Verse. 5192 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

وَاِذَا رَاَيْتَہُمْ تُعْجِبُكَ اَجْسَامُہُمْ۝۰ۭ وَاِنْ يَّقُوْلُوْا تَسْمَعْ لِقَوْلِہِمْ۝۰ۭ كَاَنَّہُمْ خُشُبٌ مُّسَـنَّدَۃٌ۝۰ۭ يَحْسَبُوْنَ كُلَّ صَيْحَۃٍ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ ہُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْہُمْ۝۰ۭ قٰتَلَہُمُ اؙ۝۰ۡاَنّٰى يُؤْفَكُوْنَ۝۴
Waitha raaytahum tuAAjibuka ajsamuhum wain yaqooloo tasmaAA liqawlihim kaannahum khushubun musannadatun yahsaboona kulla sayhatin AAalayhim humu alAAaduwwu faihtharhum qatalahumu Allahu anna yufakoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» لجمالها «وإن يقولوا تسمع لقولهم» لفصاحته «كأنهم» من عظم أجسامهم في ترك التفهم «خُشْب» بسكون الشين وضمها «مسندة» ممالة إلى الجدار «يحسبون كل صيحة» تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة «عليهم» لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم «هم العدوُّ فاحذرهم» فإنهم يفشون سرك للكفار «قاتلهم الله» أهلكهم «أنَّى يؤفكون» كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ } يعني عبد الله بن أبي، ومغيث بن قيس، وجد بن قيس، كانت لهم أجسام ومنظر، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيماً صبيحاً فصيحاً، وإذا قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وهو قوله تعالى: {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } أي ويقولوا: إنك لرسول الله تسمع لقولهم، وقرىء يسمع على البناء للمفعول، ثم شبههم بالخشب المسندة، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد، والتثقيل كذلك كثمرة وثمر، وخشبة وخشب، ومدرة ومدر. وهي قراءة ابن عباس، والتثقيل لغة أهل الحجاز، والخشب لا تعقل ولا تفهم، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم، والاستبصار بمنزلة الخشب. وأما المسندة يقال: سند إلى شيء، أي مال إليه، وأسنده إلى الشيء، أي أماله فهو مسند، والتشديد للمبالغة، وإنما وصف الخشب بها، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به، فقال: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ } وقال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، وانفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلاً ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة، ثم أعلم (الله) رسوله بعداوتهم فقال: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ } أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك، و{أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا: لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه فنزلت. وعند الأكثرين، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال: {أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلاْذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] وقال: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تفسير : [المنافقون: 7] فقيل له: تعال يستغفر لك رسول الله فقال: ماذا قلت: فذلك قوله تعالى: {لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } وقرىء: {لَوَّوْاْ } بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعاً والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير:شعر : لا بارك الله فيمن كان يحسبكم إلا على العهد حتى كان ما كانا تفسير : وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى: {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ } قال قتادة: نزلت هذه الآية بعد قوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين» تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال ابن عباس: المنافقين، وقال قوم: فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك، وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم وقالت المعتزلة: لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية مباحث: البحث الأول: لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع بها؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى: قال في «الكشاف»: شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم، وقلة جداوهم الثانية: الخشب المسندة في الأصل كانت غصناً طرياً يصلح لأن يكون من الأشياء المنتفع بها، ثم تصير غليظة يابسة، والكافر والمنافق كذلك كان في الأصل صالحاً لكذا وكذا، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة: الكفرة من جنس الإنس حطب، كما قال تعالى: {أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98] والخشب المسندة حطب أيضاً الرابعة: أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد طرفيها إلى جهة، والآخر إلى جهة أخرى، والمنافقون كذلك، لأن المنافق أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل الإسلام الخامسة: المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات والنباتات، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك، وإذا كانوا من المشركين إذ هو الأصنام، إنها من الجمادات أو النباتات. الثاني: من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة، ثم قال من بعد ما ينافي هذا التشبيه وهو قوله تعالى: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ } تفسير : [المنافقون: 4] والخشب المسندة لا يحسبون أصلاً، نقول: لا يلزم أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف، فهم كالخشب المسندة بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها. الثالث: قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } ولم يقل: القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما سبق ذكره؟ نقول: كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله: {ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} أي هيئاتهم ومناظرهم. {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} يعني عبد الله بن أُبَيّ. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أُبَيّ وسِيماً جسيماً صبيحاً ذَلِق اللسان، فإذا قال سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. وقال الكلبي: المراد ابن أُبيّ وَجَدّ بن قيس ومُعَتِّب بن قُشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وفي صحيح مسلم: وقوله {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} قال: كانوا رجالاً أجمل شيء كأنهم خشب مسندةٌ، شبههم بخُشب مسنّدة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. وقيل: شبههم بالخُشُب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها. وقرأ قَنْبُل وأبو عمرو والكسائي «خُشْبٌ» بإسكان الشين. وهي قراءة البَرَاء بن عازب واختيار ابي عبيد، لأن واحدتها خَشَبة. كما تقول: بَدَنة وبُدْن، وليس في اللغة فعَلَة يجمع على فُعُل. ويلزم من ثقلها أن تقول: البُدُن، فتقرأ «والبُدُن». وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء، كقوله عز وجل: {أية : وَحَدَائِقَ غُلْباً} تفسير : [عبس:30] واحدتها حديقة غلباء. وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية البَزّي عن ابن كَثِير وعيّاش عن أبي عمرو، وأكثر الروايات عن عاصم. واختاره أبو حاتم، كأنه جمع خِشاب وخُشُب، نحو ثَمرة وثِمار وثُمُر. وإن شئت جمعت خشبة على خشب كما قالوا: بدنة وبدن وبدن. وقد رُوي عن ابن المسيب فتح الخاء والشين في «خُشُب». قال سِيبويه: خَشَبة وخُشُب، مثل بَدَنة وبدن. قال: ومثله بغير هاء أسَد وأُسْد ووَثَنَ ووُثْن. وتقرأ خُشُب وهو جمع الجمع، خشبة وخِشاب وخُشُب، مثل ثمرة وثمار وثُمُر. والإسناد الإمالة، تقول: أسندت الشيء أي أملته. و «مُسَنَّدَة» للتكثير؛ أي استندوا إلى الأيمان بحقن دمائهم. قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} أي كل أهل صيحة عليهم هم العدّو. فـ «هم العَدُوّ» في موضع المفعول الثاني؛ على أن الكلام لا ضمير فيه. يصفهم بالجُبْن والخَوَر. قال مقاتل والسُّدي: أي إذا نادى منادٍ في العسكر أن انفلتت دابة أو أُنشِدت ضالّة ظنوا أنهم المرادون؛ لما في قلوبهم من الرعب. كما قال الشاعر وهو الأخطل:شعر : مازلت تحسب كل شيء بعدهم خيلاً تَكُرّ عليهمُ ورجالاَ تفسير : وقيل: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد؛ وتقديره: يحسبون كلّ صيحة عليهم أنهم قد فُطن بهم وعُلم بنفاقهم؛ لأن للرِّيبة خوفاً ثم استأنف الله خطاب نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} وهذا معنى قول الضحاك وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم؛ فهم أبداً وَجِلون من أن يُنزل الله فيهم أمراً يبيح به دماءهم، ويهتك به أستارهم. وفي هذا المعنى قول الشاعر:شعر : فلو أنها عَصْفورةٌ لحسبتُها مُسَوّمَةً تَدْعُو عُبيدا وأَزْنَمَا تفسير : بطن من بني يَرْبُوع. ثم وصفهم الله بقوله: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. وفي قوله تعالى: {فَٱحْذَرْهُمْ} وجهان: أحدهما ـ فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم. الثاني ـ فاحذر مُمَايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} أي لعنهم الله؛ قاله ابن عباس وأبو مالك. وهي كلمة ذمّ وتوبيخ. وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب. وقيل: معنى {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} أي أحلهم محلّ من قاتله عدوٌ قاهر؛ لأن الله تعالى قاهر لكل معاند. حكاه ابن عيسى. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي يكذبون؛ قاله ابن عباس. قتادة: معناه يعدلون عن الحق. الحسن: معناه يصرفون عن الرشد. وقيل: معناه كيف تضلّ عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل؛ وهو من الإفك وهو الصرف. و «أَنَّى» بمعنى كيف؛ وقد تقدم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } لجمالها {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } لفصاحته {كَأَنَّهُمْ } من عظم أجسامهم في ترك التفهم {خُشُبٌ } بسكون الشين وضمها {مُّسَنَّدَةٌ } ممالة إلى الجدار {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ } تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة {عَلَيْهِمْ } لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ } فإنهم يفشون سرك للكفار {قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } أهلكهم {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الإِيمان بعد قيام البرهان؟

ابن عبد السلام

تفسير : {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} لحسن منظرهم {تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لحسن منطقهم {خُشُبٌ} شبهوا بالنخل القائمة لحسن منظرهم أو بالخشب النخرة لسوء مخبرهم أو لأنهم لا ينتفعون بسماع الهدى فصاروا كالخشب {مُّسَنَّدَةٌ} لاستنادهم إلى الإيمان لحقن دمائهم {يَحْسبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيهِمْ} لخبثهم لا يسمعون صيحة إلا ظنوا أن العدو قد أصطلمهم وأن القتل قد حل بهم أو يظنون عند كل صيحة أن قد فطن بهم وعلم نفاقهم لأن المريب خائف، أو يظنون عند كل صياح في المسجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتلهم فهم أبداً وجلون. {فَأحْذَرْهُمْ} أن تثق بقولهم أو احذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك {قَاتَلَهُمُ} لعنهم أو أحلهم محل من قاتله ملك قاهر لقهر الله تعالى لكل معاند {يُؤْفَكُونَ} يكذبون أو يعدلون عن الحق أو يصرفون عن الرشد أو كيف تضل عقولهم عن هذا؟

الخازن

تفسير : {وإذا رأيتهم} يعني المنافقين مثل عبد الله بن أبي ابن سلول {تعجبك أجسامهم} يعني أن لهم أجساماً ومناظر حسنة {وإن يقولوا تسمع لقولهم} أي فتحسب أنه صدق قال ابن عباس كان عبد الله بن أبي ابن سلول جسيماً فصيحاً ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله {كأنهم خشب مسندة} أي أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام شبههم بالخشب المسندة إلى جدر وليست بأشجار مثمرة ينتفع بها {يحسبون كل صيحة عليهم} يعني أنهم لا يسمعون صوتاً في العسكر بأن ينادي مناد أو تنفلت دابة أو تنشد ضالة إلا ظنوا من خبثهم وسوء ظنهم أنهم يرادون بذلك وظنوا أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب وقيل إنهم على خوف ووجل من أن ينزل فيهم أمر يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وتم الكلام عند قوله عليهم ثم ابتدأ فقال تعالى: {هم العدو فاحذرهم} أي لا تأمنهم فإنهم وإن كانوا معك ويظهرون تصديقك أعداء لك فاحذرهم ولا تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار ينقلون إليهم أسرارك {قاتلهم الله} أي لعنهم الله {أنى يؤفكون} أي يصرفون عن الحق. قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم} أي أمالوها وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار {ورأيتهم يصدون} أي يعرضون عما دعوا إليه {وهم مستكبرون} أي عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم {سواء عليهم أستغفرت لهم} أي يا محمد {أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}. (ذكر القصة: في سبب نزول هذه الآية) قال محمد بن إسحاق وغيره من أصحاب السير إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله تعالى بني المصطلق وأمكن منهم وقيل من قتل منهم ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها عليهم فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين وأعان جهجاهاً رجل من المهاجرين يقال له جعال وكان فقيراً فقال عبد الله بن أبي الجعال وإنك لهناك فقال جعال وما يمنعني أن أفعل ذلك فغضب عبد الله بن أبي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم وهو غلام حديث السن فقال عبد الله بن أبي افعلوها قد نافرونا وكاثرنا في بلادنا والله ما مثلنا زائدة ومثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ولتحولوا إلى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فقال زيد بن أرقم أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين فقال عبد الله بن أبي اسكت لقد كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال دعني أضرب عنقه يا رسول الله قال كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني فقال عبد الله بن أبي والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك وإن زيداً لكاذب وكان عبد الله في قومه شريفاً عظيماً فقال من حضر من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد وهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة لزيد في الأنصار وكذبوه وقال له عمه وكان زيد معه ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ومقتوك وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما بلغك ما قال صاحبك عبد الله بن أبي فقال أسيد وما قال؟ قال يزعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد أنت والله يا رسول الله تخرجه هو والله الذليل وأنت والله العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد سلبته ملكاً وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلاً فمرني فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي على الأرض فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا تفسير : قالوا وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى أمسى وليلته حتى أصبح وصدر يومه حتى آذتهم الشمس فنزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن حديث عبد الله بن أبي الذي كان منه بالأمس ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال لها نقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها وضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بالليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة تفسير : فقيل من هو؟ قال حديث : رفاعة بن زيد بن التابوت تفسير : فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم بمكان ناقته ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبره بقول المنافق وبمكان ناقته فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال حديث : ما أزعم أني أعلم الغيب ولا أعلمه ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة تفسير : فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال فجاؤوا بها فآمن ذلك المنافق وحسن إيمانه فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات في ذلك اليوم وكان من عظماء اليهود وكهفاً للمنافقين فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال زيد بن أرقم جلست في البيت لما بي من الهم والحياء فأنزل الله عز وجل سورة المنافقين في تصديق زيد بن أرقم وتكذيب عبد الله بن أبي فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن زيد وقال حديث : يا زيد إن الله قد صدقك وأوفى بإذنك تفسير : (ق) عن زيد بن أرقم قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لا تنفقوا عليّ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله بتصديقي إذا جاءك المنافقون قال ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لم قال فلووا رؤوسهم وقوله كأنهم خشب مسندة قال كانوا رجالاً أجمل شيء" (ق) "حديث : عن جابر قال "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بات معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصارياً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى الجاهلية ثم قال ما شأنهم فأخبر بسكعة المهاجري الأنصاري فقال دعوها فإنها خبيثة وقال عبد الله بن أبي ابن سلول أقد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر ألا أقتل يا نبي الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه"" تفسير : ولمسلم رواية "حديث : وفيها فقال لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالماً كان أو مظلوماً إن كان ظالماً فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوماً فلينصره" تفسير : وزاد الترمذي فيه "فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله لا تنقلب حتى تقر أنك أنت الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل" قال أصحاب السير وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة فلما جاء عبد الله بن أبي قال له ابنه وراءك قال ويلك ما لك قال لا والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل فشكا عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه عبد الله فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه يدخل فقال عبد الله أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم فدخل قالوا فلما نزلت هذه السورة وتبين كذب المنافقين قيل يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوى رأسه وقال أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم} الآية.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} هذا توبيخٌ لهم؛ إذ كَانَ مَنْظَرُهم يَرُوقُ جَمَالاً وقولُهُم يَخْلِبُ بَيَاناً؛ لكنَّهم كالخشبِ المُسَنَّدَة؛ إذْ لاَ أفْهَامَ لهم نافعةً، وكانَ عبدُ اللَّه بْنُ أُبَي ٱبْنِ سَلُولَ مِنْ أبْهَى المنافقينَ، وأطولِهِم، ويدلّ على ذلك أنه لَمْ يوجَدْ قميصٌ يكْسُو العباسَ غيرُ قَميصِه، قال الثعلبيُّ: {تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ} لاسْتِوَاءِ خَلْقِهَا وطُول قَامَتِهَا وحُسْنِ صُورَتِها، قَال ابن عباس: وَكَانَ عَبْدُ اللَّه بن أُبَيٍّ جَسِيماً صَبِيحاً فَصِيحاً ذَلِقَ اللِّسَانِ، فَإذَا قَالَ سَمِعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قوله ووصفهم اللَّه تعالى بتمام الصورةِ وحُسْنِ الإبَانَةِ، ثم شبَّهَهُم بالخُشُبِ المسنَّدَةِ إلى الحائِط، لا يَسْمَعُونَ وَلاَ يَعْقِلُونَ أشْبَاحٌ بِلاَ أَرْوَاحٍ، وأجْسَامٌ بِلاَ أحْلاَم، انتهى. وقوله تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} هَذَا أيضاً فَضْحٌ لِمَا كَانُوا يُسِرُّونَه مِنَ الخَوْفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّعَونَ أنْ يأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللَّهِ بِقَتْلِهِمْ، قال مقاتل: فكانوا متَى سَمِعُوا نُشْدَانَ ضالةٍ، أو صِيَاحاً بأيِّ وَجْهِ، أو أُخْبِرُوا بِنُزُولِ وَحْيٍ طَارَتْ عقُولُهم حتَى يسْكُنَ ذِلَك ويكونَ في غَيْرِ شأنهم، ثم أخبرَ تعالى بأنهم همُ العدوُّ وحَذَّرَ منهم. وقوله تعالى: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ} دُعَاء يَتَضَمَّنُ الإقْصَاءَ والمُنَابَذَةَ لهم، و{أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} معناهُ كَيْفَ يُصْرَفُونَ. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ...} الآية، حديث : سَبَبُ نُزُولِها أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَزَا بني المُصْطَلِق، فَازْدَحَمَ أَجيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يُقَالُ لَهُ «جَهْجَاهٌ» مَعَ سِنَانِ بْنِ وَبَرَةَ الجُهَنِيِّ، حَلِيفٌ لِلأَنْصَارِ، عَلَى الْمَاءِ فَكَسَعَ جَهْجَاهٌ سِنَاناً فَتَشاوَرَا، ودَعَا جَهْجَاهُ: يَا للْمُهَاجِرِينَ، وَدَعَا سِنَانٌ: يَا لِلأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَال: مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ فَلَمَا أُخْبِرَ بالقصةِ، قال: دَعُوهَا؛ فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فقال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ واللَّهِ، مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ جَلاَبِيبِ قُرَيْشٍ إلاَّ كَما قَال الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ، ثُمَّ قَال؛ لِمَنْ معه مِنَ المنافقينَ: إنَّما يُقيمُ هؤلاءِ المهاجرونَ مَعَ محمدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكمْ لَهم، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم؛ لَفَرُّوا، فَسَمِعَهَا منه زيدُ بن أرقم، فأخْبَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فَعَاتَبَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عبدَ اللَّه بن أُبَيٍّ عِنْدَ رجالٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فبلغَه ذلك، فَجَاءَ وَحَلَفَ مَا قَالَ ذلك، وحَلَفَ معَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنَافِقِينَ، وكَذَّبُوا زيداً، فَصَدَّقَهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَقِيَ زَيْدٌ في منزلهِ لاَ ينصرفُ حَيَاءً مِنَ الناسِ فَنَزَلَتْ هذهِ السورةُ عِنْد ذَلِكَ، فبعثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى زَيْدٍ وقال لهُ: لَقَدْ صَدَقَكَ اللَّهُ يَا زَيْدُتفسير : ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم: امْضِ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوَىٰ رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» ـــ بتخفيف الواوِ ـــ وقرأ الباقون بتشديدِها. وقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ...} الآية، رويَ أنه لما نزلتْ {أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ }تفسير : [التوبة:80] قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دونَ حَدٍّ في الاسْتِغْفَارِ.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ} لضخامتها ويروقكَ منظرُهُم لصباحةِ وجوهِهِم {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لفصاحتهِم وذلاقةِ ألسنتِهِم وحلاوةِ كلامِهِم وكان ابنُ أُبـيَ جسيماً فصيحاً يحضرُ مجلسَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في نفرٍ منْ أمثالِهِ وهُم رؤساءُ المدينةِ وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ومنْ معَهُ يعجبونَ بهياكِلهم ويسمعونَ إلى كلامِهم وقيلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ ممن يصلُح للخطابِ ويؤيدُه قراءةُ يُسمعْ على البناءِ للمفعولِ وقولُه تعالَى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} في حيزِ الرفعِ على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو كلامٌ مستأنفٌ لا محلَّ له شُبهوا في جلوسِهِم في مجالِس رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مستندينَ فيها بخشبٍ منصوبةٍ مُسندةٍ إلى الحائطِ في كونِهِم أشباحاً خاليةً عن العلمِ والخيرِ، وقُرِىءَ خُشْبٌ على أنه جمعُ خشبةٍ كبُدْنٍ جمعُ بَدَنةٍ، وقيل هو جمعُ خشباءَ وهيَ الخشبةُ التي دُعِرَ جوفُها أي فسدَ شُبهوا بها في نفاقِهِم وفسادِ بواطِنِهم وقُرِىءَ خَشَبٌ كمَدَرةٍ ومدَرٍ {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} أي واقعةً عليهم ضارةً لهم لجبنِهِم واستقرارِ الرعبِ في قلوبِهِم، وقيلَ كانُوا على وجلٍ من أنْ يُنزلَ الله فيهم ما يهتكُ أستارَهُم ويبـيحُ دماءَهُم وأموالَهُم {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} أي هُم الكاملونَ في العداوةِ والراسخونَ فيها فإنَّ أعْدَى الأعادِي العدوُّ المُكاشرُ الذي يُكاشِرُكَ وتحتَ ضُلوعِهِ الداءُ الدَّوِيُ، والجملةُ مستأنفةٌ وجعلُها مفعولاً ثانياً للحسبانِ ممَّا لا يساعدُهُ النظمُ الكريمُ أصلاً فإنَّ الفاءَ في قولِهِ تعالَى: {فَٱحْذَرْهُمْ} لترتيبِ الأمرِ بالحذرِ على كونِهِم أعْدَى الأعداءِ {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ} دعاءٌ عليهمْ وطلبٌ من ذاتِهِ تعالَى أنْ يلعنَهُم ويُخزيَهم أو تعليمٌ للمؤمنينَ أن يدعُوا عليهِم بذلكَ وقولُهُ تعالَى: {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تعجيبٌ من حالِهِم أي كيفَ يُصرفونَ عن الحقِّ إلى ما هُم عليهِ من الكُفرِ والضَّلالِ. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} عندَ ظهورِ جنايتِهِم بطريقِ النصيحةِ {تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ} أي عطفُوها استكباراً {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} يُعرضونَ عن القائلِ أو عن الاستغفارِ {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن ذلكَ.

