Verse. 5197 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تُلْہِكُمْ اَمْوَالُكُمْ وَلَاۗ اَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اؘ۝۰ۚ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذٰلِكَ فَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْخٰسِرُوْنَ۝۹
Ya ayyuha allatheena amanoo la tulhikum amwalukum wala awladukum AAan thikri Allahi waman yafAAal thalika faolaika humu alkhasiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم» تشغلكم «أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله» الصلوات الخمس «ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون».

9

Tafseer

الرازي

تفسير : {لاَ تُلْهِكُمْ } لا تشغلكم كما شغلت المنافقين، وقد اختلف المفسرون منهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال في حق المؤمنين، وقوله: {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة الله تعالى وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وعند مقاتل: هذه الآية وما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي ألهاه ماله وولده عن ذكر الله {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني وقيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث. وقال الكلبي: الجهاد، وقيل: هو القرآن وقيل: هو النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } قال ابن عباس يريد زكاة المال ومن للتبعيض، وقيل: المراد هو الإنفاق الواجب {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } أي دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله: {رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } وقيل حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال، أي هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى زمان قليل، وهو الزيادة في أجله حتى يتصدق ويتزكى وهو قوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة. وقال الضحاك: لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية، وقال صاحب «الكشاف»: من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكناً منه، وعن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله: {وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال ابن عباس: أحج وقرىء فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون، قال المبرد: وأكون على ما قبله لأن قوله: {فَأَصَّدَّقَ } جواب للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء، وقرأ أبي فأتصدق على الأصل وأكن عطفاً على موضع فأصدق: وأنشد سيبويه أبياتاً كثيرة في الحمل على الموضع منها:شعر : (معاوى إننا بشر فأسجح) فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : فنصب الحديد عطفاً على المحل والباء في قوله: بالجبال، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى:شعر : بدا لي أني لست مدرك ماضي ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً تفسير : توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق، عطفاً على المفهوم، وأما قراءة أبي عمرو {وأكون} فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: {وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً } يعني عن الموت إذا جاء أجلها، قال في «الكشاف»: هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي، وبالجملة فقوله: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } تنبيه على الذكر قبل الموت: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج، ويكون هذا كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28] والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيراً أو شراً وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله: {وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً } لأن النفس وإن كان واحداً في اللفظ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : حذّر المؤمنين أخلاق المنافقين؛ أي لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا ـ للشُّح بأموالهم ـ: لا تُنْفِقُوا على مَن عند رسول الله. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي عن الحج والزكاة. وقيل: عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقيل: عن الصلوات الخمس؛ قاله الضحاك. وقال الحسن: جميع الفرائض؛ كأنه قال عن طاعة الله. وقيل: هو خطاب للمنافقين؛ أي آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي من يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهياً لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبراً لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِىۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئاً يسيراً؛ ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات، كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار، فكما قال تعالى: {أية : وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}تفسير : [إبراهيم: 44] وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىۤ أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 99 ــــ 100]. ثم قال تعالى: { وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: لا ينظر أحداً بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقاً في قوله وسؤاله، ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا بن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآناً: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِىۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } - إلى قوله تعالى - {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعداً، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. ثم قال: حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حية، وهو أبو جناب الكلبي، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب عن الضحاك عن ابن عباس من قوله، وهو أصح، وضعف أبا جناب الكلبي. قلت: ورواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع؛ والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن اعطاء عن مسلمة الجهني عن عمه، يعني: أبا مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة في العمر، فقال: «حديث : إن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له، فيلحقه دعاؤهم في قبره»تفسير : . آخر تفسير سورة المنافقين. ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَعْلَمُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ } تشغلكم {أَمْوٰلُكُمْ وَلآ أَوْلَٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } الصلوات الخمس {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه قبائح المنافقين رجع إلى خطاب المؤمنين مرغباً لهم في ذكره فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } فحذرهم عن أخلاق المنافقين الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، ومعنى {لاَ تُلْهِكُمْ }: لا تشغلكم، والمراد بالذكر: فرائض الإسلام، قاله الحسن. وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وقيل: قراءة القرآن، وقيل: هو خطاب للمنافقين، ووصفهم بالإيمان لكونهم آمنوا تظاهراً، والأوّل أولى. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي: يلتهي بالدنيا عن الدين {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي: الكاملون في الخسران. {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } الظاهر أن المراد الإنفاق في الخير على عمومه، و"من" للتبعيض، أي: أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير، وقيل: المراد: الزكاة المفروضة {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } بأن تنزل به أسبابه، ويشاهد حضور علاماته، وقدّم المفعول على الفاعل للاهتمام {فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي: يقول عند نزول ما نزل به منادياً لربه: هلا أمهلتني وأخرت موتي إلى أجل قريب، أي: أمد قصير {فَأَصَّدَّقَ } أي: فأتصدّق بمالي {وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قرأ الجمهور: {فأصدّق} بادغام التاء في الصاد، وانتصابه على أنه جواب التمني، وقيل: إن "لا" في {لولا} زائدة، والأصل: لو أخرتني. وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وسعيد بن جبير. (فأتصدّق) بدون إدغام على الأصل. وقرأ الجمهور: {وأكن} بالجزم على محل، {فأصدّق}، كأنه قيل: إن قيل: إن أخرتني أتصدّق وأكن. قال الزجاج: معناه: هلا أخرتني؟ وجزم {أكن} على موضع {فأصدق}؛ لأنه على معنى: إن أخرتني {فأصدّق} وأكن. وكذا قال أبو عليّ الفارسي، وابن عطية، وغيرهم. وقال سيبويه حاكياً عن الخليل: إنه جزم على توهم الشرط الذي يدلّ عليه التمني، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير:شعر : بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا تفسير : فخفض، ولا سابق عطفاً على مدرك الذي هو خبر ليس على توهم زيادة الباء فيه. وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، ومجاهد: (وأكون) بالنصب عطفاً على {فأصدّق}، ووجهها واضح. ولكن قال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان: {وأكن} بغير واو، وقرأ عبيد بن عمير: (وأكون) بالرفع على الاستئناف، أي: وأنا أكون. قال الضحاك: لا ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤدّ زكاة إلاّ سأل الرجعة، وقرأ هذه الآية؛ ثم أجاب الله سبحانه عن هذا المتمني فقال: {وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا } أي: إذا حضر أجلها وانقضى عمرها {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } لا يخفى عليه شيء منه، فهو مجازيكم بأعمالكم. قرأ الجمهور: {تعملون} بالفوقية على الخطاب، وقرأ أبو بكر عن عاصم، والسلمي بالتحتية على الخبر. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ } الآية قال: "حديث : هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن الصلوات الخمس المفروضة"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان له مال يبلغه حجّ بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت»تفسير : ، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكافر، فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً {يأيها الذين آمنوا} إلى آخر السورة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال: أحج.

