Verse. 5193 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

وَاِذَا قِيْلَ لَہُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُوْلُ اللہِ لَوَّوْا رُءُوْسَہُمْ وَرَاَيْتَہُمْ يَصُدُّوْنَ وَہُمْ مُّسْـتَكْبِرُوْنَ۝۵
Waitha qeela lahum taAAalaw yastaghfir lakum rasoolu Allahi lawwaw ruoosahum waraaytahum yasuddoona wahum mustakbiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قيل لهم تعالوا» معتذرين «يستغفر لكم رسول الله لوّوا» بالتشديد والتخفيف عطفوا «رؤوسهم ورأيتهم يصدون» يعرضون عن ذلك «وهم مستكبرون».

5

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم. فَلَوَّوْا رءوسهم؛ أي حَرّكوها استهزاء وإباء؛ قاله ابن عباس. وعنه أنه كان لعبد الله بن أبيّ موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله؛ فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان، فأتِه يستغفر لك؛ فأبى وقال: لا أذهب إليه. وسبب نزول هذه الآيات: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم غزا بني المُصطلِق على ماء يقال له «المُرَيْسِيع» من ناحية «قُدَيد» إلى الساحل، فازدحم أجير لعمر يقال له: «جَهْجَاه» مع حَليف لعبد الله بن أُبَيّ يقال له: «سِنان» على ماء «بالمُشلِّل»، فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سِنان بالأنصار؛ فلَطَم جهجاه سناناً فقال عبد الله بن أُبيّ: أوقد فعلوها! والله ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلا كما قال الاول: سَمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنّ الأعَزُّ ـ يعني أُبَيّاً ـ الأذل؛ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. ثم قال لقومه: كُفُّوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على مَن عندَه حتى ينفضوا ويتركوه. فقال زيد بن أَرْقَم ـ وهو من رهط عبد الله ـ أنت والله الذليل المُنتَقَص في قومك؛ ومحمد صلى الله عليه وسلم في عِزّ من الرحمن ومودّة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبداً. فقال عبد الله: اسكت إنما كنت ألعب. فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله؛ فأقسم بالله ما فعل ولا قال؛ فعذره النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال زيد: فوجدت في نفسي ولاَمَني الناس؛ فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك؛ فألوى برأسه، فنزلت الآيات. خرّجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه. وقد تقدم أول السورة. وقيل: {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ} يستتبكم من النفاق؛ لأن التوبة استغفار. {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان. وقرأ نافع «لَوَوْا» بالتخفيف. وشدد الباقون؛ واختاره أبو عبيد وقال: هو فعل لجماعة. النحاس: وغلط في هذا؛ لأنه نزل في عبد الله بن أُبَيّ لما قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم حَرّك رأسه استهزاء. فإن قيل: كيف أخبر عنه بفعل الجماعة؟ قيل له: العرب تفعل هذا إذا كنّت عن الإنسان. أنشد سِيبويه لحسان:شعر : ظننتم بأن يَخْفى الذي قد صنعتُم وفينا رسولٌ عنده الوَحْي واضِعُهْ تفسير : وإنما خاطب حَسّان ابن الأبيَرق في شيء سَرَقه بمكة. وقصته مشهورة. وقد يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله. وقيل: قال ابن أُبَيّ لما لَوَى رأسه: أمرتموني أن أومِن فقد آمنت، وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت؛ فما بقي إلا أن أسجد لمحمد!.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المنافقين عليهم لعائن الله: أنهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم؛ استكباراً عن ذلك، واحتقاراً لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} ثم جازاهم على ذلك، فقال تعالى: { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} كما قال في سورة براءة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وإيراد الأحاديث المروية هنالك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} قال ابن أبي عمر: وحوَّل سفيان وجهه على يمينه، ونظر شزراً، ثم قال: هو هذا. وقد ذكر غير واحد من السلف: أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي ابن سلول؛ كما سنورده قريباً إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، يعني: مرجعه من أحد، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شرفاً له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفاً، إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعززوه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، يعني: مرجعه بثلث الجيش، ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس، أي عدو الله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس، وهو يقول: والله لكأنما قلت بجراً، أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد، فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجراً، أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي. وقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام، فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يلوي رأسه، أي: لست فاعلاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً، لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك، بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: ليخرجن الأعز منها الأذل، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي: ائت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك، فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} - إلى قوله - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر، بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق. وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم هناك، اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيراً لعمر بن الخطاب، وسنان بن وبر، قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبَّان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: ما صنعتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم، لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم رضي الله عنه، فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو غُليم - عنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبره الخبر، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمداً يقتل أصحابه؟ لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل» تفسير : . فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال: ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم، ولم يثبت ما قال الرجل. وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجراً في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير رضي الله عنه، فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل» تفسير : قال: فأنت يا رسول الله العزيز، وهو الذليل. ثم قال: ارفق به يا رسول الله فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوِّجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا، وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض، فناموا ونزلت سورة المنافقين. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار! وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة»تفسير : وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» تفسير : . ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي عن سفيان بن عيينة، ورواه البخاري عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان، به نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي، وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيباً حزيناً، قال: فأرسل إلي نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله قد أنزل عذرك وصدقك» تفسير : قال: فنزلت هذه الآية: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} حتى بلغ {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}. ورواه البخاري عند هذه الآية عن آدم بن أبي إياس عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة عن الأعمش عن عمرو عن ابن أبي ليلى عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضاً من حديث شعبة، به. (طريق أخرى عن زيد) قال الإمام أحمد، رحمه الله، حدثنا يحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بُكير قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال ابن أبي بكير: عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك قال: حتى أنزل الله: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} قال: فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي، ثم قال: «حديث : إن الله قد صدقك»تفسير : . ثم قال أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق: أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قالوا، فأنزل الله تصديقي: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} قال: ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} قال: كانوا رجالاً أجمل شيء. وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير، ورواه البخاري أيضاً والترمذي من حديث إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي عن زيد، به. (طريق أخرى عن زيد) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا إليه، فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي، فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبته، فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد، فائتوا محمداً بالطعام، فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة، فليخرج الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف عمي، قال: فسمعت عبد الله بن أبي يقول ما قال، فأخبرت عمي، فانطلق، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، قال: فجاء إلي عمي، فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط، قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وقد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ما قال شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر، ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أن أصبحنا، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين. انفرد بإخراجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله: "سورة المنافقين": {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} حتى بلغ {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} حتى بلغ {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}. وقد روى عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضاً هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام عبد الله ابن أبي ابن سلول إنما هو أوس بن أرقم من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل، أخبرني محمد بن مسلم: أن عروة بن الزبير، وعمرو بن ثابت الأنصاري أخبراه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي، فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم، فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي ابن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع، فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب، وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب، فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل. قال مالك بن الدخشُم، وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا؟ فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل يمشي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبدَ الله بن أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «حديث : أوَ قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» تفسير : قال عمر: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجلس» تفسير : فأقبل أسيد بن الحضير، وهو أحد الأنصار، ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أوَقاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» تفسير : قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله، لأضربن بالسيف تحت قُرط أذنيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اجلس» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آذنوا بالرحيل» تفسير : فَهجَّر بالناس، فسار يومه وليلته والغد حتى مَتَع النهار، ثم نزل، ثم هجَّر بالناس مثلها، فَصبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشَّلل. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أرسل إلى عمر فدعاه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟» تفسير : قال عمر: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والله لو قتلته يومئذ، لأرغمت أنوف رجال، لو أمرتهم اليوم بقتله، امتثلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً» تفسير : وأنزل الله عز وجل: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} إلى قوله تعالى {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ} الآية. وهذا سياق غريب، وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عاصم ابن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه، أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا»تفسير : وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي، قال له ابنه: وراءك! فقال: مالك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إنما يسير ساقة، فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إذا أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فَجُز الآن. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز، وأنا الأذل، قال: وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فو الذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه، لأتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ } معتذرين {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ } بالتشديد والتخفيف عطفوا {رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عن ذلك {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }.