القشيري

تفسير : أي هم أشباحٌ وقوالبٌ وليس وراءهم ألبابٌ وحقائق - فالجوزُ الفارغُ مُزَيَّنٌ ظاهِرُه ولكنه للعب الصبيان. {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} وذلك لِجُبْنِهم؛ إذ ليس لهم انتعاشٌ بربِّهم، ولا استقلالٌ بغيرهم. {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} هم عدوٌّ لك - يا محمد - فاحْذَرْهم،ولا يَغُرَّنْكَ تَبَسُّطُهم في الكلام على وجهِ التودُّدِ والتقرُّب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا رأيتهم} وجون به بينى منافقا نراجون ابن ابى وامثال او، الرؤية بصرية {تعجبك اجسامهم} بشكفت آرد ترا اجسام ايشان، لضخامتها ويروقك منظرهم لصباحة وجوههم واصله من العجب والشىء العجيب هو الذى يعظم فى النفس امره لغرابته والتعجب حيرة تعرض للنفس بواسطة ما يتعجب منه {وان يقولوا} وجون سخن كويند {تسمع لقولهم} لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم واللام صلة وقيل تصغى الى قولهم وكان ابن ابى جسيما صبيحا فصيحا يحضر مجلس رسول الله عليه السلام فى نفر من امثاله وهم رؤساء المدينة وكان عليه السلام ومن معه يعجبون بهياكلهم ويسمعون الى كلامهم وان الصباحة حسن المنظر لايكون الا من صفاء الفطرة فى الاصل ولذا قال عليه السلام "حديث : اطلبوا الخير عند حسان الوجوه"تفسير : اى غالبا وكم من رجل قبيح الوجه قضاء للحوائج قال بعضهم شعر : يدل على معروفه حسن وجهه ومازال حسن الوجه احد الشواهد تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا بعثتم الىَّ رجلا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم"تفسير : ثم لما رأى عليه السلام غلبة الرين على قلوب المنافقين وانطفاء نور استعدادهم وابطال الهيئات الدنية العارضية خواصهم الاصلية ايس منهم وتركهم على حالهم (وروى) عن بعض الحكماء انه رأى غلاما حسنا وجهه فاستنطقه لظنه ذكاء فطنته فما وجد عنده معنى فقال ما احسن هذا البيت لو كان فيه ساكن وقال آخر طشت ذهب فيه خل {كأنهم خشب مسندة} فى حيز الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف اى هم كأنهم او كلام مستأنف لامحل له والخشب بضمتين جميع خشبة كأ كم واكمة او جمع خشب محركة كأسد واسد وهو ماغلظ من العيدان والاسناد الامالة ومسندة للتكثير فان التسنيد تكثير الاسناد بكثرة المحال اى كأنها أسندت الى مواضع والمعنى بالفارسية كويا ايشان جو بهاى خشك شده ا ند بديوار بازنهاده، شبهوا فى جلوسهم فى مجالس رسول الله مستندين فيها بخشاب منصوبة مسندة الى الحائط فى كونهم اشباحا خالية عن العلم والخير والانتفاع ولذا اعتبر فى الخشب التنسيد لان الخشب اذا انتفع به كان فى سقف او جدار او غيرهما من مظان الانتفاع فكما ان مثل هذا الخشب لانفع فيه فكذا هم لانفع فيهم وكما ان الروح النامية قد زالت عنهم فهم فى زوال استعداد الحياة الحقيقية والروح الانسانى بمثابتها. يقول الفقير فيه اشارة الى ان الاستناد فى مجالس الاكابر او فى مجالس العلم من ترك الأدب ولذا منع الامام مالك رحمه الله هرون من الاستناد حين سمع منه الموطأ (حكى) ان ابراهيم بن ادهم قدس سره كان يصلى ليلة فأعيى فجلس ومد رجليه فهتف به هاتف اهكذا تجالس الملوك وكان الحريرى لايمد رجليه فى الخلوة ويقول حفظ الأدب مع الله احق وهذا من أدب من عرف معنى الاسم المهيمن فان من عرف معناه يكون مستحييا من اطلاعه تعالى عليه ورؤيته له وهو المراقبة عند اهل الحقيقة ومعناه علم القلب باطلاع الرب ودلت الآية وكذا قوله عليه السلام "حديث : انه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لايزن عند الله جناح بعوضة"تفسير : على ان العبرة فى الكمال والنقصان بالاصغرين اللسان والقلب لا بالاكبرين الرآس والجلد فان الله تعالى لاينظر الى الصور والاموال بل الى القلوب والاعمال فرب صورة مصغرة عند الله بمثابة الذهب والمؤمن لايخلو من قلة او علة او ذلة ولاشك ان بالقلة يكثر الهم الذى يذيب اللحم والشحم وكذا بالعلة يذوب البدن ويطرأ عليه الذبول وفى الحديث "حديث : مثل المؤمن مثل السنبلة يحركها الريح فتقوم مرة وتقع اخرى ومثل الكافر مثل الارزة لاتزال قائمة حتى تنقر"تفسير : قوله الارزة بفتح ألهمزة وبرآء مهملة ساكنة ثم زاى شجرة يشبه الصنوبر يكون بالشأم وبلاد الارمن وقيل هو شجر الصنوبر والانقعار، ازبن بركنده شدن يعنى مثل منافق مثل صنوبر براست كه بلند واستوار بر زمين تاكه افتادن وازبيخ بر آمدن، وفيه اشارة الى ان المؤمن كثير الابتلاء فى بدنه وماله غالبا فيكفر عن سيئاته والكافر ليس كذلك فيأتى بسيئاته كاملة يوم القيامة {يحسبون} يظنون {كل صيحة} كل صوت ارتفع فان الصيحة رفع الصوت وفى القاموس الصوت بأقصى الطاقة وهو مفعول اول ليحسبون والمفعول الثانى قوله {عليهم} اى واقعة علهيم ضارة، ومراد از صيحة هر فريادى كه برآيد وهرآوازى كه درمدينه بركشند. وقال بعضهم اذا نادى مناد فى العسكر لمصلحة او انفلتت دابة او انشدت ضالة او وقعت جلبة بين الناس ظنوه ايقاعا بهم لجبنهم واستقرار الرعب فى قلوبهم والخائن خائف وقال القاشانى لان الشجاعة انما تكون من اليقين من نور الفطرة وصفاء القلب وهم منغمسون فى ظلمات صفات النفوس محتجبون باللذات والشهوات كأهل الشكوك والارتياب فلذلك غلب عليهم الجبن والخور انتهى وفى هذا زيادة تحقر لهم وتخفيف لقدرهم كما قيل اذا رأى غير شىء ظنه رجلا وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم مايهتك استارهم ويبيح دماءهم واموالهم {هم العدو} اى هم الكاملون فى العداوة الراسخون فيها فان اعدى الاعادى العدو المكاسر الذى يكاسرك وتحت ضلوعه دآء لايبرح بل يلزم مكانه ولم يقل هم الاعدآء لان العدو لكونه بزنة المصادر يقع على الواحد وما فوقه {فاحذرهم} اى فاحذر أن تثق بقولهم وتميل الى كلامهم او فاحذر مما يلتهم لاعدآئك وتخذيلهم اصحابك فانه يفشون سرك للكفار {قاتلهم الله} دعاء عليهم وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم ويخزيهم ويميتهم على الهوان والخذلان كما قال ابن عباس رضى الله عنهما اى لعنهم قال سعدى المفتى ولا طلب هناك حقيقة بل عبارة الطلب للدلالة على ان اللعن عليهم مما لابد منه قال الطيبى يعنى انه من اسلوب التجريد كقرآءة ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله {أية : ومن كفر فامتعه}تفسير : ياقادر ويجوز أن يكون تعليما للمؤمنين بأن يدعوا عليهم بذلك ففيه دلالة على ان للدعاء على اهل الفساد محلا يحسن فيه فقاتل الله المبتدعين الضالين المضلين فانهم شر الخصماء واضر الاعدآء وايراده فى صورة الاخبار مع انه انشاء معنى للدلالة على وقوعه ومعنى الانشاء بالفارسية هلاك كناد خداى ايشانرا يالعنت كنادج برايشانن وقال بعضهم اهلكهم وهو دعاء يتضمن الاقتضاء والمنابذة وتمنى الشر لهم ويقال هى كلمة ذم وتوبيخ بين الناس وقد تقول العرب قاتله الله مااشعره فيضعونه موضع التعجب وقيل احلهم محل من قاتله عدو قاهر لكل معاند {انى يؤفكون} تعجيب من حالهم اى كيف يصرفون عن الحق والنور الى ماهم عليه من الكفر والضلال والظلمة بعد قيام البرهان من الافك بفتح الهمزة بمعنى الصرف عن الشىء لان الافك بالكسر بمعنى الكذب. قال فى التأويلات النجمية اذا رأيتهم من حيث صورهم المشكلة تعجبك اجسام اعمالهم المشوبة بالرياء والسمعة الخالية عن ارواح النيات الخالصة الصافية وان يقولوا قولا بالحروف والاصوات مجردا عن المعانى المصفاة تصغ الى قولهم المكذوب المردود كان صورهم المجردة عن المعنى المخيلة صورتها القوة الخالية بصورة الخشب المسندة الى جدار الوهم لا روح فيها ولامعنا يحسبون كل صيحة صاح بها صور القهر واقعة عليهم لضعف قلوبهم بمرض النفاق وعلة الشقاق هم الكاملون فى العداوة الذاتية والبغضاء الصفاتية فاحذرهم بالصورة والمعنى قاتلهم الله بالخزى والحرمان والسوء والخذلان أنى يعدلون عن طريق الدين الصدق

