Verse. 5200 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

يُسَبِّــحُ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۚ لَہُ الْمُلْكُ وَلَہُ الْحَمْدُ۝۰ۡوَہُوَعَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱
Yusabbihu lillahi ma fee alssamawati wama fee alardi lahu almulku walahu alhamdu wahuwa AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض» ينزهه فاللام زائدة، وأتى بما دون من تغليبا للأكثر «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين، وأيضاً تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سراً وعلانية، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم، وهو قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر، قلنا: من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائماً، وهم الذين يسبحون، كما قال تعالى: {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، وقوله تعالى: {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } معناه إذا سبح لله ما في السموات وما في الأرض فله الملك وله الحمد، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وقال في «الكشاف»: قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدىء لكل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده، وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قيل: معناه وهو على كل شيء أراده قدير، وقيل: قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص. وقد مر ذلك، وفي الآية مباحث: الأول: أنه تعالى قال في الحديد: {أية : سَبَّحَ } تفسير : [الحديد: 1 ] والحشر والصف كذلك، وفي الجمعة والتغابن {يُسَبّحُ لِلَّهِ } فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه قد تقدم. البحث الثاني: قال في موضع: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [الحشر: 1] وفي موضع آخر {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الحديد: 1] فما الحكمة فيه؟ قلنا: الحكمة لا بد منها، ولا نعلمها كما هي، لكن نقول: ما يخطر بالبال، وهو أن مجموع السموات والأرض شيء واحد، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية، ثم الأرض من هذا المجموع شيء والباقي منه شيء آخر، فقوله تعالى: {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال، قال تعالى في بعض السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء، وغير ما في ذلك أيضاً ولا يلزم من وجود الشيء في المجموع أن يوجد في كل جزء من أجزائه إلا بدليل منفصل، فقوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما في السموات وعلى تسبيح ما في الأرض، كذلك بخلاف قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }.

القرطبي

تفسير : تقدم في غير موضع.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها وآيها ثماني عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} بدلالتها على كماله واستغنائه. {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } قدم الظرفين للدلالة على اختصاص الأمرين به من حيث الحقيقة. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء ثم شرع فيما ادعاه فقال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ } مقدر كفره موجه إليه ما يحمله عليه. {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } مقدر إيمانه موفق لما يدعوه إليه. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيعاملكم بما يناسب أعمالكم. {خَلقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } بالحكمة البالغة. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم. {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم كلياً كان أو جزئياً، لأن نسبة المقتضى لعلمه إلى الكل واحدة، وتقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } يا أيها الكفار. { نَبَأْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ } كقوم نوح وهود وصالح عليهم السلام. {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } ضرر كفرهم في الدنيا، وأصله الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل المطر الثقيل القطار. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. {ذٰلِكَ } أي المذكور من الوبال والعذاب. {بِأَنَّهُ } بسبب أن الشأن. {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات. {فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أنكروا وتعجبوا من أن يكون الرسل بشراً والبشر يطلق للواحد والجمع. {فَكَفَرُواْ } بالرسل {وَتَوَلَّواْ } عن التدبر في البينات. {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } عن كل شيء فضلاً عن طاعتهم. {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن عبادتهم وغيرها. {حَمِيدٌ } يدل على حمده كل مخلوق. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ } الزعم ادعاء العلم ولذلك يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن بما في حيزه. {قُلْ بَلَىٰ } أي بلى تبعثون. {وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ } قسم أكد به الجواب. {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } بالمحاسبة والمجازاة. {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لقبول المادة وحصول القدرة التامة. {فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ} محمد عليه الصلاة والسلام. {وَٱلنّورِ ٱلَّذِى أَنزَلْنَا } يعني القرآن فيه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فمجاز عليه. {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } ظرف {لَتُنَبَّؤُنَّ } أو مقدر باذكر، وقرأ يعقوب «نجمعكم». {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } لأجل ما فيه من الحساب والجزاء والجمع جمع الملائكة والثقلين. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } يغبن فيه بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس، مستعار من تغابن التجار واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } أي عملاً صالحاً. {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما. {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الإِشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.

ابن كثير

تفسير : هذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها، ولهذا قال تعالى: {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلقه ويقدّره. وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ثم قال تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل والحكمة {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي: أحسن أشكالكم؛ كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } تفسير : [الانفطار: 6 ــــ 8]. وكقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ}تفسير : الآية [غافر: 64]، وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع والمآب. ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية، فقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } أي ينزهه فاللام زائدة، وأتى ب «ما» دون «من» تغليباً للأكثر {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} أي: ينزهه سبحانه جميع مخلوقاته التي في سماواته وأرضه عن كل نقص وعيب {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } يختصان به ليس لغيره منهما شيء، وما كان لعباده منهما، فهو من فيضه وراجع إليه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } أي: فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن. قال الضحاك: فمنكم كافر في السرّ مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السرّ كافر في العلانية كعمار بن ياسر ونحوه ممن أكره على الكفر. وقال عطاء: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب. قال الزجاج: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان. والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه؛ لأن الله تعالى قدّر ذلك عليه وعلمه منه لأن وجود خلاف المقدّر عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل. قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، وهو الذي عليه جمهور الأمة، وقدّم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم. ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير أتبعه بخلق العالم الكبير فقال: {خلق ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ بِٱلْحَقّ } أي: بالحكمة البالغة. وقيل: خلق ذلك خلقاً يقيناً لا ريب فيه، وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: خلق ذلك لإظهار الحق، وهو أن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } قيل: المراد آدم خلقه بيده كرامة له، كذا قال مقاتل، وقيل: المراد جميع الخلائق، وهو الظاهر، أي: أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم وأجمل شكل. والتصوير: التخطيط والتشكيل. قرأ الجمهور: {فأحسن صوركم} بضمّ الصاد، وقرأ زيد بن عليّ، والأعمش، وأبو زيد بكسرها {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } في الدار الآخرة، لا إلى غيره {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} لا تخفى عليه من ذلك خافية {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } أي: ما تخفونه وما تظهرونه، والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم، وهي تذييلية. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } وهم كفار الأمم الماضية كقوم نوح، وعاد، وثمود، والخطاب لكفار العرب {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } بسبب كفرهم، والوبال: الثقل والشدّة، والمراد: بأمرهم هنا: ما وقع منهم من الكفر والمعاصي، وبالوبال ما أصيبوا به من عذاب الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وذلك في الآخرة، وهو عذاب النار؛ والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من العذاب في الدارين، وهو مبتدأ، وخبره {بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: بسبب أنها كانت تأتيهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة {فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أي: قال كل قوم منهم لرسولهم هذا القول منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك، وأراد بالبشر الجنس، ولهذا قال: {يهدوننا}. {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ } أي: كفروا بالرسل وبما جاءوا به، وأعرضوا عنهم ولم يتدبروا فيما جاءوا به، وقيل: كفروا بهذا القول الذي قالوه للرسل {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } عن إيمانهم وعبادتهم. وقال مقاتل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه من المعجزات، وقيل: استغنى بسلطانه عن طاعة عباده {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ } أي: غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مكث المنيّ في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى الربّ فيقول: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق»تفسير : ، وقرأ أبو ذرّ من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العبد يولد مؤمناً، ويعيش مؤمناً، ويموت مؤمناً، والعبد يولد كافراً، ويعيش كافراً، ويموت كافراً، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالسعادة، ثم يدركه ما كتب له فيموت شقياً، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاء، ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيداً».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فْمِنكُمْ كَافِرٌ} بأنه خلقه {وَمِنْكُم مُّؤمنٌ} بأنه خلقه، قاله الزجاج. الثاني: فمنكم كافر به وإن أقرّ به، ومنكم مؤمن به. قال الحسن: وفي الكلام محذوف وتقديره: فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق، فحذفه لما في الكلام من الدليل عليه. وقال غيره: لا حذف فيه لأن المقصود به ذكر الطرفين. {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بالقول. الثاني: بإحكام الصنعة وصحة التقدير. وذكر الكلبي ثالثاً: أن معناه خلق السموات والأرض للحق. {وَصَوَّرَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: يعني آدم خلقه بيده كرامة له، قاله مقاتل. الثاني: جميع الخلق لأنهم مخلوقون بأمره وقضائه. {فأحْسَنَ صُوَرَكم} أي فأحكمها.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وهو على كل شيء قدير} عموم معناه التنبيه، والشيء: الموجود، وقوله: {هو الذي خلقكم} تعديد نعمة، والمعنى {فمنكم كافر} لنعمته في الإيجاد حين لم يوجد كافر لجهله بالله تعالى، {ومنكم مؤمن} بالله، والإيمان به شكر لنعمته، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد، هذا قول جماعة من المتأولين، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة" تفسير : ،وقوله تعالى: {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها} تفسير : [الروم: 30]، وكأن العبارة في قوله تعالى: {فمنكم} تعطي هذا، وكذلك يقويه قوله: {والله بما تعملون بصير}. وقيل: المعنى "خلقكم منكم مؤمن ومنكم كافر" في أصل الخلق فهي جملة في موضع الحال، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر هي إلى اختراع الله تعالى وخلقه، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر، ويجري مع هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحدكم يكون في بطن أمه نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم يجيء الملك فيقول يا رب: أذَكَر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه" تفسير : ،فقوله في الحديث: "أشقي أم سعيد" هو في هذه الآية: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله الخضر: إنه طبع يوم طبع كافراً، وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: "حديث : خلق الله فرعون في البطن كافراً وخلق يحيى بن زكرياء مؤمناً" تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح: فمعنى الآية: {فمنكم كافر} بالله {مؤمن} بالكوكب، ومؤمن بالله كافر بالكوكب، وقدم الكافر لأنه أعرف من جهة الكثرة، وقوله تعالى: {بالحق} أي حين خلقها محقوقاً في نفسه ليست عبثاً ولا لغير معنى. وقرأ جمهور الناس: "صُوركم" بضم الصاد، وقرأ أبو رزين: "صِوركم" بكسرها، وهذا تعديد النعمة في حسن الخلقة، لأن أعضاء ابن آدم متصرفة لجميع ما تتصرف به أعضاء الحيوان، وبزيادات كثيرة فضل بها ثم هو مفضل بحسن الوجه، وجمال الجوارح، وحجة هذا قوله تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} تفسير : [التين: 4]، وقال بعض العلماء: النعمة المعددة هنا إنما هي صورة الإنسان من حيث هو إنسان مدرك عاقل، فهذا هو الذي حسن له حتى لحق ذلك كمالات كثيرة. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أحرى في لغة العرب، لأنها لا تعرف الصور إلا الشكل، وذكر تعالى علمه بما في السماوات والأرض، فعم عظام المخلوقات، ثم تدرج القول إلى أخفى من ذلك وهو جميع ما يقوله الناس في سر وفي علن، ثم تدرج إلى ما هو أخفى، وهو ما يهجس بالخواطر، وذات الصدور: ما فيها من خطرات واعتقادات كما يقال: الذئب مغبوط بذي بطنه، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن خارجة، و {الصدور} هنا عبارة عن القلب، إذ القلب في الصدر.

