Verse. 5203 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

يَعْلَمُ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّوْنَ وَمَا تُعْلِنُوْنَ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۴
YaAAlamu ma fee alssamawati waalardi wayaAAlamu ma tusirroona wama tuAAlinoona waAllahu AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور» بما فيها من الأسرار والمعتقدات.

4

Tafseer

القرطبي

تفسير : تقدّم في غير موضع. فهو عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما فيها من الأسرار والمعتقدات.

البقاعي

تفسير : ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده، لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال: {يعلم} أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها {ما} أي الذي أو كل شيء {في السماوات} كلها. ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلاً للاعتقاد، والتحلي بحلية أهل السداد، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال: {والأرض} ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف، وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب، قال مؤكداً بإعادة العامل: {ويعلم} أي على سبيل الاستمرار {ما تسرون} أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال: {وما تعلنون} من الكليات والجزيئات خلافاً لمن يقول: يعلم الكليات الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها، من فلسفي وغيره، ولمن يقول: يعلم الكليات خاصة. ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها، قال مصرحاً بها إشارة إلى دقة أمرها مظهراً موضع الإضمار تعظيماً: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال {عليم} أي بالغ العلم {بذات} أي صاحبة {الصدور *} من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أو لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي، لأن نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما هي عليه من صفات الكمال إلى الكل على حد سواء، فراقبوه في الإخلاص وغيره مراقبة من يعلم أنه بعينه لا يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية، فإن حقه أن يتقي ويحذر، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد وتقديم تقرير القدرة على تقريره لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات، وكمال قدرته يستلزم كمال علمه لأن من لا يكمل علمه لا تتم قدرته، فلا يأتي مصنوعه محكماً. ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك، وأشار بما يشاهد من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على يد الظالم منهما كما هي عادة الملوك، لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ذلك، وأخبر أن علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن على حد سواء، أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل الحياة بإصلاح ذات البين لئلا يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى من أممهم، فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل، ودل عليه بإهلاكه من خالفهم إهلاكاً منسقاً في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من انفراده بالملك معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال: {ألم يأتكم} أي أيها الناس ولا سيما الكفار لتعلموا أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من المسيء {نبؤا الذين} وعبر بما يشمل شديد الكفر وضعيفه فقال: {كفروا} أي خبرهم العظيم. ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين أرسل إليهم الرسل، فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال: {من قبل} كالقرون المذكورين في الأعراف، ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله: {فذاقوا} أي باشروا مباشرة الذائق بالعدل الثاني كما كان حكم عليهم بالعدل الأول بالتقسيم إلى كافر ومؤمن {وبال أمرهم} أي شدة ما كانوا فيه مما يستحق أن يشاور فيه ويؤمر وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا، وأصله الثقل كيفما قلب {ولهم} أي مع ما ذاقوه بسببه في الدنيا {عذاب أليم *} في البرزخ ثم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم.

القشيري

تفسير : قصِّروا حِيَلكُم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومُكم، وأنا أعلمُ ذلك دونَكم.. فاطلبوا منِّي، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر. ويقال: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ}. فاحذورا دقيقَ الرياء، وخَفِيَّ ذات الصدور {وَمَا تُعْلِنُونَ}: فاحذروا أن يخالِفَ ظاهرُكم باطنكم. في قوله: {مَا تُسِرُّونَ} أمرٌ بالمراقبة بين العبد وربه. وفي قوله: {وَمَا تُعْلِنُونَ} أمرٌ بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخَلْق.

اسماعيل حقي

تفسير : {يعلم ما فى السموات والارض} من الامور الكلية والجزئية والاحوال الجلية والخفية {ويعلم ما تسرون وما تعلنون} اى ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الامور والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لانه الذى يدور عليه الجزآء ففيه تأكيد للوعد والوعيد وتشديد به لهما قال فى برهان القرآن انما كرر ما فى اول السورة لاختلاف تسبيح اهل الارض واهل السماء فى الكثرة والقلة والبعد والقرب من المعصية والطاعة وكذلك اختلاف ما تسرون وما تعلنون فانما ضدان ولم يكرر ما فى السموات والارض لان الكل بالاضافة الى علم الله جنس واحد لا يخفى عليه شئ {والله عليم بذات الصدور} اى هو محيط بجميع المضمرات المستكنة فى صدور الناس بحيث لا تفارقها اصلا فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه وبالفارسية وخداى تعالى داناست بآنجه درسينهاست ازخواطر وافكار. وانما قيل لها ذات الصدور وصاحبتها لملابستها لها وكونها مخزونة فيها ففى الآية ترقٍ من الاظهر الى الاخفى لانه عالم بما فى السموات وما فى الارض وبما يصدر من بنى آدم سرا وعلنا وبما لم يصدر بعد بل هو مكنون فى الصدور واظهار الجلالة للاشعار بعلية الحكم وتأكيد استقلال الجملة قبل وتقديم القدرة على العلم لان دلالة المخلوقات على قدرته بالذات وعلى علمه بما فيها من الاتفاق والاختصاص ببعض الجهات الظاهرة مثل كون السماء فى العلو والارض فى السفل او الباطنة مثل أن يكون السماء متحركة والارض ساكنة اى غير ذلك فان للمتكلمين مسلكين فى اثبات العلم الاول ان فعله تعالى متقن اى محكم خال عن وجوه الخلل ومشتمل على حكم ومصالح متكثرة وكل من فعله متقن فهو عالم والثانى انه فاعل بالقصد والاختيار لتخصيص بعض الممكنات ببعض الانحاء ولا يتصور ذلك الا مع العلم وفى قوله {وما تسرون} اشارة الى علماء الظاهر من الحكماء والمتكلمين والى علومهم الفكرية النظرية وما يسرون فيها من عقائدهم الفاسدة ومقاصدهم الكاسدة وفى قوله {وما تعلنون} اشارة الى علماء الباطن من المشايخ والصوفية والى معارفهم ومواجيدهم الذوقية الكشفية وما يظهرون منها من الكرامات وخوارق العادات والله عليم بصدور عمل كل واحد من صدور قلوبهم بحسب الرياء والاخلاص والحق والباطل.

