Verse. 5198 (AR)

٦٣ - ٱلْمُنَافِقُون

63 - Al-Munafiqoun (AR)

وَاَنْفِقُوْا مِنْ مَّا رَزَقْنٰكُمْ مِّنْ قَبْلِ اَنْ يَّاْتِيَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُوْلَ رَبِّ لَوْلَاۗ اَخَّرْتَنِيْۗ اِلٰۗى اَجَلٍ قَرِيْبٍ۝۰ۙ فَاَصَّدَّقَ وَاَكُنْ مِّنَ الصّٰلِحِيْنَ۝۱۰
Waanfiqoo min ma razaqnakum min qabli an yatiya ahadakumu almawtu fayaqoola rabbi lawla akhkhartanee ila ajalin qareebin faassaddaqa waakun mina alssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنفقوا» في الزكاة «مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا» بمعنى هلا، أو لا زائدة ولو للتمني «أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق» بإدغام التاء في الأصل في الصاد أتصدق بالزكاة «وأكن من الصالحين» بأن أحج، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت.

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً. وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها. الثانية ـ: قوله تعالى: {فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحاً. وروى الترمذي عن الضحاك بن مُزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلِّغه حجّ بيت رَبّه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن عباس، اتق الله، إنما سأل الرجعةَ الكفارُ. فقال: سأتلو عليك بذلك قرآناً {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }. إلى قوله ـ {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعداً. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة. «قلت»: ذكره الحَلِيمِيّ أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب (مِنهاج الدِّين) مرفوعاً فقال: وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان عنده مال يبلّغه الحج...» تفسير : الحديث؛ فذكره. وقد تقدم في «آل عمران» لفظه. الثالثة ـ: قال ابن العربِيّ: «أخذ ابن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصّةً دون النفل؛ فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموماً وتقديراً بالمائتين. وأما القول في الحج ففيه إشكال؛ لأنّا إن قلنا: إن الحج على التراخي ففي المعصية في الموت قبل الحج خلاف بين العلماء؛ فلا تُخَرَّج الآية عليه. وإن قلنا: إن الحج على الفور فالآية في العموم صحيح؛ لأن من وجب عليه الحج فلم يؤدّه لقي من الله ما يودّ أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء. وليس لكلام ابن عباس فيه مدخل؛ لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما يدخل في المتفق عليه. والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن؛ لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق إليه تحقيق الوعيد. الرابعة ـ: قوله تعالى: {لَوْلاۤ} أي هَلاَّ؛ فيكون استفهاماً. وقيل: «لا» صلة؛ فيكون الكلام بمعنى التمني. {فَأَصَّدَّقَ} نصب على جواب التمني بالفاء. {وَأَكُن} عطف على «فَأَصَّدَّقَ» وهي قراءة أبي عمرو وابن مُحَيْصِن ومجاهد. وقرأ الباقون «وَأَكُنْ» بالجزم عطفاً على موضع الفاء؛ لأن قوله: «فَأَصَّدَّق» لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً؛ أي أصدق. ومثله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} تفسير : [الأعراف:186] فيمن جزم. قال ابن عباس: هذه الآية أشدّ على أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنَّى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. قلت: إلا الشهيد فإنه يتمنَّى الرجوع حتى يقتل، لما يرى من الكرامة. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من خير وشر. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو بكر عن عاصم والسُّلَميّ بالياء؛ على الخبر عمن مات وقال هذه المقالة. (تمت السورة بحمد الله وعونه).

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ } في الزكاة {مِن مَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلآ } بمعنى هلا، أو «لا» زائدة « ولو» للتمني {أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } بإدغام التاء في الأصل في الصاد أتصدّق بالزكاة {وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } بأن أحجّ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَنفِقُواْ} زكاة المال أو صدقة التطوع ورفد المحتاج ومعونة المضطر.