النسفي

تفسير : {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، وذلك لأن الملك على الحقيقة له لأنه مبدىء كل شيء والقائم به، وكذا الحمد لأن أصول النعم وفروعها منه، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } أي فمنكم آتٍ بالكفر وفاعل له، ومنكم آتٍ بالإيمان وفاعل له، ويدل عليه {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي عالم وبصير بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد من العدم، وكان يجب أن تكونوا بأجمعكم شاكرين، فما بالكم تفرقتم أمماً فمنكم كافر ومنكم مؤمن؟ وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به. {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقّ } بالحكمة البالغة وهو أن جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب، ومن كان دميماً مشوه الصورة سمج الخلقة فلا سماجة ثمّ، ولكن الحسن على طبقات فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح ولكنها غير خارجة عن حد الحسن، وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما، الجمال والبيان {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } فأحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه بما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه بذات الصدور أن شيئاً من الكليات والجزئيات غير خافٍ عليه فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد وكل ما ذكره بعده قوله {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالف ولا تشكر نعمته. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } الخطاب لكفار مكة {نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } يعني قوم نوح وهود وصالح ولوط {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي ذاقوا وبال كفرهم في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في العقبى. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة {بِأَنَّهُ } بأن الشأن والحديث {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات {فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر {فَكَفَرُواْ } بالرسل {وَتَوَلَّواْ } عن الإيمان {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أطلق ليتناول كل شيء ومن جملته أيمانهم وطاعتهم {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن خلقه {حَمِيدٌ } على صنعه. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي أهل مكة، والزعم ادعاء العلم ويتعدى تعدي العلم {أَن لَّن يُبْعَثُواْ } «أن» مع ما في حيزه قائم مقام المفعولين وتقديره أنهم لن يبعثوا {قُلْ بَلَىٰ } هو إثبات لما بعد «لن» وهو البعث {وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ } أكد الإخبار باليمين. فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعاً في القلب فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه كائن لا محالة. {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ } البعث {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } هين {فَئَامِنُواْ بِٱللهِ وَرَسُولِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلنّورِ ٱلَّذِى أَنزَلْنَا } يعني القرآن لأنه يبين حقيقة كل شيء فيهتدي به كما بالنور {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فراقبوا أموركم {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } انتصب الظرف بقوله {لَتُنَبَّؤُنَّ } أو بإضمار «اذكر» {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث، ومعنى ذلك يوم التغابن. وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } صفة للمصدر أي عملاً صالحاً {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ وَيُدْخِلْهُ } وبالنون فيهما: مدني وشامي {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }. {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } شدة ومرض وموت أهل أو شيء يقتضي همًّا {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بعلمه وتقديره ومشيئته كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } للاسترجاع عند المصيبة حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. أو يشرحه للازدياد من الطاعة والخير، أو يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ } عن طاعة الله وطاعة رسوله {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي فعليه التبليغ وقد فعل {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } أي إن من الأزواج أزواجاً يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولاداً يعادون آباءهم ويعقّونهم {فَٱحْذَرُوهُمْ } الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعاً أي لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدوّ فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم {وَإِن تَعْفُواْ } عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها {وَتَصْفَحُواْ } تعرضوا عن التوبيخ {وَتَغْفِرُواْ } تستروا ذنوبهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم. قيل: إن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا. فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فزين لهم العفو.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد} يعني أنه تعالى متصرف في ملكه كيف يشاء تصرف اختصاص لا شريك له فيه وله الحمد لأن أصول النعم كلها منه وهو الذي يحمد على كل حال فلا محمود في جميع الأحوال إلا هو {وهو على كل شيء قدير} يعني أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء كما يشاء بلا مانع ولا مدافع {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} قال ابن عباس: إن الله تعالى خلق بني آدم مؤمناً وكافراً ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمناً وكافراً (م) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلاً خلقهم لهم وهم في أصلاب آبائهم" تفسير : (ق) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : وكل الله بالرحم ملكاً فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الزرق فما الأجل فيكتب ذلك وهو في بطن أمه" تفسير : وقال جماعة في معنى الآية إن الله تعالى خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن الله ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم فقال فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم اختلفوا في تأويلها فروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة ومنكم مؤمن حياته كافر في العاقبة وقال عطاء بن أبي رباح فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب وقيل فمنكم كافر أي بأن الله خلقه وهم الدهرية وأصحاب الطبائع ومنكم مؤمن أي بأن الله خلقه وجملة القول فيه أن الله تعالى خلق الكافر وكفره فعلاً له وكسباً وخلق المؤمن وإيمانه فعلاً له وكسباً فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله وبمشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختال الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه هذا طريق أهل السنة فمن سلك هذا أصاب الحق وسلم من مذهب الجبرية والقدرية {والله بما تعملون بصير} أي أنه عالم بكفر الكافر وإيمان المؤمن.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يوم نجمعكم} بالنون: رويس. الباقون: على الغيبة {نكفر} و {ندخله} بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل. الآخرون: على الغيبة. الوقوف: {وما في الأرض} ط لاختلاف الجملتين {وله الحمد} ط النوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل {قدير} ه {مؤمن} ط {بصير} ه {صوركم} ج لعطف المختلفين {المصير} ه {تعلنون} ه {الصدور} ه {من قبل} ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء {أليم} ه {يهدوننا} ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين {الله} ط {حميد} ه {يبعثوا} ط {عليم} ه {يسير} ه {أنزلنا} ط {خبير} ه {التغابن} ط {أبداً} ط {العظيم} ه {فيها} ط {المصير} ه {بإذن الله} ط {قلبه} ط {عليم} ه {الرسول} ج ط {المبين} ه {إلا هو} ط {المؤمنون} ه {فاحذروهم} ج {رحيم} ه {فتنة} ط {عظيم} ه {لأنفسكم} ط {المفلحون} ه {ويغفر لكم} ط {حليم} ه لا {الحكيم} ه. التفسير: قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله {له الملك وله الحمد} لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له. قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في " الفاتحة " {هو الذي خلقكم} ذا فطرة سليمة. وقوله {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} بحسب الأسباب الخارجية كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " تفسير : والكل على وفق المشيئة. قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر. والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن. وقوله {فأحسن صوركم} كقوله في {أية : أحسن} تفسير : [التين: 4] وسيجيء في " التين " إن شاء الله العزيز. وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله تعالى خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولاً ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال {ألم يأتكم} الآية {ذلك} الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي {بأنه} أي بأن الشان {كانت} أي كانت القضية وقد مر نظيره في " حم المؤمن ".{أبشر} فاعل فعل محذوف تفسيره {يهدوننا} وجمع الضمير لأن البشر اسم جمع {أية : إنّما أنا بشر}تفسير : [الكهف: 110] {أية : إن نحن إلا بشر} تفسير : [إبراهيم: 11] قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله {واستغنى الله} ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معاً ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنياً. قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنياً قديماً أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل. قوله {زعم} من أفعال القلوب وفيه تقريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : زعموا مطية الكذاب" تفسير : و {أن لن يبعثوا} في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين. قال جار الله: {يوم يجمعكم} منصوب بقوله {لتنبؤن} أو بـ {خبير} لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: واله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار " اذكر " قلت: يجوز أن يكون {يوم} مبنياً على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله {ذلك يوم التغابن}. سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله {ليوم الجمع} الجواب إن كان الخطاب في {يجمعكم} لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله {أية : يوم يجمع الله الرسل}تفسير : [المائدة: 109] {أية : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} تفسير : [الكهف: 47] {أية : قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم}تفسير : [الواقعة: 49 - 50] هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله تعالى أعلم بمراده. قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء. قلت: في تسمية القسم الأخير تغابناً نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه. واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل {أية : فبشرهم} تفسير : [آل عمران: 21] وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" تفسير : ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئاً من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله. قوله {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} كقوله {أية : وزدناهم هدى}تفسير : [الكهف: 13] والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان. وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح. وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر {والله بكل شيء عليم} يعلم درجات القلوب من الإيمان. ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إيلهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله سبحانه أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان. ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب {وإن تعفوا} عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم. وروى أن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجرة على المنبر فقال: صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما. وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال بعض أهل التفسير: أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما. وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة. " وما " للمدة أو للمصدر وقوله {خيراً لأنفسكم} نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر " النساء " في قوله {أية : انتهوا خيراً لكم}تفسير : [الآية: 171] وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالاً عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} أي: في أصْلِ الخِلْقَةِ، وهذا يَجْرِي مع قول المَلَكِ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، الحَدِيثَ، وذَلِكَ في بطنِ أمهِ، وقيل: الآيةُ تعديدُ نِعَمٍ، فقولُه: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} هَذِهِ نعمةُ الإيجَاد، ثم قال: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ} أي: بهذِه النِّعْمَةِ؛ لجهلهِ باللَّهِ، {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} باللَّهِ، والإيمانُ بهِ شُكْرٌ لنعمتِه، فالإشَارةُ عَلى هذَا التأويلِ في الإيمانِ والكفرِ، هي إلى اكتسابِ العَبْدِ؛ وهذا قولُ جماعة، وقيلَ غيرُ هذا. وقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: لم يخلقْها عَبَثاً ولاَ لغيرِ مَعْنى. وقوله تعالى: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} هو تعديدُ نِعَمٍ، والمرادُ الصورةُ الظاهرة، وقيل: المرادُ صورةُ الإنسانِ المعنويَّةِ من حيثُ هو إنسانٌ مُدْرِكٌ عاقلٌ، والأولُ أجْرَى على لغةِ العرب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. تقدم نظيره. قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين، وهذه السورة للموافقين الصادقين، وأيضاً فإن تلك السورة مشتملة على ذكر النفاق سرًّا وعلانية، وهذه السورة مشتملة على التهديد البالغ لهم عن ذلك، وهو قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، وأما تعلق هذه السورة بآخر التي قبلها فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما تقدم، وفي أول هذه السورة أشارة إلى أن في الناس أقواماً يواظبون على الذِّكر والشكر دائماً وهم الذين يُسَبِّحُون، كما قال تعالى: { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. قوله: {لَهُ ٱلْمُلْكُ}. مبتدأ وخبر، وقدم الخبر ليفيد اختصاص الملك والحمد لله تعالى، إذ الملك والحمد له - تعالى - حقيقة {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في يوم القيامة مؤمناً وكافراً. وروى أبو سعيد الخدري قال: "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية فذكر شيئاً مما يكون، فقال: "يُولَدُ النَّاسُ على طَبقاتٍ شَتَّى: يُولَدُ الرَّجُلُ مؤمِناً ويَعيشُ مُؤمِناً ويمُوتُ مُؤمِناً ويُولَدُ الرَّجُلُ كَافِراً ويعيشُ كَافِراً ويمُوتُ كَافِراً، ويُولَدُ الرَّجُلُ مُؤِمناً ويَعِيشُ مُؤمِناً ويَمُوتُ كَافِراً، ويُولَدُ الرَّجلُ كَافِراً ويَعيشُ كَافِراً ويَمُوتُ مُؤمِناً" ". تفسير : وقال ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خَلَق اللَّهُ فِرْعونَ في بَطْنِ أمِّهِ كَافِراً، وخلق يَحْيَى بْنَ زكريَّا في بَطْنِ أمِّهِ مُؤمِناً ". تفسير : وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: "حديث : وإنَّ أحَدَكُمْ ليَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حتَّى ما يكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إلاَّ ذِرَاعٌ أو باعٌ فيَسبقُ عليْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بعَملِ أهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وإن كان أحَدُكُمْ ليَعْمَلُ بِعَملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى ما يكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إلاَّ ذراعٌ أو باعٌ فَيَسْبِقُ عليْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمِل أهْلِ الجنَّةِ فَيدخُلُهَا ". تفسير : وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إنَّ الرَّجُلَ ليَعملُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو للنَّاسِ وهُوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ فيمَا يَبْدُو للنَّاسِ وهُوَ من أهْلِ الجَنَّةِ ". تفسير : قال القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر. وقيل: في الكلام محذوف تقديره: فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق، فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه. قاله الحسن. وقال غيره: لا حذف فيه؛ لأن المقصود ذكر الطرفين. وقيل: إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير: "هُو الَّذي خَلقُكُمْ"، ثم وصفهم فقال: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}تفسير : [النور: 45] الآية، قالوا: فالله خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ فأبواهُ يَهوِّدانهِ ويُنصِّرانهِ ويُمْجِّسانِهِ ". تفسير : قال البغوي: وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الغلامَ الذي قَتلهُ الخضِرُ طُبعَ كافراً ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 27]. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وكل اللَّهُ بالرَّحمِ مَلكاً، فيقُولُ: أي: ربِّ نُطفَةٌ، أي ربِّ علقَةٌ، أي: ربِّ مُضغَةٌ، فإذا أرَادَ اللَّهُ أن يقْضِيَ خَلْقَهَا، قال: ربِّ أذكرٌ أم أنْثَى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزْقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ ذلِكَ في بَطْنِ أمِّهِ ". تفسير : وقال الضحَّاك: فمنكم كافر في السِّر، مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر، كافر في العلانية كعمّار وذويه. وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب يعني في شأن الأنْوَاء، كما جاء في الحديث. قال القرطبي: وقال الزجاج - وهو أحسن الأقوال -: والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر، وكُفره فعل له وكسبٌ، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكَسْب، مع أنَّ الله خالق الإيمان، والكافر يكفر، ويختار الكفر بعد خلق اللَّه تعالى إياه؛ لأن اللَّه - تعالى - قدّر ذلك عليه وعلمه منه؛ لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، ولا يليقان باللَّه تعالى، وفي هذا سلامة من الجَبْر والقدر. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن حياته كافر في العاقبة. وقيل: فمنكم كافر بأن الله خلقه، وهو مذهب الدَّهْرية، ومنكم مؤمن بأن الله خلقه. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - حكيم وقد سبق في علمه أنه إذا [خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، فأي حكمة دعته إلى خلقهم؟]. فالجواب إذا علمنا أنه تعالى حكيم، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة. قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}. أي: خلقها يقيناً لا ريب فيه. وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: خلقها للحق، وهو أن يجزي الذي أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}. قرأ العامة: بضم صاد "صُوركم"، وهو القياس في فعله. وقرأ زيد بن علي والأعمش، وأبو رزين: بكسرها، وليس بقياس وهو عكس لُحَى - بالضم - والقياس "لِحى" بالكسر. فصل معنى "وَصَوَّركُمْ" يعني آدم - عليه الصلاة والسلام - خلقه بيده كرامة له. قاله مقاتل. وقيل: جميع الخلائق، وقد مضى معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صوركم؟. قيل: بأن جعلهم أحسن الحيوان كلِّه وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصُّور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب كما قال - عزَّ وجلَّ -: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] كما يأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: فإن قيل: قد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الخِلقة سمج الصورة؟. فالجواب: لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في خير الحسن غير خارج عن حده. قوله {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}. أي: المرجع، فيجازي كلاًّ بعمله. قال ابن الخطيب: فإن قيل: قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} يوهم الانتقال من جانب إلى جانب، وذلك على الله تعالى مُحال؟. فالجواب: أن ذلك الوهْمَ بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفسه بمعزل عن حقيقة الانتقال إذا كان المنتقل منزهاً عن الجانب والجهة. قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}. تقدم نظيره. قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - نبَّه بعلمه ما في السماوات وما في الأرض، ثم بعلمه ما يسرونه وما يعلنونه ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ألبتة. ونظيره قوله: {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [سبأ: 3]. وقرأ العامّة: بتاء الخطاب في الحرفين. وروي عن أبي عمرو وعاصم: بياء الغيبة، فيحتمل الالتفات وتحمل الإخبار عن الغائبين. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فهو عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء.

البقاعي

تفسير : لما ختمت تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم، افتتح هذه بإحاطة الحمد ودوام التنزه عن كل شائبة نقص، إرشاداً إلى النظر في أفعاله والتفكر في مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته، وأما معرفته بكنه الحقيقة فمحال فإنه لا يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له، فقال مؤكداً لما أفهمه أول الجمعة: {يسبح} أي يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار {لله} الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {ما في السماوات} الذي من جملته الأراضي وما فيها فلا يريد من شيء منه شيئاً إلا كان على وفق الإرادة، فكان لذلك الكون والكائن شاهداً له بالبراءة عن كل شائبة نقص. ولما كان الخطاب مع من تقدم في آخر المنافقين ممن هو محتاج إلى التأكيد، قال مؤكداً بإعادة الموصول: {وما في الأرض} أي كذلك بدلالتها على كماله واستغنائه، وقد تقدم أن موافقة العاقل للأمر مثل موافقة غير العاقل للارادة، فعليه أن يهذب نفسه غاية التهذيب فيكون في طاعته بامتثال الأوامر كطاعة غير العاقل في امتثاله لما يراد منه. ولما ساق سبحانه ذلك الدليل النقلي كمال نزاهته على وجه يفهم الدليل العقلي لمن له لب كما قال علي رضي الله عنه: لا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وذلك لكونه سبحانه جعلهم مظروفين كما هو المشاهد، والمظروف محتاج لوجود ظرفه قبله فهو عاجز فهو مسبح دائماً إن لم يكن بلسان قاله كان بلسان حاله، وصانعه الغني عن الظرف فغيره سبوح، علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الملك} أي كله مطلقاً في الدنيا والآخرة، وهو السيادة العامة للخاص والعام والسياسة العامة بركنيها دفع الشرور وجلب الخيور الجالب للسرور والحبور من الإبداع والإعدام، فهو أبلغ مما في الجمعة، فإن الملك قد يكون ملكاً في الصورة، وذلك الملك الذي هو ظاهر فيه لغيره، فداوم التسيبح الذي اقتضته عظمة الملك هنا أعظم من ذلك الدوام. ولما أتبعه في الجمعة التنزيه عن النقص، أتبعه هنا الوصف بالكمال فقال: {وله} أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها فلذلك ينزهه جميع مخلوقاته، فمن فهم تسبيحها فذلك المحسن، ومن كان في طبعه وفطرته الأولى بالفهم ثم ضيعه يوشك أن يرجع فيفهم، ومن لم يهيأ لذلك فذلك الضال الذي لا حيلة فيه {وهو} أي وحده {على كل شيء} أيّ شيء ممكن أن يتعلق به المشيئة {قدير *} لأنه وحده بكل شيء مطلقاً عليم، لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الأشياء كلها على حد سواء وهذا واضح جداً، ولأن من عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالكمال وقوة السلطان والجلال. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما بسط في السورتين قبل من حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها، وحال المنافقين المتظاهرين بالإسلام، وقلوبهم كفرا وعناداً متكاثفة الإظلام، وبين خروج الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هدى الدين القويم، وأوهم ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسماً ينبىء عن عظيم ذلك الإبعاد، سوى ما تناول غيرهم من أحزاب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقين فقال تعالى {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات، وأهل الكفر ذو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالاً وأسوأهم كفراً وضلالاً "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم{أية : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقين: 8] وقد أشار قوله تعالى{أية : يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور}تفسير : [التغابن: 4] إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم{أية : والله يشهد أن المنافقين لكاذبون}تفسير : [المنافقين: 1] واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح سبحانه وتعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه{أية : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} تفسير : [التوبة: 78] ثم قال تعالى:{أية : ويعلم ما تسرون وما تعلنون}تفسير : [التغابن: 4] فقرع ووبخ في عدة آيات ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات، وصدهم عن اعتبار المعجزات، وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبراً عن سلفهم في هذا المرتكب، ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب{أية : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا}تفسير : [التغابن: 6] ثم تناسج الكلام معرفاً بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله{أية : وبئس المصير}تفسير : [التغابن: 10] ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله - انتهى. ولما كان أعظم الدلائل عليه سبحانه آيات الآفاق {سنريهم آياتنا في الآفاق} وآيات الأنفس، وقدم الأول علويه وسفليه لوضوحه، أتبعه الثاني دليلاً على عموم قدرته الدال على تمام ملكه بأنه المختص بالاختراع لأعجب الأشياء خلقاً والحمل على المكاره فقال: {هو} أي وحده {الذي خلقكم} أي أنشأكم على ما أنتم عليه بأن قدركم وأوجدكم بالحق على وفق التقدير خلافاً لمن أنكر ذلك من الدهرية وأهل الطبائع. ولما كان قد تقدم في سورة المنافقين ما أعلم أنهم فريقان، عرف في هذه أن ذلك مسبب عن إبداعه لأن من معهود الملك أن يكون في مملكته الولي والعدو والمؤالف والمخالف والطائع والعاصي والملك ينتقم ويعفو ويعاقب ويثيب ويقدم ويؤخر ويرفع ويضع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم"حديث : لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم"تفسير : أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه، فقال تعالى مقدماً للعدو إشارة إلى أنه عالم به وقادر عليه، وما كان منه شيئاً إلا بإرادته، وفيه تلويح إلى أنه الأكثر ومع كثرته هو الأضعف، لأن الله تعالى ليس معه بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر: {فمنكم} أي فتسبب عن خلقه لكم وتقديره لأشباحكم التي تنشأ عنها الأخلاق إن كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع لذواتكم {كافر} أي عريق في صفة الكفر مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على الفطرة الأولى، وفي الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافراً فمعنى أن فطرته الأولى خلقت مهيأة للكفر، فإن الأفعال عامة وخاصة، فالخاصة تضاف إلى العبد يقال: صلى وصام وآمن وكفر، والعامة تضاف إلى الله تعالى فيقال: أوجد القدرة على الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون، والأفعال الخاصة متعلق الأمر والنهي {ومنكم مؤمن} أي راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم الأزلي، فهو سبحانه خلق الكافر وخلق كفره فعلاً له، والمؤمن وإيمانه فعلاً له، لأنه خلق القدرة والاختيار وغيب أمر العاقبة، فكل منهما يكتب باختياره بتقدير الله، ولا يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه لأن وجود غير المقدور عجز، وخلاف المراد المعلوم جهل، وقد علم من هذه القسمة علماً قطعياً أن أحد القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه، ومن المعلوم قطعاً أن كل ملك لا بدّ له أن يحكم بين رعيته في الأمر الذي اختلفوا فيه وينصف المظلوم من ظالمه، ومن المشاهد أن بعضهم يموت على كفرانه من غير نقص يلحقه، وبعضهم على إيمانه كذلك، فعلم أن هذه الدار ليست دار الفصل، وأن الدار المعدة له إنما هي بعد الموت والبعث، وهذا مما هو مركوز في الطبائع لا يجهله أحد، ولكن الخلق أعرضوا عنه بما هم فيه من القواطع، فصار مما لا يخطر بإنكارهم، فصار بحيث لا تستقل به عقولهم، ولكنهم إذا ذكروا به وأوضحت لهم هذه القواطع التي أشار سبحانه إليها وجردوا النفس عن الحظوظ والمرور مع الألف عدوه كلهم من الضروريات، وعلم ن تسبيبه تقسيمهم هذا عن تقديره وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره. ولما كان التقدير: فالذي أبدعكم وحملكم على ذلك وفاوت بينكم على كل شيء قدير، عطف عليه قوله تعالى: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بفعله ذلك، وقدم الجار لا للتخصيص بل إشارة إلى مزيد الأعتناء كما تقول لمن سألك: هل تعرف كذا، وظهر منه التوقف في علمك له: نعم أعرفه ولا أعرف غيره، فقال: {بما تعملون} أي توقعون عمله كسباً {بصير *} أي بالغ العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافاً للقدرية لأنه لا يتصور أن يخلق الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر، فيكف لو سئل أين موضع مشيه ومتى زمانه فكيف وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل عنه، ومن جهل أفعاله كماً وكيفاً وأيناً وغير ذلك لم يكن خالقاً لها بوجه. ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالاً على تمام إحاطته بالبواطن، والظواهر بأنه يخلق الشيء العظيم جداً فيأتي على وفق الإرادة ثم لا يحتاج إلى أن يزاد فيه ولا أن ينقص منه فقال: {خلق السماوات} التي هي السقف لبيت عبيد الملك على كبرها وعلوها كطا ترون {والأرض} التي هي قرار بيتهم ومهاده على سعتها وما فيها من المرافق والمعاون {بالحق} أي بالأمر الذي يطابقه الواقع فلا زائداً عنه ولا ناقصاً بل جاء الواقع منها مطابقاً لما أراد سواء لا كما يريد أحدنا الشيء فإذا أوجده لم يكن على وفق مراده سواء، وبسبب إظهار الأمر الثابت وإبطال الباطل فهو خالق المسكنين: الدنيوي والأخروي، خلافاً لمن لا يقول بذلك من صابىء وفلسفي وغيرهم. ولما كان أهل الطبائع يقولون: إن الأفلاك لها تأثير بحسب الذات والطبع، قال نافياً لذلك مذكراً بنعمته لتشكر: {وصوركم} أي أيها المخاطبون على صور لا توافق شيئاً من صور العلويات ولا السفليات ولا فيها صورة توافق الأخرى من كل وجه {فأحسن صوركم} فجعلها أحسن صور الحيوانات كلها كما هو مشاهد في الدنيا وكذا في الآخرة خلافاً لأهل التناسخ مع أن وضعها في نفسها أحسن الأوضاع، لو غير شيء منها عن مكانه إلى شيء مما نعلمه فحصلت البشاعة به مع تفضيل الآدمي بتزيينه بصفوة أوصاف الكائنات وجعل سبحانه أعضاء متصرفة بكل ما يتصرف به أعضاء سائر الحيوان مع زيادات اختص بها الآدمي إلى حسن الوجه وجمال الجوارح، فهو أحسن بالنسبة إلى النوع من حيث هو هو، وبالنسبة إلى الأفراد في نفس الأمر وإن كان بعضها أحسن من بعض، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه، ولذا قال الحكماء، شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان، فخلق الانسان في أحسن تقويم لا ينفي أن يكون للنوع الذي جعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس، لا نهاية لأحسنية بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من الذوات فقدرة الله لا تتناهى، فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام الغزالي أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإن كان قد علم أنه اعترض عليه في ذلك وأجاب عنه في الكتاب الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها فإنه لا عبرة بذلك الجواب أيضاً، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه وتعالى لا يقدر على أن يخلق أحسن من هذا العالم، وهذا لا يقوله أحد، وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، وعزاه الغزالي بنفسه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهداً وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: {أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82]. ولما كان التقدير: فكان منه سبحانه المبدأ، عطف عليه قوله: {وإليه} أي وحده {المصير *} أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة، ومن كان قد أفسدها فجعل روحه نفساً بما طبعها به من حيث جسده أدخله النار، وفي الدنيا أيضاً بانفراده بالتدبير، فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد، لا ما يريد ذلك المريد الفاعل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن حبان في الضعفاء والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما من مولود يولد إلا وإنه مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب فيقول‏:‏ يا رب أذكر أم أنثى‏؟‏ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول أشقي أم سعيد‏؟‏ فيكتب ما هو لاق‏"تفسير : ‏ وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله‏:‏ ‏{‏وصوّركم فأحسن صوركم وإليه المصير‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : العبد يولد مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً، والعبد يولد كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً، وإن العبد يعمل برهة من الزمان بالشقاوة، ثم يدركه الموت بما كتب له، فيموت شقياً، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاوة ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيداً ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها ثماني عشرة {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي ينزهُهُ سبحانَهُ جميعُ ما فيهما من المخلوقاتِ عمَّا لا يليقُ بجنابِ كبريائِه تنزيهاً مُستمراً {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} لا لغيرِه إذْ هو المُبدىءُ لكلِّ شيءٍ وهو القائمُ به والمهيمنُ عليهِ وهو المُولِي لأصولِ النعمِ وفروعِها، وأما ملكُ غيرِهِ فاسترعاءٌ من جنابِهِ وحمدُ غيرِه اعتداءٌ بأنَّ نعمةَ الله جرتْ على يدِه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} لأن نسبةَ ذاتِهِ المقتضيةَ للقدرةِ إلى الكلِّ سواءٌ {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} خلقاً بديعاً حاوياً لجميعِ مبادِي الكمالاتِ العلميةِ والعمليةِ ومع ذلكَ {فَمِنكُمْ كَافِرٌ} أي فبعضُكم أو فبعضٌ منكُم مختارٌ للكفرِ كاسبٌ له على خلافِ ما تستدعيهِ خلقتُه {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} مختارٌ للإيمانِ كاسبٌ له حسبما تقتضيهِ خلقتُه، وكان الواجبُ عليكم جميعاً أن تكونُوا مختارينَ للإيمانِ شاكرينَ لنعمةِ الخلقِ والإيجادِ وما يتفرعُ عليها من سائرِ النعمِ، فما فعلتُم ذلكَ مع تمامِ تمكنِكُم منهُ بل تشعبتُم شعباً وتفرقتُم فرقاً. وتقديمُ الكفرِ لأنه الأغلب فيما بـينَهُم والأنسبُ بمقامِ التوبـيخِ، وحملُه على مَعْنَى فمنكم كافرٌ مقدرٌ كفرُه موجهٌ إليهِ ما يحملُه عليهِ ومنكُم مؤمنٌ مقدرٌ إيمانُهُ موفقٌ لما يدعُوه إليهِ مما لا يلائمُ المقامَ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكُم بذلكَ فاختارُوا منه ما يجديكُم من الإيمانِ والطاعةِ، وإياكُم وما يُرديكم من الكفرِ والعصيانِ {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} بالحكمةِ البالغةِ المتضمنةِ للمصالحِ الدينيةِ والدنيويةِ {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} حيثُ بَرَأكُم في أحسنِ تقويمٍ وأودعَ فيكُم من القُوى والمشاعرِ الظاهرةِ والباطنةِ ما نيطَ بها جميعُ الكمالاتِ البارزةِ والكامنةِ وزينكُم بصفوةِ صفاتِ مصنُوعاتِهِ وخصَّكُم بخلاصةِ خصائصِ مُبدِعَاتِهِ وجعلَكُم أنموذجَ جميعَ مخلوقاتِهِ في هَذه النشأة {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} في النشأةِ الأُخرى لا إلى غيرِهِ استقلالاً أو اشتراكاً فأحسِنُوا سرائركُم باستعمالِ تلكَ القُوى والمشاعرِ فيما خُلقنَ لَهُ. {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من الأمورِ الكليةِ والجزئيةِ والأحوالِ الجليةِ والخفيةِ {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي ما تسرونَهُ فيما بـينَكُم وما تظهرونَهُ من الأمورِ، والتصريحُ بهِ مع اندراجِهِ فيما قبلَهُ لأنَّهُ الذي يدورُ عليهِ الجزاءُ ففيهِ تأكيدٌ للوعدِ والوعيدِ وتشديدٌ لهما وقولُهُ تعالَى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لما قبلَهُ من شمولِ علمِهِ تعالَى لسرِّهم وعلنِهِم أي هو محيطٌ بجميعِ المضراتِ المستكنةِ في صدورِ الناسِ بحيثُ لا تفارقُها أصلاً فكيفَ يخفى عليهِ ما يُسرونَهُ وما يُعلنونَهُ، وإظهارُ الجلالةِ للإشعارِ بعلةِ الحكمِ وتأكيدِ استقلالِ الجملةِ. قيلَ وتقديمُ تقريرِ القدرةِ على تقريرِ العلمِ لأنَّ دلالةَ المخلوقاتِ على قدرتِهِ بالذاتِ وعلى علمِهِ بما فيها من الإتقانِ والاختصاصِ ببعضِ الأنحاءِ.

