Verse. 5202 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَاَحْسَنَ صُوَرَكُمْ۝۰ۚ وَاِلَيْہِ الْمَصِيْرُ۝۳
Khalaqa alssamawati waalarda bialhaqqi wasawwarakum faahsana suwarakum wailayhi almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم» إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال «وإليه المصير».

3

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} تقدّم في غير موضع؛ أي خلقها حقاً يقيناً لا ريب فيه. وقيل الباء بمعنى اللام؛ أي خلقها للحق؛ وهو أن يَجْزِي الذين أساءوا بما عمِلوا ويجزي الذين أحسنوا بالحُسْنَى. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} يعني آدم عليه السلام، خلقه بيده كرامةً له؛ قاله مقاتل. الثاني ـ جميع الخلائق. وقد مضى معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورةً؛ بدليل أن الإنسان لا يتمنّى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصُّوَر. ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب؛ كما قال عز وجل: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع؛ فيجازِي كلاًّ بعمله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْحَقِّ} للحق قاله الكلبي {وَصَوَّرَكُمْ} آدم، أو جميع الخلق {فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ} في العقول أو في المنظر أو أحكم صوركم.

الخازن

تفسير : {خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم} أي إنه أتقن وأحكم صوركم على وجه لا يوجد مثله في الحسن والمنظر من حسن القامة والمناسبة في الأعضاء وقد علم بهذا أن صورة الإنسان أحسن صورة وأكملها {وإليه المصير} أي المرجع في القيامة {يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} معناه أنه لا تخفى عليه خافية فاستوى في علمه الظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم قوله تعالى: {ألم يأتكم} يخاطب كفار مكة {نبأ الذين كفروا من قبل} يعني خبر الأمم الخالية {فذاقوا وبال أمرهم} أي جزاء أعمالهم وهو ما لحقهم من العذاب في الدنيا {ولهم عذاب أليم} أي في الآخرة {ذلك} أي الذي نزل بهم من العذاب {بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} معناه أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشراً وذلك لقلة عقولهم وسخافة أحلامهم ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً {فكفروا} أي جحدوا وأنكروا {وتولوا} أي أعرضوا {واستغنى الله} أي عن إيمانهم وعبادتهم {والله غني} أي عن خلقه {حميد} أي في أفعاله ثم أخبر الله تعالى عن إنكارهم البعث

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [الآية: 3]. قال الحسين: أحسن الصورة صورة أعتقت من ذل كن وتولى الحق تصويرها بيده ونفخ فيه من روحه وألبسه شواهد النعت وحلاّه بالتعليم شفاهًا وأسجد له الملائكة المقربين وأسكنه فى المجاورة وزين باطنه بالمعرفة وظاهره بفنون الخدمة قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله خلق آدم على صورته أى صورته التى صوّره عليها فأحسن صورته ".

