Verse. 5195 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

ہُمُ الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ لَا تُنْفِقُوْا عَلٰي مَنْ عِنْدَ رَسُوْلِ اللہِ حَتّٰى يَنْفَضُّوْا۝۰ۭ وَلِلہِ خَزَاۗىِٕنُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَلٰكِنَّ الْمُنٰفِقِيْنَ لَا يَفْقَہُوْنَ۝۷
Humu allatheena yaqooloona la tunfiqoo AAala man AAinda rasooli Allahi hatta yanfaddoo walillahi khazainu alssamawati waalardi walakinna almunafiqeena la yafqahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هم الذين يقولون» لأصحابهم من الأنصار «لا تنفقوا على من عند رسول الله» من المهاجرين «حتى ينفضُّوا» يتفرقوا عنه «ولله خزائن السماوات والأرض» بالرزق فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم «ولكن المنافقين لا يفقهون».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } كذا وكذا: {وينفضوا} أي يتفرقوا، وقرىء: {يَنفَضُّواْ } من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم، قال المفسرون: اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت، وقرىء: {لَيُخْرِجَنَّ } بفتح الياء، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة: {لَنَخْرُجَنَّ } بالنون ونصب الأعز والأذل، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات، والمعنى أن الله هو الرزاق: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 31] وقال أهل المعاني: خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه، وقال الجنيد: خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب، وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } أي لا يفقهون أن: {أية : أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يۤس: 82] وقوله يقولون: {لَئِن رَّجَعْنَا } أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ } أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا: مقالتهم هذه، قال صاحب «الكشاف»: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً قال: ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم، والعزة محمودة، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر، قال تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } وفيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر، فإن قيل: قال في الآية الأولى: {لاَّ يَفْقَهُونَ } وفي الأخرى {لاَّ يَعْلَمُونَ } فما الحكمة فيه؟ فنقول: ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم، ولا يفقهون من فقه يفقه، كعلم يعلم، ومن فقه يفقه: كعظم يعظم، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي.

القرطبي

تفسير : ذكرنا سبب النزول فيما تقدم. وابن أُبيّ قال: لا تُنفقوا على مَن عند محمد حتى ينفضُّوا؛ حتى يتفرّقوا عنه. فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السموات والأرض له، ينفق كيف يشاء. قال رجل لحاتم الأَصَمّ: من أين تأكل؟ فقال: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وقال الْجُنَيد: خزائن السموات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب؛ فهو عَلاَّم الغيوب ومُقَلِّب القلوب. وكان الشِّبْليّ يقول: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فأين تذهبون. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} أنه إذا أراد أمراً يَسَّرَه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } لأصحابهم من الأنصار {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } من المهاجرين {حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } يتفرقوا عنه {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } بالرزق فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم {وَلَٰكِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تُنفِقُواْ} لما قال ابن أبي مرجع الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق وقد جرت مشاجرة بين بعض المهاجرين والأنصار يا معشر الأوس والخزرج ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك أوطأنا هذا الرجل ديارنا وقاسمناهم أموالنا ولولاها لانفضوا عنه {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} فبلغت الرسول صلى الله عليه وسلم فاعتذر له قومه فنزلت هذه الآية والتي بعدها {خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ} المطر وخزائن {الأَرْضِ} النبات أو خزائن السماوات ما قضاه وخزائن الأرض ما أعطاه.