الماوردي

تفسير : {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله} الآية. روى سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغة أن ابن أُبَيّ قال: لئن رجعنا إلى المدينة لِيُخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فارتحل قبل أن ينزل آخرُ الناس، وقيل لعبد الله بن أُبيّ: ائت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك، فلوى رأسه، وهذا معنى قوله: {لوَّوْا رؤوسَهم} إشارة إليه وإلى أصحابه، أي حركوها، وأعرضوا يمنة ويسرة إلى غير جهة المخاطب ينظرون شزراً. ويحتمل قولاً ثانيا: أن معنى قوله {يستغفر لكم رسول الله} يستتيبكم من النفاق لأن التوبة استغفار. وفيما فعله عبد الله بن أبيّ حين لوى رأسه وجهان: أحدهما: أنه فعل ذلك استهزاء وامتناعاً من فعل ما دعي إليه من إتيان الرسول للاستغار له، قاله قتادة. الثاني: أنه لوى رأسه بمعنى ماذا قلت، قاله مجاهد. {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} فيه وجهان: أحدهما: يمتنعون، قال الشاعر: شعر : صدَدْتِ الكاسَ عنا أُمَّ عمرو وكان الكأسُ مجراها اليمينا تفسير : الثاني: يعرضون، قال الأعشى: شعر : صَدَّقَ هُرَيْرةُ عنّا ما تُكَلِّمنا جَهْلاً بأُمّ خُلَيْدٍ حبل من تصل تفسير : وفيما يصدون عنه وجهان: أحدهما: عما دُعوا إليه من استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم. الثاني: عن الإخلاص للإيمان. {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: متكبرون. الثاني: ممتنعون. {هم الذين يقولون لا تُنفِقوا على مَنْ عِندَ رسولِ الله} الآية يعني عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انكفائه من غزاة بني المصطلق في شعبان سنة ست نزل على ماء المريسيع، فتنازع عليه جهجاه، وكان مسلماً وهو رجل من غفار، ورجل يقال له سنان، وكان من أصحاب عبد الله بن أُبي، فلطمه جهجاه، فغضب له عبد الله بن أُبيّ وقال: يا معاشر الأوس والخزرج ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، أوطأنا هذا الرجلَ ديارنا وقاسمْناهم أموالَنا ولولانا لانفضوا عنه، ما لهم، رد الله أمرهم إلى جهجاه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم وكان غلاماً، فأعاده على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر له قومه، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. {ولله خزائن السموات والأرض} فيه وجهان: أحدهما: خزائن السموات: المطر، وخزائن الأرضين: النبات. الثاني: خزائن السموات: ما قضاه، وخزائن الأرضين: ما أعطاه. وفيه لأصحاب الخواطر (ثالث): أن خزائن السموات: الغيوب، وخزائن الأرض القلوب.