القشيري

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}: أي وهو مُحِقُّ في خَلْقِه. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لم يَقُلْ لشيءٍ من المخوقات هذا الذي قال لنا، صوَّر الظاهرَ وصوَّر الباطنَ؛ فالظاهر شاهدٌ على كمال قدرته، والباطن شاهدٌ على جلال قربته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} بين الله سبحانه فى هذه الأية سر مقام التوحيد وافراد القدم عن الحدوث وسر مقام عين الجمع اذا قال صوركم افرد الوحدة ونعتها بالقدم وفردانتيها عن العلل اذا لعلل بتعايله تكونت واذا قال فاحسن صوركم لا يكون حسن الصورة الا بتجلى حسن فعله ونعته واسمه ونوره وغيبه وصفته وذاته فالبسها نعوت الصفاتية وانوار الذاتية فتصورت على رؤية القدم بنعت ما فى القدم من عالم الغيب وغيب الغيب لذلك قال عليه الصلاة والسلام خلق الله أدم على صورته قال الحسين احسن الصورة صورة اعتقت من ذل كن وتولى الحق تصويرها بيده ونفخ فيه من روحه والبسه شواهد النعت وجلاه بالتعليم شفاها واسجد له الملائكة المقربين واسكن فى المجاورة زين باطنه بالمعرفة ظاهرة بفنون الخدمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {خلق السموات والارض بالحق} اى بالحكمة البالغة المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية والمراد السموات السبع والارضون السبع كما يدل عليه التصريح فى بعض المواضع قال تعالى خلق سبع سموات طباقا وقال تعالى الله الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن فان قلت ما وجه عدم ذكر العرش والكرسى فى امثال هذه المواضع مع عظم خلقهما قلت انهما وان كانا من السماء لان السماء هو الفلك والفلك جسم شفاف محيط بالعلم وهما اوسع الافلاك احاطة الا ان آثارهما غير ظاهرة مكشوفة بخلاف السموات والارض وما بينهما فانها أقرب الى المخاطبين المكلفين ومعلوم حالها عندهم مكشوفة آثارها ومنفعتها ولهذا قالوا ان الشمس تنضج الفواكه والقمر يلونها والكواكب تعطيها الطعم الى غير ذلك مما لا يتناهى على ان التغيرات فيها اظهر فهى على عظم القدرة أدل وقد قال تعالى كل يوم هو فى شأن واكثر هذه الشؤون فى عالم الكون والفساد الذى هو عبارة عن السموات والارض اذ هما من العنصريات بخلاف العرش والكرسى فانهما من الطبيعات ولهذا لا يفنيان {وصوركم فأحسن صوركم} الفاء للتفسير اى صوركم احسن تصوير وخلقه فى أحسن تقويم واودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته وجعلكم انموذج جميع مخلوقاته فى هذه النشأة فلكم جمال الصورة وأحسن الاشكال ولذا لا يتمنى الانسان أن يكون صورته على خلاف ما هو عليه لكون صورته أحسن من سائر الصور ومن حسن صورته امتداد قامته وانتصاب خلقته واعتدال وجوده ولا يقدح فى حسنه كون بعض الصور قبيحا بالنسبة الى بعض لان الحسن وهو الجمال فى الخلق والخلق على مراتب كما قالت الحكماء شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان ولكم ايضا جمال المعنى وكمال الخصال شعر : بدرون تست مصرى كه تويى شكر ستانش جه غمست اكرزبيرون مدد شكر ندارى شده غلام صورت بمثال بت برساتن توجو يوسفى وليكن سوى خود نظرندارى بخدا جمال خود راجو در آينه بينى بت خويش هم توباشى بكسى كذرندارى تفسير : والمعتدبه هو الحسن