الماوردي

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه عنى بذكر الله [الصلاة] المكتوبة، قاله عطاء. الثاني: أنه أراد فرائض الله التي فرضها من صلاة وغيرها، قاله الضحاك. الثالث: أنه طاعة اللَّه في الجهاد، قاله الكلبي. الرابع: أنه أراد الخوف من اللَّه عند ذكره. {وَأَنفِقُوا مما رَزَقْناكُم} فيه وجهان: أحدهما: أنها الزكاة المفروضة من المال، قاله الضحاك. الثاني: أنها صدقة التطوع ورفد المحتاج ومعونة المضطر. {ولَن يُؤخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إذا جاءَ أَجَلُها} يحتمل وجهين: أحدهما: لن يؤخرها عن الموت بعد انقضاء الأجل، وهو أظهرهما. الثاني: لن يؤخرها بعد الموت وإنما يعجل لها في القبر.

ابن عطية

تفسير : الإلهاء والإشغال بملتذ وشهوة، و {ذكر الله} هنا عام في الصلاة والتوحيد والدعاء، وغير ذلك من فرض ومندوب، وهذا قول الحسن وجماعة من المفسرين، وقال الضحاك وعطاء وأصحابه: المراد بالذكر: الصلاة المكتوبة، والأول أظهر، وكذلك قوله تعالى: {وأنفقوا مما رزقناكم}، قال جمهور من المتأولين: المراد الزكاة، وقال آخرون: ذلك عام في مفروض ومندوب. وقوله: {يأتي أحدكم الموت} أي علاماته، وأوائل أمره وقوله: {لولا أخرتني إلى أجل قريب}، طلب للكرة والإمهال، وفي مصحف أبي بن كعب: "آخرتن" بغير ياء، وسماه قريباً لأنه آت، وأيضاً فإنما يتمنى ذلك ليقضي فيه العمل الصالح فقط، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته، وفي مصحف أبي: "فأتصدق"، وقوله: {وأكن من الصالحين} ظاهره العموم، فقال ابن عباس هو الحج، وروي عنه أنه قال في مجلسه يوماً: ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا طلب الكرة عند موته فقال له رجل: أما تتقي الله المؤمن بطلب الكرة؟ فقال له ابن عباس: نعم، وقرأ الآية، وقرأ جمهور السبعة والناس: "وأكنْ" بالجزم عطفاً على الموضع، لأن التقدير: "إن تؤخرني أصدق، وأكن"، هذا مذهب أبي علي، فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا وهو جزم "أكن" على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف علىالوضع حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: {أية : من يضلل الله فلا هادي به} تفسير : [الأعراف: 186]، ونذرهم، فمن قرأ بالجزم عطف على موضع {أية : فلا هادي له} تفسير : [الأعراف: 186]، لأنه وقع هنالك فعل كان مجزوماً، وكذلك من قرأ: "ونكفر" بالجزم عطفاً على موضع فهو خير لكم، وقرأها أبو عمرو وأبو رجاء والحسن وابن أبي إسحاق، ومالك بن دينار وابن محيصن والأعمش وابن جبير وعبيد الله بن الحسن العنبري، قال أبو حاتم، وكان من العلماء الفصحاء: "وأكون" بالنصب عطفاً على {فأصدق}، وقال أبو حاتم في كتبها في المصحف بغير واو، وإنهم حذفوا الواو كما حذفوها من "أبجد" وغيره، ورجحها أبو علي، وفي مصحف أبيّ بن كعب وابن مسعود: "فأتصدق وأكن" وفي قوله تعالى: {ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها}، حض على المبادرة ومسابقة الأجل بالعمل الصالح، وقرأ السبعة والجمهور: "تعملون" بالتاء على المخاطبة لجميع الناس، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "بما يعملون" بالياء على تخصيص الكفار بالوعيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَن ذِكْرِ اللَّهِ} الصلاة المكتوبة أو عامة في جميع الفرائض أو الجهاد.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ...} الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ، والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ} عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ؛ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمٰن السلمي في كتاب «عيوب النفس»: وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ؛ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «حديث : مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُه مَالاَ يَعْنِيهِ»تفسير : وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى. وقولهُ: {لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ وليس يتَّسِعُ الأَمَلُ حينئذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ ونضرته. وقوله: {وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا، انتهى، وقرأ أبو عمرو: «وَأَكُونَ»، وفي قوله تعالى: {وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالحِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. حذَّر المُؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المُنافقُون إذ قالُوا - لأجْلِ الشُّحِّ بأموالهم -: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}. وقوله: {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. أي: عن الحجِّ والزكاة. وقيل: عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقال الضحاك: عن الصلواتِ الخمس. وقال الحسنُ: عن جميعِ الفرائضِ، كأنه قال: عن طاعة الله. وقيل: هذا خطاب للمنافقين، أي: آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} يشتغل بالمالِ والولدِ عن طاعةِ ربهِ {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. قوله: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ}. قال ابن عباس: يُريدُ زكاة الأمْوالِ. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ}. قال القرطبي: "هذا يدل على وجوب تعجيل إخراج الزَّكاةِ ولا يجوزُ تأخيرها أصلاً وكذلك سائر العبادات إذا دخل وقتها". قال ابن الخطيب: وبالجملة فقوله: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تنبيه على المحافظة على الذِّكرِ قبل المَوْتِ. وقوله: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ}: تنبيه على الشكر كذلك. قوله: {فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ}. أي: هلاَّ أخَّرتَنِي. وقيل: "لا" صلة، فيكونُ الكلامُ بمعنى التَّمنِّي. أي لو أخرتني إلى أجل قريب فنسأل الرجعة إلى الدنيا لنعمل صالحاً. روى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: "مَنْ كَانَ لَهُ مالٌ يُبلِّغهُ حَجَّ بَيْتِ ربِّهِ أو يَجبُ عليهِ فِيهِ زكاةٌ فَلمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الموْتِ، فقال رجُلٌ: يا ابْنَ عبَّاسٍ، اتَّق اللَّهِ، إنَّما سأل الرَّجعة الكُفَّارُ، فقال: سأتلُو عليْكَ بذلك قرآناً {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} إلى قوله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال: فما يوجبُ الزَّكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعداً، قال: فما يوجبُ الحجَّ؟ قال: الزادُ والراحلةُ". قال القرطبيُّ: ذكره الحليمي في كتاب "منهاج الدين" مرفوعاً، فقال: وقال ابن عبَّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَانَ عِنْدهُ مالٌ يُبلِّغهُ الحَجَّ"تفسير : الحديث. قال ابنُ العربيِّ: "أخذ ابنُ عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفلِ، فأما تفسيره بالزَّكاةِ فصحيح كلُّه عموماً وتقديراً بالمائتين. وأما القولُ بالحج ففيه إشكالٌ؛ لأننا إن قلنا: الحج على التراخي ففي المعصية بالموتِ قبل الحج خلافٌ بين العلماءِ، فلا تخرج الآية عليه. وإن قلنا: الحج على الفور فالعمومُ في الآية صحيحٌ لأنَّ من وجب عليه الحج فلم يؤده لقي من الله ما يودُّ لو أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء، وليس لكلام ابن عباس فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما تدخلُ في المتفقِ عليه. والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق بالإجماع أو بنصّ القرآن؛ لأن ما عدا ذلك لا يتحقق فيه الوعيدُ". قوله: {فَأَصَّدَّقَ}. نصب على جواب [التمني] في قوله: {لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ}. وقرأ أبي وعبد الله وابن جبير: "فأتَصَدَّقَ"، وهي