Verse. 5190 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

اِتَّخَذُوْۗا اَيْمَانَہُمْ جُنَّۃً فَصَدُّوْا عَنْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۭ اِنَّہُمْ سَاۗءَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۲
Ittakhathoo aymanahum junnatan fasaddoo AAan sabeeli Allahi innahum saa ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اتخذوا أَيْمانهم جُنَّةً» سترة على أموالهم ودمائهم «فصدوا» بها «عن سبيل الله» أي عن الجهاد فيهم «إنهم ساء ما كانوا يعملون».

2

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } أي ستراً ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم من القتل. قال في «الكشاف»: {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } يجوز أن يراد أن قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } يمين من أيمانهم الكاذبة، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف في التأكيد، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى: وبه استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين، ويجوز أن يكون وصفاً للمنافقين في استخفافهم بالإيمان، فإن قيل: لم قالوا نشهد، ولم يقولوا: نشهد بالله كما قلتم؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه في معنى الحلف من المؤمن وهو في المتعارف إنما يكون بالله، فلذلك أخبر بقوله: نشهد عن قوله بالله. وقوله تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله، وقيل: صدوا، أي صرفوا ومنعوا الضعفة عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم {سَاء } أي بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } حيث آثروا الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا } ذلك إشارة إلى قوله: {سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا في الظاهر، ثم كفروا في السر، وفيه تأكيد لقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } وقوله: {فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون، ولا يستدلون بالدلائل الظاهرة. قال ابن عباس: ختم على قلوبهم، وقال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر فهم لا يفقهون القرآن، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنهم كانوا يظنون أنهم على الحق، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم، ثم في الآية مباحث: البحث الأول: أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، ولم يقل: إنهم ساء ما كانوا يعملون، فلم قلنا هنا؟ نقول: إن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها جنة، أي سترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون كما مر. الثاني: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله تعالى: {ثُمَّ كَفَرُواْ }؟ نقول: قال في «الكشاف» ثلاثة أوجه أحدها: {ءَامَنُواْ } نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام {ثُمَّ كَفَرُواْ } ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وثانيها: {ءَامَنُواْ } نطقوا بالإيمان عند المؤمنين {ثُمَّ كَفَرُواْ } نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام كقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا } وثالثها: أن يراد أهل الذمة منهم. الثالث: الطبع على القلوب لا يكون إلا من الله تعالى، ولما طبع الله على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل، ولو كان كذلك لكان هذا حجة لهم على الله تعالى، فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا، وغفلتنا بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا، فنقول: هذا الطبع من الله تعالى لسوء أفعالهم، وقصدهم الإعراض عن الحق، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} أي سترة. وليس يرجع إلى قوله {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه، حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن ابن أُبي أنه حلف ما قال وقد قال. وقال الضحاك: يعني حلفهم بالله {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الربّ عنهم في سورة «براءة» إذ قال: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} تفسير : [التوبة:74]. الثانية ـ: من قال أقْسِم بالله أو أشْهد بالله أو أَعْزِم بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله، فقال في ذلك كله «بالله» فلا خلاف أنها يمِين. وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال: أقْسِم أو أَشْهد أو أعْزِم أو أحلف، ولم يقل «بالله»، إذا أراد «بالله». وإن لم يرد «بالله» فليس بيمين. وحكاه الكِيَا عن الشافعيّ، قال الشافعيّ: إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يميناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان يميناً، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يميناً لهذه الآية، لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. وعند الشافعي لا يكون ذلك يميناً وإن نوى اليمين، لأن قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ليس يرجع إلى قوله: {قَالُواْ نَشْهَدُ} وإنما يرجع إلى ما في «براءة» من قوله تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} تفسير : [التوبة:74]. الثالثة ـ: قوله تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أعرضوا، وهو من الصدود. أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسَّبي وأخذ الأموال، فهو من الصدّ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويقتدي بهم غيرهم. وقيل: فصدّوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم، ولو كان محمد حقاً لعرف هذا منّا، ولجعلنا نكالاً. فبيّن الله أن حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان. {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئست أعمالهم الخبيثة ـ من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدّهم عن سبيل الله ـ أعمالاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱتَّخَذُواْ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً } سترة على أموالهم ودمائهم {فَصَدُّواْ } بها {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي من الجهاد فيهم {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {جُنَّةً} من القتل والسبي فعصموا بها دماءهم وأموالهم أو من الموت أن لا تصلي عليهم فيظهر للناس نفاقهم. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} عن الإسلام بالتنفير أو عن الجهاد بتثبيط المسلمين عنه بالإرجاف.