الخازن

تفسير : {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} أي يتفرقوا عنه {ولله خزائن السموات والأرض} يعني بيده مفاتيح الرزق فلا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته {ولكن المنافقين لا يفقهون} يعني أن أمر الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} يعني من غزوة بني المصطلق {ليخرجن الأعز منها الأذل} فرد الله عليهم بقوله {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فعزة الله تعالى قهره وغلبته على من دونه وعزة رسوله صلى الله عليه وسلم إظهار دينه على الأديان كلها وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم {ولكن المنافقين لا يعلمون} أي ذلك لو علموا ما قالوا هذه المقالة قال أصحاب السير فلما نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول لم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات على نفاقه. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم} أي لا تشغلكم {أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} يعني عن الصلوات الخمس والمعنى لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم كما شغلت المنافقين عن ذكر الله {ومن يفعل ذلك} أي ومن شغله ماله وولده عن ذكر الله {فأولئك هم الخاسرون} أي في تجارتهم حيث آثروا الفاني على الباقي.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ} إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى؛ إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إَلىٰ مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حَالٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلَىٰ مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: أمَّا الآنَ، فَنَعَمْ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}. قد تقدم سببُ النزول، وأن ابن أبي قال: لا تنفقوا على من عند محمد "حتى ينفضوا" أي يتفرقوا عنه، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن خزائن السماوات والأرض له ينفق كيف يشاء. قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وقال الحسن: "خزائنُ السماوات" الغُيوبُ، وخزائنُ الأرضِ القلوبُ، فهو علاَّمُ الغيوب ومُقلبُ القُلوبِ. قوله: {يَنفَضُّواْ}. قرأ العامَّةُ: "ينفضُّوا" من الانفضاضِ وهو التفرقُ. وقرأ الفضلُ بن عيسى الرقاشي: "يُنْفِضُوا" من أنفض القوم، فني زادهم. ويقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفضَّ. فيتعدى دون الهمزة ولا يتعدى معها، فهو من باب "كَبَبتهُ فانْكَبَّ". قال الزمخشري: وحقيقته جاز لهم أن ينفضوا مزاودهم. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} أنه إذا أراد أمراً يسره. قوله: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}. القائل ابن أبيّ، كما تقدم. وقيل: إنه لما قال: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} ورجع إلى المدينة لم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسه قميصه، فنزل قوله: {لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}. وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سَلُولَ قال لأبيه: والله الذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعزُّ وأنا الأذلُّ، فقاله. توهموا أن العزة لكثرةِ الأموال والأتباعِ فبيَّن اللَّهُ - تعالى - أنَّ العزَّة والمنَعَة والقُوَّة لله. قوله: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}. قرأ العامَّةُ: بضم الياء وكسر الراء مسنداً إلى "الأعزّ" و"الأذلّ" مفعول به، والأعزُّ بعضُ المنافقين على زعمه. وقرأ الحسن وابنُ أبي عبلة والمسيبي: "لنُخْرجَنَّ" بنون العظمة، وبنصب "الأعزَّ" على المفعول به، ونصب "الأذَلَّ" على الحالِ. وبه استشهد من جوز تعريفها. والجمهور جعلوا "أل" مزيدة على حدّ "أرسلها العراك" و "ادخلوا الأول فالأول". وجوَّز أبو البقاء: أن يكون منصوباً على المفعولِ، وناصبه حال محذوفةٌ، أي: مشبهاً الأذلَّ. وقد خرجه الزمخشري على حذف مضافٍ، أي: خروج الأول أو إخراج الأول. يعني بحسب القراءتين من "خرج وأخرج" فعلى هذا ينتصب على المصدر لا على الحال. ونقل الدَّاني عن الحسن أيضاً: "لنخرُجَنَّ" بفتح نون العظمة وضم الراء، ونصب "الأعزَّ" على الاختصاص كقولهم: "نحن العرب أقرى النَّاس للضيفِ" و"الأذلَّ" نصب على الحال أيضاً. قاله أبو حيان. وفيه نظر، كيف يخبرون عن أنفسهم أنهم يخرجون في حال الذل مع قولهم: "الأعز" أي: "أخُصُّ الأعزَّ" ويعنون بـ"الأعزِّ" أنفسهُم. وقد حكى هذه القراءة أيضاً أبو حاتم. وحكى الكسائي والفرَّاء: أن قوماً قرأوا: "ليَخْرُجنَّ" - بفتح الياء وضم الراء - ورفع "الأعزّ" فاعلاً ونصب "الأذل" حالاً. وهي واضحة. وقرىء: "ليُخْرجَنَّ" - بضم الياء - مبنيًّا للمفعول، "الأعز" قائم مقام الفاعل "الأذلّ" حال أيضاً. فصل في ختم الآية بـ"لا يفقهون" قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله: "لا يَفْقَهُونَ" وختم الثَّانية بقوله: "لاَ يَعْلمُونَ"؟. فالجواب: ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم، ولا يفقهون من فِقهَ يَفْقَهُ، كعلِمَ يَعْلَمُ، أو من فقُهَ يَفقهُ، كعَظُمَ يَعظُمُ، فالأول لحصولِ الفقه بالتكلُّفِ، والثاني لا بالتكلُّفِ، فالأول علاجيٌّ، والثاني مزاجي.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا داعياً إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به، قال مبيناً له: {هم} أي خاصة بواطنهم {الذين يقولون} أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا فيما بينهم بقولهم: {لا تنفقوا} أيها المخلصون في النصرة {على من} أي الذين {عند رسول الله} أي الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكماً وإشارة إلى أنه لو كان رسوله وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم، وما درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده - فسبحان من يضل من يشاء - حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من أحد، أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر، وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفاً على كفرهم وتنبيهاً على أن من أرسل رسولاً لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلاً، فقد أرسل سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس عن إنفاقهم، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا: {حتى ينفضوا} أي يتفرقوا تفرقاً قبيحاً فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك، قال الحرالي: "حتى" كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى "إلى"، وقال أهل العربية: لا يجر بها إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في {أية : حتى مطلع الفجر}تفسير : [القدر: 5] وحتى آخر الليل، ولا تقولوا: حتى نصف الليل، وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله غيرهم للانفاق، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيراً، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلاًّ يسيراً من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة وعكة أم أيمن رضي الله عنهم وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة، ولكن ليس لمن يضل الله من هاد، ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله: {ولله} أي قالوا ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر الناهي {خزائن السماوات} أي كلها {والأرض} كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدرة "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد غيره، ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم: إن كان محمد صادقاً فنحن شر من البهائم، أشار إلى ذلك بقوله: {ولكن المنافقين} أي العريقين في وصف النفاق. ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه بقوتهم، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال: {لا يفقهون *} أي لا يتجدد لهم فهم أصلاً لأن البهائم إذا رأت شيئاً ينفعها يوماً ما في مكان طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك، فمن رأى أن رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ من القرآن، ودل على عدم فقههم بقوله تعالى: {يقولون} أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: {لئن رجعنا} أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو ماء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - {إلى المدينة} ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: {ليخرجن الأعز} يعنون أنفسهم {منها الأذل} وهم كاذبون في هذا، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين {ولله} أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية {العزة} كلها، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه. ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول، أخبر أنه يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: {ولرسوله} لأن عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله، وكذلك أيضاً أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله: {وللمؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً لأن عزتهم بعزة الولاية، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم صلى الله عليه وسلم، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل. ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن تابعه رضي الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم، قال منبهاً على ذلك: {ولكن المنافقين} أي الذي استحكم فيهم مرض القلوب. ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره للملوك وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه، ومن المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك، وبأنه سبحانه ما قال شيئاً إلا تم ولا قالت الرسل شيئاً إلا صدقهم فيه، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: {لا يعلمون *} أي لا لأحد لهم علم الآن، ولا يتجدد في حين من الأحيان، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف، وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت والله الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ولما دنوا من المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته. وزجرها إلى ورائها وقال: إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن لم تقر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك، قال: أفاعل أنت؟ قال: نعم، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشكا ولده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدعه يدخل المدينة، فأطلق فدخل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [الآية: 7]. قال الواسطى: من طالع الأسباب فى الدنيا والإعراض فى الآخرة لم يفقه قلبه وبقى فى حجاب نفسه ومراده ألا ترى المنافقين كيف احتالوا بالبخل عليهم بالدنيا ولم يعلموا أن ذلك لا يحجبهم عن التوفيق وكيف حكى الحق عنهم بقربه ولكن المنافقين لا يفقهون. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 7]. قال أبو يعقوب النهرجورى: قال الجنيد: خزائنه فى السماوات الغيوب وخزائنه فى الأرض القلوب فما انفصل من الغيوب وقع فى القلوب وما انفصل من القلوب صار إلى الغيوب والعبد مرتهن بشيئين بتقصير الخدمة وارتكاب الزلَّة. وقال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} وصف الله المنفقين بالبخل والحرص والحسد على امر الذين من قلة معرفتهم ---- عند الله وحسن عواقبهم عنده وسبق عناية الله فيهم وخذلان اهل النفاق وفى كل موضع فيه نفاق فالبخل والحسد لازمة قال الواسطى من طالع الاسباب فى الدنيا والاعواض فى الأخرة لم يفقه قلبه وبقى فى حجاب نفسه ومراده الا ترى المنافقين كيف احتالوا بالبخل عليهم بالدنيا ولم يعلموا ان ذلك لا يحجبهم عن التوفيق وكيف حكى الحق بقوله ولكن المنافقين لا يفقهون ثم بين الله ان له خزائن السماوات والارض يفتحها لاوليائه فيعطيهم من فضله ولا يحتاجون الى من سواه بقوله {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خزائن السماوات قدرته وجبروته وخزئان الارض ملكه وسلطانه له فى السماوات خزائن قلوب المقربين وفى الارض خزئان قلوب العارفين قال الجنيد خزائنه فى السماوات الغيوب وخزائنه فى الارض القلوب فما انفصل من الغيوب وقع على القلوب وما انفصل من القلوب صار الى الغيوب والعبد مرتهن بشيئين تقصير الخدمة وارتكاب الزلة قال رجل لحاتم الاصم من اين تاكل فقال الله خزائن السماوات والارض.