المعنوى لان الله خلق آدم على صورته اى على الصورة الالهية التى هى عبارة عن صفاته العليا واسمائه الحسنى والا فالحسن الصورى يوجد فى الكافر أيضا شعر : ره راست بايدنه بالى راست كه كافرهم ازروى صورت جوماست تفسير : نعم قد يوجب سيرة حسنة وخلق حميد فى الكافر كعدل انوشروان مثلا لكن المعتد به ما يكون مقارنا بالايمان الذى هو احسن السير قال بعض الكبار كل من كان فيه صفة العدل فهو ملك وان كان الحق تعالى ما استخلفه بالخطاب الالهى فان من الخلفاء من أخذ المرتبة بنفسه من غير عهد الهى اليه بها وقام بالعدل فى الرعايا استنادا الى الحق كما قال عليه السلام ولدت فى زمن الملك العادل يعنى كسرى فسماه ملكا ووصفه بالعدل ومعلوم ان كسرى فى ذلك العدل على غير شرع منزل لكنه نائب للحق من ورآء الحجاب وخرج بقولنا وقام بالعدل فى الرعايا من لم يقم بالعدل كفرعون وامثاله من المنازعين لحدود الله والماغالبين لجنابه بمغالبة رسله فان هؤلاء ليسوا بخلفاء الله تعالى كالرسل ولا نوابا له كالملوك العادلة بل هم اخوان الشياطين قال الحسين رحمه الله أحسن الصور صورة اعتقت من ذل كن وتولى الحق تصويرها بيده ونفخ فيها من روحه وألبسها شواهد النعت وحلاها بالتعليم شفاها واسجد لها الملائكة المقربين واسكنها فى جواره وزين باطنها بالمعرفة وظاهرها بفنون الخدمة والجمع فى قوله فاحسن صوركم باعتبار الانواع لان صورة الرومى ليست كصورة الهندى الى غير ذلك والافراد وهو ظاهر {واليه المصير} اى والى الله الرجوع فى النشأة الاخرى لا الى غيره استقلالا او اشتراكا فأحسنوا سرآئركم باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له حتى يجازيكم بالانعام لا بالانتقام فكم من صورة حسناء تكون فى العقبى شوهاء بقبح السريرة والسيرة وكم من صورة قبيحة تكون حسناء بحسنهما شعر : جه غم زمنقصت صورت اهل معنى را جوجوان زروم بود كوتن ازحبش مى باش تفسير : وقد ثبت ان ضرس الكافر يوم القيامة مثل جبل احد وان غلظ جسده مسافة ثلاثة ايام وانه يسوء خلقه فتغلظ شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السلفى حتى تضرب سرته وان اهل الجنة ضوء وجوههم كضوء القمر ليلة البدر او على أحسن كوكب درى فى السماء وهم جرد مرد مكحلون ابناء ثلاثة وثلاثين فطوبى لاهل اللطافة وويل لاهل الكثافة. اعلم ان الله تعالى خلق سموات الكليات وارض الجزئيات بمظهرية الحق وظهوره فيهما بحسب استعداد الكل لا بحسبه وتجلى فى مظاهر صور الانسان بحسبه اى بجمع الاسماء والصفات ولذا قال تعالى {فأحسن صوركم} اى جعل صوركم احدية جمع جميع المظهريات الجامعة لجميع المظاهر السماوية العلوية والارضية السفلية كما قال عليه السلام "ان الله خلق آدم على صورته" يعنى اورد الاسم الجامع فى عنوان الخلق اشارة الى تلك الجميعة فكان مصير الانسان الى الهوية الجامعة لجميع الهويات لكن حصل التفاوت بين افراده بحسب التجلى والاستتار والفعل والقوة فليس لاهل الحجاب أن يدعى كمالات اهل الكشف للتفاوت المذكور فيا عجبا من انسان خفى عليه ما دفن فى ارض وجوده من كنز الهى غيبى من نال اليه لم يفتقر ابدا وكيف قنع بقشر مع امكان تحصيل اللب وكيف اقام فى الحضيض مع سهولة العروج الى الاوج شعر : جه شكرهاست درين شهركه قانع شده اند شاهبازان طريقت بمقا مكسىم