القشيري

تفسير : تَسَتَّرُوا بإقرارهم، وتكَشَّفوا بنفاقهم عن أسْتارِهم فافتضحوا، وذاقوا وبالَ أحوالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اتخذوا} اى المنافقون {ايمانهم} الفاجرة التى من جملتها ماحكى عنهم لان الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد وبه استشهد ابو حنيفة رحمه الله على أن اشهد يمين واليمين فى الحلف مستعار من اليمين التى بمعنى اليد اعتبارا بما يفعله المحالف والمعاهد عنده واليمين بالله المصادقة جائزة وقت الحاجة صدرت من النبى عليه السلام كقوله والله والذى نفسى بيده ولكن اذا لم يكن ضرورة قوية يصان اسم الله العزيز عن الابتذال {جنة} اى وقاية وترسا عما يتوجه اليهم من المؤاخذة بالقتل والسبى او غير ذلك واتخاذها جنة عبارة عن اعدادهم وتهيئتهم لها الى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة لاعن استعمالها بالفعل فان ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لابد أن يكون قبل المؤآخذة وعن سببها ايضا كما يفصح عنه الفاء فى قوله {فصدوا عن سبيل الله} يقال صده عن الامر صدا اى منعه وصرفه وصد عنه صدودا اى اعرض والمعنى فمنعوا وصرفوا من أراد الدخول فى الاسلام بأنه عليه السلام ليس برسول ومن أراد الانفاق فى سبيل الله بالنهى عنه ما سيحكى عنهم ولاريب فى أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل واصل الجن ستر الشىء عن الحاسة يقال جنه الليل واجنه والجنان القلب لكونه مستورا عن الحاسة والمجن والجنة الترس الذى يجن صاحبه والجنة كل بستان ذى شجر يستر بأشجاره الارض {انهم ساء ما كانوا يعملون} اى ساء الشىء الذى كانوا يعملونه من النفاق والصد والاعراض عن سبيله تعالى فى ساء معنى التعجب وتعظيم امرهم عند السامعين