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذا رأيتهم تُعْجِبُكَ أجسامُهم} لضخامتها، ويروقك منظرُهم؛ لصباحة وجوههم، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع، {وإِن يقولوا تسمعْ لِقَولهم} لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وحلاوة كلامهم، وكان ابن أُبي رجلاً جسيماً صبيحاً، وقوم من المنافقين في مثل صفته، فكانوا يحضرون مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظرة، وفصاحة الألسن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومَن معه يُعجبون بهم، ويسمعون إلى كلامهم. {كأنهم خُشُب مُسَنَّدةٌ} أي: هم كخشب مُسَنَّدة، شُبِّهوا في جلوسهم في مجلس الرسول صلى الله عليهم وسلم مستندين فيها بخُشب منظومة، مسندة إلى الحائط، في كونهم أشباحاً خاليه من العلم والخير؛ لأنّ الخشب إذا انتُفع بها كانت في سَقفٍ، أو جدارٍ، أو غير ذلك من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً غير منتفع به، أُسند إلى الحائط فشُبِّهوا به في عدم الانتفاع. أو: لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجرام بلا أحلام. و"خُشُب" بضمتين، جمع خَشبة، كَثمرة وثُمُر، ويسكن، كبَدنة وبُدن. {يحسبون كلَّ صيحةٍ} واقعة {عليهم}، فـ"كل": مفعول أول، و"عليهم": مفعول ثان، أي: يظنون كلَّ صيحة واقعة عليهم لاستقرار الرعب في قلوبهم، فإذا نادى منادٍ في العسكر، أو انفلتت دابة، أو نُشِدت ضالّة؛ ظنوه إيقاعاً بهم. {هم العدوُّ} أي: الكاملون في العداوة، الراسخون فيها، فإنّ أعدى الأعادي المكاشِر، الذي يُكاشر وتحت ضلوعه الداء. فالألف واللام للجنس، أو: للعهد، أي: العدو الذي يشهد لك، ويعتقد خلاف ما يشهد، {فاحْذرهم} ولا تغتر بحلاوة منطقهم، {قاتلهم اللهُ}، دعاء عليهم، أو: تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم، {أنى يُؤفكون} أي: كيف يعدلون عن الحق بعد وضوحه، تعجُّباً من جهلهم وضلالتهم. الإشارة: لا عبرة بالأجسام العريضة، ولا بالألسن الفصيحة، إنما العبرة بالقلوب المطهرة، والسرائر المنورة، "حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم..." تفسير : الحديث، و" حديث : رُبَّ أشعثَ أغبر، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسمَ على الله لأبَرَّه في قسمه "تفسير : . قال القشيري: قوله تعالى: {وإذا رأيتهم..} الخ، أي: هم أشباح وقوالب، ليس وراءهم ألبابُ وحقائق، والجوزُ الفارغ يؤنق ظاهره، ولكن للعب الصبيان. هـ. وقال الشاعر: شعر : وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً له إذا لم يكن في فعله والخلائق تفسير : وقالت العامة: لا يتكلم إلاَّ الجوز الفارغ، ذمًّا لشقشقة اللسان، وفي الحديث أيضاً ذمهم والتحذير منهم. أما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا حوائجكم عن حِسَان الوُجُوه " تفسير : فإنما المراد: ما يظهر على الوجه من البهجة والنور، والخفة والملاحة، مما خامر الباطن من بشاشة الإيمان ونور المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في ذم المنافقين وافتضاحهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} بحسنها وتجمّلها بما يتجمّل بها وطراوتها ونضارتها {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لطلاقة لسانهم وحلاوة كلامهم وتسمع قام مقام القول اى يقل اسمع لقولهم {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} على الحائط فى كونهم خالين عن الرّوح والعقل، وفى عدم الانتفاع بهم بوجهٍ آخر مثل الخشب المسنّدة الّتى ليست عمداً لسقفٍ او غيره {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} لعدم توكّلهم على ربّهم وجبنهم واتّهامهم فى المسلمين {هُمُ ٱلْعَدُوُّ} استينافٌ جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما شأنهم؟ وما نفعل بهم؟ - فقال: هم الكاملون فى العداوة {فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} اخبار عن حالهم بانّهم قاتلهم الله عن الحياة الانسانيّة، او اخبار عمّا يفعل بهم بعد لكنّه ادّاه بالماضى لتحقّق وقوعه، او دعاء عليهم لمقاتلة الله لهم {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} كيف يصرفون عن الحقّ.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} يعني في المنظر والهيئة {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} أي: من قولهم بما أقروا به وادعوه {كَاَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} أي: إنما هم أجساد ليست لهم نية ولا حسبة في الخير. ثم وصف جبنهم وجزعهم فقال: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} حذراً من القتال وجبناً عنه، ليست لهم نية في الجهاد. ثم انقطع الكلام، ثم قال: {هُمُ الْعَدُوُّ} الأدنى إليك {فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ} أي لعنهم الله {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يُصَدّون عن الإِيمان. قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} أي: أخلصوا الإِيمان {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} أي: أعرضوا عن ذلك {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} أي: عن دين الله وعن الحكومة إلى نبي الله والمؤمنين، ويدعون إلى المحاكمة إلى وثن بني فلان الذي كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه. كقوله تعالى: (أية : وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) تفسير : [النور:48] وكقوله تعالى: (أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً)تفسير : [النساء:61]. قال: {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي: إنهم أهل كبر وعظمة وأَنَف. قال تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. فأخبر الله أنهم يموتون على النفاق ومقيمون عليه، فلم يستحِلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم بعد ذلك. قال بعضهم: لما نزلت الآية التي في براءة: (أية : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) تفسير : [التوبة:80] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قد خيّرني ربي فلأزيدن على السبعين تفسير : . فنزلت هذه الآية في المنافقين: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي: لا يكونون بالفسق والنفاق مهتدين عند الله.