القشيري

تفسير : المخلوقاتُ كلُّها بجملتها لله سبحانه مُسَبِّحةٌ.. ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَنْ به طَرَشُ النكرة. ويقال: الذي طَرَأَ صَمَمُه فقد يُرْجَى زواله بنوعِ معالجة، أمَّا مَنْ يولَدُ أصَمَّ فلا حيلةَ في تحصيل سماعه. قال تعالى: {أية : فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [الروم: 52] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 23].

البقلي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} انظر كم قال سبحانه هذه الأية على مبادى السور وهذا عتاب مع المقصرين عن خدمته اى يسبحنى وجودك بغير اختيارك وانت غافل من تسبيح وجودك له وذلك ان وجودك قائم فى كل لمحة بوجوده يحتاج الى الكينونية بتكوينه اياه اين قلبك ولسانك اذا اشتغلا بذكر غيرنا وفى الحقيقة لم يتحرك الوجود الا بامره ومشيته وذلك الحركة اجابت داعى القدم فى جميع مراده وذلك محض التقديس ولكن لا يعرفه الا العارف بالوحدانية ومن كان محجوباً عن رؤية الحق فهو جاهل به لذلك قال سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} فمن وقع نور التجلى فى الازل له وتكون روحه بذلك النور وراى الحق بنور الحق فهو صادق مصدق فى قبول ما صدر من الغيب لانه اهله ومن كان روحه محجوبا عن مشاهد الوصلة يكون منكرا على ما يبدو له من أيات الله وكراماته وبرهانه وسلطانه قال القسيم خاطبهم مخاطبة قبل كونهم فسماهم كافرين ومؤمنين فى ازله فاظهرهم حين اظهرهم على ما سماهم وقدر عليهم واخبرته علم ما يعلمون من خير وشر.

اسماعيل حقي

تفسير : {يسبح لله ما فى السموات} من الروحانيات {وما فى الارض} من الجسمانيات اى ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه تنزيها مستمرا والمراد ان تسبيح الاشارة الذى هو الدلالة فتعم ما كل حى وجماد أو تسبيح العبارة الذى هو أن يقول سبحان الله فتعمهما ايضا عند اهل الله وعن بعضهم سمعت تسبيح الحيتان فى البحر المحيط يقلن سبحان الملك القدوس رب الاقوات والارزاق والحيوانات والنباتات ولولا حياة كل شئ من رطب ويابس ما اخبر عليه السلام انه يشهد للمؤذن وكم بين الله ورسوله مما جميع الملخوقات عليه من العلم بالله والطاعة له والقيام بحقه فآمن بعضهم وصدق وقيل ما اضافه الله الى نفسه وما أضاف اليه رسوله وتوقف بعضهم فلم يؤمنوا ولم يسمعوا وتأولوا الامر بخلاف ما هو عليه وقصدهم بذلك أن يكونوا من المؤمنين وهم فى الحقيقة من المكذبين لترجحيهم حسهم على الايمان بما عرفه لهم ربهم لما لم يشاهدوا ذلك مشاهدة عين وعن بعض العارفين فى الاية اى يسبح وجودك بغير اختيارك وأنت غافل عن تسبيح وجودك له وذلك ان وجودك قائم فى كل لمحة بوجوده يحتاج الى الكينونة بتكوينه اياه ابن قلبك ولسانك اذا اشتغل بذكر غيرنا وفى الحقيقة لم يتحرك الوجود الا بأمره ومشيئته وتلك الحركة اجابة داعى القدم فى جميع مراده وذلك محض التقديس ولكن لا يعرفه الا العارف بالوحدانية {له الملك} الدائم الذى لا يزول وهو كمال القدرة ونفاذ التصرف وبالفارسية مروراست بادشاهى كه ارض وسما وما بينهما بيافريد {وله الحمد} اى حمد الحامدين وهو الثناء بذكر الاوصاف الجميلة والافعال الجزيلة وتقديم الجار والمجرور للدلالة على تأكيد الاختصاص وازاحة الشبهة بالكلية فان اللام مشعر بأصل الاختصاص قدم او اخرأى له الملك وله الحمد لا لغيره أذ هو المبدئ لكل شئ وهو القائم به والمهيمن عليه المتصرف فيه كيف يشاء وهو المولىلاصول النعم وفروعها ولوا انه انعم بها على عباده لما قدر أحد على ادنى شئ فالمؤمنون يحمدونه على نعمه وله الحمد فى الاولى والآخرة واما ملك غيره فاسترعاء من جنابه وتسليط منه وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده فللبشر ملك وحمد من حيث الصورة لا من حيث الحقيقة شعر : باغير او اضافت شاهى بود جنان بريك دوجوب باره زشطرنج نام شاه تفسير : {وهو على كل شئ قدير} لان نسبة ذاته المقتضية للقدرة الى الكل سوآء فهو القادر على الايجاد والاعدام والاسقام والابرآء والاعزاز والاذلال والتبييض والتسويد ونحو ذلك من الامور الغير المتناهية قال بعضهم قدرة الله تصلح للخلق وقدرة العبد تصلح للكسب فالعبد لا يوصف بالقدرة على الخلق والحق لا يوصف بالقدرة على الكسب فمن عرف انه تعالى قادر خشى من سطوات عقوبته عند مخالفته وامل لطائف نعمته ورحمته عند سؤال حاجته لا بوسيلة طاعته بل بكرمه ومنته وفى التأويلات النجمية ينزه ذاته المسبحة المقدسة عن الامثال والاضداد والاشكال والانداد ما فى السموات القوى الروحانية وما فى ارض القوى الجسمانية له ملك الوجود المطلق وله الحمد على نعمة ظهوره فى الوجود المقيد وهويته المطلقة قادرة على ظهورها بالاطلاق والتقييد وهى فى عينها منزهة عنهما وهما نسبتان اعتباريتان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يُسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي: يُنزّهه سبحانه جميعُ ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مُسَبِّحةٌ لله، ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَن فيه طَرَشُ النكرة. هـ. {له الملكُ وله الحمدُ} لا لغيره؛ إذ هو المبدىء لكلّ شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المُولي لأصول النِعم وفروعها، وأمّا ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. {وهو على كل شيءٍ قديرٌ}؛ لأنّ نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. {هو الذي خَلَقَكُم} خلقاً بديعاً، حائزاً لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك {فمنكم كافرٌ} أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسباً له، على خلاف ما تستدعيه خِلقته، {ومنكم مؤمن} مختار للإيمان، كاسباً له، على حسب ما تقتضيه خِلقته، وكان الواجب عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنِعم الخلق والإيجاد، وما يتفرّع عليهما من سائر النِعم، فما فعلتُم ذلك مع تمام تمكُّنكم منه، بل تشعّبتم شعباً، وتفرقتم فِرَقاً. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} أي: في سابق علمه سمَّاه كافراً، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. هـ. قال أبو السعود: حَمْله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. {واللهُ بما تعملون بصير} فيُجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. {خَلَقَ السماوات والأرضَ بالحق}؛ بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرًّا للمكلّفين ليعملوا فيُجازيهم، {وصوَّركم فأّحْسَن صُوَركم} حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القُوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصَّكم بخلاصة خَصائص مُبدعاته، وجعلكم أنموذجَ جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كلّه، وأبهاه، بدليل: أنّ الإنسان لا يتمنّى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومِن حُسن صورته: أنه خلق منتصباً غير منكبٍّ، ومَن كان دميماً، مشوّه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثمَّ، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عمّا فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حدّ الحُسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. هـ. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال: شعر : وكُلُّ قبيحٍ إن نَسَبْتِ لحُسْنِه أتتك معاني الحُسْنِ فيه تُسارعُ يُكَمِّل نُقصانَ القبيحِ جَمَالُه فما ثَمَّ نُقصانٌ. ولا ثَمَّ بَاشِعُ تفسير : {وإِليه المصيرُ} في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسِنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خُلقن له. {يعلمُ ما في السماوات والأرض ويعلم ما تُسِرُّون وما تُعلنون} أي: ما تُسرونه فيما بينكم، وما تُظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله؛ لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما. وقوله تعالى: {واللهُ عليم بذاتِ الصُدور}: تذييل لِما قبله، ومُقَرِّر له، من شمول علمه تعالى لسِرِّهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يُفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه ما يُسرونه وما يُعلنونه، فحق أن يُتقى ويُحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدّم تقرير القدرة على تقرير العلم؛ لأنّ دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يُعصى الخالق ولا تُشكر نِعَمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم" تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في مُلكِه وملكوته، وذلك أنه تعالى لمّا أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأنّ كل شيء ينزهه ويُقدّسه عما لا يَليق بجلاله، ثم خصّ أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمةٍ وإفضال منه، وهو خالق كل مهتدٍ وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبيّن أنَّ إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريراً، وأكّده توكيداً، وكأنَّ ذكر العلم في قوله: {والله بما تعملون بصير} استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولمّا فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: {ألم يأتكم...} الآية. هـ. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافرٌ، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مُصدِّقٌ بظهور الحق في الخلق. ثم قسَّم الناسَ على ثلاثة: مَن لا يرى إلاّ الخلق، وهم أهل الفرق، ومَن لا يرى إلاّ الحق، وهم أهل الجمع، ومَن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدُهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خَلَقَ سماواتِ الأرواح ليُعرف بها، وأرض الأشباح ليُعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوَّركم فأحسن صُورَكم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية؛ لأنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآَّ بعض الأسماء والصفات، فتأمّله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تُسرُّون من العقائد الصحيحة، وما تُعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تُسرُّون من الكشوفات الذوقية، وما تُعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تُسرُّون من العقائد الفاسدة، وما تُعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تُسرُّون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين. ثم هَدَّدَ مَن كفر بعد ظهور هذه الآيات العظيمة على عظمته تعالى ووحدانيته، فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