الجنابذي

تفسير : {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} عن القتل والاسر وحفظوا بها دماءهم واموالهم او اتّخذوها جنّةً عن شتم المسلمين ولومهم، او جنّة عن سوء ظنّ المسلمين بهم وفرارهم عنهم، وقرئ ايمانهم بكسر الهمزة {فَصَدُّواْ} منعوا او اعرضوا {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الّذى هو علىّ (ع) وولايته {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. اعلم، انّ النّفاق عبارة عن اظهار ما لم تكن تعتقده مثل الّذين اظهروا الاسلام وباعوا البيعة النّبويّة من غير اعتقادٍ برسالة الرّسول (ص) او مع الشّكّ فى رسالته، او كانوا معتقدين ثمّ طرأ الشّكّ والانكار، هذا بحسب الظّاهر والاعتقاد وقد يعتبر النّفاق بحسب الاعمال الظّاهرة من غير موافقة الاحوال الباطنة وهذا نفاق قلّ من يخلو عنه من المسلمين، فانّ الاذكار والافعال الواقعة فى الصّلاة كلّها عناوين واظهارٌ لاحوال النّفوس فانّ قول القائل بسم الله الرّحمن الرّحيم تعبيرٌ عن نفسه وانّه يَسِمُ نفسه بالعبادة فاذا لم يكن حاله موافقاً لهذا التّعبير كان منافقاً حالاً، وهكذا الحمد الله ربّ العالمين وهكذا ايّاك نعبد حصر للعبادة فيه وايّاك نستعين حصرٌ للاستعانة فيه فلو كان حال القائل ذلك ان يرى موصوفاً آخر او يعتقد موصوفاً آخر بالصّفات الحميدة او كان له معبود آخر من الاهوية او الاناسىّ، او كان نظره الى معينٍ آخر والاستعانة بغير الله كان منافقاً حالاً، وفعل الرّكوع تعبير عن نفسه بانّه خاشع لله بحيث دعا خشوعه له الى الانثناء، وسجوده تعبير عن كمال خضوعه له تعالى فاذا لم يكن حاله على هذا المنوال كان منافقاً، وهكذا قنوته وسائر دعواته فى احوال الصّلاة، وصيامه تعبير عن نفسه بانّه صام عن غير التذاذٍ بجمال الله والسّلوك اليه، وزكاته كناية عن انّه فى نقصان الانانيّة، فلو لم ينقص من انانيّته بل كان فى زكاته معجباً بنفسه رائياً عمله كان منافقاً، وقد ورد: ما زاد خشوع الجسد على خشوع القلب فهو من النّفاق.

اطفيش

تفسير : {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} جمع يمين وهي الحلف واراد أيمانهم الكاذبة إنا لم نقل لا تنفقوا وإنا لم نقل لئن رجعنا او اراد قولهم نشهد انك لرسول الله فإن الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد كالعزم وبه استشهد ابو حنيفة على ان اشهد يمين وقرأ الحسن ايمانهم بكسر الهمزة مصدر أمن أي ما اظهروه بالسنتهم من التصديق ويعضده ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا. {جُنَّةً} سترة عن اموالهم ودمائهم {فَصَدُّوا} اعرضوا{عَن سَبِيلٍ اللهِ} أي دينه أو صدوا الناس أي منعوهم عن سبيل الله من الايمان والطاعة والجهاد،{إِنَّهُمْ سَآءَ} مبالغة ذم وتعجيب {مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ} من نفاق وصد الناس عن السبيل وصدودهم.