الخازن

تفسير : {وأنفقوا مما رزقناكم} قال ابن عباس يريد زكاة الأموال {من قبل أن يأتي أحدكم الموت} أي دلائل الموت ومقدماته وعلاماته فيسأل الرجعة {فيقول رب لولا أخرتني} أي هلا أمهلتني وقيل لو أخرت أجلي {إلى أجل قريب فأصدق} أي فأزكي مالي {وأكن} وقرىء وأكون {من الصالحين} أي المؤمنين وقيل نزلت هذه الآية في المنافقين ويدل على هذا أن المؤمن لا يسأل الرجعة وقيل نزلت في المؤمنين والمراد بالصلاح هنا الحج قال ابن عباس: ما من أحد يموت وكان له مال ولم يؤد زكاته أو أطاق الحج ولم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت وقرأ هذه الآية {وأن من الصالحين} أي أحج وأزكي {ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها} يعني أنه تعالى لا يؤخر من حضر أجله وانقضت مدته {والله خبير بما تعملون} يعني أنه لو رد إلى الدنيا وأجيب إلى ما سأل ما حج وما زكى وقيل هو خطاب شائع لكل عامل عملاً من خير أو شر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

القشيري

تفسير : لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقَّبوا بَغَتاتِ آجالِكم، وتأهَّبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولاتُعَرِّجوا في أوطان التسويف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وأنفقوا ممارزقناكم} اى بعض ما أعطيناكم تفضلا من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخال للآخرة يعنى حقوق واجب را اخراج نماييد، فالمراد هو الانفاق الواجب نظرا الى ظاهر الامر كما فى الكشاف ولعل التعميم اولى وانسب بالمقام {من قبل أن يأتى احدكم الموت} بأن يشاهد دلائله ويعاين اماراته ومخايله وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما تقدم والتشويق الى ما تأخر ولم يقل من قبل ان يأتيكم الموت فتقولوا اشارة الى ان الموت يأتيهم واحدا بعد واحد حتى يحيط بالكل {فيقول} عند تيقنه بحلوله {رب} اى آفريد كار من {لولا اخرتنى} هلا امهلتنى فلولا للتحضيض وقيل لا زآئدة للتأكيد ولو للتمنى بمعنى لو أخرتنى {الى اجل قريب} اى امد قصير وساعة اخرى قليلة وقال ابو الليث ياسيدى ردنى الى الدنيا وابقنى زمانا غير طويل وفى عين المعانى مثل ما اجلت لى فى الدنيا {فأصدق} تاتصدق كنم وزكاة ادا نمايم، وهو بقطع الهمزة لانها للتكلم وهمزته مقطوعة وبتشديد الصاد لان اصله أتصدق من التصدق فأدغمت التاء فى الصاد وبالنصب لانه مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء فى جواب التمنى فى قوله {لولا اخرتنى} {واكن من الصالحين} بالجزم عطفا على محل فأصدق كأنه قيل ان أخرتنى اصدق واكن وفيه اشارة ا لى ان التصدق من اسباب الصلاح والطاعة كما ان تركه من اسباب الفساد والفسق والفرق بين التصدق والهداية ان التصدق للمحتاج بطريق الترحم والهداية للحبيب لاجل المودة ولذا كان عليه السلام يقبل الهدية لا الصدقة فرضا كنت او نفلا وعن ابن عباس رضى الله عنهما من كان له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه او مال يبلغه الى بيت الله فلم يحج يسأل عند الموت الرجعة فقال رجل اتق الله ياابن عباس انما سألت الكفار الرجعة قال ابن عباس رضى الله عنما انى اقرأ عليك هذا القرءآن فقال {أية : ياأيها الذين آمنوا}تفسير : الى قوله {فأصدق واكن من الصالحين} فقال الرجل ياابن عباس وما يوجب الزكاة قال مائتا درهم فصاعدا قال فما يوجب الحج قال الزاد والراحلة فالآية فى المؤمنين واهل القبلة لكن لاتخلو عن تعريض بالكفار وان تمنى الرجوع الى الدنيا لايختص بالكافر بل كل قاصر مفرط يتمنى ذلك قال بعض العلماء فى الآية دلالة على وجوب تعجيل الزكاة لان اتيان الموت محتمل فى كل ساعة وكذا غيرها من الطاعات اذا جاء وقتها لعل الاولى استحبابه فى اغلب الاوقات ولذا اختار بعض المجتهدين اول الوقت عملا بقوله عليه السلام "حديث : اول الوقت رضوان الله"تفسير : اى لان فيه المسارعة الى رضى الله والاهتمام بالعمل اذ لايدرى المرء أن يدرك آخر الوقت