اسماعيل حقي

تفسير : {هم الذين يقولون} اى للانصار وهو استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم او لعدم مغفرته تعالى لهم وهو حكاية نص كلامهم {لاتنفقوا} لاتعطوا النفقة التى يتعيش لها {على من عند رسول الله} يعنون فقرآء المهاجرين وقولهم رسول الله اما للهزء والتهكم او لكونه كاللقب له عليه السلام واشتهاره به فلو كانوا مقرين برسالته لما صدر عنهم ما صدر ويجوز أن ينطقوا بغيره لكن الله تعالى عبر به اكراما له واجلالا {حتى ينفضوا} اى يتفرقوا عنه ويرجعوا الى قبائلهم وعشائرهم (وقال الكاشفى) تا متفرق كردند غلامان بزد خواجكان روند وبسران بدران بيوندند، والانفضاض شكسته شدن وبراكنده شدن، وانما قالوه لاحتجابهم بأفعالهم عن رؤية فعل الله وبما فى ايديهم عما فى خزآئن الله فيتوهمون الانفاق منهم لجهلهم {ولله خزآئن السموات والارض} رد وابطال لما زعموا من ان عدم انفاقهم يؤدى الى انفضاض الفقرآء من حوله عليه السلام ببيان ان خزآئن الارزاق بيد الله خاصة يعطى من يشاء ويمنع من يشاء ومن تلك الخزآئن المطر والنبات قال الراغب قوله تعالى {ولله خزآئن السموات والارض} اشارة منه الى قدرته تعالى على مايريد ايجاده او الى الحالة التى اشير اليها بقوله عليه السلام "حديث : فرغ ربكم من الخلق والاجل والرزق"تفسير : والمراد من الفراغ اتمام القضاء فهو مذكور بطريق التمثيل يعنى اتم قضاء هذه الكليات فىعلمه السابق والخزائن جمع خزانة بالكسر كعصائب وعصابة وهيى ما يخزن فيه الاموال النفيسة وتخفظ وكذا المخزن بالفتح وقد سبق فى قوله تعالى {أية : وان من شىء الا عندنا خزآئنه}تفسير : {ولكن المنافقين لايفقهون} ذلك لجهلهم بالله وبشؤونه ولذلك يقولون من مقالات الكفر مايقولون شعر : خواجه بنداردكه روزى اودهد لاجرم براين وآن منت نهد زان سببها او يكى شد بس اكر كم شود هستند اسباب دكر حكم روزى بر سببها مى نهد بى سببها نيز روزى ميد هد تفسير : قال رجل لحاتم الاصم رحمه الله من اين تأكل قال من خزانة ربى فقال الرجل أيلقى عليك الخبز من السماء فقال لو لم تكن الارض له فيها خزآئن لكان يلقى على الخبز من السماء خلق الله فى الارض الاسباب ومنها فتح الابواب قال بعض الكبار مراعاة حق ام الولد من الرضاع اولى من مراعاة ام الولادة لان ام الولادة حملته على جهة الامانة فكون فيها وتغذى بدم طمثها من غير ارادة لها فى ذلك فما تغذى الا بما لو لم يخرج منها لأهلكها وامرضها فللجنين المنة على امه فى ذلك واما المرضعة فانما قصدت برضاعه حياته وابقاءه ولهذا المعنى الذى اشرنا اليه جعل الله المرضعة لموسى ام ولادته حتى لايكون لامرأة عليه فضل غير امه فلما كبر وبلغ اقامة الحجة عليه جعله الله كلا على بنى اسرآئيل امتحانا له فقلق من تغير الحال عليه وقال يارب اغننى عن بنى اسرآئيل فأوحى الله اليه أما ترضى ياموسى أن افرغك لعبادتى واجعل مؤونتك على غيرك فسكت ثم سأل ثانيا فأوحى الله اليه لايليق بنبى أن يرى فى الوجود شيئا لغير سيده فكل من رزق ربك ولا منة لاحد عليك فسكت ثم سأل ثالثا فأوحى الله اليه ياموسى اذا كانت هذه شكاسة خلقك على بنى اسرآئيل وأنت محتاج اليهم فكيف لو أغنيتك عنهم فما سأل بعد ذلك شيئا فالله تعالى يوصل الرزق على عبده بيد من يشاء من عباده مؤمنا او كافرا وكل ذلك من الحلال الطيب اذا لم يسبق اليه خاطرة او تعرض ما ولا منة لاحد عليه وانما يمن الجاهل وابتلاؤه تعالى لاوليائه بالفقر ليس من عدم قدرته على الاعطاء والاغناء من عدم محبته لهم وكرامتهم عنده بل هو من انعامه عليهم ليكونوا ازهد الناس فى الدنيا وأفر اجرا فى الآخرة ولذا قال عليه السلام فى حق فقرآء المهاجرين "حديث : يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا"تفسير : وكان عليه السلام يستفتح بصعاليك المهاجرين اى فقرآئهم لقدرهم وقبولهم وجاههم عند الله تعالى على ان الاغنياء ان خصوا بوجود الارزاق فالفقرآء خصوا بشهود الرزاق وهو خير منه وصاحبه انعم فمن سعد بوجود الرزاق لم يضره مافاته من وجود الارزاق قال الجنيد قدس سره خزآئنه فى السموات الغيوب وخزآئنه فى الارض القلوب فما انفصل من الغيوب وقع الى القلوب وما انفصل من القلوب صار الى الغيوب والعبد مرتهن بشيئين تقصير الخدمة وارتكاب الزلة وقال الواسطى قدس سره من طالع الاسباب فى الدنيا ولم يعلم ان ذلك يحجبه عن التوفيق فهو جاهل. وفى التأويلات النجمية ولله خزآئن الارزاق السماوية من العلوم والمعارف والحكم والعوارف المخزونة لخواص العباد يرزقهم حيث يشاء ولله خزآئن الارزاق الارضية من المأكولات والمشروبات والملبوسات والخيول والبغال المخزونة لعوام العباد ينفق عليهم من حيث لايحتسبون ولكن المنافقين بسبب افساد استعداداتهم وعدم نورانيتهم وغلبة ظلمانيتهم مايفهمون الاسرار الالهية والاشارات الربانية