ابن عطية

تفسير : كان أمر عبد الله بن أبي ابن سلول، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء سبق إليه المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعض الغلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلت فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون ومن لا يتحرى يسمي المهاجرين الجلابيب ومنه قول حسان بن ثابت: [البسيط] شعر : أرى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن القريعة أمسى بيضة البلد تفسير : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتحض علينا يا حسان" تفسير : ثم إن الجهحاه الغفاري كان أجيراً لعمر بن الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن وبرة الجهني وكان حليفاً للأوس فكسع الجهجاه سناناً، فغضب سنان فتأثروا، ودعا الجهجاه: يا للمهاجرين، ودعا سنان: يا للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ما بال دعوى الجاهلية" تفسير : ،فلما أخبر بالقصة، قال: "حديث : دعوها فإنها منتنة". تفسير : واجتمع في الأمر عبد الله بن أبيّ في قوم من المنافقين، وكان معهم زيد بن أرقم فتى صغيراً لم يتحفظ منه، فقال عبد الله بن أبي: أوَقَد تداعوا علينا فوالله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وقال بهم: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}، وقال لهم: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفروا، فذهب زيد بن أرقم إلى عمه وكان في حجره وأخبره، فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا زيد، غضبت على الرجل أو لعلك وهمت" تفسير : ،فأقسم زيد ما كان شيء من ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبيّ ما حكى، فعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف ما قال، وكذّب زيداً، وحلف معه قوم من المنافقين، فكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، وصدق عبد الله بن أبي، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياء من الناس، فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيد وقال له: "حديث : لقد صدقك الله يا زيد ووفت أذنك" تفسير : ،فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، ومقته الناس، ولامه المؤمنون من قومه وقال بعضهم: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم عليّ بأن أعطي زكاة من مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. قال القاضي أبو محمد: فهذا هو قصص هذه السورة موجزاً، و "تعال" نداء يقتضي لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل، ثم استعمل لكل داع لما فيه من حسن الأدب. وقرأ نافع والمفضل عن عاصم "لووا" بتخفيف الواو، وهي قراءة الحسن بخلاف ومجاهد، وأهل المدينة، وقرأ الباقون وأبو جعفر والأعمش: "لوّوا" بشد الواو على تضعيف المبالغة، وهي قراءة طلحة وعيسى وأبي رجاء وزر والأعرج، وقرأ بعض القراء هنا: "يصِدون" بكسر الصاد، والجمهور بضمها، وقوله تعالى: {سواء عليهم} الآية، روي أنه لما نزلت: {أية : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لهم} تفسير : [التوبة: 80]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأزيدن على السبعين" تفسير : ،وفي حديث آخر: "حديث : لو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت" تفسير : ،فكأنه عليه السلام رجا أن هذا الحد ليس على جهة الحتم جملة، بل على أن ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما فعلوا شدد الله تعالى عليهم في هذه السورة، وأعلم أنه لن يغفر لهم دون حد في الاستغفار، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أعلم أني إن زدت غفر لهم" تفسير : نص على رفض دليل الخطاب. وقرأ جمهور الناس: "أستغفرت" بالقطع وألف الاستفهام، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "آستغفرت" بمدّ على الهمزة وهي ألف التسوية، وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كله ضعف لأنه في الأولى: أثبت همزة الوصل، وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية: حذف همزة الاستفهام وهو يريدها وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر. وقوله تعالى: {هم الذين} أشار عبد الله بن أبي ومن قال بقوله، قاله علي بن سليمان ثم سفه أحلامهم في أن ظنوا إنفاقهم هو سبب رزق المهاجرين ونسوا أن جريان الرزق بيد الله تعالى، إذا انسد باب انفتح غيره، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: "حتى يُنفِضْوا" بضم الياء وتخفيف الفاء، يقال: "أنفَضَ" الرجل إذا فني طعامه فنفض وعاءه والخزائن موضع الإعداد، ونجد القرآن قد نطق في غير موضع بالخزائن ونجد في الحديث: "حديث : خزنة الربح"تفسير : وفي القرآن: {أية : من جبال فيها من برد} تفسير : [النور: 43]، فجائز أن تكون هذه عبارة عن القدرة وأن هذه الأشياء إيجادها عند ظهورها جائز. وهو الأظهر. إن منها أشياء مخلوقة موجودة يصرفها الله تعالى حيث شاء، وظواهر ألفاظ الشريعة تعطي هذا. ومعناه في التفسير قال عتت على الخزان، وفي الحديث: "حديث : ما انفتح من خزائن الربح على قوم عاد إلا قدر حلقة الخاتم، ولو انفتح مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا" تفسير : ،وقال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل، فقرأ: {ولله خزائن السماوات والأرض}، وقال الجنيد: {خزائن} السماء: الغيوب، و {خزائن} الأرض: القلوب: وقرأ الجمهور: "ليُخرِجن الأعز" بضم الياء وكسر الراء بمعنى أن العزيز يخرج الذليل ويبعده، وقال أبو حاتم: وقرئ "لنَخرُجن" بنون الجماعة مفتوحة، وضم الراء، "الأعزَّ" نصباً منها، "الأذلَّ" أيضاً نصباً على الحال، وذكرها أبو عمر الداني عن الحسن، ورويت هذه القراءة: "لنُخرِجن" بضم النون وكسر الراء، وقرأ قوم فيما حكى الفراء والكسائي، وذكرها المهدوي: "ليَخرُجن الأعز منها الأذلَّ" بفتح الياء وضم الراء. ونصب "الأذلَّ" على الحال بمعنى: أن نحن الذين كنا أعزة سنخرج أذلاء، وجاءت هذه الحال معرفة، وفيها شذوذ، وحكى سيبويه: أدخلوا الأول فالأول، ثم أعلم تعالى أن العزة لله وللرسول وللمؤمنين، وفي ذلك وعيد، وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان رجلاً صالحاً لما سمع الآية، جاء إلى أبيه فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، فلما وصل الناس إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت إلى منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبي في أذل الرجال، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه أن خلّه يمض إلى منزله، فقال: أما الآن فنعم، فمضى إلى منزله.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَوَّوْاْ} لما [كانت غزوة تبوك] قال ابن أُبي {لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} فارتحل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل الناس فقيل لابن أُبيَّ ائت الرسول حتى يستغفر لك فلوَّى رأسه استهزاءً وامتناعاً من إتيانه، أو لوَّاه بمعنى ماذا قلت. {يَصُدُّونَ} يمتنعون، أو يعرضون عما دعوا إليه من استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن إخلاص الإيمان {مُّسْتَكْبِرُونَ} متكبرون أو ممتنعون.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبيرحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً في السفر لم يرتحل منه حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلاً، فقال عبدالله بن أبي‏ّ:‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحل ولم يصل، فذكروا ذلك فذكر قصة ابن أبيّ، ونزل القرآن ‏{‏إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله‏}‏ وجاء عبدالله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يعتذر ويحلف ما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له‏: تب، فجعل يلوي رأسه تفسير : ، فأنزل الله عز وجل ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم‏} ‏ قال‏:‏ عبدالله بن أبيّ بن سلول، قيل له‏:‏ تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى رأسه وقال‏:‏ ماذا قلت‏؟‏‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم‏} ‏ قال‏:‏ حركوها استهزاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية، قال‏:‏ نزلت في عبدالله بن أبيّ وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحديث وتكذيب شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذلوه، وقيل لعبدالله رضي الله عنه‏:‏ لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغفر لك فجعل يلوي رأسه، ويقول‏:‏ لست فاعلاً وكذب علي، فأنزل الله ما تسمعون‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الحكم عن عكرمة ‏حديث : أن عبدالله بن أبيّ بن سلول كان له ابن يقال له حباب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، فقال يا رسول الله‏:‏ إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏ "لا تقتل أباك‏" ثم جاءه أيضاً، فقال له‏:‏ يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏لا تقتل أباك" ثم جاءه أيضا فقال‏:‏ يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني أقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لا تقتل أباك" فقال‏:‏ يا رسول الله فذرني حتى أسقيه من وضوئك لعل قلبه يلين، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه، فذهب به إلى أبيه فسقاه ثم قال له‏:‏ هل تدري ما سقيتك‏؟‏ قال له والده‏:‏ سقيتني بول أمك، فقال له ابنه‏:‏ والله ولكن سقيتك وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . قال عكرمة‏:‏ وكان عبدالله بن أبيّ عظيم الشأن، وفيه أنزلت هذه الآية في المنافقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وهو الذي قال‏:‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال الحكم‏:‏ ثم حدثني بشر بن مسلم أنه قيل له‏:‏ يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال‏:‏ أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد‏ .‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال‏:‏ كان لعبدالله بن أبيّ مقام يقومه كل جمعة لا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب قام فقال‏:‏ أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله به، وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا‏:‏ اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام بأهل‏.‏ قد صنعت ما صنعت‏.‏ فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول‏:‏ والله لكأني قلت هجراً أن قمت أسدد أمره، فقال له رجل‏:‏ ويحك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق‏:‏ والله لا أبغي أن يستغفر لي‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ حديث : لما نزلت آية براءة {‏استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}‏ ‏[التوبة: 80‏] قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏اسمع ربي‏ قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم‏" فنزلت ‏ {‏سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عروة قال‏:‏حديث : لما نزلت {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم‏} [التوبة: 80‏]‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏لأزيدن على السبعين‏" فأنزل الله ‏{‏سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم‏} ‏ الآية‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الأية ‏ {‏هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا‏} ‏ في عسيف لعمر بن الخطاب‏. وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم وعبدالله بن مسعود أنهما كانا يقرآن ‏ {‏لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله‏} ‏ قال‏:‏ إن عبدالله بن أبيّ قال لأصحابه‏:‏ لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏} ‏ قال‏:‏ قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا أحدهما غفاري والآخر جهني، فظهر الغفاري على الجهني، وكان بين جهينة وبين الأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين‏:‏ وهو عبدالله بن أبيّ، يا بني الأوس والخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم‏.‏ ثم قال‏:‏ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل‏:‏ سمن كلبك يأكلك‏.‏ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏.‏ فسعى بها بعضهم إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر‏:‏ يا نبي الله مر معاذاً أن يضرب عنق هذا المنافق‏.‏ فقال‏:‏ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه‏.‏ وذكر لنا أنه كثر على رجلين من المنافقين عنده فقال عمر‏:‏ هل يصلي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ولا خير في صلاته‏.‏ قال نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا‏}‏ يقول‏:‏ لا تطعموا محمداً وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة فيتركوا نبيهم وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏} ‏ قال‏:‏ قال ذلك عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين وأناس معه من المنافقين‏. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، قال سفيان‏:‏ يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المنافقين رجلاً من الأنصار‏ فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏: ما بال دعوى الجاهلية‏؟ قالوا‏:‏ رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏دعوها فإنها منتنة‏" فسمع ذلك عبدالله بن أبيّ، فقال‏:‏ أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏.‏ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"‏ زاد الترمذي، فقال له ابن عبدالله‏:‏ والله لا تنقلب حتى تَقِرَّ أنك الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل‏ . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غفار في الطريق كلام، فقال عبدالله بن أبيّ‏:‏ هنيئاً، لكم بأس، هنيئاً جمعتم سوّاق الحجيج من مزينة وجهينة فغلبوكم على ثماركم، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ لما حضر عبدالله بن أبيّ الموت قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى بينهما كلام، فقال له عبدالله بن أبي‏ّ:‏ قد أفقه ما تقول، ولكن منَّ عليَّ اليوم وكفّنّي بقميصك هذا وصلّ عليّ. قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقميصه، وصلى عليه والله أعلم أي صلاة كانت، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنساناً قط، غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة، فسئل عكرمة رضي الله عنه ما هذه الكلمة‏؟‏ قال‏:‏ قالت له قريش‏:‏ يا أبا حباب إنا قد منعنا محمداً طواف هذا البيت، ولكنا نأذن لك، فقال‏:‏ لا لي في رسول الله أسوة حسنة‏.‏ قال‏:‏ فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف ثم قال لوالده‏:‏ أنت تزعم لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج الحميدي في مسنده عن أبي هارون المدني قال‏:‏ قال عبدالله بن عبدالله بن أبيّ لأبيه‏:‏ والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل‏.‏ وأخرج الطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه‏:‏ لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق قام عبدالله بن عبدالله بن أبيّ فسلّ على أبيه السيف، وقال‏:‏ والله عليّ أن لا أغمده حتى تقول‏:‏ محمد الأعز وأنا الأذل‏.‏ فقال‏:‏ ويلك محمد الأعز وأنا الأذل. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، وشكرها له‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ لما قدموا المدينة سلّ عبدالله بن عبدالله بن أبيّ على أبيه السيف وقال‏:‏ لأضربنك أو تقول‏:‏ أنا الأذل ومحمد الأعز‏.‏ فلم يبرح حتى قال ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة بن الزبير رضي الله عنه حديث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار، فقال غلمان من المهاجرين‏:‏ يا للمهاجرين، وقال غلمان من الأنصار‏:‏ يا للأنصار، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ بن سلول فقال‏:‏ أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏.‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالرحيل، فأدرك ركباً من بني عبد الأشهل في المسير، فقال لهم‏: "‏ألم تعلموا ما قال المنافق عبدالله بن أبي‏؟" قالوا‏:‏ وماذا قال‏:‏ يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ "قال أما والله لو لم تنفقوا عليهم لانفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‏ "قالوا‏:‏ صدق يا رسول الله، فأنت والله الأعز العزيز وهو الذليل‏ . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معسكراً وأن رجلاً من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام حتى اشتد الأمر بينهما، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ، فخرج فنادى‏:‏ غلبني على قومي من لا قوم له، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ سيفه ثم خرج عامداً ليضربه، فذكر هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏} ‏[الحجرات: 1‏]‏ فرجع حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: ما لك يا عمر‏؟‏ قال‏:‏ العجب من ذلك المنافق، يقول غلبني على قومي من لا قوم له، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قم فناد في الناس يرتحلوا، فارتحلوا فساروا حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة، فعجل عبدالله بن عبدالله بن أبيّ حتى أناخ بجامع طرق المدينة، ودخل الناس حتى جاء أبوه عبدالله بن أبيّ فقال‏:‏ وراءك‏.‏ فقال‏:‏ ما لك ويلك‏؟‏ قال‏:‏ والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله، وليعلمن اليوم من الأعز من الأذل‏.‏ فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ما صنع ابنه. فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خلِّ عنه حتى يدخل ففعل، فلم يلبثوا إلا أياماً قلائل حتى اشتكى عبدالله فاشتد وجعه فقال لابنه عبدالله‏:‏ يا بني ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه فإنك إذ أنت طلبت ذلك إليه فعل‏.‏ ففعل ابنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له‏:‏ يا رسول إن عبدالله بن أبيّ شديد الوجع، وقد طلب إليّ أن آتيك فتأتيه فإنه قد اشتاق إلى لقائك، فأخذ نعليه فقام، وقام معه نفر من أصحابه حتى دخلوا عليه، فقال لأهله حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أجلسوني، فأجلسوه فبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أجزعاً يا عدو الله الآن‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكن دعوتك لترحمني، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما حاجتك‏؟ قال‏:‏ حاجتي إذا أنا مت أن تشهد غسلي وتكفني في ثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي، وتصلي عليّ. ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية بعد {ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} [‏التوبة: 84]‏ .