الجنابذي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} من الاموال والقوى والاعراض، ومن نسب الافعال والاوصاف الى انفسكم، ومن انانيّاتكم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} فيؤخذ جميع ذلك منكم فلا تروا شيئاً ممّا تنسبونه الى انفسكم {فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} يعنى الى مدّةٍ قريبةٍ من هذه المدّة ان كان هذا القول حال الاحتضار، او من مدّةٍ قريبةٍ من وقت الموت ان كان هذا القول فى القيامة او فى البرزخ {فَأَصَّدَّقَ} فأتصدّق ممّا ينبغى ان يتصدّق منه {وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} مجزوم معطوف على مجموع الفاء وما بعده فانّه واقع موقع المضارع المجزوم فى جواب لولا، وقرئ منصوباً عطفاً على ما بعد الفاء، ومرفوعاً بتقدير انا اكون من الصّالحين.

اطفيش

تفسير : {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} من للتبعيض والمراد الزكاة قاله ابن عباس يعني وما كان واجبا كمال يصرفه الحاج عن نفسه ومال ينفقه الرجل على من لزمته نفقته وقال جماعة المراد النفقة الواجبة والمندوبة وقيل نفقة الحج. {مِّن قَبلِ أَن يَأَتِىَ أَحَدَكُمُ المَوْتَ} أي دلائله ويعاين مآسيه معه من الامهال ويفوت وقت العمل والقبول فيتحسر على المنع وبعض انامله على فقد ما كان متمكنا منه كما قال الغفور الرحيم {فَيَقُولَ} يا {رَبِّ لَوْلا} حرف تحضيض أو لا زائدة واو حرف تمن {أَخَّرْتَنِى} امهلتني واخرت موتي وقرىء باسقاط الياء {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} زمن قريب قليل استدرك فيه الفوت واوسي الجرح وعن ابن عباس: أرادوا بالأجل القريب مثل أجهلم في الدنيا وعمر العبد قليل. {فَأَصَّدَّقَ} بالنصب في جواب التحضيض أو التمني واصله اتصدق ابدلت التاء صادا وادغمت وقرأ ابي بالاصل {وَأَكُن} بالجزم عطفا على المعنى اعني على تقدير اسقاط الفاء من قوله فاصدق فيكون مجزوما في جواب التحضيض أو التمني فيعطف عليه بالجزم أي ان اخرتني اصدق واكن، {مِّنَ الصَّالِحِينَ} بالتدارك ويسمى مثل ذلك العطف في غير القرآن عطف توهم قال ابن هشام: قال السيرافي والفارسي: عطف على محل فأصدّق ليست في محل جزم كما هي في محله في ومن يضلل الله فلا هادي له انتهى ومثل قولهما. قال القاضي: ولعل مراد القاضي ومرادهما ان اصدق في تأويل مصدر خبر لمحذوف والجملة جواب شرط محذوف أي ان اخرتني فامري التصديق وقرأ عمرو واكون بالنصب عطفا على اللفظ وقرا عبيد بن عمير بالرفع أي وانا اكون فذلك عدة بالصلاح وعن ابن عباس تصدقوا من قبل ان ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وعنه ما يمنع احدكم اذا كان له مال ان يزكي واذا اطاق الحج ان يحج من قبل ان يأتيه الموت فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها وعنه نزلت في مانعي الزكاة وقال: والله لو رأى خير لما سأل الرجعة فقيل له: أما تتقي الله يسأل المؤمنون الكرة قال: نعم انا اقرأ عليكم به قرآنا يعني انها نزلت في اهل القبلة كما قال عكرمة والحسن القائل ما من احد لم يزك ولم يصم ولم يحج الا سأل الرجعة قيل معنى فاصدق فاحج وقيل غير ذلك على حد ما مر في الانفاق والآية تدل على ان وصية الحقوق التي لا خصم فيها من الثلث كالكفارة والعتق فإن التحسر عن التصدق انما هو لفوته اياهم إلا من الثلث اذ لو كان يصح على كل كيفية ارادوها لما تحسروا لانه انما يتحسر الانسان عما فاته ولو كانوا يدركون كل ما اوصوا به ولو فوق الثلث لاوصوا به وزال التحسر عنه وفي الزكاة من الايضاح تلويح بذلك.