الطوسي

تفسير : قد فسرنا معنى قوله {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} وأن المراد بها ما فى خلق السموات والارض، وما فيهما من الادلة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه، وأنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء وأنه منزه عن القبائح وصفات النقص، فعبر عن ذلك بالتسبيح من حيث كان معنى التسبيح التنزيه لله عما لا يليق به. وقوله {له الملك} معناه انه المالك لجميع ذلك والمتصرف فيه بما شاء، ولا أحد يمنعه منه، وله الحمد على جميع ذلك، لأن خلق ذلك أجمع للاحسان إلى خلقه به والنفع لهم فاستحق بذلك الحمد والشكر {وهو على كل شيء قدير} يعني مما يصح أن يكون مقدوراً له، فلا يدخل فى ذلك مقدور العباد، لانه يستحيل أن يكون مقدوراً لله. وقوله {هو الذي خلقكم} معناه هو الذي اخترعكم وأنشأكم بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} معناه فمنكم من يختار الكفر بسوء اختياره ومنكم مؤمن بحسن اختياره للايمان. وقال الحسن: فيه محذوف وتقديره فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق. وقال غيره: ليس فيه حذف، لأن الغرض ذكر الطرفين لا المنزلة بين المنزلتين كما أن قوله {خلقكم} خطاب يتوجه إلى جميع الخلق. وإن كان منهم الاطفال والمجانين الذين لا حكم لهم بالايمان ولا بالكفر. وقال الزجاج: معناه {فمنكم كافر} بالله بأن الله خلقه {ومنكم مؤمن} بذلك. وقوله {والله بما تعملون بصير} معناه - ها هنا - أنه خلق الكافر، وهو عالم بما يكون منه من الكفر، وكذلك خلق المؤمن وعلم بما يكون منه من الايمان، وكل ذلك على وجه الاحسان فى الفعل الذي يستحق به الحمد والشكر. ثم قال {خلق السماوات والأرض} بمعنى اخترعهما وانشأهما {بالحق} أي للحق وهو انه خلق العقلاء تعريضاً لهم للثواب العظيم، وما عداهم خلق تبعاً لهم لما فيه من اللطف، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل، وأما على مذهب الجبر فلا. {وصوركم} متوجه الى البشر كلهم {فأحسن صوركم} معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته، لان فيهم من ليس بهذه الصفة. وقال قوم: لا بل هو من تقبل الطبع لأنه إذا قيل: حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل الطبع، وسبيله كسبيل قوله {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}تفسير : وإن كان فيهم المشوه الخلق لأن هذا عارض لا يعتد به فى هذا الوصف، والله تعالى خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله. والصورة عبارة عن بنية مخصوصة كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك. ثم قال {وإليه المصير} يعني اليه المرجع يوم القيامة واليه المآل. ثم قال {يعلم} يعني الله تعالى بعلم {ما في السماوات والأرض} من الموجودات {ويعلم ما تسرون وما تعلنون} أي ما تظهرونه وما تخفونه. وقيل: ما يسره بعضكم إلى بعض وما تخفوه في صدوركم عن غيركم. والفرق بين الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم لانه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى فى نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص {والله عليم بذات الصدور} معناه وهو عالم باسرار الصدور وبواطنها. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين فقال {ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل} يعني من قبل هؤلاء الكفار {فذاقوا وبال أمرهم} أي بما سلطه الله عليهم بأن أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم {ولهم عذاب أليم} أي مؤلم يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ} اى ما ينبغى ان يملك {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} اى ما ينبغى ان يوصف الكامل به {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على استنطاق الاشياء بالتّسبيح وهذه تعداد الاوصاف الجميلة واشارة الى علّة تسبيح الاشياء له، ولكونها تعداداً لاوصافه الحميدة قال {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}.

الأعقم

تفسير : {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} قد قدمنا ما قيل فيه، وقيل: ينزهه المكلفون بالقول والجمادات بالدلالة {له الملك} منفرد دون غيره {وهو على كل شيء قدير} يُوجِد المعدوم ويعدم هذا الموجود {هو الذي خلقكم} قيل: الخطاب للمكلفين، وقيل: هو عام، أي أحدثكم من عدم كما أراد، وقد تمّ الكلام هاهنا ثم ابتدأ سبحانه فقال: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} قيل: منكم من لم يقرّ بخلقه كالدهرية ومنكم من يقرّ بأنه خلقه كالموحدة وهذا نحو قوله: {والله خلق كل دابة من ماء} الآية، كذلك هاهنا الله تعالى خلقهم ثم الإِيمان والكفر منهم، وقيل: فمنكم كافر بالله ومنكم مؤمن به، وقيل: فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانيَّة كالمنافقين، وقيل: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، ولا يجوز حمله على أنه خلقهم مؤمنين كافرين لأن الكفر والإِيمان فعل العبد {خلق السماوات والأرض بالحق} أي للحق والطاعة، وقيل: قصد به الحق، وقيل: الثواب {وصوّركم فأحسن صوركم}، قيل: حسنها من حيث الحكمة ومن حيث قبول الحق {وإليه المصير} أي إلى حكمه المرجع {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرّون ما تعلنون والله عليم بذات الصدور} يعني بما في القلوب {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا} خبر الأمم الذين كفروا {فذاقوا وبال أمرهم} من العذاب، والوبال يقال للشيء المكروه، وبال الأمر وحامه {ولهم عذاب أليم} موجع {ذلك بأنه كانت تأتيهم}..... أي ذلك العذاب نزل بهم لأجل أن الرسل أتتهم {بالبينات} بالحجج والمعجزات فأنكروا {فقالوا أبشر يهدوننا} مثلنا نتبعه {فكفروا وتولوا واستغنى الله} أي هو غني عنهم وعن عبادتهم وإنما كلفهم لنفعهم {والله غني} لا يجوز عليه الحاجة {حميد} محمود.

الهواري

تفسير : تفسير سورة التغابن، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: إن منكم من سيكون كافراً ومنكم من سيكون مؤمناً. وهو كقوله: (أية : إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) تفسير : [الإنسان:3]. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: يوم القيامة. {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور. قوله تعالى: {أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: خبر الذين كفروا {مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: عقوبة أمرهم، يعني العذاب الذي عذب به الأمم السالفة في الدنيا حين كذبوا رسلهم. يحذر المنافقون أن ينزل بهم ما نزل بمن كفر قبلهم. قال تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع، يعني عذاب جهنم مع عذاب الدنيا.

اطفيش

تفسير : {يُسَبِّحُ للهِ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَمَافِى الأَرْضِ لَهُ} حقيقة لا لغيره {المُلْكُ وَلَهُ} كذلك {الحَمْدُ} لان كل نعمة فمنه ولو جرت على يد غيره جرياناً يوجب حمدا كحمده تعالى {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} من اعطاه ومنع وغيرهما {قَدِيرٌ} والاشياء في قدرته سواء لان قدرته ذاتية تفتضيها الذات.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يُسَبِّحُ للهِ} بلسان الحال أو القال {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} من الدواب والملائكة، المضارع للتجدد والاستمرار فى هذا الموضع وشبهه ومعنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به وهو متعد ولكن جئ باللام لتضمن معنى الانقياد وما فى السماوات وما فى الأَرض عبارة عن المخلوقات كلها، كما يعبر عن الصحابة مطلقا بالمهاجرين والأَنصار، كما فسر به بعض المفسرين فى أوائل سورة الجمعة، وقدم السماوات لشرفها وعدم المعصية فيها وكثرة العابدين فيها وعدم بطلان عبادة ما من عبادتهم وقوة تسبيحهم وصفائه. وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ما من مولود إِلاَّ مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن" تفسير : ذكره الشوشاوى {لَهُ} وحده لا مع غيره {الْمُلْكُ} جميع المملوكات أجساما وأعراضا ولا ملك لغيره إِلا صورة وعارية منه أو هو بالمعنى المصدرى، وهبنا الله أشياء انتفعنا بها ونفعنا بها غيرنا ونثاب على ذلك بفضله إِن شاء الله الرحمن الرحيم كما تستعير شيئا من غيرك لنفعك وتنفع غيرك بنفعك، وقدم الملك على الحمد لأَنه دليل الحمد والحمد يكون على ما ملكه. {وَلَهُ} وحده لامع غيره {الْحَمْدُ} على ما أعطانا بلا واسطة مخلوق أو بواسطة والحمد هنا الشكر أو الثناء على الأَوصاف والأَفعال أو على الأَفعال {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ} لأَن قدرته ذاتية لا تتفاوت معها الأَشياء. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} أيها الناس استشهاد لقدرته ببضع أفعاله ومن أفعاله غير ذلك وهو خلق الجن وخلق الملائكة وخلق غير ذلك. {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ} به {وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} به وذلك ترتيب على الخلق، أى ترتب من خلقه إِياكم أن بعضا كافر وبعضا مؤمن كقوله: فمنهم مهتد إِلخ. أو ذلك تفصيل لإِجمال خلقه تعالى للمخاطبين كقوله تعالى: والله خلق كل دابة الخ. فالكفر والإِيمان فى ضمن الخلق، فهما مخلوقان لله تعالى كسائر أفعال الخلق واعتقاداتهم والحجة النقلية مثل قوله تعالى: {أية : وخلق كل شيء} تفسير : [الأنعام: 101، الفرقان: 2] {أية : هل من خالق غير الله} تفسير : [فاطر: 3]، والعقلية أن يقال كيف يخلق الإِنسان مثلا فعله ولو فعله خطأَ أو فى المنام وكيف يخلقه غافلا عن أبعاضه، ولا يدرى كم هى ولا أحوالها مع تعمده للفعل إِذ تعمده مع حضور عقله وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أُمه أربعين يوماً نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة ثم يبعث الله تعالى ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته ثم ينفخ فيه الروحتفسير : ، وحديث أبى ذر المرفوع حديث : إِذا مكث المنى في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إِلى الرب سبحانه وتعالى فيقول يا رب أذكر أم أُنثى، فيقضي الله ما هو قاض فيقول أشقي أم سعيد"تفسير : ، فيكتب ما هو لاق وقرأ من أول السورة إِلى قوله فأَحسن صوركم وإِليه المصير فلا دليل فيهما لأَن المعتزلة قبحهم الله يقولون الفاعل يخلق فعله والله عالم بما يفعله علما أزليا وقاض ويكون حجة على من زعم منهم أنه لا يعلمه الله تعالى حتى يكون، فالحديث قاض بعلمه قبل أن يكون، لا صريح فى أنه تعالى خالقه ووجه الجمع بين الحديثين أن الرافع فى الحديث الثانى غير الرافع فى الحديث الأَول، والرفع مرتين. وفى أحدهما ما ليس فى الآخر. وفى مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : خلق الله للنار أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق للجنة أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وذلك باختيارهم" تفسير : . والكفر والإِيمان فى الآية منظور فيهما إِلى القضاء أى فمنهم من قضى كفره ومنهم من قضى إِيمانه بلا إِجبار أو إِلى الاختيار، أى فمنهم من اختار الكفر ومنهم من اختار الإِيمان، عاب الله تعالى من اختار الكفر مع دلائل قبحه شرعاً وعقلا، وقبحه أن يتصور فى شأن فاعله إِذ فعله وقد نهى عنه وبانت مضاره لا فى شأن خالقه فإِنه من حيث أنه مخلوق لله تعالى صواب لا خطأ إِذ لا يخلق الخطأَ وغير الصواب كما خلق النار والبحر والحديد وسائر الأَشياء المهلكة لمقارفها على وجه الإِهلاك، فنحن نقارف الكفر بمعنى أنا نذكره على وجه بيانه والاستدلال على تحريمه. وفى خلقه إِنعام إِذ يتبين به مقدار الإِنعام بالإِيمان وقدم ذكر الكفر لكثرته ولتقدمه فى الوجود فى شأْن المكلفين من حيث التكليف ولو تقدم الإِيمان من حيث: {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأعراف: 172]، ومن حيث: حديث : كل مولود يولد على الفطرة تفسير : فطرة الله التى فطر الناس عليها، وأيضاً قدم الكفر لأَن المقصود بالذات ا لتهديد على كفر من كفر.. وعن عطاء فمنكم كافر بالله تعالى مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب كما فى حديث: "حديث : أصبح من عبادي مؤمن" تفسير : الخ. وقيل فمنكم كافر بالخالق وهم الدهرية وأصحاب الطبائع، ومنكم مؤمن به. وعن أبى سعيد الخدرى فمنكم كافر فى حياته مؤمن فى العاقبة، ومنكم مؤمن فى حياته كافر فى العاقبة. والمؤمن الموحد شامل للموفى والفاسق والكافر المشرك أو المؤمن الموحد الموفى والكافر المشرك والفاسق ولا يصح العطف على الصلة لعدم الرابط والفاء إِنما تكفى فى الربط إِذا كانت سببية نحو الطائر فيغضب زيد الذباب فإِن الغضب مسبب عن طيران الذباب إِلا أن يتكلف أن خلقهم سبب لكفرهم وإِيمانهم ولو لم يخلقوا لم يكن كفر ولا إِيمان منهم لعدمهم ويتخيل أنه سبب والفاء تمنع العطف على مجموع هو الذى الخ ولو أجازه بعض.