الجنابذي

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} يتفرّقوا {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} جملة حاليّة {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} الّذين يقولون لا تنفقوا حتّى ينفضّوا {لاَ يَفْقَهُونَ} اى لا يدركون ذلك ادراكاً اخرويّاً.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ}. تفسير الحسن: إنه كان بين عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وبين رجل من المسلمين من فقرائهم قول، فقال: يا رسول الله ما لهم، ولّى الله أمرهم فلاناً، يعني ذلك الرجل وأصحاب فلان. ثم نظر إلى أصحابه فقال: أما والله لو كنتم تمنعون أطعمتكم هؤلاء الذين حصروا أطعمتكم وركبوا رقابكم لأوشكوا أن يذروا محمداً ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم. فأنزل الله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}. قال ابن أبي بن سلول حين رأى المسلمين نصروا ذلك الرجل: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة، وذلك أنه في غزوة تبوك، ليُخرجن الأعز منها الأذل، عمدنا إلى رجل من قريش فجعلناه على رقابنا، أخرِجوه فألحقوه بقومه، وليكن علينا رجل من أنفسنا. فسمعها زيد بن أرقم فقال: لا والله لا أحبك أبداً. فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فغضب غضباً شديداً. فأرسل إلى ابن أبي بن سلول، فأتاه ومعه أشراف من الأنصار يعذرونه ويكذبون زيداً. فقال ابن أبي بن سلول: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما قلته، وإن زيداً لكاذب، وما عملت عملاً هو أرجى أن أدخل به الجنة من غزوتي هذه معك. فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ نزل عليه عذر فقال: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ...} إلى آخر الآية. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الناس حتى لحق زيداً فأخذ بأذنيه فعركهما ساعة ثم قال: أبشر، أنزل الله عذرك وصدّقك. وقرأ عليه الآية. وبلغنا أن قول ابن أبي بن سلول: ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني به النبي عليه السلام. قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي علم خزائن السماوات والأرض {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [يخبر الله سبحانه وتعالى أنه معز رسوله ومن عنده من المؤمنين] وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.

اطفيش

تفسير : {هُمُ} أي عبد الله ومن تبعه {الَّذِينَ يَقُولُونَ} لاصحابهم من الانصار {لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ} جهجاه وغيره من الفقراء المهاجرين {حَتَّى يَنفَضُّوا} كي يتفرقوا عنه أو حتى للغاية أي فإذا تفرقوا فانفقوا عليهم وقرىء بضم الياء وكسر الفاء وتخفيف الضاد من انفض القوم إذا افنيت ازوادهم جمع زاد وقبح الله رأيهم بقوله {وللهِ} لا لغيره {خَزَائِنُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم وهو المانع المعطي {وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} ان الامر لله يقول للشيء كن فيكون حديث : وروي انه صلى الله عليه وسلم لما نادى جهجاه للمهاجرين ونادى سنان يا للانصار خرج اليهم وقال "مابال دعوى الجاهلية" فلما اخبروه بالقصة قال: "دعوها فانها منثنة ". تفسير : وقال ايضاً عبدالله في جملة كلامه ما حكى الله عنه بقوله.

اطفيش

تفسير : {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا} دوموا على عدم الإِنفاق على من عنده حتى يتفرقوا أو حتى للتعليل، وهذا استئناف فى ذم عبد الله بن أُبى وأصحابه ويضعف ما قيل أنه تعليل جملى لقوله: لا يهدى القوم الفاسقين، وتقدمت قصة زيد بن أرقم فى هذه الآية. وفى الترمذى ولى منه نسخة مجودة محشى عليها عن زيد بن أرقم: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان معنا ناس من الأَعراب وكنا نبتدر الماء، وكان الأَعراب يسبقوننا إِليه، فيسبق الأَعرابى أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوضه حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجئ أصحابه، فأَتى رجل من الأَنصار فأَرخى زمام ناقته لتشرب فأَبى أن يدعه، فانتزع حجرا ففاض فرفع الأَعرابى خشبة فضرب رأس الأَنصارى فشجه، فأَخبر الأَنصارى عبد الله بن أُبى رأس المنافقين فغضب وكان من أنصاره فقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا يعنى الأَعراب، ثم قال لأَصحابه إِذا رجعتم إِلى المدينة فليخرج الأَعز منها الأَذل، وأنا ردف عمى وسمعت ما قال عبد الله فأَخبرت عمى فأَخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى آخر ما مر، وإِنما قال عبد الله وأصحابه رسول الله منافقة من جملة نفاقهم، فإِنه لم يعتقد رسالته أو قالوه تهكما أو لأَن لفظ رسول الله كالعلم عليه، قصد عنه الذات دون الرسالة أو أرادوا رسول الله عندكم أو قالوا على من عند محمد فذكر الله تعالى بدل هذا اللفظ رسول الله إِكراما له ونقضا لإِنكارهم. {وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} لا ينفضون بترك الإِنفاق عليهم لأَن الله الذى له الخزائن كلها ينفق عليهم، والخزائن بمعنى المملوكات المحافظ عليها لعزتها لا خصوص الأَرزاق والأَجسام فإِنه ليس فى السماوات طعام ولا لباس، أو أراد الأَمطار من جهة السماوات والأَمطار فى ضمنها المطعوم والمشروب والواو للحال {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ} المذكورين {لاَ يَفْقَهُونَ} لجهلهم بالله وأفعاله وصفاته فهم يقولون: ما يقول المشركون إِذ فى قلوبهم الإِشراك والفقه أبلغ من العلم فنفى العلم أبلغ من نفى الفقه فذكر هنا الفقه وفيما يأتى العلم، فأُوثر ما هو أبلغ لما هو أدعى له. {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا} يعنون عبد الله بن أُبى وأصحابه أو أراد عبد الله نفسه، فإِنه القائد ونسب لأَصحابه أيضا لأَنهم راضون بقوله {الأَذَلَّ} يعنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أعز الله أو إِياه والمؤمنين، فتكون (الـ) للجنس وقد أعزهم الله {وَللهِ الْعِزَّةُ} ضد الذلة والكبر ضد التواضع وقيل العزة صفة تنافى المغلوبية ولا بأس فى نسبة المعنيين إِلى الله ورسوله والمؤمنين وكبر الإِنسان جهله بنفسه وإِنزالها فوق منزلتها وعزته معرفته بحقيقة نفسه وإِكرامها أن لا يحطها {وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} لا لغير الله ورسوله والمؤمنين ولا لغير الله ورسوله والمؤمنين مع الله ورسوله والمؤمنين فالتقديم للحصر ولرسوله وللمؤمنين فى نية التقديم على العزة وأُعيدت اللام للتأكيد والفرق بين عزة الله عز وجل وهى ذاتية وعزة رسوله بالرسالة وعزة المؤمنين باتباع الرسالة، وكان لعبد الله بن أُبى ولد سماه عبد الله صحابى. مخلص رضى الله عنه لما أشرفوا على المدينة سل سيفه على أبيه فقال والله لا أغمده حتى تقول محمد الأَعز وأنا الأَذل فلم يبرح حتى قال ذلك. وروى أنه كان الناس يدخلون فجاء أبوه يدخل فقال: وراءك. فقال: ما لك ويلك. فقال: والله لا تدخلها أبدا حتى يأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتعلمن اليوم الأَعز من الأّذل، فرجع حتى لقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكا إِليه ما صنع ابنه فأَرسل إِليه: خله يدخل ففعل وأقول وقع ذلك كله قهره أن يقول محمد الأَعز وهو الأَذل وألا يدخلها إِلا بإِذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا ينبغى الجمع إِذا أمكن وكذلك قال عمر رضى الله عنه دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: لا يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى. وروى قتادة قال عمر يا رسول الله مر معاذا أن يضرب عنق هذا المنافق. فقال - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : لا يتحدث الناس"تفسير : الخ. وما بقى بعد نزول هؤلاء الآيات فيه إِلا قليلا مرض فمات إِلى النار {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} لا علم لهم لفرط جهلهم فلا مفعول ليعلم أو لا يعلمون أن الأَرزاق بيد الله وأن العزة لمطيعيه وأن الإِضرار بالمؤمنين وقطع النفقات عنهم إِضرار بأَنفسهم وأن لا عزيز إِلا من أعزه الله ولا عز إِلا عز الدين والآخرة ولما ذكر أن المنافقين يأمرون بترك الإِنفاق استأنف الكلام بالنهى عن الاشتغال بالأَموال والأَولاد عن الطاعة والكلام بالأَمر بالإِنفاق إِذ قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أمْوَالُكُمْ وَلاَ أوْلاَدُكُمْ} أى الاشتغال بأَحوالهما التى استغنى عنها ويجوز أن يكونا عبارة عن الدنيا مطلقا لأَنها أعظم ما فيها واللفظ نهى للأَموال والأَولاد، تجوزا فى الإِسناد للمبالغة والأَصل لا تلهوا بأَموالكم ولا أولادكم أو تجوز بالسبب عن المسبب، أى لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم ولا أولادكم {عَن ذِكْرِ اللهِ} الصلاة وسائر العبادات الفرض والنفل والعبادة سبب لحضور ذكر الله فى القلب، فعبر بالمسبب عن السبب، وعن الحسن الفرائض. وعن الضحاك وعطاء الصلاة المفروضة. وعن الكلبى الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قول بعيد وقيل القرآن والعموم أولى {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} ما ذكر من إِلهاء الأَموال والأَولاد {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} إِذ ضيعوا أبدانهم وأموالهم وكل ما لهم من الدنيا ولم ينتفعوا به للآخرة واستوجبوا النار ولا يخفى ما فى ذلك من التأكيد بإِشارة البعد، والجملة الاسمية وضمير الفصل والحصر {وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} من للابتداء وقيل للتبعيض والأَول أولى لشموله الإِنفاق للكثير والقليل إِلا ما يبقى الإِنسان بإِنفاقه محتاجا وذلك بالنظر واختيار الصلاح بخلاف الأَمر من أول مرة بالبعض وذلك بالنظر واختيار الصلاح بخلاف الأَمر من أول مرة بالبعض وذلك شامل للإِنفاق من المال، وللإِنفاق من قوة البدن وللإِنفاق باللسان ومن الجاه ومن العلم والدين. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : خير الناس من يشفع للناس"تفسير : . وعن عمرو بن دينار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : اشفعوا تؤجروا فإِن الرجل منكم يسأَلني فأمنعه كما تشفعوا فتؤجروا"تفسير : ، وعن الحسن البصرى والشفاعة يجرى أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، وعن مجاهد فى قوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة الخ. هو الشفاعة بعض لبعض وسأَل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرا يغزو به فبعثه إِلى رجل من الأَنصار فجاء منه ببعير فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الدال على الخير كفاعله"تفسير : . ويقال لكل شئ صدقة وصدقة الرئاسة الشفاعة وإِعانة الضعفاء، وعن بعض الأَدباء من كان دخالا على الأُمراء ولا يكون متشفعا فهو دعى، أوحى الله تعالى إِلى داود عليه السلام أن عبدا من عبادى يأتى بالحسنة فأَدخله الجنة. قال: يا رب ما تلك الحسنة. قال: تفريج كربة عن مؤمن ولو بشق تمرة. وقيل المراد بالإِنفاق الزكاة وما ينفق فى الحج وبه قال ابن عباس والضحاك {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ} مقدمات الموت، والدرهم فى الحياة خير من سبعين بعد الموت، وفى الآية أمر بالإِنفاق حال الصحة أما إِذا تِرك الإِنفاق حتى أتى مقدمات الموت فالإِنفاق حينئذ ضعيف وهو مع ذلك أفضل من الإِيصاء بالإِنفاق وجاء الأَثر أنفق وأنت صحيح شحيح أى شح النفس بالطبع تأمل البقاء وتخشى الفقر. {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ} هلا وهو لفظ يقال عند الرغبة فى شئ. {أخَّرْتَنِي} عن الموت {إِلَى أجَلٍ قَرِيبٍ} مدة قريبة لما حضره الموت لم يطمع إِلا فى مدة قصيرة ولو وجد الطويلة لرغب فيها وذلك إِذا لم يتيسر له التصدق حين حضر له إِثر الموت لفقد ما يتصدق به أو لفقد حضوره أو عدم التصرف فى ذلك واختيار من يعطيه ذلك أو ضعف عقله وتمييزه. عن ابن عباس سؤال التأخير هو طلب الرجوع إِلى الدنيا بعد الموت {فَأَصَّدَّقَ} أتصدق أُبدلت التاء دالا وأُدغمت فى الصاد وقد قرأ بعض بالفك والمراد التصدق بما يمكن {وَأَكُن} عطف على معنى إِسقاط فاء فأَصدق، إِذ لو أسقطت لجزم أصدق، وهو فى غير كلام الله عطف توهم أو الجزم فى جواب شرط مقدر أى وإِن أخرتنى أكن {مِنَ الصَّالِحِينَ} المؤدين للفرائض والنفل التاركين للمعاصى. وعن ابن عباس: أصدق أزكى وأكن من الصالحين أحج، وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو يجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل، سأَل الرجعة عند الموت"تفسير : فقيل له يا ابن عباس اتق الله إِنما يسأَل الرجعة المشرك فقال: سأَتلو عليكم بذلك قرآنا: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم إِلى آخر السورة وعنه نزلت الآية فى مانع الزكاة والله لو رأى خيرا ما سأَل الرجعة. {وَلَنْ يُؤخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} إِذا جاء آخر عمرها فالأَجل آخر المدة وقيل مدة العمر، ومعنى مجيئها انتهاؤها. {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم والله الموفق المستعان، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ } استئناف مبين لبعض ما يدل على فسقهم، وجوز أن يكون جارياً مجرى التعليل لعدم مغفرته تعالى لهم، وليس بشيء لأن ذاك معلل بما قبل، والقائل رأس المنافقين ابن أبـي وسائرهم راضون بذلك. أخرج الترمذي وصححه وجماعة عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابـي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه فانتزع حجراً ففاض فرفع الأعرابـي خشبة فضرب رأس الأنصاري فشجه فأتى عبد الله بن أبـي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب، وقال: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِهِمْ } يعني الأعراب، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله فأخبرت عمي فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام فحلف وجحد وصدقه صلى الله عليه وسلم وكذبني فجاء عمي إلي فقال: ما أردتَّ إلي أن مقتك وكذبك المسلمون فوقع عليَّ من الهم ما لم يقع على أحد قط فبينا أنا أسير وقد خفضت رأسي من الهم إذا أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ثم إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي فقال: أبشر فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم / { أية : إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } تفسير : [المنافقون: 1] حتى بلغ { أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] وقد تقدم عن البخاري ما يدل على أنه قائل ذلك أيضاً. وأخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي نحو ذلك، والأخبار فيه أكثر من أن تحصى؛ وتلك الغزاة التي أشار إليها زيد قال سفيان: يرون أنها غزاة بني المصطلق، وفي «الكشاف» خبر طويل في القصة يفهم منه أنهم عنوا بمن عند رسول الله فقراء المهاجرين، والظاهر أن التعبير برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أي بهذا اللفظ - وقع منهم ولا يأباه كفرهم لأنهم منافقون مقرون برسالته عليه الصلاة والسلام ظاهراً. وجوز أن يكونوا قالوه تهكماً أو لغلبته عليه صلى الله عليه وسلم حتى صار كالعلم لم يقصد منه إلا الذات، ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة فغيرها الله عز وجل إجلالاً لنبيه عليه الصلاة والسلام وإكراماً، والانفضاض التفرق، و {حَتَّىٰ } للتعليل أي لا تنفقوا عليهم كي يتفرقوا عنه عليه الصلاة والسلام ولا يصحبوه. وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي ـ ينفضوا ـ من أنفض القوم فني طعامهم فنفض الرجل وعاءه، والفعل مما يتعدى بغير الهمزة وبالهمزة لا يتعدى، قال في «الكشاف»: وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ردّ وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى انفضاضهم عنه عليه الصلاة والسلام ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة يعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشؤنه عز وجل، ولذلك يقولون من مقالات الكفرة ما يقولون.

ابن عاشور

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}. هذا أيضاً من مقالاتهم في مجامعهم وجماعتهم يقولونها لإخوانهم الذين كانوا ينفقون على فقراء المسلمين تظاهراً بالإِسلام كأنهم يقول بعضهم لبعض تظاهَرْ الإِسلام بغير الإِنفاق مثل قولهم لمن يقول لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله، ولذلك عقبت بها. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن قائل هذه المقالة عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول كما تقدم في طالعة تفسير هذه السورة فإسناد هذا القول إلى ضمير المنافقين لأنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو فشا هذا القول بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين. وموقع الجملة الاستئناف الابتدائي المعْربِ عن مكرهم وسوء طواياهم انتقالاً من وصف إعراضهم عند التقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وصف لون آخر من كفرهم وهو الكيد للدِّين في صورة النصيحة. وافتتحت الجملة بضميرهم الظاهر دون الاكتفاء بالمستتر في {يقولون} معاملة لهم بنقيض مقصودهم فإنهم سَتروا كيدهم بإظهار قصد النصيحة ففضح الله أمرهم بمزيد التصريح، أي قد علمتُ أنكم تقولون هذا. وفي إظهار الضمير أيضاً تعريض بالتوبيخ كقوله تعالى: {أية : أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار}تفسير : [ص: 60]. وليَكون للجملة الاسمية إفادةُ ثبات الخبر، وليكون الإِتيان بالموصول مشعراً بأنهم عرفوا بهذه الصّلة. وصيغة المضارع في {يقولون} يشعر بأنّ في هذه المقالة تتكرّر منهم لقصد إفشائها. و{من عند رسول الله} من كانوا في رعايته مثل أهل الصُفّة ومن كانوا يَلحقون بالمدينة من الأعراب العُفاة أو فريق من الأعراب كان يموّنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق. روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناسَ فيه شدة فقال عبد الله بن أُبَيّ: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله» وهذا كلام مَكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلفة إنفاق الأعراب الذين ألمُّوا به في غزوة بني المصطلق، وباطنه إرادة إبعاد الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرقُ فقراء المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين. وروايات حديث زيد مختلطة. وقوله: {رسول الله} يظهر أنه صدر من عبد الله بن أُبيّ ومن معه من المنافقين بهذا اللفظ إذا كانوا قالوا ذلك جهراً في ملإِ المسلمين إذ هم يتظاهرون ساعتئذٍ بالإِسلام. و{حتّى} مستعملة في التعليل بطريقة المجاز المرسل لأن معنى {حتى} انتهاء الفعل المذكور قبلها وغايةُ الفعل ينتهي الفاعل عن الفعل إذَا بلغها، فهي سبب للانتهاء وعلّة له، وليس المراد فإذا نفضوا فأنفقوا عليهم. والإِنفضاض: التفرق والابتعاد. {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلاَْرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَّهُونَ}. عطف على جملة {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله} إبطال لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح المسلمين، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن إنفاق الأعراب ومن يأوون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العفاة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقطع عنهم الإِنفاق وذلك دأبَه كما دل عليه حديث عمر بن الخطاب «حديث : أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء ولكن ابتع عليَّ فإذا جاءني شيء قضيتُه. فقال عمر: يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أَنفق ولا تخشَ من ذِي العرشِ إقلالاً. فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعُرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثم قال: بهذا أُمرتُ»تفسير : . رواه الترمذي في كتاب «الشمائل». وهذا جواب من باب طريقة النقض لكلامهم في مصطلح آداب البحث. و{خزائن} جمع خزانة بكسر الخاء. وهي البيت الذي تُخزن فيه الطعام قال تعالى: {أية : قال اجعلني على خزائن الأرض}تفسير : تقدم في سورة يوسف (55). وتطلق على الصندوق الكبير الذي يخزن فيه المال على سبيل التوسع وعلى بيوت الكتب وصناديقها، ومن هذا ما جاء في حديث الصرف من الموطأ «حتى يحضر خازني من الغابة». و{خزائن السماوات} مقارّ أسباب حصول الأرزاق من غيوث رسمية وأشعة الشمس والرياح الصالحة فيأتي ذلك بتوفير الثمار والحبوب وخصب المرعى وتزايد النتاج. وأما خزائن الأرض فما فيها من أهرية ومطاميرَ وأندر، ومن كنوز الأحوال وما يفتح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من البلاد وما يفيء عليه من أهل القرى. واللام في {لله} الملك أي التصرف في ذلك ملك لله تعالى. ولما كان الإِنفاق على فقراء المسلمين مما يعين على ظهور الدين الذي أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم كان الإِخبار بأن الخزائن لله كنايةً عن تيسير الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حصول ما ينفق منه كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له الأنصاري «ولا تَخشَ من ذي العرش إقلالاً» «بهذا أُمرت». وذلك بما سيره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من زكوات المسلمين وغنائم الغزوات، وما فتح الله عليه من البلاد بخيراتها، وما أفاء الله عليه بغير قتال. وتقديم المجرور من قوله: {ولله خزائن السماوات والأرض} لإِفادة قصر القلب وهو قلب للازم قولهم لا لصريحه لأن المنافقين لما قالوا: {لا تنفقوا على من عند رسول الله} حسبوا أنهم إذا قطعوا الإِنفاق على مَن عند رسول الله لا يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينفق منه عليهم فأعلم الله رسوله مباشرة وأعلمهم تبعاً بأن ما عند الله من الرزق أعظم وأوسع. واستدراك قوله: {ولكن المنافقين لا يفقهون} لرفع ما يتوهم من أنهم حين قالوا: {لا تنفقوا على من عند رسول الله} كانوا قالوه عن بصيرة ويقين بأن انقطاع إنفاقهم على الذين يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع رزقهم فينفضون عنه بناء على أن القدرة على الإِنفاق منحصرة فيهم لأنهم أهل الأحوال وقد غفلوا عن تعدد أسباب الغنى وأسباب الفقر. والمعنى: أنهم لا يدركون دقائق المدركات وخفاياها. ومفعول {يفقهون} محذوف، أي لا يفقهون ذلك وهو مضمون {لله خزائن السماوات والأرض}، أو نُزل الفعل منزلة اللازم مبالغة في انتفاء فقه الأشياء عنهم في كل حال.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. تقدم بيانه للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند قوله تعالى: {أية : لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 63].