الالوسي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } أي بعض ما أعطيناكم وتفضلنا به عليكم من الأموال ادخاراً للآخرة {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } أي أماراته ومقدماته، فالكلام على تقدير مضاف، ولذا فرع على ذلك قوله تعالى: {فَيَقُولَ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى } أي أمهلتني {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي أمد قصير {فَأَصَّدَّقَ } أي فأتصدق، وبذلك قرأ أبـي وعبد الله وابن جبير. ونصب الفعل في جواب التمني والجزم في قوله سبحانه: {وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } بالعطف على موضع {فَأَصَّدَّقَ } كأنه قيل: إن أخرتني أصدّق وأكن، وإلى هذا ذهب أبو علي الفارسي والزجاج، وحكى سيبويه عن الخليل أنه على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني لأن الشرط غير ظاهر ولا يقدر حتى يعتبر العطف على الموضع كما في قوله تعالى: { أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } تفسير : [الأعراف: 186] فيمن قرأ بالجزم وهو حسن بيد أن التعبير بالتوهم هنا ينشأ منه توهم قبيح، والفرق بين العطف / على الموضع والعطف على التوهم أن العامل في العطف على الموضع موجود وأثره مفقود، والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود. واستظهر أن الخلاف لفظي فمراد أبـي علي والزجاج العطف على الموضع المتوهم أي المقدر إذ لا موضع هنا في التحقيق لكنهما فرا من قبح التعبير. وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبـي إسحٰق. ومالك بن دينار والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو {وأكون} بالنصب وهو ظاهر، وقرأ عبيد بن عمير {وأكون} بالرفع على الاستئناف، والنحويون وأهل المعاني قدروا المبتدأ في أمثال ذلك من أفعال المستأنفة، فيقال هنا: أي وأنا أكون ولا تراهم يهملون ذلك، ووجه بأن ذلك لأن الفعل لا يصلح للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا ولا بدونها، وتعقب بأنه لم يذهب إلى عدم صلاحيته لذلك أحد من النحاة وكأنه لهذا صرح العلامة التفتازاني بأن التزام التقدير مما لم يظهر له وجهه، وقيل: وجهه أن الاستئناف بالاسمية أظهر وهو كما ترى. وجوز كون الفعل على هذه القراءة مرفوعاً بالعطف على ـ أصدّق ـ على نحو القولين السابقين في الجزم. هذا وعن الضحاك أنه قال في قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ } يعني الزكاة والنفقة في الحج، وعليه قول ابن عباس فيما أخرج عنه ابن المنذر: {فَأَصَّدَّقَ } أزكى {وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أحج، وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت » تفسير : فقال له رجل: يا ابن عباس اتق الله تعالى فإنما يسأل الرجعة الكفار فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [المنافقون: 9] إلى آخر السورة كذا في «الدر المنثور». وفي «أحكام القرآن» [لابن العربي] رواية الترمذي عنه ذلك موقوفاً عليه، وحكى عنه في «البحر» وغيره أنه قال: إن الآية نزلت في مانع الزكاة، ووالله لو رأى خيراً لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله تعالى يسأل المؤمنون الكرة؟! فأجاب بنحو ما ذكر. ولا يخفى أن الاعتراض عليه وكذا الجواب أوفق بكونه نفسه ادّعى سؤال الرجعة ولم يرفع الحديث بذلك، وإذا كان قوله تعالى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِى } الخ سؤالاً للرجعة بمعنى الرجوع إلى الدنيا بعد الموت لم يحتج قوله تعالى: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} إلى تقدير مضاف كما سمعت آنفاً.