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} لجمالها {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَع} وقرىء يسمع بالتحتية والبناء للمفعول والخطاب في الاولى للنبي ومن يمكن {لِقَولِهِمْ} لفصاحته فتحسب انه صدق قال ابن عباس وغيره كان عبد الله بن ابي بن سلول جسيما جميلا فصيحا وقوم من المنافقين في صفته وهم رؤساء المدينة يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستندن فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن فكان النبي صلى الله عليه سلم ومن حضر مجلسه يعجبون بهياكلهم ويسمعون الى كلامهم وكان عبد الله المذكور ابهىالمنافقين واطولهم ولم يوجد قميص يكسو العباس إلا قميصه. {كَأَنَّهُم} من عظم اجسامهم وهم مستندون وخلوهم عن الايمان والبحث عنه {خُشُبٌ} وقرأ ابو عمر والكسائي قيل وابن كثير بسكون الشين تخفيفا أو جمعه خشبة بضم الخاء وسكون الشين وقرىء خشب بفتح الخاء واسكان الشين جمع خشبة كذلك وقرأ ابن عباس بكسر فاء فاسكان جمع خشبة كذلك. {مُّسَنَّدَةٌ} شبههم بالخشب المسندة لانها لا منفعة فيها بخلاف ما لو كانت في سقف أو جدار أو نحوهما وقيل الخشب جمع خشباء كحمراء وحمر وهي التي جلا جوفها شبهوا بها في نفاقهم وفساد باطنهم ويجوز ان يراد بالخشب المسندة الاصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم فهم أجسام بلا احلام والجملة مستأنفة أو خبر لمحذوف مستأنف أي هم كأنهم الى الخ... أو حال من هاء قولهم. {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ} كنداء في العسكر وانشاد ضالة وصوت لنفار دابة. {عَلَيْهِم} مفعول ثاني وبه تم الكلام أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم لجبنهم وخبث افعالهم واقوالهم فضح الله ما اسروه من الخوف وقيل كانوا يتوقعون ان يؤمر النبي بقتلهم وكانوا على وجل ان ينزل فيهم ما يهتك استارهم ويبيح دماءهم واموالهم فإذا اخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يعلموا انه في غيرهم. {هُمُ} أي المنافقون {العَدُوُّ} أي الكاملون في العدواة لقولك زيد الرجل قال للكمال لان اعدى الاعداء العود المكاشر والجملة مستأنفة.{فَاحْذَرهُمْ} لا تأمنهم وهم عيون لاعدائك ينقلون اليهم احوالك ولا يغررك ظاهرهم ويجوز ان يتعلق عليهم بيحسبون وهم العدو مفعول ثان والضمير لكل أو لصيحة ولم يقل هو أو هي نظرا للخبر أو يقدر مضاف أو لا أي يحسبون أهل كل صيحة هم العدو لكن قوله فاحذرهم يدل على ان الضمير في قوله هم العدو للمنافقين لا لاصحاب الصيحة إلا ان يقال فاحذرهم ترتيب على كونهم يحسبون كل صيحة عليهم لانهم يحسبونها عليهم لكونهم قد عملوا في السر بالعداوة. {قَاتَلَهُمُ اللهُ} ذم لهم ولعن على صورة الدعاء أي انهم أهل للخزي والهلاك أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك ولا يظهر عندي ان يقال انه طلب من ذاته ان يلعنهم ويخزيهم وقال جار الله والقاضي انه طلب من ذاته ذلك. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} كيف يصرفون عن الايمان مع سطوع البراهين انكار الحقيقة الصرف وابعادا لها وتعجيب من جهلهم وضلالتهم ومن كتب وإذا رأيتهم الى يؤفكون وعلقها أو قرأها على تراب طاهر لم يطأه أحد ويرش في وجه العدو من حيث لا يدري خرص عنه وكف اذاه.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ } لصباحتها وتناسب أعضائها {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبـيّ جسيماً فصيحاً يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أمثاله كالجد بن قيس ومعتب بن قشير فكان عليه الصلاة والسلام ومن معه يعجبون من هياكلهم ويسمعون لكلامهم. والخطاب قيل: لكل من يصلح له وأيد بقراءة عكرمة وعطية العوفي ـ يسمع ـ بالياء / التحتية والبناء للمفعول، وقيل: لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام، وهذا أبلغ على ما في «الكشف» لأن أجسامهم إذا أعجبته صلى الله عليه وسلم فأولى أن تعجب غيره؛ وكذا السماع لقولهم، وليوافق قوله تعالى: { أية : إِذَا جَاءكَ } تفسير : [المنافقون: 1] والسماع مضمن معنى الإصغاء فليست اللام زائدة. وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } كلام مستأنف لذمهم لا محل له من الإعراب؛ وجوز أن يكون في حيز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم كأنهم الخ؛ والكلام مستأنف أيضاً، وأنت تعلم أن الكلام صالح للاستئناف من غير تقدير فلا حاجة إليه، وقيل: هو في حيز النصب على الحال من الضمير المجرور في {لِقَوْلِهِمْ } أي تسمع لما يقولون مشبهين بخشب مسندة كما في قوله: شعر : فقلت: عسى أن تبصريني كأنما بنى حوالي الأسود الحوادر تفسير : وتعقب بأن الحالية تفيد أن السماع لقولهم لأنهم كالخشب المسندة وليس كذلك. و {خُشُبٌ } جمع خشبة كثمرة وثمر. والمراد به ما هو المعروف شبهوا في جلوسهم مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين فيها وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بخشب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحاً خالية عن الفائدة لأن الخشب تكون مسندة إذا لم تكن في بناء أو دعامة بشيء آخر، وجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم، وفي مثلهم قال الشاعر: شعر : لا يخدعنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشراً وليس فيها لطالب مطر في شجر السرو منهم شبه له رواء وماله ثمر تفسير : وقرأ البراء بن عازب والنحويان وابن كثير {خشْب} بإسكان الشين تخفيف خشب المضموم، ونظيره بدنة وبدن. وقيل: جمع خشباء كحمر وحمراء، وهي الخشبة التي نخر جوفها شبهوا بها في فساد بواطنهم لنفاقهم، وعن اليزيدي حمل قراءة الجمهور بالضم على ذلك، وتعقب بأن فعلاء لا يجمع على فعل بضمتين، ومنه يعلم ضعف القيل إذ الأصل توافق القراآت. وقرأ ابن عباس وابن المسيب وابن جبير {خَشَب} بفتحتين كمدرة ومدر وهو اسم جنس على ما في «البحر»، ووصفه بالمؤنث كما في قوله تعالى: { أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 7]. {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } أي واقعة عليهم ضارة لهم لجبنهم وهلعهم فكانوا كما قال مقاتل: متى سمعوا بنشدان ضالة أو صياحاً بأي وجه كان طارت عقولهم وظنوا ذلك إيقاعاً بهم، وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله عز