الالوسي

تفسير : {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي ينزهه سبحانه وتعالى جميع المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه سبحانه تسبيحاً مستمراً، وذلك بدلالتها على كمال عز وجل واستغنائه تعالى، والتجدد باعتبار تجدد النظر في وجوه الدلالة على ذلك. {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } لا لغيره تعالى إذ هو جل شأنه المبدىء لكل شيء وهو القائم به والمهيمن عليه وهو عز وجل المولي لأصول النعم وفروعها وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه تعالى وتسليط، وأما حمد غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة ولغيره بحسب الصورة، وتقديم {لَهُ ٱلْمُلْكُ } لأنه كالدليل لما بعده. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لأن نسبة ذاته جل شأنه المقتضية للقدرة إلى الكل سواء فلا يتصور كون بعض مقدوراً دون بعض.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة أشبه شيء بالسور المكية في موضوعها وفي سياقها وفي ظلالها وإيحاءاتها، وبخاصة المقاطع الأولى منها. فلا يكاد الجو المدني يتبين إلا في فقراتها الأخيرة. والفقرات الأولى إلى ابتداء النداء: {يا أيها الذين آمنوا}.. تستهدف بناء أسس العقيدة، وإنشاء التصور الإسلامي في القلوب بأسلوب السور المكية التي تواجه الكفار المشركين ابتداء. وتخاطبهم بهذا التصور خطاب المبتدئ في مواجهته. ثم هي تستخدم المؤثرات الكونية والنفسية كما تستعرض مصائر الغابرين من المكذبين قبلهم؛ وتعرض عليهم مشاهد القيامة لإثبات البعث، وتوكيده توكيداً شديداً، يدل على أن المخاطبين به من المنكرين الجاحدين. فأما الفقرات الأخيرة فهي تخاطب الذين آمنوا بما يشبه خطابهم في السور المدنية، لحثهم على الإنفاق، وتحذرهم فتنة الأموال والأولاد. وهي الدعوة التي تكررت نظائرها في العهد المدني بسبب مقتضيات الحياة الإسلامية الناشئة فيها. كما أن فيها ما قد يكون تعزية عن مصاب أو تكاليف وقعت على عاتق المؤمنين، ورد الأمر فيها إلى قدر الله، وتثبيت هذا التصور.. وهو ما يتكرر في السور المدنية وبخاصة بعد الأمر بالجهاد وما ينشأ عنه من تضحيات. ولقد وردت روايات أن السورة مكية، ووردت روايات أخرى أنها مدنية مع ترجيحها. وكدت أميل إلى اعتبارها مكية تأثراً بأسلوب الفقرات الأولى فيها وجوها. ولكني أبقيت اعتبارها مدنية ـ مع الرأي الراجح فيها ـ لأنه ليس ما يمنع أن تكون الفقرات الأولى فيها خطاباً للكفار بعد الهجرة سواء كانوا كفار مكة أم كفار القريبين من المدينة. كما أنه ليس ما يمنع أن يستهدف القرآن المدني في بعض الأحيان جلاء أسس العقيدة، وإيضاح التصور الإسلامي، بهذا الأسلوب الغالب على أسلوب القرآن المكي.. والله أعلم.. والمقطع الأول في السورة يستهدف بناء التصور الإيماني الكوني، وعرض حقيقة الصلة بين الخالق ـ سبحانه ـ وهذا الكون الذي خلقه. وتقرير حقيقة بعض صفات الله وأسمائه الحسنى وأثرها في الكون وفي الحياة الإنسانية: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير. خلق السماوات والأرض بالحق، وصوركم فأحسن صوركم، وإليه المصير. يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون. والله عليم بذات الصدور}.. وهذا التصور الكوني الإيماني هو أدق وأوسع تصور عرفه المؤمنون في تاريخ العقيدة. ولقد جاءت الرسالات الإلهية كلها بوحدانية الله، وإنشائه لهذا الوجود ولكل مخلوق، ورعايته لكل كائن في الوجود.. لا نشك في هذا لأن القرآن يحكيه عن الرسل وعن الرسالات كلها. ولا عبرة بما نجده في الكتب المفتراة والمحرفة؛ أو فيما يكتبه عن الديانات المقارنة أناس لا يؤمنون بالقرآن كله أو بعضه. إنما جاء الانحراف عن العقيدة الإيمانية من أتباعها، فبدا أنها لم تأت بالتوحيد الخالص، أو لم تأت بهيمنه الله واتصاله بكل كائن. فهذا من التحريف الطارئ لا من أصل الديانة. فدين الله واحد منذ أولى الرسالات إلى خاتمة الرسالات. ويستحيل أن ينزل الله ديناً يخالف هذه القواعد، كما يزعم الزاعمون بناء على ما يجدونه في كتب مفتراة أو محرفة باسم الدين! ولكن تقرير هذه الحقيقة لا ينافي أن التصور الإسلامي عن الذات الإلهية، وصفاتها العلوية، وآثار هذه الصفات في الكون وفي الحياة الإنسانية.. أن هذا التصور أوسع وأدق وأكمل من كل تصور سابق في الديانات الإلهية.. وهذا متفق مع طبيعة الرسالة ومهمتها الأخيرة. ومع الرشد البشري الذي جاءت هذه الرسالة لتخاطبه وتوجهه؛ وتنشئ فيه هذا التصور الشامل الكامل بكل مقتضياته وفروعه وآثاره. ومن شأن هذا التصور أن يدرك القلب البشري ـ بمقدار ما يطيق ـ حقيقة الألوهية وعظمتها، ويشعر بالقدرة الإلهية ويراها في آثارها المشهودة في الكون، ويحسها في ذوات الأنفس بآثارها المشهودة والمدركة؛ ويعيش في مجال هذه القدرة وبين آثارها التي لا تغيب عن الحس والعقل والإلهام. ويراها محيطة بكل شيء، مهيمنة على كل شيء، مدبرة لكل شيء، حافظة لكل شيء، لا يند عنها شيء. سواء في ذلك الكبير والصغير والجليل والحقير. ومن شأنه كذلك أن يعيش القلب البشري في حساسية مرهفة، وتوفز دائم، وخشية وارتقاب، وطمع ورجاء؛ وأن يمضي في الحياة معلقاً في كل حركة وكل خالجة بالله، شاعراً بقدرته وهيمنته، شاعراً بعلمه ورقابته، شاعراً بقهره وجبروته، شاعراً برحمته وفضله، شاعراً بقربه منه في كل حال. وأخيراً فإن من شأنه أن يحس بالوجود كله متجهاً إلى خالقه فيتجه معه، مسبحاً بحمد ربه فيشاركه تسبيحه، مدبراً بأمره وحكمته فيخضع لشريعته وقانونه.. ومن ثم فهو تصور إيماني كوني بهذا المعنى، وبمعان أخرى كثيرة تتجلى في المواضع المتعددة في القرآن التي تضمنت عرض جوانب من هذا التصور الإيماني الشامل الكامل المحيط الدقيق. وأقرب مثل منها ما ورد في ختام سورة الحشر، في هذا الجزء. {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، له الملك وله الحمد}.. فكل ما في السماوات والأرض متوجه إلى ربه، مسبح بحمده؛ وقلب هذا الوجود مؤمن، وروح كل شيء في هذا الوجود مؤمنة، والله مالك كل شيء. وكل شيء شاعر بهذه الحقيقة. والله محمود بذاته ممجّد من مخلوقاته. فإذا وقف الإنسان وحده في خضم هذا الوجود الكبير كافر القلب جامد الروح، متمرداً عاصياً، لا يسبح لله، ولا يتجه إلى مولاه، فإنه يكون شاذاً بارز الشذوذ، كما يكون في موقف المنبوذ من كل ما في الوجود. {وهو على كل شيء قدير}.. فهي القدرة المطلقة، التي لا تتقيد بقيد. وهي حقيقة يطبعها القرآن في القلب المؤمن فيعرفها ويتأثر بمدلولها، ويعلم أنه حين يركن إلى ربه فإنما يركن إلى قدرة تفعل ما تشاء، وتحقق ما تريد. بلا حدود ولا قيود. وهذا التصور لقدرة الله وتسبيح كل شيء له، وتوجه الوجود إليه بالحمد.. هو طرف من ذلك التصور الإيماني الكبير. واللمسة الثانية في صميم القلب الإنساني، الذي يقف في خضم الوجود المؤمن المسبح بحمد الله. مؤمناً تارة وكافراً تارة. وهو وحده الذي يقف هذا الموقف الفريد. {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}.. فعن إرادة الله وعن قدرته صدر هذا الإنسان؛ وأُودع إمكان الاتجاه إلى الكفر وإمكان الاتجاه إلى الإيمان؛ وتميز بهذا الاستعداد المزدوج من بين خلق الله؛ ونيطت به أمانة الإيمان بحكم هذا الاستعداد. وهي أمانة ضخمة وتبعة هائلة. ولكن الله كرم هذا المخلوق فأودعه القدرة على التمييز والقدرة على الاختيار؛ وأمده بعد ذلك بالميزان الذي يزن به عمله ويقيس به اتجاهه. وهو الدين الذي نزله على رسل منه. فأعانه بهذا كله على حمل هذه الأمانة. ولم يظلمه شيئاً. {والله بما تعملون بصير}.. فهو رقيب على هذا الإنسان فيما يعمل، بصير بحقيقة نيته واتجاهه، فليعمل إذن وليحذر هذا الرقيب البصير.. وهذا التصور لحقيقة الإنسان وموقفه هو طرف من التصور الإسلامي الواضح المستقيم لموقف الإنسان في هذا الوجود، واستعداداته وتبعاته أمام خالق الوجود. واللمسة الثالثة تشير إلى الحق الأصيل الكامن في طبيعة الوجود، الذي تقوم به السماوات والأرض، كما تشير إلى صنعة الله المبدعة في كيان المخلوق الإنساني. وتقرر رجعة الجميع إليه في نهاية المطاف: {خلق السماوات والأرض بالحق، وصوركم فأحسن صوركم، وإليه المصير}.. وصدر هذا النص: {خلق السماوات والأرض بالحق}.. يقر في شعور المؤمن أن الحق أصيل في كيان هذا الكون، ليس عارضاً وليس نافلة؛ فبناء الكون قام على هذا الأساس. والذي يقرر هذه الحقيقة هو الله الذي خلق السماوات والأرض، والذي يعلم على أي أساس قامتا. واستقرار هذه الحقيقة في الحس يمنحه الطمأنينة والثقة في الحق الذي يقوم عليه دينه، ويقوم عليه الوجود من حوله؛ فهو لا بد ظاهر، ولا بد باق، ولا بد مستقر في النهاية بعد زبد الباطل! والحقيقة الثانية: {وصوركم فأحسن صوركم}.. تشعر الإنسان بكرامته على الله، وبفضل الله عليه في تحسين صورته: صورته الخلقية وصورته الشعورية. فالإنسان هو أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني؛ كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداداته الروحية ذات الأسرار العجيبة. ومن ثم وكلت إليه خلافة الأرض، وأقيم في هذا الملك العريض بالقياس إليه! ونظرة فاحصة إلى الهندسة العامة لتركيب الإنسان، وإلى أي جهاز من أجهزته، تثبت تلك الحقيقة وتجسمها: {وصوركم فأحسن صوركم}.. وهي هندسة يجتمع فيها الجمال إلى الكمال. ويتفاوت الجمال بين شكل وشكل. ولكن التصميم في ذاته جميل وكامل الصنعة، وواف بكل الوظائف والخصائص التي يتفوق بها الإنسان في الأرض على سائر الأحياء. {وإليه المصير}.. مصير كل شيء وكل أمر وكل خلق.. مصير هذا الكون ومصير هذا الإنسان. فمن إرادته انبثق، وإليه ـ سبحانه ـ يعود. ومنه المنشأ وإليه المصير.. وهو الأول والآخر. المحيط بكل شيء من طرفيه: مبدئه ونهايته. وهو ـ سبحانه ـ غير محدود! واللمسة الرابعة في هذا المقطع هي تصوير العلم الإلهي المحيط بكل شيء، المطلع على سر الإنسان وعلانيته، وعلى ما هو أخفى من السر، من ذوات الصدور الملازمه للصدور: {يعلم ما في السماوات والأرض، ويعلم ما تسرون وما تعلنون، والله عليم بذات الصدور}.. واستقرار هذه الحقيقة في القلب المؤمن يفيده المعرفة بربه، فيعرفه بحقيقته. ويمنحه جانباً من التصور الإيماني الكوني. ويؤثر في مشاعره واتجاهاته؛ فيحيا حياة الشاعر بأنه مكشوف كله لعين الله. فليس له سر يخفى عليه، وليس له نية غائرة في الضمير لا يراها وهو العليم بذات الصدور. وإن آيات ثلاثاً كهذه لكافية وحدها ليعيش بها الإنسان مدركاً لحقيقة وجوده. ووجود الكون كله، وصلته بخالقه، وأدبه مع ربه، وخشيته وتقواه، في كل حركة وكل اتجاه.. والمقطع الثاني في السورة يذكر بمصير الغابرين من المكذبين بالرسل والبينات، المعترضين على بشرية الرسل. كما كان المشركون يكذبون ويعترضون على بشرية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكفرون بما جاءهم به من البينات: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم؟ ولهم عذاب أليم. ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، فقالوا: أبشر يهدوننا؟ فكفروا وتولوا، واستغنى الله، والله غني حميد}.. والخطاب هنا للمشركين ـ غالباً ـ وهو تذكير لهم بعاقبة المكذبين وتحذير لهم من مثل هذه العاقبة. والاستفهام قد يكون لإنكار حالهم بعد ما جاءهم من نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم. وقد يكون للفت أنظارهم إلى هذا النبأ الذي يقصه عليهم. وهم كانوا يعرفون ويتناقلون أنباء بعض الهلكى من الغابرين. كعاد وثمود وقرى لوط. وهم يمرون عليها في شبه الجزيرة، في رحلاتهم للشمال والجنوب. ويضيف القرآن إلى المعروف من مآلهم في الدنيا ما ينتظرهم هنالك في الآخرة: {ولهم عذاب أليم}.. ثم يكشف عن السبب الذي استحقوا به ما نالهم وما ينتظرهم: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا: أبشر يهدوننا؟}.. وهو الاعتراض ذاته الذي يعترضه المشركون على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو اعتراض فج ناشئ عن الجهل بطبيعة الرسالة، وكونها منهجاً إلهياً للبشر، فلا بد أن تتمثل واقعياً في بشر، يحيا بها، ويكون بشخصه ترجماناً لها؛ فيصوغ الآخرون أنفسهم على مثاله بقدر ما يستطيعون. ولا ينعزل هو عنهم بجنسه، فيتعذر أن يجدوا للرسالة صورة واقعية يحاولون تحقيقها في ذوات أنفسهم، وفي حياتهم ومعاشهم. وناشئ كذلك من الجهل بطبيعة الإنسان ذاته ورفعة حقيقته بحيث يتلقى رسالة السماء ويبلغها، بدون حاجة إلى أن يحملها إلى الناس ملك كما كانوا يقترحون. ففي الإنسان تلك النفخة من روح الله! وهي تهيئة لاستقبال الرسالة من الله، وأدائها كاملة كما تلقاها من الملأ الأعلى. وهي كرامة للجنس البشري كله لا يرفضها إلا جاهل بقدر هذا الإنسان عند الله، حين يحقق في ذاته حقيقة النفخة من روح الله! وناشئ في النهاية من التعنت والاستكبار الكاذب عن اتِّباع رسول من البشر. كأن في هذا غضاً من قيمة هؤلاء الجهال المتكبرين! فجائز في عرفهم أن يتبعوا رسولاً من خلق آخر غير جنسهم بلا غضاضة. أما أن يتبعوا واحداً منهم فهي في نظرهم حطة وقلة قيمة! ومن ثم كفروا وتولوا معرضين عن الرسل وما معهم من البينات، ووقفت في صدورهم هذه الكبرياء وذلك الجهل. فاختاروا لأنفسهم الشرك والكفر.. {واستغنى الله. والله غني حميد}.. استغنى الله عنهم وعن إيمانهم وعن طاعتهم.. وما هو ـ سبحانه ـ بمحتاج إلى شيء منهم ولا من غيرهم، ولا بمحتاج أصلاً: {والله غني حميد}. فهذا نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم. وهذا سبب ما ذاقوا وما ينتظرهم. فكيف يكذب بعد هذا النبأ مكذبون جدد؟ أليلقوا مصيراً كهذا المصير؟ والمقطع الثالث بقية للمقطع الثاني يحكي تكذيب الذين كفروا بالبعث ـ وظاهر أن الذين كفروا هم المشركون الذين كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يواجههم بالدعوة ـ وفيه توجيه للرسول أن يؤكد لهم أمر البعث توكيداً وثيقاً. وتصوير لمشهد القيامة ومصير المكذبين والمصدقين فيه؛ ودعوة لهم إلى الإيمان والطاعة ورد كل شيء لله فيما يقع لهم في الحياة. {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا. قل بلى وربي لتبعثن، ثم لتنبؤن بما عملتم. وذلك على الله يسير. فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا. والله بما تعملون خبير. يوم يجمعكم ليوم الجمع، ذلك يوم التغابن، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته، ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبداً. ذلك الفوز العظيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولـئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير. مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين. الله لا إلـه إلا هو، وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. ومنذ البدء يسمي مقالة الذين كفروا عن عدم البعث زعماً، فيقضي بكذبه من أول لفظ في حكايته. ثم يوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى توكيد أمر البعث بأوثق توكيد، وهو أن يحلف بربه. وليس بعد قسم الرسول بربه توكيد، {قل: بلى وربي لتبعثن}.. {ثم لتنبئون بما عملتم}.. فليس شيء منه بمتروك. والله أعلم منهم بعملهم حتى لينبئهم به يوم القيامة! {وذلك على الله يسير}.. فهو يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم السر والعلن وهو عليم بذات الصدور. وهو على كل شيء قدير. كما جاء في مطلع السورة تمهيداً لهذا التقرير. وفي ظل هذا التوكيد الوثيق يدعوهم إلى الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزله مع رسوله. وهو هذا القرآن. وهو هذا الدين الذي يبشر به القرآن. وهو نور في حقيقته بما أنه من عند الله. والله نور السماوات والأرض. وهو نور في آثاره إذ ينير القلب فيشرق بذاته ويبصر الحقيقة الكامنة فيه هو ذاته. ويعقب على دعوتهم إلى الإيمان، بما يشعرهم أنهم مكشوفون لعين الله لا يخفى عليه منهم شيء: {والله بما تعملون خبير}.. وبعد هذه الدعوة يعود إلى استكمال مشهد البعث الذي أكده لهم أوثق توكيد: {يوم يجمعكم ليوم الجمع: ذلك يوم التغابن}.. فأما أنه يوم الجمع فلأن جميع الخلائق في جميع الأجيال تبعث فيه، كما يحضره الملائكة وعددهم لا يعلمه إلا الله. ولكن قد يقربه إلى التصور ما جاء في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أبي ذر رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. أطت السماء وحق لها أن تيط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته لله تعالى ساجداً. والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى. لوددت أني شجرة تعضد ". تفسير : والسماء التي ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك. هي هذا الاتساع الهائل الذي لا يعرف له البشر حدوداً. والذي تبدو فيه شمس كشمسنا ذرة كالهباءة الطائرة في الفضاء! فهل هذا يقرب شيئاً للتصور البشري عن عدد الملائكة؟ إنهم من بين الجمع في يوم الجمع! وفي مشهد من هذا الجمع يكون التغابن! والتغابن مفاعلة من الغبن. وهو تصوير لما يقع من فوز المؤمنين بالنعيم؛ وحرمان الكافرين من كل شيء منه ثم صيرورتهم إلى الجحيم. فهما نصيبان متباعدان. وكأنما كان هناك سباق للفوز بكل شيء، وليغبن كل فريق مسابقه! ففاز فيه المؤمنون وهزم فيه الكافرون! فهو تغابن بهذا المعنى المصور المتحرك! يفسره ما بعده: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبداً. ذلك الفوز العظيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولـئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير}.. وقبل أن يكمل نداءه إليهم بالإيمان يقرر قاعدة من قواعد التصور الإيماني في القدر، وفي أثر الإيمان بالله في هداية القلب: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله. ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم}.. ولعل مناسبة ذكر هذه الحقيقة هنا هي مجرد بيانها في صدد عرض حقيقة الإيمان الذي دعاهم إليه في هذا المقطع. فهو الإيمان الذي يرد كل شيء إلى الله، ويعتقد أن كل ما يصيب من خير ومن شر فهو بإذن الله. وهي حقيقة لا يكون إيمان بغيرها. فهي أساس جميع المشاعر الإيمانية عند مواجهة الحياة بأحداثها خيرها وشرها. كما يجوز أن تكون هناك مناسبة حاضرة في واقع الحال عند نزول هذه السورة. أو هذه الآية من السورة، فيما كان يقع بين المؤمنين والمشركين من وقائع. وعلى أية حال فهذا جانب ضخم من التصور الإيماني الذي ينشئه الإسلام في ضمير المؤمن. فيحس يد الله في كل حدث، ويرى يد الله في كل حركة، ويطمئن قلبه لما يصيبه من الضراء ومن السراء. يصبر للأولى ويشكر للثانية. وقد يتسامى إلى آفاق فوق هذا، فيشكر في السراء وفي الضراء؛ إذ يرى في الضراء كما في السراء فضل الله ورحمته بالتنبيه أو بالتكفير أو بترجيح ميزان الحسنات، أو بالخير على كل حال. وفي الحديث المتفق عليه: "حديث : عجباً للمؤمن! لا يقضي الله قضاء إلا كان خيراً له. إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ".. تفسير : {ومن يؤمن بالله يهد قلبه}.. وقد فسرها بعض السلف بأنها الإيمان بقدر الله والتسليم له عند المصيبة. وعن ابن عباس يعني يهدي قلبه هداية مطلقة. ويفتحه على الحقيقة اللدنية المكنونة. ويصله بأصل الأشياء والأحداث، فيرى هناك منشأها وغايتها. ومن ثم يطمئن ويقر ويستريح. ثم يعرف المعرفة الواصلة الكلية فيستغني عن الرؤية الجزئية المحفوفة بالخطأ والقصور. ومن ثم يكون التعقيب عليها: {والله بكل شيء عليم}.. فهي هداية إلى شيء من علم الله، يمنحه لمن يهديه، حين يصح إيمانه فيستحق إزاحة الحجب، وكشف الأسرار.. بمقدار.. ويتابع دعوتهم إلى الإيمان فيدعوهم إلى طاعة الله وطاعة الرسول: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين}. وقد عرض عليهم من قبل مصير الذين تولوا. وهنا يقرر لهم أن الرسول مبلغ. فإذا بلغ فقد أدى الأمانة، ونهض بالواجب، وأقام الحجة. وبقي ما ينتظرهم هم من المعصية والتوالي، مما ذكروا به منذ قليل. ثم يختم هذا المقطع بتقرير حقيقة الوحدانية التي ينكرونها ويكذبونها، ويقرر شأن المؤمنين بالله في تعاملهم مع الله: {الله لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. وحقيقة التوحيد هي أساس التصور الإيماني كله. ومقتضاها أن يكون التوكل عليه وحده. فهذا هو أثر التصور الإيماني في القلوب. وبهذه الآية يدخل السياق في خطاب المؤمنين. فهي وصلة بين ما مضى من السورة وما يجيء. وفي النهاية يوجه الخطاب إلى المؤمنين يحذرهم فتنة الأزواج والأولاد والأموال، ويدعوهم إلى تقوى الله، والسمع والطاعة والإنفاق، كما يحذرهم شح الأنفس، ويعدهم على ذلك مضاعفة الرزق والمغفرة والفلاح، ويذكرهم في الختام بعلم الله للحاضر والغائب، وقدرته وغلبته، مع خبرته وحكمته: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم. إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم. فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيراً لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون. إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم، ويغفر لكم، والله شكور حليم. عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم}.. وقد ورد عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في الآية الأولى من هذا السياق وقد سأله عنها رجل فقال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم. فلما أتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}.. وهكذا رواه الترمذي بإسناد آخر وقال: حسن صحيح. وهكذا قال عكرمة مولى ابن عباس. ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي وأبعد مدى وأطول أمداً. فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معاً: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}.. والتنبيه إلى أن يكون من الأزواج والأولاد من يكون عدواً.. إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية. ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء. فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله. كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير. كما يتعرض هو وأهله للعنت. وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده. فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدواً له، لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا. كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه، اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله.. وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات.. وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن. ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة، التحذير من الله، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات. ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد. وكلمة فتنة تحتمل معنيين: الأول أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم، فانتبهوا لهذا، وحاذروا وكونوا أبداً يقظين لتنجحوا في الابتلاء، وتخلصوا وتتجردوا لله. كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب! والثاني أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله. وكلا المعنيين قريب من قريب. وقد روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن بريدة: سمعت أبي بريدة يقول: "حديث : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، فجاء الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران فنزل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المنبر فحملهما، فوضعهما بين يديه. ثم قال: صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة. نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"تفسير : .. ورواه أهل السنة من حديث ابن واقد. فهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذان ابنا بنته.. وإنه لأمر إذن خطير. وخطر. وإن التحذير والتنبيه فيه لضرورة يقدرها من خلق قلوب الناس، وأودعها هذه المشاعر، لتكفكف نفسها عن التمادي والإفراط، وهي تعلم أن هذه الوشائج الحبيبة قد تفعل بها ما يفعل العدو، وتؤدي بها إلى ما تؤدي إليه مكايد الأعداء! ومن ثم يلوح لها بما عند الله بعد التحذير من فتنة الأموال والأولاد، والعداوة المستسرة في بعض الأبناء والأزواج. فهذه فتنة {والله عنده أجر عظيم}.. ويهتف للذين آمنوا بتقوى الله في حدود الطاقة والاستطاعة، بالسمع والطاعة: {فاتقوا الله ما استطعتم ـ واسمعوا وأطيعوا}.. وفي هذا القيد: {ما استطعتم} يتجلى لطف الله بعباده، وعلمه بمدى طاقتهم في تقواه وطاعته. وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"تفسير : فالطاعة في الأمر ليس لها حدود، ومن ثم يقبل فيها ما يستطاع. أما النهي فلا تجزئة فيه فيطلب بكامله دون نقصان. ويهيب بهم إلى الإنفاق: {وأنفقوا خيراً لأنفسكم}.. فهم ينفقون لأنفسهم. وهو يأمرهم أن ينفقوا الخير لأنفسهم. فيجعل ما ينفقونه كأنه نفقة مباشرة لذواتهم، ويعدها الخير لهم حين يفعلون. ويريهم شح النفس بلاء ملازماً. السعيد السعيد من يخلص منه ويوقاه؛ والوقاية منه فضل من الله: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.. ثم يمضي في إغرائهم بالبذل وتحبيبهم في الإنفاق، فيسمي إنفاقهم قرضاً لله. ومن ذا الذي لا يربح هذه الفرصة التي يقرض فيها مولاه؟ وهو يأخذ القرض فيضاعفه ويغفر به، ويشكر المقرض، ويحلم عليه حين يقصر في شكره. وهو الله! {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم. والله شكور حليم}.. وتبارك الله. ما أكرمه! وما أعظمه! وهو ينشئ العبد ثم يرزقه. ثم يسأله فضل ما أعطاه. قرضاً يضاعفه.. ثم.. يشكر لعبده الذي أنشأه وأعطاه! ويعامله بالحلم في تقصيره هو عن شكره مولاه..! يا لله!!! إن الله يعلمنا ـ بصفاته ـ كيف نتسامى على نقصنا وضعفنا، ونتطلع إلى أعلى دائماً لنراه ـ سبحانه ـ ونحاول أن نقلده في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة. وقد نفخ الله في الإنسان من روحه. فجعله مشتاقاً أبداً إلى تحقيق المثل الأعلى في حدود طاقته وطبيعته، ومن ثم تبقى الآفاق العليا مفتوحة دائماً ليتطلع هذا المخلوق إلى الكمال المستطاع، ويحاول الارتفاع درجة بعد درجة، حتى يلقى الله بما يحبه له ويرضاه. ويختم هذه الجولة بعد هذا الإيقاع العجيب، بصفة الله التي بها الإطلاع والرقابة على القلوب: {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم}.. فكل شيء مكشوف لعلمه، خاضع لسلطانه، مدبر بحكمته. كي يعيش الناس وهم يشعرون بأن عين الله تراهم، وسلطانه عليهم، وحكمته تدبر الأمر كله حاضره وغائبه. ويكفي أن يستقر هذا التصور في القلب، لتتقي الله وتخلص له وتستجيب.