ابن عاشور

تفسير : هذا إبطال ونقض لكيد المنافقين حين قالوا: {أية : لا تنفقوا على من عند رسول الله}تفسير : [المنافقون: 7]، وهو يعمّ الإِنفاق على الملتفين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِنفاقَ على غيرهم فكانت الجملة كالتذييل. وفعل {أنفقوا} مستعمل في الطلب الشامل للواجب والمستحب فإن مدلول صيغة: افعل، مطلق الطلب، وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب. وفي قوله: {من ما رزقناكم} إشارة إلى أن الإنفاق المأمور به شكر لله على ما رزق المنفِق فإن الشكر صرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خُلق لأجله، ويعرف ذلك من تلقاء الشريعة. و{مِن} للتبعيض، أي بعض ما رزقناكم، وهذه توسعة من الله على عباده، وهذا البعض منه هو معيّن المقدار مثل مقادير الزكاة وصدقة الفطر. ومنه ما يتعين بسدّ الخلة الواجب سدّها مع طاقة المنفق كنفقات الحج والجهاد والرباط ونفقات العيال الواجبة ونفقات مصالح المسلمين الضرورية والحاجيّة، ومنه ما يتعين بتعين سببه كالكفارات، ومنه ما وكل للناس تعيينه مما ليس بواجب من الإِنفاق فذلك موكول إلى رغبات الناس في نوال الثواب فإن ذلك باب عظيم من القربى من رضى الله تعالى، وفي الحديث «حديث : الصدقة تُطفىء الخطايا كما يُطفىء الماءُ النارَ» تفسير : . وقد ذكَّر الله المؤمنين بما في الإِنفاق من الخير بأن عليهم أن يكثروا منه ما داموا مقتدرين قبل الفوت، أي قبل تعذر الإِنفاق والإِتيان بالأعمال الصالحة، وذلك حين يحسّ المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويُغْلَب على قواه فيسأل الله أن يؤخر مَوته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعاً أن يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له، فإن لم يكن في الأجل تأخير أو لم يقدر الله له الاستجابة فإنه خير كثير. و{لولا} حرف تحضيض، والتحضيض الطلب الحثيث المضطر إليه، ويستعمل {لولا} للعرض أيضاً والتوبيخ والتنديم والتمني على المجاز أو الكناية، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فلولا كانت قرية آمنت}تفسير : في سورة [يونس: 98]. وحق الفعل بعدها أن يكون مضارعاً وإنما جاء ماضياً هنا لتأكيد إيقاعه في دعاء الداعي حتى كأنه قد تحقق مثل {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1] وقرينة ذلك ترتيب فعلَيْ {فأصدق وأكُن من الصالحين} عليه. والمعنى: فيسأل المؤمن ربه سؤالاً حثيثاً أن يحقق تأخير موته إلى أجل يستدرك فيه ما اشتغل عنه من إنفاق وعمل صالح. ووصفُ الأجلِ بـ{قريب} تمهيد لتحصيل الاستجابة بناء على متعارف الناس أن الأمر اليسير أرجى لأن يستجيبه المسؤول فيغلب ذلك على شعورهم حين يسألون الله تنساق بذلك نفوسهم إلى ما عرفوا، ولذلك ورد في الحديث «حديث : لا يقولَنَّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألةَ فإنه لا مُكْره له»تفسير : . تنبيهاً على هذا التوهم فالقرآن حكى عن الناس ما هو الغالب على أقوالهم. وانتصب فعل {فَأَصَّدَّقَ} على إضمار (أنْ) المصدرية إضماراً واجباً في جواب الطلب. وأما قوله: {وأكُن} فقد اختلف فيه القراء. فأما الجمهور فقرأوه مجزوماً بسكون آخره على اعتباره