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}. سمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبُّر، وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم.. فخَلِّ سبيلهم؛ فليس للنُّصح فيهم مساغٌ، ولن يُصْحِيَهم من سَكْرَتهم إلاَّ حَرُّ ما سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرارُ من جانبهم فإنهم: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. فقد سبق العِلْمُ بذلك: قوله جل ذكره: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}. كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غيرُ متحقِّقين بتصريف الأيام، فأنْطَقَهُم بما خَامَرَ قلوبَهم مِنْ تَمَنِّي انطفاء نورِ رسول الله، وانتكاث شَمْلِهم، فتواصَوْا فيما بينهم بقولهم: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} فقال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ}. وليس استقلالُك - يا محمد - ولا استقلالُ أصحابِك بالمرزوقين.. بل بالرازق؛ فهو الذي يمسككم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} عند ظهور جنايتهم بطريق النصيحة، در معالم آورده كه بعد از نزول اين آيتها قوم ابن أبى ويرا كفتندابن آيتها درباره تونازل شده برو نزديك رسول خداى تابراى توآمر زش طلبد آن منافق كردن تاب داد وكفت مرا كفتند ايمان آور آوردم تكليف كرديد كه زكاة مال بده دادم همين مانده است كه محمد را سجده مى بايد كرد آيت آمدكه، واذا قيل لهم {تعالوا} اصله تعاليوا فأعل بالقلب والحذف الا ان واحد الماضى تعالى باثبات الالف المقلوبة عن الياء المقلوبة عن الواو الواقعة رابعة وواحد الامر تعالى بحذفها وقفا وفتح اللام واصل معنى التعالى الارتفاع فاذا امرت منه قلت تعالى وتعالوا فتعالوا جمع امر الحاضر فى صورة الماضى ومعناه ارتفعوا فيقوله من كان فى مكان عال لمن هو اسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمم يعنى ثم استعمل فى كل داع يطلب المجيىء فى المفرد وغيره لما فيه من حسن الأدب اى هلموا وائتوا وبالفارسية بياييد باعتذار، ومن الأدب أن لا يقال تعالى فلان او تعاليت يافلان او أنا او فلان متعال باى معنى أريد لانه مما اشتهر به الله فتعالى الله الملك الحق {يستغفر لكم رسول الله} بالجزم جواب الامر اى يدع الله لكم ويطلب منه أن يغفر بلطفه ذنوبكم ويستر عيوبكم وهومن اعمال الثانى لان تعالوا يطلب رسول الله مجرورا بالى اى تعالوا الى رسول الله ويستغفر يطلب فاعلا فاعمل الثانى ولذلك رفعه وحذف من الاول اذ التقدير تعالوا اليه {لووا رؤسهم} يقال لوى الرجل راسه اماله والتشديد للتكثير لكثرة المحال وهى الرؤوس قال فى تاج المصادر التلوية نيك بيجانيدن اى عطفوها استكبارا جنانجة كسى ازمكر وهى روى بتابد وقال القاشانى لضراوتهم بالامور الظلمانية فلا يألفون النور ولا يشتاقون اليه ولا الى الكمالات الانسانية لمسخ الصورة الذاتية {ورأيتهم يصدون} من الصدوود بمعنى الاعراض اى يعرضون عن القائل او عن الاستغفار (وقال الكاشفى) اعراض ميكنند ازرفتن بخدمت حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم وذلك لانجذابهم الى الجهة السفلية والزخارف الدنيوية فلا ميل فى طباعهم الى الجهة العلوية والمعانى الاخروية (وفى المثنوى) شعر : صورت رفعت بود افلاك را معنىء رفعت روان باك را صورت رفعت براى جسمهاست جسما دربيش معنى اسمهاست تفسير : {وهم مستكبرون} عن ذلك لغلبة الشيطنة واستيلاء القوة الوهمية واحتجابهم بالانانية وتصور الخيرية وفى الحديث "حديث : اذا رأيت الرجل لجوجا معجبا برأيه فقد تمت خسارته "

