوا {مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ } يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق الله تعالى.

الماوردي

تفسير : {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفَضُّوا إليها وتركوك قائماً} روى سالم عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في الخطبة فانفتل الناس إليها وما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية. وذكر الكلبي أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه من بُر ودقيق وغيره فنزل عند أحدار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال، فقال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} والتجارة من أموال التجارات. وفي اللهو ها هنا أربعة أوجه: أحدها: يعني لعباً، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الطبل، قاله مجاهد. الثالث: أنه المزمار، قاله جابر. الرابع: الغناء. {وتركوك قائماً} يعني في خطبته، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : والذي نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لا يبقى معي أحد لسال الوادي بكم ناراً، تفسير : وإنما قال تعالى: {انفضوا إليها} ولم يقل إليهما، لأن غالب انفضاضهم كان للتجارة دون اللهو. وقال الأخفش: في الكلام تقدير وتأخير، وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً، وكذلك قرأ ابن مسعود. وفي {انفضوا} وجهان: أحدهما: ذهبوا. الثاني: تفرقوا. فمن جعل معناه ذهبوا أراد التجارة، ومن جعل معناه تفرقوا أراد عن الخطبة وهذا أفصح الوجهين، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: شعر : انفض جمعهم عن كل نائرة تبقى وتدنس عرض الواجم الشبم تفسير : {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} يحتمل وجهين: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمت لكم خير مما أصبتموه انفضاضكم من لهوكم وتجارتكم. {والله خير الرازقين} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله سبحانه خير من رَزَق وأعطى. الثاني: ورزق الله خير الأرزاق.

ابن عبد السلام

تفسير : {تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} قَدِمَ دِحْيَة بعير عند مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع ما يحتاجون إليه من برود ودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت وضرب بطبل ليؤذن بقدومه فانفضوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الخطبة فلم يبق معه إلا ثمانية أو اثنا عشر فقال: "حديث : والذي نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لم يبق معي منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً ". تفسير : {لَهْواً} لعباً "ع" أو الطبل أو المزمار أو الغناء {قَآئِماً} في الخطبة {إِلَيْهَا} لأن غالب انفضاضهم كان إلى التجارة دون اللهو فاقتصر على ذكرها أو تقديره تجارة انفضوا إليها أو لهواً. {انفَضُّواْ} ذهبوا أو تفرقوا.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا} « حديث : رُوي أنَّ أهلَ المدينةِ أصابَهُم جوعٌ وغلاءٌ شديدٌ فقدمَ دِحْيةُ بنُ خَلِيفةَ بتجارةٍ منْ زَيْتِ الشامِ والنبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يخطبُ يومَ الجمعةِ فقامُوا إليهِ خشيةَ أنْ يُسْبقُوا إليهِ فما بقيَ معَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلا ثمانيةٌ وقيلَ أحدَ عشرَ وقيلَ اثنا عشرَ وقيلَ أربعونُ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "والَّذي نفسُ محمدٍ بـيدِهِ لَوْ خرجُوا جميعاً لأضرمَ الله عليهِم الواديَ ناراً» تفسير : وكانُوا إذَا أقبلتْ العيرُ استقبلُوها بالطبلِ والتصفيقِ وهُو المرادُ باللهوِ وتخصيصُ التجارةِ برجعِ الضميرِ لأنَّها المقصودةُ أوْ لأنَّ الانفضاضَ للتجارةِ معَ الحاجةِ إليهَا والانتفاعِ بهَا إذا كانَ مذموماً فمَا ظنُّكَ بالانفضاضِ بالكُلِّيةِ إلَى اللَّهوِ وهُو مذمومٌ في نفسهِ، وقيلَ تقديرُهُ إذَا رأَوا تجارةً انفضُّوا إليها أو لهواً انفضوا إليهِ فحذفَ الثانيَ لدلالةِ الأولِ عليهِ وقُرىءَ إليهِمَا {وَتَرَكُوكَ قَائِماً} أيْ عَلى المنبرِ {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ} منَ الثوابِ {خَيْرٌ مّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتّجَـٰرَةِ} فإنَّ ذلكَ نفعٌ محققٌ مخلَّدٌ بخلافِ ما فيهِمَا منَ النَّفعِ المتوهَّمِ {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ} فإليهِ اسعَوا ومنْهُ اطلبُوا الرزقَ. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قرأَ سُورةَ الجُمعةِ أُعطِيَ منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ مَنْ أتَى الجمعةَ ومَنْ لَم يأتِهَا في أمصارِ المسلمينَ".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}[11] قال: من شغله عن ربه شيء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خسّة طبعه ونذالة همته، لأن الله قد فتح له الطريق، وأذن له في مناجاته، فاشتغل بما يفنى، ولم يكن عالماً بمن لم يزل، ولا يزال. قوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ}[11] قال: يعني ما ادخر لكم في الآخرة من جزيل العطايا واللذة الباقية، خير مما أعطاكم من الدنيا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا...} [الآية: 11]. قال سهل: من شغله عن ربه شىء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خمسة نفسه وطبعه ونذالته لأن الله فتح له الطريق إليه وأذن له مناجاته وقد اشتغل بما يفنى عما لم يزل ولا يزال. قوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} [الآية: 11]. قال سهل: ما أُخِّر لكم فى الآخرة خير مما أعطيكم فى الدنيا.