الجنابذي

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} فلم يكن اسباب السّماوات والارض الّتى بها ايجادكم وابقاؤكم الاّ لامرٍ حقٍّ وغايةٍ شريفةٍ متقنةٍ لا لهذه الغايات الدّنيّة الباطلة الّتى هى وصول القوى الشّهويّة والغضبيّة والشّيطانيّة الى مستلذّاتها فلا تقطعوا غاياتكم الشّريفة ولا تبطلوا ذواتكم {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لتكونوا مقرّبين له فانّه خلقكم وصوّركم مشتملين على جميع ما فى عالم الامر والخلق بل على جميع ما فى العالم الالهىّ لتصيروا بطرح الطّوارى عن وجوه ذواتكم بشأنه تعالى وتصيروا احقّاء بقربه فلا تبطلوا ذواتكم دون الوصول الى غاياتكم {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} اى مصيركم ترغيب وتهديد يعنى استعدّوا للحضور عنده وتهيّؤا للوصول اليه بأحسن الوجوه.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ} بالحكمة البالغة وهو انه جعلهن مقار للمكلفين ليعملوا فيجازوا وغير ذلك. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} جعل صوراتكم احسن صورة وزينكم بصفات علم وتجريب وعقل حتى تصرفتم في جميع المخلوقات وقيل اراد جعلكم عقلاء مدركين والظاهر الموافق لظاهر اللغة تحسين الاجسام فقط وذلك نعم يجب شكرها بالباطن والظاهر كما قال {وَإِلَيْهِ المَصِيرُ} يجازيكم فاحسنوا سرائركم وإعمال جوارحكم حتى لا تمسخ ظواهركم بالعقوبة ولا ترى لسانا يتمنى كون صورته على غير صورة الانسان ومن حسن صورته انه خلق منتصبا غير منكب واما ما تراه قبيحا منصور الانسان فهو في نفسه حسن غير قبيح وانما يتراءى قبحه بالنظر الى الصورة التي هي احسن فإنك ترى صورة تعجبك وإذا رأيت اخرى احسن منها انستك الاولى وقبحتها اليك بعض تقبيح واقللت النظر اليها قالت الحكماء لا غاية للجمال والبيان وقرىء بكسر الصاد في فأحسن صوركم.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} بالحكمة البالغة التى لا ينفى أنها أمر ثابت صواب غير باطل متضمنه لمصالح الدنيا والآخرة {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} الفاء لترتيب الأَخبار لا الزمان أو لترتيب الزمان لأَن مبدأ الخلق غير حسن لبادى الرأى مثل الأَطوار قبل تمام الصورة، ويعقب الأَطوار الحسن أو يقدر أراد تصويركم فأَحسنه من أول والخلق كله حسن لأَنه صنعه لا طاقة لأَحد عليها ولا سيما خلق الإِنسان لامتداد صورته ولعقله وفكره وسائر قواه وفيه ما فى الملائكة وغيرهم وزيادة وما يظهر من قبح صورة إِنسان أو غيره من المخلوقات إِنما هو بالنسبة إِلى ما هو أحسن، فقد يكون الشئ عندك حسناً وإِذا رأيت ما هو أحسن منه نقص عندك حتى قد تستقبحه وهو غير خارج عن دائرة الحسن، ويقال شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان، والصورة الشكل المدرك بالعين {وَإِلَيْهِ} لا إِلى غيره {الْمَصِيرُ} الصيرورة للجزاء على الإِيمان والكفر بالإِحياء بعد الموت.

الالوسي

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقّ } بالحكمة البالغة المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، قيل: وأصل الحق مقابل الباطل فأريد به الغرض الصحيح الواقع على أتم الوجوه وهو الحكمة العظيمة. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } حيث برأكم سبحانه في أحسن تقويم وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة. وقد ذكر بعض المحققين أن الإنسان جامع بين العالم العلوي والسفلي، وذلك لروحه التي هي من عالم المجردات وبدنه الذي هو من عالم الماديات وأنشدوا: شعر : وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : ولعمري أن الإنسان أعجب نسخة في هذا العالم قد اشتملت على دقائق أسرار شهدت ببعضها الآثار وعلم ما علم منها ذوو الأبصار. وخص بعضهم الصورة بالشكل المدرك بالعين كما هو المعروف، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن ((لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعضها عن مراتب ما فوقها انحطاطاً بيناً وإضافتها إلى الموفى عليها لا تستملح وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة من حده؛ ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن [منها] فينبو عن الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها، وقالت الحكماء: شيآن لا غاية لهما: الجمال والبيان)). وقرأ زيد بن علي وأبو رزين {صوركم } بكسر الصاد والقياس الضم كما في قراءة الجمهور. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } في النشأة الأخرى لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فاصرفوا ما خلق لكم فيما خلق له لئلا يمسخ ما يشاهد من حسنكم بالعذاب.