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذا قيل لهم} عند ظهور نفاقهم: {تعالَوا يستغفر لكم رسولُ الله لَووا رؤوسَهم} أي: عطفوا استكباراً. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. {ورأيتهم يصُدُّون} أي: يُعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، {وهم مستكبرون} عن الاعتذار والاستغفار. حديث : رُوي أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المُرَيْسيع ـ وهوماءٌ لهم ـ وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء "جهجاه" أجير لعُمر ـ مع سِنانٍ ـ حليف لعبد الله بن أُبيّ المنافق ـ فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جَهْجَاهاً جُعال من فقراء المهاجرين، ولطم سناناً، فقال ابنُ أُبيّ: أُوَقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمداً إلا لنُلطَم! وما مثلنا ومثلهم إلاَّ كما قائل القائل: سمِّن كلبك يَأكُلْكَ! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم قال لقومه: كُفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تُنفقوا على مَن عنده حتى ينفضُّوا ويتركوه، فسمع ذلك زيدُ بن أرقم، وكان حدثاً، فقال: أنت ـ والله ـ الذليلُ، المبَغَّضُ في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عزّ من الرحمن، وقوةٍ من المسلمين، فقال عبدالله: اسكت، فإنما كنتُ ألعب، فأخبر زيدٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنقَ المنافق! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذن تُرْعَدُ أنوفٌ كثيرة بيثرب" قال: فإن كرهت أن يقتله مُهاجريّ، فمُر به أنصاريًّا، فقال: "فكيف إذا تحدّث الناسُ أنّ محمداً يقتل أصحابه؟" فأرسل صلى الله عليه وسلم له، فأتى، فقال: "أنت صاحب الكلام الذي بلغني"؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلتُ شيئاً من ذلك، وإنّ زيداً لكاذب، وهو قوله: {اتخَذوا أَيمانهم جُنَّة} فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخُنا وكبيرُنا، لا تُصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وَهم، قال زيد: فوجدتُ في نفسي، ولآمَنِي الناسُ، فلزمتُ بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لزيد: "يا غلام إنَّ الله قد صَدَّقك وكذّب المنافقين"تفسير : ، فلما بان كذب عبدالله؛ قيل له: قد نزلت فيك آيٌ شِدادٌ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنتُ، وأمرتموني أن أزكي مَالي، فزكّيتُ، ما بقي لي إلاّ أن أسجد لمحمد، فنزل: {وإذا قيل لهم تعالوا...} الآية، وما بقي إلاّ أياماً حتى اشتكى ومات. قاله النسفي، فانظره، مع أنّ سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها: {أية : وَلآ تُصَلِ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم...}تفسير : [التوبة:84] التي نزلت فيه. قالت تعالى: {سواءٌ عليهم أّسْتغفَرتَ لهم أم لم تستغفرْ لهم}، أي: لا مساغ للنصح فيهم، {لن يغفر اللهُ لهم} أي: ما داموا على النفاق. والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه؛ لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به؛ لكفرهم، أو لأنّ الله لا يغفر لهم أبداً، {إِنَّ اللهَ لا يهدي القوم الفاسقين}؛ لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولاً أولياً. {هم الذين يقولون} للأنصار: {لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضوا}؛ يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدّم، فحقها التقديم قبل قوله: {وإِذا قيل لهم تعالوا} وإنما أُخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدّم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: {ولله خزائنُ السموات والأرض}، فهو رد وإبطال لما زعموا من أنَّ عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أنَّ خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يُعطي مَن يشاء، ويمنع مَن يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهلُ المدينة عنهم، {ولكنَّ المنافقين لا يفقهون}؛ ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يُزيِّن لهم الشيطان. {يقولون لئن رجعنا} من غزوة بني الصطلق {إِلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها} يعني: نفسه ـ لعنه الله ـ {الأذلَّ} يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين؛ لرضاهم به، فردّ تعالى عليهم ذلك بقوله: {وللهِ العِزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين} أي: ولله الغلبة والعزّة، ولِمن أعزّه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أنَّ المَذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثّة من الفقر: ألستُ على الإسلام، وهو العزّ الذي لا ذُلّ معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن عليّ رضي الله عنه: أنّ رجلاً قال له: إنَّ فيك تيهاً؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزّة، وتلا هذه الآية. هـ. {ولكنَّ المنافقينَ لا يعلمون} ذلك؛ لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. رُوي أنَّ ولد عبدالله بن أُبيّ، واسمه عبدالله، حديث : وكان رجلاً صالحاً، لَمَّا سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرّد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلتَ منزلك إلاَّ أن يأذن في ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه: "أن خَلِّه يمضي إلى منزله، وجزاه خيراً"تفسير : فقال: الآن فنعم. هـ. الإشارة: مَن تكبّر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، مَن تكبّر عنهم مات، وفيه بقية مِن النفاق، إذ لا يخلو منه إلاّ بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك مَن منع الناس مِن الإنفاق على أهل النسبة، كائناً ما كانوا، فشُؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، {وللّه خزائن السماوات والأرض} أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يُعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معاً، أو: يمنعهما معاً، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: {وللّه خزائن السماوات والأرض} وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علاّم الغيوب، ومُقلِّب القلوب. وكان الشبلي يقرأ: {وللّه خزائن السماوات والأرض} ويقول: فأين تذهبون. هـ. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. {ولله العزةُ ولرسوله وللمؤمنين}، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزتُه للمؤمنين: نصره إياهم على مَن آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية { أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الكهف:44]، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردتَ أيها العبد أن تكون عزيزاً فارفع همتك عن الخلق، وسُد باب الطمع، وتحلَّ بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيتُ العزّ إلاَّ في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قُذِّر لماضغيك أن يمضغاه فلا بدّ أن يمضغاه، فامضغه ـ ويحك ـ بعز، ولا تمضغه بذل. هـ. ولمّا ذمَّ المنافقين بأمرهم بالإمساك عن الإنفاق أَمَرَ المؤمنين به، وقدَّم الأمر بذكره، تمهيداً، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} كناية عن الانكار والاستكبار {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} يعرضون او يمنعون {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن الاتيان والاعتذار والاستغفار.