القشيري

تفسير : مَنْ أسَرَتْهُ أخطارُ الأشياء استجاب لكلِّ داعٍ جَرَّه إليه لَهْوٌ أو حَمَلَه عليه سهوٌ ومَنْ مَلَكَه سلطانُ الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} وما عند الله للعُبَّاد والزُّهَّاد - غداً - خيرٌ مما نالوه في الدنيا نقداً. وما عند الله للعارفين - نقداً - من واردات القلوب وبواده الحقيقية خيرٌ مما يُؤمِّل المستأنفِ في الدنيا والعُقْبى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} اخبر الله سبحانه انهم فى اوائل ارادتهم اذا لم يبلغوا الى حد الاستقامة فى الصحبة شغلهم حوائج النفوس عن صحبة النبى صلى الله عليه وسلم فعاتبهم الله بذلك وامره بان يخبرهم ان ما عند الله من مشاهدته ولقائه ولذة خطابه ومناجاته خير من جميع الحظوظ بقوله {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} وفيه تاديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشائخ بخلواتهم وعباداتهم لطلب الكرامات ولم يعلموا ان ما يجدون فى خلواتهم بالاضافة الى ما يجدون فى صحبة مشايخهم لهو قال سهل من شغله عن ربه شئ من الدنيا والأخرة فقد اخبر عن خسة طبعة ورذالة همته لان الله فتح له الطريق اليه واذن له فى مناجاته فاشتغل بما ينفى عما لم يزل ولا يزال وقال ايضا ما ادخر لكم فى الأخرة خير ما اعطاكم فى الدنيا قال الاستاذ ما عند الله للعبادة والزهاد عنا خيرهما نالوه من الدنيا نقدا وما عند الله للعارفين نقدا من واردات القلوب وبواده الحقيقة خير مما يؤمل فى المستانف فى الدنيا والعقبى.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا رأوا} اى علموا {تجارة} هى تجارة دحية بن خليفة الكلبى {او} سمعوا {لهوا} هو مايشغل الانسان عما يعنيه ويهمه يقال ألهى عن كذا اذا اشغله عما هو أهم والمراد هنا صوت الطبل ويقال له اللهو الغليظ وكان دحية اذا قدم ضرب الطبل ليعلم به (قال الكاشفى) وكاروان جون رسيدى طبل شادى زدندى، كما يرمى اصحاب السفينة فى زماننا البنادق وما يقال له بالتركى، طوب، او كانوا اذا اقبلت العير استقبلوها اى اهلها بالطبول والدفوف والتصفيق وهو المراد باللهو {انفظوا اليها} الفض كسر الشىء وتفريق بين بعضه وبعض كفض ختم الكتاب ومنه استعير انفض القوم اى تفرقوا وانتشروا كما فى تاج المصادر الانفضاض شكسته شدن وبرا كنده شدن، وحد الضمير لان العطف بأولا يثنى معه الضمير وكان المناسب ارجاعه الى احد الشيئين من غير تعيين الى ان تخصيص التجارة برد الكناية اليها لانها المقصودة وللدلالة على ان الانفضاض اليها مع الحاجة اليها والانتفاع بها اذا كان مذموما فما ظنك بالانفضاض الى اللهو وهو مذموم فى نفسه ويجوز أن يكون الترديد للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته فاذا كان الطبل من اللهو وان كان غليظا فما ظنك بالمزمار ونحو وقد يقال الضمير للرؤية المدلول عليها بقوله رأوا وقرىء اليهما على ان او للتقسيم (روى) ان دحية بن خليفة الكلبى قدم المدينة بتجارة من الشام كان ذلك قبل اسلامه وكان بالمدينة مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع مايحتاج اليه من بر ودقيق وزيت وغيرها والنبى عليه السلام يخطب يوم الجمعة فلما علم اهل المسجد ذلك قاموا اليه خشية أن يسبقوا اليه يعنى تابيشى كيرند از يكديكر بخريدن طعام، فما بقى معه عليه السلام الا ثمانية او احد عشر او اثنا عشر او اربعون فيهم ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وعبدالرحمن بن عوف وابو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وبلال وعبد الله بن مسعود وفى رواية عمار بن ياسر بدل عبد الله وذكر مسلم ان جابرا كان فيه وكان منهم ايضا امرأة فقال عليه السلام "حديث : والذى نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لاضرم الله عليهم الوادى نارا"تفسير : وفى المعانى لولا الباقون لنزل عليهم الحجارة {وتركوك} حال كونك {قائما} اى على المنبر (روى) عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه قال كان النبى عليه السلام يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس ومن ثمة كانت السنة فى الخطبة وفيه اشعار بأن الاحسن فى الوعظ على المنبر يوم الجمعة القيام وان جاز القعود لانه والخطبة من واد واحد لاشتماله على الحمد والثناء والتصلية والنصيحة والدعاء قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ان الخطبة عبارة عن ذكر الله والموعظة للناس وكان عليه السلام مستمرا فى ذكر الله تعالى ثم لما أراد التنزل لارشاد الناس بالموعظة جلس جلسة خفيفة غايته ان ماذكره الفقهاء من معنى الاستراحة لازم لما ذكرنا وكان عليه السلام يكتفى فى الاوائل بخطبة واحدة من غير أن يجلس اما لانه لعظم قدره كان يجمع بين الوصال والفرقة او لان افعاله كانت على وفق الوحى ومقتضى امر الله فيجوز أن لايكون مأمورا بالجلسة فى الأوآئل ثم صار على قياس النسخ وايضا وجه عدم جلوسه عليه السلام فى الخطبة فى بعض الاوقات هو انه عليه السلام كان يرشد اهل الملكوت كما يرشد اهل الملك فمتى كان ارشاده فى الملكوت لا يتنزل ولايجلس ومتى كان فى الملك بأن لم يكن فى مجلس الخطبة من هو من اهل الملكوت يتنزل ويجلس مجلس الملك فان معاشر الانبياء يكلمون الخلق على قدر عقولهم ومراتبهم وكان عليه السلام متى أراد الانتقال من ارشاد اهل الملك الى ارشاد اهل الملكوت يقول "حديث : أرحنى يابلال"تفسير : ومتى أراد التنزل من ارشاد اهل الملكوت الى ارشاد اهل الملك يقول لعائشة رضى الله عنها "حديث : كلمينى ياحميرآء"تفسير : اعلم انه كان من فضل الاصحاب رضى الله عنهم وشأنهم أن لايفعلوا مثل ماذكر من التفرق من مجلس النبى عليه السلام وتركه قائما فذكر بعضهم وهو مقاتل بن حيان ان الخطبة يوم الجمعة كانت بعد الصلاة مثل العيدين فظنوا انهم قد قضوا ما كان عليهم وليس فى ترك الخطبة شىء فحولت الخطبة بعد ذلك فكانت قبل الصلاة كان لايخرج واحد لرعاف او احداث بعد النهى حتى يستأذن النبى عليه السلام يشير اليه بأصبعه التى تلى الابهام فيأذن له النبى عليه السلام يشير اليه بيده قال الامام السهيلى رحمه الله وهذا الحديث الذى من اجله ترخصوا لانفسهم فى ترك سماع الخطبة وان لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب رسول الله عليه السلام موجب لانه كان صحيحا. يقول الفقير هب انهم ظنوا انهم قد قضوا ما كان عليهم من فرض الصلاة فكيف يليق بهم أن يتركوا مجلس النبى عليه السلام ومن شانهم أن يستمعوا ولم يتحركوا كأن على رؤسهم الطير ولعل ذلك من قبيل سائر الهفوات التى تضمنت المصالح والحكم الجليلة ولو لم يكن الا كونه سببا لنزول هذه الآية التى هى خير من الدنيا وما فيها لكفى وفيها من الارشاد الالهى لعباده مالا يخفى {قل ماعند الله} من الثواب يعنى ثواب نماز واستماع خطبه ولزوم مجلس حضرت بيغمبر عليه السلام وما موصولة خاطبهم الله بواسطة النبى عليه السلام لان الخطاب مشوب بالعتاب {خير} بهتراست وسودمندتر {من اللهو} از استماع لهو {ومن التجارة} واز نفع تجارت فان نفع ذلك محقق مخلد بخلاف مافيهما من النفع المتوهم فنفع اللهو ليس بمحقق ونفع التجارة ليس بمخلد وما ليس بمخلد فمن قبيل الظن الزآئل ومنه يعلم وجه تقديم اللهو فان للاعدام تقدسا على الملكات قال البقلى وفيه تأديب المريدين حيث اشتغلوا عن صحبة المشايخ بخلواتهم وعباداتهم لطلب الكرامات ولم يعلموا ان مايجدون فى خلواتهم بالاضافة الى مايجدون فى صحبة مشايخهم لهو قال سهل رحمه الله من شغله عن ربه شىء من الدنيا والآخرة فقد اخبر عن خسة طبعه ورذالة همته لان الله فتح له الطريق اليه واذن له فى مناجاته فاشتغل بما يفنى عما لم يزل ولا يزال وقال بعضهم ما عند الله للعباد والزهاد غدا خير مما نالوه من الدنيا نقدا وما عند الله للعارفين نقدا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة خير مما فى الدنيا والعقبى {والله خير الرازقين} لانه موجد الارزاق فاليه اسعوا ومنه اطلبوا الرزق (قال الكشافى) وخداى تعالى بهترين روزى دهند كانست يعنى آنانكه وسائط ايصال رزقند وقت باشدكه بخيلى كنند وشايد نيز مصلحت وقت نداننت نقلست كه بكى ازخلفاى بعداد بهلول را كفت بياتا روزى هرروز تو مقرر كنم تاوقت متعلق بدان نباشد بهلول جواب دادكه جنين ميكردم اكر جند عيب نبودى اول آنكه توندانند كه مراجه بايد دوم نشناسى كه مراكى بايد سوم معلوم ندارى كه مرا جند بايد وحق تعالى كافل رزق منست اين همه ميداند وازروى حكمت بمن ميرساند وديكر شايد كه برمن غضب كنى وآن وظيفه ازمن باز كيرى وحق سبحانه وتعالى بكناه ازمن روزى باز نميدارد شعر : خدايى كه اوساخت ازنيست هست بعصيان در رزق بكرس نيست از وخواه روزى كه بخشنده اوست بر آرنده كارهر بنده اوست تفسير : وقيل لبعضهم من اين تأكل فقال من خزانة ملك لايدخلها اللصوص ولا يأكلها السوس وقال حاتم الاصم قدس سره لامرأته انى أريد السفر فكم اضع لك من النفقة قالت بقدر ماتعلم انى اعيش بعد سفرك فقال وماندرى كم نعيش قالت فكله الى من يعلم ذلك فلما سافر حاتم دخل النساء عليها يتوجعن لها من كونه سافر وتركها بلا نفقة فقالت انه كان اكالا ولم يكن رزاقا قال بعضهم قوله تعالى {خير من اللهو} وقوله {خير الرازقين} من قبيل الفرض والتقدير اذ لاخيريه فى اللهو ولا رازق غير الله فكان المعنى ان وجد فى اللهو خير فماعند الله اشد خيرية منه وان وجد رازقون غير الله فالله خيرهم واقواهم قوة اولاهم عطية والرزق هو المنتفع به مباحا كان او محظورا. وفى التأويلات النجمية {والله خير الرازقين} لاحاطته على رزق النفس وهو الطاعة والعبادة بمقتضى العلم الشرعى ورزق القلب وهو المراقبة المواظبة على الاعمال القلبية من الزهد والورع والتوكل والتسليم والرضى والبسط والقبض والانس والهيبة ورزق الروح بالتجليات والتنزلات والمشاهدات والمعاينات ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية ورزق الخفاء بالفناء فى الله والبقاء به وهو خير رزق فهو خير الرازقين (وفى المثنوى) شعر : هرجه ازيارت جدا اندازد آن مشنو آنرا كه زيان دارد زيان كربود آن سود صد در صد مكير بهر زرمكسل زكنجور اى فقير آن شنوكه جند يزدان زجر كرد كفت اصحاب نبى را كرم وسرد زانكه دربانك دهل درسال تنك جمعه را كردند باطل بى درنك تانبايد ديكران ارزان خرند زان سبب صرفه زما ايشان برند ماند بيغمبر بخلوت درنماز بادوسه درويش ثابت برنياز كفت طبل ولهو وبازركانى جو نتان ببريد از ربانى قد فضضتم نحو قمح هائما ثم خليتم نبيا قائما بهر كندم تخم باطل كاشتند وآن رسول حق را بكذا شتند صحبت او خير من لهواست ومال بين كرا بكذاشتى جشمى بمال خودنشد حرص شمارا اين يقين كه منم رزاق وخير الرزاقين آنكه كندم راز خودروزى دهد كى توكلهات را ضايع كند ازبى كندم جدا كشتى ازان كه فرستادست كندم زآسمان تفسير : وفى الاحياء يستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة اللهم ياغنى ياحميد يامبدى يا معيد يارحيم ياودود أغننى بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك فيقال من داوم على هذا الدعاء اغناه الله تعالى عن خلقه ورزقه من حيث لايحتسب وفى الحديث "حديث : من قال يوم الجمعة اللهم اغننى بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله"تفسير : رواه انس بن مالك رضى الله عنه تمت سورة الجمعة فى ثانى صفر الخير يوم الخميس من سنة ست عشرة ومائة وألفbr>