الالوسي

تفسير : {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } أي الكاذبة على ما يشير إليه الإضافة {جُنَّةُ } أي وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبـي أو غير ذلك، قال قتادة: كلما ظهر على شيء منهم يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم، وهذا كلام مستقل تعداداً لقبائحهم وأنهم من عادتهم الاستجنان بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة، ويجوز أن يراد بأيمانهم شهادتهم السابقة؛ والشهادة وأفعال العلم واليقين أجرتها العرب مجرى القسم وتلقتها بما يتلقى القسم، ويؤكد بها الكلام كما يؤكد به، فلهذا يطلق عليها اليمين، وبهذا استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين، واعترضه ابن المنير ((بأن غاية ما في الآية أنه سمي يميناً، والكلام في وجوب الكفارة بذلك لا في إطلاق الاسم، وليس كل ما يسمى يميناً تجب فيه الكفارة، فلو قال: أحلف على كذا لا تجب عليه الكفارة وإن كان حلفاً)). والجمع باعتبار تعدد القائلين، والكلام على هذا استئناف يدل على فائدة قولهم ذلك عندهم مع الذم البالغ بما عقبه. وقيل: إن {ٱتَّخَذُواْ } جواب {إِذَا } وجملة { أية : قَالُواْ } تفسير : [المنافقون: 1] السابقة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه وهو خلاف الظاهر، وأبعد منه جعل الجملة حالاً وتقدير جواب ـ لإذا ـ وقال الضحاك: أي اتخذوا حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة عن القتل أو السبـي أو نحوهما مما يعامل به / الكفار ومن هنا أخذ الشاعر قوله: شعر : وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تسالا تفسير : وعن السدي أنهم اتخذوا ذلك جنة من ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، وهو كما ترى وكذا ما قبله. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي من أراد الدخول في دين الإسلام؛ أو من أراد فعل طاعة مطلقاً على أن الفعل متعد، والمفعول محذوف، أو أعرضوا عن الإسلام حقيقة على أن الفعل لازم. وأياً مّا كان فالمراد على ما قيل: استمرارهم على ذلك. وحمل بعض الأجلة الأيمان على ما يعم ما حكى عنهم من الشهادة، ثم قال: واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا عن المؤاخدة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة، وعن سببها أيضاً كما يفصح عنه الفاء في {فَصَدُّواْ } أي من أراد الإسلام أو الإنفاق كما سيحكي عنهم، ولا ريب في أن هذا الصد متقدم على حلفهم، وقرىء ـ أي قرأ الحسن ـ {إيمانهم} بكسر الهمزة أي الذي أظهروه على ألسنتهم فاتخاذه جنة عبارة عن استعماله بالفعل فإنه وقاية دون دمائهم وأموالهم، فمعنى قوله تعالى: {فَصَدُّواْ } فاستمروا على ما كانوا عليه من الصدود والإعراض عن سبيله تعالى انتهى، وفيه ما يعرف بالتأمل فتأمل. {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من النفاق وما يتبعه. وقد مر الكلام في {سَاء } غير مرة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأن تكذيب الله تعالى إياهم في قولهم للنبيء صلى الله عليه وسلم {أية : نشهد إنك لرسول الله}تفسير : [المنافقون: 1] يثير في أنفس السامعين سؤالاً عن أيْمانهم لدى النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم مؤمنون به وأنهم لا يضمرون بغضه فأخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا أيمانهم تقية يتقون بها وقد وصفهم الله بالحلف بالأيمان الكاذبة في آيات كثيرة من القرآن. والجُنة: ما يستتر به ويُتَّقَى ومنه سميت الدرع جُنة. والمعنى: جعلوا أيمانهم كالجُنّة يتّقي بها ما يَلْحق من أذى. فلما شبهت الأيمان بالجُنّة على طريقة التشبيه البليغ، أُتبع ذلك بتشبيه الحَلف باتخاذ الجنة، أي استعمالها، ففي {اتخذوا} استعارة تبعية، وليس هذا خاصاً بحلف عبد الله بن أُبَيّ أنه قال: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، كما تقدم في ذكر سبب نزولها، بل هو أعمّ، ولذلك فالوجه حمل ضمائر الجمع في قوله: {اتخذوا أيمانهم} الآية على حقيقتها، أي اتخذ المنافقون كلُّهم أيمانهم جُنة، أي كانت تلك تقيتهم، أي تلك شنشنة معروفة فيهم. {فصدُّوا عن سبيل الله} تفريع لصدهم عن سبيل الله على الحلف الكاذب لأن اليمين الفاجرة من كبائر الإِثم لما فيها من الاستخفاف بجانب الله تعالى ولأنهم لما حلفوا على الكذب ظنوا أنهم قد أمنوا اتّهام المسلمين إياهم بالنفاق فاستمروا على الكفر والمكر بالمسلمين وذلك صدّ عن سبيل الله، أي إعراض عن الأعمال التي أمر الله بسلوكها. وفعل (صدّوا) هنا قاصر الذي قياس مضارعه يَصِدُّ بكسر الصاد. وجملة {إنهم ساء ما كانوا يعملون} تذييل لتفظيع حالهم عن السامع. وساء من أفعال الذم تُلحق ببئس على تقدير تحويل صيغة فعْلها عن فَعَل المفتوح العين إلى فَعُل المضمومِها لقصد إفادة الذم مع إفادة التعجب بسبب ذلك التحويل كما نبه عليه صاحب «الكشاف» وأشار إليه صاحب «التسهيل».