الأعقم

تفسير : {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم}، قيل: أمالوها، وقيل: حركوها استهزاء حيث دعوهم إلى الحق {ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} {سواء عليهم استغفرت لهم}، قيل: نزلت الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه وذلك أنه بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لحربهم ولقيهم على مائهم واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وغنموا أموالهم ونساءهم وذراريهم، والناس على اذ وقع بين أجير لعمر بن الخطاب وبين حليف للخزرج مشاجرة بسبب الماء، فصرخ جار عمر بالمهاجرين وصرخ حليف الأنصار بالأنصار، وأعان هذا وهذا بعضهم، فقال عبد الله بن أبي وعنده قومه وفيهم زيد بن أرقم غلام حدث السن: والله ما مثلنا ومثلهم إلا كقول القائل سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، عزا بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال لقومه: هذا فعالكم بأنفسكم فلا تنفقوا عليهم {حتى ينفضّوا} من حول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال زيد بن أرقم: أنت والله الذليل ومحمد في عزة من الرحمان، فأخبر محمداً بذلك، فأرسل إلى عبد الله: "ما هذا الذي بلغنا منك" فحلف أنه لم يقل، فجاء عبد الله بن عبد الله فاستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قتل أبيه فأبى، فلما قدموا المدينة أنزل الله هذه السورة في تكذيب عبد الله وتصديق زيد، وكان عبد الله خارج المدينة، فلما أراد دخولها منعه ابنه وجاء وسيفه مسلول وقال: لا أدعك تدخل حتى يأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول رسول الله الأعز وأنت الأذل وابن الأذل، ففعل، وأذن له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدخول وقال لابنه: "دعه فإنا نحسن معاشرته لمكانك" {ولله خزائن السماوات والأرض} مقدوراته يخلق ما يشاء ويرزقهم من وجه آخر {ولله العزة} لأنه القادر على ما يشاء وللرسول بإظهاره وإعلاء كلمته وللمؤمنين بالنصرة لهم في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالُوا يَسْتَغفِرْ} مجزوم في جواب الامر {لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا} جواب إذا والواو الاولى المفتوحة عين الكلمة ولامها ياء منقلبة الفا محذوفة والواو الثانية الساكنة سكونا حيا وواو الجماعة وشدد غير نافع قيل وغير عاصم الواو الاولى للتكثير والمراد الامالة والاعراض عن الاستغفار استكبارا. {رُؤوسَهُم وَرَأَيْتَهُم يَصُدُّونَ} أي يعرضون عن ذلك {وَهُم} مفتوحة {مُّسْتَكْبِرُونَ} عن الاعتذار.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } أي عطفوها وهو كناية عن التكبر والإعراض على ما قيل؛ وقيل: هو على حقيقته أي حركوها استهزاءاً، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عن القائل أو عن الاستغفار {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن ذلك. روي أنه لما صدق الله تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبـي، مقت الناس ابن أبـي ولامه المؤمنون من قومه، وقال بعضهم له: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أخرجه عبد بن حميد وابن أبـي حاتم « حديث : عن ابن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «تب» فجعل يلوي رأسه فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } » تفسير : الخ، وفي حديث أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بعد نقل القصة إلى أن قال: حتى أنزل الله تعالى تصديقي في { أية : إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } تفسير : [المنافقون: 1] ما نصه فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم، فجمع الضمائر: إما على ظاهره، وإما من باب بنو تميم قتلوا فلاناً، و(إذا) على ما مر، و {يَسْتَغْفِرِ } مجزوم في جواب الأمر، و {رَسُولِ ٱللَّهِ } / فاعل له، ((والكلام على ما في «البحر» من باب الإعمال لأن {رَسُولِ ٱللَّهِ } يطلبه عاملان: {يَسْتَغْفِرِ } و {تَعَالَوْاْ } فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، وجملة {يَصِدُّونَ } في موضع الحال، وأتت بالمضارع ليدل على الاستمرار التجددي، ومثلها في الحالية جملة {هُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ })). وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبـي عبلة والمفضل وأبان عن عاصم والحسن ويعقوب ـ بخلاف عنهما ـ {لووا } بتخفيف الواو، والتشديد في قراءة باقي السبعة للتكثير. ولما نعى سبحانه عليهم إباءهم عن الإتيان ليستغفر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم واستكبارهم أشار عز وجل إلى عدم فائدة الاستغفار لهم لما علم سبحانه من سوء استعدادهم واختيارهم بقوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}.