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وفيه إشراقات: الإشراق الأوّل فيما قيل في معنى الآية قالوا: أخبر الله عن جماعة عادلين قابَلوا أكرم الكرمَ بألومَ اللوم، وباعوا أنفس النَفيس بأخَسّ الخسيس، فقال: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} - أي إذا عاينوا ذلك، أو علموا بعلامة وهي الطبل - عن مجاهد، - أو المزامير - عن جابر -. {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} - أي تفرّقوا عنك خارجين إليها. وعن الفرّاء: مالوا إليها. والضمير للتجارة، وإنّما خصّت بإرجاع الضمير إليها لأنها كانت أهمّ إليهم وهم بها أسرّ وأفرَح من الطبل، لأنّ الطبل إنّما دلَّ على التجارة. وقيل: عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاءً به، وكأنّه على حذف، والمعنى: وإذا رأوا تجارة انفضُّوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضّوا إليه، فحذف "إليه" لأنّ "إليها" دالٌّ عليه. وروي أنّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دِحْية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلاّ يسير، قيل: ثمانية - عن الكلبي -، وقيل: أحد عشر - عن ابن كيسان -، وقيل: إثنا عشر - حديث : عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلت عير ونحن نُصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة، فانفضَّ الناسُ إليها، فما بقي غير إثنا عشر رجلاً أنا فيهم. وقيل: أربعون، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفس محّمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً . تفسير : وكانوا إذا أقلبت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو، فعلى هذا تعيّن إرجاع الضمير إلى التجارة لأنّها كانت مقصودهم الأصلي، وكان الطبل طريق اطّلاعهم عليها. وعن قتادة ومقاتل: فعَلوا ذلك ثلاث مرّات في كلّ يوم لعير تقدم من الشام، وكلّ ذلك وافَق يوم الجمعة. حديث : وقال المقاتلان: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة، إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، ثمّ أحدُ بني الخزرج، ثمّ أحَدُ بين زيد بن مناة بتجارة من الشام، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة إلاَّ آتيه، وكان يقدم إذا قدم بكلّ ما يحتاج إليه من دقيق أو بُرٍّ أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت - وهو مكان في سوق المدينة -، ثمّ يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلاّ اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، وأنزل الله هذه الآية . تفسير : وروي عن أبي عبد الله (ع) إنّه قال: انصرفوا إليها وتركوه قائما يخطب على المنبر. وقال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب إلاّ وهو قائم فمن حدّثك أنّه خطب وهو جالس، فكذّبه. وسُئل عبد الله بن مسعود: أكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب قائماً؟ فقال: أما تقرأ وتركوك قائماً؟ وقيل: أراد قائماً في الصلاة. الإشراق الثاني إيمان الأكثرين عادة وتقليد اعلم أنّ الغالب على الخلق حبّ التلذّذ بالدنيا، والتمتّع بطيّباتها التي هي خبائث العالَم الأعلى، لأنّ التجسّم غالب على طباع الناس إلاّ الأقلّين، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العصر:2 - 3]. وقلّ من الإنسان من آمن بوجود المبدأ والمعاد إيماناً حقيقيّاً، وصّدق بالله واليوم الآخر إذعاناً يقينيّا، وأكثر الذين يدّعون الإيمان لهذه الأركان إذا فتّشت عن إيمانه يكون مرجعه إمّا القول باللسان فقط، وإمّا هو مع التقليد المحض للمشايخ والآباء من غير برهان ولا حجّة إقناعيّة، كالعميان، وامّا التعصّب لمذهب نشأ فيه مع الأصحاب والرفقاء والخلاّن، وإلْف وعاده حصلا لَهُ بسبب المعاشرة مع المسلمين، أو التشبّه بأهل العلم واليقين بصور أعمالهم وألفاظهم الدائرة على ألستنهم، من القول بوجود الإله المَلك، والنبي والإمام، والكتاب والوحي والقبر والبعث، والحشر والنشر للصحائف، والتطاير للكتب، أو مجرّد الظنّ والتخيّل لهذه المسموعات على سبيل التجويز العقلي، من غير وصول إلى حقيقة الأمر، أو حصول طمأنينة قلبية توجد للنفوس السليمة عن الأمراض الباطنية، كما للسعداء من أصحاب اليمين. وشيء من تلك الأمور لا يؤثر في قلب الإنسان اثراً يوجب انتزاع نفسه عن الدنيا، وحسم مادّة الميل إلى شهواتها، بحيث ينزجر بلا زاجر خارجي، ويرتدع من غير رادع يجبره بحكومة عرفيّة أو شرعيّة، فمتى وقعت مسامحة أو توهّمت من طرفهما، أو انبعث داع مجدّد يحرّك سلسلة الحرص والهوى، فيرجع مسرعاً إلى ما اقتضته طبيعته وآدميته، وينقلب إلى ما يميل إليه ذوقه وهواه، كالحجر المستكنّ في الهواء قسراً إذا خلّي وطبعه يميل إلى أسفل السافلين، وأمّا المؤمن الحقيقي العارف بالحقّ، المصدّق لما أتى به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشاهدة لليوم الآخر كشفاً، والموقن بأنّ الآخرة خير له من الأولى، فهو في غاية الندور، وقد وقع التصريح به في كثير من الآيات القرآنيّة بأنّ أكثر المتّسمين بالمؤمنين كافرون ضميراً وقلباً، منافقون بالله ورسوله، مثل قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [السناء:136] وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف:106]. وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103] وقوله: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [يس:30] وقوله تعالى: {أية : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [النحل:83]. وقوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف:105]. الإشراق الثالث النور الفائض على القلب اعلم أنّ كلام الرسول الخارجي لا يسمعه مَن لم يكن له في الباطن رسول قلبي بوارد من واردات الحقّ سحبانه، ويكون القلب به حيّاً كما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل:80] وقال: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} تفسير : [يس:70]. فالقلب الحي بنور وارد الحق، يسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله، فسرّ القلب الذي هو قابل لفيض نور وارد الحقّ يكون الرسول بين الحقّ والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحِكَم والمواعظ من نور وارد الحقّ، ويبلّغها إلى قواه الداخلة والخارجة، وسائر الأمّة المسلمة من الأوصاف والأخلاق الحسنة. كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : واعظ في قلب كلّ مؤمن . تفسير : وقال بعضهم: حدّثني قلبي عن ربّي. وتحقيق ذلك: أنّ كلّ إنسان يلاقي الأمور الغيبيّة والشهاديّة بما في نفسه وطبعه، بل كلّ قوّة تدرك وتنال شيئاً إنّما تدركه وتناله بما في ذاتها، فالبصر مثلا إنّما يدرك الأضواء والألوان لأنّه من جنسها، لكونه شفّافاً نورانيّا، والسمع يدرك كيفيّة تموّج الهواء الحاصل من المقروع والمقلوع، لأنّ من شأنه أن ينقرع وينقلع حامله بتموّج ما يجاوره من الهواء الراكد، وكذا القوّة الشميّة القائمة بعصب اللسان، تنفعل بالمذيقات بسبب تكيّف آلتها التي هي رطوبة لعابيّة بكيفيّة المطعومات، ونسبة تلك الرطوبة إلى كيفيّة الطعوم كنسبة الجرم الشفّاف إلى كيفيّة الضوء واللون، وهكذا قياس سائر الحواس الظاهرة والباطنة. فالوهم يدرك الموهومات، والعقل الذي هو جوهر مفارق يدرك الحقائق المجرّدة عن الغواشي الماديّات، فالإنسان بكلّ قوّة وبكلّ نشأة يكون له وفيه حصّة منها يدرك ما في تلك النشأة من الأمور الغريبة. ولهذا قال بعض الحكماء: العقل نور الله، ولا يهتدي إلى النور إلاّ النور، ولا تظهر صورة فرادنيّة إلاّ في مرآة فردانيّة، والنفس مرآة العقل، ومرآة العقل لا تشبه مرآة الأجسام، ومرآة الله لا تشبه مرآة غير الله - انتهى. وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. فإذا علمت ما ذكرناه -، فاعلم أنّ من جملة القوى المودعة من أمر الله العالَم الإنساني، هو نور فائض من الله على قلب المؤمن المجاهد في سبيل الله، وهو إنّما يجيء إليه من عالَم الملكوت، ويقذف في قلبه بعد استكماله بمراتب الحسّ والخيال والوهم والعقل بالعلوم الرسميّة والآداب الشرعية، وطور ذلك النور فوق أطوار سائر المدارك والمشاعر والعقول الجمهوريّة، وهو من أنوار النبوّة والولاية. فبذلك النور يقبل الأحكام النبويّة، ويفهم الأسرار الإلهية، وينال الحظّ الوافر من العلوم الربّانيّة، فيتبع الرسول الخارجي والمبلغ العيني بالرسول الداخلي والمبلغ الغيبي، فالبرسل يدرك الرسول، وبالنور ينال النور، كما أنّ بالعقل يعقل العقل والمعقول، وبالحسّ يحسّ الحسّ والمحسوس، فمن لا يكون له وارد من الحقّ، ولا نصيب من نوره، لا يفهم لسان النبي الوارد من الحقّ إلى الخلق، ولا يدرك النور الذي معه، والكتاب الذي أنزل إليه، {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. وهكذا حال أكثر الناس {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس:36]. ولذلك لم يبق مع الرسول من العدد الكثير لأصحابه في ألطف وقت من أوقات صحبته، وأنور ساعة من ساعات خدمته معدّة لمرافقتهم إيّاه، وصحبتهم. له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعروجهم معه إلى العالَم الأعلى، وهو وقت ذكر الله، والصلاة التي هي معراج المؤمن، وعمود الدين، ومناجاة العبد للربّ، فخلّوه وتركوه قائماً إيثاراً لهذا الخسيس الدنيّ على الشريف العليّ. نظير ذلك ما وقع لهم في ترك النجوى مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أوجبت عليهم الآية صدقة يسيرة - حبّة أو شعيرة -، ففوّتوا ذلك الأمر العظيم بإمساك هذا التراب الرميم، لما روي أنّهم أكثروا مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يريدون، حتّى آلموه وأبرموه، فنزلت: {أية : أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}تفسير : [المجادلة:13]. وأمروا بأنّ من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة. حديث : وعن أمير المؤمنين (ع): لمّا نزلت، دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كَم؟ قالت: حبّة أو شعيرة. قال: إنّك لزهيد. فلمّا رأوا ذلك اشتدّ عليهم فارتدعوا وكفّوا عن النجوى حتّى نسخت . تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي. كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم . تفسير : فانظر في هذه الحكاية بنظر التأمّل، حتّى تعلم أنّ أهل المودّة الأخرويّة في غاية القلّة والندرة بالنسبة إلى أهل المودّة الدنيويّة، وأنّ عدد طالبي الحقّ بالنسبة إلى طالبي الهوى كعدد الشعرة البيضاء في جلد البقرة السوداء. في قوله سبحانه: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وفيه إشراقات: الإشراق الأوّل إجمال معنى الآية {قُلْ} - يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) - لهذه النفوس المحجوبة عن عالم الربوبيّة وما يليه من سكّان عالم الجبروت والملكوت، وهي مبادي الصوَر الفائضة على موادّ هذا العالم بعد نزولها ومرورها على المراتب، وينابيع اللذات والخيرات النازلة منها على قوابل الأجساد وطبائع الأجرام، بعد تكدّرها بالشوائب، ومفاتيح خزائن النعمة والرحمة والايمان، وأبواب الوصول إلى الجنّة والرضوان: إنّ ما عند الله أحمد عاقبة وثواباً، وأجلّ مرجعاً ومآباً من اللهو والتجارة، وهما هوسان زائلان، والله خير الرازقين يرزقكم من حيث لا تحتسبون، وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة - وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلاَّ عَلَى الله رزْفهَا -، فمن ابتغى زاد الآخرة كان له نعمة الدنيا والآخرة، ومن ابتغى تحصيل الدنيا حرم عن الآخرة. قال الله تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [النساء:134] -الآية -. أي: من كان دنيّ الهمّة قصير النظر خسيس الطلب حتّى يطلب من الله الدنيا الدنيّة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، فللإنسان أن يطلب منه ما هو أعظم من الدنيا، فإنّ الله من سعة كرمه وبسطة جوده، وفيض وجوده الذي هو ينبوع ينابيع الخير والرحمة، ومفتاح مفاتيح الجود والنعمة، يحبّ أن يسأل العبد منه عوالي الأمور، ومعالى الأشياء، ويبغض أن يطلب منه دنيّاتها وسفسافها، فلا يرضى أن يقتنع منه بالدنيا لأنّها دنيّة، بل لا شيء لأنّ وجودها وجود تبعي ظلّي، وعند الله ثواب الدنيا والآخرة، لأنّ إحداهما من أشعّة ذاته وأضواء جماله وجلاله، والأخرى من ظلال أنوار كماله، فمن تكون منزلته عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فقد وجد الله ووجد ما عنده من الدنيا والآخرة، وكان الله عطوفا رحيماً على عباده، سميعاً لحاجات طالبيه ومناجاة مشتاقيه، بصيراً بمصالح دينهم ودنياهم، فلكمال رأفته ورحمته، أمرهم بالرجوع إليه في الأمور، ونهاهم عن الانكباب إلى عالم الدثور، والانخراط في سلك أصحاب القبور. الاشراق الثاني أقسام الرزق ومستحقيه إعلم أنّ للإنسان أرزاقاً مختلفة سوى رزق المعدة، وهي رزق القلب ورزق الروح، ورزق السرّ، وكلّ إنسان في هذا العالم يستحقّ بجسميّته رزق القالب، لأنّ هذا أدنى درجات الحيوان - بما هو حيوان -، والإنسان بحصّة حيوانيّته يكون من أهل استحقق الجحيم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم:71]. لأنّ معدة الإنسان تنور، وجاءت حرارته من فوح نار جهنّم التي قيل لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. وهي