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. قرئ أيمانهم بفتح الهمزة جمع يمين، وقرئ بكسرها من الإيمان ضد الكفر، أي ما أظهروه من أمور الإسلام. ومما تقدم أن من أنواع البيان إذا كان في الآية قراءتان، وفيهما ما يرجح إحداهما، وتقدم كلام أبي حيان تخريجه على اليمين. وللشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة التدريس قوله: الإيمان جمع يمين وهي الحلف والجنة الترس، وهو المجن الذي تتقي به السيوف والنِّبال والسِّهام في الحرب، والمعنى أن المنافقين إذا ظهر شيء من نفاقهم أو سمعت عنهم كلمة كفر، حلفوا بالله أنهم ما قالوا ذلك وما فعلوه، فيجعلون حلفهم ترساً يقيهم من مؤاخذة النَّبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم. كما قال تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ}تفسير : [التوبة: 74] الآية. وقال: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ}تفسير : [التوبة: 56] الآية. وقال: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}تفسير : [التوبة: 62] الآية. ونحو ذلك، فهذه نصوص تدل على أنهم يحلفون أيماناً على إيمانهم. ومن جهة المعنى: أن أيمانهم وحلفهم منصب على دعوى إيمانهم، فلا انفكاك بين اليمين والإيمان، لأنهم يحلفون أنهم مؤمنون، واليمين أخص من الإيمان، وحمله على الأخص يقتضي وجود الأعم، فاحلف على الأيمان يستلزم دعوى الإيمان وزيادة، ومجرد دعوى الإيمان لا يستلزم التأكيد بالإقسام والحلف. قوله تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّه}. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: أي بسبب اتخاذهم أيمانهم جنة وخفاء كفرهم الباطن، تمكنوا من صدَّ بعض الناس عن سبيل الله، لأن المسلمين يظنونهم إخواناً وهم أعداء. وشر الأعداء من تظن أنه صديق ولذا حذر الله نبيه منهم بقوله: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ}تفسير : [المنافقون: 4] وصدهم الناس عن سبيل الله كتعويقهم عن الجهاد. كما بينه بقوله: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}تفسير : [الأحزاب: 18] الآية. وبقوله: {أية : وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ}تفسير : [التوبة: 81] الآية. وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}تفسير : [آل عمران: 168] الآية. قوله تعالى: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون}. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ساء فعل جامد لإنشاء الذم بمعنى بئس اهـ. وقد بين تعالى تلك الإساءة من المنافقين في عدة جهات منها قوله تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا}تفسير : [البقرة: 9]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142]. وكان خداعهم بالقول وبالفعل، وخداعهم بالقول في قولهم عنهم: {أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الفتح: 11]. وخداعهم في الفعل في قوله عنهم: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ}تفسير : [النساء: 142]. وفي الجهاد قولهم: {أية : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً}تفسير : [الأحزاب: 13].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَيْمَانَهُمْ} (2) - جَعَلَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَيْمَانَهُم الكَاذِبَةَ وِقَايَةً لَهُمْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ فَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ، وَيَقُولُونَ نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لِيَغْتَرَّ بِهِمْ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ، وَيَعْتَقدَ بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَيَطْمَئِنَّ إِلَيهِمْ، وَليَسْتَغِلُّوا هَذَا الاطْمئْنَانَ إِليهِمْ لِيَنْصَرِفُوا إِلَى العَمَلِ عَلَى صَرْفِ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، فَسَاءَ عَمَلُهُمْ وَقَبُحَ إِذْ آثَرُوا الكُفْرِ عَلَى الإِيْمَانِ، وَأَظْهَرُوا خلاَفَ مَا يَعْتَقِدُونَ، وَسَيَلْقَوْنَ عِقَابَ ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ فِي الآخِرَةِ. جُنَّةً - وِقَايَةً لأَِنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.