ابن عاشور

تفسير : لما كان جُلّ ما اشتملت عليه هذه السورة إبطالَ إشراك المشركين وزجرهم عن دين الإِشراك بأسره وعن تفاريعه التي أعظمها إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيب القرآن وتلك أصول ضلالهم ابتُدئت السورة بالإِعلان بضلالهم وكفرانهم المنعم عليهم، فإن ما في السماوات والأرض يسبح لله تعالى عن النقائص: إما بلسان المقال مثل الملائكة والمؤمنين أو بلسان الحال مثل عبادة المطيعين من المخلوقات المدركة كالملائكة والمؤمنين، وإما بلسان الحال مثل دلالة حال الاحتياج إلى الإِيجاد والإِمداد كحاجة الحيوان إلى الرزق وحاجة الشجرة إلى المطر وما يشهد به حال جميع تلك الكائنات من أنها مربوبة لله تعالى ومسخرة لما أراده منها. وكل تلك المخلوقات لم تنقض دلالة حالها بنقائض كفر مقالها فلم يخرج عن هذا التسبيح إلا أهل الضلال من الإِنس والشياطين فإنهم حَجبوا بشهادة حالهم لما غشوها به من صرح الكفر. فالمعنى: يسبح لله ما في السماوات والأرض وأنتم بخلاف ذلك. وهذا يفيد ابتداء تقرير تنزيه الله تعالى وقوة سلطانه ليزداد الذين آمنوا إيماناً ويكون لهم تعليماً وامتناناً ويفيد ثانياً بطريق الكناية تعريضاً بالمشركين الذين لم ينزهوه ولا وقروه فنسبوا إليه شركاء. وجيء بفعل التسبيح مضارعاً للدلالة على تجدّد ذلك التسبيح ودوامه وقد سبق نظيره في فاتحة سورة الجمعة. وجيء به في فواتح سُور: الحديد، والحشر، والصف بصيغة الماضي للدلالة على أن التسبيح قد استقر في قديم الأزمان. فحصل من هذا التفنن في فواتح هذه السورة كلا المعنيين زيادة على ما بيناه من المناسبة الخاصة بسورة الجمعة، وما في هاته السورة من المناسبة بين تجدد التسبيح والأمر بالعفو عن ذوي القربى والأمر بالتقوى بقدر الاستطاعة والسمع والطاعة لكي لا يكتفي المؤمنون بحصول إيمانهم ليجتهدوا في تعزيزه بالأعمال الصالحة. وإعادة {ما} الموصولة في قوله: {وما في الأرض} لقصد التوكيد اللفظي. وجملة {له الملك} استئناف واقع موقع التعليل والتسبب لمضمون يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض فإن ملابسة جميع الموجودات لدلائل تنزيه الله تعالى عن الشركاء وعن النقائص لا مقتضى لها إلا انفرادُه بتملكها وإيجادها وما فيها من الاحتياج إليه وتصرفه فيها تصرف المالك المتفرد في ملكه. وفي هذه الجملة تنويه بإقبال أهل السماوات والأرض على تسبيح الله وتجديد ذلك التسبيح. فتقديم المسند على المسند إليه لإِفادة تخصيصه بالمسند إليه، أي قصر تعلق لام الاستحقاق بالملك عليه تعالى فلا ملك لغيره وهو قصر ادعائي مبني على عدم الاعتداد بما لغير الله من ملك لنقصه وعدم خلوّه عن الحاجة إلى غيره من هو له بخلاف ملكه تعالى فهو الملك المطلق الداخل في سلطانه كل ذي ملك. وجملة {وله الحمد} مضمونها سبب لتسبيح الله ما في السماوات وما في الأرض، إذ التسبيح من الحمد، فلا جرم أن كان حمد ذوي الإِدراك مختصاً به تعالى إذ هو الموصوف بالجميل الاختياري المطلق فهو الحقيق بالحمد والتسبيح. فهذا القصر ادعائي لعدم الاعتداد بحمد غيره لنقصان كمالاتهم وإذا أريد بالحمد ما يشمل الشكر أو يفضي إليه كما في الحديث «حديث : الحمد رأس الشكر لم يشكر الله عبد لم يحمده»تفسير : وهو مقتضى المقام من تسفيه أحلام المشركين في عبادتهم غيره فالشكر أيضاً مقصور عليه تعالى لأنه المنعم الحق بنعم لا قبل لغيره بإسدائها، وهو المفيض على المنعمين ما ينعمون به في الظاهر، قال تعالى: {أية : وما بكم من نعمة فمن الله}تفسير : [النحل: 53] كما تقدم في تفسير أول سورة الفاتحة. وجملة {وهو على كل شيء قدير} معطوفة على اللتين قبلها وهي بمنزلة التذييل لهما والتبيين لوجه القصرين فيهما، فإن التقدير على كل شيء هو صاحب الملك الحق وهو المختص بالحمد الحق. وفي هذا التذييل وعد للشاكرين ووعيد وترهيب للمشركين. والاقتصار على ذكر وَصف {قدير} هنا لأن المخلوقات التي تسبح الله دالة على صفة القدرة أولاً لأن من يشاهد المخلوقات يعلم أن خالقها قادر.

الشنقيطي

تفسير : تقدم معنى التسبيح ومدلول ما في السماوات وما في الأرض في أول سورة الحشر والحديد، وهذه السورة آخر السور المفتتحة بالتسبيح. والفعل هنا بصيغة المضارع الدال على التجدد والحدوث. والتذييل هنا بصفات الكمال لله تعالى بقوله: {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} للإشعار بأن الملك لله وحده لا شريك له: نافذ فيه أمره ماض فيه حكمه بيده أزمة أمره، كما في قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الملك: 1]. وكقوله في سورة يس: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 82-83]. ومن قدرته على كل شيء، وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء، أن جعل العالم كله يسبح له بحمده تنفيذاً لحكمة فيه، كما في قوله: {أية : لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 70]، فجمع الحمد والحكم معاً لجلالة قدرته وكمال صفاته.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- ينزِّه الله عما لا يليق بجلاله كل ما فى السموات وما فى الأرض. له الملك التام - وحده - وله الثناء الجميل، وهو على كل شئ تام القدرة. 2- هو الذى تفرد بخلقكم من عدم، فمنكم منكر لألوهيته، ومنكم مصدق بها، والله بما تعملون بصير فيجازيكم على أعمالكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يسبح لله: أي ينزه الله ويقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ما في السماوات وما في الأرض: أي من سائر المخلوقات بلسان الحال والقال. له الملك وله الحمد: أي له دون غيره الملك الدائم الحق وله الحمد العام. وهو على كل شيء قدير: أي هو ذو قدرة كاملة على فعل ما أراد ويريد. فمنكم كافر ومنكم مؤمن: أي فبعضكم مؤمن موقن بربه ولقائه وبعضكم كافر جاحد دُهرى، والواقع شاهد. وصوركم فأحسن صوركم: أي صوركم في الأرحام فأحسن صوركم. وإليه المصير: أي المرجع يوم القيامة. والله عليم بذات الصدور: أي بما في الصدور من الضمائر والسرائر. معنى الآيات: قوله تعالى {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يخبر تعالى معلماً عباده بربوبيته الموجبة لعبادته وطاعته وطاعة رسوله بأنه يسبحه جميع خلائقه في الملكوت الأعلى والأسفل وقوله {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} أي أنه له الملك وهو الملك الحق وأنه له الحمد وهو الثناء الجميل {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وأنه على فعل كل شيء قدير لا يعجزه شيء {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} أي وأنه خالق الكل فمن عباده المؤمن به ومنهم الكافر كما هو الواقع. وأنه بما يعمل عباده من خير أو شر من حسنات أو سيئات خبير أي مطلع وسيجزى الكل بأعمالهم حسنها وسيئها، وأنه خلق السماوات والأرض بالحق لا للهو ولا اللعب ولا للعبث بل بالحق وهو أن يذكر ويشكر من عباده وأنه صور العباد في الأرحام فأحسن صورهم وجملها، فهي أجمل المخلوقات الأرضية على الإِطلاق، وأنه إليه لا إلى غيره المرجع يوم القيامة فيحاسب ويجزى وهو الحكم العدل العزيز الحكيم. وإنه تعالى يعلم ما في السماوات والأرض من سائر المخلوقات والحوادث والأحداث، وإنه يعلم ما يُسر عباده من أعمال وأقوال ونيات، وما يعلنون من ذلك. وأنه عليم بذات الصدور أي ما فيها من أسرار وخواطر ونيات وارادات. أخبر عباده بهذا ليؤمنوا به ويعبدوه دون غيره فيكملون ويسعدون بعبادته فله الحمد وله المنة وهو الرحمن الرحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تعليم الله تعالى عباده وتعريفهم بجلاله وكماله ليؤمنوا به ويعبدوه ليكملوا ويسعدوا في الحياتين بالإِيمان به وبطاعته وطاعة رسوله. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر إذ المؤمن مؤمن، والكافر كافر مكتوب ذلك في كتاب المقادير، ثم يظهره تعالى في عالم الشهادة قائما على سننه في خلقه. 3- وجوب مراقبة الله تعالى والحياء منه لأنه عليم بذات الصدور.

القطان

تفسير : ذات الصدور: الضمائر والسرائر. النبأ: الخبر الهام. وبالَ أمرِهم: عاقبة اعمالهم السيئة، وأصلُ الوبال: الثقل والشدة، والوابل: المطر الشديد، والطعام الوبيل: الطعام الثقيل على المعدة. البينات: المعجزات. تقدم الكلام على معنى التسبيح، وإن كل شيء في الوجود يسبح لله، وله الحمد على جميع ما يخلق ويقدّر لأنه مصدرُ الخيرات، ومفيض البركات. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. له قدرة مطلقة لا تتقيّد بقيد. {يُسَبِّحُ لِلَّهِ....} هو الذي خلقكم أيها الناس، فمنكم من كفر وجحد الألوهية، ومنكم المؤمنُ المصدّق، وفي الحديث الصحيح: "حديث : كلّ مولودٍ يولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانِه او ينصّرانه او يمجّسانه ". تفسير : {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فهو رقيب على المخلوقات فيما تعمل، فيجازيهم على اعمالهم. ثم ذكر النعمة الشاملة بخلق العالم كله على أتمّ ما يكون من الحكمة والعدل فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}. خلق هذا الكونَ بالحكمة البالغة، وصوّر بني الانسان في أحسنِ تقويم، واليه المرجعُ يومَ القيامة فينبئكم بأعمالكم، ويذهبُ كل إنسانٍ الى مصيره المحتوم. ان عِلمه محيطٌ بهذا الكون العجيب لا تخفى عليه خافية، وإن علمه لَيخترقُ الأنفس فيعلم ما في نفوسكم مما تُسرون وتعلنون، {وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلا تخفى عليه خافية. الم تبلُغكم أيها الجاحدون اخبارُ الأمم السابقة من قبلِكم كقومِ نوحٍ وهود وصالح ولوط وغيرهم من الأمم التي أصرّت على الكفر والعناد، كيف حلَّ بهم أشدُّ العقاب والدمار، ولهم في الآخرة عذابٌ أشدُّ واعظم!؟ لقد اصابهم ما أصابهم من العذاب لأنهم كانت تأتيهم الرسلُ بالمعجزات الظاهرة فأنكروا ذلك أشدَّ الانكار وقالوا {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟} يرشدوننا وهم مثلُنا!! فانكروا بعثهم {وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} عنهم، {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فهو غنيٌّ عن الخلق أجمعين، وهو الحقيق بالحمد على ما انعم به على عباده من النعم التي لا تُعدّ ولا تحصى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (1) - جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتِ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللهِ، وَتُنَزِّهُهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ التِي لاَ تَلِيقُ بِجَلاَلَهِ وَكَمَالِهِ، فَهُوَ تَعَالَى المالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الجَمِيلُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَخْلُقُهُ وَيُقَدّرُهُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ رَادَّ لأَِمْرِهِ وَلاَ مَانِعَ. لَهُ المُلْكُ - لَهُ التَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِي كُلِّ شَيءٍ.