وجل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم؛ ومنه أخذ جرير قوله يخاطب الأخطل: شعر : مازلت تحسب كل شيء بعدهم خيلاً تكر عليهم ورجالاً تفسير : وكذا المتنبي قوله: شعر : وضاقت الأرض حتى ظن هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً تفسير : والوقف على {عَلَيْهِمْ } الواقع مفعولاً ثانياً ـ ليحسبون ـ وهو وقف تام كما في الكواشي، وعليه كلام الواحدي. / وقوله تعالى: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } استئناف أي هم الكاملون في العداوة والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي ككثير من أبناء الزمان {فَٱحْذَرْهُمْ } لكونهم أعدى الأعادي ولا تغترن بظاهرهم. وجوز الزمخشري كون {عَلَيْهِمْ } صلة {صَيْحَةٍ } و {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } والمفعول الثاني ـ ليحسبون ـ كما لو طرح الضمير على معنى أنهم يحسبون الصيحة نفس العدو، وكان الظاهر عليه هو أو هي العدو لكنه أتى بضمير العقلاء المجموع لمراعاة معنى الخبر - أعني العدو - بناءاً على أنه يكون جمعاً ومفرداً وهو هنا جمع، وفيه أنه تخريج متكلف بعيد جداً لا حاجة إليه وإن كان المعنى عليه لا يخلو عن بلاغة ولطف، ومع ذلك لا يساعد عليه ترتب {فَٱحْذَرْهُمْ } لأن التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن. {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } أي لعنهم وطردهم فإن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها، وكذلك الطرد عن رحمة الله تعالى والبعد عن جنابه الأقدس منتهى عذابه عز وجل وغاية نكاله جل وعلا في الدنيا والآخرة. والكلام دعاء وطلب من ذاته سبحانه أن يلعنهم ويطردهم من رحمته تعالى، وهو من أسلوب التجريد فلا يكون من إقامة الظاهر مقام الضمير لأنه يقوت به نضارة الكلام، أو تعليم للمؤمنين أن يدعو عليهم بذلك فهو على معنى قولوا: قاتلهم الله، وجوز أن لا يكونوا من الطلب في شيء بأن يكون المراد أن وقوع اللعن بهم مقرر لا بد منه. وذكر بعضهم أن قاتله الله كلمة ذم وتوبيخ، وتستعملها العرب في موضع التعجب من غير قصد إلى لعن، والمشهور تعقيبها بالتعجب نحو قاتله الله ما أشعره، وكذا قوله سبحانه هنا: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ }. {أَنّى يُؤْفَكُونَ } وهذا تعجيب من حالهم، أي كيف يصرفون عن الحق إلى ما هم عليه من الكفر والضلال؟ فأنى ظرف متضمن للاستفهام معمول لما بعده، وجوز ابن عطية كونه ظرفاً ـ لقاتلهم ـ وليس هناك استفهام، وتعقبه أبو حيان بأن {أَنّى } لا تكون لمجرد الظرفية أصلاً، فالقول بذلك باطل.

ابن عاشور

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}. هذا انتقال إلى وضَحْ بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها تبرز من مشاهدتهم، فكان الوضح الأول مفتتحاً بـ{ أية : إذا جاءك المنافقون}تفسير : [المنافقون: 1] وهذا الوضح مفتتحاً بـ{إذا رأيتهم}. فجملة {وإذا رأيتهم} معطوفة على جملة {أية : فهم لا يفقهون}تفسير : [المنافقون: 3] واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم. واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترَار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية: شعر : لابأس بالقوم من طُول ومن غلظ جِسم البغال وأحلام العصافِير تفسير : وتفيد مع الاحتراس تنبيهاً على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من الجملتين لصح وقوعهما موقع الاستئناف الابتدائي. ولكن أوثر العطف للتنبيه على أن هاتين صفتان تحسبان كمالاً وهما نقيصَتان لعدم تناسقهما مع ما شأنُه أن يكون كمالاً. فإن جمال النفس كجمال الخلقة إنما يحصل بالتناسب بين المحاسن وإلا فرّبما انقلب الحسن موجب نقص. فالخطاب في هذه الآية لغير معيّن يشمل كل من يراهم ممن يظن أن تغرّه صورهم فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله قد أطلعه على أحوالهم وأوقفه على تعيينهم فهو كالخطاب الذي في قوله في سورة [الكهف: 18] { أية : لو اطلعتَ عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً}تفسير : والظاهر أن المراد بضمير الجمع واحد معيّن أو عدد محدود إذ يبعد أن يكون جميع المنافقين أحاسن الصور. وعن ابن عباس: كان ابن أُبيّ جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان. وقال الكلبي: المراد ابنُ أُبيّ والجِد بن قَيس ومعتب بن قُشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وقال في الكشاف: وقوم من المنافقين في مثل صفة ابن أُبيّ رؤساء المدينة. وأجسام: جمع جسم بكسر الجيم وسكون السين وهو ما يقصد بالإِشارة إليه أو ما له طُول وعَرض وعُمق. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وزادهُ بَسطة في العلم والجسم}تفسير : في سورة [البقرة: 247]. وجملة {وإن يقولوا تسمع لقولهم} معترضة بين جملة {وإذا رأيتهم} الخ وبين جملة {كأنهم خشب مسندة}. والمراد بالسَّماع في قوله: {تَسْمَعْ لقولهم} الإِصغاء إليهم لحسن إبانتهم وفصاحة كلامهم مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين. فاللام في قوله: {لقولهم} لتضمين {تسمع} معنى: تُصْغ أيها السامع، إذ ليس في الإِخبار بالسماع للقول فائدة لولا أنه ضمن معنى الإِصغاء لوعي كلامهم. وجملة {كأنهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال يَنشأ عن وصف حسن أجسامهم وذَلاقة كلامهم، فإنه في صورة مدح فلا يناسب ما قبله من ذمهم فيترقب السامع ما يَرد بعد هذا الوصف. ويجوز أن تكون الجملة حالاً من ضميري الغيبة في قوله: {رأيتهم تعجبك أجسامهم}. ومعناه أن حسن صورهم لا نفع فيه لأنفسهم ولا للمسلمين. و{خُشُبٌ} بضم الخاء وضم الشين جمع خَشَبة بفتح الخاء وفتح الشين وهو جمع نادر لم يحفظ إلا في ثَمَرة، وقيل: ثُمر جمع ثمار الذي هو جمع ثَمرة فيكون ثُمُر جمعَ جمع. فيكون خُشب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده. ويقال: خُشْب بضم فسكون وهو جمع خشبة لا محالة، مثل: بُدْن جمع بدنة. وقرأه الجمهور بضمتين. وقرأه قنبل عن ابنِ كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوبُ بضمة فسكون. والمسنَّدة التي سُندت إلى حائط أو نحوه، أي أميلت إليه فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سَقف ولا مشدود بها جدار. شُبهوا بالخُشُب المسنَّدة تشبيه التمثيل في حُسن المرأى وعدم الجَدوى، أفيد بها أن أجسامهم المعجَب بها ومقالَهم المصغى إليه خاليان عن النفع كخُلوّ الخُشب المسنَّدة عن الفائدة، فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لبّ وشجاعة وعلم ودراية. وإذا اختبرتموهم وجدّتموهم على خلاف ذلك فلا تحْتفلوا بهم. {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}. هذه الجملة بمنزلة بدل البعض من مضمون جملة {كأنهم خشب مسندة}، أي من مخالفة باطنهم المشوه للظاهر المموّه، أي هم أهل جبن في صورة شجعان. وهذا من جملة ما فضحته هذه السورة من دخائلهم ومطاوي نفوسهم كما تقدم في الآيات السابقة وإن اختلفت مواقعها من تفنن أساليب النظم، فهي مشتركة في التنبيه على أسرارهم. والصيحة: المرة من الصياح، أي هم لسوء ما يضمرونه للمسلمين من العداوة لا يزالون يتوجّسون خيفة من أن ينكشف أمرهم عند المسلمين فهم في خوف وهلع إذا سمعوا صيحة في خصومة أو أنشدت ضالة خشُوا أن يكون ذلك غارة من المسلمين عليهم للإِيقاع بهم. و{كلّ} هنا مستعمل في معنى الأكثر لأنهم إنما يتوجّسون خوفاً من صيحات لا يعلمون أسبابها كما استعمله النابغة في قوله: شعر : بها كل ذيَّال وخنساءَ ترعوي إلى كُلّ رَجَّاف من الرمل فارد تفسير : وقوله: {عليهم} ظرف مستقر هو المفعول الثاني لفعل {يحسبون} وليس متعلقاً بـ{صيحة}. {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ}. يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة {يحسبون كل صيحة عليهم} لأن تلك الجملة لغرابة معناها تثير سؤالاً عن سبب هلعهم وتخوفهم من كلّ ما يتخيَّل منه بأس المسلمين فيجاب بأن ذلك لأنهم أعداء ألِدّاءُ للمسلمين ينظرون للمسلمين بمرآة نفوسهم فكما هم يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتمنون الوقيعة بهم في حين يظهرون لهم المودة كذلك يظنون بالمسلمين التربص بهم وإضمار البطش بهم على نحو ما قال أبو الطيب: شعر : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتاده من توهم تفسير : ويجوز أن تكون الجملة بمنزلة العلة لِجملة {يحسبون كل صيحة عليهم} على هذا المعنى أيضاً. ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لِذكر حالة من أحوالهم تهُم المسلمين معرفتُها ليترتب عليها تفريع {فاحذرهم} وعلى كل التقادير فنظم الكلام وافٍ بالغرض من فضح دخائلهم. والتعريف في {العدوّ} تعريف الجنس الدال على معيّن كمال حقيقة العدوّ فيهم، لأن أعدى الأعادي العدوّ المتظاهر بالموالاة وهو مداح وتحت ضلوعه الداء الدوي. وعلى هذا المعنى رتب عليه الأمر بالحذر منهم. و{العدوّ}: اسم يقع على الواحد والجمع. والمراد: الحذر من الاغترار بظواهرهم الخلابة لئلا يُخلص المسلمون إليهم بسرهم ولا يتقبلوا نصائحهم خشية المكائد. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليبلغه المسلمين فيحذروهم. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. تذييل فإنه جمع على الإِجمال ما يغني عن تعداد مذامّهم (كقوله {أية : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم}تفسير : [النساء: 63])، مسوق للتعجيب من حال توغلهم في الضلالة والجهالة بعُدولهم عن الحق. فافتتح التعجيب منهم بجملة أصلها دعاء بالإِهلاك والاستئصال ولكنها غلب استعمالها في التعجب أو التعجيب من سوء الحال الذي جرّهُ صاحبه لنفسه فإن كثيراً من الكَلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروهٍ مثل قولهم: ثكلته أمهُ، ووَيلُ أمّه. وتَربتْ يمينه. واستعمال ذلك في التعجب مجاز مرسل للملازمة بين بُلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه، ثم الملازمةِ بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال. فهي ملازمة بمرتبتين كنايةٌ رمزية. و{أنَّى} هنا اسم استفهام عن المكان. وأصل {أنَّى} ظرف مكان وكثر تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر بمعنى (كيفَ) كقوله تعالى: { أية : قلتم أنى هذا}تفسير : في سورة [آل عمران: 165]، وفي قوله: {أية : أنَّى لهم الذكرى}تفسير : في سورة [الدخان: 13]. ومنه قوله هنا {أنَّى يؤفكون}، والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن يستفهم عن حال حصوله. فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته.فجملة {أنى يؤفكون} بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة {قاتلهم الله}. و{يؤفكون} يُصرفون يقال: أفَكَه، إذا صرفه وأبعده، والمراد: صرفهم عن الهدى، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى، أو كيف أمكن لمضلليهم أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله. وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ}. فيه ما يشعر بحصر العداوة في المنافقين مع وجودها في المشركين واليهود، ولكن إظهار المشركين شركهم، وإعلان اليهود كفرهم مدعاة للحذر طبعاً. أما هؤلاء فادعاؤهم الإيمان وحلفهم عليه، قد يوحي بالركون إليه ولو رغبة في تأليفهم. فكانوا أولى بالتحذير منهم لشدة عداوتهم ولقوة مداخلتهم مع المسلمين، مما يمكنهم من الاطلاع على جميع شؤونهم. وقد جاء في آخر السورة كله كاشفاً لحقيقتهم ومبيناً شدة عداوتهم سواء في قولهم {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}تفسير : [المنافقون: 7] أو في تآمرهم على المسلمين في قولهم: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}تفسير : [المنافقون: 8].

د. أسعد حومد

تفسير : {قَاتَلَهُمُ} (4) - وَإِذَا رَأَيْتَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تُعْجِبُكَ صُوَرُهُمْ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا تُعْجِبُكَ أَقْوَالُهُمْ لأَِنَّهُمْ ذَوُو صُورٍ مُتَنَاسِقَةٍ، وَذَوُو لَسَنٍ وَفَصَاحَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ أَشْبَاحٌ بِلاَ أَرْوَاحٍ، وَقُلُوبُهُمْ فَارِغَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ فَكَأَنَّهُمْ خُشُبٌ جَوْفَاءُ قَدْ نَخَرَ السُّوسُ دَاخِلَهَا، وَهُمْ فِي غَايَةِ الهَلَعِ وَالجَزَعِ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَوْتٍ يَقَعُ أَنَّ البَلاَءَ قَدْ جَاءَهُمْ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ قَدِ افْتَضَحَ، وَأَنَّهُمْ هَالِكُونَ لاَ مَحَالَةَ. وَهَؤُلاَءِ هُمُ الأَعْدَاءُ الحَقِيقِيُّونَ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ فَلاَ تَأْمَنْهُمْ عَلَى سِرٍّ، لأَِنَّ قُلُوبَهُمْ مُتَحَرِّقَةٌ حَسَداً وَبُغْضاً، لَعَنَهُمُ اللهُ وَطَرَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَمَا أَقْبَحَ حَالَهُمْ، وَمَا أَشَدَّ غَفْلَتَهُمْ، فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ، وَعَنِ الإِيْمَانِ إِلَى الكُفْرِ؟. خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ - أَخْشَابٌ مُسَنَّدَةٌ إِلَى الحَائِطِ. هُمُ العَدُوُّ - هُمُ الرَّاسِخُونَ فِي العَدَاوَةِ. أَنَّى يُؤْفَكُونَ - كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِ إِلَى البَاطِلِ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} معناه جَماعةُ الخَشَبِ. وقوله تعالى: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} معناه لَعَنهُم الله {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} معناه يُدفَعُون ويُصرَفُون.