القطان

تفسير : حتى ينفضّوا: حتى يتفرقوا. ليُخرجنّ الاعزُّ منها الأذلَّ: يعني ان المنافقين هم اصحاب العزة، والمسلمين هم الاذلاء كما يزعمون. لولا أخّرتني: هلاّ أخّرتني. عندما غزا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بني المصطَلَق (وهم قوم من خزاعة من القحطانيين) وهاجمهم على ماءٍ لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد قرب الساحل - هزمهم وساق إبلهم واموالهم ونساءهم سبايا. وكان في تلك الغزوة رأس المنافقين عبد الله بن أُبَيّ. وقد وقع شجارٌ بين غلام لعمر بن الخطاب وغلام لعبد الله بن ابي، وكاد يقع شر كبير بين المهاجرين والانصار لولا ان تدخّل الرسول الكريم وحسم الخلاف وسار بالناس باتجاه المدينة. في هذه الاثناء قال عبد الله بن ابي: لقد كاثَرنا المهاجرون في ديارنا، واللهِ ما نحن وهم الا كما قال المثل: "سَمِّنْ كَلبك يأكلك" أما واللهِ لئن رجعنا الى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل، ثم قال لأتباعه: لو أمسكتم عن هذا وذويه فضلَ الطعام لم يركبوا رقابكم، فلا تنفِقوا عليهم حتى ينفضّوا من حول محمد. فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقَ هذا المنافق، فقال له: فكيف اذا تحدّث الناس أن محمداً يقتل اصحابه؟ ثم قال رسول الله لعبد الله بن أُبي: أنت صاحبُ هذا الكلام الذي بلغني، قال: والله الذي انزل عليك الكتابَ ما قلتُ شيئا من ذلك، وان الذي بلَّغك لكاذب. فنزلت هذه الآيات. {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}. هؤلاء المنافقون - عبد الله بن ابي وأتباعه - يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله من المؤمنين حتى يتفرقوا عنه، {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ولكنهم نسوا ان الله هو الرازق، وله جميع هذا الكون وما فيه من ارزاق يعطيها من يشاء، {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} لجهلهم بسنن الله في خلقه، وانه كفل الارزاق لعباده في اي مكان كانوا متى عملوا وجدّوا في الحصول عليها. وهم الذين {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} يعني بذلك عبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين، {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} فالله له العزة والغلبة، ولمن اعزه الله من الرسول الكريم والمؤمنين، {وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. روي ان عبد الله بن عبد الله بن أُبي، وكان من خيار الصحابة المؤمنين عندما اشرف على المدينة وقف وسلّ سيفه وقال لابيه: لله عليَّ ان لا أغمده حتى تقول: محمد الأعز وأنا الأذل. فلم يبرح حتى قال عبد الله بن ابيّ ذلك. وبعد ان بين حالَ المنافقين وفضحهم وكشف دسائسهم ومؤامراتهم اتجه الى المؤمنين يؤدبهم بأدب القرآن، ويذكّرهم بان الاموال والاولاد والدنيا بأسرها لا قيمة لها من غير إيمان خالص، وانفاق في سبيل الله، وان كل انسان له اجل لا بد منتهٍ اليه، والله خبير بما يعملون. فعلى المؤمنين ان لا يكونوا مثل المنافقين، فلا تلهيهم اموالهم ولا اولادهم عن ذكر الله آناء الليل واطراف النهار، وعليهم ان يؤدوا ما فُرض عليهم من العبادات. ثم أمرهم ان ينفقوا اموالهم في سبيل الله، ولا يؤخروا ذلك حتى يحل الموت فيندموا حيث لا ينفع الندم، فيقول احدهم: {رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}. ولكل نفس اجل لا تعدوه، وعمر لا يزيد ولا ينقص {وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} فعليكم ان تستعدوا للرحيل قبل حلول الأجل، وهيئوا الزاد ليوم المعاد. {أية : فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 197]. ثم حذّرنا جميعا وانذرنا بانه رقيب على الجميع في كل ما يأتون ويذرون فقال: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. وهكذا يربينا الله تعالى بهذا القرآن الكريم. قراءات: قرأ الجمهور: فاصدق وأكن بجزم أكن على محل أصدق. كان الكلام هكذا: ان اخرتني أصدَّق واكن. وقرأ ابو عمرو وابن محيصن ومجاهد: واكون بالنصب عطفا على اصدق، والله أعلم، والحمد لله وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَزَآئِنُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلْمُنَافِقِينَ} (7) - وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ فَيَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَيَنْفَضَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ حَوْلَهُ إِذَا عَضَّهُمُ الجُوعُ. وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ جَاهِلُونَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَبِيَدِهِ مَفَاتِيحُ أَرْزَاقِ العِبَادِ فَلاَ يَصِلُ شَيءٌ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا هَذَا القَوْلَ. حَتَّى يَنْفَضُّوا - حَتَّى يَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} أي حتّى يَتفرّقُوا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا بزعمهم الفاسد: { لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا } فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور ولهذا قال الله ردًا لقولهم: { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ } فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم. { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ } وذلك في غزوة المريسيع، حين صار بين بعض المهاجرين والأنصار، بعض كلام كدر الخواطر، ظهر حينئذ نفاق المنافقين، وأظهروا ما في نفوسهم. وقال كبيرهم، عبد الله بن أبي بن سلول: ما مثلنا ومثل هؤلاء -يعني المهاجرين- إلا كما قال القائل: " غذ كلبك يأكلك ". وقال: لئن رجعنا إلى المدينة { لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ } بزعمه أنه هو وإخوانه من المنافقين الأعزون، وأن رسول الله ومن معه هم الأذلون، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق، فلهذا قال [تعالى:] { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } فهم الأعزاء، والمنافقون وإخوانهم من الكفار [هم] الأذلاء. { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ } [ذلك] فلذلك زعموا أنهم الأعزاء، اغترارًا بما هم عليه من الباطل، ثم قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ...}.

النسائي

تفسير : قولهُ: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [7] 617 - أخبرنا محمدُ بن بشارٍ، قال: حدثنا محمدُ بن جعفرٍ [وابن أبي عديٍّ]، قالا: حدثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن محمد بن كعبٍ القُرظيِّ، عن زيد بن أرقم، قال: حديث : كنتُ/ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوك فقال: عبد الله بنُ أُبي: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [8] فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فحلف عبدُ الله أنه لم يذكر شيئاً ولامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ فأرسل إليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله [عزَّ وجلَّ] قد أنزل عُذرك، فنزلت هذه الآيةُ {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} - حتى بلغ - {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} . تفسير : قولهُ: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [8] 618 - أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا الحسنُ - يعني ابن محمد بن أعين، قال: نا زهيرٌ، قال: حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ أصاب الناس فيه شدَّةٌ، فقال عبد اللهِ بنُ أُبيٍّ: - وأنا أسمعُهُ - لأصحابه {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} [7] من حولِهِ وقال {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} قال: فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهُ ذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أُبيٍّ، فسألهُ فاجتهد يمينهُ، قالوا: كذب زيدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي ممَّا قالوا شدةٌ حتى أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ تصديقي في {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: 1] قال: ودعاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلوَّوا رُؤُوسهم . تفسير : 619 - أخبرنا محمدُ بنُ منصورٍ، عن سُفيان، عن عمرو، قال: سمعتُ جابراً يقولُ: حديث : كُنَّا مع (رسولِ اللهِ) صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ فكسعَ رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال المُهاجريُّ: يا للمُهاجرين وقال الأنصاريُّ: يا للأنصارِ، فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى الجاهليةِ" فقالوا: يا رسول اللهِ كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجُلاً من الأنصار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعُوهَا/ فإنها مُنتنةٌ"، (فبلغ) ذلك عبد اللهِ بن أُبيِّ بن سلولٍ فقال: أفعلوها؟ {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [8] فقال عُمر: دعني أضربْ عُنُق هذا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لايَتَحَدَّثَنَّ الناسُ أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يَقْتُلُ أصحابهُ ".

همام الصنعاني

تفسير : 3225- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ}: [الآية: 7]، أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لا تنفقوا عَلى من عند رسول الله، فإنكم إن لم تنفقوا عليهم قد انفضوا. 3226- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: اقتتل رجلان أحدهما مِنْ جهينة، والآخر من بني غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر عليهم الغفاري، فقال رجل منهم عظيم النفاق: عليكم صاحبكم عليكم حليفكم، فواللهِ ما مَثَلُنَا وَمَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك؛ أما والله {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}: [الآية: 8]، قال: وهم في سَفَرٍ حينئذٍ، فجاء رَجُلٌ من بعض ما سمعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال عمر: مُرْ معاذاً أن يضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا والله، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فنزلت فيه: {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ}: [الآية: 7]، قال معمر في قوله تعالى: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}، قال: قال الحسن: حاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سمعت عبد الله بن أبيّ يقول كذا وكذا، قال: فلعلك غضبت عليه، فقال: لا والله، يا نبي الله لقد سمعته يقوله: قال: فلعلك أخطأت سمعك، قال: لا والله يا نبي الله، لقد سمعته يقول ذاك، قال: فلعله شبه عليك؟ قال: فأنزل الله تصديقاً لِلْغُلامِ: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}، [الآية: 8]، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن الغلام، وقال: وقت أذنك يا غلام.