ابن عاشور

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}. استئناف بياني نَاشىء عن قوله: {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2] يبيِّن أن انقسامهم إلى قسمي الكافرين والمؤمنين نشأ عن حياد فريق من الناس عن الحق الذي أقيم عليه خلق السماوات والأرض لأن الحق أن يؤمن الناس بوجود خالقهم، وبأنه واحد وأن يفردوه بالعبادة فذلك الذي أراده الله من خلقهم، قال تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]. وقال: {أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}تفسير : [الروم: 30] فمن حَاد عن الإِيمان ومالَ إلى الكفر فقد حاد عن الحق والفطرة. {بِٱلْحَقِّ}. وقوله: {بالحق} معترض بين جملة {خلق السمٰوات والأرض} وجملة {وصوّركم}. وفي قوله: {بالحق} إيماء إلى إثبات البعث والجزاء لأن قوله بالحق متعلق بفعل {خلق} تعلَّق الملابسة المفاد بالباء، أي خلقاً ملابساً للحق، والحق ضد الباطل، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض}تفسير : [آل عمران: 190] إلى قوله: {أية : ربنا ما خلقت هذا باطلاً}تفسير : [آل عمران: 191]. والباطل مَصْدَقهُ هنالك هو العبث لقوله تعالى: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق}تفسير : [الدخان: 38، 39] فتعين أن مَصْدَقَ الحقّ في قوله: {خلق السمٰوات والأرض بالحق} أنه ضد العبث والإِهمال. والمراد بـ{خلق السمٰوات والأرض} خلق ذوَاتهن وخلق ما فيهن من المخلوقات كما أنبأ عنه قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق}، أي ما خلقناهما وما بينهما إلا بالحقّ، فكذلك يكون التقدير في الآية من هذه السورة. وملابسة الحق لخلق السماوات والأرض يلزم أن تكون ملابسة عامة مطردة لأنه لو اختلت ملابسة حال من أحوال مخلوقات السماوات للحق لكان ناقضاً لمعنى ملابسة خلقِها للحقّ، فكان نفي البعث للجزاء على أعمال المخلوقات موجباً اختلال تلك الملابسة في بعض الأحوال. وتخلّف الجزاء عن الأعمال في الدنيا مشاهد إذ كثيراً ما نرى الصالحين في كرب ونرى أهل الفساد في نعمة، فلو كانت هذه الحياة الدنيا قصارى حياة المكلفين لكان كثيرٌ من أهل الصلاح غيرَ لاقٍ جزاءً على صلاحه. وانقلب أكثر أهل الفساد متمتعاً بإرضاء خباثة نفسه ونوال مشتهياته، فكان خلق كلا هذين الفريقين غيرَ ملابس للحق، بالمعنى المراد. ولزيادة الإِيقاظ لهذا الإِيمان عطف عليه قوله: {وإليه المصير} وكل ذلك توطئة إلى ما سبقه من قوله تعالى: {أية : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا}تفسير : [التغابن: 7] الآية. وفي قوله {بالحق} رمز إلى الجزاء وهو وعيد ووعد. وفي قوله: {خلق السمٰوات} إلى آخره إظهار أيضاً لعظمة الله في ملكوته. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}. إدماج امتنان على الناس بأنهم مع ما خلقوا عليه من ملابسة الحق على وجه الإِجمال وذلك من الكمال وهو ما اقتضته الحكمة الإِلٰهية فقد خُلقوا في أحسن تقويم إذ كانت صورة الإِنسان مستوفية الحسن متماثلة فيه لا يعتورها من فظاعة بعض أجزائها ونقصان الانتفاع بها ما يُناكد محاسن سائرها بخلاف محَاسن أحاسن الحيوان من الدواب والطيرِ والحيتان من مَشي على أرْبَع مع انتكاس الرأس غالباً، أو زحف، أو نقز في المشي في البعض. ولا تَعْتَوِرُ الإِنسان نقائصُ في صورته إلا من عوارضَ تعرض في مدة تكوينه من صَدَمَات لبطون الأمهات، أو علل تحلّ بهن، أو بالأجنة أو من عوارض تعرض له في مدة حياته فتشوه بعض محاسن الصور. فلا يعد ذلك من أصل تصوير الإِنسان على أن ذلك مع ندرته لا يعد فظاعة ولكنه نقص نسبي في المحاسن فقد جمع بين الإِيماء إلى ما اقتضته الحكمة قد نبههم إلى ما اقتضاه الإِنعام. وفيه إشارة إلى دليل إمكان البعث كما قال: {أية : أفعيينا بالخلق الأول}تفسير : [ق: 15]، وقال: {أية : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : [يس: 81]. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}. عطف على جملة {وصوَّركم} لأن التصوير يقتضي الإِيجاد فأعقب بالتذكير بأن بعد هذا الإِيجادِ فناءً ثم بعثاً للجزاء. والمَصير مصدر ميمي لفعل صار بمعنى رَجع وانتهى، ولذلك يُعدَّى بحرف الانتهاء، أي ومرجعكم إليه يعني بعد الموت وهو مصير الحشر للجزاء. وتقديم {إليه} على {المصير} للرعاية على الفاصلة مع إفادة الاهتمام بتعلق ذلك المصير بتصرف الله المحض. وليس مراداً بالتقديم قصر لأن المشركين لا يصدقون بهذا المصير من أصله بَلْهَ أن يدَّعوا أنه مصير إلى غيره حتى يُردّ عليهم بالقصر. وهذه الجملة أشد ارتباطاً بجملة {خلق السمٰوات والأرض بالحق} منها بجملة {وصوّركم فأحسن صوركم} كما يظهر بالتأمل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- خلق الله السموات والأرض بالحكمة البالغة، وصوَّركم فأحسن صوركم حيث جعلكم فى أحسن تقويم وإليه المرجع يوم القيامة. 4- يعلم كلَّ ما فى السموات والأرض، ويعلم ما تُخفون وما تُعلنون من أقوال وأفعال، والله تام العلم بِمُضمرات الصدور. 5- قد أتاكم خبر الذين كفروا من قبلكم، فتجرَّعوا سوء عاقبة أمرهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب شديد الألم. 6- ذلك الذى أصابهم ويصيبهم من العذاب بسبب أنهم أتتهم رسلهم بالمعجزات الظاهرة، فقالوا منكرين: أبشرٌ مثلنا يرشدوننا، فأنكروا بعثتهم، وانصرفوا عن الحق، وأظهر الله غناه عن إيمانهم بإهلاكهم، والله تام الغنى عن خلقه، مستحق للثناء والحمد على جميل نعمه. 7- ادَّعى الذين كفروا - باطلاً - أنهم لن يُبعثوا بعد الموت، قل لهم - يا محمد -: ليس الأمر كما زعمتم. أقسم بربى لتُبعثن بعد الموت، ولتخبرن بما عملتم فى الدنيا ثم تجازون عليه، وذلك البعث والحساب والجزاء على الله سهل يسير. 8- فصدِّقوا بالله ورسوله، واهتدوا بالنور الذى أنزلناه إذ وضح لكم أن البعث آت لا ريب فيه، والله بما يصدر منكم من عمل تام العلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (3) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بِالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ البَالِغَةِ، المُتَضَمِّنَةِ لِمَنَافِعِ الدِّين والدُّنْيَا، وَلَمْ يَخْلُقْهَا عَبَثاً وَبَاطِلاً، وَصَوَّرَكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ خَلَقَكُمْ، فَجَعَلَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ مَظْهَرٍ، وَإِلَيهِ تَصِيرُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ. بِالحَقِّ - بِالحِكْمَةِ البَالِغَةِ. أَحْسَنَ صُوَرَكُمْ - أَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا.