٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون
63 - Al-Munafiqoun (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر من كان يكذبه قلباً ولساناً بضرب المثل كما قال: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } تفسير : [الجمعة: 5] وهذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلباً دون اللسان ويصدقه لساناً دون القلب، وأما الأول بالآخر، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيهاً لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون، كما قال في أول هذه السورة: {إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ} أنهم أضمروا غير ما أظهروا، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب، وحقيقة كل كلام كذلك، فإن من أخبر عن شيء واعتقد بخلافه فهو كاذب، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي والوجود الذهني، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني، والوجود الخارجي، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله، وسماهم الله كاذبين لما أن قولهم: يخالف اعتقادهم، وقال: قوم لم يكذبهم الله تعالى في قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم في قوله تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } تفسير : [التوبة: 74] الآية. و{أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } تفسير : [التوبة: 56] وجواب إذا {قَالُواْ نَشْهَدُ } أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة، فهم كاذبون في تلك الشهادة، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله، فلو قالوا: نعلم إنك لرسول الله، أفاد مثل ما أفاد هذا، أم لا؟ نقول: ما أفاد، لأن قولهم: نشهد إنك لرسول الله، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة، وقولهم: نعلم ليس بصريح في إثبات العلم، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} روى البخاريّ حديث : عن زيد بن أَرْقم قال: كنت مع عَمّي فسمعت عبد الله بن أُبَيّ بن سلول يقول: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}. وقال: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} فذكرت ذلك لعمّي فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا؛ فصدّقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَذّبني. فأصابني همّ لم يصبني مثله، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} ـ إلى قوله ـ {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} ـ إلى قوله ـ {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} فأرسل إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:«إن الله قد صدقك» تفسير : خرّجه الترمذيّ قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الترمذي عن زيد بن أَرقم قال: غَزَوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا (إليه) فيسبق الأعرابيّ أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النِّطْع عليه حتى تجيء أصحابه. قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرْخَى زمام ناقته لتشرب فأبَى أن يَدَعَه، فانتزع حجراً فغاض الماء؛ فرفع الأعرابيّ خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشَجّه، فأتى عبدَ الله بن أبَيّ رأس المنافقين فأخبره ـ وكان من أصحابه ـ، فغضب عبد الله بن أبَيّ ثم قال: لا تُنْفِقُوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ـ يعني الأعراب ـ وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام؛ فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة ليُخْرِجَنّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ. قال زيد: وأنا رِدْف عمي فسمعت عبد الله بن أُبَيّ فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجَحَد. قال: فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَذّبني. قال: فجاء عمي إليّ فقال: ما أردتُ إلى أن مَقَتَك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَذّبك والمنافقون. قال: فوقع عليّ من جرأتهم ما لم يقع على أحد. قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قد خفَقْتُ برأسي من الَهمّ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَرك أذني وضحك في وجهي؛ فما كان يَسُرّني أن لي بها الخُلْد في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ما قال شيئاً إلا أنه عَرَك أذني وضحك في وجهي؛ فقال أبشر! ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وسئل حُذيفة بن اليَمَان عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وهو اليوم شرّ منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان»تفسير : . وعن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فَجَر»تفسير : . أخبر عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقاً، وخبره صدق. وروي عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدّثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وأْتُمِنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال؛ شَفَقاً أن تُفْضِيَ بهم إلى النفاق. وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق. وقد مضى في سورة «براءة» القول في هذا مستوفىً والحمد لله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : المؤمن إذا حدّث صدق وإذ وعد أنجز وإذا ائتمن وَفَّى»تفسير : . والمعنى: المؤمن الكامل إذا حدّث صدق. والله أعلم. قوله تعالى: {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} قيل: معنى «نَشْهَدُ» نحلف. فعبّر عن الحلف بالشهادة؛ لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مُغَيّب؛ ومنه قول قيس بن ذَرِيح:شعر : وأشهد عند الله أني أحِبّها فهذا لها عندي فما عندها لِيا تفسير : ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} كما قالوه بألسنتهم. {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. أي فيما أظهروا من شهادتهم وحَلفِهم بألسنتهم. وقال الفراء: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} بضمائرهم، فالتكذيب راجع إلى الضمائر. وهذا يدل على أن الإيمان تصديق القلب، وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب. ومن قال شيئاً واعتقد خلافه فهو كاذب. وقد مضى هذا المعنى في أول «البقرة» مستوفى. وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ} تفسير : [التوبة:56].
البيضاوي
تفسير : مدنية وآيها إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } الشهادة إخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع، ولذلك صدق المشهور به وكذبهم في الشهادة بقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } لأنهم لم يعتقدوا ذلك. {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذه، فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد، وقرىء «إيمانهم» {جُنَّةُ } وقاية من القتل والسبي. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } صداً أو صدوداً. {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من نفاقهم وصدهم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الكلام المتقدم أي ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم، أو إلى الحال المذكورة من النفاق والكذب والاستجنان بالإِيمان. { بِأَنَّهُمْ آمَنُوا } بسبب أنهم آمنوا ظَاهراً. {ثُمَّ كَفَرُواْ } سراً، أو {ءامَنُواْ } إذا رأوا آية {ثُمَّ كَفَرُواْ } حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة. {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } حتى تمرنوا على الكفر فاستحكموا فيه. {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } حقية الإِيمان ولا يعرفون صحته. {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ } لضخامتها وصباحتها. {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } لذلاقتهم وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبيّ جسيما فصيحاً يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع مثله، فيعجب بهيكلهم ويصغي إلى كلامهم. {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } حال من الضمير المجرور في {قَوْلُهُمْ } أي تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحاً خالية عن العلم والنظر، وقيل الـ {خُشُبٌ } جمع خشباء وهي الخشبة التي نُخِرَ جَوْفُهَا، شبهوا بها في حسن المنظر وقبح المخبر، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل عن ابن كثير بسكون الشين على التخفيف، أو على أنه كبدن في جمع بدنة {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } أي واقعة عليهم لجبنهم واتهامهم، فـ {عَلَيْهِمْ } ثاني مفعولي {يَحْسَبُونَ }، ويجوز أن يكون صلته والمفعول: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } وعلى هذا يكون الضمير للكل وجمعه بالنظر إلى الخبر لكن ترتب قوله: {فَٱحْذَرْهُمْ } عليه يدل على أن الضمير للمنافقين. {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } دعاء عليهم وهو طلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الحق. {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوُسَهُمْ} عطفوها إعراضاً واستكبارً عن ذلك، وقرأ نافع بتخفيف الواو. {رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عن الاستغفار. {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتذار.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المنافقين: أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فأما في باطن الأمر، فليسوا كذلك، بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} أي: إذا حضروا عندك، واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة: أنه رسول الله، فقال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ} أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقاً للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون، ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم. وقوله تعالى: {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفان الآثمة؛ ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون، وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالاً، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها (اتخذوا إيمانهم جنة) أي: تصديقهم الظاهر جنة، أي: تقية يتقون به القتل، والجمهور يقرؤها {أَيْمَـٰنَهُمْ} جمع يمين. وقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي: إنما قدر عليهم النفاق؛ لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فطبع الله على قلوبهم، فهم لا يفقهون. أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} أي: وكانوا أشكالاً حسنة، وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع، يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور، والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف، يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم؛ كما قال تعالى: {أية : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} تفسير : [الأحزاب:19] فهم جهامات وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال؟ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجراً، ولا يأتون الصلاة إلا دبراً، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار» تفسير : وقال يزيد بن مرة: «سُخُبٌ بالنهار».
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ } بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ } يعلم {إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ } فيما أضمروه مخالفاً لما قالوه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } أي: إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك، وجواب الشرط: {قالوا}، وقيل: محذوف، و{قالوا}: حال، والتقدير: جاءوك قائلين كيت وكيت، فلا تقبل منهم، وقيل: الجواب {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } وهو بعيد {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } أكدوا شهادتهم بإنّ واللام، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، ومعنى {نشهد}: نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم، ومن هذا قول قيس بن ذَريح:شعر : وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا تفسير : ومثل نشهد نعلم، فإنه يجري مجرى القسم، كما في قول الشاعر:شعر : ولقد علمت لتأتينّ منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها تفسير : وجملة: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } معترضة مقرّرة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } أي: في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد؛ لا إلى منطوق كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة، فإنه حقّ، والمعنى: والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدالّ على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب، وموافقة باطن لظاهر. {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } أي: جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم، وإن محمداً لرسول الله وقاية تقيهم منكم، وسترة يستترون بها من القتل والأسر، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه، وقد تقدّم قول من قال: إنها جواب الشرط. قرأ الجمهور: {أيمانهم} بفتح الهمزة، وقرأ الحسن بكسرها، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة المجادلة، {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: منعوا الناس عن الإيمان والجهاد، وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم من التشكيك والقدح في النبوّة. هذا معنى الصدّ الذي بمعنى الصرف، ويجوز أن يكون من الصدود، أي: أعرضوا عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من النفاق والصدّ، وفي ساء معنى التعجب، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره من الكذب، والصدّ، وقبح الأعمال، وهو مبتدأ، وخبره: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي: بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقاً {ثُمَّ كَفَرُواْ } في الباطن، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين، وأظهروا الكفر للكافرين، وهذا صريح في كفر المنافقين، وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدّوا، والأوّل أولى، كما يفيده السياق. {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي: ختم عليها بسبب كفرهم. قرأ الجمهور: {فطبع} على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده، وقرأ زيد بن عليّ على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، ويدل على هذا قراءة الأعمش: (فطبع الله على قلوبهم). {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } ما فيه من صلاحهم ورشادهم، وهو الإيمان. {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ } أي: هيئاتهم ومناظرهم، يعني: أن لهم أجساماً تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } فتحسب أن قولهم حقّ وصدق لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وقد كان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فصيحاً جسيماً جميلاً، وكان يحضر مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا قال سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم مقالته. قال الكلبي: المراد عبد الله بن أبيّ، وجدّ بن قيس، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: لكلّ من يصلح له، ويدلّ عليه قراءة من قرأ: (يسمع) على البناء للمفعول، وجملة: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } مستأنفة لتقرير ما تقدّم من أن أجسامهم تعجب الرائي وتروق الناظر، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، شبّهوا في جلوسهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط التي لا تفهم ولا تعلم، وهم كذلك لخلوّهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه، قال الزجاج: وصفهم بتمام الصور، ثم أعلم أنهم في ترك الفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. قرأ الجمهور: {خشب} بضمتين، وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل بإسكان الشين، وبها قرأ البراء بن عازب، واختارها أبو عبيد؛ لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن، واختار القراءة الأولى أبو حاتم. وقرأ سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب بفتحتين، ومعنى {مُّسَنَّدَةٌ }: أنها أسندت إلى غيرها، من قولهم: أسندت كذا إلى كذا، والتشديد للتكثير. ثم عابهم الله سبحانه بالجبن، فقال: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } أي: يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم، نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان: أحدهما: أنه عليهم، ويكون قوله: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } جملة مستأنفة؛ لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم يظهرون غير ما يبطنون، والوجه الثاني: أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ }، ويكون قوله: {عَلَيْهِمْ } متعلقاً بـ {صيحة}، وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقه أن يقال: هو العدوّ، والوجه الأوّل أولى. قال مقاتل، والسديّ: أي إذا نادى منادٍ في العسكر، أو انفلتت دابة، أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب، ومن هذا قول الشاعر:شعر : ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم خيلا تكرّ عليهم ورجالا تفسير : وقيل: كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم، ويبيح دماءهم وأموالهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن يأخذ حذره منهم فقال: {فَٱحْذَرْهُمْ } أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يطلعوا على شيء من أسرارك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار. ثم دعا عليهم بقوله: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي: لعنهم الله، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريقة التعجب، كقولهم: قاتله الله من شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، بل المراد ذمهم وتوبيخهم، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته - عزّ وجلّ - أن يلعنهم ويخزيهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك؛ ومعنى {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }: كيف يصرفون عن الحق، ويميلون عنه إلى الكفر. قال قتادة: معناه يعدلون عن الحق. وقال الحسن معناه يصرفون عن الرشد. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } أي: إذا قال لهم القائل من المؤمنين قد نزل فيكم ما نزل من القرآن، فتوبوا إلى الله ورسوله، وتعالوا يستغفر لكم رسول الله {لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } أي: حركوها استهزاء بذلك. قال مقاتل: عطفوا رءوسهم رغبة عن الاستغفار. قرأ الجمهور: {لوّوا} بالتشديد. وقرأ نافع بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } أي: يعرضون عن قول من قال لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله، أو يعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة: {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى، وهي يصدّون؛ لأن الرؤية بصرية، فـ {يصدّون} في محل نصب على الحال، والمعنى: ورأيتهم صادّين مستكبرين {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } أي: الاستغفار وعدمه سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق، واستمرارهم على الكفر. قرأ الجمهور: {أستغفرت} بهمزة مفتوحة من غير مدّ، وحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة "أم" عليها. وقرأ يزيد بن القعقاع بهمزة ثم ألف {لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } أي: ما داموا على النفاق {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي: الكاملين في الخروج عن الطاعة، والانهماك في معاصي الله، ويدخل فيهم المنافقون دخولاً أوّلياً. ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } أي: حتى يتفرّقوا عنه، يعنون بذلك فقراء المهاجرين، والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل لفسقهم، أو لعدم مغفرة الله لهم. قرأ الجمهور: {ينفضوا} من الانفضاض، وهو التفرّق، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: (ينفضوا) من أنفض القوم: إذا فنيت أزوادهم، يقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفضّ. ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} أي: إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين؛ لأن خزائن الرزق له فيعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء ما شاء {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } ذلك، ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد الله عزّ وجلّ، وأنه الباسط القابض المعطي المانع. ثم ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ} القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وعنى بالأعزّ: نفسه ومن معه، وبالأذلّ: رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ومراده بالرجوع: رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل هو فرد من أفرادهم، وهو عبد الله بن أبيّ، لكونه كان رئيسهم وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله سامعون له مطيعون. ثم ردّ الله سبحانه على قائل تلك المقالة فقال: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } أي: القوّة والغلبة لله وحده ولمن أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده لا لغيرهم. اللَّهم كما جعلت العزّة للمؤمنين على المنافقين، فاجعل العزّة للعادلين من عبادك، وأنزل الذلة على الجائرين الظالمين {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } بما فيه النفع فيفعلونه، وبما فيه الضرّ فيجتنبونه، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم ومزيد حيرتهم، والطبع على قلوبهم. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس شدّة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } من حوله، وقال: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ } فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ، فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا شدّة حتى أنزل الله تصديقي في {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ }، فدعاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلوّوا رءوسهم، وهو قوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } قال: كانوا رجالاً أجمل شيء. وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما سماهم الله منافقين، لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإيمان. وأخرج ابن المنذر عنه: {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } قال: حلفهم بالله إنهم لمنكم اجتنوا بأيمانهم من القتل والحرب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } قال: نخل قيام. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً. قال: نزلت هذه الآية: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } في عسيف لعمر بن الخطاب. وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم، وابن مسعود أنهما قرآ: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله). وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة. قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال المهاجريّ يا للمهاجرين، وقال الأنصاريّ يا للأنصار، فسمع ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : ما بال دعوة الجاهليةتفسير : ؟ قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:حديث : دعوها، فإنها منتنةتفسير : ، فسمع ذلك عبد الله بن أبيّ، فقال: أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منه الأذلّ، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»تفسير : ، زاد الترمذي فقال له ابنه عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله العزيز، ففعل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} سئل حذيفة ابن اليمان عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وهم اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. {قالوا نشهد إنك لرسول الله} يعني نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب، ومنه قول قيس بن ذريح: شعر : وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا تفسير : ويحتمل ثانياً: أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه. وسبب نزول هذه الأية ما روى أسباط عن السدي أن عبد الله بن أبي بن سلول كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة وفيها أعراب يتبعون الناس، وكان ابن أبي يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم طعاماً، فاستقى أعرابي ماء في حوض عمله من أحجار، فجاء رجل من أصحاب ابن ابي بناقة ليسقيها من ذلك الماء فمنعه الأعرابي واقتتلا فشجه الاعرابي، فأتى الرجل إلى عبد الله [بن أبي] ودمه يسيل على وجهه، فحزنه، فنافق عبد الله وقال: ما لهم رد الله أمرهم إلى تبال، وقال لأصحابه: لا تأتوا محمداً بالطعام حتى يتفرق عنه الأعراب، فسمع ذلك زيد بن أرقم وكان حدثاً، فأخبر عمه، فأتى عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه، فبعث إلى ابن أبيّ وكان من أوسم الناس وأحسنهم منطقاً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف: والذي بعثك بالحق ما قلت من هذا شيئاً، فصدقه فأنزل الله هذه الآية. {والله يعلم إنك لرسوله} أي إن نافق من نافقك من علم الله بأنك رسوله فلا يضرك. ثم قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} يحتمل وجهين: أحدهما: والله يقسم إن المنافقين لكاذبون في أيمانهم. الثاني: معناه والله يعلم أن المنافقين لكاذبون فيها. {اتخذوا أيمانهم جنة} والجنة: الغطاء المانع من الأذى، ومنه قول الأعشى ميمون. شعر : إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة من المال سار الذم كل مسير تفسير : وفيه وجهان: أحدهما: من السبي والقتل ليعصموا بها دماءهم وأموالهم، قاله قتادة. الثاني: من الموت ألاَّ يُصلَّى عليهم، فيظهر على جميع المسلمين نفاقهم، وهذا معنى قول السدي. ويحتمل ثالثاً: جنة تدفع عنهم فضيحة النفاق. {فصدوا عن سبيل الله} فيه وجهان: أحدهما: عن الإسلام بتنفير المسلمين عنه. الثاني: عن الجهاد بتثبيطهم المسلمين وإرجافهم به وتميزهم عنهم، قال عمر بن الخطاب: ما أخاف عليكم رجلين: مؤمناً قد استبان إيمانه وكافر قد استبان كفره، ولكن أخاف عليكم منافقاً يتعوذ بالإيمان ويعمل بغيره. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} يعني حسن منظرهم وتمام خلقهم. {وإن يقولوا تسمع لقولهم} يعني لحسن منطقهم وفصاحة كلامهم. ويحتمل ثانياً: لإظهار الإسلام وذكر موافقتهم. {كأنهم خشب مسندة} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه شبههم بالنخل القيام لحسن منظرهم. الثاني: [شبههم] بالخشب النخرة لسوء مخبرهم. الثالث: أنه شبههم بالخشب المسندة لأنهم لا يسمعون الهدى ولا يقبلونه، كما لا تسمعه الخشب المسندة، قاله الكلبي، وقوله: {مسندة} لأنهم يستندون إلى الإيمان لحقن دمائهم. {يحسبون كل صيحة عليهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لِوَجَلهم وخبثهم يحسبون كل صيحة يسمعونها - حتى لو دعا رجل صاحبه أو صاح بناقته - أن العدو قد اصطلم وأن القتل قد حَلَّ بهم، قاله السدي. الثاني: {يحسبون كل صيحة عليهم} كلام ضميره فيه ولا يفتقر إلى ما بعده، وتقديره: يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم فقال: {هم العدو فاحذرهم} وهذا معنى قول الضحاك. الثالث: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبداً وجلون ثم وصفهم الله بأن قال: {هم العدو فاحذرهم} حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. وفي قوله: {فاحذرهم} وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم وتميل إلى كلامهم. الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك. {قاتلهم الله} فيه وجهان: أحدهما: معناه لعنهم الله، قاله ابن عباس وأبو مالك. والثاني: أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر، لأن الله تعالى قاهر لكل معاند، حكاه ابن عيسى. وفي قوله: {أني يؤفكون} أربعة أوجه: أحدها: معناه يكذبون، قاله ابن عباس. الثاني: معناه يعدلون عن الحق، قاله قتادة. الثالث: معناه يصرفون عن الرشد، قاله الحسن. الرابع: معناه كيف يضل عقولهم عن هذا، قاله السدي.
ابن عطية
تفسير : فضح الله تعالى بهذه الآية سريرة المنافقين، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم {نشهد إنك لرسول الله}، وهم في إخبارهم هذا كاذبون، لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في قلبه، وكسرت الألف من "إن" في الثلاثة، لدخول اللام المؤكدة في الخبر، وذلك لا يكون مع المفتوحة، وقوله: {نشهد} وما جرى مجراها من أفعال اليقين، والعلم يجاب بما يجاب به القسم، وهي بمنزلة القسم، وقرأ الناس: "أيْمانهم" جميع يمين، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف "إيمانهم"، بكسر الألف، أي هذا الذي تظهرون، وهذا على حذف مضاف، تقديره: إظهار إيمانهم، والجنة: ما يستتر به في الأجرام والمعاني، وقوله تعالى: {فصدوا} يحتمل أن يكون غير متعد تقول: صد زيد، ويحتمل أن يكون متعدياً كما قال: شعر : صددت الكأس عنا أم عمرو تفسير : والمعنى: صدوا غيرهم ممن كان يريد الإيمان أو من المؤمنين في أن يقاتلوهم وينكروا عليهم، وتلك سبيل الله فيهم، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى فعل الله تعالى في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى ساء عملهم أن كفروا بعد إيمانهم، وقوله تعالى: {آمنوا ثم كفروا} إما أن يريد به منهم من كان آمن ثم نافق بعد صحة من إيمانه، وقد كان هذا موجوداً، وإما أن يريدهم كلهم، فالمعنى ذلك أنهم أظهروا الإيمان ثم كفروا في الباطن أمرهم فسمى ذلك الإظهار إيماناً، وقرأ بعض القراء: "فطبع" على بناء الفعل للفاعل، وقرا جمهور القراء: "فطُبع" بضم الطاء على بنائه للمفعول بغير إدغام. وأدغم أبو عمرو، وقرأ الأعمش: "فطبع الله"، وعبر بالطبع عما خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر والمصير إلى النار، وقوله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم} توبيخ لهم لأنهم كانوا رجالاً أجمل شيء وأفصحه، فكان نظرهم يروق وقولهم يخيب، ولكن الله تعالى جعلهم "كالخشب المسندة"، وإنما هي أجرام لا عقول لها، معتمدة على غيرها، لا تثبت بأنفسها، ومنه قولهم: تساند القوم إذا اصطفوا وتقابلوا للقتال، وقد يحتمل أن يشبه اصطفافهم في الأندية باصطفاف الخشب المسندة وخلوهم من الأفهام النافعة خلو الخشب من ذلك، وقال رجل لابن سيرين: رأيتني في النوم محتضناً خشبة، فقال ابن سيرين: أظنك من أهل هذه الآية وتلا: {كأنهم خشب مسندة}. وقرأ عكرمة وعطية: "يُسمع" مضمومة بالياء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وعاصم: "خُشُب" بضم الخاء والشين، وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: "خُشْب" بضم الخاء وإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابن عبيد. وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: "خَشَب" بفتح الخاء والشين، وذلك كله جمع خشبة بفتح الخاء والشين، فالقراءتان أولاً كما تقول: بُدْنة وبَدْن وبُدْن: قاله سيبويه، والأخيرة على الباب في تمرة وتمر. وكان عبد الله بن أبي من أبهى المنافقين وأطولهم، ويدل على ذلك أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه، وقد تقدم في سورة البقرة تحرير أمر المنافقين وكيف سترهم الإسلام. وقوله تعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم}، فضح أيضاً لما كانوا يسرونه من الخوف، وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بقتلهم، وقال مقاتل: فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة أو صياحاً بأي وجه كان أو أخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك. ويكون في غير شأنهم، وجرى هذا اللفظ مثلاً في الخائف، ونحو قول الشاعر [بشار بن برد العقيلي]: [الوافر] شعر : يروّعه السرار بكل أرض مخافة أن يكون به السرار تفسير : وقول جرير: [الكامل] شعر : ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلاً تكر عليهمُ ورجالا تفسير : ثم أخبر تعالى بأنهم {العدو} وحذر منهم، و {العدو} يقع للواحد والجمع، وقوله تعالى: {قاتلهم الله} دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة، وتمني الشر لهم، وقوله تعالى: {أنى يؤفكون} معناه: كيف يصرفون، ويحتمل أن يكون {أنى} استفهاماً، كأنه قال كيف يصرفون أو لأي سبب لا يرون أنفسهم، ويحتمل أن يكون: {أنى} ظرفاً لـ {قاتلهم} كأنه قال {قاتلهم الله}، كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في القول استفهام على هذا.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَشْهَدُ} نحلف عبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد منهما إثبات لأمر غائب {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} فلا يضرك نفاق من نافق.
النسفي
تفسير : {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } أرادوا شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } أي والله يعلم أن الأمر كما يدل عليه قولهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } في ادعاء المواطأة أو إنهم لكاذبون فيه لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة فهم كاذبون في تسميته شهادة، أو إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } وقاية من السبي والقتل وفيه دليل على أن أشهد يمين {فَصَدُّواْ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } عن الإسلام بالتنفير وإلقاء الشبه {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي «ساء» معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين {ذٰلِكَ } إشارة إلى قوله {أية : سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }تفسير : أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا أي نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا، ثم ظهر كفرهم بعد ذلك بقولهم: إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن حمير ونحو ذلك، أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } تفسير : [البقرة: 14] الآية. {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فختم عليها حتى لا يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون أو لا يعرفون صحة الإيمان. والخطاب في {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ } لرسول الله أو لكل من يخاطب {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } كان ابن أبيّ رجلاً جسيماً صبيحاً فصيحاً، وقوم من المنافقين في مثل صفته، فكانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياً كلهم ويسمعون إلى كلامهم. وموضع {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ } رفع على «هم كأنهم خشب»، أو هو كلام مستأنف لا محل له {مُّسَنَّدَةٌ } إلى الحائط، شبهوا في استنادهم ـ وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير ـ بالخشب المسندة إلى الحائط لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع، أو لأنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام، {خُشُبٌ } أبو عمرو غير عباس وعلي جمع خشبة كبدنة وبدون خشب كثمرة وثمر {يحسبون كلّ صيحةٍ عليهم} {كُلَّ صَيْحَةٍ } مفعول أول والمفعول الثاني {عَلَيْهِمْ } وتم الكلام أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم لخيفتهم ورعبهم يعني إذا نادى منادٍ في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوه إيقاعاً بهم. ثم قال {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي {فَٱحْذَرْهُمْ } ولا تغترر بظاهرهم {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } دعاء عليهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } عطفوها وأمالوها إعراضاً عن ذلك واستكباراً {لَوَّوْاْ } بالتخفيف: نافع {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتذار والاستغفار. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع ـ وهو ماء لهم ـ وهزمهم وقتلهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد ـ أجير لعمر ـ وسنان الجهني ـ حليف لابن أبي ـ واقتتلا، فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين، وسنان: يا للأنصار، فأعان جهجاهاً جعال ـ من فقراء المهاجرين ـ ولطم سناناً فقال عبد الله لجعال وأنت هناك وقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، عني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لقومه: والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل المبغض في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج في عز من الرحمن وقوة من المسلمين. فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصارياً. قال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال: والله أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك وإن زيداً لكاذب فهو قوله {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } فقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قدوهم. فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين. فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوى رأسه فقال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت وما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } ولم يلبث إلا أياماً حتى اشتكى ومات. {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } أي ما داموا على النفاق. والمعنى سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم. وقرىء {استغفرت} على حذف حرف الاستفهام لأن «أم» المعادلة تدل عليه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ * هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } يتفرقوا {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي وله الأرزاق والقسم فهو رازقهم منها وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون لا يفقهون ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذا جاءك المنافقون} يعني عبد الله بن أبي سلول وأصحابه قالوا {نشهد إنك لرسول الله} وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال تعالى: {والله يعلم إنك لرسوله} أي هو الذي أرسلك فهو عالم بك {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} يعني في قولهم نشهد إنك لرسول الله لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا وذلك لأن حقيقة الإيمان أن يواطىء اللسان القلب وكذلك الكلام فمن أخبر عن شيء واعتقد خلافه أو أضمر خلاف ما أظهر فهو كاذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه كذباً لأن قولهم خالف اعتقادهم {اتخذوا أيمانهم جنة} أي سترة يسترون بها من القتل ومعنى أيمانهم ما أخبر الله عنهم من حلفهم إنهم لمنكم وقولهم نشهد إنك لرسول الله {فصدوا عن سبيل الله} أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله وطاعة رسوله وقيل منعوا الناس عن الجهاد وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {إنهم ساء ما كانوا يعملون} يعني حيث آثروا الكفر على الإيمان {ذلك بأنهم آمنوا} أي في الظاهر وذلك إذا رأوا المؤمنين أقروا بالإيمان {ثم كفروا} أي في السر وذلك إذا خلوا مع المشركين وفيه تأكيد لقوله والله يشهد إنهم لكاذبون {فطبع على قلوبهم} أي بالكفر {فهم لا يفقهون} أي الإيمان وقيل لا يتدبرون القرآن.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {خشب} بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد {لووا} بالتخفيف: نافع وقالون {تعملون} على الغيبة: يحي وحماد. الوقوف: {لرسول الله} ط م لئلا يوهم أن قوله {والله يعلم} من مقول المنافقين {لرسوله} ط {لكاذبون} ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً {عن سبيل الله} ط {يعملون} ه {لا يفقهون} ط {أجسامهم} ط {لقولهم} ط {مسندة} ط {عليهم} ط {فاحذرهم} ط {قاتلهم الله} ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى {يؤفكون} ه {مستكبرون} ه {تستغفر لهم} ط {لن يغفر الله لهم} ط {الفاسقين} ه {ينفضوا} ط {لا يفقهون} ه {الأذل} ط {لا يعلمون} ه {عن ذكر الله} ط للشرط مع الواو {الخاسرون} ه {قريب} ج ه لتعلق الجواب {الصالحين} ه ز {أجلها} ط {تعملون} ه. التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله تعالى لأجل علمه بعدم المواطأة. أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده. وفائدة إقحام قوله {والله يعلم إنك لرسوله} التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم {إنك لرسول الله} كذب. ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ". وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم {نشهد} لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين. {ذلك} الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون {بـ} سبب {أنهم آمنوا} باللسان {ثم كفروا} بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستندون، فيه وكان النبي صلى الله عليه وسلم والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت {وإذا رأيتهم} أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب. ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط. ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها. قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له. قوله {عليهم} ثاني مفعولي {يحسبون} أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ثم أخبر عنهم بأنهم {هم العدو} أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له. ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق {فاحذرهم} ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون {هم العدو} المفعول الثاني و {عليهم} لغو. وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة {قاتلهم الله} دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر. ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل. فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه. ولما أنزل الله تعالى تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت {وإذا قيل لهم تعالوا} ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم. أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها. وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده. وعن الحسن بن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية. وحينئذ عير المنافقين بما عير. وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله. وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن: جميع الفرائض. وقيل: القرآن. وقيل: الصلوات الخمس {يفعل ذلك} أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين. ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد. وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال {ولن يؤخر الله نفساً} والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل {فأصدّق وأكون} من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن. وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ...} الآية فَضَحَ اللَّهُ سرائرَ المنافقين بهذهِ الآيةِ، وذلكَ أنهم كَانُوا يقولُون للنبي صلى الله عليه وسلم: نَشْهَد إِنَّكَ لَرَسُولِ اللَّهِ؛ وهم في إخبارِهم هَذَا كَاذِبُونَ؛ لأَنَّ حَقِيقَةَ الكذبِ أن يُخْبِرَ الإنْسَانُ بِضِدِّ مَا في قَلْبِهِ، وهذِه كَانَتْ حالُهُم؛ وقَرَأَ الناس: «أيْمَانِهِم» جمعُ يمينٍ، وقرأ الحسنُ: «إيَمَانَهُمْ» ـــ بِكَسْرِ الهمزةِ ـــ، والجُنَّةُ: مَا يُتَسَتَّرُ به في الأَجْرَامِ والمعَانِي. وقوله: {ذٰلِكَ} إشَارَةٌ إلى فعلِ اللَّهِ بِهِمْ في فَضْحِهُم وتَوْبِيخِهم، ويحتملُ أنْ تكونَ الإشارةُ إلى سوء ما عَمِلوا، فالمعنَى سَاءَ عَمَلُهُمْ بأنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ}. "إذا": شرط، قيل: جوابه "قالوا". وقيل: محذوف، و"قالوا": حال أي إذا جاءوك قائلين كيت وكيت فلا تقبل منهم. وقيل: الجواب {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}، وهو بعيد، و"قالُوا" أيضاً: حال. فصل في تعلق هذه السورة بالتي قبلها قال ابنُ الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة مشتملةٌ على ذكر بعثة الرسول، وذكر من كان يُكذِّبهُ قلباً ولساناً فضرب لهم المثل بقوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}تفسير : [الجمعة: 5]. وهذه السورة مشتملةٌ على ذكر من كان يكذِّبُ قلباً دون اللسان، ويصدقه لساناً دون القلب. وأما تعلق الأول بالآخر، فلأن في آخر تلك السُّورة تنبيه للمؤمنين على تعظيم الرسول - عليه الصلاة والسلام - ورعايةِ حقِّه بعد النداء لصلاةِ الجمعةِ، وتقديم متابعته على غيره، فإنَّ ترك التعظيم والمتابعةِ من شيمِ المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون. فصل في نزول السورة. روى البخاري عن زيد ابن أرقم، قال: "حديث : كنت مع عمي فسمعتُ عبد الله بن أبيِّ ابْنَ سلول يقول: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}، وقال: {لَئِن رَجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}، فذكرتُ ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدَّقهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكذَّبني فأصابَنِي همٌّ لمْ يُصبني مثلُه، فجلست في بيتي، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}، وقوله: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}، فأرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال "إنَّ اللَّهَ قدْ صدقَكَ ". تفسير : وروى الترمذي عن زيد بن أرقم، قال: "غَزوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناسٌ من الأعراب، فكُنَّا نبدر الماء، أي: نقسمه، وكان الأعرابُ يسبقُوننا إلى الماء، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعلُ حوله حجارة، ويجعلُ النِّطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجلٌ من الأنصار أعرابيًّا فأرخى زِمامَ ناقته لتِشرب، فأبَى أن يدعهُ، فانتزع حجراً ففاض الماءُ، فرفع الأعرابيُّ خشبة، فضرب بها رأس الأنصاريِّ فشجَّهُ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} تفسير : [المنافقون: 7] من حوله، يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله: فإذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}. قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلف وجحد قال: فصدَّقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذَّبني، قال: فجاء عمّي إليَّ فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك، والمنافقون. قال: فوقع عليّ من جرأتهم ما لم يقع على أحدٍ. قال: فبينما أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقتُ برأسي من الهمِّ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك في أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنَّ لي بها الخُلدَ في الدنيا، ثم إن أبا بكرٍ لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبْشِرْ ثم لحقني عمرُ، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. فصل في المنافق سُئلَ حُذيفةُ بنُ اليمانِ عن المنافقِ، فقال: الذي يصفُ الإسلامَ ولا يعملُ به. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلف، وإذا ائتُمِنَ خَانَ ". تفسير : وروى عبدُ الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربعٌ من كُنَّ فيه كانَ مُنافقاً خَالِصاً، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلةٌ مِنهُنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ من النِّفاقِ حتَّى يدعها: إذا ائتُمِنَ خَانَ، وإذَا حدَّث كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ ". تفسير : وروي عن الحسن أنه ذُكِرَ له هذا الحديثُ، فقال: إن بني يعقوب حدَّثوا فكذبُوا، ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقاً أن تفضي بهم إلى النفاق. وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصالُ من غير اختيارٍ واعتيادٍ أنه منافقٌ وقال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : المُؤمِنُ إذَا حدَّثَ صَدَقَ، وإذَا وَعَدَ نجَّزَ، وإذا ائتُمِنَ وفَّى ". تفسير : والمعنى: أن المؤمن الكامل إذا حدَّث صدق. قوله: "نَشْهَدُ". يجري مجرى القسم كفعلِ العلم واليقين، ولذلك تلقي بما يتلقى به القسم في قوله: {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ}. وفي قوله: [الكامل] شعر : 4770 - ولَقَدْ عَلِمْتُ لتَأتِيَنَّ مَنِيَّتِي إنَّ المَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا تفسير : وقد تقدم [الخلاف] في الصدق والكذب، واستدلالهم بهذه الآية، والجواب عنها في أول البقرة. وقال القرطبي هنا: معنى "نَشْهَدُ" نحلفُ، فعبر عن الحلف بالشهادة؛ لأن كل واحدٍ من الحلف والشهادة إثباتٌ لأمر مُغَيَّب، ومنه قول قيس بن ذريح: [الطويل] شعر : 4771 - وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أني أحِبُّهَا فَهَذَا لَهَا عِنْدِي، فَمَا عِنْدهَا لِيَا؟ تفسير : ونظيره قول الملاعن: أشهدُ بالله. قال الزمخشري: "والشهادة تجري مجرى الحلف في التوكيد. يقول الرجلُ: أشهدُ، وأشهدُ بالله، وأعزمُ، وأعزمُ بالله في موضع "أقْسِمُ وأُولي"، وبه استشهد أبو حنيفة على أن "أشهدُ" يمين". ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم وهو الأشبه. قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ}. جملة معترضة بين قوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} وبين قوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ}[لفائدة. قال الزمخشري: "ولو قال: "قالوا: نشهد إنك لرسول الله، واللَّهُ يشهدُ إنَّهُم لكاذبُون" لكان يُوهِمُ أن قولهم هذا كذبٌ، فوسط بينهما قوله: "واللَّهُ يعلمُ إنَّكَ لرسُولُه" ليُميطَ هذا الإبهام". قال القرطبي: {والله يعلم إنك لرسوله} كما قالوه بألسنتهم]، {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} بضمائرهم، فالتكذيبُ راجع إلى الضمائر وهذا يدلُّ على أن الإيمان تصديقُ القلب، وعلى أنَّ الكلام الحقيقي كلامُ القلب، ومن قال شيئاً واعتقد خلافه فهو كاذبٌ، وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم، وهو قوله: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}تفسير : [التوبة: 56]. قال ابن الخطيب: فإن قيل: لو قالوا: نعلم إنَّك لرسولُ الله مكان قولهم: نشهد إنَّكَ لرسُولُ اللَّهِ، تفيد ما أفاد قولهم: نشهد؟. فالجواب: لا؛ لأن قولهم: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} صريحٌ في الشَّهادة على إثبات الرسالة، وقولهم: نعلم ليس بصريح في ذلك. قوله: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. قد تقدم الكلام أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط. ويجوز أن يكون مستأنفاً جيء به لبيان كذبهم وحلفهم عليه، أي أنَّ الحامل لهُم على الأيمانِ اتقاؤهم بها عن أنفسهم. والعامة: على فتح الهمزة، جمع يمين. والحسن: بكسرها مصدراً. وتقدم مثله في "المجادلة"، والجُنَّةُ: التُّرْس ونحوه، وكل ما يقيك سوءاً. ومن كلام الفصحاء: [جُبَّةُ البرد] جُنَّةُ البردِ. قال أعشى همدان الشاعر: [الطويل] شعر : 4772 - إذَا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لعرضِكَ جُنَّةً مِنَ المَالِ سَارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرِ تفسير : فصل قال القرطبي وغيره: اتَّخذُوا أيمانهُم جُنَّةً، أي: سُترةً، وليس يرجع إلى قوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} وإنَّما يرجعُ إلى سبب الآيةِ التي نزلت عليه حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن أبيّ أنه حلف ما قال، وقد قال، وقال الضحاك: يعني: حلفهم بالله "إنهم لمنكم". وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة "براءة" في قوله: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ}تفسير : [التوبة: 74]. فصل في نص اليمين قال القرطبي: "من قال: أقسمُ باللَّهِ، وأشهد بالله، أو أعزم بالله، أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو شهدت، أو عزمت، أو حلفت، وقال في ذلك كله: "بالله" فلا خلاف أنها يمينٌ، وكذلك عند مالكٍ وأصحابه أن من قال: أقسمُ، أو أشهد، أو أعزم، أو أحلف، ولم يقل "بالله" إذا أراد "بالله"، وإن لم يرد "بالله" فليس بيمين". وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا كان يميناً، ولو قال: أشهد لقد كان كذا - دون النية - كان يميناً لهذه الآية؛ لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. وعند الشافعي: لا يكون ذلك يميناً وإن نوى اليمينَ؛ لأنَّ قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ليس يرجعُ إلى قوله: "قالوا: نَشهدُ"، وإنما يرجعُ إلى ما في براءة من قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ}. قوله: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. أي: أعرضوا، وهو من الصُّدود، أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حدود الله عليهم من القَتْل، والسبي، وأخذ الأموال، فهو من الصَّدِّ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا أو يقتدي بهم غيرهم. وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدُّخول في الإسلام بأن يقولوا: ها نحن كافرون بهم، ولو كان ما جاء به محمد حقًّا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالاً، فبيَّن الله أنَّ حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أشهر [الإيمان] أجري عليه في الظَّاهر حكم الإيمان. قوله: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. أي: سيئت أعمالهم الخبيثةُ في نفاقهم، وأيمانهم الكاذبةِ، وصدِّهم عن سبيل الله. و"ساء" يجوز أن تكون الجارية مجرى "بِئْسَ"، وأن تكون على بابها، والأول أظهر وقد تقدم حكم كل منهما. فإن قيل: إنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، ولم يقل: إنَّهم ساء ما كانوا يعملون؟. قال ابن الخطيب: والجواب أن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جُنَّة أي: سُترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا}. هذا إعلامٌ من الله بأن المنافقين كفار، إذْ أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب. وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي ختم عليها بالكفر {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} الإيمان ولا الخير. وقرأ العامَّةُ: "فَطُبِعَ" مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار بعده. وزيد بن علي: "فَطَبَعَ" مبنياً للفاعل. وفي الفاعل وجهان: أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى، ويدل عليه قراءة الأعمشِ، وقراءته في رواية عنه: "فَطَبَعَ اللَّهُ" مُصرحاً بالجلالة الكريمة. وكذلك نقله القرطبي عن زيد بن علي. فإن قيل: إذا كان الطَّبْع بفعل الله - تعالى - كان ذلك حجة لهم على الله تعالى فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا بسبب أنه - تعالى - طبع على قلوبنا؟. فأجاب ابن الخطيب: بأن هذا الطبع من الله - تعالى - لسوء أفعالهم، وقصدهم الإعراض عن الحق فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وغوايتهم الباطلة. والثاني: أن الفاعل ضميرٌ يعودُ على المصدر المفهوم مما قبله، أي: فطبع هو أي بلعبهم بالدين. قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ}. أي: هيئاتهم، ومناظرهم، {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} يعني: عبد الله بن أبي وقال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، وصفه الله بتمامِ الصُّورةِ وحسن الإبانةِ. وقال الكلبي: المراد ابن أبي وجدُّ بن قيس ومعتِّب بن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وفي صحيح مسلم: وقوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}. كانوا رجالاً [أجمل] شيء كأنهم خشبٌ مسنَّدةٌ شبههم بخشب مسندة إلى الحائطِ لا يسمعون ولا يعقلون أشباحٌ بلا أرواحٍ، وأجسامٌ بلا أحلامٍ. وقيل: شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها. قال الزمخشري: شبهوا في استنادهم بالخشب المسندة إلى حائط؛ لأنهم أجرام خاليةٌ عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار، أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به فأسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان. فصل في قراءة خشب قرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: "خُشْبٌ" بإسكان الشين. وهي قراءة البراء بن عازب، واختيارُ عُبيدٍ. لأنَّ واحدتها خشبة كما تقول: بدنة وبُدْن. قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: و"خُشبٌ" - بالإسكان والضم - جمع خَشَب، مثل: أَسَد وأُسْد. قال القرطبي: وليس في اللغة: "فَعَلَة" يجمع على "فُعُل"، ويلزم من ثقلها أن تقول: "البُدُن" فتقرأ: "والبُدُنَ"، وذكر اليزيدي أنه جمع الخشباءِ، كقوله تعالى: {أية : وَحَدَآئِقَ غُلْباً}تفسير : [عبس: 30] واحدتها: حديقة غلباء. وقرأ الباقون من السبعة: بضمتين. وقرأ سعيد بن جبير، وابن المسيب: بفتحتين. ونسبها الزمخشري لابن عبَّاس، ولم يذكر غيره. فأما القراءة - بضمتين - فقيل: يجوز أن تكون جمع خشبة، نحو: ثمرة وثُمُر. قاله الزمخشري. وفيه نظر؛ لأن هذه الصيغة محفوظة في "فَعَلَة" لا ينقاس نحو: ثَمَرَة وثُمُر. ونقل الفارسي عن الزبيدي: "أنه جمع: خَشْبَاء، وأخْشِبَة" غلط عليه؛ لأنه قد يكون قال: "خُشْب" - بالسكون - جمع "خَشْبَاء" نحو: "حَمْرَاء وحُمْر" لأن "فَعْلاء" الصفة لا تجمع على "فُعُل" بضمتين، بل بضمة وسكون. وقوله: الزبيدي، تصحيف، إما منه، وإما من الناسخ، إنما هو اليزيدي تلميذ أبي عمرو بن العلاء، ونقل ذلك الزمخشري. وأما القراءة بضمة وسكون. فقيل: هي تخفيف الأولى. وقيل: هي جمع خشباء، كما تقدم. وهي الخشبة التي نُخِر جوفها، أي: فرغ، شبهوا بها لفراغ بواطنهم مما ينتفع به. وأما القراءة - بفتحتين - فهو اسم جنس، وأنِّثَتْ صفته، كقوله: {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 7] وهو أحد الجائزين. وقول: "مُسَنَّدَةٌ". تنبيه على أنه لا ينتفعُ بها كما ينتفعُ بالخشب في سقفٍ وغيره، أو شبهوا بالأصنام؛ لأنهم كانوا يسندونها إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم. وقيل: شُبِّهُوا بالخشب المُسنَّدةِ إلى الحائط، لأن الخشبة المسنَّدة إلى الحائط أحدُ طرفيها إلى جهة، والآخرُ إلى جهة أخرى. والمنافق كذلك لأن أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهرُ إلى جهة أهلِ الإسلام. ونقل القرطبي عن سيبويه أنه يقال: "خَشَبةٌ وخِشَابٌ وخُشُبٌ" مثل: ثَمَرة وثِمَار وثُمُر، والإسناد: الإمالة، تقول: أسندتُ الشيء أي: أملته، و"مُسَنَّدةٌ" للتكثير، أي: استندوا إلى الإيمان لحقن دمائهم. قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}. فيه وجهان: أظهرهما: أن "عليهم" هو المفعول الثاني للحسبان، أي واقعة وكائنة عليهم ويكون قوله: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} جملة مستأنفة، أخبر الله عنهم بذلك. والثاني: أن يكون "عليهم" متعلقاً بـ"صَيحةٍ" و"هُمُ العَدُوُّ" جملة في موضع المفعول الثاني للحسبان. قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون "هُمُ العَدُوُّ" هو المفعولُ الثَّاني كما لو طرحت الضمير. فإن قلت: فحقه أن يقال: هي العدُوُّ، قلت: منظور فيه إلى الخبر كما في قوله: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 77]، وأن يقدر مضافٌ محذوفٌ أي: يحسبون كل أهلِ صيحةٍ" انتهى. وفي الثاني بعد بعيد. فصل وصفهم الله تعالى بالجُبْنِ والخَوَر. قال مقاتل والسدي: إذا نادى مناد في العسكر أن أنفلتت دابة، أو أنشدت ضالّة ظنوا أنهم هم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب. كما قال الأخطل: [الكامل] شعر : 4773 - مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ خَيْلاً تكرُّ عَليْهِمُ ورِجَالا تفسير : وقيل: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ}، أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم؛ لأن للريبة خوفاً، استأنف الله خطاب نبيه - عليه الصلاة والسلام - فقال: "هم العَدُوُّ" وهذا معنى قول الضحاك. وقيل: يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبداً وجلُون من أن ينزل الله فيهم أمراً يبيح به دماءهم، ويَهْتِكُ به أسْتارهُم، ثم وصفهم الله بقوله {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. قوله: {فَٱحْذَرْهُمْ}. فيه وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم. الثاني: فاحذر ممايلتهُم لأعدائك، وتخذيلهم لأصحابك. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ}. قال ابن عباس: أي: لعنهم الله. قال أبو مالك: هي كلمةُ ذمٍّ وتوبيخ. وقد تقول العرب: قاتله اللَّه ما أشعرهُ، فيضعونه موضع التعجب. وقيل: معنى {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} أي: أحلَّهُم محلَّ من قاتله عدو قاهر، لأن الله تعالى قاهرٌ لكلِّ معاندٍ. حكاه ابن عيسى. قوله: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. "أنى" بمعنى: كيف. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون "أنى" ظرفاً لـ"قاتلهم"، كأنه قال: قاتلهم الله كيف انصرفوا، أو صرفوا، فلا يكون في القولِ استفهام على هذا. انتهى. قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز؛ لأن "أنَّى" إنما تستعمل بمعنى "كيف"، أو بمعنى "أين" الشرطية أو الاستفهامية، وعلى التقادير الثلاثة فلا تتمحض للظرف، فلا يعمل فيها ما قبلها ألبتَّة كما لا يعملُ في أسماءِ الشرط والاستفهام. فصل قال ابن عباس: "أنَّى يؤفكُونَ" أي: يكذبون. وقال قتادة: أي يعدلون عن الحق. وقال الحسن: يُصْرفُونَ عن الرشدِ. وقيل: معناه كيف تضل عقولهم على هذا مع وضوح الدَّلائل، وهو من الإفك. قوله: "أنَّى" بمعنى: "كيف"، وقد تقدم. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ}. هذه المسألة عدها النحاة من الإعمال، وذلك أن "تعالوا" يطلب "رسُولُ اللَّهِ" مجروراً بـ"إلى" أي: تعالوا إلى رسول الله. و "يَستَغْفِرْ" يطلبه فاعلاً، فأعمل الثاني، ولذلك رفعه، وحذف من الأول، إذ التقديرُ: تَعَالوا إليْهِ. ولو أعمل الأول لقيل: تعالوا إلى رسول الله يستغفر، فيضمر في "يستغفر" فاعل. ويمكن أن يقال: ليست هذه من الإعمالِ في شيء؛ لأن قوله "تعالوا" أمر بالإقبال من حيث هو، لا بالنظر إلى مقبل عليه. قوله: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} هذا جواب "إذا". وقرأ نافع: "لَوَوْا" مخففاً، والباقون مشدداً على التكثير. و"يَصُدُّونَ" حالٌ؛ لأن الرؤية بصرية، وكذا قوله: "وهُمْ يَسْتَكبرُونَ" حال أيضاً، إما من أصحاب الحال الأولى، وإما من فاعل "يصدون" فتكون متداخلة. وأتي بـ"يَصُدُّون" مضارعاً دلالة على التجدُّدِ والاستمرارِ. وقرىء: "يَصِدُّونَ" بالكسر. وقد تقدمتا في "الزخرف". فصل في نزول الآية لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاقِ فتوبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم، فلوو رءوسهم أي: حرَّكُوها استهزاء وإباء. قاله ابن عباس. وعنه أنه كان لعبد الله موقف في كل سبب يحُضُّ على طاعة الله، وطاعة رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عيله وسلم عليك غضبان، فأته يستغفر لك فأبى، وقال: لا أذهب إليه. قال المفسِّرون: "حديث : وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق على ماء يقال له: "المُريْسِيعُ" من ناحية "قُدَيد" إلى السَّاحل فازدهم أجير لعمر يقال له: "جهجاه بن سعيد الغفاري" يقود له فرسه بحليف لعبد الله بن أبيٍّ، يقال له: "سِنَانُ بنُ وبرة الجهنِيُّ" حليفُ بني عوفٍ من الخزرج على ماء "بالمشلِّل" فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان بالأنصار فلطم جهجاه سناناً وأعان عليه جهجاه فأعان جهجاه رجل من المهاجرين يقال له: حقالٌ، وكان فقيراً، فقال عبد الله بن أبي: أوقد فعلوها؟ والله ما مثلنُا ومثلهُم إلاَّ كما قال الأولُ: "سَمِّنْ كلْبَكَ يأكلْكَ" أما - والله - لَئِنْ رَجَعْنَا إلى "المدينة" ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال لقومه: كفوا طعامكُم عن هذا الرجل، لا تنفقوا على من عنده حتى ينفضّوا ويتركوه، فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله - أنت - والله - الذليلُ المنتقص في قومك، ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن، ومودة من المسلمين، والله لا أحبّك بعد كلامك هذا أبداً، فقال عبد الله: اسكت إنما كنتُ ألعبُ، فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، فأقسم بالله ما فعل ولا قال، قال: فعذره النبي صلى الله عليه وسلم قال زيد بن أرقم: فوجدت في نفسي ولامني الناسُ، فنزلت سورةُ المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله، فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آياتٌ شديدة، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك، فألوى رأسه" تفسير : فنزلت الآيات. خرجه البخاري والترمذي بمعناه. وقيل: معنى قوله: {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ} يستتبكم من النِّفاق، لأن التوبة استغفارٌ {ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} أي يعرضُون عن الرسول {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي متكبرون عن الإيمان. قيل: قال ابن أبيّ لما لوى رأسه: أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأن أعطي الزكاة من مالي فقد أعطيتُ، فما بقي إلا أن أسجدَ لمحمدٍ. قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ}. قرأ العامَّة: "أسْتَغْفَرْتَ" بهمزةٍ مفتوحةٍ من غير مدٍّ، وهي همزة التسوية التي أصلُها الاستفهامُ. وقرأ يزيد بن القعقاع: "آسْتغَفرْتَ" بهمزة ثم ألف. فاختلف الناسُ في تأويلها: فقال الزمخشري: إشباعاً لهمزة الاستفهام للإظهار والبيانِ لا قلباً لهمزة الوصل كما في {آلسَّحْرُ}[يونس: 81] و {آللّهُ} [يونس: 59]. يعني إنما أشبع همزة التسوية فتولد منها ألف. وقصده بذلك إظهار الهمزة وبيانها، إلا أنه قلب الوصل ألفاً كما قلبها في قوله: {آلسحر، آلله أذن لكم} لأنَّ هذه الهمزة للوصل، فهي تسقط في الدرج، وأيضاً فهي مكسورة فلا يلتبس معها الاستفهام بالخبر بخلاف "آلسّحر"، {آللّه أذن لكم}. وقال آخرون: هي عوض عن همزة الوصلِ، كما في {أية : ءَآلذَّكَرَيْنِ}تفسير : [الأنعام: 143]. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذه مكسُورة فكيف تبدل ألفاً. وأيضاً فإنما قلبناها هناك ألفاً ولم نحذفها وإن كان حذفها مستحقاً لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، وهنا لا لبس. وقال ابن عطية: وقرأ أبو جعفر يعني يزيد بن القعقاع: "آسْتغْفَرتَ" بمدَّةٍ على الهمزة وهي ألف التسوية. وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همزة على الخبر، وفي هذا كله ضعف، لأنه في الأولى أثبت همزة الوصل وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام، وهو يريدُها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر. قال شهاب الدين: أما قراءته "استغفرت" بوصل الهمزة فرويت أيضاً عن أبي عمرو، إلا أنه يضم ميم "عَليْهِمُ" عند وصله الهمزة لأن أصلها الضم، وأبو عمرو يكسرها على أصل التقاءِ الساكنينِ. وأما قوله: وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر، فإن أراد بهذا مدَّ هذه الهمزة في هذا المكان فصحيح، بل لا تجده أيضاً، وإن أراد حذف همزة الاستفهامِ، فليس بصحيح؛ لأنه يجوز حذفها إجماعاً قبل "أم" نثراً ونظماً، فأما دون "أم" ففيه خلاف: والأخفش رحمه الله يجُوِّزه، ويجعل منه {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ}تفسير : [الشعراء: 22]. وقول الآخر: [الطويل] شعر : 4774 - [طَرِبْتُ ومَا شَوْقاً إلى البِيضِ أطْرَبُ ولا لَعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يلعَبُ] تفسير : وقول الآخر: [المنسرح] شعر : 4775 - أفْرَحُ أنْ أرْزأ الكِرَامَ وأنْ أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلاَ تفسير : وأما قبل "أم" فكثير، كقوله: [الطويل] شعر : 4776 - لَعَمْرُكَ مَا أدْرِيَ وإنْ كُنْتَ دَارِياً بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ تفسير : وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة. فصل في نزول هذه الآية. قال قتادةُ: "حديث : هذه الآية نزلت بعد قوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}، وذلك أنَّها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبرني رب فلأزيدنهم على السبعين"، فأنزل الله تعالى:{فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] الآية ". تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالفاسِقينَ المُنافقُونَ. فصل في تفسير الآية معنى قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}. أي: كل ذلك سواء لا ينفع استغفارك شيئاً؛ لأن الله تعالى لا يغفر لهم، نظيره: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 6]، {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ}تفسير : [الشعراء: 136]، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. قال ابن الخطيب: قال قوم: فيه بيان أن الله - تعالى - يملك هداية وراء هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك. وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم، وقالت المعتزلة: لا يُسمِّيهم المهتدينَ إذا فَسَقُوا وضلُّوا. فإن قيل: لم ذكر الفاسقين ولم يقل: الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كلاًّ منهم تقدم ذكره؟. فالجواب: أن كل واحد منهم دخل تحت الفاسقين.
البقاعي
تفسير : لما نهى سبحانه في الممتحنة عن اتخاذ عدوه ولياً، وذم في الصف على المخالفة بين القول والفعل، وحذر آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم على حال من الأحوال ولو مع الوفاق، لأن صورة ذلك كله صورة النفاق، قبح في أول هذه حال من أقبل عليه على حال النفاق، لأنه يكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، واستمرت السورة كلها في ذمهم بأقبح الذم ليكون زاجراً عن كل ما ظاهره نفاق، فقال تعالى: {إذا جاءك} أي يا أيها الرسول المبشر به في التوراة والإنجيل {المنافقون} أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن، وأغلبهم من اليهود {قالوا} مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب: {نشهد} قال الحسن: هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا: نقسم {إنك} - التأكيد لذلك وإيهاماً لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه {لرسول الله} أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة، فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة، صدق سبحانه المشهود به وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال: {والله يعلم} أي وعلمه هو العلم في الحقيقة، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال: {إنك لرسوله} سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا، فالشهادة بذلك حق ممن يطابق لسانه قلبه، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا يتوهم أن ما تضمنته شهادتهم من الرسالة كذب. ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين، دل على أنه تحقيق لمضمون كلامهم دون شهادتهم فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {يشهد} شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن {أن المنافقين} أي الراسخين في وصف النفاق {لكاذبون *} أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو كذب، لا المراد أنهم كاذبون في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين: صدق مضمون الخبر والإذعان له، فصدقهم في الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالاً وشر مآلاً من اليهود. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله: {أية : والله ذو الفضل العظيم}تفسير : [الجمعة: 4] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم، وكان في ذلك من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة، أتبع بما هو أوقع في الغرض وأبلغ في المقصود، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم وأقاربهم، تلبست في الظاهر بالإيمان، وأظهرت الانقياد والإذعان، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فيما وصلت، بل عاقتها الأقدار، فعميت البصائر والأبصار، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه زماناً ونسباً، فأتبعت سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظاً للمؤمنين بحال أهل النفاق، وبسط من قصصهم ما يلائم ما ذكرناه، وكان قيل لهم: ليس من أظهر الانقياد والاستجابة، ثم بني إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفاراً بأعجب من حال إخوانكم زماناً وقرابة، وأنتم أعرف الناس بهم وأنهم قد كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأي وحسن النظر{أية : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم}تفسير : [المنافقين: 4]{أية : ولكن المنافقين لا يفقهون}تفسير : [المنافقين: 7] قلت: وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول أناس من المؤمنين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم، وأما سورة المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم، وهذا نحو ما ذكرناه أولاً - انتهى. ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به، وكان كأنه قيل: فما الحامل لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية القباحة لا سيما عند العرب، علله بقوله مسمياً شهادتهم إيماناً لأن الشهادة تجري مجرى القسم في إرادة التوكيد، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم: {اتخذوا} أي أخذو بجهدهم {أيمانهم} أي كلها من شهادتهم هذه المجتهد في توكيدها وكل يمين سواها {جنة} أي وقاية تقيهم المكاره الدنيوية ويستترون بها منها فيصونون بها دماءهم وأموالهم، فاستضاؤوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الخذلان {فصدوا} أي فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى من سيئ أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي يزينه الشيطان {عن سبيل الله} أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم على الإيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله. ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة، أنتج قوله: {إنهم} وأكده لأن حالهم بعجبهم وعجب كثيراً ممن قاربهم {ساء ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يعملون *} أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة، فقال عبدالله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبدالله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في {إذا جاءك المنافقون} فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم، وهو قوله: {خشب مسندة} قال: كانوا رجالاً أجمل شيء. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معنا ناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفض من حوله يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، وقال عبدالله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت، وكنا أخواله عبدالله فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله، فحلف وجحد فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فجاء إلى عمي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك المسلمون، فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد قط، فبينما أنا أسير، وقد خففت برأسي من الهم إذا آتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عَرَكَ أذني وضحك في وجهي، فقال: ابشر ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} حتى بلغ {ليخرجن الأعز منها الأذل} . وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال:حديث : لما قال عبدالله بن أبيّ ما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، سمعته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فلامني ناس من الأنصار، وجاءهم يحلف ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل، فنمت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله صدقك وعذركتفسير : ، فأنزلت هذه الآية {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله} الآيتين. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: لما قال ابن أبيّ ما قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء فحلف ما قال، فجعل ناس يقولون: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب حتى جلست في البيت مخافة إذا رأوني قالوا: هذا الذي يكذب، حتى أنزل الله {هم الذين يقولون} الآية. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنت جالساً مع عبدالله بن أبيّ فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبدالله بن أبيّ، فحلف له عبدالله بن أُبيّ بالله ما تكلم بهذا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فقال سعد: يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام زيد بن أرقم، فجاء سعد فأخذ بيدي، فانطلق بي، فقال: هذا حدثني، فانتهرني عبدالله بن أبيّ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكيت وقلت: أي والذي أنزل النور عليك لقد قاله، وانصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {إذا جاءك المنافقون} إلى آخر السورة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإِيمان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة} قال: حلفهم بالله إنهم لمنكم اجنوا بأيمانهم من القتل والحرب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة} قال: اتخذوا حلفهم جنة ليعصموا بها دماءهم وأموالهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر كان مع كل رجل من أغنياء المؤمنين رجل من الفقراء يحمل له زاده وماءه، فكانوا إذا دنوا من الماء تقدم الفقراء فاستقوا لأصحابهم، فسبقهم أصحاب عبدالله بن أبيّ، فأبوا أن يخلوا عن المؤمنين، فحصرهم المؤمنون، فلما جاء عبدالله بن أبيّ نظر إلى أصحابه فقال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال: امسكوا عنهم البيع لا تبايعوهم. فسمع زيد بن أرقم قول ابن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة، وقوله: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأخبر عمه النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبيّ وأصحابه، فعجب من صورته وجماله، وهو يمشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة} فعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره حلف ما قاله، فذلك قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة وقالوا نشهد إنك لرسول الله} وذلك قوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} وكل شيء أنزله في المنافقين فإنما أراد عبدالله ابن أبيّ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} قال: أقروا بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقلوبهم تأبى ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كأنهم خشب مسندة} قال: نخل قيام.
ابو السعود
تفسير : مدنية، وآيُها إحدى عشرة {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} أي حضرُوا مجلسكَ {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} مؤكدينَ كلامَهُم بأنَّ واللامُ للإيذانِ بأنَّ شهادَتَهُم هذهِ صادرةٌ عن صميمِ قلوبِهِم وخلوصِ اعتقادِهِم ووفورِ رغبتِهِم ونشاطِهِم. وقولُهُ تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} اعتراضٌ مقررٌ لمنطوقِ كلامِهِم وُسِّطَ بـينه وبـينَ قولِهِ تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ} تحقيـيقاً وتعيـيناً لِما نيطَ به التكذيبُ من أنَّهُم قالُوه عن اعتقادٍ كما أُشيرِ إليهِ وإماطةً من أولِ الأمرِ لما عسى يتوهمُ من توجه التكذيبِ إلى منطوقِ كلامِهِم أيْ والله يشهدُ أنَّهُم لكاذبُونَ فيما ضمَّنُوا مقالتَهُم من أنَّها صادرةٌ عن اعتقادٍ وطمأنينة قلب والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم والإشعارِ بعلةِ الحُكمِ. {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ} الفاجرةَ التي منْ جُملتها ما حُكِيَ عنْهُم {جَنَّةُ} أيْ وقايةً عمَّا يتوجَّهُ إليهِمْ منَ المؤاخذةِ بالقتلِ والسبـي أو غيرِ ذلكَ واتخاذُها جنةً عبارةٌ عن إعدادِهِم وتهيئتِهِم لها إلى وقتِ الحاجةِ ليحلِفُوا بهَا ويتخلصُوا عنِ المؤاخذةِ لا عنِ استعمالِهَا بالفعلِ فإنَّ ذلكَ متأخرٌ عنِ المؤاخذةِ المسبوقةِ بوقوعِ الجنايةِ واتخاذُ الجنةِ لا بدَّ أن يكونَ قبلَ المؤاخذةِ وعن سببِهَا أيضاً كما يفصحُ عنهُ الفاءُ في قولِهِ تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي قصدُوا منْ أرادَ الدخولَ في الإسلامِ بأنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ ليسَ برسولٍ ومن أرادَ الإنفاقَ في سبـيلِ الله بالنَّهيِ عنهُ كما سيُحْكَى عنهُم، ولا ريبَ في أنَّ هذا الصدَّ منهم متقدمٌ على حلفِهِم بالفعلِ وقُرِىءَ إيمانَهُم أي ما أظهرُوهُ على ألسنتِهِم فاتخاذُهُ جنةً عبارةٌ عنِ استعمالهِ بالفعلِ فإنه وقايةٌ دونَ دمائهِم وأموالِهِم فمَعْنَى قولِهِ تعالى فصدُّوا حينئذٍ فاستمرُّوا على ما كانُوا عليهِ من الصدِّ والإعراضِ عن سبـيلِهِ تعالَى: {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من النفاقِ والصدِّ وفي ساءَ مَعْنَى التعجبِ وتعظيمُ أمرِهِم عندَ السامعينَ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما تقدمَ من القولِ النَّاعِي عليهِمْ إنَّهم أسوأُ الناسِ أعمالاً أو إلى ما وُصفَ من حالِهِم في النفاقِ والكذبِ والاستتارِ بالإيمانِ الصوريِّ، وما فيهِ من مَعْنَى البُعْدِ مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ لما مَرَّ مراراً من الإشعارِ ببُعدِ منزلتِهِ في الشرِّ {بِأَنَّهُمْ} أي بسببِ أنَّهم {ءامَنُواْ} أي نطقُوا بكلمة الشهادةِ كسائرِ منْ يدخُل في الإسلامِ {ثُمَّ كَفَرُواْ} أي ظهرَ كفرُهُم بما شُوهدَ منهم من شَواهدِ الكُفْرِ ودلائِلِه أو نطقُوا بالإيمانِ عندَ المؤمنينَ ثم نطقُوا بالكفرِ عند شياطينهم {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} حتى تمرنُوا على الكفرِ واطمأنُّوا بهِ وقُرِىءَ على البناءِ للفاعلِ وقُرِىءَ فطبعَ الله. {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} حقيقةَ الإيمانِ ولا يعرفونَ حقيتَهُ أصلاً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[1] قال: لأنهم أقروا بألسنتهم ولم يعرفوا بقلوبهم، فلذلك سماهم منافقين. ومن عرف بقلبه، وأقر بلسانه، ولم يعمل بأركانه ما فرض الله عليه من غير عذر، كان كإبليس لعنه الله، عرفه وأقر به ولم يعمل بأمره. قال: والنفاق على ضربين، عقد بالقلب وإظهار خلافه باللسان، كما قال تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تفسير : [الفتح:11] والضرب الآخر نفاق نفس الطبع مع صاحبها، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشرك الخفي في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ...} [الآية: 1]. قال سهل: لأنهم أقروا بلسانهم ولم يعرفوا بقلوبهم فلذلك سماهم منافقين ومن عرف بقلبه وأقر بلسانه ولم يعرف بأركانه ما فرض الله عليه من غير عذر ولا جهل كان كإبليس.
القشيري
تفسير : كذَّبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة ولكنَّ كِذْبَهم في قولهم: إنَّهم مخلصون لك، مُصَدِّقون لك. فصِدْقُ القالة لا ينفع مع قُبْح الحالة. ويقال: الإيمان ما يوجِبُ الأمان؛ فالإيمانُ يوجِبُ للمؤمن إذا كان عاصياً خلاصَه من العذاب أكثره وأقلّه.. إلاَّ ما ينقله من أعلى جهنم إلى أسفلها.
البقلي
تفسير : {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ} من كان صادقا يشهد بصدقه كل ذرة من العرش الى الثرى ومن كان مدعيا كاذبا يشهد بكذبه كل ذرة من العرش الى الثرى وذلك شهادة الله بلسان أياته يكذبه الزمان والمكان -----عن كل صادق بما يبدو من وجهه من أثار نفاقه قال سهل اقروا بلسانهم ولم يعرفوا بقلوبهم فلذلك سماهم الله منافقين ومن عرف بقلبه وما قر بلسانه ولم يعمل باركانه ما فرض الله من غير عذر ولا جهل كان كابليس.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذا} جون {جاءك المنافقون} اىحضروا مجلسك وبالفارسية بتوآيند دو رويان، والنفاق اظهار الايمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب فالمنافق هو الذى يضمر الكفر اعتقادا ويظهر الايمان قولا وفى المفردات النفاق الدخول فى الشرع من باب والخروج منه من باب من النافقاء احدى جحرة اليربوع والثعلب والضب يكتمها ويظهر غيرها فاذا أتى من قبل القاصعاء وهو الذى يدخل منه ضرب النافقاء برأسه فانتفق والنفق هو السرب فى الارض النافذ{قالوا} مؤكدين كلامهم بان واللام للايذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلوبهم وخلوص اعتقادهم ووفور رغبتهم ونشاطهم والظاهر انه الجواب لاذا لان الآية نظير قوله تعالى {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}تفسير : وقيل جوابه مقدر مثل أرادوا أن يخدعوك وقيل استئناف لبيان طريق خدعتهم وقيل جوابه قوله {أية : فاحذرهم}تفسير : {نشهد} الآن او على الاستمرار {انك لرسول الله} والشهادة قول صادر عن علم حصل بشهادة بصر او بصيرة {والله يعلم انك لرسوله} اعتراض مقرر لمنطوق كلامهم لكونه مطابقا للواقع ولا زالة ايهام ان قولهم هذا كذب لقوله {والله يشهد} الخ وفيه تعظيم للنبى عليه السلام وقال ابو الليث والله يعلم انك لرسوله من غير قولهم وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله. اعلم ان كل ماجاء فى القرءآن بعد العلم من لفظة ان فهى بفتح الهمزة لكونها فى حكم المفرد الا فى موضعين احدهما {والله يعلم انك لرسوله} فى هذه السورة والثانى {أية : قد نعلم انه ليحزنك الذى يقولون}تفسير : فى سورة الانعام وانما كان كذلك فى هذين الموضعين لانه يأتى بعدهما لام الخبر فانكسرا اى لان اللام لتأكيد معنى الجملة ولا جملة الا فى صورة المكسورة وقال بعضهم اذا دخلت لام الابتدآء على خبرها تكون مكسورة لاقتضاء لام الابتدآء الصدارة كما يقال لزيد قائم وتؤخر اللام لئلا يجتمع حرفا التأكيد واختير تأخيرها الترجيح ان فى التقديم لعالميته فكسرت لاجل اللام {والله يشهد} شهادة حقة {ان المنافقين لكاذبون} اى انهم والاظهار فى موضع الاضمار لذمهم والاشعار بعلية الحكم اى لكاذبون فيما ضمنوا مقالتهم من انها صادرة عن اعتقاد وطمأنينة قلب فان الشهادة وضعت للاخبار الذى طابق فيه اللسان اعتقاد القلب اطلاقها على الزور مجاز كاطلاق البيع على الفاسد نظيره قولك لمن يقول أنا أقرأ الحمد لله رب العالمين كذبت فالتكذيب بالنسبة الى قرآئته لا بالبنسبة الى المقروء الذى هو الحمد لله رب العالمين ومن هنا يقال ان من استهزأ بالمؤذن لايكفر بخلاف من استهزأ بالاذان فانه يكفر قال بعضهم حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه فهى الاخبار بما علمه بلفظ خاص ولذلك صدق المشهود به وكذبهم فى الشهادة بقوله {والله يعلم} الخ دلت الآية على ان العبرة بالقلب والاخلاص وبخلوصه يحصل الخلاص وكان عليه السلام يقبل من المنافقين ظاهر الاسلام واما حكم الزنديق فى الشرع وهو الذى يظهر الاسلام ويسر الكفر فانه يستتاب وتقبل توبته عند ايى ولا تقبل عن ابى حنيفة والشافعى رحمهما الله قال سهل رحمه الله اقروا بلسانهم ولم يعترفوا بقلوبهم فلذلك سماهم الله منافقين ومن اعترف بقبله واقر بلسانه ولم يعمل باركانه مافرض الله من غير عذر ولا جهل كان كأبليس وسئل حذيفة من المنافق قال الذى يصف الاسلام ولا يعمل به وهم اليوم شر منهم لانهم كانوا يومئذ يكتمونه وهم اليوم يظهرونه وفى الآية اشارة الى ان المنافقين الذامين للدنيا وشهواتها باللسان المقبلين عليها بالقلب وان كانوا يشهدون بصحة الرسالة لظهور انوارها عليهم من المعجزات والكرامات لكنهم كاذبون فى شهاداتهم لاعراضهم عنه عليه السلام ومتابعته واقبالهم على الدنيا وشهواتها فحقيقة الشهادة انما تحصل بالمتابعة وقس عليه شهادة اهل الدنيا عند ورثة الرسول قال الحسن البصرى رحمه لله يا ابن آدم لايغرنك قول من يقول المرء مع من احب فانك لاتلحق الابرار الا بأعمالهم فان اليهود والنصارى يحبون انبياءهم وليسوا معهم وهذه اشارة الى ان مجرد ذلك من غير موافقة فى بعض الاعمال او كلها لاينفع كما فى احياء العلوم ولذا قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر المرء مع من احب فى الدنيا بالطاعة والأدب الشرعى وفى الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدى انتهى. فاذا كانت المحبة المجردة بهذه المثابة فما ظنك بالنفاق الذى هو هدم الاس والاصل وبناء الفرع فلا اعتداد بدعوى المنافق ولا بعمله وفى التأويلات القاشانية المنافقون هم المذبذبون الذين يجذبهم الاستعداد الاصلى الى نور الايمان والاستعداد العارضى الذى حدث برسوخ الهيئات الطبيعية والعادات الرديئة الى الكفر وانما هم كاذبون فى شهادة الرسالة لان حقيقة معنى الرسالة لايعلمها الى الله والراسخون فى العلم الذين يعرفون الله ويعرفون بمعرفته رسول الله فان معرفة الرسول لاتمكن الا بعد معرفة الله وبقدر العلم بالله يعرف الرسول فلا يعلمه حقيقة الا من انسلخ عن علمه وصار عالما بعلم الله وهم محجوبون عن الله بحجب ذواتهم وصفاتهم وقد اطفأوا نور استعدادتهم بالغواشى البدنية والهيئات الظلمانية فانى يعرفون رسول الله حتى يشهدوا برسالته انتهى قال الشيخ ابو العباس معرفة الولى اصعب من معرفة الله فان الله معروف بكماله وجماله وحتى متى يعرف مخلوقا مثله يأكل كما يأكل ويشرب كما يشرب
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إذا جاءك} أيها الرسول {المنافقون} أي: حضروا مجلسك، {قالوا نشهدُ إِنك لَرسولُ الله}، أكدوا بإنَّ واللام؛ للإيذان بأنَّ شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم، قال تعالى: {واللهُ يعلم إِنك لَرسوله} حقيقةً، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله: {واللهُ يشهدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون}، وحكمته: أنه لو لم يذكره لتوهم أنَّ قوله: {واللهُ يشهد إِنَّ المنافقين لكاذبون} إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم؛ ليزيل هذا الوهم، ويُحقق الرسالة. وقوله: "لكاذبون" أي: في ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب، كما يُشير إليه ظاهر قولهم. قال القشيري: كذَّبهم فيما قالوا: إنّا نشهد عن بصيرة، ونعتقد تصديقك، فلم يكذبهم في الشهادة، ولكن كذَّبهم في قولهم: إنّا مخلصون مصدِّقون بك. هـ. {اتخَذوا أيمانَهم} الفاجرة {جُنَّةً}؛ وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل والسبي، وغير ذلك، واتخاذها جُنَّةً عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتخلّصوا عن المؤاخذة، {فصَدُّوا} بأنفسهم {عن سبيل الله} وضلُّوا عن طريق الحق، أو: فصّدُّوا مَن أراد الدخول في الإسلام بإلقاء الشُبه، وصدُّوا مَن أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه، كما سيجيء عنهم، ولا ريب أنّ هذا الصدّ منهم متقدم على حلفهم بالفعل، ولذلك عبّر بالاتخاذ. {إِنهم ساء ما كانوا يعملون} من النفاق والصدّ. وفي "ساء" معنى التعجب وتعظيم أمرهم للسامعين. {ذلك} أي: ما تقدّم من قولهم، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً، أو: ما وصف مِن حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. {بأنهم}؛ بسبب أنهم {أمنوا}؛ نطقوا بكلمة الشهادة، كسائر مَن دخل في الإسلام {ثم كفروا} أي: ظهر كفرهم بما شُوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله، أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم، {فطُبعَ على قلوبهم}؛ ختم عليها، حتى لا يدخلها الإيمان، جزاء على نفاقهم، فتمرّنوا على الكفر، واطمأنوا به، {فهم لا يفقهون} شيئًا، لا يعرفون حقيَّة الإيمان ولا حقيقته أصلاً. الإشارة: قد يأتي إلى مشايخ التربية مَن يُنافقهم، طمعًا في الدنيا، فيقول: نشهد إنك لَمن العارفين، أو مِن أهل التربية، مثلاً، فَتَجُر الآيةُ ذيلَها عليه، وقد يكون مذبذباً، تارة تلوح له أنوارُ الولاية، وتارة تَستر عنه، فيُصدّق ثم يرجع، ثم يُطبع على قلبه. قال القشيري: {ذلك بأنهم آمنوا}: استضاؤوا بنور الإجابة، فلم يَنْبَسِطْ عليهم شعاعُ نور السعادة، فانطفأ نورُهم بقَهْرِ الحرمان، وبَقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. هـ. وهنا إشارة أخرى للقشيري، وهو: إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس الأمّارة، قالوا: نشهد إنك لَرسول الله، أي: كاملة صافية، يُريدون بذلك توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت، والوقوف معه، والله يعلم إنك لَرسوله، حين تصفى، فتكون محل العِلم الرباني، والوحي الإلهامي، والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة، اتخذوا أيمانهم جُنَّة، لئلا تكرّ عليهم بأنوارها، فتُخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم، فصُدُّوا عن سبيل الله، حيث بقوا مع عوائدهم، أو: فصدُّوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم، ذلك بأنهم أمنوا، حيث ترد عليهم أنوار الواردات، ثم كفروا؛ رجعوا إلى وطنهم، من الحظوظ، حيث تخمد أنوار الواردات عنهم، فطُبع على قلوبهم، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا يفقهون: لا يعرفون سر إيجادهم، ولا لماذا خُلقوا. هـ. بالمعنى. ثم وبَّخ المنافقين بكونهم أشباحاً خاوية، فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {خشب} خفيفة ابن كثير وابو عمرو والكسائي. وقرأ الباقون {خشب} مثقل. وقرأ نافع وروح وزيد {لووا رؤسهم} خفيفة. الباقون {لوّوا} مشددة. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {إذا جاءك} يا محمد {المنافقون} وهم الذين يظهرون الايمان ويبطنون الكفر {قالوا نشهد إنك لرسول الله} أى اخبروا بأنهم يعتقدون إنك رسول الله. فقال الله تعالى لنبيه {والله يعلم إنك لرسوله} على الحقيقة {والله يشهد أن المنافقين لكاذبون} في قولهم إنهم يعتقدون إنك لرسول الله، وكان إكذابهم فى اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكونوا فيما يرجع الى ألسنتهم، لانهم شهدوا بها بألسنتم وهم صادقون في ذلك وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول إن المعرفة ضرورية. وكسرت (إن) لأجل اللام التي هي لام الابتداء التي فى الخبر، لان لها صدر الكلام. وإنما زحلقت عن موضعها إلى موضع الخبر لئلا تجمع بين حرفي تأكيد، وكانت احق بالتأخير، لانها غير عامة. وإنما كان لها صدر الكلام، لانها نقلت الجملة إلى معنى التأكيد وكل حرف نقل الجملة عن معنى إلى معنى كان له صدر الكلام، لئلا تختلط الجمل. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المنافقين فقال {اتخذوا أيمانهم جنة} أى سترة يتسترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولا يسبوا ولا تؤخذ أموالهم. والجنة السترة المتخذة لدفع الأذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح، فالجنة السترة، والجنة البستان الذى يجنه الشجر. الجنه والجنون الذى يغطي على العقل. واصل ذلك كله الستر {فصدوا عن سبيل الله} أى منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق. وقال الضحاك: أيمانهم حلفهم إنهم لمنكم. وقرئ {إيمانهم} بكسر الهمزة بمعنى أنهم اتخذوا تصديقهم ظاهراً جنة، فقال تعالى {إنهم ساء ما كانوا يعملون} ومعناه بئس الذى يعملونه من اظهار الايمان مع إبطان الكفر والصد عن السبيل. وقال زيد بن أرقم: نزلت الآية في عبد الله بن ابي بن سلول، لما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاغر منها الاذل، فلما وقف على ذلك جحده وحلف انه ما قاله حتى نزلت السورة. وقوله {ذلك بأنهم آمنوا} بألسنتهم عند الاقرار بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) {ثم كفروا} بقلوبهم لما كذبوا بهذا وهو قول قتادة {فطبع على قلوبهم} أى ختم عليها بسمة تميز الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة {فهم لا يفقهون} ذلك بجحدهم توحيد الله ونفاقهم وإنكارهم نبوة رسوله الذى دعاهم إلى الحق. ثم قال: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} بحسن منظرهم وجميل زيهم {وإن يقولوا} يعنى هؤلاء المنافقون {تسمع لقولهم} أى تصغى اليهم وتسمع ما يقولون بحسن بيانهم وبلاغة لسانهم، فقال تعالى {كأنهم خشب مسندة} فشبههم الله بالخشب المسندة، قيل: إنهم شبهو بخشب نخرة متأكله لا خير فيها إلا أنها مسندة يحسب من يراها أنها صحيحة سليمة. وخشب جمع خشبة مثل بدن وبدنة فيمن سكن. ومن ضم قال: مثل ثمرة وثمر. ثم وصفهم بالخور والهلع فقال {يحسبون كل صحيحة عليهم} أي يظنون أنها مهلكتهم، وأنهم المقصودون بها جبناً وخوراً. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {هم العدو} لك وللمؤمنين {فاحذرهم} وتوقهم {قاتلهم الله} وقيل: معناه أخزاهم الله. وقيل: معناه أحلهم الله محل من يقاتله عدو قاهر له، وهذا اشد ما يكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم وأبلغ ما يكون فى البيان عن مكروههم {أنى يؤفكون} أي كيف يصرفون عن الحق. وإنما قال {فاحذرهم} لانهم كانوا ينقلون الاسرار إلى الكفار ويحيون من قدروا عليه من أهل الكفر. ثم اخبر تعالى فقال {وإذا قيل لهم} يعني لهؤلاء المنافقين {تعالوا} أي هلموا {يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم} ومعناه أكثروا تحريكها بالهز لها استهزاء بدعائهم الى ذلك. فمن شدد أراد تكثير الفعل. وممن خفف فلانه يدل على القليل والكثير. ثم قال: ورأيتهم يا محمد {يصدون} عن سبيل الحق {وهم مستكبرون} أي يطلبون الكبر ويتجبرون عن إتباع الحق.
الجنابذي
تفسير : {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} لبيان انّ المشهود به صدق ورفع توهّم رجوع التّكذيب الى المشهود قدّم هذا ثمّ قال {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} لعدم مطابقة المشهود به لما فى قلوبهم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فيما أظهروا {اتخذوا ايمانهم جنة} أي جعلوا ايمانهم الكاذبة سُترة يدفعون عن أنفسهم ما يخافون من القتل والأسر وسائر المكاره {فصدّوا عن سبيل الله} أي أعرضوا بذلك عن دين الإِسلام {إنّهم ساء ما كانوا يعملون} من نفاقهم وصدّهم الناس عن سبيل الله {ذلك بأنهم آمنوا} ظاهراً عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ثمّ كفروا} إذا خلوا بالمشركين، وقيل: المراد بالإِيمان التصديق، أي صدقوا النبي ظاهراً ثم جحدوه باطناً {فطبع على قلوبهم} وُسِمَ عليها بِسمة الكفر بأنهم لا يؤمنون لتعرف الملائكة بحالهم {فهم لا يفقهون} أي لا يعلمونه الحق من حيث لا يتفكرون حتى يعلموا الحق والباطل {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنَّهم خشب مسندة} وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعجبون منهم شبه المنافقين بالخشب المسندة، ووجه الشبه أن أجسامهم لحسن صورتها واستواء خلقها وقامتها تعجب الناظر، ولكن لخلوها من الخير {كأنَّهم خشب مسندة} أشباح بلا أرواح، وقيل: الشبه وقع في الخشب المتكلة يحسبها من رآها سليمة من حيث أن ظاهرها يروق الخير وباطنها لا يفيد، كذلك المنافق، وكان عبد الله ظاهره يعجب وباطنه خال من الخير {وإن يقولوا تسمع لقولهم} من حسن كلامهم وقولهم للمؤمنين إنا منكم {يحسبون} يظنون {كل صيحةٍ عليهم} وذلك لخبثهم وما في قلوبهم من الرعب إذا نادى منادي من العسكر أو فلتت دابة أو انشدت ضالة ظنوا إيقاعاً بهم، وقيل: كانوا على وجل أن ينزل الله بهم ما يهتك أستارهم هُم أي لفرط خبثهم وشدة ضررهم على المسلمين {فاحذرهم} أي احذر مخالطتهم، ولا تأمنهم لأنهم كانوا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، ويفسدون من قدروا عليه من المؤمنين {قاتلهم الله أنَّى يؤفكون}، قيل: هذا دعاء عليهم بالهلاك، وقيل: لعنهم الله أنّى يؤفكون أي أنَّى يصرفون عن الحق مع كثرة الدلالات، وقيل: كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم.
الهواري
تفسير : تفسير سورة المنافقون، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. وذلك أن نفراً من المنافقين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إذا لقينا المشركين شهدنا عندهم إنك لرسول الله، فقال الله عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ} أي: نشهد عند المشركين إذا لقيناهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ} فيما قالوا لك {لَكَاذِبُونَ} [أي: إنما يقولونه بأفواههم وقلوبهم ليست على الإِيمان]. قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. وذلك أنهم حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدّقهم، فقال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: حلفهم الذي يحلفون به جنة، أي اجتنبوا بها، أي: استتروا [حتى لا يقتلوا ولا تسبى ذراريهم] {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي عن الإسلام، أي يصدون الناس عنه قال: {إِنَّهُمْ سَآءَ} أي: بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. {ذَلَكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا} أي: أقروا وصدقوا {ثُمَّ كَفَرُواْ} أي: خالفوا وضيعوا {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: فتختم على قلوبهم، أي: بنفاقهم {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}.
اطفيش
تفسير : {إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ} عبد الله بن أُبي بن سلول واصحابه {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} بألسنتنا وقلوبنا {واللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} حقا {وَاللهُ يَشْهَدُ} يعلم. {إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} لانهم وإن قالوا بالسنتهم انك لرسول الله لم يعتقدوا رسالتك في قلوبهم والشهادة اخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع ولذلك صدق الله المشهود به وكذب الشاهدين في ادعائهم مواطاة قلوبهم لالسنتهم لان القلب إذا خلا عن المواطأة للسان لم تكن شهادة الحقيقة فهم كاذبون في تسيمة ذلك شهادة وقال والله يعلم انك لرسوله لئلا يوهم قوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون ان ادعاء الرسالة كذب وانه صلى الله عليه وسلم غير رسول فإن نفس الرسالة صحيح ونفس إيمائها صحيح والكذب انما جاء من حيث لم تواطىء قلوبهم السنتهم أو أدوا لله يشهد انهم لكاذبون عند انفسهم لانهم كانوا يعتقدون ان قولهم انك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه وقيل: قالوا اذا التقينا المشركين شهدنا عندهم انك رسول الله. والكذب عند الجمهور عدم مطابقة الخبر للواقع ولو طابق الاعتقاد وقال النظام عدم مطابقة الاعتقاد المخبر ولو كان اعتقاده خطاء مستدلا بالآية فإنه سبحانه اطلق عليهم انهم كاذبون في قولهم انك رسول الله مع مطابقة للواقع وهو انه رسوله حيث خالف خبرهم معتقدهم الذي هو انه غير رسول الله ورد بأن المراد كاذبون في ادعائهم انا نشهد بقلوبنا كالسنتنا انه رسول الله وما قيل ان الكذب راجع الى نشهد وانه خبر غير مطابق للواقع ليس بشيء لظهور انه ليس بخبر بل انشاء والانشاء لا يوصف بالصدق أو الكذب. إلا ان قلنا انهم قالوا نشهد برسالتك عند المشركين كلما لقبناهم كما اشار اليه الشيخ هود ـ رحمه الله ـ فإنه صح انه خبر ويمكن رد استدلال النظام ايضاً بأن المراد كاذبون في تسميتها شهادة لعدم مواطأة القلب كما ذكره جار الله وكما مر ورده السعد بأن مثل هذا يكون غلطا في إطلاق اللفظ لا كذبا لأن تسمية شيء ليست اخبار أو لو سلم فاشتراط المواطأة في مطلق الشهادة ممنوع انتهى. قلت لا نسلم ان ذلك غلط لانهم قالوه قصداً لاسبق لسان ولا نسلم ان تلك التسمية ليست خبرا بل خبر لأن مضمونها بحسب اللفظ انك رسول الله في نطقنا واعتقادنا وليست هذه مطلق شهادة حتى لا يشترط فيها مواطأة الاعتقاد بل شهادة عما في القلب في زعمهم بشهادة ان واللام والجملة الاسيمة ويمكن رد استدلال النظام ايضا بأن المراد كاذبون في ادعاء مواطأة قلوبهم وبأن المراد كاذبون في زعمهم انهم لم يقولوا لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وابسط ذلك في المعاني.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِذَا جَاءَكَ} حضر مجلسك عبر عن الحضور بالمجئ لأَن الحضور مسبب عن المجئ ولازم له اللزوم البيانى {الْمُنَافِقُونَ} عبد الله بن أُبى ابن سلول وأصحابه بإِثبات ألف ابن الثانى لأَنه ليس تابعا لأُبى بل لعبد الله. {قَالُوا نَشْهَدُ} من قلوبنا شهادة صادقة {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} إِلينا وإِلى الناس كلهم أكدوا بالشهادة المنزلة منزلة القسم وبالجملة الاسمية بعدها وبإِن وباللام فى خبرها وذلك من لازم الفائدة، لأَن المراد إِعلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأَنهم عالمون برسالته {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} حقا فى نفس الأَمر كما نطقت به ألسنتهم، ولم توافق قلوبهم وحق عليهم أن توافق وأكد بالعلم الجارى مجرى القسم وإِن والاسمية واللام واعترض بهذه الجملة الحالية بين قالوا نشهد إِلخ. وقوله عز وجل {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} لئلا يكون اللفظ على صورة تكذيب ما أثبتوا من الرسالة أو يتوهم متوهم ما هذا التكذيب والمعنى والله يشهد إِن المنافقين كاذبون فى قولهم إِنا شهدنا من قلوبنا أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والشهادة فى كلامهم ليست مطلق إخبار محتمل للصدق بل الإِيقان، ولفظ نشهد ونحوه من الأَفعال والأَسماء يفهم منه موافقة القلب وهكذا وضع فى اللغة فتكذيب الله إِياهم راجع إِلى مضمون هذا اللفظ وهو موافقة القلب وإِلى ما قصدوه من دعوى الموافقة، ويجوز أن يكون المعنى أن المنافقين شأنهم الكذب وإن صدقوا فى قولهم هذا بحسب ما فى نفس الأَمر من ثبوت الرسالة، ولا دليل للنظام فى الآية على قوله الصدق مطابقة الاعتقاد للفظ، ولو كان الاعتقاد خطاء والكذب عدمها، ويجوز أن يكون تكذيب الله عز وجل لهم فى دعواهم أنهم قالوه كذبا عندهم بمعنى كاذبون فى دعوى أن قولهم كذب، إِذ قولهم ذلك حق فى نفس الأَمر ولو لم يذعنوا إِلى أنه حق فى نفس الأَمر وأجاز بعض المحققين أن يكون تكذيب الله إِياهم راجعا إِلى حلفهم، والله ما قلنا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وما قلنا لئن رجعنا إِلى المدينة الخ سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأَن الحارث بن أبى ضرار منهم وهو أبو جويرة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - يجمع الناس لحربه - صلى الله عليه وسلم - فخرج - صلى الله عليه وسلم - إِليهم فلقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسع من ناحية قديد إِلى الساحل فهزمهم وقتل منهم فسباهم وازدحم جهجاه بن سعيد الغفارى أجير عمر قائد فرسه مع سنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ يا معشر الأَنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين، وأعانه رجل فقير من المهاجرين اسمه جندل، فقال له عبد الله بن أُبى وإِنك لهناك. فقال: وما يمنعنى فغضب عبد الله بن أُبى فقال نافرونا وكاثرونا فى بلادنا. قال زيد بن أرقم كنت فى غزاة يعنى غزوة بنى المصطلق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعت عبد الله بن أبىّ ابن سلول يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا إِلى المدينة ليخرجن الأَعز منها الأَذل. فقلت: أنت والله الأَذل المبغض ورسول الله الكثير الأَعز عند الله تعالى والمؤمنين. فقال له عبد الله اسكت كنت ألعب فذكرت ذلك لعمى وذكره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعانى فحدثته فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أُبى وأصحابه، فحلفوا أنهم ما قالوا فكذبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقه، فأَصابنى هم لم يصبنى قط مثله فجلست فى البيت، فقال لى عمى ما أردت إِلى أن كذبك وفى لفظ إِلا أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومقتك فأَنزل الله تعالى: إِذا جاءك المنافقون فبعث إِلىَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال: إِن الله صدقك يا زيد، رواه البخارى. وفى رواية فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر لهم فلووا رءُوسهم، أى كما يجئ فى الآية. ويروى " حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأَسيد بن حضير أبلغك ما ذكر عن ابن عمك عبد الله بن أُبي؟ فقال يا رسول الله أنت والله الأَعز المخرج له وهو الأَذل أرفق به يا رسول الله جئت المدينة وقومه ينظمون له تاج الرياسة، ويرى أنك سلبته ذلك. وقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقال - صلى الله عليه وسلم - يتحدث الناس أني أقتل أصحابي وقال عبد الله بن عبد الله بن أُبي دعني أقتله يا رسول الله إِن أردت قتله وأحمل إِليك رأسه وإِني أبر به من كل من أبر أباه في المدينة، وأخاف إِن قتله غيري أقتله فأَكون قد قتلت مؤمناً، وقال أحسن به ما حيى ولما أراد دخول المدينة قال لا تدخلها حتى يأَذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتعلم من الأَعز فشكاه إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: دعه يدخل ". تفسير : وفى البخارى ومسلم أنه كسع رجل لعاب أنصاريا فغضب وقال يا للأَنصار ودعا لعاب يا للمهاجرين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بال دعوى الجاهلية فأَخبر بالكسعة فقال دعوها فإِنها خبيثة يعنى اللعبة أو دعوى الجاهلية أو الكسعة وقال ابن أُبى لئن رجعنا إِلى المدينة إِلى آخر القصة المذكورة، فنقول لعل القصة والآية فى شأن ذلك اللعاب وجهجاه معا وعلى كل حال لما قيل ذلك عن ابن أُبى واضطرب الناس تعجل الرحيل فرحل حيث لا يرحل ليسكن الأَمر. والآية نزلت فى قوله ليخرجن الأَعز الخ. وقوله لا تنفقوا الخ. وقوله طرنا كما قيل سمن كلبك يأكلك، ويروى أن ريحاً هاجت شديدة فقال: هاجت لرفاعة بن زيد مات بالمدينة من اليهود وهو كهف للمنافقين وقد ضلت ناقته - صلى الله عليه وسلم - ولم يدر أين ناقته فقال منافق لم يدر أين ناقته فكيف يدعى معرفة من فى المدينة فقال لا أعلم إِلا ما أعلمنى ربى، ناقتى فى شعب كذا أمسكها شجر برسنها، فوجدوها كذلك فتاب المنافق وأصلح، ولما وصلوا المدينة وجدوا رفاعة ميتا فى ذلك الوقت كما قال - صلى الله عليه وسلم - ومقتضى الظاهر أنهم يكذبون وأظهر ليصفهم بالنفاق ذما وإِشعارا بعلة الحكم، وإِذا كان ذلك مرة واحدة مضت فما معنى قوله عز وجل: إِذا جاءك الخ. المشعر بالتكرير والاستقبال الجواب، إِن الفتح لهذه المرة الواحدة فتح لتكررها فحصل التكرر والاستقبال حكما، وكأَنه قيل من شأنهم أن يتكرر منهم هذا {اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ} حلفانهم {جُنَّة} سترة وحصنا عن أن يؤاخذوا بالقتل والسبى والذم وأخذ أموالهم وعن أن يترك الصلاة عليهم إِذا ماتوا ولا بعد فى هذا كما قيل لأَن لهم استحياء عما يذمون به ولا سيما مالا يجبر بعد الموت ويحبون الستر كلما ظهر منهم كلام سوء حلفوا ما قالوا لئلا يفعل بهم ذلك، وذلك على العموم ويجوز أن يراد بأَيمانهم شهادتهم السابقة، وقد علمت أن الشهادة تستعمل بمعنى اليمين وكذا العلم وما يجرى مجرى ذلك فى مقام التأكيد فيجاب بما يجاب القسم لكن لا كفارة بالحنث فيه لأَن الحالف بذلك أراد التأكيد لا حقيقة الحلف وعليه فجمع اليمين لأَن عبد الله حلف وأصحابه حلفوا وهب أنه وحده حلف لكن أصحابه تبع له وراضون بحلفه، وذلك كله باعتبار ما مضى ويجوز أن يكون المعنى هيئوا لما بعد لأَنفسهم أنه كلما ظهر منهم سوء يحلفون أنهم ما فعلوه. {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ} منعوا كل من أراد الإِيمان أو من أراد الطاعة ما استطاعوا فالفعل متعدٍ أو أعرضوا عن الإيمان والطاعة فالفعل لازم {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ساء هو أى العمل والمخصوص ما كانوا يعملون أى كونهم يعملون وما مصدرية، أو ساء هو أى المعمول والمخصوص ما كانوا يعملون وما اسم موصول أو نكرة موصوفة. وعندى لا مانع من الإِتيان بفاعل باب نعم بلا إِضمار ولا تمييز ولا مخصوص {ذَلِكَ} ما ذكر من سوء عملهم والصد عن السبيل واتخاذ أيمانهم جنة ونفاقهم بإِثبات الرسالة نطقا لا اعتقادا {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {آمَنُوا} نطقا لا اعتقادا {ثُمَّ كَفَرُوا} ظهر كفرهم أى شركهم لنطقهم بما يصرح أنه لا إِيمان فى قلوبهم كقولهم لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن أسوأ من الحمير وقولهم فى غزوة تبوك أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر وأن يفتح الروم والشام فى قلة من أصحابه وأعوانه وقلة من ماله وقد أخرجه قومه من بلده وصدوه عن الحج وقد يتمنى الإِنسان أن يكون على عهده - صلى الله عليه وسلم - وهو غفلة عظيمة وليس كل من على عهده مؤمنا، فلعله يكون على عهده فيكون كأَبى جهل أو كعبد الله بن أُبى ولا سيما من رأى فى نفسه قسوة وعناداً عن الحق ولحظ نفسه و (ثم) للتراخى الزمانى لأَنه ما ظهر إِشراكهم الباطن إِلا بعد مدة من شهادتهم على الرسالة باللسان أو للتراخى الرتبى لبعد التلفظ بالشهادة عن اعتقاد الشرك وكذا إِن كان المعنى آمنوا عند المؤمنين وأسروا الكفر عند أصحابهم والفصل بغير المعهود تراخ ولو لم يطل وإِن كان معنى ثم كفروا ثم أسروا الكفر فللتراخى الرتبى ولا يصح ما قيل إِن الآية فى أهل الردة لأَن الكلام قيل فى المنافقين إِلا إِن ذكر اسم الإِشارة عقب ذلك بلا فصل ولا وجود شئ يشار إِليه غير حالهم وكذلك الكلام بعد فى المنافقين {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} غطى عليها حتى يموتوا على الكفر {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} حقيقة الإِيمان فلا يرغبون فيه ولا سيما أنه مناف لما هو حالهم. {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ} لتعهدهم لها بالتنظيف والتنعم بالأَكل والشرب للمستلذات والراحة والجاه فى قومهم {وَإِن يَقُولُوا} كلاما أى كلام فالحذف للعموم أو المعنى إِن صدر منهم قول فلا مفعول له {تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} يعجبك قولهم وتستحسنه والإِعجاب والاستحسان سبب للإِصغاء والاستماع، فعبر بالمسبب واللازم فإِن الاستماع مترتب على الحسن، وتسمع بمعنى تستمع ولذلك كان باللام كأَنه قيل تصغ لقولهم ويجوز أن يكون بمعنى تقبل يقال تكلم وما سمعت كلامه، أى لم أقبله وتكلم وسمعت كلامه قبلته، يدل على ذلك دليل لكن تكون اللام زائدة على هذا الوجه والخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - كما أنه له فى قوله إِذا جاءك الخ. ولأَن الأَصل فى المخاطب التعيين ولأَن استحسانه - صلى الله عليه وسلم - لقولهم يثبت استحسان غيره له بالأَولى والمراد بقولهم قولهم فى المباحات والحيل ونحوها فيعجبه ذلك مع فصاحتهم وبلاغتهم وحلاوة ألسنتهم وهنا تم الكلام واستأنف لذمهم قوله تعالى {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} جمع خشبة بفتح الخاء والسين كتمرة وتمر والمراد مطلق الخشب، خشب النخل أو الشجر، وقيل الجملة حال من هاء قولهم ولا بأس ولا نسلم أن الحالية تفيد تعليل سماع قولهم بكونهم كالخشب المسندة مع أنه ليس كذلك فإِنك إِذا قلت مررت بزيد راكبا، لم يفهم عاقل أن الركوب علة للمرور {مُسنَّدَةٌ} إِلى نحو حائط ووجه الشبه الخلو من الفائدة لأَنه لا إِيمان فى قلوبهم، لا نفع فيهم للإِيمان، وذلك حالهم فى كل موضع قعدوا فيه ولا يختص كونهم فى مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإِنما كونهم واقعة حال وفرض المسأَلة ووصف الخشبة بالمسندة لأَن التى فى السقف والمركوز لشئ والمجعولة سارية ومعلاقا أو ركب سرير أو سفينة أو جعل آلة لعمل أو كانت شجرة مثمرة أو نحو ذلك فيها فائدة، وقيل المراد بالخشب المسندة الأَصنام المنحوتة من الخشب {يَحْسَبُونَ} لشدة جبنهم {كُلَّ صَيْحَةٍ} كصوت من ينشد ضالة وصوت المتقاتلين وصوت من يستغيث إِذا لم يتحققوا ذلك. {عَلَيْهِمْ} مفعول ثان ليحسب أى ثابتة عليهم أو يقدر كون خاص، أى واقعة عليهم وذلك كما قال المتنبى: شعر : وضاقت الأَرض حتى صار هاربهم إِذا رأى غير شئ ظنه رجلا تفسير : وقال جرير وهو إِسلامى يخاطب الأَخطل وهو نصرانى لعنه الله: شعر : ما زلت تحسب كل شئ بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا تفسير : وقيل إِذا سمعوا صيحة ظنوا أنه فى شأن وحى يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم وسبيهم والوقف على عليهم وهو وقف تام وزعم بعض أنه يجوز أن يكون عليهم متعلقا بصيحة وقوله {هُمُ الْعَدُوُّ} مفعول ثان ولا يصح إِلا برد قوله هم إِلى الصيحة، وتجعله فى مقام هو على أنه عائد إِلى كل أو فى مقام هى العائد إِلى الصيحة وبدعوى أنه جمع مراعاة للخبر وأنه كان ضمير العقلاء مراعاة له أيضا، وذلك تكلف لا نحتاج إِليه وأيضا لا يناسبه قوله تعالى {فَاحْذَرْهُمْ} لأَنه تفريع لا يصح أن يترتب على حسبان الصيحة عدوا، وإِنما يترتب على أن المنافقين عدو برد قوله هم إِلى المنافقين وهو مبتدأ {قَاتَلَهُمُ اللهُ} لعنهم الله وطردهم عن رحمته عز وجل والجملة إِخبار أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك والمراد قولوا لعنهم الله ولا يجوز فى الشريعة وفى حق الله سبحانه وتعالى ما قيل أنه دعاء وطلب من ذاته سبحانه أن يلعنهم ويطردهم من رحمته تعالى، وإِنه من أسلوب التجريد البديعى لأَن هذا سوء أدب ويؤول إِلى تشبيه الله عز وجل بخلقه {أَنَّى} كيف أو من أين {يُؤفَكُونَ} يصرفون عن الإِيمان مع ظهور أنه الصواب وأنه النافع والاستفهام تعجيب ولما صدق الله عز وجل زيد بن أرقم فى قوله: إِن عبد الله بن أُبى قال لا تنفقوا على من عند رسول الله الخ، وقال لئن رجعنا إِلى المدينة لام ابن أُبى المؤمنون من قومه ومقته الناس، وقال بعض المؤمنين من قومه: اعترف عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: أشرتم إِلى بالإِيمان فآمنت وبالزكاة ففعلت ولم يبق إِلا أن تأمرونى بالسجود له فنزل قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لِكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّواْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - وثب فجعل يلوى رأسه فنزلت الآية. وضمير الجماعة مع أن اللاوى لرأسه ابن أُبى وحده لأَنهم فعلوا مثله أو رضوا أو للحكم على المجموع، نحو فعل بنو تميم كذا إِذا فعل بعضهم وأما وجه استعمال إِذا فى مقام الشعور بالتكرر مع أنه لا تكرر فمضى آنفا، وألهمنى الرحمن الرحيم وجها حسنا جدا وهو أن يحكم بخروج إِذا عن الشرط فلا تفيد العموم ومعنى لووا رءُوسهم حركوها جانبا حقيقة ويشيرون بتحريكها إِلى الإِنكار وذلك تكبر فى قصدهم كما بينه بالحال وهو قوله عز وجل: وهم مستكبرون، من التوبة والإِذعان، وقيل لم يحركوها. وذلك كناية عن الامتناع ويصدون بمعنى يعرضون والمضارع للتجدد والرؤية بصرية، والمرئى أثر الصد لا نفسه.
الالوسي
تفسير : {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } أي حضروا مجلسك، والمراد بهم عبد الله بن أبـي وأصحابه {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } التأكيد بإن واللام للازم فائدة الخبر وهو علمهم بهذا الخبر المشهود به فيفيد تأكيد الشهادة، ويدل على ادعائهم فيها المواطأة وإن كانت في نفسها تقع على الحق والزور. والتأكيد في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } لمزيد الاعتناء حقيقة بشأن الخبر، أو ليس إلا ليوافق صنيعهم، وجيء بالجملة اعتراضاً لإماطة ما عسى أن يتوهم من قوله عز وجل: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } من رجوع التكذيب إلى نفس الخبر المشهود به من أول الأمر، وذكر الطيبـي أن هذا نوع من التتميم لطيف المسلك، ونظيره قول أبـي الطيب: شعر : وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ترى كل ما فيها وحاشاك فانياً تفسير : فالتكذيب راجع إلى {نَشْهَدُ } باعتبار الخبر الضمني الذي دل عليه التأكيد وهو دعوى المواطأة في الشهادة أي والله يشهد إنهم لكاذبون فيما ضمنوا قولهم: {نَشْهَدُ } من دعوى المواطأة وتوافق اللسان والقلب في هذه / الشهادة. وقد يقال: الشهادة خبر خاص وهو ما وافق فيه اللسان القلب، وأما شهادة الزور فتجوز كإطلاق البيع على غير الصحيح فهم كاذبون في قولهم: {نَشْهَدُ } المتفرع على تسمية قولهم ذلك شهادة، وهو مراد من قال: أي لكاذبون في تسميتهم ذلك شهادة فلا تغفل. وعلى هذا لا يحتاج في تحقق كذبهم إلى ادعائهم المواطأة ضمناً لأن اللفظ موضوع للمواطىء. وجوز أن يكون التكذيب راجعاً إلى قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } باعتبار لازم فائدة الخبر وهو بمعنى رجوعه إلى الخبر الضمني، وأن يكون راجعاً إليه باعتبار ما عندهم أي لكاذبون في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أنه كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه، قيل: وعلى هذا الكذب هو الشرعي اللاحق به الذم، ألا ترى أن المجتهدين لا ينسبون إلى الكذب وإن نسبوا إلى الخطأ. وجوز العلامة الثاني أن يكون التكذيب راجعاً إلى حلف المنافقين، وزعموا أنهم لم يقولوا لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل لما ذكر في «صحيح البخاري» « حديث : عن زيد بن أرقم أنه قال: كنت في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت عبد الله بن أبـيّ بن سلول يقول: لا تنفقوا على مَنْ عندَ رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكره لنبـي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاني فحدّثته فأرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عبد الله بن أبـي وأصحابه فحلفوا أنهم ما قالوا: فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردتَ إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك فأنزل الله {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } فبعث إليّ النبـي صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال: إن الله صدقك يا زيد » تفسير : . وجوز بعض الأفاضل أن يكون المعنى: إن المنافقين شأنهم الكذب وإن صدقوا في هذا الخبر. وأياً مّا كان فلا يتم للنظَّام الاستدلال بالآية على أن صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ وكذبه عدمها. وإظهار المنافقين في موقع الإضمار لذمهم والإشعار بعلة الحكم والكلام في {إِذَا } على نحو ما مر آنفاً.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة التي تحمل هذا الاسم الخاص "المنافقون" الدال على موضوعها.. ليست هي السورة الوحيدة التي فيها ذكر النفاق والمنافقين، ووصف أحوالهم ومكائدهم. فلا تكاد تخلو سورة مدنية من ذكر المنافقين تلميحاً أو تصريحاً. ولكن هذه السورة تكاد تكون مقصورة على الحديث عن المنافقين، والإشارة إلى بعض الحوادث والأقوال التي وقعت منهم ورويت عنهم. وهي تتضمن حملة عنيفة على أخلاق المنافقين وأكاذيبهم ودسائسهم ومناوراتهم، وما في نفوسهم من البغض والكيد للمسلمين، ومن اللؤم والجبن وانطماس البصائر والقلوب. وليس في السورة عدا هذا إلا لفتة في نهايتها إلى الذين آمنوا لتحذيرهم من كل ما يلصق بهم من صفة من صفات المنافقين، ولو من بعيد. وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله، والغفلة عن ذكره اشتغالاً بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات. وحركة النفاق التي بدأت بدخول الإسلام المدينة، واستمرت إلى قرب وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم تنقطع في أي وقت تقريباً، وإن تغيرت مظاهرها ووسائلها بين الحين والحين.. هذه الحركة ذات أثر واضح في سيرة هذه الفترة التاريخية وفي أحداثها؛ وقد شغلت من جهد المسلمين ووقتهم وطاقتهم قدراً كبيراً؛ وورد ذكرها في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف مرات كثيرة تدل على ضخامة هذه الحركة، وأثرها البالغ في حياة الدعوة في ذلك الحين. وقد ورد عن هذه الحركة فصل جيد في كتاب: "سيرة الرسول: صورة مقتبسة من القرآن الكريم" لمؤلفه الأستاذ "محمد عزة دروزة" نقتطف منه فقرات كاشفة: "وعلة ظهور تلك الحركة في المدينة واضحة، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون الأولون في مكة لم يكونوا من القوة والنفوذ في حالة تستدعي وجود فئة من الناس ترهبهم أو ترجو خيرهم، فتتملقهم وتتزلف إليهم في الظاهر، وتتآمر عليهم وتكيد لهم وتمكر بهم في الخفاء، كما كان شأن المنافقين بوجه عام. ولقد كان أهل مكة وزعماؤها خاصة يناوئون النبي جهاراً، ويتناولون من استطاعوا من المسلمين بالأذى الشديد، ويقاومون الدعوة بكل وسيلة دون ما تحرز أو تحفظ؛ وكانت القوة لهم حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة فراراً بدينهم ودمهم إلى الحبشة أولاً، ثم إلى يثرب؛ وحتى فتن بعضهم عن دينه بالعنف والإكراه، أو بالإغراء والتهويش؛ وحتى تزلزل بعضهم وتبرم ونافق المشركين، وحتى مات بعض من ناله الأذى ممن ثبت على دينه نتيجة للتعذيب.. "أما في المدينة فقد كان الأمر مختلفاً جداً. فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استطاع قبل أن يهاجر إليها أن يكسب أنصاراً أقوياء من الأوس والخزرج؛ ولم يهاجر إلا بعد أن استوثق من موقفه، ولم يبق تقريباً بيت عربي فيها لم يدخله الإسلام. ففي هذه الحالة لم يكن من الهين أن يقف الذين لم يؤمنوا به ـ إما عن جهالة وغباء، وإما عن غيظ وحقد وعناد، لأنهم رأوا في قدوم النبي حداً لنفوذهم وسلطانهم ـ موقف الجحود والعداء العلني للنبي والمسلمين من المهاجرين والأنصار؛ وكان للعصبية في الوقت نفسه أثر غير قليل في عدم الوقوف هذا الموقف، لأن سواد الأوس والخزرج أصبحوا أنصار النبي، ومرتبطين به بمواثيق الدفاع والنصر، إلى أن جلهم قد حسن إسلامهم، وغدوا يرون في النبي رسول الله، وقائدهم الأعلى الواجب الطاعة، ومرشدهم الأعظم الواجب الاتباع، فلم يكن يسع الذين ظلت تغلبهم نزعة الشرك، ويتحكم فيهم مرض القلب والمكابرة والحقد، ويحملهم ذلك على مناوأة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعوته ونفوذه ـ أن يظهروا علناً في نزعتهم وعدائهم، ولم يكن أمامهم إلا التظاهر بالإسلام، والقيام بأركانه، والتضامن مع قبائلهم. وجعل مكرهم وكيدهم ودسهم ومؤامراتهم بأسلوب المراوغة والخداع والتمويه، وإذا كانوا وقفوا أحياناً مواقف علنية فيها كيد ودس، وعليها طابع من النفاق بارز، فإنما كان هذا منهم في بعض الظروف والأزمات الحادة التي كانت تحدق بالنبي والمسلمين، والتي كانوا يتخذونها حجة لتلك المواقف بداعي المصلحة والمنطق والاحتياط؛ ولم يكونوا على كل حال يعترفون بالكفر أو النفاق، غير أن نفاقهم وكفرهم ومواقفهم في الكيد والدس والتآمر لم تكن لتخفى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمخلصين من أصحابه من المهاجرين والأنصار، كما أن المواقف العلنية التي كانوا يقفونها في فرص الأزمات كانت مما تزيد كفرهم ونفاقهم فضيحة ومقتاً. وقد كانت الآيات القرآنية توجه إليهم كذلك الفضائح المرة بعد المرة، وتدل عليهم بما يفعلون أو يمكرون، وتدمغهم بشرورهم وخبثهم ومكايدهم، وتحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين منهم في كل ظرف ومناسبة". "ولقد كانت مواقف المنافقين ومكايدهم بعيدة المدى والأثر على ما تلهم الآيات المدنية، حتى لكأنه نضال قوي، يذكر بما كان من نضال بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزعماء مكة، وإن اختلفت الأدوار والنتائج؛ إذ أن النبي لم يلبث أن أخذ مركزه يتوطد وقوته تزداد، ودائرة الإسلام تتسع، وصار صاحب سلطان وأمر نافذ وجانب عزيز؛ وإذ لم يكن المنافقون كتلة متضامنة ذات شخصية خاصة بارزة، وكان ضعفهم وضآلة عددهم وشأنهم يسيران سيراً متناسباً عكسياً مع ما كان من تزايد قوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتساع دائرة الإسلام، وتوطد عزته وسلطانه". "ويكفيك لأجل أن تشعر بخطورة الدور الذي قام به المنافقون، وخاصة في أوائل العهد، أن تلاحظ أن المنافقين كانوا أقوياء نسبياً بعصبياتهم التي كانت ما تزال قوية الأثر في نفوس سواد قبائلهم، كما أنهم لم يكونوا مفضوحين فضيحة تامة، ولم يكن الإسلام قد رسخ في هذا السواد رسوخاً كافياً؛ وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان محوطاً بالمشركين الجاحدين من كل جانب، وأهل مكة خصومه الألداء، وهم قبلة الجزيرة يتربصون به الدوائر، ويتحينون كل فرصة ووسيلة للقضاء عليه؛ واليهود في المدينة وحولها قد تنكروا له منذ عهد مبكر وتطيروا به، ثم جاهروه بالكفر والعداء والمكر؛ ولم يلبث أن انعقد بينهم وبين المنافقين حلف طبيعي على توحيد المسعى، والتضامن في موقف المعارضة والكيد، حتى ليمكن القول: إن المنافقين لم يقووا ويثبتوا ويكن منهم ذلك الأذى الشديد والاستمرار في الكيد والدس إلا بسبب ما لقوه من اليهود من تعضيد، وما انعقد بينهم من تضامن وتواثق، ولم يضعف شأنهم ويخف خطرهم إلا بعد أن مكن الله للنبي من هؤلاء وأظهره عليهم، وكفاه شرهم". وهذه السورة تبدأ بوصف طريقتهم في مداراة ما في قلوبهم من الكفر، وإعلانهم الإسلام والشهادة بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو رسول الله. وحلفهم كذباً ليصدقهم المسلمون، واتخاذهم هذه الأيمان وقاية وجنة يخفون وراءها حقيقة أمرهم، ويخدعون المسلمين فيهم: {إذا جآءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله ـ والله يعلم إنك لرسوله ـ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله، إنهم سآء ما كانوا يعملون}.. فهم كانوا يجيئون إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيشهدون بين يديه برسالته شهادة باللسان، لا يقصدون بها وجه الحق، إنما يقولونها للتقية، وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين. فهم كاذبون في أنهم جاءوا ليشهدوا هذه الشهادة، فقد جاءوا ليخدعوا المسلمين بها، ويداروا أنفسهم بقولها. ومن ثم يكذبهم الله في شهادتهم بعد التحفظ الذي يثبت حقيقة الرسالة: {والله يعلم إنك لرسوله}.. {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}. والتعبير من الدقة والاحتياط بصورة تثير الانتباه. فهو يبادر بتثبيت الرسالة قبل تكذيب مقالة المنافقين. ولولا هذا التحفظ لأوهم ظاهر العبارة تكذيب المنافقين في موضوع شهادتهم وهو الرسالة. وليس هذا هو المقصود. إنما المقصود تكذيب إقرارهم فهم لا يقرون الرسالة حقاً ولا يشهدون بها خالصي الضمير! {اتخذوا أيمانهم جنة}.. وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم، أو عرف عنهم كيد أو تدبير، أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين. كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم، فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها، ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم. {فصدوا عن سبيل الله}.. صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة: {إنهم ساء ما كانوا يعملون}.. وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل!؟ ويعلل حالهم هذه من شهادة مدخولة كاذبة، وأيمان مكذوبة خادعة، وصد عن سبيل الله وسوء عمل.. يعلله بأنهم كفروا بعد الإيمان، واختاروا الكفر بعد أن عرفوا الإسلام: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم، فهم لا يفقهون}.. فهم عرفوا الإيمان إذن، ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر. وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه، أو تذوق، أو حياة. وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف، ويطلع على التصور الإيماني للوجود، وعلى التذوق الإيماني للحياة، ويتنفس في جو الإيمان الذكي، ويحيا في نور الإيمان الوضيء، ويتفيأ ظلال الإيمان الندية... ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود؟ من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود، الذي لا يفقه ولا يحس ولا يشعر بهذا الفارق البعيد! {فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون}.. ثم يرسم لهم السياق صورة فريدة مبدعة؛ تثير السخرية والهزء والزراية بهذا الصنف الممسوخ المطموس من الناس، وتسمهم بالفراغ والخواء والانطماس والجبن والفزع والحقد والكنود. بل تنصبهم تمثالاً وهدفاً للسخرية في معرض الوجود: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم. وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة. يحسبون كل صيحة عليهم. هم العدو فاحذرهم. قاتلهم الله أنى يؤفكون؟}.. فهم أجسام تعجب. لا أناسي تتجاوب! وما داموا صامتين فهم أجسام معجبة للعيون.. فأما حين ينطقون فهم خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة.. {تسمع لقولهم كأنهم خشب}.. ولكنها ليست خشباً فحسب. إنما هي {خشب مسندة}.. لا حركة لها، ملطوعة بجانب الجدار! هذا الجمود الراكد البارد يصورهم من ناحية فقه أرواحهم إن كانت لهم أرواح! ويقابله من ناحية أخرى حالة من التوجس الدائم والفزع الدائم والاهتزاز الدائم: {يحسبون كل صيحة عليهم}.. فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء. وهم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف. والتعبير يرسمهم أبداً متلفتين حواليهم؛ يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف، يحسبونه يطلبهم، وقد عرف حقيقة أمرهم!! وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان.. إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال! وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمسلمين: {هم العدو فاحذرهم}.. هم العدو الحقيقي. العدو الكامن داخل المعسكر، المختبئ في الصف. وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح. {فاحذرهم}.. ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر هنا بقتلهم، فأخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم (كما سيجيء نموذج من هذه المعاملة بعد قليل).. {قاتلهم الله أنى يؤفكون}.. فالله مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا. والدعاء من الله حكم بمدلول هذا الدعاء، وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه.. وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف. ويستطرد السياق في وصف تصرفاتهم الدالة على دخل قلوبهم؛ وتبييتهم للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذبهم عند المواجهة.. وهي مجموعة من الصفات اشتهر بها المنافقون: {وإذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءُوسهم، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون. سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين. هم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. ولله خزآئن السماوات والأرض ولـكن المنافقين لا يفقهون. يقولون: لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. ولـكن المنافقين لا يعلمون}.. وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول: وفصل ابن إسحاق هذا في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست على المريسيع.. ماء لهم.. فبينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك الماء ـ بعد الغزوة ـ وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عون ابن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار. وصرخ جهجاه. يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث. فقال: أوقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا. والله ما أعدُّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم. فمشى به إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك عند فراغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب. فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذن بالرحيل"تفسير : . وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرتحل فيها. فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه ـ فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان في قومه شريفاً عظيماً. فقال من حضر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. حدباً على ابن أبي بن سلول ودفعاً عنه. قال ابن إسحاق فلما استقل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟"تفسير : قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: "حديث : عبد الله بن أبي"تفسير : قال: وما قال: قال: "حديث : زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل؟"تفسير : قال: فأنت يا رسول الله والله لتخرجنه منها إن شئت. هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به. فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً! ثم مشى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس. ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً، وإنما فعل ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله ابن أبي. قال ابن إسحاق: ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين، في ابن أبي ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: "حديث : هذا الذي أوفى لله بأذنه"تفسير : . وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه. قال ابن إسحاق. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه. فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا ". تفسير : وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم "حديث : :كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم تقتله لقتلته.."تفسير : قال: قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظم بركة من أمري.. وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك! فقال: مالك؟ ويلك! فقال: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه العزيز وأنت الذليل! فلما جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان إنما يسير ساقة، فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه. فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أما إذ أذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجز الآن.. وننظر مرة إلى الأحداث، ومرة إلى الرجال، ومرة إلى النص القرآني، فنجدنا مع السيرة، ومع المنهج التربوي الإلهي، ومع قدر الله العجيب في تصريف الأمور.. فهذا هو الصف المسلم يندس فيه المنافقون؛ ويعيشون فيه ـ في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرابة عشر سنوات. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يخرجهم من الصف، ولا يعرفهم الله له بأسمائهم وأعيانهم إلا قبيل وفاته. وإن كان يعرفهم في لحن القول، بالالتواء والمداورة. ويعرفهم بسيماهم وما يبدو فيها من آثار الانفعالات والانطباعات. ذلك كي لا يكل الله قلوب الناس للناس. فالقلوب له وحده، وهو الذي يعلم ما فيها ويحاسب عليه، فأما الناس فلهم ظاهر الأمر؛ كي لا يأخذوا الناس بالظنة، وكي لا يقضوا في أمورهم بالفراسة! وحتى حينما عرف الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنفر الذين ظلوا على نفاقهم إلى أواخر حياته، فإنه لم يطردهم من الجماعة وهم يظهرون الإسلام ويؤدون فرائضه. إنما عرفهم وعرّف بهم واحداً فقط من رجاله هو حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ ولم يشع ذلك بين المسلمين. حتى إن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يأتي حذيفة ليطمئن منه على نفسه أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يسمه له من المنافقين! وكان حذيفة يقول له: يا عمر لست منهم. ولا يزيد! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قد أُمر ألا يصلي على أحد منهم مات أبداً. فكان أصحابه يعرفون عندما يرون الرسول لا يصلي على ميت. فلما قبض ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان حذيفة لا يصلي على من عرف أنه منهم. وكان عمر لا ينهض للصلاة على ميت حتى ينظر. فإن رأى حذيفة هناك علم أنه ليس من المجموعة وإلا لم يصل هو الآخر ولم يقل شيئاً! وهكذا كانت تجري الأحداث ـ كما يرسمها القدر ـ لحكمتها ولغايتها، للتربية والعبرة وبناء الأخلاق والنظم والآداب. وهذا الحادث الذي نزلت فيه تلك الآيات هو وحده موضع عبر وعظات جمة.. هذا عبد الله بن أبي بن سلول. يعيش بين المسلمين. قريباً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تتوالى الأحداث والآيات من بين يديه ومن خلفه على حقيقة هذا الدين وصدق هذا الرسول. ولكن الله لا يهدي قلبه للإيمان، لأنه لم يكتب له هذه الرحمة وهذه النعمة. وتقف دونه ودون هذا الفيض المتدفق من النور والتأثير، تقف دونه إحنة في صدره أن لم يكن ملكاً على الأوس والخزرج، بسبب مقدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإسلام إلى المدينة! فتكفه هذه وحدها عن الهدى. الذي تواجهه دلائله من كل جانب. وهو يعيش في فيض الإسلام ومده في يثرب! وهذا ابنه عبد الله ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع. يشقى بأبيه ويضيق بأفاعيله ويخجل من مواقفه. ولكنه يكن له ما يكنه الولد البار العطوف. ويسمع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يريد أن يقتل أباه هذا. فيختلج قلبه بعواطف ومشاعر متباينه، يواجهها هو في صراحة وفي قوة وفي نصاعة. إنه يحب الإسلام، ويحب طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحب أن ينفذ أمره ولو في أبيه. ولكنه لا يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أبيه ويظل يمشي على الأرض بعده أمام ناظريه. وهو يخشى أن تخونه نفسه، وألا يقدر على مغالبة شيطان العصبية، وهتاف الثأر.. وهنا يلجأ إلى نبيه وقائده ليعينه على خلجات قلبه، ويرفع عنه هذا العنت الذي يلاقيه. فيطلب منه إن كان لا بد فاعلاً أن يأمره هو بقتل أبيه. وهو لا بد مطيع. وهو يأتيه برأسه. كي لا يتولى ذلك غيره، فلا يطيق أن يرى قاتل أبيه يمشي على الأرض. فيقتله. فيقتل مؤمناً بكافر. فيدخل النار.. وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلب النظر في هذا الموقف الكريم. روعة الإيمان في قلب إنسان، وهو يعرض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكل إليه أشق عمل على النفس البشرية ـ أن يقتل أباه ـ وهو صادق النية فيما يعرض. يتقي به ما هو أكبر في نظره وأشق.. وهو أن تضطره نوازعه البشرية إلى قتل مؤمن بكافر، فيدخل النار.. وروعة الصدق والصراحة وهو يواجه ضعفه البشري تجاه أبيه وهو يقول: "فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني". وهو يطلب من نبيه وقائده أن يعينه على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج؛ لا بأن يرد أمره أو يغيره ـ فالأمر مطاع والإشارة نافذة ـ ولكن بأن يكل إليه هو أن يأتيه برأسه! والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المحرجة، فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة: "حديث : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا"تفسير : .. ومن قبل هذا يكف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رأيه: "حديث : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ ". تفسير : ثم تصرف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحادث تصرف القائد الملهم الحكيم.. وأمره بالسير في غير أوان، ومتابعة السير حتى الإعياء، ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين: يا للأنصار! يا للمهاجرين! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبد الله ابن أبي بن سلول، وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان.. وحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أسيد بن حضير، وما فيه من تعبئة روحية ضد الفتنة، واستجاشة للأخذ على يد صاحبها وهو صاحب المكانة في قومه حتى بعد الإسلام! وأخيراً نقف أمام المشهد الرائع الأخير. مشهد الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبي. وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل. تصديقاً لمقاله هو: {ليخرجن الأعز منها الأذل}. ليعلم أن رسول الله هو الأعز. وأنه هو الأذل. ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيأذن له. فيدخلها بإذنه. ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل. في نفس الواقعة. وفي ذات الأوان. ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال. رفعهم إلى هذه القمة، وهم بعد بشر، بهم ضعف البشر، وفيهم عواطف البشر، وخوالج البشر. وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة، حين يدركها الناس على حقيقتها، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسيّ تأكل الطعام وتمشي في الأسواق. ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءُوسهم، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون}.. فهم يفعلون الفعلة، ويطلقون القولة. فإذا عرفوا أنها بلغت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأَيمان يتخذونها جنة. فإذا قال لهم قائل: تعالوا يستغفر لكم رسول الله، وهم في أمن من مواجهته، لووا رؤوسهم ترفعاً واستكباراً! وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة. وإن كان هذا التصرف يجيء عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام. ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة؛ فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ما داموا في أمان من المواجهة. حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان! ومن ثم يتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما قضاه الله في شأنهم على كل حال. وبعدم جدوى الاستغفار لهم بعد قضاء الله: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}.. ويحكي طرفاً من فسقهم، الذي استوجب قضاء الله فيهم: {هم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}.. وهي قولة يتجلى فيها خبث الطبع، ولؤم النحيزة. وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان، في حرب العقيدة ومناهضة الأديان. ذلك أنهم لخسة مشاعرهم يحسبون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين. إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضوا عن نصرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويسلموه للمشركين! وهي خطة المنافقين كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه تحت وطأة الضيق والجوع! وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين، ليموتوا جوعاً أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة! وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.. وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان، من قديم الزمان، إلى هذا الزمان.. ناسين الحقيقة البسيطة التي يذكرهم القرآن بها قبل ختام هذه الآية: {ولله خزائن السماوات والأرض. ولكن المنافقين لا يفقهون}.. ومن خزائن الله في السماوات والأرض يرتزق هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم. فما أغباهم وأقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين! وهكذا يثبت الله المؤمنين ويقوي قلوبهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة والوسيلة الخسيسة، التي يلجأ أعداء الله إليها في حربهم. ويطمئنهم إلى أن خزائن الله في السماوات والأرض هي خزائن الأرزاق للجميع. والذي يعطي أعداءه لا ينسى أولياءه. فقد شاءت رحمته ألا يأخذ حتى أعداءه من عباده بالتجويع وقطع الأرزاق. وقد علم أنهم لا يرزقون أنفسهم كثيراً ولا قليلاً لو قطع عنهم الأرزاق! وهو أكرم أن يكل عباده ـ ولو كانوا أعداءه ـ إلى ما يعجزون عنه البتة. فالتجويع خطة لا يفكر فيها إلا أخس الأخساء وألأم اللؤماء! ثم قولتهم الأخيرة: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}.. وقد رأينا كيف حقق ذلك عبد الله بن عبد الله بن أبي! وكيف لم يدخلها الأذل إلا بإذن الأعز! {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. ولكن المنافقين لا يعلمون}.. ويضم الله ـ سبحانه ـ رسوله والمؤمنين إلى جانبه، ويضفي عليهم من عزته، وهو تكريم هائل لا يكرمه إلا الله! وأي تكريم بعد أن يوقف الله ـ سبحانه ـ رسوله والمؤمنين معه إلى جواره. ويقول: ها نحن أولاء! هذا لواء الأعزاء. وهذا هو الصف العزيز! وصدق الله. فجعل العزة صنو الإيمان في القلب المؤمن. العزة المستمدة من عزته تعالى. العزة التي لا تهون ولا تهن، ولا تنحني ولا تلين. ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان. فإذا استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة.. {ولكن المنافقين لا يعلمون}.. وكيف يعلمون وهم لا يتذوقون هذه العزة ولا يتصلون بمصدرها الأصيل؟ لهؤلاء المؤمنين الذين أوقفهم الله في صفه مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل عزتهم من عزته يوجه النداء الأخير في السورة، ليرتفعوا إلى هذا المكان الكريم، ويبرأوا من كل صفة تشبه صفات المنافقين، ويختاروا ذلك المقام الأسنى على الأموال والأولاد، فلا يدعوها تلهيهم عن بلوغ ذلك المقام الوضيء: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن يفعل ذلك فأولـئك هم الخاسرون. وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين. ولن يؤخر الله نفساً إذا جآء أجلهآ، والله خبير بما تعملون}.. والأموال والأولاد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفاً أعلى يليق بالمخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه، فأودع روحه الشوق إلى تحقيق بعض صفاته الإلهية في حدود طاقته البشرية. وقد منحه الأموال والأولاد ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله والاتصال بالمصدر الذي تلقى منه ما هو به إنسان. ومن يغفل عن الاتصال بذلك المصدر، ويلهه عن ذكر الله ليتم له هذا الاتصال {فأولئك هم الخاسرون}.. وأول ما يخسرونه هو هذه السمة. سمة الإنسان. فهي موقوفة على الاتصال بالمصدر الذي صار به الإنسان إنساناً. ومن يخسر نفسه فقد خسر كل شيء. مهما يملك من مال ومن أولاد. ويلمسهم في موضوع الإنفاق لمسات متنوعة في آية واحدة: {وأنفقوا من ما رزقناكم}.. فيذكرهم بمصدر هذا الرزق الذي في أيديهم. فهو من عند الله الذي آمنوا به والذي يأمرهم بالإنفاق. {من قبل أن يأتي أحدكم الموت..}.. فيترك كل شيء وراءه لغيره؛ وينظر فلا يجد أنه قدم شيئاً لنفسه، وهذا أحمق وأخسر الخسران. ثم يرجو حينئذ ويتمنى أن لو كان قد أمهل ليتصدق وليكون من الصالحين! وأنى له هذا؟: {ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها}؟ وأنى له ما يتقدم به؟ {والله خبير بما تعملون}؟ إنها اللمسات المنوعة في الآية الواحدة. في مكانها المناسب بعد عرض سمات المنافقين وكيدهم للمؤمنين. ولو اذ المؤمنين بصف الله الذي يقيهم كيد المنافقين.. فما أجدرهم إذن أن ينهضوا بتكاليف الإيمان، وألا يغفلوا عن ذكر الله. وهو مصدر الأمان.. وهكذا يربي الله المسلمين بهذا القرآن الكريم..
ابن عاشور
تفسير : لما كان نزول هذه السورة عقب خصومة المهاجري والأنصاري ومقالة عبد الله بن أُبيّ في شأن المهاجرين. تعيّن أن الغرض من هذه الآية التعريض بكذب عبد الله بن أبيّ وبنفاقه فصيغ الكلام بصيغة تعمّ المنافقين لتجنب التصريح بالمقصود على طريقة قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مَا بال أقوام يشترطون شُروطاً ليست في كتاب الله»تفسير : ومراده مولى بَريرة لما أراد أن يبيعها لعائشة أمّ المؤمنين واشترط أن يكون الولاء له، وابتدىء بتكذيب مَنْ أُريد تكذيبه في ادعائه الإِيمان بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ذلك هو المقصود إشعاراً بأن الله أطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دخَائِلهم، وهو تمهيد لما بعده من قوله: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلم أن المنافقين قَالوا: نشهد إنك لرسول الله. فيجوز أن يكون قولهم: {نشهد إنك لرسول الله} محكياً بالمعنى لأنهم يقولون عبارات كثيرة تفيد معنى أنهم يشهدون بأنه رسول الله مثل نطقهم بكلمة الشهادة. ويجوز أن يكونوا توطؤوا على هذه الكلمة كلما أعلن أحدهم الإِسلام. وهذا أليق بحكاية كلامهم بكلمة {قالوا} دون نحو: زعموا. و{إذا} ظرف للزمان الماضي بقرينة جعل جملتيها ماضيتين، والظرف متعلق بفعل {قالوا} وهو جواب {إذا}. فالمعنى: إنك تعلم أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله. و{نشهد} خبر مؤكّد لأن الشهادة الإِخبار عن أمر مقطوع به إذ هي مشتقة من المشاهدة أي المعاينة، والمعاينة أقوى طرق العلم، ولذلك كثر استعمال: أشهد ونحوه من أفعال اليقين في معنى القسم. وكثر أن يُجاب بمثل ما يجاب به القسم قاله ابن عطية. ومعنى ذلك: أن قوله: {نشهد} ليس إنشاء. وبعض المفسرين جعله صيغة يمين. وروي عن أبي حنيفة. والمقصود من قوله: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} إعلام النبي صلى الله عليه وسلم وإعلام المسلمين بطائفة مبهمة شأنهم النفاق ليتوسموهم ويختبروا أحوالهم وقد يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الوحْي تعيينهم أو تعيين بعضهم. و{المنافقون} جمع منافق وهو الذي يظهر الإِيمان ويُسر الكفر وقد مضى القول فيه مفصلاً في سورة آل عمران. وجملة {إنك لرسول الله} بيان لجملة {نشهد}. وجملة {والله يعلم إنك لرسوله} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين وهذا الاعتراض لدفع إيهام من يسمع جملة {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} أنه تكذيب لجملة {إنك لرسول الله} فإن المسلمين كانوا يومئذٍ محفوفين بفئام من المنافقين مبثوثين بينهم هجّيراهم فتنة المسلمين فكان المقام مقتضياً دفع الإِيهام وهذا من الاحتراس. وعُلق فعل {يعلم} عن العمل لوجود (إنّ) في أول الجملة وقد عدوا (إنَّ) التي في خبرها لاَم ابتداء من المعلقات لأفعال القلب عن العَمل بناء على أن لام الابتداء هي في الحقيقة لام جواب القسم وأن حقها أن تقع قبل (إنَّ) ولكنها زُحْلقت في الكلام كراهية اجتماع مؤكَّدين متصلين، وأُخذ ذلك من كلام سيبويه. وجملة {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} عطف على جملة {قالوا نشهد}. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوّي الحكم. وجيء بفعل {يشهد} في الإِخبار عن تكذيب الله تعالى إياهم للمشاكلة حتى يكون إبطال خبرهم مساوياً لإِخبارهم. والكذب: مُخالفة ما يفيدهُ الخبرُ للواقع في الخارج، أي الوُجود فمعنى كون المنافقين كاذبون هنا أنهم كاذبون في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله لأن خبرهم ذلك مخالف لما في أنفسهم فهم لا يشهدون به ولا يوافق قولُهم ما في نفوسهم. وبهذا بطل احتجاج النَظَّام بظاهر هذه الآية على رأيه أن الكذب مخالفة الخبر لاعتقاد المخبر لأنه غفل عن قوله تعالى: {قالوا نشهد}. وقد أشار إلى هذا الرد القزويني في «تلخيص المفتاح» وفي «الإِيضاح». وجملة {إن المنافقين لكاذبون} مبنية لجملة {يشهد} مثل سَابقتاها.
الشنقيطي
تفسير : قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الدراسة: الخطاب للنَّبي صلى الله عليه وسلم، والمنافقون جمع منافق وهو من يظهر الإيمان ويسر الكفر. قالوا: نشهد إنك لرسول الله، أي قالوا ذلك نفاقاً وخوفاً، ولم يقولوه خالصاً من قلوبهم. ولذا قال الله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون}، وإنما شهد عليهم بالكذب مع أن ظاهر قولهم حق لأن بواطنهم تكذب ظواهرهم لأن الأعمال بالنيات، وإنما كسر همزة إن في المواضع الثلاثة، لأنها بعد فعل معلق باللام، ولولا ذلك لفتحت، لأنها في محل المصدر. ولأبي حيان قول حسن في ذلك إذ قال: إن قولهم: نشهد يجري مجرى اليمين. ولذلك تلقى بما يتلقى به القسم، وكذا فعل اليقين. والعلم يجري مجرى القسم بقوله: {إِنََّ لَرَسَولُ اللَّهِ} أعني بقصد التوكيد بإن واللام، ثم قال: وأصل الشهادة أن يواطئ اللسان القلب، وهذا بالنطق وذلك بالاعتقاد فأكذبهم الله: وفضحهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون}. أي لم تواطئ قلوبهم ألسنتهم على تصديقك، واعتقادهم أنك غير رسول، فهم كاذبون عند الله وعند من عرف حالهم، أو كاذبون عند أنفسهم، إذ أنهم يعتقدون أن قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} كذب. وجاء قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} بين شهادتهم وتكذيبهم إيذاناً بأن الأمر كما قالوا على حد قوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح: 28 - 29]. تنبيه في هذه الآية مبحث بلاغي في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء فقولوا: الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فذهب الجمهور إلى أنه ينحصر فيهما بلا واسطة، والمخبر إما صادق وإما كاذب. وهذا بناء على مطابقة الخبر للواقع أو عدم مطابقته ولا علاقة له بالاعتقاد. قال السعد في التلخيص، وقال بعض الناس: صدق الخبر وكذبه مطابقته لاعتقاد المخبر لا للواقع. واستدلوا لذلك بأن عدم مطابقته للواقع يكون من قبيل الخطأ لا من قبيل الكذب. ولحديث عائشة رضي الله عنهما عن ابن عمر: "ما كذب ولكنه وهم"، وهذا مذهب الجاحظ وهو صدق الخبر مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر مستدلاً بالآية {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} مع قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}. فكذبهم الله مع أن خبرهم مطابق للواقع، لكنهم لم يعتقدوا ما قالوا فكذبهم الله لذلك. ومقتضى مذهب الجاحظ القول بوجود واسطة بين الصدق والكذب، وهي عدم اعتقاد المخبر لما أخبر به، ولو طابق الواقع، ولكن ما قدمناه من كلام أبي حيان يرد هذا المذهب ويبطل استدلال الجاحظ ومن وافقه بالآية، لأن تكذيب الله إياهم منصب على قوم قالوا نشهد، والشهادة أخص من الخبر، ولأنهم ضمنوا شهادتهم التأكيد المشعر بالقسم والموحي بمطابقة القول لما في القلب ولا سيّما في هذا المقام، وهو مقام الإيمان والتصديق، فأكذبهم الله في كون إخبارهم بصورة الشهادة والحال أنهم لم يأتوا بالشهادة على وجهها وهو عدم مطابقتها لاعتقادهم. والقرآن ينفي وجود واسطة بين الصدق والكذب كما في قوله تعالى:{أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ}تفسير : [يونس: 32]. أما فقه اليمين وما تنعقد به وأحكامها، فقد تقدم للشّيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذا المبحث مستوفى في سورة المائدة عند قوله تعالى:{أية : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}تفسير : [المائدة: 89] الآية. وذكر في معنى لغو اليمين عند العلماء قولين: الثاني منهما: هو أن يحلف على ما يعتقده فيظهر خلافه وعزا لمالك، وأنه مروي عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وساق أسماء كثيرين، ولا يبعد أن يقال: ينبغي أن نفرق بين الحد اللغوي عند البلاغيين، والحد الشرعي حيث يقبل شرعاً ما كان مبناه على غلبة الظن عند المتكلم، لأنه حد علمه ولعدم المؤاخذة في الشرع في مثل ذلك والله أعلم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- إذا جاءك المنافقون - يا محمد - قالوا بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فى دعواهم الإيمان بك لعدم تصديقهم بقلوبهم. 2- جعلوا أيمانهم الكاذبة وقاية لهم من المؤاخذة، فمنعوا أنفسهم عن طريق الله المستقيم. إنهم قَبُحَ ما كانوا يعملون فى النفاق والأيمان الكاذبة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذا جاءك المنافقون: أي حضر مجلسك المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه. قالوا نشهد إنك لرسول الله: أي قالوا بألسنتهم ذلك وقلوبهم على خلافه. والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون: أي والله يعلم أن المنافقين لكاذبون أي بما أضمروه من أنك غير رسول الله. اتخذوا أيمانهم جنة: أي سترة ستروا بها أموالهم وحقنوا بها دماءهم. فصدوا عن سبيل الله: أي فصدوا بها عن سبيل الله أي الجهاد فيهم. إنهم ساء ما كانوا يعملون: أي قبح ما كانوا يعملونه من النفاق. ذلك: أي سوء عملهم. بأنهم آمنوا ثم كفروا: أي آمنوا بألسنتهم، ثم كفروا بقلوبهم أي استمروا على ذلك. فطبع على قلوبهم: أي ختم عليها بالكفر. فهم لا يفقهون: أي الإِيمان أي لا يعرفون معناه ولا صحته. تعجبك أجسامهم: أي لجمالها إذ كان ابن أبي جسيما صحيحاً وصبيحاً ذلق اللسان. وإن يقولوا تسمع لقولهم: أي لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم. كأنهم خشب مسندة: أي كأنهم من عظم أجسامهم وترك التفهم وعدم الفهم خشب مسندة أي أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. يحسبون كل صيحة عليهم: أي يظنون كل صوت عال يسمعونه كنداء في عسكر أو إنشاد ضالة عليهم وذلك لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم. هم العدو فاحذرهم: أي العدو التام العداوة فاحذرهم أن يفشوا سرك أو يريدوك بسوء. قاتلهم الله أنى يؤفكون: أي لعنهم الله كيف يصرفون عن الإِيمان وهم يشاهدون أنواره وبراهينه. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} لنزول هذه السورة سبب هو أن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبيُّ بن سلول يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسولاً إلى ابن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل إذا جاءك المنافقون إلى قوله الأعز منها الأذل فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال إن الله قد صدقك. قوله إذا جاءك المنافقون أي إذا حضر مجلسك المنافقون عبد الله بن أبي ورفاقه قالوا نشهد إنك لرسول الله وذلك بألسنتهم دون قلوبهم. قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} سواء شهد بذلك المنافقون أو لم يشهدوا. والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون في شهادتهم لعدم مطابقة قولهم لاعتقادهم. اتخذوا أيمانهم جنة أي جعلوا من أيمانهم الكاذبة جنة كجنة المقاتل يسترون بها كما يستتر المحارب بجنته فوق رأسه، فهم بأيمانهم الكاذبة أنهم مؤمنون وقوا بها أنفسهم وأزواجهم وذرياتهم من القتل والسبي، وبذلك صدوا عن سبيل الله أنفسهم وصدوا غيرهم ممن يقتدون بهم وصدوا المؤمنين عن جهادهم بما أظهروه من إيمان صوري كاذب. قال تعالى: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يذم تعالى حالهم ويقبح سلوكهم ذلك وهو اتخاذ أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله وقوله تعالى الآية رقم [3] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي سوء عملهم وقبح سلوكهم ناتج عن كونهم آمنوا ثم شكوا أو ارتابوا فنافقوا وترتب على ذلك أيضاً الطبع على قلوبهم فهم لذلك لا يفقهون معنى الإِيمان ولا صحته من بطلانه وهذا شأن من توغل في الكفر أن يختم على قلبه فلا يجد الإِيمان طريقاً إلى قلب قد أقفل عليه بطابع الكفر وخاتم النفاق والشك والشرك. وقوله تعالى في الآية [4] {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} أي وإذا رأيت يا رسولنا هؤلاء المنافقين ونظرت إليهم تعجبك أجسامهم لجمالها إذ كان أبن أبي جسيما صبيحاً وإن يقولوا تسمع لقولهم وذلك لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم. وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} وهو تشبيه رائع: أنهم لطول أجسامهم وجمالها وعدم فهمهم وقلة الخير فيهم كأنهم خشب مسندة على جدار لا تشفع ولا تنفع كما يقال. وقوله تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} وذلك لخوفهم والرعب المتمكن من نفوسهم نتيجة ما يضمرون من كفر وعداء وبغض للإِسلام وأهله فهم إذا سمعوا صيحة في معسكر أو صوت منشد ضاله يتوقعون أنهم معنيون بذلك شأن الخائن وأكثر ما يخافون أن ينزل القرآن بفضيحتهم وهتك أستارهم. قال تعالى هم العدو فاحذرهم يا رسولنا إن قلوبهم مع أعدائك فهم يتربصون بك الدوائر. قال تعالى: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فسجل عليهم لعنة لا تفارقهم إلى يوم القيامة كيف يصرفون عن الحق وأنواره تغمرهم القرآن ينزل والرسول يعلم ويزكى وآثار ذلك في المؤمنين ظاهرة في آرائهم وأخلاقهم. ولم يشاهدوا شيئاً من ذلك والعياذ بالله من عمى القلوب وانطماس البصائر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن الكذب ما خالف الاعتقاد وإن طابق الواقع. 2- التحذير من الاستمرار على المعصية فإنه يوجب الطبع على القلب ويُحرم صاحبه الهداية. 3- التحذير من الاغترار بالمظاهر كحسن الهندام وفصاحة اللسان. 4- الكشف عن نفسية الخائن والظالم والمجرم وهو الخوف والتخوف من كل صوت أو كلمة خشية أن يكون ذلك بيانا لحالهم وكشفاً لجرائمهم.
القطان
تفسير : المنافق: هو من يُظهر الايمان ويبطن الكفر. جنة: بضم الجيم، وقاية. طبع: ختم عليها. لا يفقهون: لا يعلمون. تعجبك اجسامهم: لصباحتها وتناسُب اعضائها. تسمع لقولهم: لفصاحتهم وحسن حديثهم. خشُب مسندة: جمع خشبة، يعني انهم أجسام فارغة لا حياة فيها. يحسبون كل صيحة عليهم: فهم لشعورهم بالذنب وبحقيقة حالهم، يظنون أن كل صوت او حركة عليهم. قاتلَهم الله: لعنهم الله وطردهم من رحمته. يؤفكون: يصرفون عن الحق. لوَّوا رؤوسهم: أمالوها استهزاء. يصدّون: يعرِضون. لقد وصف الله تعالى المنافقين هنا بأوصاف قبيحة في منتهى الشناعة، فهم كذّابون يقولون غير ما يعتقدون، قد تستّروا بأيمانهم، يحلِفون كذبا بالله سَتراً لنفاقهم وحقناً لدمائهم، وهم يصدّون الناس عن الاسلام، ويأمرونهم أن لا ينفقوا على المسلمين. وانهم جُبناء، فرغم ضخامة أجسامهم، وفصاحة ألسنتهم يظلون في خوف دائم، يظنّون كل صيحة عليهم. ولذلك كشف أمرهم هنا بوضوح فقال تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ}. فالله تعالى يخبر الرسول الكريم أن المنافقين عندما يأتون اليه ويحلفون عنده بانهم مؤمنون به - يكونون غير صادقين، والله يعلم ان سيدنا محمداً رسول الله، ولذلك أكد بيان كذبهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} كذبوا فيما أخبَروا به، لأنهم لا يعتقدون ما يقولون، {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 167]. ثم بين انهم يحلفون كذباً بأنهم مؤمنون حتى يصدّقهم الرسول الكريم، ومن يغتَرُّ بهم من المؤمنين. {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} جعلوا أيمانهم الكاذبة وقايةً وستراً لهم من افتضاح امرهم، فصدوا الناس عن سبيل الله. فما أقبح ما هم عليه من الكفر والكذب!! ثم بين الله تعالى انهم آمنوا بالاسلام قولاً ظاهرا، ولكنهم كفروا به عملاً، فطبع الله على قلوبهم {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. ثم وصف هيئاتهم الظاهرة والباطنة، فأجسامُهم في الظاهر حسنة تُعجِب الناس، ومنطقهم حسن، ولكلامهم حلاوة، أما في الباطن فهم خُشُبٌ لا فائدة فيها، اشباح بلا ارواح، فسدت بواطنهم، وحسنت ظواهرهم. ثم وصفهم بالجبن والذلة اذا سمعوا اي صوت او حركة ظنّوا انهم المقصودون، وان أمرهم قد افتُضِح: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} وأنهم هالكون لا محالة. {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} ايها الرسول ولا تأمنهم ابدا. ثم زاد في ذمهم وتوبيخهم فقال: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} لعنهم الله وطردَهم من رحمته كيف يُصرَفون عن الحق الى ما هم عليه من النفاق. ولما افتضح امرهم ونزل القرآن بصفتهم - جاءهم اقرباؤهم، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، فتوبوا الى الله واذهبوا الى الرسول واطلبوا ان يستغفر لكم، فأمالوا رؤوسهم استهزاءً واستكبارا، ولم يقبلوا ذلك. ثم بين الله ان هؤلاء المنافقين لا فائدة منهم، ولن ينفع معهم أيُّ شيء بقوله تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. فالاستغفار وعدمه سِيّان، لا يُجديهم نفعا، لأن الله كَتَبَ عليهم الشقاء بما كسبتْ أيديهم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: خشب باسكان الشين. والباقون: خشب بضم الخاء والشين. وقرأ نافع: لووا رؤوسهم بفتح الواو الأولى بلا تشديد، والباقون: لووا رؤوسهم بتشديد الواو الاولى المفتوحة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} {ٱلْمُنَافِقِينَ} {لَكَاذِبُونَ} (1) - إِذَا جَاءَ المُنَافِقُونَ إِلَى مَجْلِسِكَ يَا مُحَمَّدُ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَقَدْ أَرْسَلَكَ اللهُ تَعَالَى إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ وَحْيَهُ وَقُرْآنَهُ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ إِلَى النَّاسِ لِتُبَلِّغَهُمْ مَا أَوْحَاهُ إِليكَ رَبُّكَ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ الذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ صِدَقَ مَا يَقُولُونَ. المُنَافِقُ - هُوَ الذِي يُظْهِرُ الإِيْمَانَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ وَهُوَ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ مَا يَعْتَقِدُ.
الثعلبي
تفسير : {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} فيما أظهروا لأنّهم أضمروا خلافه. {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} فسترة {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} لاستواء خلقها، وحسن صورتها، وطول قامتها. قال ابن عبّاس: وكان عبد اللّه بن أُبيّ جسيماً صحيحاً فصيحاً ذلق اللسان، فإذا قال يسمع النبي (عليه السلام) قوله. {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. قرأ الأعمش والكسائي وأَبُو عَمرو عن عابس وقيل عبّاس: خشب مخفف بجزم الشين، وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد قال: [المدُّ مذهبها] في العربية، وذلك أنّ واحدتها خشبة ولم تجد في كلامهم اسماً على مثل فعلة تجمع فُعُلُ بضم الفاء والعين، ويلزم من فعلها أن ينقل البدن أيضاً فيقرأ {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ} تفسير : [الحج: 36] لأن واحدتها بُدنة أيضاً. وقرأ الأخرون بالتثقيل وهي اختيار أبي حاتم واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم. أخبرنا أَبُو بكر بن أبي محمّد الحمشاذي قال: أخبرنا أَبُو بكر بن مالك القطيعي، حدّثنا محمّد بن يونس بن موسى قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا سليم العاملاني قال: جاءَ رجل إلى إبن سيرين فقال: رأيت حالي مُحْتضن خشبة، فقال أحسبك من أهل هذه الآية وتلا {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}. {يَحْسَبُونَ} من جبنهم وسوء ظنهم وقلّة يقينهم. {كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} قال مقاتل: يقول إن نادى مناد في العسكر وانقلبت دابّة، ونُشدت ضالة ظنّوا أنّهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك لأنّهم على وجل من أن ينزل اللّه فيهم، يهتك أستارهم وتبيح دماءهم وأموالهم وقال الشاعر في هذا المعنى: شعر : ولو أنها عصفورة لحسبتها مسوّمة تدعو عُبيداً وأزنما تفسير : ثمّ قال {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} ابتداء وخبر. {فَٱحْذَرْهُمْ} ولا تأمنهم. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} لعنهم اللّه. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن الحق. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} أي أمالوها وأظهروا بوجوههم إظهاراً للكراهية. وقرأ نافع والمفضل ويعقوب برواية روح وزيد بتخفيف الواو، وهي اختيار أبي حاتم. وقرأ الباقون بالتشديد واختاره أَبُو عبيدة قال: لأنّهم فعلوها مرّة بعد مرّة. {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} يعرضون عمّا دعوا إليه، {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} لا يستغفرون. {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أُبي المنافق وأصحابه، وذلك ما ذكره أهل التفسير وأصحاب السير أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بلغه أنّ بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحرث بن أبي ضراب أَبُو جويرية زوج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلمّا سمع بهم رسول اللّه (عليه السلام) خرج إليهم حتّى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قدموا إلى الساحل، فتزاحف النّاس واقتتلوا فهزم اللّه بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها عليه، وقد أُصيب رجل من المسلمين من بني كليب بن عوف بن عامر يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنّه من العدو فقتله خطأً. فبينا النّاس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني عمار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، فأعان جهجاه الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال وكان فقيراً، وقال عبد اللّه بن أبي الجعال: وإنّك لهناك؟ فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟ فاشتدَّ لسان جعال على عبد اللّه، فقال عبد اللّه: والّذي يُحلَفُ به لأذرنّك وبهمك عن هذا، وغضب عبد اللّه بن أبي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلاماً حديث السّن، وقال إبن أُبي افعلوا قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلاّ كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، أما واللّه {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} يعني بالأعزّ نفسه وبالأذلّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم فيلحقوا بعشائرهم وموإليهم فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا من حول محمّد، فقال زيد بن أرقم: أنت واللّه الذليل المبغض في قومك، ومحمّد في عزّ من الرحمن ومودّة من المسلمين، واللّه لا أحبّك بعد كلامك هذا. فقال عبد اللّه: اسكت فإنّما كنت ألعب، فمشى زيد بن أرقم إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللّه فقال: إذا توعد أن خلّ عنه يدخل. فقال: أمّا إذا جاءَ أمر النبي (عليه السلام)فعمر يرحل ولم يلبث إلاّ أياماً ولأنك حسبتني أشتكي ومات. قالوا: فلمّا نزلت هذه الآية وبان كذب عبد اللّه بن أبي قيل له: يا أبا حباب إنّه قد نزلت أيُ شداد، فاذهب إلى رسول اللّه يستغفر لك فلوّى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فقد أمنت، وأمرتموني أن أُعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلاّ أن أسجد لمحمّد، فأنزل اللّه سبحانه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} إلى قوله {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فلا يعذر أحد أن يعطي هنا شيئاً إلاّ بأذنه، ولا أن يمنعه شيئاً إلاّ بمشيئته. قال رجل لحاتم الأصم: من أين يأكل؟ فقرأ {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}. وقال الجنيد: خزائن السماء: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب وهو علاّم الغيوب ومقلّب القلوب، وكان الشبلي يقول: وللّه خزائن السماوات والأرض فأين تَذهبون؟.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [الآية: 2]. يقول: يجتنون بها أَنفسهم. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} [الآية: 5]. يعني: عبد الله بن أُبيّ بن سلول. قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله. فلوى رأْسه وقال: ماذا قلت؟. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن أَبي إٍسحق الهمداني، عن زيد بن أَرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أُبي يقول لأَصحابه: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [الآية: 7] من حوله. وقال: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [الآية: 8]. قال: فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله، صلى الله عليه [وسلم] فأَرسل رسول الله، صلى الله عليه [وسلم]، إِلى عبد الله بن أُبيّ وأَصحابه فحلفوا بالله ما قالوا. فصدقهم رسول الله، صلى الله عليه [وسلم] وكذبني. فأَصابني غم لم يصبني مثله قط، وجلست في بيتي فأَنزل الله، عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الآية: 1]، إِلى قوله: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [الآية: 7]. إِلى قوله: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [الآية: 8]. فأَرسل إِليّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقرأَها عليّ وقال: إِن الله عز وجل، صدقك.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {جُنَّةً} وقاية وسُترة يحفظون بها أنفسهم وأموالهم وفي الحديث "حديث : الصوم جُنَّة"تفسير : أي وقاية من عذاب الله {طُبِعَ} ختم عليها بالكفر، والطبعُ: الختم {يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن الحق إِلى الضلال، من الإِفك وهو الصَّرف {لَوَّوْاْ} عطفوا وحرَّكوا يقال: لوَّى رأسه إِذا حرَّكه وأداره {يَنفَضُّواْ} يتفرقوا {تُلْهِكُمْ} تشغلكم، واللهو: ما لا خير فيه ولا فائدة من القول أو العمل. سَبَبُ النّزول: روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم غزا: "بني المُصطلق" فازدحم الناسُ على ماءٍ فيه، فكان ممن ازدحم عليه "جهجاه بن سعيد: أجير لعمر بن الخطاب، و"سنان الجُهني" حليفٌ لعبد الله بن سلول - رأس المنافقين - فلطم الجهجاهُ سناناً، فغضب سنان وصرخ ياللأنصار، وصرخ جهجاه يا للمهاجرين، فقال "عبد الله بن سلول" أو قد فعلوها!! والله ما مثلنا ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إِلا كما قال الأول "سمِّنْ كلبك يأكلك"، أما واللهِ لئن رجعنا إِلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل - يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه - ثم قال لقومه: إِنما يقيم هؤلاء المهاجرين بالمدينة بسبب معونتكم وإِنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفروا عن بلدكم، فسمعه "زيد بن أرقم" فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك ابن سلول فحلف أنه ما قال من ذلك شيئاً وكذَّب زيداً، فنزلت السورة إِلى قوله تعالى {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ..} الآيات. التفسِير: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} أي إِذا أتاك يا محمد المنافقون وحضروا مجلسك كعبد الله بن سلول وأصحابه {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} أي قالوا بألسنتهم نفاقاً ورياءً: نشهد بأنك يا محمد رسولُ الله، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قال أبو السعود: أكَّدوا كلامهم بإِنَّ واللام {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} للإِيذان بأنَّ شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلوبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} أي واللهُ جل وعلا يعلم أنك يا محمد رسولُه حقاً، لأنه هو الذي أرسلك، والجملةُ اعتراضية جيء بها لدفع توهم تكذيبهم في دعوة رسالته صلى الله عليه وسلم لئلا يتوهم السامع أن قولهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} كذبٌ في حدِّ ذاته قال في التسهيل: وقوله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} ليس من كلام المنافقين، وإِنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن قوله {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} إِبطالٌ للرسالة، فوسَّطه بين حكاية المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم وليحقق الرسالة ثم قال تعالى {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} أي يشهد بكذب المنافقين فيما أظهروه من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم، لأنَّ من قال بلسانه شيئاً واعتقد خلافه فهو كاذب، والإِظهار في موضع الإِضمار {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} لذمهم وتسجيل هذه الصفة القبيحة عليهم، كما جاءت الصيغة مؤكدة بإِنَّ واللام زيادةً في التقرير والبيان {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} أي اتخذوا أيمانهم الفاجرة وقاية وسُترةً يستترون بها من القتل قال الضحاك: هي حلفهم بالله إِنهم مسلمون {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي فمنعوا الناسَ عن الجهادِ، وعن الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قال الطبري: أي أعرضوا عن دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم وشريعته التي شرعها لخلقه وقال ابن كثير: إِن المنافقين اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، فاغترَّ بهم من لا يعرف جليَّة أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، وهم في الباطن لا يألون الإِسلام وأهله خبالاً، فحصل بذلك ضررٌ كبير على كثير من الناس {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي قبح عملهم وصنيعهم لأنهم يظهرون بمظهر الإِيمان، وهم من أهل النفاق والعصيان، فبئست أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة قال الصاوي: وساءَ كبئس في إرادة الذم، وفيها معنى التعجب وتعظيم أمرهم عند السامعين {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا} أي ذلك الحلف الكاذب والصدُّ عن سبيل الله، بسبب أنهم آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم قال أبو السعود: أي نطقوا بكلمة الشهادة عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم المجرمين، وما فيه من الإِشارة بالبعيد "ذلك" للإِشعار ببعد منزلته في الشر {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي ختم على قلوبهم فلا يصل إِليها هدى ولا نور {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي فهم لا يعرفون الخير والإِيمان، ولا يفرقون بين الحسن والقبيح، لختم الله على قلوبهم {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} أي وإِذا رأيتَ هؤلاء المنافقين، أعجبتك هيئاتهم ومناظرهم، لحسنها ونضارتها وضخامتها {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} أي وإِن يتكلموا تُصغ لكلامهم، لفصاحتهم وذلاقة لسانهم قال ابن عباس: كان ابن سلول - رأس المنافقين - جسيماً، فصيحاً، ذلق اللسان، فإِذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وكذلك كان أصحابه إِذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يعجب الناس بهياكلهم {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} أي يشبهون الأخشاب المسنَّدة إِلى الحائط، في كونهم صوراً خالية عن العلم والنظر، فهم أشباحٌ بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام قال أبو حيان: شُبّهوا بالخشب لعزوب أفهامهم، وفراغ قلوبهم من الإِيمان، والجملة التشبيهية وصفٌ لهم بالجبن والخور، ولهذا قال {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} أي يظنون - لجبنهم وهلعهم - كل نداء وكل صوت، أنهم يرادون بذلك، فهم دائماً في خوفٍ ووجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم قال ابن كثير: كلما وقع أمر أو خوفٌ يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم قال مقاتل: إِذا سمعوا نشدان ضالة، أو صياحاً بأي وجه كان، طارت عقولهم، وظنوا ذلك إيقاعاً بهم {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} أي هم الأعداء الكاملون في العداوة لك وللمؤمنين وإِن أظهروا الإِسلام، فاحذرهم ولا تأمنهم على سرّ، فإِنهم عيونٌ لأعدائك {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} جملة دعائية أي أخزاهم الله ولعنهم، وأبعدهم عن رحمته {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الهدى إِلى الضلال؟ وكيف تضل عقولهم مع وضوح الدلائل والبراهين!؟ وفيه تعجيب من جهلهم وضلالهم، وانصرافهم عن الإِيمان بعد قيام البرهان، روى الإِمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ للمنافقين علامات يُعرفون بها: تحيتُهم لعنة، وطعامهم نُهبة، وغنيمتُهم غلول، لا يقربون المساجد إِلا هُجراً، ولا يأتون الصلاة إِلا دُبُراً، مستكبرين لا يألفون ولا يُؤْلفون، خشبٌ بالليل، صُخبٌ بالنهار"تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} أي وإِذا قيل لهولاء المنافقين: هلُمُّوا إِلى رسول الله حتى يطلب لكم المغفرة من الله {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} أي حركوها وهزوها استهزاءً واستكباراً {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي وتراهم يعرضون عمَّا دُعوا إِليه، وهم متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وجيء بصيغة المضارع ليدل على استمرارهم على الإِعراض والعناد قال المفسرون: لمَّا نزلت الآيات تفضح المنافقين وتكشف الأستار عنهم، مشى إِليهم أقرباؤهم من المؤمنين، وقالوا لهم: ويلكم لقد افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله وتوبوا إِليه من النفاق واسألوه يستغفر لكم، فأبوا وحركوا رءوسهم سخريةً واستهزاءً فنزلت الآية، ثم جاءوا إِلى "ابن سلول" وقالوا له: امض إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترفْ بذنبك يستغفر لك، فلوَّى رأسه إِنكاراً لهذا الرأي ثم قال هلم: لقد أشرتم عليَّ بالإِيمان فآمنتُ، وأشرتم عليَّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلتُ، ولم يبق لكم إِلاَّ أن تأمروني بالسجود لمحمد!! ثم بيَّن تعالى عدم فائدة الاستغفار لهم، لأنهم مردوا على النفاق فقال {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي يتساوى الأمر بالنسبة لهم، فإِنه لا ينفع استغفارك لهم شيئاً، لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله قال الصاوي: والآية للتيئيس من إِيمانهم أي إن استغفارك يا محمد وعدمه سواء، فهم لا يؤمنون لسبق الشقاوة لهم {لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} أي لن يصفح الله عنهم لرسوخهم في الكفر، وإِصرارهم على العصيان، ثم علَّله بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي لا يوفق للإِيمان، من كان فاسقاً خارجاً عن طاعة الرحمن.. ثم زاد تعالى في بيان قبائحهم وجرائمهم فقال {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} أي هم الفجرة الذين قالوا لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن محمد قال في البحر: والإِشارة إِلى ابن سلول ومن وافقه من قومه، سفَّه أحلامهم في أنهم ظنوا أن رزق المهاجرين بأيديهم، وما علموا أن ذلك بيد الله تعالى، وقولهم {عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} هو على سبيل الهزء، إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر منهم ما صدر، والظاهر أنهم لم ينطقوا بنفس ذلك اللفظ، ولكنه تعالى عبَّر به عن رسوله إكراماً له وإِجلالاً {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو تعالى بيده مفاتيح الرزق يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا يملك أحدٌ أن يمنع فضل الله عن عباده {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} أي ولكنَّ المنافقين لا يفهمون حكمة الله وتدبيره، فلذلك يقولون ما يقولون من مقالات الكفر والضلال.. ثم عدَّد تعالى بعض قبائحهم وأقوالهم الشنيعة فقال {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ} أي يقولون لئن رجعنا من هذه الغزوة - غزوة بني المصطلق - وعدنا إِلى بلدنا "المدينة المنورة" {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} أي لنخرجنَّ منها محمداً وصحبه، والقائل هو ابن سلول، وعنى بالأعز نفسه وأتباعه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه قال المفسرون: حديث : لما قال ابن سلول ما قال ورجع إِلى المدينة، وقف له ولده "عبد الله" على باب المدينة واستلَّ سيفه، فجعل الناسُ يمرون به، فلما جاء أبوه قال له ابنه: وراءك، والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول: إنَّ رسول الله هو الأعزُّ، وأنا الأذل فقالها: ثم جاء إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فإِن كنت فاعلاً فمرني فأنا أحمل إِليك رأسه!! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا تفسير : {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي لله جل وعلا القوة والغلبة ولمن أعزه وأيده من رسوله والمؤمنين لا لغيرهم، والصيغة تفيد الحصر قال القرطبي: توهموا أنَّ العزة بكثرة الأموال والأتباع، فبيَّن الله أن العزة والمنعة لله ولرسوله وللمؤمنين {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ المنافقين لفرط جهلهم وغرورهم لا يعلمون أن العزة والغلبة لأوليائه دون أعدائه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} لما ذكر قبائح المنافقين، نهى المؤمنين عن التشبه بهم في الاغترار بالأموال والأولاد والمعنى: لا تشغلكم أيها المؤمنون الأموال والأولاد عن طاعة الله وعبادته، وعن أداء ما افترضه عليكم من الصلاة، والزكاة، والحج، كما شغلت المنافقين قال أبو حيان: أي لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم، عن ذكر الله وهو عام في الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي ومن تشغله الدنيا عن طاعة الله وعبادته، فأولئك هم الكاملون في الخسران، حيث آثروا الحقير الفاني على العظيم الباقي، وفضلوا العاجل على الآجل {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} أي وأنفقوا في مرضاة الله، من بعض ما أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من الأموال {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي قبل أن يحلَّ الموتُ بالإِنسان، ويصبح في حالة الاحتضار {فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي فيقول عند تيقنه الموت، يا ربِّ هلاَّ أمهلتني وأخرت موتي إِلى زمنٍ قليل!! {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي فأتصدق وأحسن عملي، وأصبح تقياً صالحاً قال ابن كثير: كلُّ مفرطٍ يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ليستدرك ما فات، ولكن هيهات {وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} أي ولن يمهل الله أحداً أياً كان إِذا انتهى أجله، ولن يزيد في عمره، وفيه تحريضٌ على المبادرة بأعمال الطاعات، حذراً أن يجيء الأجل وقد فرَّط ولم يستعد للقاء ربه {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مطلع وعالم بأعمالكم من خير أو شر، ومجازيكم عليها. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من الفصاحة والبيان نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بالقسم وإِنَّ واللام {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} زيادة في التقرير والبيان. 2- الجملة الاعتراضية {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} جاءت معترضة بين الشرط وجوابه لبيان أنهم ما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولدفع توهم تكذيبهم في دعواهم الشهادة بالرسالة، والأصلُ {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ .. وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} فجاءت الجملة اعتراضية بينهما. 3- الاستعارة {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} فإِن أصل الجنَّة ما يُستتر به ويُتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يظهرون الإِسلام ليعصموا دماءهم وأموالهم. 4- الطباق بين {آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا} وبين {ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} وهو من المحسنات البديعية. 5- التشبيه المرسل المجمل {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} وهو من روائع التشبيه. 6- طباق السلب {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}. 7- الجملة الدعائية {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} وهي دعاءٌ عليهم باللعنة والخزي والهلاك. 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو كثير في القرآن يزيد في رونق الكلام. تنبيه: النفاق لم يكن بمكة وإِنما كان بها الكفر، ولم يظهر النفاق إِلا بالمدينة المنورة حين عزَّ الإِسلام وكثر أنصاره، وقد كان المنافقون يظهرون الإِسلام لصون دمائهم وأموالهم كما قال الشاعر: شعر : وما انتسبوا إِلى الإِسلام إِلاّ لصون دمائهم أن لا تُسالا تفسير : فَائِدَة: العزةُ غير الكبر، ولا يحل للمسلم أن يُذلُّ نفسه، فالعزة معرفة الإِنسان بحقيقة نفسه، والكبر جهل الإِنسان بنفسه، قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس يزعمون أن فيك كبراً وتيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة المسلم ثم تلا الآية {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. لطيفَة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاةٌ فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجلٌ يا ابن عباس: اتق الله فإِنما يسأل الرجعة الكفار!! فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ..} الآية.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} الآية هذه السورة مدنية نزلت في غزوة بني المصطلق وكانت من عبد الله بن أبي بن سلول وأتباعه وسبب نزولها مذكور في قصة طويلة من مضمونها: أن اثنين من الصحابة ازدحما على ماء وذلك في غزوة بني المصطلق فشج أحدهما الآخر فدعا المشجوج بالأنصار والشاج بالمهاجرين فقال عبد الله بن أبي ما حكى الله عنه من قوله: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} وقوله: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} وعني بالأعز نفسه كلاماً قبيحاً فسمعه زيد بن أرقم فنقل ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلام رسول الله عبد الله فحلف ما قال شيئاً من ذلك فاتهم زيد فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ} تصديقاً لزيد وتكذيباً لعبد الله ومناسبتها لما قبلها أنه لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة بما كان حاصلاً عن المنافقين واتبعهم ناس من المؤمنين في ذلك وذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة إذ كان وقت مجاعة جاء ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإِيمان وأتبعه بقبائح أفعالهم وقولهم: "لا تنفقوا" كانوا هم أصحاب أموال والمهاجرين فقراء قد تركوا أموالهم ومتاجرهم وهاجروا لله تعالى. {قَالُواْ نَشْهَدُ} يجري مجرى اليمين ولذلك تلقى بما تلقى به القسم وكذا فعل اليقين والعلم يجري مجرى القسم بقوله: إنك لرسول الله، وأصل الشهادة أن يواطىء اللسان القلب هذا بالنطق وذاك بالاعتقاد فأكذبهم الله تعالى وفضحهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. أي لم تواطىء قلوبهم ألسنتهم على تصديقك واعتقادهم أنك غير رسول الله فهم كاذبون عند الله وعند من خبر ما لهم أو كاذبون عند أنفسهم إذ كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وجاء بين شهادتهم وتكذيبهم قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُْ} إيذاناً أن الأمر كما نطقوا به من كونه رسول الله حقاً. ولو لم تأت هذه الجملة لتوهم أن قولهم هذا كذب فوسطت الجملة بينهما ليزول ذلك التوهم. {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} سمي شهاداتهم تلك إيماناً ولما ذكر أنهم كاذبون أتبعه بموجب كذبهم وهو اتخاذ أيمانهم جنة يستترون بها ويذبون بها عن أنفسهم وأموالهم. {فَصَدُّواْ} أي أعرضوا وصدوا اليهود المشركين عن الدخول في الإِسلام. {ذَلِكَ} أي الحلف الكاذب والصدّ المقتضيان لهم سوء العمل بسبب إيمانهم ثم كفرهم. {فَطُبِعَ} أي ختم على قلوبهم ومعنى آمنوا نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل المسلمون ثم كفروا أي ظهر كفرهم بما نطقوا به بعد {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} الخطاب للرسول أو للسامع أي لحسنها ونضارتها وجمالها وهم رؤساء المنافقين. {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} وذلك لفصاحة ألسنتهم وجهارة أصواتهم فكان منظرهم يروق ومنطقهم يخلب. شبهوا بالخشب لعزوب افهامهم وفراغ قلوبهم من الإِيمان والجملة التشبيهية وصف لهم بالجبن والخور ويدل عليه يحسبون كل صيحة عليهم وعليهم في موضع المفعول الثاني ليحسبون أي واقعة عليهم وذلك لجبنهم وما في قلوبهم من الرعب. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} لما صدّق الله زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن سلول مقت الناس ابن سلول ولامه المؤمنون من قومه وقال بعضهم أمض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي وقال لهم لقد أشرتم علي بالإِيمان فآمنت وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد ويستغفر مجزوم على جواب الأمر ورسول الله يطلبه عاملان أحدهما يستغفر والآخر تعالوا فاعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله ولىّ رؤوسهم على سبيل الاستهزاء واستغفار الرسول لهم هو استتابتهم من النفاق فيستغفر لهم إذ كان استغفاره متسبباً عن استتابتهم فيتوبون. {يَصُدُّونَ وَهُم} عن المجيء ويصدون جملة حالية وهم مستكبرون جملة حالية أيضاً ولما سبق في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون البتة سوى بين استغفاره لهم وعدمه. {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ} لما سمع عبد الله ولد عبد الله بن أبي وكان رجلاً صالحاً هذه الآية جاء إلى أبيه فقال: يا أبت أنت والله الذليل ورسول الله العزيز فلما دنا إلى المدينة جرد السيف عليه ومنعه الدخول حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيما قال له وراءك والله له تدخلها حتى تقول رسول الله الأعز وأنا الأذل فلم يزل حبيساً في يده حتى أذن له الرسول عليه السلام بتخليته وفي هذا الحديث أنه قال له لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك قال: أفاعل أنت قال: نعم. فقال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. {لاَ تُلْهِكُمْ} لا تشغلكم. {أَمْوَالُكُمْ} بالسعي في نمائها. {وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} بالسرور بهم والنظر في مصالحهم في حياتكم وبعد مماتكم. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} هو عام في الصلاة والثناء على الله بالتسبيح والتحميد وغير ذلك. {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي الشغل عن ذكر الله بالمال والولد. {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} حيث آثروا العاجل على الآجل والفاني على الباقي. {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} المراد الزكاة وقيل عام في كل مفروض ومندوب. {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ} أي هلا أخرت موتي إلى زمان قليل. {فَأَصَّدَّقَ} هو منصوب على جواب الرغبة وقرأ الجمهور. {وَأَكُن} مجزوماً قال الزمخشري: عطفاً على محل فاصدّق كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأن التقدير ان تؤخرني أصدق وأكن هذا مذهب أبو علي الفارسي وأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا وهو أنه جزم أكن على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني ولا موضع هنا لأن الشرط ليس بظاهر وإنما يعطف على الموضع حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}تفسير : [الأعراف: 186] ويذرهم فمن قرأ بالجرم عطف على موضع فلا هادي له لأنه لو وقع هنالك فعل كان مجزوماً "انتهى". والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم أن العامل في العطف على الموضع موجود دون مؤثرة والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود. {وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ} فيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات حذراً أن يجيء الأجل وقد فرط ولم يستعد للقاء الله تعالى وقرأ الجمهور: تعلمون بتاء الخطاب للناس كلهم وأبو بكر بالياء خص الكفار بالوعيد ويحتمل العموم.
الجيلاني
تفسير : {إِذَا جَآءَكَ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُنَافِقُونَ} على سبيل الملاينة والخداع تغريراً لك ولمن تبعك من المؤمنين {قَالُواْ} مبالغين في إظهار الإيمان، مؤكدين: {نَشْهَدُ} أي: نقر ونعترف عن صميم الفؤاد {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} أرسلك الحق على الحق بالحق {وَ} بعدما أكدوا شهادتهم تأكيداً على تأكيد بالغوا أيضاً في التأكيد؛ لتكميل التقرير والتنوير، حيث قالوا: {ٱللَّهُ} المطلع على السرائر والخفايا {يَعْلَمُ} ويشهد {إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} هم وإن بالغوا في شهادتهم الكاذبة على سبيل التزوير والتلبيس {وَٱللَّهُ} المطلع على ما في ضمائرهم من النفاق والشقاق {يَشْهَدُ} حتماً {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} المصرِّين على ما هم عليه من الكفر والإنكار {لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] في شهادتهم المزورة، الصادرة منهم على وجه المبالغة والتأكيد. وبالجملة: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} المغلظة الحاصلة من شهادتهم المؤكدة بها {جُنَّةً} جعلوها وقاية لأموالهم وأنفسهم {فَصَدُّواْ} وصرفوا غزاة المسلمين؛ بسبب ذلك الحلف الكاذب {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو قتالهم وأسرهم ونهبهم، وبالجملة: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 2] من الصد والنفاق، والإصرار على الشقاق. {ذَلِكَ} أي: اجتراؤهم على تلك الشهادة على وجه المراء والنفاق، وإصرارهم على الكفر والشقاق {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم {آمَنُواّ} أولاً بالله وبرسوله، وأقروا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم على وجه النفاق صوناً لأموالهم وأنفسهم {ثُمَّ كَفَرُوا} بعدما آمنوا عن مكر المؤمنين {فَطُبِعَ} الكفر حينئذٍ {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} ورسخ فيها واستحكم، وبعد الطبع والتمرن {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] ولا يفهمون حقية الإيمان ولذته وصحبته، ولا باطلية الكفر وفساده. {وَ} بالجملة: هم من غاية غفلتهم عن الله، ونهاية عرائهم وخلوهم عن نور الإيمان {إِذَا رَأَيْتَهُمْ} يا أكمل الرسل {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} أي: سمتها وضخامتها {وَإِن يَقُولُواْ} أيضاً كلاماً {تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لفصاحتهم وحلاوة نظمهم، إلاَّ أنهم لخلوهم عن العلم اللدني، والرشد المعنوي، والصفاء الفطري الذاتي الذي هو نفوذ أرباب المحبة والولاء {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} يابسة فانية، فاقدة للقابلية الفطرية {مُّسَنَّدَةٌ} على جدار الجهل والبلادة، ومع ذلك {يَحْسَبُونَ} يظنون ويترقبون من شدة شكيمتهم وغيظهم مع المؤمنين {كُلَّ صَيْحَةٍ} واقعة {عَلَيْهِمْ} مسموعة لهم {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} يصيح عليهم؛ ليهلكهم. وبعدما صار بغضهم مع المؤمنين، ومخافتهم من العدو بهذه الحثيثة {فَٱحْذَرْهُمْ} يا أكمل الرسل، واترك مصاحبتهم، واحترز من غيلتهم وطغيانهم؛ إذ الخائف ربما يصول بلا سبب وداع عليهم، وقل في شأنهم: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم الغيور {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] وكيف يصرفون وينحرفون عن الحق الصريح إلى الباطل الغير الصحيح، مع أنه لا ضرورة تلجئهم إليه؟!
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا أيتها اللطيفة الخفية المرسلة لا يغرنك القوى المنافقة النفسية بلين كلامهم وأيمانهم الكاذبة، وافهمي ما قال الله تعالى في كتابه الكريم لحبيبه صاحب الخلق العظيم حيث جاءه المنافقون، وقالوا له إنك لرسول الله وأضمروا خلاف ما أظهروه، وجعلوا {أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] وستراً لأنفسهم ليغتر الرسول بكلامهم وإيمانهم، وبترك مقاتلتهم بقوله: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1-2] شهد الله على رسالة الرسول أولاً ثم يشهد على كذب المنافقين فيما يظهرون؛ لأن الله مطلع على ضمائرهم على أنهم أضمروا خلاف ما أظهروا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يغتر بشهادتهم وإيمانهم، فكذلك أيتها اللطيفة المرسلة ينبغي ألا يغتر بالقوى المنافقة؛ لأنهم إذا علموا منك الصدق في المجاهدة، وثبات القدم في ترك الهوى، وجاءوك ونافقوك وداهنوك والتمسوا منك أن تلقنهم الذكر، ويأخذوا منك تلقين الذكر، وكل ذلك لشعورهم بصدقك في المجاهدة لكي توافقهم وتواسيهم بأن النفس قد صارت مؤمنة، فالواجب عليك إعطاء حقها؛ لأن الله تعالى بين للسالك ثلاث مقامات في قوله: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ}تفسير : [فاطر: 32] فالسالك المبتدئ ينبغي أن يكون ظالماً لنفسه يأخذ منها حقها وحظها إلا مقدار ما يبقى رمقها، ويتقوى به على الطاعة وإلى هذه النفس أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : أعدى أعدائك عدوك نفسك التي بين جنبيك"تفسير : والمقتصد هو السالك المتوسط ينبغي أن يقصد في المجاهدة ويرفق بالنفس؛ لأنها صارت في هذه المرتبة مركب السالك وأشار إلى هذه النفس النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : نفسك مطيتك، فارفق بها"،تفسير : والسابق هو السالك المنتهي يجب عليه أن يعطي حق النفس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها صاحبة للحق حيث قال: إن لنفسك عليك حقاً، فيا أيتها اللطيفة تيقني أن النفس جبلت على النفاق فما دام فيها عرق من القوى السفلية الغير المستخلصة من رذائل الأخلاق باقياً، فاحذري منها، ولا تغتري بها، وكذلك كلما وصل إليها شرب من عالم الطبيعة جدد نشاطها إلى الرجوع إلى طبيعتها، وهي كمثل القصب المقطوع إذا وجد الماء يخرج أحسن فما كان قبل القطع وقلعه لا يمكن إلا بالموت الكبير الأخير، ولأجل هذا السر أمر الله نبيه في كلامه بالعبادة حتى الموت بقوله: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99] يعني: الموت الأخير الاضطراري لا الموت الاختياري، ولكن يكسر قوتها بالموت الاختياري بحيث يسكن سلطانها، ودخلت تحت أمر اللطيفة المرسلة، فكوني على حذر منها متى دامت متصرفة في أرض البشرية، ولا تغتروا بإيمانهم لأنهم اتخذوه جنة وستراً وصدوا وأعرضوا عن سبيل الحق بالأعمال السيئة والأخلاق الردية {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ} [المنافقون: 3] بألسنتهم {ثُمَّ كَفَرُوا} [المنافقون: 3] إذا خلوا بالقوى المشركة النفسية والقوى الكافرة القالبية؛ ليجتذبوا منهم حظوظهم اليوم والشهوات العاجلة {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] أي: ختم بالكفر حتى يسمعون منك الوارد الغض الطري {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] ويقولون أنه أساطير الأولين، ونتائج طبعه المستقيم، وأنه شاعر عظيم، وساحر عليهم يسحر قلوب الخلق بكلامه الرائق، وأن فقهه علامة حياة القلب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جواب من سأله عن الخيار بقوله: "حديث : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"تفسير : يعني: كل من كان له استعداد كامل في الجاهلية إذا دخل في الإسلام بشرط حياة القلب، وعلامتها فقه القلب أحكام الوارد والتذاذه به، ومعه ذلك الاستعداد، فهو يكون خيراً ممن لم يكن له استعداد مثل استعداده، وهذا أمر بيِّن، إذا كان رجل قوي المشي وهو يقصد [السومنات] لزيادة بيت الأوثان يرجع من الكفر ويسلم ويقبل على زيارة الكعبة، ويمشي كل يوم فرسخاً هو يصل إلى الكعبة قبل الرجل الذي كان ضعيف المشي، وهو مسلم عازم إلى زيارة البيت الحرام، ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف"،تفسير : فأما هؤلاء المنافقون طبع على قلوبهم لنفاقهم فهم لا يفقهون حقيقة الوارد {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4] يعني: للقوى المنافقة النفسانية مناظر حسنة، وقوة عظيمة، وكلام رائق، وتملق تام تعجبك حسن صورتهم، ولنعوذ كلامهم {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4] أي: الفصاحة ظاهرهم، وتشدقهم ولكنهم خشب مسندة أشباح بلا أرواح صور بلا معاني، أسندهم الله على جدار القالب، فلما خرب الجدار، سقطوا كما يقول الله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} [المنافقون: 4] ويخافون من المجاهدة والمحاربة والهجرة عن مألوفات الطبع، وإذا سمعوا من قوة القلب صيحة عند الذكر يكادوا أن يموتوا من الخوف؛ لشعورهم بوصول جنود الخواطر السرية والخفية التي أي: حزب الرحمن {فَٱحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] واحذر عن صحبتهم وعن استماع كلامهم، وعن مجالستهم {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] يعني: لعنهم الله بإفكهم كيف يؤفكون الكلام، ويصرفون الناس عن الحق.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام بها، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، فقال: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا } على وجه الكذب: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } وهذه الشهادة من المنافقين على وجه الكذب والنفاق، مع أنه لا حاجة لشهادتهم في تأييد رسوله، فإن { اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } في قولهم ودعواهم، وأن ذلك ليس بحقيقة منهم. { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } أي: ترسًا يتترسون بها من نسبتهم إلى النفاق. فصدوا عن سبيله بأنفسهم، وصدوا غيرهم ممن يخفى عليه حالهم، { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وأقسموا على ذلك وأوهموا صدقهم. { ذَلِكَ } الذي زين لهم النفاق { بـ } سبب أنهم لا يثبتون على الإيمان. بل { آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } بحيث لا يدخلها الخير أبدًا، { فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } ما ينفعهم، ولا يعون ما يعود بمصالحهم. { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } من روائها ونضارتها، { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } أي: من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح شيء، ولهذا قال: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم. فهؤلاء { هُمُ الْعَدُوُّ } على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، { فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم إلا الخسار والشقاء. { وَإِذَا قِيلَ } لهؤلاء المنافقين { تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ } عما صدر منكم، لتحسن أحوالكم، وتقبل أعمالكم، امتنعوا من ذلك أشد الامتناع، و { لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } امتناعًا من طلب الدعاء من الرسول، { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } عن الحق بغضًا له { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } عن اتباعه بغيًا وعنادًا، فهذه حالهم عندما يدعون إلى طلب الدعاء من الرسول، وهذا من لطف الله وكرامته لرسوله، حيث لم يأتوا إليه، فيستغفر لهم، فإنه سواء استغفر لهم أم لم يستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وذلك لأنهم قوم فاسقون، خارجون عن طاعة الله، مؤثرون للكفر على الإيمان، فلذلك لا ينفع فيهم استغفار الرسول، لو استغفر لهم كما قال تعالى: {أية : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } تفسير : { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} [1] 614 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن أرقم، قال: لمَّا قال عبد اللهِ بن أُبيٍّ ما قال، جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فحلفَ أنهُ لم يقل، فجعل الناسُ يقولون تأتي رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بالكذبِ حتى جلستُ في البيت مخافة إذا رآني الناسُ أن يقولوا كذبت حتى أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ (هذه الآيةَ) {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} [1] الآيةُ. 615 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بنُ آدم، قال: حدثنا مالكُ بن مِغولٍ، عن واصلٍ الأحدبِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفة قال: قيل له، المُنافقون اليوم أكثر أم على عهد (رسول الله) صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل هم اليوم أكثرُ؛ لأنهُ كان يومئذٍ يستسِرُّونه واليوم يستعلِنونهُ. 616 - أخبرنا محمد بن يحيى بن محمدٍ، قال: حدثنا عمرُ بن حفصٍ بن غياثٍ، قال: حدثنا أبي، قال: نا الأعمشُ، حدثني إبراهيمُ، عن الأسودِ، قال: كُنا جُلُوساً في حلقةٍ فيها عبدُ الله، فجاء حُذيفة حتى قام علينا فسلَّم ثم قال: لقد أنزل اللهُ النِّفاقَ على قومٍ (و) كانوا خيراً منكم، قال الأسودُ: سُبحان اللهِ، إن الله [عزَّ وجلَّ] يقولُ {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145] فتبسم عبد الله، وانطلق حُذيفةُ حتى جلس في ناحية المسجدِ، وقام عبد الله وتفرق أصحابهُ، قال: فرماني بالحصا فأتيتُهُ، فقال حُذيفةُ: عجبتُ من ضَحِكِهِ وقد عرف ما قلتُ: أجل: قد أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ/ النِّفاق على قومٍ خيرٍ مِنكم (ثم) تابوا فتاب اللهُ عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):