التي وَقُودُهَا النَاس والحجَارَة أعدَّت للِكافرين المجرمين. ولبعض الناس رزق القلب - {أية : وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً}تفسير : [النحل:75] والى هذين الرزقين أشير بقوله: {أية : يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل:64]. ولقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة:66]. وأمّا رزق الروح فلقوله تعالى: {أية : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه:131]. وأمّا رزق السرّ فكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أبيتُ عند ربّي يطعمني ويسقيني ". تفسير : فقوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} -، يحتمل الجميع، فإنّ الرزاق الحقيقي في كلّ رزق إنّما هو ذاته، وأمّا في القسم الأخير فدرك معناه يحتاج إلى لطف قريحة - فافهم -. الإشراق الثالث الرزق المخصوص بالإنسان إعلم أنّ الرزق والنعمة وما يجري مجراهما وقد يعبّر بها عن كلّ مطلوب ومستلذّ، والمطالب والمستلذّات للإنسان على ثلاثة أجناس، لأنّها إمّا عقليّة، وإمّا نفسيّة وإمّا بدنيّة والأول: كلذّة العلم والحكمة، والثاني: كلذّة الجاه والسلطان، والثالث كلذّة الأكل والمجامعة. وفي الأخيرين يقع الإشتراك بينه وبين سائر الحيوانات. وأمّا المطالب العقليّة، فهي أقلّها وجوداً وأشرفها رتبة، أمّا قلّتها فلأنّ المعرفة لا يتسلذّها إلاّ العلماء، والحكمة لا ينالها إلاّ الحكماء، وما أقلّ أصحاب العلم والحكمة، وما أكثر المتسمِّين بإسمهم والمترسّمين برسمهم، وأمّا شرفها، فلأنّها لذّة لا تزول أبداً - لا في الدنيا ولا في الآخرة -، ودائمة لا تملّ، والطعام والشراب يشبع منه، وشهوة الوقاع تفرغ وتستثقل، ومن قدر على الشريف الباقى أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني أقرب الآماد، فهو سفيه في عقله، محروم بشقاوته وإدباره. ثمّ العلم لذيذ ونافع وجميل في كلّ حال، والمال والأولاد تارة تجذب إلى الهلاك، وتارة تجذب إلى النجاة، ولهذا قال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن:15]. وأمّا قصور أكثر الخلق عن إدراك لذّة العلم، فإمّا لعدم الوجدان والذوق، فمن لم يعرف لم يذق، ومن لم يذق لم يشتق، إذ الشوق تابع للذوق. وإمّا لفساد فطرتهم الأصليّة، ومرض قلوبهم بسبب اتّباع الشهوات، كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرّا، وإمّا لقصور فطرتهم، إذ لم يخلق بَعْدُ لهم الغريزة التي بها يُستلذّ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذّة الطعوم اللذيذة إلاّ اللبن. فالقاصر عن لذّة المعرفة والحكمة ثلاثة: إمّا من لم يحي باطنه، كالجنين بل كالمني، وإمّا من مات بعد الحياة باتّباع الشهوات، وإمّا من مرض بسبب الصفات المكتسبة مثل العصبيّة والعناد واللجاج والعُجب وسوء الظنّ والتكبّر وحبّ الرياسة. وقوله تعالى:{أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} تفسير : [البقرة:10]. إشارة إلى مرض القلب ولذا قال: {أية : فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [البقرة:10]، لأنّ مرض القلب ممّا يشتدّ يماً فيوماً، ويرسخ حتّى يؤدّي إلى الهلاك السرمدي والعذاب الأبدي، وقوله تعالى: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس:70] إشارة إلى من لم تمت حياته الباطنيّة، وكلّ حيّ بالبدن ميّت القلب فهو عند الله من الموتى، وإن كان عند أهل الحجاب من الأحياء، وكذا كلّ ميّت بالبدن حيّ بالقلب فهو من الأحياء، لأنّ العبرة في عالم الحقيقة بالقلب لا بالقالب، ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربّهم يُرزقون بالأرزاق المعنويّة، فرحين بما آتيهم الله من فضله - وهي اللذّات العقليّة - وإن كانوا موتى بالأبدان. وأمّا اللذّة التي يشارك الإنسان بها بعض الحيوانات، فهي كلذّة الغلبة والاستيلاء والرياسة، أو كلّها، فهي كلذة البطن والفرج، فإنّ الأولى موجودة في الأسد والنمر وأشباهها، والثانية موجودة في سائر الحيوانات، فهذه أكثرها وجوداً وأخسّها رتبة، ولذلك اشترك فيها كلّ ما دبّ على الأرض ودرج حتّى الديدان والحشرات. ومن جاوز هذه الرتبة تستثبت فيه لذّة الغلبة وهي أشدّها التصاقاً بالمتعاقلين. فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالث، فصارت أغلب اللذات عليه لذّة العلم والحكمة، ولا سيّما معرفة الحقّ الأوّل، ومعرفة صفاته وأفعاله من الجواهر الملكيّة والفلكيّة، والنفوس الأرضيّة وما بعدها، من جهة مباديها وغاياتها وهذه رتبة الصدّيقين، وهي المسمّاة عند الحكماء والعرفاء بالخير الحقيقي، وباقي الخيرات خيرات بالاضافة. وإلى الخير الحقيقي أشار بقوله تعالى: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} تفسير : [آل عمران:198] وإلى الخير الإضافي أشار بقوله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ}، لما بينا ان عند الله يوجد كلّ نعمة ورزق دنيوي وأخروي، لأنّ الجميع ظلال أنواره ورشحات بحاره. الاشراق الرابع معرفة الله أجلّ اللذّات إعلم أنّ دعوى كون ما عند الله خيراً من اللهو الذي هو لذّة القوّة الحسيّة وشهوة النفس البهيميّة، ومن التجارة التي هي لذّة القوّة الخياليّة والنفس السبعيّة، إذ بها يحصل الجاه والحشمة ممّا يشكل إثباته على أكثر الناس لغلبة التجسّم عليهم، وكثافة الحجاب فيهم، فإنّ كون معرفة الله وصفاته، ومعرفة ملكوت سماواته وأسرار ملكه، أعظم من لذّة الرياسة وسائر المرغوبات، ممّا يختصّ دركه بمن نال رتبة المعرفة وذاق مشرب الحكمة، ولا يمكن إثباته على من لا قلب له، لأنّ القلب معدن هذه القوّة، كما لا يمكن إثبات لذّة الرياسة ورجحانها على لذّة الوقاع عند الأداني والسفهاء ولا إثبات لذّة الوقاع على لذّة اللعب بالكرة والصولجان عند الصبيان، ولا إثبات لذّة الروائح عند فاقد الشامّة، كالجُعل، أو مريضها، كالمزكوم، لفقدهم القوّة التي بها تُدرك هذه اللذّة أو سلامتها. ولكن من كان ذا ذائقة، وسلمت ذائقته عن الأمراض والآفات، فيدرك - لا محالة - ما يناسبه من اللَّذّات، وعند هذا ينبغي أن يقال لفاقد تلك الغريزة الباطنيّة: "إنّ من ذاق عرف". وممّا ينبهك أنّ معرفة الله ألذّ الأشياء، أنّ طلابّ العلوم - وإن لم يشتغلوا بطلب المعارف الإلهيّة واللطائف الربوبيّة -، قد استنشقوا رائحة من روائح هذه اللذّة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوي حرصهم على طلب العلوم التي يطلبونها فإنّها أيضاً معارف وعلوم، وإن كانت معلوماتها غير شريفة، لأنّ كلّ علم هو حضور صورة مجرّدة عن مادّتها عند الذهن، والصورة المجرّدة أصفى وألذّ من الصورة الماديّة. فإذا كانت هذه هكذا، فما ظنّك بلذّة مَن طال فكره في الملكوت حتّى انتهى إلى معرفة الله، وقد انشكف له شيء من أسرار ملك الله وملكوته؟ أو لم يصادف في قلبه عند حصول ذلك طرباً عقليّاً وفرَحاً قدسيّاً ما يكاد يترك به عالَم الأجسام كلّها ويطير إلى عالم القدس، نعم، يوجد من يصادف ذلك في كثير من أوقاته، ويتعجّب من نفسه في ثباته واحتماله لقوّة طربه وسروره، وهذا ممّا لا يدرك إلاّ بالذوق، والحكاية قليلة الجدوى فيه. الإشراق الخامس حب التفرّد عن الخلق لذّة معرفة الله والنظر إلى وجهه الكريم، والمطالعة لجمال الحضرة الربوبية، والشهود لأسرار الأمور الإلهيّة، ألذّ اللذات الباطنيّة من الرياسة والحكومة، وأعلى الشهوات الغالبة على أنفس الناس وخير الأرزاق الصوريّة والمعنويّة يرزق بها من يشاء من عباده المقرّبين وأوليائه الصالحين. ولهذا ترى العارف الربّاني يؤثر التفرّد عن الخلق، والخلوة مع الحقّ، بالتبتّل والفكر والذكر على الدوام، ويترك الرياسة، ويستحقر الخلق، ويستهزئ بهم كما هم يستهزؤون به، لعلمه بفناء شهوتهم وانقطاع رياستهم وانفساخ أرزاقهم الصوريّة الحسيّة والخياليّة، وكونها مشوبة بالكدورات، منغضّة بالمزاحمات، مقطوعة بالموت الذي يهدم اللذات ويقطع الرياسات، ولا بدّ منه مهما {أية : أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} تفسير : [يونس:24] - الآية - فتشغله - بالإضافة إلى هذه اللذات المحقّرات - لذّة الحكمة والمعرفة بالله، والمطالعة لصفاته وملكوت أفعاله، ونظام مملكته الآخذة من أعلى علّيين إلى أسفل السافلين، فإنّها خالية عن المزاحمات والمكدّرات، متسّعة للمتواردين لا تضيق عليهم بكثرتها، وإنّما عرضها من حيث التقدير عرض السموات والأرضين، لأنّه إذا خرج النظر عن عالَم المساحة والخلق والتقدير، فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنّة عرضها السماوات والأرض، يرتع في رياضها، ويقتطف من ثمارها وهو آمِن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثمّ هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة الله تعالى، لأنّ محلّه الروح الذي هو أمر نوارنيّ سماويّ وإنّم يغير الموت أحوالها، ويقطع أفعالها الدنيويّة وشواغلها وعوائقها ويخليها وعالَمها. فأمّا أن يعدم ذاتها وصفاتها وكمالاتها الذاتيّة فلا، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} تفسير : [آل عمران:169 - 170]. ولا تظنّن أنّ هذا مخصوص بالمقتول في المعركة، فإنّ للعارف بكلّ نفس درجة ألف شهيد. وفي الخبر: حديث : إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يُردّ إلى الدنيا ليقتل مرّة أخرى لعِظَم ما يراه من ثواب الشهداءتفسير : ، وإنّ الشهداء يتمنّون أن يكونوا من العلماء، لِما يرونه من علوّ درجة العلماء. وفي الحديث أيضاً: إذا كان يوم القيامة توضع الموازين فيوزن مداد العلماء مع دماء الشهداء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشهداء. فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان الحكيم العارف، يتبوّء منها حيث يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرّك إليها بجمسه وشخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنّة عرضها كعرض السموات والأرض، وكلّ عارف فله مثلها من غير مزاحمة بينهم، إلاّ أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر سِعة معارفهم - وَهُمْ دَرجَاتٌ عِندَ الله - وهكذا حالهم في الدنيا وفي الآخرة قبل الموت وبعده، إلاّ أنّ الموت يزيدهم انكشافاً وظهوراً وجلاءً ووضوحاً لمعارفهم ومقاصدهم - فافهم واغتنم -. الإشراق السادس في تأكّد ما عند الله خير الخيرات وأبهج اللذات وأنّ كلّ لذة وبهجة تنظوي في إدراك ذاته وشهود صفاته فإذا علمت أنّ لذّة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ألَذّ اللذات عند العارف الربّاني، فلا تتعجبّ من إيثاره هذه اللّذة على سائر اللذّات، واستيحاشه عن صحبة الخلق ومستلذّاتهم إلى حيث يصير، طرده الناس واستحقروه خصوصاً المشغوفين بالعقول الناقصة الدنيويّة، والعلوم الجزئيّة المعروفة عند الناس، التي توجب مراجعة الخلق لهم. ولهذا قال بعضهم: إذا بلغ الرجل إلى غاية يستغرق في العلم بالله رماه الناس بالحجارة. أي يخرج كلامه عن حدّ عقولهم فيرون ما يقوله جنوناً. وقصد العارفين كلّهم ملاحظة لقائه ومشاهدة ملكوته فقط، فهي قرّة أعينهم التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين، فصارت الهموم كلّها فيهم همّاً واحداً، بل من عرف الله عرف أنّ اللذات المغرقة بالشهوات المختلفة، كلّها تنطوي تحت هذه اللذّة، كما قال بعضهم: شعر : كانت لقلبيَ أهواء مفرّقة فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده وصرتُ مولى الورى إذ صرتَ مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي تفسير : وقال بعضهم: شعر : وهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنّته تفسير : فمن عرف الله انمحقت عنه الهموم والدواعي، سواء كانت من باب الدرهم والدينار، أو من باب الجنّة والنار، أو من باب البحث والتكرار والصيت والاشتهار، واضمحلّت عنه الشهوة والغضب وقهر تشويشهما، فغلبة المعرفة بالله مبدأ كلّ حبّ وطلب، فلا داعي له سوى الله جلَب منفعة أو دفَع مضرّة، فلو ألقي في النار لم يحسّ بها، ولو عرض عليه نعيم الجنّة لم يلتفت إليها، فكيف إلى هذه اللذات المخدجة. ولهذا قال أمير المؤمينن (ع): ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك. وقال بعض العرفاء: إن أدخلني الله الجنّة بمرادي فويل لي، وإن أدخلني النار بمراده فنعم الحبس. وقال أبو سليمان الداراني: إنّ لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ورجاء الجنّة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله؟ وقال بعض إخوان معروف الكرخي له: أخبر أيّ شيء أهاجك إلى العبادة والتفرّد عن الخلق؟ فسكت. فقال له: ذكر الموت؟ فقال: ذكر الموت؟ فقال له: وأيّ شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ؟ فقال: أيّ شيء من هذا؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنّة؟ فقال: وأيّ شيء من هذا -؟ فقال: إنّ ملكاً بيده هذه كلّها أن أحببته أنساك جميع ذلك. وان كانت بينه وبينك معرفة كفاك جميع هذا. خاتمة في ذكر نبذ من مواعظ حكميّة ونصائح قرآنيّة ينتفع بها من له قلب سليم، مأخوذة بعضها من كلام الله تعالى وأحاديث نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضها من أقوال العرفاء ونصائح الحكماء في هذا الباب، طمعاً في أن يصير سبباً لتنبيه القلوب الراقدة في مراقد الغفلات، وباعثا على إيقاظ النفوس النائمة في مضاجع الجهالات وإن كان معلوماً أنّ أهل هذا العصر ممّن قال في حقّهم الشاعر: شعر : وهل يُصلح العطّار ما أفسد الدهرُ تفسير : إلاّ أنّ أرض الله لا تخلو عن مؤمن تقيِّ وصالح نقي، وبلاد الله لا تكون ذات حبوب وثمار وأشجار لأجل الدواب والأنعام كالفرس والحمار، بل لا بدّ لوجود ذوي الألباب ليكون معاني صور هذا الكتاب. قال الله تعالى ناصحاً لرسوله وحبيبه (صلى الله عليه وآله وسلم)، هادياً له طريق الفلاح لتهتدي أمّته بهداه، ويتنوّر باطنهم بنور ورعه وتقواه: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه:131]. فنهى سبحانه رسوله عن النظر إلى متاع الدنيا وزهرة حياتها الفانية، كيلا تتلوَّث طهارة ذاته المجرّدة وعينه المقدّسة بكثافة مستلذّاتها وخبائث مشتهياتها. وأمثال هذه الآية من الآيات والنصوص الدالّة على ذمّ الدنيا وتهجين أهلها، ومدح الآخرة وتحصين أهلها، أكثر من أن تحصى، مثل قوله: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [النجم:29 - 30]. وكقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} تفسير : [الكهف:28]. إلى غير ذلك. قال المولوي في المثنوي: شعر : كفتن حق بارها به ييغمبر كه بدنيا وأهل أو منكر تفسير : وفي كتاب الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتّى لا يبالي من أكل الدنيا . تفسير : ثمّ قال: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا. وعنه (ع) إنّه قال: حديث : من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطقَ بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءَها وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام . تفسير : وعنه (ع): حديث : جُعل الخير كلّه في بيت وجُعل مفتاحه الزهد في الدنيا . تفسير : وعنه (ع) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو محزون، فأتاه مَلَك ومعه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمّد، هذه مفاتيح خزائن الأرض، يقول لك ربّك: افتح وخذ منها ما شئت، من غير أن تُنْقَصَ شيئاً عندي. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له . تفسير : فقال الملك: والذي بعثك بالحقّ نبياً لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أُعطيت المفاتيح. وروى الشيخ الجليل عماد الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني في هذا الكتاب مسنداً إلى جابر - رضي الله عنه - عن أبي جعفر (ع) حديثاً طويلاً في باب ذمّ الدنيا والزهد فيها ذكر فيه: - يا جابر - الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكنّ أهل الدنيا أهل غفلة، وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يُصِمّهم عن ذكر الله - جل اسمه - ما سمعوا بآذانهم، ولم يُعْمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم. - وفيه إشعار بأنّ الفقه ليس معناه - في عرف الأئمّة ولسان السابقين الأوّلين - هذه الصناعة المشهورة، بل العلم الذي يوجب الاستغراق في أمر الآخرة وأحوال الباطن، والإعراض عن الدنيا بالكليّة. ثمّ قال فيه: - واعلم يا جابر أنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم لك معونة تَذْكُرُ فيعينونك وإن نسيت ذكروك قوّالون بأمر الله قوّامون على أمر الله، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله - عزّو جلّ - وإلى محبّته بقلوبهم. - ثمّ قال (ع): - فانزِل الدنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه، أو كمالٍ وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، إنّي إنّما ضربت لك هذا مثلا لأنّها عند أهل اللبّ والعلم بالله كفيء الظلال. وعن أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: من عظمت الدنيا في عينه، وكبر موقعها في قلبه، آثرها على الله تعالى، فانقطع إليها، وصار عبداً لها، ولقد كان في رسوله الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كاف لك في الأسوة ودليل لك على ذمّ الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها إذ قبضت عنه أطراقها ووُطّئت لغيره أكنافها وفُطم عن رضاعها وزُوِي عن زخارفها. وإن شئت ثنّيت بموسى كليم الله (ع) إذ يقول: {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص:24] والله ما سأله إلاّ خبزاً يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقل تُرى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذّب لحمه. وإن شئت ثلّثت بداود (ع) صاحب المزاميز وقارئ أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائِف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: "أيّكم يكفيني بيعها" ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وإن شئت قلت في عيسى (ع) [فلقد كان] يتوسّد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تُنبت الأرض للبهائم، ولم يكن له زوجة تفتنه ولا ولد يَحْزُنُه، ولا مال يَلْفِتُهُ، ولا طمع يذلّه، ودابّته رجلاه، وخادمه يداه. فتأسَّ بنبيّك الأطيب الأطهر - صلوات الله عليه - فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاء لمن تعزّى.... قَضَمَ الدنيا قضماً، ولم يُعِرْها طَرْفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أنّ الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وحقّر شيئاً فحقّره، وصغّر شيئاً فصغّره، ولو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغّر الله ورسوله، لكفى به شقاقاً لله ومحادّة عن أمر الله. ولقد كان - صلوات الله عليه - يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويُردِف خلفه، ويكون الستر على باب بيته، فيكون فيه التصاوير فيقول لإحدى أزواجه: "يا فلانة غيِّبِيه عنّي، فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها" فأعرضَ عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحبَّ أن تغّيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ منها رياشاً، ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيه مُقاما، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيّبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده. ولقد كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يدلّك على مساوي الدنيا وعيوبها إذ جاعَ فيها مع خاصّته، وزُوِيَتْ عنه زخارفها مع عظيم زلفته. فلينظر ناظر بعقله: أكرم الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أم أهانه؟! فإن قال: "أهانه" فقد كذب والله العظيم، وأتى بالإفك القديم. وإن قال "أكرمه" فليعلم أنّ الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا، وزواها عن أقرب الناس منه فتأسّى متأسٍّ بنبيّه، واقتصَّ أثره وولج مولجه وإلاّ فلا يأمن الهلكة، فإنّ الله جعل محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) علَما للساعة، ومبشِّرا بالجنّة، ومنذِراً بالعقوبة، خرج من الدنيا خميصاً، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجَرا على حجَر حتّى مضى لسبيله، وأجاب داعِي ربّه، فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتّبعه وقائداً نطأ عقبه. والله لقد رَقَعْتُ مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: أُغرُب عنّي فعند الصباح يَحْمَدُ القوم السُّرى. انتهى كلامه عليه من الله سلامه وإكرامه. وفي كلام بعض الحكماء على طريق الرمز ما قال: لكلّ قهوة سكارى، ولكلّ بحر مغرقون، كم بين حاير في الظلمات زحزح عن نور الشمس، وبين حاير أغرقه ضوؤها في قربها الأقرب. وقال أيضاً: بباب الحقّ قوم لا تشغلهم صدمات الأسباب، ولا يجزعون من البلاء، فإنّ البلاء صراط الله به عبرت قوافل الرجال، ولو سلكته لوجدت عليه آثارهم ولعرفت فيه أخبارهم، فكلّ أرض لم يصبها صيّب من المصائب أبت أن تنبت نبت النجاح. وقال: إن تعبد الله حبّاً خير لك من أن تعبده خوفاً، فإنّ التعبّد بالتخويف دين اللئام. وقال: نقِّش نفسك يا إنسان بأفضل ما يمكن، ونزّهها عن خبيثات الأمور، فإنّ قِيَمَ الموادّ بصورها. وقال: أسلك سبيل الله أيّها الفكور بقلب يقظان، وقِفْ موقف التعظيم، واطلب بارئ الكلّ في القرب وإن كان في العلوّ الأعلى قهراً وشرفاً فقال أمر الله لا يتعطّل بما توانيت أيّها المتخلّف، ولكنّك تبقى عريّا عن الفضائل، مدّ عينك مدّا، وابسطها بسطاً، واترك الشاغلات من نبات الظلمة لترى القيّوم قائماً بالقهر على رأس الوجود كلّه بالمرصاد. وقال: لا يترك أهل السيف الجاهلين أن يدنوا، ولا المرأة الشهويّة الملقية بالجسد في الطريق أن تشبّث بذيلك، وطوائف من النيران التي قلّ ضوؤها وكثر دخانها طفقت تنطفي بهبوب ريح زعزع كأنّ عبدة البطن والفرج في الدارين لُعِنوا لعناً يقطع أدبارهم، ويردهم إلى سواء البرزخ المشحون بالعذاب. وقال يحيى بن معاذ: مثقال ذرّة من الحبّ أحبّ إليّ من عبادة سبعين سنةً بلا حبّ. قال أبو القاسم القشيري: الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه، ويحرق ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات. ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم، فقال: ما فعل أبو نصر التمّار وعبد الرحمن الورّاق؟ قال: تركتهما الساعة بين يدي الله يأكلان ويشربان. قلت: فأنت؟ قال: علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه. وعن عليّ بن موفّق أنّه قال: رأيت في النوم كأنّي أدخلت الجنّة، فرأيت رجلا قاعداً على مائدة، وملَكَان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيّبات وهو يأكل، ورأيت رجلاً قائماً على باب الجنّة يتصفّح وجوه قوم، فيُدخِل بعضهم ويردّ بعضاً، - قال: - ثمّ جاوزتهما إلى حظيرة القدس، فرأيت في سرادق العرش رجلاً قد شخص ببصره ينظر إلى الله لا يطرق، فقلت لرضوان: مَن هذا؟ فقال: معروف الكرخي، عَبَدَ الله لا خوفاً من ناره ولا شوقاً إلى جنّته، بل حبّاً له فأباحه الله النظر إليه إلى يوم القيامة. وقال: أبو سليمان: من كان اليوم مشغولا بربّه يكون غداً ناظراً إليه. وقال الثوري لرابِعَةََ: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفاً لناره ولا حبّاً لجنّته، فأ:ون كالأجير السوء، بل عبدته حّباً وشوقاً إليه. وقالت في معنى المحبّة نظماً: شعر : أحبّك حبّين: حبّ الهوى وحبّاً لأنّك أهل لذاك فأمّا الذي هو حبّ الهوى فشغلي بذكرك عمّن سواك وأمّا الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتّى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك تفسير : قال بعض أكابر العلماء في معنى نظمها: لعلّها أرادت "بحبّ الهوى" حبّ الله، لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظها العاجلة، وبحبه لانّه أهل له حبّه من حيث جماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبيّن وأقواهما، ولذّة مطالعة جمال الربوبيّة التي عبَّر عنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال حكاية عن الله: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا إذن سمعت"تفسير : - الحديث -. واعلم أنّ عباداً قد يعجّل لهم بعض هذه اللذات العلي - وهم بعد في حياتهم الدنيا - لأنّه قد انتهى صفاء قلوبهم ولطافة أذهانهم إلى الغاية، ولذا قال بعضهم: إنّي لأقول "يا ربّ يا الله"، فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال، لأنّ النداء يكون من وراء حجاب، وهل رأيت جليساً ينادي جليسه؟ وحكي أنّ رجلاً جاء إلى أبي يزيد فقال: "بأيّ شيء أستعين على عبادة ربّي"؟، فقال: "بالله إن كنت تعرفه، لأنّ أدنى منازل العارف علمه بأنّه ليس به شيء من الحول والقوّة، فإذا علم بذلك، صارت الأشياء كلّها له؟". وقال فضيل: مَن عرف الله حقّ معرفته صارت جميع حركاته طاعة، وجميع أنفاسه ذِكْراً، وجميع أحواله أنساً، وجميع إرادته هويّة. وسئل بعض أصحاب القلوب عن حقيقة المعرفة فقال: طيران القلب في علّيين، وجولانه في حُجُب القدرة التي لا يعرفها إلاّ من أصمَّ أذنيه عن سماع الباطلات، وأعمى عينيه عن النظر إلى الشهوات، وأخرس لسانه عن التكلّم بالفضولات. وهو ما قيل في حقيقة المعرفة: والعارفون صمّ بكم عُمْي. وقيل: من عرف الله كَلَّ لسانُه ودهش عقلُه ودام تحيّره. وقال بعضهم: إنّ للعارف ناراً ونوراً، نار الخشية ونور المعرفة، فالدنيا تبكي عليه بعين الفناء، والآخرة تضحك إليه بعين البقاء، فكيف يقدر الشيطان أن يدنو من ظاهره وباطنه إلاّ كالبرق الخاطف والريح العاصف، فيستعيذ بالله من الشيطان بعينه بلسان العبرة، وبنفسه بلسان الخدمة، وبعقله بلسان الفكرة، وبقلبه بلسان المحبّة، وبسرّه بلسان المؤانسة، فإن أتاه من قِبَل العين أحرقه نور العبرة، وإن أتاه من قِبَل النفس أحرقه نور الخدمة، وإن أتاه من قِبَل العقل أحرقه نور الفكرة، وإن أتاه من قِبَل القلب أحرقه نور المحبّة، وإن أتاه من قِبَل السرّ أحرقة نور المؤانسة. وهو إشارة إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر:42]. قال رويم للجنيد: "كم تنادي على الله بين يدي العامّة"؟ فقال: "أنا أنادي على العامّة بين يدي الله". قال عبّاس بن يوسف: إذا رأيت رجلاً مشتغلاً بالله فلا تسأل عن إيمانه، وإذا رأيته مشتغلاً بالدنيا فلا تسأل عن نفاقه. وقال رويم: قوم أفنوا أسرارهم بالحظوظ، وأفنوا أبصارهم باللحوظ، أنّى لهم إلى ذكر الحقّ سبيل. قال حسين بن منصور: "بِسم الله" منك، بمنزلة "كُنْ" منه، فإذا أحسنت أن تقول: "بِسْم الله"، تحقّقت الأشياء بقولك: "بسم الله"، كما تحقّق بقوله: "كُنْ".

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ} اليها استدراك كأنّه قال: لكنّهم لا يقبلون واذا رأو تجارة او لهوا انفضّوا {إِلَيْهَا} اى الى التّجارة خصّ الضّمير بها لانّ اللّهو كان تبعاً للتّجارة {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} تخطب على المنبر كما فى خبرٍ، او فى الصّلاة كما فى خبرٍ آخر {قُلْ} لهم {مَا عِندَ ٱللَّهِ} من النّعيم المقيم {خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} فانّ التّجارة ان كان فيه نفع دنيوىّ واللّهو ان كان فيه نفع خيالىٌّ والتذاذٌ وهمىٌّ فما عند الله خير لانّ نفعه عقلىّ روحىّ وهو غير منقطعٍ وغير مشوب بالآلام {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} روى عن جابرٍ انّه قال: اقبلت عير ونحن نصلّى مع رسول الله (ص) فانفضّ النّاس اليها فما بقى غير اثنى عشر رجلاً انا فيهم فنزلت الآية، وفى روايةٍ: اقبلت عير وبين يديها قوم يضربون بالدّفوف والملاهى فقال النّبىّ (ص): والّذى نفسى بيده لو تتابعتم حتّى لا يبقى احد منكم لسال بكم الوادى ناراً، وعن الصّادق (ع): انّ الواجب على كلّ مؤمنٍ اذا كان لنا شيعة ان يقرأ فى ليلة الجمعة بالجمعة وسبّح اسم ربّك الاعلى، وفى صلاة الظّهر بالجمعة والمنافقين فاذا فعل ذلك فكأنّما يعمل بعمل رسول الله (ص) وكان ثوابه وجزاؤه على الله الجنّة.

فرات الكوفي

تفسير : {وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكوكَ قائماً 11} قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن السدي قال: مر دحية [بن خليفة. ب] الكلبي بتجارة له من الشام من طعام وغيره وكان التجار قد أبطؤا عن المدينة فأصابهم لذلك جهد فبينما رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] يخطب الناس في المسجد يوم الجمعة إذ قدمت العير فانفض الناس إليها وتركوا النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] قائماً يخطب مخافة تفرقهم [ب: ففرقهم] ولم يبق مع النبي إلا خمسة عشر [نفراً. ر] فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. ذكروا عن الحسن قال: كانت عير تجيء إلى المدينة في الزمان مرة، فجاءت يوم الجمعة، فانطلق الناس إليها، فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو اتبع آخركم أولكم لسال عليكم الوادي ناراً . تفسير : وقال بعضهم: التجارة العير التي كانت تجيء واللهو: كان دحية الكلبي قدم في عير من الشام، وكان رجلاً جميلاً، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي عليه السلام في صورته. فقدمت عير ومعهم دحية الكلبي والنبي عليه السلام يخطب يوم الجمعة، فتسللوا ينظرون إلى العير، وهي التجارة، وينظرون إلى دحية الكلبي، وهو اللهو: أي لهوا بالنظر إلى وجهه وتركوا الجمعة. وقال بعضهم: سودان كانوا بالمدينة يلعبون، وهو اللهو. قال عز وجل: {قُلْ} يا محمد {مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا} ذهبوا وتفرقوا عنك {إِلَيْهَا} والأصل أو لهو انفضوا إليها وحذف للدلالة إليه فالأصل وإذا رأوا تجارة انفضوا أليها وحذف للدلالة وقرىء انفضوا إليها والأفراد عندي أولى والتجارة غير دحية واللهو الطبل والتصفيق كانوا يتلقون العير بالطبل والتصفيق والصياح والمعازف سرورا عن قتادة فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير وقيل: اللهو النظر الى وجهه وقيل كان سودان يلعبون بالمدينة للهوا وقيل: أعاد الضمير للتجارة وحدها لانها اهم وهي كانت سبب للهو وعطف اللهو للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع الطبل وروية دحية أو للدلالة على ان انفضاض الى التجارة مع الحاجة اليها إذا كان مذموما كان الانفضاض الى اللهو اقبح. {وَتَرَكُوكَ قَائِماً} على المنبر تخطب للجمعة وفيه دليل على انه صلى الله عليه وسلم يخطب قائما كما سئل ابن مسعود اكان صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال أو ما تقرأون وتركوك قائما وكذلك يجب ان نفعل لكن نفصل بجلسة ولا باس بتركها وروي انه صلى الله عليه وسلم يجلسها رواه ابن عمر وجابر بن سمرة قال: يقرأ القرآن ويذكر الناس ومن حدثك انه يخطب جالسا فقد كذب ودخل كعب بن عجرة المسجد وعبد الرحمن بن الحكم يخطب جالسا فقال: انظروا الى هذا الخبيث يخطب جالسا وقد قال الله { وَتَرَكُوكَ قَائِماً }. ولم يشترط ابو حنيفة واحمد القيام ولا القعود وتشترط الطهارة في الخطبة في أحد قولي الشافعي واقل الخطبة ان يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بالتقوى ويجب ان يقرأ قبل ان يجلس أيه ويدعو للمؤمنين بعده وان ترك بعض ذلك لم تتم جمعته عند الشافعي حديث : قال جابر بن سمرة كنت اصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا وقال صلى الله عليه وسلم: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"تفسير : وعن جابر بن عبدالله: حديث : كان صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويثني في الخطبة ثم يعلو صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر بجيش يصبح أو يمسي ويقول "بعثت انا والساعة كهاتين" يفرق بين السبابة والوسطى ويقول "اما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" ثم يقول "انا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فالأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ". تفسير : وعن ابن مسعود: كان إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا ويسن للأمام إذا صعد المنبر ان يستقبل الناس ويسلم عليهم عند الشافعي خلافا لابي حنيفة ومالك في التسليم ويحرم الكلام على مستمع الخطبة دون الخطيب على ما صححوا وإذا دخل والامام يخطب صلى تحية المسجد عنده خلافا لابي حنيفة ومالك ولغواً من قال لصاحبة انصت ولكن يشير وحصب ابن عمر رجلين يتحدثان والامام يخطب ان اسكتا والحصب الضرب بالحصباء وان مفسرة. وكان صلى الله عليه وسلم "حديث : أذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه وستغفره ونعوذ بالله من شرور أَنفسنا من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمداً عبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا"تفسير : ، وروي ومن يعصيهما فقد غوى ونسأل الله ربنا ان يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسله ويتبع رضوانه وان يجتنب سخطه إنا نحن به وله. قال ابن شهاب خروج الامام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وان نفر الناس عن الامام فإن بقي وحده أو في اقل من ثلاثة فعند ابي حنيفة يستأنف الظهر اربعاً ان نفروا قبل الركوع وقال صاحباه اذا كبر وهم معه مضى فيها وقال زفر إذ انفروا قبل التشهد بطلت وهي ركعتان يجهر فيهما بالفاتحة وسورة وكان صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة يقرأون الجمعة في الأولى وسورة المنافقين في الثانية وكان ابو هرير خليفة في المدينة عن مروان عند سفره إلى مكة وعن النعمان بن بشير كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسورة الاعلى والغاشية ووقتها الزوال. قيل: وكانت الخطبة بعد الصلاة ثم حولت قبلها ووقتها ممتد الى وقت العصر فإذا دخل العصر صلوا اربعا ولا يبتدىء الخطبة قبل تمام العدد وهو اربعون عند الشافعي فلو نقص واحد قبل الدخول في الصلاة صلوا اربعاً واصح اقوال الشافعي فيما قيل ان الاربعين شرط الى آخر الصلاة ولو نقص واحد قبل التسليم صلوا اربعاً وقيل: ان بقي معه اثنان اتموها جمعة وان ادرك المسبوق أقل من ركعة أتم أربعا وإن أدرك ركعة فإذا سلم الامام أتمها جمعه. وقال المزني: ان انفضوا بعد ما صلى بهم الامام ركعة اتمها جمعة ولو وحده وان كان في الاولى اتمها اربعاً وان نقص من العدد واحد ونسب لابي حنيفة. {قُلْ مَاعِندَ اللهِ} من ثواب الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم {خَيْرٌ مِّنَ اللَّهُوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} في نفسه وتخليده وتحقيقه بخلاف اللهو والتجارة. {وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} كل من ينفق على احد فهو رازق أي منفق من رزق الله سبحانه والله خير من يرزق فعليه توكلوا ومنه اطلبوا. اللهم ببركة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة اخزي النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله واصحابه وسلم.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وجماعة عن جابر بن عبد الله قال: «بينما النبـي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً } إلى آخر السورة، وفي رواية ابن مردويه « حديث : عن ابن عباس أنه بقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً » تفسير : وفي رواية عن قتادة « حديث : والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم / أولكم لالتهب الوادي عليكم ناراً »تفسير : ، وقيل: لم يبق إلا أحد عشر رجلاً، وهم - على ما قال أبو بكر غالب بن عطية - العشرة المبشرة وعمار في رواية وابن مسعود في أخرى، وعلى الرواية السابقة عدوا العشرة أيضاً منهم وعدوا بلالاً وجابراً لكلامه السابق، ومنهم من لم يذكر جابراً وذكر بلالاً وابن مسعود، ومنهم من ذكر عماراً بدل ابن مسعود، وقيل: لم يبق إلا ثمانية، وقيل: بقي أربعون، وكانت العير لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى تحمل طعاماً، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر. وأخرج أبو داود في «مراسيله» عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبـي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قدم بتجارة وكان إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك حضور الخطبة شيء فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ } الخ فقدَّم النبـي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخَّر الصلاة، ولا أظن صحة هذا الخبر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل مقدماً خطبتها عليها، وقد ذكروا أنها شرط صحتها وشرط الشيء سابق عليه، ولم أر أحداً من الفقهاء ذكر أن الأمر كان كما تضمنه ولم أظفر بشيء من الأحاديث مستوف لشروط القبول متضمن ذلك، نعم ذكر العلامة ابن حجر الهيتمي أن بعضهم شذ عن الإجماع على كون الخطبة قبلها والله تعالى أعلم. والآية لما كانت في أولئك المنفضين وقد نزلت بعد وقوع ذلك منهم قالوا: إن {إِذَا } فيها قد خرجت عن الاستقبال واستعملت للماضي كما في قوله: شعر : وندمان تزيد الكأس طيباً سقيت (إذا) تغورت النجوم تفسير : ووحد الضمير لأن العطف بأو واختير ضمير التجارة دون اللهو لأنها الأهم المقصود، فإن المراد باللهو ما استقبلوا به العير من الدف ونحوه، أو لأن الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه؟! وقيل: الضمير للرؤية المفهومة من {رَأَوْاْ } وهو خلاف الظاهر المتبادر، وقيل: في الكلام تقدير، والأصل إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وتعقب بأنه بعد العطف بأو لا يحتاج إلى الضير لكل منهما بل يكفي الرجوع لأحدهما فالتقدير من غير حاجة، وقال الطيبـي: يمكن أن يقال: إن {أَوْ } في {أَوْ لَهْواً } مثلها في قوله: شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح تفسير : فقال الجوهري: يريد بل أنت فالضمير في {إِلَيْهَا } راجع إلى اللهو باعتبار المعنى، والسر فيه أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله تعالى عدت لهواً، وتعدّ فضلاً إن لم تشغله كما في قوله تعالى: { أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 10] انتهى وليس بشيء كما لا يخفى. وقرأ ابن أبـي عبلة ـ إليه ـ بضمير اللهو، وقرىء ـ إليهما ـ بضمير الاثنين كما في قوله تعالى: { أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء: 135] وهو متأول لأنه بعد العطف بأو لكونها لأحد الشيئين لا يثنى الضمير وكذا الخبر والحال والوصف، فهي على هذه القراءة بمعنى الواو كما قيل به في الآية التي ذكرناها. {وَتَرَكُوكَ قَائِماً } أي على المنبر. واستدل به على مشروعية القيام في الخطبة وهو عند الحنفية أحد سننها، وعند الشافعية هو شرط في الخطبتين إن قدر عليه، وأخرج ابن ماجه وغيره عن ابن مسعود أنه سئل أكان النبـي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟ / فقال: أما تقرأ {وَتَرَكُوكَ قَائِماً }؟ وكذا سئل ابن سيرين وأبو عبيدة، وأجابا بذلك، وأول من خطب جالساً معاوية. ولعل ذلك لعجزه عن القيام، وإلا فقد خالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر أن النبـي عليه الصلاة والسلام كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وذكر أبو حيان أن أول من استراح في الخطبة عثمان رضي الله تعالى عنه، وكأنه أراد بالاستراحة غير الجلوس بين الخطبتين، إذ ذاك ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتّجَـٰرَةِ } فإن ذلك نفع محقق مخلد بخلاف ما فيهما من النفع، فإن نفع اللهو ليس بمحقق بل هو متوهم، ونفع التجارة ليس بمخلد. وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم بل لأنه أقوى مذمة، فناسب تقديمه في مقام الذم، وقال ابن عطية: قدمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولاً على الأبين، وهو قريب مما ذكرنا. وقال الطيبـي: قدم ما كان مؤخراً وكرر الجار لإرادة الإطلاق في كل واحد، واستقلاله فيما قصد منه ليخالف السابق في اتحاد المعنى لأن ذلك في قصة مخصوصة. واستدل الشيخ عبد الغني النابلسي عفا الله تعالى عنه على حل الملاهي بهذه الآية لمكان أفعل التفضيل المقتضي لإثبات أصل الخيرية للهو كالتجارة، وأنت تعلم أن ذلك مبني على الزعم والتوهم، وأعجب منه استدلاله على ذلك بعطف التجارة المباحة على اللهو في صدر الآية، والأعجب الأعجب أنه ألف رسائل في إباحة ذلك مما يستعمله الطائفة المنسوبة إلى مولانا جلال الدين الرومي دائرة على أدلة أضعف من خصر شادن يدور على محور الغنج في مقابلتهم، ومنها أكاذيب لا أصل لها لن يرتضيها عاقل ولن يقبلها، ولا أظن ما يفعلونه إلا شبكة لاصطياد طائر الرزق والجهلة يظنونه مخلصاً من ربقة الرق، فإياك أن تميل إلى ذلك وتوكل على الله تعالى المالك {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرٰزِقِينَ } فإليه سبحانه اسعوا ومنه عز وجل اطلبوا الرزق. واستدل بما وقع في القصة على أقل العدد المعتبر في جماعة الجمعة بأنه اثنا عشر بناءاً على ما في أكثر الروايات من أن الباقين بعد الانفضاض كانوا كذلك، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثني عشر دل على أن هذا العدد كاف، وفيه أن ذلك وإن كان دالاً على صحتها باثني عشر رجلاً بلا شبهة لكن ليس فيه دلالة على اشتراط اثني عشر، وأنها لا تصح بأقل من هذا العدد، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر رجلاً وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم. وفيما يصنع الإمام إن اتفق تفرق الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف: فعند أبـي حنيفة إن بقي وحده، أو مع أقل من ثلاثة رجال يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر إذا نفروا قبل القعدة بطلت لأن العدد شرط ابتداءاً فلا بد من دوامه كالوقت، ولهما أنه شرط الانعقاد فلا يشترط دوامه كالخطبة، وللإمام أن الانعقاد بالشروع في الصلاة ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة لأن ما دونها ليس بصلاة فلا بد من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها. وقال جمهور الشافعية: إن انفض الأربعون أو بعضهم في الصلاة ولم يحرم عقب انفضاضهم في الركعة الأولى عدد نحوهم سمع الخطبة بطلت الجمعة فيتمونها ظهراً لنحو ما قال زفر، وفي قول: لا يضر إن بقي إثنان مع الإمام لوجود مسمى الجماعة إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وتمام ذلك في محله. / وطعن الشيعة لهذه الآية في الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنهم آثروا دنياهم على آخرتهم حيث انفضوا إلى اللهو والتجارة ورغبوا عن الصلاة التي هي عماد الدين وأفضل [من] كثير من العبادات لا سيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أن ذلك قد وقع مراراً منهم، وفيه ان كبار الصحابة كأبـي بكر وعمر وسائر العشرة المبشرة لم ينفضوا، والقصة كانت في أوائل زمن الهجرة، ولم يكن أكثر القوم تام التحلي بحلية آداب الشريعة بعد، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فخاف أولئك المنفضون اشتداد الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يقتات به لو لم ينفضوا، ولذا لم يتوعدهم الله تعالى على ذلك بالنار أو نحوها بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم، ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً إن أريد بها رواية البيهقي في «شعب الإيمان» عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغني ـ والله تعالى أعلم ـ أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات فمثل ذلك لا يلتفت إليه ولا يعول عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين ولتثبت صحته، وأنى بذلك؟! وبالجملة الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم وقد عقبها منهم عبادات لا تحصى سفه ظاهر وجهل وافر. هذا ومن باب الإشارة على ما قيل في الآيات: { أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّنَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [الجمعة: 2] إشارة إلى عظيم قدرته عز وجل وأن إفاضة العلوم لا تتوقف على الأسباب العادية، ومنه قالوا: إن الولي يجوز أن يكون أمياً كالشيخ معروف الكرخي ـ على ما قال ابن الجوزي ـ وعنده من العلوم اللدنية ما تقصر عنها العقول، وقال العز بن عبد السلام: قد يكون الإنسان عالماً بالله تعالى ذا يقين وليس عنده علم من فروض الكفايات، وقد كان الصحابة أعلم من علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة مع أن في علماء التابعين من هو أقوم بعلم الفقه من بعض الصحابة، ومن انقطع إلى الله عز وجل وخلصت روحه أفيض على قلبه أنوار إلۤهية تهيأت بها لإدراك العلوم الربانية والمعارف اللدنية، فالولاية لا تتوقف قطعاً على معرفة العلوم الرسمية كالنحو والمعاني والبيان وغير ذلك، ولا على معرفة الفقه مثلاً على الوجه المعروف، بل على تعلم ما يلزم الشخص من فروض العين على أي وجه كان من قراءة أو سماع من عالم أو نحو ذلك، ولا يتصور ولاية شخص لا يعرف ما يلزمه من الأمور الشرعية كأكثر من تُقَبَّلُ يده في زماننا، وقد رأيت منهم من يقول ـ وقد بلغ من العمر نحو سبعين سنة ـ إذا تشهد لا إله أن الله بأن بدل إلا فقلت له: منذ كم تقول هكذا؟ فقال: من صغري إلى اليوم فكررت عليه الكلمة الطيبة فما قالها على الوجه الصحيح إلا بجهد، ولا أظن ثباته على ذلك، وخبر « حديث : لا يتخذ الله ولياً جاهلاً ولو اتخذه لعلمه » تفسير : ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك لا يفيد في دعوى ولاية من ذكرنا. وذكر بعضهم أن قوله تعالى: {وَيُزَكّيهِمْ } بعد قوله سبحانه: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } إشارة إلى الإفاضة القلبية بعد الإشارة إلى الإفادة القالية اللسانية، وقال بحصولها للأولياء المرشدين: فيزكون مريديهم بإفاضة الأنوار على قلوبهم حتى تخلص قلوبهم وتزكو نفوسهم، وهو سر ما يقال له التوجه عند السادة النقشبندية، وقالوا بالرابطة ليتهيأ ببركتها القلب لما يفاض عليه، ولا أعلم لثبوت ذلك دليلاً يعول عليه عن الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه رضي الله تعالى عنهم، وكل ما يذكرونه في هذه المسألة ويعدونه دليلاً لا يخلو عن قادح بل أكثر تمسكاتهم فيها تشبه التمسك بحبال القمر، ولولا خوف الإطناب لذكرتها مع ما فيها، ومع هذا لا أنكر بركة كل من الأمرين: التوجه والرابطة، وقد شاهدت ذلك من فضل الله عز وجل، / وأيضاً لا أدعي الجزم بعدم دليل في نفس الأمر، وفوق كل ذي علم عليم، ولعل أول من أرشد إليهما من السادة وجد فيهما ما يعول عليه، أو يقال: يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسك به بعض أجلة متأخريهم وإن كان للبحث فيه مجال ولأرباب القال في أمره مقال. وفي قوله تعالى: { أية : وَءاخَرِينَ } تفسير : [الجمعة: 3] الخ بناءاً على عطفه على الضمير المنصوب قيل: إشارة إلى عدم انقطاع فيضه صلى الله عليه وسلم عن أمته إلى يوم القيامة؛ وقد قالوا بعدم انقطاع فيض الولي أيضاً بعد انتقاله من دار الكثافة والفناء إلى دار التجرد والبقاء. وفي قوله تعالى: { أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } تفسير : [الجمعة: 5] الخ إشارة إلى سوء حال المنكرين مع علمهم، وفي قوله تعالى: { أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ } تفسير : [الجمعة: 6] الآية إشارة إلى جواز امتحان مدعي الولاية ليظهر حاله بالامتحان فعند ذلك يكرم أو يهان، وفي عتاب الله تعالى المنفضين إشارة إلى نوع من كيفيات تربية المريد إذا صدر منه نوع خلاف ليسلك الصراط السوي ولا يرتكب الاعتساف، وفي الآيات بعدُ إشارات، يضيق عنها نطاق العبارات،و « حديث : من عمل بما علم أورثه الله عز وجل علم ما لم يعلم ».