ابن عاشور

تفسير : هذا حالهم في العناد ومجافاة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِعراض عن التفكر في الآخرة، بَلْهَ الاستعداد للفوز فيها. و{تعالوا} طَلَب من المخاطب بالحضور عند الطالب، وأصله فِعل أمر من التَعالي، وهو تكلف العُلو، أي الصعود، وتنوسي ذلك وصار لمجرد طلب الحضور، فلزم حالة واحدة فصار اسم فِعل، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}تفسير : الآية في سورة [الأنعام: 151]. وهذا الطلب يجعل {تعالوا} مشعر بأن هذه حالة من أحوال انفرادهم في جماعتهم فهي ثالث الأغراض من بيان مختلف أنواع تلك الأحوال، وقد ابتدأت بـ{إذا} كما ابتدىء الغرضان السابقان بـ{إذا} {أية : إذا جاءك المنافقون}تفسير : [المنافقون: 1]. و{أية : إذا رأيتَهم تعجبك أجسامهم}تفسير : [المنافقون: 4]. والقائل لهم ذلك يحتمل أن يكون بعضَ المسلمين وَعَظوهم ونصحوهم، ويحتمل أنه بعض منهم اهتدى وأراد الإِنابة. قيل المقول له هو عبد الله بنُ أُبَيّ ابن سلول على نحو ما تقدم من الوجوه في ذكر المنافقين بصيغة الجمع عند قوله: { أية : إذا جاءك المنافقون}تفسير : [المنافقون: 1] وما بعده. والمعنى: اذهبوا إلى رسول الله وسَلُوه الاستغفار لكم. وهذا يدل دلالة اقتضاء على أن المراد توبوا من النفاق وأخلصوا الإِيمان وسَلُوا رسول الله ليستغفر لكم ما فرط منكم، فكانَ الذي قال لهم ذلك مطَّلعاً على نفاقهم وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة (13) {أية : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاءُ}تفسير : وليس المراد من الاستغفار الصفح عن قول عبد الله بن أُبَيّ {ليُخْرِجَن الأعزُّ منها الأذَلّ}. لأن ابنَ أُبَيّ ذَهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من أن يكون قال ذلك ولأنه لا يلتئم مع قوله تعالى:{أية : لن يغفر الله لهم}تفسير : [المنافقون: 6]. ولَيُّ الرؤوس: إمالتها إلى جانب غير وِجاه المتكلم. إعراضاً عن كلامه، أي أبوا أن يستغفروا لأنهم ثابتون على النفاق، أو لأنهم غيرُ راجعين فيما قالوه من كلام بَذيء في جانب المسلمين، أو لئلا يُلزموا بالاعتراف بما نسب إليهم من النفاق. وقرأ الجمهور {لوّوا} بتشديد الواو الأولى مضاعف لوى للدلالة على الكثرة فيقتضي كثرة اللي منهم، أي لوى جمع كثير منهم رؤوسهم، وقرأهُ نافع ورَوح عن يعقوب بتخفيف الواو الأولى اكتفاء بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة. والخطاب في {ورأيتهم} لغير معيّن، أي ورأيتهم يا من يراهم حينئذٍ. وجملة {وهم مستكبرون} في موضع الحال من ضمير يصدون، أي يصدون صدّ المتكبر عن طلب الاستغفار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذا قيل لهم تعالوا: أي معتذرين. لووا رؤوسهم: أي رفضوا الاعتذار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأيتهم يصدون: أي يعرضون عما دعوا إليه وهم مستكبرون. سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم: أي يا رسولنا. لن يغفر الله لهم: أي إيأس من مغفرة الله لهم. إن الله لا يهدي القوم الفاسقين: أي لأن من سنة الله أنه لا يهدي القوم الفاسقين المتوغلين في الفسق عن طاعة الرب تعالى وهم كذلك. يقولون: أي لأهل المدينة. لا تنفقوا على من عند رسول الله: أي من المهاجرين. حتى ينفضوا: أي يتفرقوا عنه. لئن رجعنا إلى المدينة: أي من غزوة كانوا فيها هي غزوة بني المصطلق. ليخرجن الأعز منها الأذل: يعنون بالأعز أنفسهم، وبالأذل المؤمنين. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين: أي الغلبة والعلو والظهور. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن المنافقين فقوله تعالى في الآية [5] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} وذلك عندما قال ابن أُبي ما قال من كلمات خبيثة منها قوله في المهاجرين: سمن كلبك يأكلك. وقوله لصاحبه: لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله مهدداً لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز يعني نفسه ورفاقه المنافقين الأذل يعني الأنصار والمهاجرين. فلما قال هذا كله وأكثره في غزوة بني المصطلق وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فحلف بالله ما قال شيئاً من ذلك أبداً وذهب فنزلت هذه السورة الكريمة تكذبه. ولما نزلت هذه السورة بفضيحته جاءه من قال له: يا أبا الحباب "كنية أبن أبي" إنه قد نزل فيك آي شِداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوى رأسه أي عطفه إلى جهة غير جهة من يخاطبه وقال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتموني أن أعطى زكاة مالي فأعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات الثلاث وإذا قيل لهم تعالوا أي معتذرين يستغفر لكم رسول الله. لووا رؤوسهم أي رفضوا العرض ورأيتهم يصدون عنك وهم مستكبرون والمراد بهم ابن أبي عليه لعائن الله قال تعالى لرسوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم فأيأس رسوله من المغفرة لهم، وعلل تعالى ذلك بقوله: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين وابن أبي من أكثر الفاسقين فسقاً! إذ جمع بين الكذب والحلف الكاذب والنفاق والشقاق والعداء والكبر والكفر الباطني وذكر تعالى قولات هذا المنافق واحدة بعد واحدة فقال هم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله أي قال لإِخوانه لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرعه رب العزة وأدبه ببيان فساد ذوقه ورأيه فقال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فجميع الأرزاق بيده وهو الذي يرزق من يشاء والمنافق نفسه رزقه على الله فكيف يدعى أنه إذا لم ينفق على من عند رسول الله يجوعون فيتفرقون يطلبون الرزق بعيداً عن محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن المنافقين لعماهم وظلمة نفوسهم ومرض قلوبهم لا يفقهون هذا ولا يفهمونه، ولذا قال رئيسهم كلمته الخبيثة. تلك كانت القولة الأولى. والثانية هي قوله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قالها في غزوة بني المصطلق وهي غزوة سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُعلم أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويريه زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى أمهات المؤمنين. فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقبهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فوقع القتال فهزم الله بني المصطلق وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم وأفاءها على المؤمنين، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه جويرية بوصفها بنت سيد القوم إكراماً لها ثم عتقها وتزوجها فرأى المؤمنون أن ما بأيديهم من السبي لا ينبغي لهم وقد أصبحوا أصهار نبيهم فعتقوا كل ما بأيديهم فقالت عائشة رضي الله عنها ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية بنت الحارث فقد أُعتق بتزويج رسول الله لها مائة أهل بيت من بني المصطلق. في هذه الغزاة قال ابن أبي قولته الخبيثة وذلك أن رجلين أنصارياً ومهاجراً تلاحيا على الماء فكسع المهاجر الأنصارى برجله فصاح ابن أبي قائلا عليكم صاحبكم، ثم قال: والله ما مثلنا ومحمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وغاب عن ذهن هذا المنافق أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين أي الغلبة والظهور والعلو لا للمنافقين والمشركين الكافرين ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولا غيره لعمى بصائرهم ولما بلغ الغزاة المدينة وقف عبدالله بن عبدالله بن أبي في عرض الطريق واستل سيفه فلما جاء أبوه يمر قال له والله لا تمر حتى تقول: محمد الأعز وأنا الأذل، فلم يبرح حتى قالها: وكان ولده مؤمناً صادقاً من خيرة الأنصار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا ينفع الاستغفار للكافر ولا الصلاة عليه بحال. 2- ذمّ الإِعراض والاستكبار عن التوبة والاستغفار. فمن قيل له استغفر الله فليستغفر ولا يتكبر بل عليه أن يقول: استغفر الله أو اللهم اغفر لي. 3- مصادر الرزق كلها بيد الله تعالى فليطلب الرزق بطاعة الله ورسوله لا بمعصيتهما. 4- العزة الحقة لله ولرسوله وللمؤمنين، فلذا يجب على المؤمن أن لا يذل ولا يهون لكافر.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تَعَالَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَنِفَاقٍ أَمَالُوا رُؤُوسَهُمْ، وَأَعْرَضُوا اسْتِكْبَاراًَ وَأَنَفَةً أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. (رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَالَّلوَاتِي تَلِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزَا بَنِي المُصْطَلِقِ، فَازْدَحَمَ عَلَى المَاءِ أَجِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّّّابِ وَرَجُلٌ مِنْ حُلَفَاءِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَاقْتَتَلاَ فَنَادَى أَجِيرُ عُمَرَ يَا لِلمُهَاجِرِينَ. وَصَاحَ الآخَرُ: يَا لِلأَنْصَارِ. فَتَصَايَحَ القَوْمُ، وَقَالَ عَبْدُ اللهُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولِ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ المُهَاجِرِينَ إِلاَّ كَمَا قَالَ القَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. وَقَالَ لأَِصْحَابِهِ هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُ بِلاَدَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَّا وَاللهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ لَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ مِنْ بِلاَدِكُمْ إِلَى غَيْرِهَا. وَنَقَلَ الحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غُلاَمٌ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَاقْتَرَحَ عَمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِضَرْبِ عُنُقِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَرَفَضَ الرَّسُولُ ذَلِكَ الاقْتِرَاحَ. وَاسْتَدْعَى الرَّسُولُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ وَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَ، فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ إِنَّ الغُلاَمَ لَكَاذِبٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: يَا غُلاَمُ صَدَّقَكَ اللهُ، وَكَذَّبَ المُنَافِقِينَ. وَلَمَّا بَانَ كَذِبُ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، قِيلَ لَهُ نَزَلَتْ فِيكَ آيٌ شِدَادٌ فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوَى رَأْسَهُ وَقَالَ: أَمَرْتُمُونِي أَنْ أُؤْمِنَ فَآمَنْتُ، وَأَمْرَتُمُونِي أَنْ أُزَكِّي فَزَكَّيْتُ، وَمَا بَقِيَ إِلاَّ أَنْ أَسْجُدَ لِمُحَمَّدٍ، وَبَعْدَ أَيَّامِ قَلِيلَةٍ اشْتَكَى هَذَا المُنَافِقُ مَرَضاً وَمَاتْ). لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ - عَطَفُوهَا إِعْرَاضاً وَاسْتِهْزَاءً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} يعهني حَرّكُوها وأَمالُوها.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من شدة بغضهم وضغينتهم مع المؤمنين المخلصين {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح: {تَعَالَوْاْ} هلمَّوا أيها المسرفون المفرطون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ} صلى الله عليه وسلم، ويطلب مغفرتكم من العفو الغفور {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} وعطفوا أعناقهم عن القبول معتذرين بأعذار كاذبة مخافةً وصوناً {وَرَأَيْتَهُمْ} حينئذٍ في وجوههم التي هي عنوان بواطنهم آثار الكفر والعناد؛ إذ هم {يَصُدُّونَ} ويعرضون معتذرين عن المؤمنين {وَهُم} في أنفسهم {مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقين: 5] عن القبول والاعتذار. وبالجملة: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} يا أكمل الرسل {أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} من الله المنتقم الغيور {أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} العليم الحكيم، المتقن في عموم الأفعال أبداً {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في استعدادات عباده {لاَ يَهْدِي} ويرشد إلى جادة توحيده {ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} [المنافقون: 6] منهم، الخارجين عن مقتضى الحدود الإسلامية. وكيف يهديهم ويغفر له سبحانه، مع أنهم {هُمُ} المسرفون المفسدون {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ} للأنصار؛ من نهاية عداوتهم وبغضهم مع الرسول والمؤمنين: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} يعنون: فقراء المهاجرين {حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} وينتشروا بعدما اضطروا من حوله {وَ} لم يعلموا هؤلاء الغفلة الضالون، والجهلة الهالكون في تيه الجهل والعناد أن {لِلَّهِ} وفي قبضة قدرته، وتحت ضبطه وملكيته {خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: الكنوز المكنونة المطلوبة في ضمن العلويات، والمدفونة في السفليات {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} المصرِّين على الكفر والعناد {لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 7] كما قدرة الله، وسعة خزائن كرمه وجوده؟!

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} [المنافقون: 5] عطفوا رؤوسهم، وأعرضوا وجوههم كراهية للاستغفار؛ خوفاً من حرمانهم المشتهيات العاجلة، واللذات الهوائية، وإنكار يوم الجزاء. {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5] أي: معرضون وهم مستكبرون لاستكبارهم على اللطيفة المرسلة، وإبائهم الحق بالتكبر الذي حصل للقوى النفسية في الطبيعة النازية المستكنة فيها وقت تخمير طينتها، وما زكيتهم على وفق الحكمة الواردة على اللطيفة المرسلة {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} [المنافقون: 6] يعني: أيتها اللطيفة المرسلة إن الله يعلم باستعدادهم الخبيث وفسقهم لا تستغفري لهم أن يداهنوك، ويقولوا: نحن من عشائرك ومتبعيك ومقويك؛ لأنهم فاسقون إذا واجهت العدو مالوا إلى جانب العدو، {أية : وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}تفسير : [الجمعة: 11] وحيداً لن يغفر الله لهم ولن يهديهم؛ لأن الله يعلم ضمائرهم {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [المنافقون: 7] يعني: هذه القوى المنافقة يقولون للقوى المؤمنة النفسية: لا تعطين القوى العلوية التابعة للطيفة المرسلة حظوظهم مما لا بد لهم من العالم السفلي حتى يتفرقوا، أو إذا لم يجدوا حظوظهم في ظاهركم مثل الذكر اللساني، والأعمال الصالحة التي تتعلق بالجوارح يعرضون عنكم، ويقبلون على عالمهم، ويصعدون على عالمهم، وتسترحن منهم، ولا يعلمون أن خزائن السماوات والأرض لله يزرقهم من خزائن السماوات معارف الأفعال، ومن خزائن الأرض معارف الآثار بحيث يتقوين بها، ويستغنين عن المعارف المكتسبة بواسطة القوى القالبية والنفسية، كما يقول الله {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 7] لجهلهم بأمر الله وقدرته.

همام الصنعاني

تفسير : 3227- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: فقال له قومه: لو أتيت النبيَّ فاستغفر لَكَ؟ فجَعَل يلْوي رأسه فنزلت فيه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ}: [الآية: 5].