الثعلبي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: إنّ اللّه سبحانه خلق الخلق مؤمنين وكافرين. قال ابن عبّاس: بدأ اللّه خلق بني آدم مؤمناً وكافراً ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً. واحتجّوا بحديث الصادق المصدِّق وقوله: "حديث : السعيد من سعد في بطن أمّه والشقي من شقي في بطن أُمّه ". تفسير : وكما أخبرنا عبد اللّه بن كامل الأصبهاني قال: أخبرني أَبُو بكر أحمد بن محمد بن يحيى العبدي بنو شيخ قال: حدّثنا أحمد بن نجدة بن العريان قال: حدّثنا المحاملي قال: حدّثنا إبن المبارك عن أبي لهيعة قال: حدّثني بكر بن سوادة عن أبي تميم الحسائي عن أبي ذر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى الرّب تبارك وتعالى، فقال: يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضي اللّه سبحانه ماهو قاض. أشقيٌ أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق" تفسير : وقرأ أَبُو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات". وأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا إبن حبيب قال: حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل السيوطي قال: حدّثنا داود بن المفضل قال: حدّثنا نصر بن طريف قال: أخبرنا قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ناجية بن كعب عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق اللّه سبحانه فرعون في بطن أُمّه كافراً، وخلق يحيى بن زكرّيا في بطن أُمّه مؤمناً ". تفسير : وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً ". تفسير : وقال اللّه سبحانه {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27]. إنّ اللّه سبحانه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا. قالوا وتمام الكلام عند قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} ثم وصفهم {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} وهو مثل قوله: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} تفسير : [النور: 45] الآية، قالوا: فاللّه خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسن ابن الفضل. قالوا: أو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفه بفعلهم في قوله: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} الكفر فعل الكافر، والإيمان فعل المؤمن. واحتجّوا بقوله سبحانه: {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] وبقوله: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة"تفسير : ، وقوله حكايةً عن ربّه: "حديث : إنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء" تفسير : ونحوها من الأخبار، ثم اختلفوا في تأويلها، فروى أَبُو الجوزاء عن إبن عبّاس قال: «فمنكم مؤمن يكفر، ومنكم كافر يؤمن». وقال أَبُو سعيد الخدري: «فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن حياته كافر في العاقبة»، وقال الضحاك: فمنكم كافر في السّر مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السّر، كافر في العلانية كعمّار وذويه. فمنكم كافر باللّه مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن باللّه كافر بالكواكب، يعني في شأن الأنوار. قال الزجّاج: وأحسن ما قيل فيها {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ} بأنّ اللّه خلقه، وهو مذهب أهل الدهر والطبائع. {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} بأنّ اللّه خلقه. وجملة القول في حكم هذه الآية ومعناها والذّي عليه جمهور الأُمّة والأَئمة والمحقّقون من أهل السُنّة هي أنّ اللّه خلق الكافر وكفره فعلا له وكسباً، وخلق المؤمن وإيمانه فعلا له وكسباً، فالكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق اللّه سبحانه إيّاه؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قدّر عليه ذلك وعَلِمَهُ منه، والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان بعد خلق اللّه تعالى إيّاه؛ لأنّ اللّه سبحانه أراد ذلك منه وقدّره عليه وعَلِمَهُ منه، ولا يجوز أن يوجد من كلّ واحد منهم غير الذي قدّره اللّه عليه وعلمه منه، لأنّ وجود خلاف المقدور عجز، وخلاف المعلوم جهل، وهما لا يليقان باللّه تعالى، ولا يجوزان عليه، ومن سلك هذا السبيل سَلِمَ من الجبر والقدر فأصاب الحقّ كقول القائل: شعر : يا ناظراً في الدّين ما الأمر لا قدرٌ صحّ ولا جبرُ تفسير : وقد أخبرنا أَبُو علي زاهر بن أحمد العمدة السرخسي قال: حدّثنا عبد اللّه بن مبشر الواسطي قال: حدّثنا أحمد بن منصور الزّيادي قال: سمعت سيلان يقول: قدم أعرابي البصرة فقيل له: ما تقول في القدر؟ قال: أمر تغالت فيه الظنون، واختلف فيه المختلفون، فالواجب علينا أن نردّ ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الأُمم الخالية {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {ذَلِكَ} العذاب. {بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} لأنّ البشر وإن كان لفظه واحد فإنّه في معنى الجمع وهو اسم الجنس وواحده إنسان ولا واحد له من لفظه. {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} عن إيمانهم {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عن خلقه، {حَمِيدٌ} في أَفعاله. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ} يا محمّد {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} وهو القرآن. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {صَوَّرَكُمْ} التصوير: التخطيط والتشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يتميز بها عن غيره {نَبَأُ} النبأ: الخبر الهام {وَبَالَ} الوبال: العقوبة والنكال {زَعَمَ} ظنَّ، والزعمُ هو القول بالظن ومنه قولهم "زعموا مطيةُ الكذب" قال شريح: "لكل شيءٍ كنيةٌ، وكنيةُ الكذب زعموا" {ٱلتَّغَابُنِ} الغبنُ ومعناه: النقص يقال: غبنه غبناً إِذا أخذ الشيء منه بدون قيمته، وسمي يوم القيامة يوم التغابن، لأنه يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإِيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإِحسان. سَبَبُ النّزول: روي أن رجالاً من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا الى النبي صلى الله عليه وسلم فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا على إسلامكم ولا صبر لنا على فراقكم!؟ فأطاعوهم وتركوا الهجرة فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ...} الآية. التفسِير: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ينزه الله تعالى ويمجده جميع ما في السماوات والأرض من مخالوقات، تنزيهاً دائماً مستمراً بدون انقطاع، وصيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} أي له جل وعلا المُلك التام والتصرف الكامل في خلقه، وهو المستحق للثناء وحده، لأن جميع النعم منه سبحانه وتعالى، وقدَّم الجار والمجرور فيهما لإِفادة حصر الملك والحمد فيه سبحانه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر على كل شيء، يغني ويفقر، ويعز ويذل، وإِذا أراد شيئاً فإِنما يقول له كن فيكون، وهو كالدليل لما تقدم من أنَّ الملك والحمد له سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} هذا تفصيلٌ لبعض آثار قدرته أي هو الذي خلقكم أيها الناس بهذا الشكل البديع المحكم، فكان يجب على كل واحدٍ منكم الإِيمان به، لكنْ منكم من كفر بربه، ومنكم من آمن وصدَّق بخالقه قال الطبري: أي منكم كافرٌ بخالقه وأنه هو الذي خلقه، ومنكم مصدِّق به موقنٌ أنه خالقه وبارئه، وقدَّم الكافر على المؤمن، لكثرة الكفار وقلة المؤمنين {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنعام: 116] {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13] {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي عالمٌ بأحوالكم، مطَّلعٌ على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية من شئونكم وسيجازيكم عليها.. ثم فصَّل تعالى آثار قدرته ودلائل وحدانيته فقال {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي خلقهما بالحكمة البالغة، المتضمنة لمصالح الدنيا والدين، لا عبثاً ولا لهواً {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} أي خلقكم في أحسن صورة وأجمل شكل، فأتقن وأحكم خلقكم وتصويركم كقوله تعالى {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] فإِن من نظر في شكل الإِنسان وهيئته وتناسب أعضائه، علم أن صورته أحسن صورة بالنسبة لسائر أنواع الحيوان، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب على وجهه {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي وإليه تعالى وحده المرجع والمآب، فيجازي كلاً بعمله {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يعلم ما في الكائنات من أجرامٍ ومخلوقات {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه من نواياكم وأعمالكم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عالم بما في الصدور من الأسرار والخفايا، فكيف تخفى عليه أعمالكم الظاهرة؟ قال في البحر: نبَّه تعالى بعلمه بما في السماواتِ والأرض، ثم بعلمه بما يخفيه العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنَّته الصدور، على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل، ثم بسرِّ العباد وعلانيتهم، ثم بما تنطوي عليه صدروهم، وهذا كله في معنى الوعيد، إِذ هو تعالى المجازي عليه بالثواب والعقاب.. ثم ذكَّرهم تعالى بما حلَّ بالكفار قبلهم فقال {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي ألم يأتكم يا معشر قريش خبر كفار الأمم الماضية كقوم عاد وثمود، ماذا حلَّ بهم من العذاب والنكال!! {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي فذاقوا العقوبة الوخيمة على كفرهم في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ولهم في الآخرة عذاب شديد موجع {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي ذلك العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في الآخرة، بسبب أنه جاءتهم رسلهم بالمعجزات الواضحات، والبراهين الساطعات، الدالة على صدقهم {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}؟ أي فقالوا على سبيل الاستغراب والتعجب: أرسلٌ من البشر يصيرون هداةً لنا قال الرازي: أنكروا أن يكون الرسول بشراً، ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً، وذلك لقلة عقولهم وسخافة أحلامهم {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} أي فكفروا بالرسول، وأعرضوا عن الإِيمان واتباع هدى الرحمن {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي استغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم قال الطبري: أي استغنى اللهُ عنهم، وعن إِيمانهم به وبرسله {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي غنيٌ عن خلقه، محمودٌ في ذاته وصفاته، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، لأنه مستغنٍ عن العالمين.. ثم أخبر تعالى عن إِنكارهم للبعث بعد تكذيبهم للرسالة فقال {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} أي ادَّعى كفار مكة وظنوا أن الله لن يبعثهم من قبورهم بعد موتهم أبداً {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} أي قل لهم يا محمد: ليس الأمر كما زعمتم، وأقسم بربي لتخرجن من قبوركم أحياء ولتبعثنَّ {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي ثم لتخبرنَّ بجميع أعمالكم، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، وتُجزون بها {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي وذلك البعث والجزاء، سهلٌ هينٌ على الله، لأن الإِعادة أسهل من الابتداء قال الرازي: أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً، فأخبر تعالى أن إِعادتهم أهونُ في العقول من إنشائهم.. ولما بالغ في الإِخبار عن البعث، وذكر أحوال الأمم المكذبة، أمر بالاعتصام بالإِيمان والتمسك بالقرآن فقال {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} أي فصدِّقوا بالله وبرسوله وبهذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فإِنه النور الوضاء، المبدّد للشبهات، كما يبدد النور الظلمات {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي لا تخفى عليه خافية من أعمالكم {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} أي واذكروا ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - الذي يجمع الله فيه الخلائق كلها في صعيد واحد للحساب والجزاء قال ابن كثير: سمُي "يوم الجمع" لأن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كقوله تعالى {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}تفسير : [هود: 103] {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} أي ذلك هو اليوم الذي يظهر فيه غبن الكافر وخسارته بتركه الإِيمان، وذلك أن المؤمنين اشتروا الجنة بترك الدنيا، واشترى الكفار النار بترك الآخرة، فظهر غبن الكافرين قال الخازن: وأصله من الغبن وهو أخذ الشيء بدون قيمته، والمغبونُ من غُبن أهله ومنازله في الجنة، وذلك لأن كل كافر له أهلٌ ومنزل في الجنة لو أسلم، فيظهر يومئذٍ غبن كل كافرٍ بتركه الإِيمان، ويظهر غبن كل مؤمن بتقصيره في الإِحسان {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} أي ومن يصدِّق بالله ويعمل عملاً صالحاً، يمح الله تعالى عنه ذنوبه {وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ويدخله جنات النعيم، التي تجري من تحت أشجارها وقصورها أنهارُ الجنة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي مقيمين في تلك الجنات أبد الحياة، لا يموتون ولا يُخرجون منها {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك هو الفوز الذي لا فوز وراءه، والسعادة التي لا سعادة بعدها {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي والذين جحدوا بوحدانية الله وقدرته، وكذبوا بالدلائل الدالة على البعث وبآيات القرآن الكريم {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} أي أولئك مآلهم جهنم، ماكثين فيها أبداً {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي وبئست النار مرجعاً ومستقراً لأهل الكفر والضلال.. ثم أخبر تعالى بأن كل ما يحدث في الكون بقضائه وإِرادته فقال {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي ما أصاب أحداً مصيبةٌ في نفسه أو ماله أو ولده، إِلا بقضاء الله وقدره {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} أي ومن يصدِّق بالله ويعلم أن كل حادثةٍ بقضائه وقدره، يهدِ قلبه للصبر والرضا ويثبته على الإِيمان قال ابن عباس: يهدِ قلبه لليقين، حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى بها ويُسلم لقضاء الله {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي هو الله تعالى عالمٌ بكل الأشياء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء قال القرطبي: أي لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلَّم لأمره، ولا كراهة من كرهه ولم يرض بقضائه {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في كل ما شرع لكم من الأوامر والنواهي، وكرَّر الأمر للتأكيد ولبيان أن طاعة الرسول واجبة كطاعة الله {فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي فإِن أعرضتم عن إجابة الرسول فيما دعاكم إِليه من الهداية والإِيمان، فليس عليه ضرر إِنما ضرر ذلك عليكم، إِذ ليس على الرسول إِلا تبليغ الرسالة وقد أدى ما عليه، والله ينتقم ممن عصاه وخالف أمره {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي اللهُ جل وعلا لا معبود سواه، ولا خالق غيره، عليه الاعتماد وإِليه المرجع والمآب {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فعليه وحده توكلوا أيها المؤمنون في جميع أموركم قال الصاوي: وهو تحريضٌ وحثٌ للنبي صلى الله عليه وسلم على التوكل على الله، والالتجاء إِليه، وفيه تعليمٌ للأمة ذلك، بأن يلتجئوا إِلى الله ويثقوا بنصره وتأييده {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} أي يا معشر المؤمنين إِن بعض الزوجات والأولاد أعداء لكم، يصدونكم عن سبيل الله، ويثبطونكم عن طاعة الله، فاحذروا أن تستجيبوا لهم وتطيعوهم قال المفسرون: إِن قوماً أسلموا وأرادوا الهجرة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة، فلم يهاجروا إِلا بعد مدة، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فندموا وأسفوا وهمُّوا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم فنزلت الآية الكريمة، والآية تعم كلَّ من انشغل عن طاعة الله بالأزواج والأولاد {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ} أي وإِن عفوتم عنهم في تثبيطكم عن الخير، وصفحتم عما صدر منهم، وغفرتم لهم زلاتهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فإِن الله واسع المغفرة عظيم الرحمة، يعاملكم بمثل ما عاملتم {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي ليست الأموالُ والأولادُ إِلاّ اختباراً وابتلاءً من الله تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ومن يعصيه، وقدَّم المال لأن فتنته أشدُّ {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي وما عند الله من الأجر والثواب أعظم من متاعِ الدنيا، فلا تشغلكم الأموال والأولاد عن طاعة الله، والآية ترغيبٌ في الآخرة وتزهيدٌ في الدنيا، وفي الأموال والأولاد التي فتن الناسُ بها {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} أي ابذلوا أيها المؤمنون في طاعة الله جهدكم وطاقتكم، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا تطيقون قال المفسرون: هذا في المأمورات وفضائل الأعمال يأتي الإِنسان منها بقدر طاقته، وأما في المحظورات فلا بدَّ من اجتنابها بالكلية ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"تفسير : {وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ} أي واسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا فيما تُؤْمرون به وتُنهون عنه {وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} أي وأنفقوا في سبيل الله من أموالكم، يكنْ خيراً لأنفسكم {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي ومن سلم من البخل والطمع الذي تدعو إِليه النفس، فقد فاز بكل مطلوب {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} أي إِذا تصدقتم في سبيل الله عن طيب نفس، فإِن الله يضاعف لكم الأجر والثواب، وفي تصوير الصدقة بصورة القرض تلطفٌ بليغ في الإِحسان إِلى الفقراء {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ويمحُ عنكم سيئاتكم {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} أي شاكرٌ للمحسن إِحسانه، حليمٌ بالعباد حيث لا يعالجهم بالعقوبة مع كثرة ذنوبهم {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي هو تعالى العالم بما غاب وحضر، لا تخفى عليه خافية {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي الغالب في ملكه الحكيم في صنعه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق في الاسم مثل {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} وكذلك بين {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} والطباق في الفعل مثل {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} وهو من المحسنات البديعية. 2- تقديم الجار والمجرور لإِفادة الحصر {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} أي له وحده الملك والحمد. 3- الاستعارة اللطيفة {وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} أطلق على القرآن النور بطريق الاستعارة، فإِن القرآن يزيل الشبهات، كما يزيل النور الظلمات. 4- المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً..} الآية وبين {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} الآية. 5- الجناس الناقص {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لاختلاف الحركات في الشكل. 6- جناس الاشتقاق {أَصَابَ .. مُّصِيبَة} و {يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}. 7- الإِطناب بتكرار الفعل زيادة في التأكيد واعتناءً بشأن الطاعة {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}. 8- صيغة المبالغة {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} لأن فعول وفعيل من صيغ المبالغة. 9- الاستعارة التمثيلية {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} شبَّه الإِنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء، بمن يُقرض الله قرضاً واجب الوفاء وذلك بطريق التمثيل، وهو من لطيف الاستعارة وبديع العبارة. 10- السجع المرصَّع لتوافق الفواصل مثل {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية هذه السورة مدنية في قول الأكثرين ومناسبتها لما قبلها أن ما قبلها مشتمل على حال المنافقين وفي آخرها خطاب المؤمنين فأتبعه بما يناسبه من قوله هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن وهذا تقسيم في الإِيمان والكفر بالنظر إلى الاكتساب عند جماعة من المتأولين. {وَصَوَّرَكُمْ} هذ تعديد للنعمة في حسن الخلق لأن أعضاء بني آدم متصرفة بجميع ما يتصرف به أعضاء الحيوان وبزيادات كثيرة فضل بها ثم هو مفضل بحسن الوجه وجمال الجوارح كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] ونبه تعالى بعلمه بما في السماوات والأرض ثم بعلمه بما يسر العباد وما يعلنونه ثم بعلمه بما أكنته الصدور على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شىء لا من الكليات ولا من الجزئيات. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} الخطاب لقريش ذكروا بما حل بالكفار قبلهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وغيرهم ممن صرح بذكرهم في سورة (براءة) وغيرها وقد سمعت قريش أخبارهم. {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي مكروهه وما يسؤوهم منه. {ذَلِكَ} أي الوبال. {بِأَنَّهُ} أي بان الشأن والحديث استبعدوا أن يبعث الله تعالى من البشر رسولاً كما استبعدت قريش. {فَقَالُوۤاْ} على سبيل الاستغراب. {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} وذلك أنهم يقولون نحن متساوون في البشرية فأنى يكون لهؤلاء تمييز علينا بحيث يصيرون هداة لنا وارتفع أبشر عند الحوفي وابن عطية على الابتداء والخبر يهدوننا والأحسن أن يكون مرفوعاً على الفاعلية لأن همزة الاستفهام تطلب الفعل. فالمسألة من باب الاشتغال. {فَكَفَرُواْ} والعطف بالفاء يدل على تعقب كفرهم مجيء الرسل بالبينات أي لم ينظروا في تلك البينات ولا تأملوها بل عقبوا مجيئها بالكفر. {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} استفعل بمعنى الفعل الجرد وغناه تعالى أزلي فالمعنى أنه ظهر غناه عنهم إذ أهلكهم وليست استفعل هنا للطلب وتقدم تفسير الزعم والذين كفروا أهل مكة بلى إثبات لما بعد حرف النفي. {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي لا يصرفه عنه صارف. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} هو القرآن وانتصب يوم بقوله لتنبؤون أو بخبير بما فيه من معنى الوعيد والجزاء أو بأذكر مضمرة. {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} يجمع فيه الأولون والآخرون وذلك أن كل واحد يبعث طامعاً في الخلاص ورفع المنزلة. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لأن السعداء نزلوا منازل الأشقياء وفي الحديث حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة وذلك معنى يوم التغابن . تفسير : {وَمَن يُؤْمِن} من شرطية حمل ما بعدها على اللفظ فأفرد الضمير وخالدين نصباً على الحال على معنى من لا على لفظه. {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الظاهر إطلاق المصيبة على الرزية وما يصيب العبد من سوء في نفس ومال وولد وأن جميع الحوادث لا تصيبه إلا بإِذن الله ولما قال تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ثم أمر بطاعة الله ورسوله حذر مما يلحق الرجل من زوجه وولده بسبب ما يصدر من أحدهم من العداوة فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} الآية عن عطاء بن أبي رباح أن عوف بن مالك الأشجعي أراد الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع أهله وأولاده مثبطوه وشكوا إليه فراقة فرق فلم يفز ثم أنه ندم وهم بمعاقبتهم فنزلت الآية: ولا أعدى على الرجل من زوجه وولده إذا كانا عدوين وذلك في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فبإِذهاب ماله وعرضه وأما في الآخرة فبما يسعى من اكتسابه من الحرام لهما وبما يكسبانه منه بسبب جاهه. {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الاثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما وفي باب العداوة جاء بمن التي تقتضي التبعيض وفي الفتنة حكم بها على الأموال والأولاد لا على بعضها وذلك لغلبة الفتنة لهما وكفى بالمال فتنة قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه ومنهم من عاهد الله الآية. {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة والأجر العظيم الجنة. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} أي جهدكم. {وَٱسْمَعُواْ} ما توعظون به. {وَأَطِيعُواْ} فيما أمرتم به ونهيتم عنه. {وَأَنْفِقُواْ} فيما وجب عليكم وخيراً منصوب بفعل محذوف تقديره وأتوا خيراً أو على إضمار يكن فيكون خبراً أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي أنفقا خيراً أو على أنه حال أو على أنه مفعول بوأنفقوا خيراً أي ما لا أقوال الأول عن سيبويه ولما أمر بالإِنفاق أكده بقوله: {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} ورتب عليه تضعيف القرض وغفران الذنب وفي لفظ القرض تلطف في الاستدعاء وفي لفظ المضاعفة تأكيد للبذل لوجه الله تعالى ثم اتبع جوابي الشرط بوصفي أحدهما عائد إلى المضاعفة إذ شكره تعالى مقابل للمضاعفة وحلمه مقابل للغفران قيل وهذا الحض هو في الزكاة المفروضة وقيل في المندوب إليه وتقدم الخلاف في القراءة في يوق وفي شح وفي يضاعفه.

الجيلاني

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} ويقدس ذاته عن مطلق النقائض على وجه الإطلاق بعدما لم يبلغ كنه أسمائه وصفاته حتى يعد، ويحصى بتبيان مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من ذرائر عموم الأكوان، وكيف لا يقدِّسه جميع الأعيان؛ إذ {لَهُ ٱلْمُلْكُ} على سبيل التخصيص، لا مالك له سواه، ولا مستولي عليه إلاَّ هو {وَ} كذا {لَهُ ٱلْحَمْدُ} على سبيل الحصر والاختصاص؛ إذ لا مستحق للحمد بالاستحقاق إلاَّ هو، ولا مفيض للنعم على الآفاق غيره، ولا مقدر للأرزاق إلاَّ هو {وَ} بالجملة: {هُوَ} بذاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة وجوده {قَدِيرٌ} [التغابن: 1] لا ينتهي قدرته بمقدور دون مقدور. وكيف لا يكون سبحانه قديراً لعموم المقدورات، مع أنه {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وأظهركم، وقدر خلقكم من كتم العدم على سبيل الإبداع بلا سبق مادة ومدو، وفصَّلكم بعدما أظهركم {فَمِنكُمْ كَافِرٌ} ساتر للحق، موفق عليه، محجوب بغيوم هوياته الباطلة الإمكانية عن شمس الحقيقة الحقية {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} موفَّق على الإيمان، مجبول على فطرة التوحيد والعرفان، ميسَّر لها؛ لذلك يصير إيمانه عياناً، وعيانه حقاً وبياناً {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع على عموم ما في استعدادات عباده {بِمَا تَعْمَلُونَ} من عموم الأعمال في جميع الشئون والأحوال {بَصِيرٌ} [التغابن: 2] فيعامل معكم بما يناسب أعمالكم. واعلموا أيها المكفلون {خَلَقَ} سبحانه، وأظهر بكمال قدرته {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: مظاهر ما في المعلومات والسفليات ملتبسة بالحكمة المتقنة، البالغة في الإحكام والإتقان حداً لا يبلغ كنهه أحلام الأنام، وبعدما رتبها بحكمته على هذا النظام الأبلغ الأبدع انتخب من مجموع الكائنات ما هو زبدته وخلاصته {وَصَوَّرَكُمْ} أيها المجبولون على فطرة التوحيد والتحقيق منها {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} إذ خلقكم على صورته قابلاً لخلافته، لائقاً للتخلق بأخلاقه، والاتصاف بصفوة أوصافه، وجعل فطرتكم غاية وعلة غائية مرتبة على عموم مظاهره ومصنوعاته {وَ} كيف لا يصوركم بصورته، ولا يحسن صوركم؛ إذ {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [التغابن: 3] أي: مصير الكل نحوه، ومرجعه لديه، ومبدؤه منه، ومعاده إليه؟! {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأسماء والصفات من الكمالات اللائقة للظهور والبروز {وَ} ما في {ٱلأَرْضِ} أي: موم ما في استعدادات قوابل الطبائع والأركان من الماديات والمجريات {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} أيها المكلفون {وَمَا تُعْلِنُونَ وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المحيط بالكل بمقتضى تجلية وظهوره عليه {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [التغابن: 4] إذ لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن حيطة عمله ذرة. ثمَّ قال سبحانه توبيخاً على من خرج عن ربقة عبوديته: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أيها المكلفون المنكرون بظهور الحق وثوبته، وتحققه في الأنفس والآفاق بالاستقلال والاستحقاق {نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} كقوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام - {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: كيف ذاقوا ضرر كفرهم وشركهم من العذاب النازل عليهم في النشأة الأولى بعدما أصرُّوا على ما هم عليه، ولم يهتدوا بإرشاد الأنبياء والرسل {وَلَهُمْ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التغابن: 5] لا عذاب أشد من ذلك، وهو حرمانهم عن ساحة عز القبول الإلهي.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب معرفة تسبيح أهل السماوات والأرض: اعلم أنهم يسبحون الله بألسنة أحوالهم كلهم على قدرهم مما وصل إليه [من] رشاشة نور جوده الذي صار به موجوداً، وظهر من كتم العدم إلى صحراء الشهادة، وبه قائماً، وبه حياً، وبه باقياً، وبه عارفاً، واقرأ ما يقول الله تعالى في كلامه القديم، وكتابه الكريم - متدبراً مرتلاً لتفهم حقيقة تسبيح ما في السماوات وما في الأرض حيث يقول -: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [التغابن: 1]، يعني: ينزهونه عن أن يكون في السماوات والأرض؛ لأنه كان قبل خلق السماوات والأرض، وينزهونه عن أن يعزب عنه مثقال ذرة في الأرضين السفلى والسماوات العلى، {أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}تفسير : [سبأ: 2] {لَهُ ٱلْمُلْكُ}، في الشهادة خلقاً، {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} [التغابن: 1]، في الملكوت حقاً، يعني: مع كمال قدرته ما تصرف في ملكه إلا حكمة وعدلاً، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن: 1]، فيا أيها السالك ينبغي أن تعلم أنه خلق في أرض بشريتك قوى قابلة مظاهرة لصفة ربوبيته، وخلق سماوات روحانيتك قوى فاعلة مظاهر الصفة فاعلية، وألّف ازدواجاً بين السفليات والعلويات بحكمته؛ ليظهر لطيفة مجتمعة فيها القوى القابلة والفاعلة لتكون خلفته لذاته وصفاته وفي أرضه وسمائه، وسَبَّحت له بجميع الألسنة والقوى المتفرقة. واعلم أن إشارته في قوله: {لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} إشارة إلى الملك والملكوت؛ لأن موجب إظهار الملك هو الحمد، والحمد ملكوتي، والحميد جبروتي، والذات التي [لها] صفة الحميد لا هويته، وفي كشف هذا السر يفتح باب إلى حد القرآن [فسددته]. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} [التغابن: 2]، من المفردات، ثم جمع أفراد المركبات السفلية والعلوية في قالب الإنسان وروحه، وخلقه {أية : فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]؛ {فَمِنكُمْ كَافِرٌ} [التغابن: 2]، مظهر لقهره، {وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2]، مظهر للطفه، [و]القوى الأمارة الكافرة والقوى اللوامة المؤمنة جمعت في وجود بني آدم بقدرته؛ فمن اقتدت باللطيفة المبلّغة وزكت قواها من رذائل الأخلاق المظلمة الترابية، والصفات المردية المائية، والخصائل المعنوية الهوائية، والدعاوية المهلكة النارية، وصفت أعمالهم عن قاذورات اجتماع هذه العناصر الغير المزكية، وطهرت باطنها عن جنابة محبة الدنيا الدنية؛ صارت لطيفة باقية منعمة أبد الآباد، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن: 2]، من الخير والشر، والسعيد سعيد في الأزل، والشقي شقي لم يزل. قال الشيخ أبو يزيد البسطامي قدس سره: كل الناس يخافون من الخاتمة، وإنا أخاف من السابقة، جف القلم بما هو كائن، {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [ق: 29] انتهى. وكيف يتصور الظلم ونحن نغوس أصل العنب في البستان، ونسقيه من الماء ونربيه حتى يثمر العنب ونجنيه، ونعصره ونأخذ منه صفاؤه، ونجعل منه الحلاوة، ونهرق على وجه الأرض العصارة المكدر وهو يقول بلسان الحال - إذا [نظر] إلى وجهها الأسود بإدراكها الذي حصل لها في العروج طوراً طوراً حتى وصل إلى [العينية بالرائية] -: {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : [النبأ: 40] كما كنت في الأرض قبل التركيب والتربية والعروج، ولما كان إلى الشعور على سوادّية على شقاوتي، وعلى أني مستحق تحت قدم الخلق، وما كان هذا ظلماً بنسب إلى الدهقان؛ فكيف يتصور أنه تعالى ظلم على أحد؟! فكما كان استعداد كل أحد وحظه واحد من صفات لطفه [أو] قهره وقت التربية ظهر في العصر صفاء، وفي العصارة كدر، وتحقيق هذا السر يختص بمطلع القرآن؛ فافهم أن الله تعالى خلق الخلق بحكمته، وربّاهم بصفات قهره ولطفه، وأرسل إليهم الرسول عليه السلام ليهديهم إلى سبيل التصفية والتنقية والتزكية والتربية؛ فمن كان صالحاً للتربية صدق الرسول عليه السلام واشتغل بما أُمر به، ومن كان فاسداً كذب الرسل، وأقام على طبيعته المكدرة، و{أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ}تفسير : [المائدة: 99]، ولا يقدر أحد أن يهدي أحداً بغير إذن الله، كما يقول في كتابه: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56]، ويقول: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، وما أنت إلا نذير. فيا أيتها اللطيفة المنذرَة: أنذري جميع القوى عشيرتك الأقربين أولاً، ثم أنذري من كان حول مكة وجودك من الأقربين والأبعدين، ثم أنذري جميع القوى التي في ملكك وملكوتك من القوى الترابية الأنسية ومن القوى النارية الجنية، لأنك أرسلت إلى كافة الخلق بشيراً ونذيراً. {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} [التغابن: 3]، يعني: خلق سماوات روحانيتك اللطيفة، وأرض بشريتك الكثيفة، من لطفه وقهره بالحق؛ ليظهر منها لطيفة مستحقة لمظهرية ذاته، والمفردات ما كانت مستحقة لمظهرية ذاته؛ لأن المفردات مظاهر [لطافات] أفعاله، والمركبات السفلية مثل المعادن والنبات والحيوان ما كانت مستحقة لمظهرية ذاته أيضاً؛ لعدم اللطائف العلوية فيها، والمركبات العلوية قوى فاعلات، واللطائف السفلية قوى قابلات؛ فلأجل هذا جمعت في [نشأة] الإنسان صارت مظاهر لذاته، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"،تفسير : ولهذا قَبِلَ حمل الأمانة {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3]، كما بينا {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [التغابن: 3]، بعد خراب البدن، واكتساب استعدادات المظهرية مراجع الإنسان إلى حضرته. {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [التغابن: 4]، كما أشرنا إليه {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن: 4]، لأنه معهم، ويطلع على قوى سرهم وقوى علانيتهم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [التغابن: 4]، لأن فساد عالم كونك وصلاحه مربوط بسماء الصدر التي هي سماء الدنيا، وهي ذات البروج. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التغابن: 5]، من قوى القالبية الكافرة؛ {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} [التغابن: 5]، يعني: جزاء أعمالهم، والعذاب الذي لحق بهم من مشتهياتهم العاجلة، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التغابن: 5]، مدخر في دار الآخرة بعد خراب البدن.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآيات [الكريمات]، مشتملات على جملة كثيرة واسعة، من أوصاف الباري العظيمة، فذكر كمال ألوهيته تعالى، وسعة غناه، وافتقار جميع الخلائق إليه، وتسبيح من في السماوات والأرض بحمد ربها، وأن الملك كله لله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله له، حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد على ما أوجده من الأشياء، وحمد على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم. وقدرته شاملة، لا يخرج عنها موجود، فلا يعجزه شيء يريده. وذكر أنه خلق العباد، وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله، بقضاء الله وقدره، وهو الذي شاء ذلك منهم، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بها يتمكنون من كل ما يريدون من الأمر والنهي، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } . فلما ذكر خلق الإنسان المكلف المأمور المنهي، ذكر خلق باقي المخلوقات، فقال: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } أي: أجرامهما، [وجميع] ما فيهما، فأحسن خلقهما، { بِالْحَقِّ } أي: بالحكمة، والغاية المقصودة له تعالى، { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تفسير : فالإنسان أحسن المخلوقات صورة، وأبهاها منظرًا. { وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } أي: المرجع يوم القيامة، فيجازيكم على إيمانكم وكفركم، ويسألكم عن النعم والنعيم، الذي أولاكموه هل قمتم بشكره، أم لم تقوموا بشكره؟ ثم ذكر عموم علمه، فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: من السرائر والظواهر، والغيب والشهادة. { وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من الأسرار الطيبة، والخبايا الخبيثة، والنيات الصالحة، والمقاصد الفاسدة، فإذا كان عليمًا بذات الصدور، تعين على العاقل البصير، أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه، من الأخلاق الرذيلة، واتصافه بالأخلاق الجميلة.