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}تفسير : [الجمعة: 9] الآية. عُطف التوبيخ على ترك المأمور به بعد ذكر الأمر وسُلكت في المعطوفة طريقة الالتفات لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأنهم أحرياء أن يصرف للخطاب عنهم فحرموا من عز الحضور. وأخبر عنهم بحال الغائبين، وفيه تعريض بالتوبيخ. ومقتضى الظاهر أن يقال: وإذا رأيتم تجارة أو لهواً فلا تنفضّوا إليها. ومن مقتضيات تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر هنا أن يكون هذا التوبيخ غير شامل لجميع المؤمنين فإن نفراً منهم بَقُوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين خطبته ولم يخرجوا للتجارة ولا للهو. وفي «الصحيح» عن جابر بن عبد الله قال: «بينما نحن نصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة إذْ أقبلتْ عير من الشام تحمل طعاماً فانفتل الناس إليها حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم». وفي رواية: وفيهم أبو بكر وعمر، فأنزل الله فيهم هذه الآية التي في الجمعة {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} اهـ. وقد ذكروا في روايات أخرى أنه بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، فهؤلاء أربعة عشر. وذكر الدارقطني في حديث جابر: «أنه قال ليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعون رجلاً». وعن مجاهد ومقاتل: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقدم دِحية بن خليفة الكلبي بتجارة فتلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس». وفي رواية «أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بتجارة من زيت الشام». وفي رواية «وطعام وغير ذلك فخرج الناس من المسجد خشية أن يُسبقوا إلى ذلك». وقال جابر بن عبد الله «كانت الجواري إذا نَكحن يمرّرن بالمزامير والطَّبْل فانفضّوا إليها»، فلذلك قال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}، فقد قيل إن ذلك تكرر منهم ثلاث مرات، فلا شك أن خروجهم كان تارة لأجل مجيء العِير وتارة لحضور اللهو. وروي أن العِير نزلت بموضع يقال له: أحجار الزيت فتوهم الراوي فقال: بتجارة الزيت. وضمير {إليها} عائد إلى التجارة لأنها أهم عندهم من اللهو ولأن الحدث الذي نزلت الآية عنده هو مجيء عِير دحية من الشام. واكتفى به عن ضمير اللهو كما في قول قيس بن الخطيم، أو عمرو بن الحارث بن امرىء القيس: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضيٍ والرأيُ مختلف تفسير : ولعل التقسيم الذي أفادته {أو} في قوله: {أو لهواً} تقسيم لأحوال المنفضّين إذ يكون بعضهم من ذوي العائلات خرجوا ليَمْتَاروا لأهلهم، وبعضهم من الشباب لا همة لهم في الميرة ولكن أحبوا حضور اللهو. و{إذا}ظرف للزمان الماضي مجرد عن معنى الشرط لأن هذا الانفضاض مضى. وليس المراد أنهم سيعودون إليه بعد ما نزل هذا التوبيخ وما قبله من الأمر والتحريض. ومثله قوله تعالى: {أية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}تفسير : [النساء: 83] وقوله: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا}تفسير : [التوبة: 92] الآية. والانفضاض: مطاوع فَضَّه إذا فرقه، وغلب إطلاقه على غير معنى المطاوعة، أي بمعنى مطلق كما تفرق. قال تعالى: {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا}تفسير : [المنافقون: 7]. وقوله: {أو لهواً} فيه للتقسيم، أي منهم من انفضّ لأجل التجارة، ومنهم من انفضّ لأجل اللهو، وتأنيث الضمير في قوله: {إليها} تغليب للفظ (تجارة) لأن التجارة كانت الداعي الأقوى لانفضاضهم. وجملة {وتركوك قائماً} تفظيع لفعلهم إذ فرطوا في سماع وعظ النبي صلى الله عليه وسلم أي تركوك قائماً على المنبر. وذلك في خطبة الجمعة، والظاهر أنها جملة حالية، أي تركوك في حال الموعظة والإِرشاد فأضاعوا علماً عظيماً بانفضاضهم إلى التجارة واللهو. وهذه الآية تدل على وجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة إذ لم يقل: وتركوا الصلاة. وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعظهم بأن ما عند الله من الثواب على حضور الجمعة خير من فائدة التجارة ولذة اللهو. وكذلك ما أعد الله من الرزق للذين يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاء لهم على إيثارهم جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة، فرب رزق لم ينتفع به الحريص عليه وإن كان كثيراً، وربّ رزق قليل ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاح، قال تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. وقال حكاية عن خطاب نوع قومه {أية : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}تفسير : [نوح: 10 ـــ 12]. وذيل الكلام بقوله: {والله خير الرازقين} لأن الله يرزق الرزق لمن يرضى عنه سليماً من الأكدار والآثام، ولأنه يرزق خير الدنيا وخير الآخرة، وليس غير الله قادراً على ذلك، والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله وهو العالم بالسرائر.

د. أسعد حومد

تفسير : {تِجَارَةً} {قَآئِماً} {ٱلتِّجَارَةِ} {ٱلرَّازِقِينَ} (11) - قَدِمَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ إِلَى المَدِينَةِ فِي إِحْدَى المَرَّاتِ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاقِفٌ عَلَى المِنْبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ اثْنا عَشَرَ رَجُلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُعَاتِبُ فِيهَا عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَلَى انْصِرَافِهِمْ عَنِ الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ إِلَى التِّجَارَةِ. وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّ بَعْضَ المُؤْمِنينَ إِذَا رَأَوْا عِيرَ تِجَارَةٍ، أَوْ لَهْواً أَسْرَعُوا إِليهِ، وَتَرَكُوا الرَّسُولَ قَائماً يَخْطُبُ فِي النَّاسِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ: مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الخَيْرِ وَالثَّوَابِ، خَيْرٌ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فَاسْعَوا إِليهِ، وَاطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْهُ، فَلَنْ يَفُوتَكُمْ رِزْقٌ إِذَا تَأْخَّرْتُمْ لِسَمَاعِ الخُطْبَةِ. انْفَضُّوا إِليهَا - تَفَرَّقُوا عَنْكَ قَاصِدِينَ إِليهَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} اللهوُ: الطَّبلُ {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} معناه أسرعُوا، وتَفرّقُوا عَنكَ.

النسائي

تفسير : قولهُ: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} [11] 613 - أخبرنا عبدُ الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا عبثرٌ، قال: حدثنا حُصينٌ، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللهِ قال: كُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجُمُعَةِ فمرت عيرٌ تحملُ الطَّعام فخرج الناسُ إلاَّ اثني عشر رجلاً فنزلت/ آيةُ الجُمعةِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3222- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}: [الآية: 11]، أنَّ أهْلَ مكةَ أصابهم جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير، والنبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الجمعة، فسمعوا بها، فخرجوا إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قائم كما هو، فأنزل الله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}: [الآية: 11]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو اتبع آخرهم أوَّلهم التهب عَلَيْهم الوادي ناراً ". تفسير : 3223- قال معمر، وقال قتادة: لم يَبْقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ إلاَّ اثنا عشر رَجُلاً وامرأة.