جواباً للطلب مباشرة لعدم وجود فاء السببية فيه، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست عاطفة مفرداً على مفرد. وذلك لقصد تضمين الكلام معنى الشرط زيادة على معنى التسبب فيغني الجزم عن فعل شرط. فتقديره: إنْ تؤخرْني إلى أجل قريب أَكُن من الصالحين، جمعاً بين التسبب المفاد بالفاء، والتعليق الشرطي المفاد بجزم الفعل. وإذا قد كان الفعل الأول هو المؤثر في الفعلين الواقِع أحدهُما بعد فاء السببية والآخرُ بعد الواو العاطفة عليه. فقد أفاد الكلام التسبب والتعليق في كلا الفعلين وذلك يرجع إلى مُحسن الاحتباك. فكأنه قيل: لولا أخرتني إلى أجل قريب فَأَصَّدَّقَ وأكونَ من الصالحين. إن تؤخرني إلى أجل قريب أصَّدَّقْ وأكُنْ من الصالحين. ومن لطائف هذا الاستعمال أن هذا السائل بعد أن حثَّ سؤالَه أعقبه بأن الأمر ممكن فقال: إن تؤخرني إلى أجل قريب أصَّدق وأكن من الصالحين. وهو من بدائع الاستعمال القرآني لقصد الإِيجاز وتوفير المعاني. ووجَّه أبو علي الفارسي والزجاجُ قراءة الجمهور بجعل {وأكن} معطوفاً على محل {فأصَّدق}. وقرأه أبو عمرو وحده من بين العشرة {وأكونَ} بالنصب والقراءة رواية متواترة وإن كانت مخالفة لرسم المصاحف المتواترة. وقيل: إنها يوافقها رسم مصحف أَبيّ بن كعب ومصحفُ ابن مسعود. وقرأ بذلك الحسن والأعمش وابن محيض من القراءات غير المشهورة. ورويت عن مالك ابن دينار وابن جبير وأبي رجاء. وتلك أقل شهرة. واعتذر أبو عمرو عن مخالفة قراءته للمصحف بأن الواو حذفت في الخط اختصاراً يريد أنهم حذفوا صورة إشباع الضمة وهو الواو اعتماداً على نطق القارىء كما تحذف الألف اختصاراً بكثرة في المصاحف. وقال القراء العرب: قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه، أي كما أسقطوا الواو الثانية من داوود وبكثرة يكتبونه داود. قال الفراء: ورأيت في مصاحف عبد الله «فقُولا» نقلاً بغير واو، وكل هذا لا حاجة إليه لأن القرآن ملتقىًّ بالتواتر لا بهجاء المصاحف وإنما المصاحف معينة على حفظه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِن مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ}. فيه الإنفاق من بعض ما رزقهم، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، مبحث الاقتصاد في الإنفاق عند قوله في أول سورة البقرة: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}تفسير : [البقرة: 3].

د. أسعد حومد

تفسير : {رَزَقْنَاكُمْ} {ٱلصَّالِحِينَ} (10) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي طَاعَتِهِ مِنَ المَالِ الذِي جَعَلَهُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ أَجَلُهُمْ فَيَقُولُ هَؤُلاَءِ الذِينَ قَصَّرُوا فِي الطَّاعَةِ، وَفِي الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ: يَا رَبِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَّرْتَنِي مُدَّةً يَسِيرَةً، فَأُنْفِقَ فِي طَاعَتِكَ، وأَسْتَجِيبَ لأَِمْرِكَ، وأَكُونَ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ، الذِينَ تَرْضَى عَنْهُمْ. لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي - هَلاَّ أَمْهَلْتَنِي وَأَخَّرْتَنِي.