أصل قراءة العامة ولكن أدغمت الفاء في الصاد. قوله: "وأكُنْ". قرأ أبو عمرو: "وأكونَ" بنصب الفعل عطفاً على "فأصَّدَّقَ". والباقون: "وأكُنْ" مجزوماً، وحذفت الواوُ لالتقاءِ الساكنين. واختلف عباراتُ الناس في ذلك. فقال الزمخشري: "عطفاً على محل "فأصَّدَّقَ" كأنَّه قيل: إنْ أخَّرتني أصَّدقْ وأكُنْ". وقال ابن عطية: "عطفاً على الموضع: لأنَّ التقدير: إن أخرتني أصَدقْ وأكُنْ، وهذا مذهب أبي علي الفارسي". وقال القرطبي: "عطلفٌ على موضع الفاء، لأن قوله: "فأصدق" لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً، أي "أصَّدَّقْ"، ومثله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ}تفسير : [الأعراف: 186] فيمن جزم. فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غيرُ هذا، وهو أنه جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع له هنا لأنَّ الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع بحيث يظهرُ الشرطُ، كقوله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأعراف: 186] فمن جزم عطفه على موضع {فلا هَادِي لَه}؛ لأنه لو وقع موقعه فعل لانجزم" انتهى. وهذا الذي نقله سيبويه هو المشهور عند النحويين. ونظَّر ذلك سيبويه بقول زهير رحم الله المؤمنين: [الطويل] شعر : 4777 - بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا تفسير : فخفض "ولا سابقٍ" عطفاً على "مدركٍ" الذي هو خبرُ "ليس" على توهم زيادة الباء فيه قد كثر جرّ خبرها بالباء المزيدةِ، وهو عكسُ الآية الكريمة؛ لأنه في الآيةِ جزم على توهُّم سقوطِ الفاءِ، وهنا خفض على توهُّم وجود الباء، ولكن الجامع توهم ما يقتضي جواز ذلك. قال شهاب الدين: "ولكني لا أحب هذا اللفظ مستعملاً في القرآن الكريم، فلا يقال: جزم على التوهم لقبحه لفظاً". وقال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان "أكن" بغير واو. وقد فرق أبو حيان بين العطف على الموضع والعطف على التوهم فقال: "الفرقُ بينهما أنَّ العامل في العطف على الموضع موجودٌ، وأثره مفقودٌ، والعامل في العطفِ على التوهم مفقود، وأثره موجود". انتهى. قال شهاب الدين: "مثال الأول "هذا ضارب زيد وعمراً" فهذا من العطف على الموضع فالعامل وهو "ضارب" موجود، وأثره وهو النصب مفقود، ومثال الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرحُ منه بيتُ زهيرٍ، فإن الباء مفقودةٌ وأثرُها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة، ومن ذلك أيضاً بيت امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4778 - فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفِ شِواءٍ أو قَدِيدٍ مُعَجَّلِ تفسير : فإنهم جعلوه من العطف على التوهُّم، وذلك أنه توهّم أنه أضاف "منضج" إلى "صفيف" وهو لو أضافه إليه فجره فعطف "قديدٍ"على "ضعيفٍ" بالجر توهماً لجرّه بالإضافة". وقرأ عبيد بن عمير: "وأكُونُ" برفع الفعل على الاستئناف، أي: "وأنَا أكُونُ"، وهذا عدةٌ منه بالصلاح. فصل فيما تدل عليه الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند اللَّه خير في الآخرة. قال القرطبي: "إلا الشَّهيد فإنه يتمنّى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة". وقال الضحاك: لم ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا طلب الرجعة وقرأ هذه الآية {وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من خير وشرّ. قرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي: بالياء من تحت على الخبر على من مات، وقال هذه المقالة. والباقون: بالخطاب، وهما واضحتان. روى الثعلبي في تفسيره عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافقينَ بَرِىءَ مِنَ النِّفَاقِ"تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا الذي حكاه سبحانه وتعالى عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب من تصور قائله له فضلاً عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده، نبه على أن العلة الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا رجوعاً على إيضاح ما تقدم في نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب رضي الله عنه وفعل من انصرف عن خطبة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة، ولو بأن تؤثر أثراً ما ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما، فقال منادياً لمن يحتاج إلى ذلك: {يا أيها الذين آمنوا} أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم {لا تلهكم أموالكم} ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال: {ولا أولادكم} أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالاً يحيركم سواء كان ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون {عن ذكر الله} أي من توحيد الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء فله الملك وله الحمد يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان العبد ذاكراً له بقلبه دائماً لم يقل كقول المنافقين{أية : لا تنفقوا}تفسير : [المنافقين: 7] ولا{أية : ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقين: 8] لعلمه أن الأمر كله لله، وأنه لن يضر الله شيئاً، ولا يضر بذلك إلا نفسه، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ذلك، ولإرادة المبالغة في النهي وجّه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد منه نهيهم. ولما كان التقدير: فمن انتهى فهو من الفائزين، عطف عليه قوله: {ومن يفعل} أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل {ذلك} أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل {فأولئك} أي البعداء عن الخير {هم} أي خاصة {الخاسرون *} أي العريقون في الخسارة حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر إليهم والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير، وفي إفهامه أن من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره ديناً ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلاً فاستراح من المخاوف، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حراً. ولما حذر من الإقبال على الدنيا، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال: {وأنفقوا} أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب، وزاد في الترغيب بالرضى منهم باليسير مما هو كله له بقوله: {من ما رزقناكم} أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار، فقال مرغباً في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل، محذراً من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: {من قبل} وفك المصدر ليفيد "أن" مزيد القرب فقال: {أن يأتي} ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال: {أحدكم الموت} أي برؤية دلائله وأماراته، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على الله، سبب عن ذلك بقوله: {فيقول} سائلاً في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله: {رب لولا} أي هل لا ولم لا {أخرتني} أي أخرت موتي إمهالاً لي {إلى أجل} أي زمان، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله: {قريب فأصدق} أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قال بعض العارفين: إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه، يقول: يا ملك الموت! أخرني يوماً أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحاً لنفسي، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو، الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم، والقلب أمانة الله عند عبده، قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام: أحدهما إذا خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني، والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب. ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ليكون أفضل، أو يكون إدغامها اختصاراً لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز في القول كما طلب في الزمن، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو {وأكن} بالجزم عطفاً على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره، فإن حال هذا الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن "أخرتني أتصدق" ولكنه حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع، فإن الجازم غير موجود، ومعنى ما قال غيره أن "لولا" لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط، فكأنه قيل: أخرني، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوماً لفظاً والمقرون بها مجزوماً محلاً فـ"اكن" عطف على المحل، ونصب أبو عمرو عطفاً على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه "لولا" وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال: إنها للاختصار، وهو ظاهر، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد، ومن هنا تعرف جلالة القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ولو احتمالاً {من الصالحين *} أي العريقين في هذا الوصف العظيم، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكداً لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفاً على ما تقديره: فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد: {ولن} ويجوز أن تكون الجملة حالاً أي قال ذلك والحال أنه لن {يؤخر الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {نفساً} أي أيّ نفس كانت، وحقق الأجل بقوله: {إذا جاء أجلها} أي وقت موتها الذي حده الله لها فلا يؤخر الله نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها: الله عالم فإنه يقول ذلك، عطف عليه قوله حاثاً على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذراً من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم: {والله} أي الذي له الإحاطة الشاملة علماً وقدرة {خبير} أي بالغ الخبرة والعلم ظاهراً وباطناً {بما تعملون *} أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب، وعلى قراءة أبي بكر عن عاصم بالغيب يمكن أن يراد المنافقون، ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفاً لهم، ولذلك علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما قص من أخبارهم{أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}تفسير : [الملك: 14] والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏}‏ قال‏:‏ هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلاة المفروضة الخمس ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏حديث : "‏من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت‏". فقال له رجل‏:‏ يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال‏:‏ سأتلو عليكم بذلك قرآناً ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏}‏ إلى آخر السورة‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏} ‏ الآية قال‏:‏ هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكه، ولم يحج منه، ولم يعط حق الله منه يسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكي، قال الله‏:‏ ‏{‏ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏} ‏ قال‏:‏ عن الصلوات الخمس وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وانفقوا مما رزقناكم‏} ‏ قال‏:‏ يعني الزكاة والنفقة في الحج‏. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء في قوله‏:‏ ‏ {‏لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏}‏ قال‏:‏ الصلاة المفروضة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏فأصدق‏}‏ قال‏:‏ أزكي ‏ {‏وأكون من الصالحين‏} ‏ قال‏:‏ أحج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏فأصدق ‏"‏وأكون‏"‏ من الصالحين‏} ‏ قال‏:‏ أحج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ‏{‏فاصدق ‏"‏وأكون ‏"‏ من الصالحن‏}‏ بالواو‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن ثابت قال‏:‏ القراءة سنة من السنن فاقرؤوا القرآن كما اقرئتموه ‏{أية : ‏إن هذان لساحران‏}‏تفسير : ‏[طه: 63‏]‏ ‏ {‏فأصدق وأكن من الصالحين‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي لا يشغَلْكُم الاهتمامُ بتدبـيرِ أمورِهَا والاعتناءُ بمصالحِهَا والتمتعُ بها عن الاشتغالِ بذكرِهِ عزَّ وجلَّ من الصلاةِ وسائرِ العباداتِ المذكّرةِ للمعبودِ والمرادُ نهيهُم عنِ التَّلهّي بهَا، وتوجيهُ النهيِ إليهَا للمبالغةِ كما في قولِهِ تعالَى: { أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ} تفسير : [سورة المائدة، الآية 2] الخ {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي التَّلهي بالدُّنيا منَ الدينِ {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي الكاملونَ في الخسرانِ حيثُ باعُوا العظيمَ الباقِي بالحقيرِ الفانِي {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي بعضَ ما أعطينَاكُم تفضلاً منْ غيرِ أنْ يكونَ حصولُهُ من جهتِكُم ادخاراً للآخرةِ {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} بأنْ يشاهدَ دلائلَهُ ويعاينَ أماراتِهِ ومخايلَهُ، وتقديمُ المفعولِ على الفاعلِ لما مرَّ مراراً من الاهتمامِ بما قُدِّمَ والتشويقِ إلى ما أُخِّر {فَيَقُولُ} عند تيقنِه بحلولِهِ {رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى} أي أمهلتَنِي {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي أمدٍ قصيرٍ {فَأَصَّدَّقَ} بالنصبِ على جوابِ التمنِي وقُرِىءَ فأتصدقَ {وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} بالجزمِ عطفاً على محلِّ فأصدقَ كأنه قيلَ إنْ أخرتنِي أصدقْ وأكنْ وقُرِىءَ وأكونَ بالنصبِ عطفاً على لفظِهِ وقُرِىءَ وأكونُ بالرفعِ أي وأنَا أكونَ، عِدة منه بالصلاحِ {وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْساً} أي ولَنْ يُمهلَهَا {إِذَا جَاء أَجَلُهَا} أي آخرُ عُمرِهَا أو انتهى إنْ أُريدَ بالأجلِ الزمانُ الممتدُ من أولِ العمرِ إلى آخرِهِ {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فمجازيكُم عليهِ إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌّ فسارَعُوا في الخيراتِ واستعدُّوا لما هُو آتٍ وقُرِىءَ يعملُونَ بالياءِ التحتانيةِ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قَرأ سورةَ المنافقينَ برىءَ من النفاقِ".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ}[9] عن أداء الفرائض في مواقيتها، فإن من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا شيئاً لشهوته، ووجد في عبادته نشاطاً فهو مخدوع، إلا الذي يأخذها الله عزَّ وجلَّ. وقد حكي أن سلمان دخل عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعوده فبكى سلمان فقال: ما يبكيك يا أبا عبدالله، توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد حوضه. فقال سلمان: أما إني لست أبكي جزعاً على الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهداً فقال: "حديث : ليكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب"تفسير : ، وحولي هذه الأوساد ـ جمع وسادة ـ وإنما كان حوله لحافه ومطهرته وجفنته. فقال سعد: يا أبا عبد الله، اعهد إلينا عهداً نأخذه بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله تعالى عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا أقسمت. والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 9]. قال سهل: لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن أداء الفرائض فى أول مواقيتها فإن من شغله عن ذكر الله وخدمته عَرَض من عروض الدنيا فهو من الخاسرين.

القشيري

تفسير : لا تُضَيِّعوا أمورَ دينكم بسبب أموالكم وأولادكم بل آثروا حقَّ الله، واشْتَغِلوا به يَكْفِكُم أمور دنياكم وأولادكم؛ فإذا كُنْتَ لله كان اللَّهُ لك. ويقال: حقُّ الله مما ألزمكَ القيامَ به، وحقُّك ضمن لك القيام به؛ فاشتغِلْ بما كُلِّفْتَ لا بما كُفِيت.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} بيان ان من لم يبلغ درجة التمكين في معرفة لا يجوز له الدخول فى الدنيا من الاهل وامال فانها شواغل قلوب الذاكرين عن ذكر الله ومن كان مستقيما فى المعرفة وقرب المذكور فذكره قائم بذكر الله اياه وذلك حظه بان جعله محفوظا من الخطرات المذمومة والشاغلات المحجبة والضعفاء لا يخرجون من بحر هموم الدنيا فاذا باشر قلوبهم الحظوظ والشهوات لا يكون ذكرهم صافيا عن كدوريات الخطرات قال سهل لا يشغلكم اموالكم واولادكم عن اداء الفرائض فى اول مواقيتها فان من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا فهو من الخاسرين.

اسماعيل حقي

تفسير : {ياأيها الذين آمنوا} ايمانا صادقا {لاتلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله} فى الصحاح لهيت عن الشىء بالكسر ألهى لهيا ولهيانا اذا سلوت وتركت ذكره واضربت عنه وفى القاموس لها كدعا سلا وغفل وترك ذكره كتلهى وألهاء اى شغله ولهوت بالشىء بالفتح ألهو لهوا اذا لبعت به والمعنى لايشغلنكم الاهتمام بتدبير امورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكره تعالى من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود ففى ذكر الله مجاز اطلق المسبب وأريد السبب قال بعضهم الذكر بالقلب خوف الله وباللسان قرآءة القرءآن والتسبيح والتهليل والتمجيد والتكبير وتعلم علم الدين وتعليمه وغيرها وبالابدان الصلاة وسائر الطاعات والمراد نهيهم عن التلهى بها اى عن ترك ذكر الله بسبب الاشتغال بها وتوجيه النهى اليها للمبالغة بالتجوز بالسبب عن المسبب كقوله تعالى {أية : فلا يكن فى صدرك حرج}تفسير : وقد ثبت ان المجاز ابلغ وقال بعضهم هو كناية لان الانتقال من لاتلهكم الى معنى قولنا لاتلهوا انتقال من اللازم الى الملزوم وقد كان المنافقون بخلاء باموالهم ولذا قالوا لاتنفقوا على من عند رسول الله ومتعززين بأولادهم وعشائرهم مشغولين بهم وباموالهم عن الله وطاعته وتعاون رسوله فنهى المؤمنون أن يكونوا مثلهم فى ذلك {ومن يفعل ذلك} اى التلهى بالدنيا والاشتغال بما سواه عنه ولو فى اقل حين {فاولئك هم الخاسرون} اى الكاملون فى الخسران حيث باعوا العظيم الباقى بالحقير الفانى (قال الكاشفى) مقتضاى ايمان آنست كه دوستى خداى تعالى غالب بود بردوستى همه اشيا تاحدى كه اكر تمام نوال دنيا ومجمع نعم آخرت بروى عرض كنند بنظر در هيج كدام ننكرد شعر : جشم دل ازنعيم دو عالم به بسته ايم مقصود ماز دنيى وعقبى تويى وبس تفسير : وفى الحديث "حديث : ماطعلت الشمس الا بجنبيها ملكان يناديان ويسمعان الخلائق غير الثقلين ياايها الناس هلموا الى ربكم ماقل وكفى خير مما كثر والهى"تفسير : وفى الآية اشارة الى كمل ارباب الايمان الحقيقى الشهودى يقول الله لهم لاتشغلكم رؤية أموال اعمالكم الصالحة من الصلاة والزكاة والحج والصوم ولا اولاد الاحوال التى هى نتيجة الاعمال من المشاهدات والمكاشفات والمواهب الروحانية والعطايا الربانية عن ذكر ذاته وصفاته واسمائه وظهوره فى صورة الاعمال والاحوال ومن يفعل ذلك فانما يشغل بالخلق ويحتجب بالنعمة عن المنعم فاولئك هم الخاسرون خسروا رأس مال التجارة وما ربحوا الا الخسران وهو حجاب عن المشهود الحقيقى قال بعضهم فى الآية بيان ان من لم يبلغ درجة التمكين فى المعرفة لايجوز له الدخول فى الدنيا من الاهل والمال الولد فانها شواغل قلوب الذاكرين عن ذكر الله ومن كان مستقيما فى المعرفة وقرب المذكور فذكره قائم بذكر الله اياه فيكون محفوظا من الخطرات المذمومة والشاغلات الحاجبة واما الضعفاء فلا يخرجون من بحر هموم الدينا فاذا باشرت قلوبهم الحظوظ والشهوات لايكون ذكرهم صافيا عن كدورات الخطرات وقال سهل قدس سره لايشغلكم اموالكم ولا اولادكم عن ادآء الفرآئض فى اول مواقيتها فان من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا فهو من الخاسرين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكُم} أي: لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها، والاعتناء بمصالِحها، والتمتُّع بها، {ولا أولادُكم} أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والاستغراق في الأسباب، للنفقة عليهم {عن ذكر الله} أي: عن الاشتغال بذكره عزّ وجل، من الصلاة، والذكر، وسائر العبادات، والمراد: نهيهم عن التلهي بها، وتوجيه النهي لهم للمبالغة، كقوله تعالى: {أية : وَلآ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَآنُ قَوْمٍ } تفسير : [المائدة:2]، {ومن يفعل ذلك} أي: التلهي بالدنيا عن الدين {فأولئك هم الخاسرون}؛ الكاملون في الخسران، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. {وأَنفِقوا مِن مَّا رزقناكم} أي: بعض ما رزقناكم، تفضُّلاً، من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخاراً للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، {مِن قبل أن يأتي أحدَكُم الموتُ} بأن يُشاهد دلائله، ويُعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدّم، والتشويق لِما أخّر، {فيقولَ} حين تَيَقُنِه بحلوله: {لولا أخَّرتني}؛ أمهلتني {إلى أجلٍ قريب}؛ أمدٍ قصيرٍ، {فأصَّدَّقَ} بالنصب, جواب التمني, {وأكن من الصالحين} بالجزم، عطفاً على محل {فأصَّدق} أو: على توهُّم إسقاط الفاء، كأنه قيل: إن أخرتني أصَّدَّق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفاً على اللفظ. {ولن يُؤخر اللهُ نفساً}؛ لن يمهلها {إِذا جاء أجَلُهَا}؛ آخر عُمْرِها المكتوب في اللوح. {واللهُ خبير بما تعملون} فيُجَازيكم عليه، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، فسارعوا إلى الخيرات، واستعِدوا لما هو آت. قال ابن عباس: ما قصَّر أحد في الزكاة والحجِّ إلاَّ سأل الرجعة عند الموت. هـ. والظاهر: أنَّ كل مَن قصَّر في الاجتهاد، وتعمير الأوقات، كله يطلب الرجعة، وكل مَن أدركته المنية قبل الوصول إلى الله مغبون، ولذلك ذكر التغابن بعدها، وفي الحديث: "حديث : ما مِن أحدٍ إلاَّ سيندم عند الموت، إن كان عاصياً أن لو تاب، وإن كان طائعاً أن لو زاد" تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قال في غريب المنتقى: إنّ العبد يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أَخِّرني يوماً أعتذر فيه إلى ربي، وأتوب وأتزوّد صالحاً لنفسي، فيقول المَلك: فَنيت الأيامُ، فلا يوم، فيقول: أخَّرني ساعة، فيقول: فَنِيَت الساعات فلا ساعة. هـ. قيل: لمَّا كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة، أُشير فيها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ولن يُؤخر اللهُ نفساً إِذا جاء أجلها} فإنه صلى الله عليه وسلم مات على رأس ثلاث وستين سنة, وعقبها بالتغابن، ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم. هـ. الإشارة: قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويُقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما مِن وقت من الأوقات إلاَّ وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يُقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تُقضى في غيرها، ولمّا كان الذِكر يُطهِّر القلب، ويُخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به؛ ليسهل الإنفاقَ على العبد. قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه: الذكر منشور الولاية، ولا بُد منه في البداية والنهاية، وهو يُثمر أحوالاً شريفة، وماقامات عالية منيفة، وعلوماً لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قَبْلُ مواتاً، ويُلبِسُ النفسَ وجنودَها ذلة وسُبَاتاً، ونظيره إذا وصل للقلب: كدخول الماء في الأسراب، فإنه يُخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سُويداءه، فإنه يُخلصه مِن مساكنة صلصال النفس، ويُزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال, وفُضّل على جهاد السيف والقتال. هـ. وأنفِقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمَن يطلبها وكان أهلاً لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلاَّ فلا خير في فقير شحيح، فإنه مِن أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادِروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري: لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقَّبوا بغَتَات آجالكم، وتأهَّبوا لِما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه, وسلّم.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} فانّ القلب للطافته يران عليه ويقسيه اشتغاله بالكثرات الخياليّة وذكر الله يجلوه عن الرّين، فلو اشتغل الانسان بالاموال والاولاد فاذا كان ذاكراً لله صار الذّكر جالياً لقلبه عن الرّين، واذا كان غافلاً عن ذكر الله صار الرّين متراكماً على قلبه بحيث يتشكّك اوّلاً ثمّ يكفر وينافق {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} لاتلاف بضاعتهم وعدم اخذ العوض له.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم} الآية، قيل: نزلت في المنافقين الذين آمنوا ظاهراً، وقوله: {من الصالحين} المؤمنين المخلصين، وقيل: نزلت في المؤمنين وأراد بالصالحين أي بالأعمال الصالحة {عن ذكر الله}، قيل: أراد جميع طاعاته، وقيل: أراد الصلوات الخمس {ومن يفعل ذلك} أي يلهو عن ذكر الله {فأولئك هم الخاسرون} خسروا ثواب الله {وانفقوا مما رزقناكم}، قيل: في الجهاد، وقيل: في سبيل البر وتدخل فيه الزكاة {من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخّرتني إلى أجل قريب} أي أمهلتني، وذلك إذا عاين عذاب الآخرة سأل الرجعة {فأصّدق} أي أتصدق {وأكن من الصالحين}، قيل: من المؤمنين المخلصين، والآية في المنافقين، وقيل: من المطيعين لله والآية في المؤمنين، وروي: لا ينزل بأحد الموت ولم يحج ولا أدى الزكاة الا تمنى الرجعة ويقول: {لولا أخّرتني إلى أجل قريب} زمان قليل ولن يجاب، ولو رأى خيراً ما سأل الرجعة {ولن يؤخر الله} نفي التأخير على وجه التأكيد {والله خبير بما تعملون} أي عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها وقرئ تعملون بالياء والتاء.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} وبلغنا أنها نزلت في المنافقين. يقول: يا أيها الذين أقروا باللسان: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} أي: عن حق الإِيمان بالله. وبعضهم يقول: عن الصلاة المكتوبة {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا في النار وخسروا الجنة. قال عز وجل: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} يعني الزكاة المفروضة، وهي قصة المنافقين، كقوله عز وجل: (أية : وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) تفسير : [التوبة:54] وكقوله عز وجل: (أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) تفسير : [الماعون: 4-7] يعني الزكاة. قال عز وجل: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلآ} أي: هلا {أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت، قريب، وإِنَّ عمر العبد قليل. قال: {فَأَصَّدَّقَ} أي فأزكى {وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} أي: فأحجّ، ومثلها في سورة المؤمنون قوله عز وجل: (أية : حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) تفسير : أي إلى الدنيا (أية : لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) تفسير : [المؤمنون: 99-100] قال الله عز وجل: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُم أَمْوَالُكُم وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها ومحبتها عن العبادة كالصلاة والقرآن وغيرهما نفلا وفرضا ولا بطلب نماءها وايجاد ما ينفع إلا ولا في الحياة والممات قيل توجبه اللهو إلى ذلك مبالغة ولذلك قال {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} اللهو بها والاشتغال {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} في تجارتهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني صاروا في النار وخسروا الجنة وقيل ذكر الله القرآن وقيل الصلوات الخمس وقيل الفرائض وعليه الحسن وقال الكلبي: الجهاد ومن عيوب النفس الاشتغال بما لا يعني والخوض مع اهلها ودواءه ان يعلم ان وقته اعز الاشياء فليشغله باعز الاشياء وهو ذكر الله ومداومة الطاعة والاخلاص من النفس وفي الحديث "حديث : من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه"تفسير : وعن الحسين بن منصور عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك وروي أنها نزلت في المنافقين تلهيهم أموالهم وأولادهم فآمنوا بمعنى أقروا بألسنتهم والصحيح أنها نهي للمؤمنين أن يلهوا كالمنافقين.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي لا يشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكر الله عز وجل من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود الحق جل شأنه، فذكر الله تعالى مجاز عن مطلق العبادة كما يقتضيه كلام الحسن وجماعة، والعلاقة السببية لأن العبادة سبب لذكره سبحانه وهو المقصود في الحقيقة منها. وفي رواية عن الحسن أن المراد به جميع الفرائض، وقال الضحاك وعطاء: الذكر هنا الصلاة المكتوبة، وقال الكلبـي: الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: القرآن، والعموم أولى، ويفهم كلام «الكشاف» أن المراد بالأموال والأولاد الدنيا، وعبر بهما عنها لكونهما أرغب الأشياء منها قال الله تعالى: { أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 46] فإذا أريد بذكر الله العموم يؤول المعنى إلى لا تشغلنكم الدنيا عن الدين، والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوة تسببها للهو وشدة مدخليتها فيه جعلت كأنها لاهية، وقد نهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم الخ، فالتجوز في الإسناد، وقيل: إنه تجوز بالسبب عن المسبب كقوله تعالى: { أية : فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ } تفسير : [الأعراف: 2] أي لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم الخ. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي اللهو بها وهو الشغل، وهذا أبلغ مما لو قيل: ومن تلهه تلك {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة. وكأنه لما نهي المنافقون عن الإنفاق على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأريد الحث على الإنفاق جعل قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ تمهيداً وتوطئة للأمر بالإنفاق لكن على وجه العموم في قوله سبحانه: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من كشف أحوال المنافقين المسوق للحذر منهم والتحذير من صفاتهم، إلى الإِقبال على خطاب المؤمنين بنهيهم عما شأنُه أن يشغل عن التذكر لما أمر الله ونهى، ثم الأمر بالإِنفاق في سبل الخير في سبيل الله ومصالح المسلمين وجماعتهم وإسعاف آحادهم، لئلا يستهويهم قول المنافقين {أية : لا تنفقوا على من عند رسول الله}تفسير : [المنافقين: 7] والمبادرة إلى ذلك قبل إتيان الموت الذي لا يُدْرى وقت حلوله حين تمنى أن يكون قد تأخر أجله ليزيد من العمل الصالح فلا ينفعه التمني وهو تمهيد لقوله بعده {أية : وأنفقوا من ما رزقناكم}تفسير : [المنافقون: 10]، فالمناسبة لهذا الانتقال هو حكاية مقال المنافقين ولذلك قدم ذكر الأموال على ذكر الأولاد لأنها أهم بحسب السياق. ونودي المخاطبون بطريق الموصول لما تؤذن به الصلة من التهمم لامتثال النهي. وخص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن الاشتغال بها اشتغالاً يلهي عن ذكر الله لأن الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد. ولأنها كما تشغل عن ذكر الله بصرف الوقت في كسبها ونمائها، تشغل عن ذكره أيضاً بالتذكير لكنزها بحيث ينسى ذكر ما دعا الله إليه من إنفاقها. وأما ذِكر الأولاد فهو إدماج لأن الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم من شأنه أن ينسي عن تذكر أمر الله ونهيه في أوقات كثيرة فالشغل بهذين أكثر من الشغل بغيرهما. وصيغ الكلام في قالب توجيه النهي عن الإِلهاء عن الذكر، إلى الأموال والأولاد والمراد نهي أصحابها، وهو استعمال معروف وقرينته هنا قوله: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. وأصله مجاز عقلي مبالغة في نهي أصحابها عن الاشتغال بسببها عن ذكر الله، فنُزّل سبب الإِلهاء منزلة اللاَّهي للملابسة بينهما وهو كثير في القرآن وغيره كقوله: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان}تفسير : [الأعراف: 27] وقولهم لا أعرفنك تفعل كذا. و{لا} في قوله: {ولا أولادكم} نافية عاطفة {أولادكم} على {أموالكم}، والمعطوف عليه مدخول {لا} الناهية لأن النهي يتضمن النفي إذ هو طلب عدم الفعل فـ{لا} الناهية أصلها {لا} النافية أشربت معنى النهي عند قصد النهي فجزمت الفعل حملاً على مضادة معنى لام الأمر فأكد النهي عن الاشتغال بالأولاد بحرف النفي ليكون للاشتغال بالأولاد حظ مثل حظ الأموال. و{ذكر الله} مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي. فيشمل الذكر باللسان كالصلاة وتلاوةِ القرآن، والتذكر بالعقل كالتدبر في صفاته واستحْضار امتثاله قال عمر بن الخطاب: «أفضل من ذكر الله باللسان ذِكر الله عند أمره ونهيه». وفيه أن الاشتغال بالأموال والأولاد الذي لا يُلهي عن ذكر الله ليس بمذموم وله مراتب. وقوله: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، دليل على قول علماء أصول الفقه «النهيُ اقتضاءُ كفَ عن فعل». والإِشارة بـ{ذلك} إلى اللهو عن ذكر الله بسبب الأموال والأولاد، أي ومن يُلْهِ عن ذكر الله، أي يترك ذكر الله الذي أوجبه مثل الصلاة في الوقت ويترك تذكر الله، أي مراعاة أوامره ونواهيه. ومتى كان اللهو عن ذكر الله بالاشتغال بغير الأموال وغير الأولاد كان أولى بحكم النهي والوعيد عليه. وأفاد ضمير الفصل في قوله: {فأولئك هم الخاسرون} قصرَ صفة الخاسر على الذين يفعلون الذي نُهوا عنه، وهو قصر ادعائي للمبالغة في اتصافهم بالخسران كأن خسران غيرهم لا يعد خسراناً بالنسبة إلى خسرانهم. والإِشارة إليهم بـ{أولئك} للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإِشارة بسبب ما ذكر قبل اسم الإِشارة، أعني اللهو عن ذكر الله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام عليه عند قوله تعالى:{أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 46]، وقد بين سبب لهو المال والولد عن ذكر الله، بأن العبد يفتن في ذلك في قوله تعالى الآتي في سورة التغابن: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [التغابن: 15]. أي لمن سخر المال في طاعة الله، وبالتأمل في آخر هذه السورة، وآخر التي قبلها نجد اتحاداً في الموضوع والتوجيه. فهناك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}تفسير : [الجمعة: 11]. وجاء عقبه مباشرة سورة: إذا جاءك المنافقون، ولعله مما يشعر أن الذين بادروا بالخروج للعير هم المنافقون، وتبعهم الآخرون لحاجتهم لما تحمل العير، وهنا بعد ما ركن المنافقون للمال جاء {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}تفسير : [المنافقون: 7] فكانت أموالهم فتنة لهم في مقالتهم تلك، فحذر الله المؤمنين بقوله: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّه} سواء كان المراد بالأموال خصوص ذكر الخطبة والعير المتقدم ذكرهما، أو عموم العبادات والمكتسبات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم: أي لا تشغلكم. عن ذكر الله: كالصلاة والحج وقراءة القرآن وذكر الله بالقلب واللسان. ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون: أي ومن أَلهته أمواله وأولاده عن أداء الفرائض فترك الصلاة أو الحج وغيرهما من الفرائض فقد خسر ثواب الآخرة. وأنفقوا مما رزقكم الله: أي النفقة الواجبة كالزكاة وفي الجهاد والمستحبة. لولا أخرتني: أي هلا أخرتني يطلب التأخير ولا يقبل منه. فأصّدق وأكن من الصالحين: أي حتى أزكى وأحج وأكثر من النوافل والأعمال الصالحة. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} نادى تعالى المؤمنين لينصح لهم أن لا تكون حالهم كحال المنافقين الذين تقدم في السياق تأديبهم فقال لهم يا من آمنتم بالله ورسوله: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم أي لا تشغلكم عن ذكر الله بأداء فرائضه واجتناب نواهيه والإِكثار من طاعته والتقرب إليه بأنواع القرب. ثم خوفهم نصحاً لهم بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي بأن ألهته أمواله وأولاده عن عبادة الله فأولئك البعداء هم الخاسرون يوم القيامة بحرمانهم من الجنة ونعيمها ووجودهم في دار العذاب لا أهل لهم فيها ولا ولد. وبالغ عز وجل في إرشادهم فقال: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} مبادرين الأجل فإنكم لا تدرون متى تموتون. من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول متمنياً طالباً حاثاً في طلبه. ربّ أي يا رب لولا أخرتني إلى أجل قريب أي إلى وقت قريب من هذا فأصدق بمالي، وأكن من الصالحين فأحج وأتقرب إليك يا رب بما تحب من أنواع القربات والطاعات ولكن لا ينفعه التمني ولا الطلب والدعاء، لأن حكم الله الأزلي أنه تعالى لن يؤخر نفساً أي نفس إذا جاء أجلها أي إذا حضر وقت وفاتها وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يحض المؤمنين على إصلاح أعمالهم والتزود لآخرتهم بإعلامهم بأنه مطلع على أعمالهم خبير بها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة التشاغل بالمال والولد مع تضييع بعض الفرائض والواجبات. 2- حرمة تأخير الحج مع القدرة على أدائه تسويفاً وتماطلاً مع الإِيمان بفرضيته. 3- وجوب الزكاة والترغيب في الصدقات الخاصة كصدقة الجهاد والعامة على الفقراء والمساكين. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَمْوَالُكُمْ} {أَوْلاَدُكُمْ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (9) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَبِأَلاَّ يَشْغَلَهُمْ مَا لَهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِهَّمْ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ مَنِ التَهَى عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ بِمَتَاعِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، فَإِنَّهُ مِنَ الخَاسِرِينَ الذِينَ يَخْسَرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. لاَ تُلْهِكُمْ - لاَ تَشْغَلْكُمْ وَتَصْرِفْكُمْ. ذِكَرِ اللهِ - عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره، فإن في ذلك الربح والفلاح، والخيرات الكثيرة، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، فإن محبة المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس، فتقدمها على محبة الله، وفي ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: يلهه ماله وولده، عن ذكر الله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } للسعادة الأبدية، والنعيم المقيم، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } . تفسير : وقوله: { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ } يدخل في هذا، النفقات الواجبة، من الزكاة والكفارات ونفقة الزوجات، والمماليك، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة، كبذل المال في جميع المصالح، وقال: { مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ } ليدل ذلك على أنه تعالى، لم يكلف العباد من النفقة، ما يعنتهم ويشق عليهم، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم الله الذي يسره لهم ويسر لهم أسبابه. فليشكروا الذي أعطاهم، بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك، الموت الذي إذا جاء، لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير، ولهذا قال: { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ } متحسرًا على ما فرط في وقت الإمكان، سائلا الرجعة التي هي محال: { رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي: لأتدارك ما فرطت فيه، { فَأَصَّدَّقَ } من مالي، ما به أنجو من العذاب، وأستحق به جزيل الثواب، { وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } بأداء المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا، الحج وغيره، وهذا السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال: { وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا } المحتوم لها { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه منكم، من النيات والأعمال. تم تفسير سورة المنافقين، ولله الحمد