الجنابذي

تفسير : {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} تهديدٌ وترغيبٌ {وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} قد مضى امثال هذه الآية مع تفسيرها مكرّراً.

اطفيش

تفسير : {يَعْلَمُ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَاتُعْلِنُونَ} تظهرون {وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وحق من لا يخفى عليه شيء من الجزئيات والكليات ان يتقي ولا يجتريء على شيء مما يخالف رضاه وعلمه بالاشياء سواء لان علمه ذاتي تقتضيه الذات وقدم القدرة على العلم لان دلالة المخلوقات على قدرته متقدمة ومتحصلة بالذات ودلالتها على علمه بما فيها من الاتقان والاختصاص ببعض الانحاء وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد لانه يستلزم الجزاء وكناية عنه وكلما ذكره بعد قوله ومنكم مؤمن في معنى الوعيد على الكفر وانكار لان يعصي الخالق ولا تشكر نعمته.

اطفيش

تفسير : {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} جزئياً وكلياً وجسماً وعرضاً وحاضراً ومضموناً {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} يسر بعضكم لبعض أو تسرون فى أنفسكم {وَمَا تُعْلِنُونَ} يظهر بعضكم لبعض {واللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} اعتراض فى آخر الكلام مقرر لما قبله من علمه تعالى بسرهم وعلنهم فإِذا علم ما فى الصدور فأَولى أن يعلم ما خرج عنه وسرا، وعلم هذا لبادى الرأى وكل ذلك عند الله فى نفس الأَمر سواء، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أجهلتم ولم يأْتكم يا أيها الكفرة مطلقاً أو كفار مكة {نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} قبلكم كقوم نوح وعاد وثمود ونمروذ وقومه وفرعون وقومه {فَذَاقُوا} لكفرهم كما دلت عليه الفاء فإِنها للسببية ومطلق الترتيب لا باتصال لأَنهم أمهلوا إِلا أن عد إِهلاكهم فى الدنيا اتصالا إِذ لم يمهلوا للآخرة {وَبَالَ أَمْرِهِمْ} ضرر شأنهم الذى هو الكفر وعبر عن كفرهم بأَمرهم إِشعاراً بأَنه جناية عظيمة تقول فعل زيد أمراً إذا أردت تهويل فعله ومادة وبل الثقل والشدة كما يسمى الطعام الثقيل على المعدة وبيلا {وَلَهُمْ} فى الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا يعرف قدر عظمه إِلا الله أسند الأَلم إِلى العذاب مبالغة كأَنه متوجع أو هو من الثلاثى بمعنى الرباعى أى مؤلم كنذير بمعنى منذر وجليس بمعنى مجالس، {ذَلِكَ} المذكور من ذوق العذاب فى الدنيا وثبوت العذاب الأَليم فى الآخرة {بِأَنَّهُ} بسبب أن الشأن {كَانَت} أى هى رسلهم على التنازع واعمل الثانى وهو تأْتى من قوله تعالى {تَأْتِيهِمْ} وقوله {رُسُلُهُمْ} فاعل تأتى أو هو اسم كانت ولا ضمير فيه، بل الضمير فى تأْتى على أعمال الأَول {بِالْبَيِّنَاتِ} الدلائل التكوينية والمتلوة {فَقَالُوا} عطف على كانت أو على تأْتيهم وفاعله {أَبَشَرٌ} فاعل لمحذوف أى أيهدينا من باب الاشتغال فى المرفوع كقوله تعالى وإِن أحد، وإِذا السماء لأَن الهمزة أميل إِلى الفعل إِذا وجد إِلا أنه يبقى قوله {يُهْدُونَنَا} بلا استفهام إِلا ما يحصل له من رائحته بالتفسير والذى يظهر أنه مبتدأ والاستفهام ينسحب على الكل وبشر جنس ولذا عاد إِليه واو الجماعة، وإِذا أُريد به واحد أفرد الضمير وإِن نعت نعت بمفرد كما قالت ثمود من هؤلاء المذكورين أبشرا منا واحدا نتبعه {فَكَفَرُوا} بهم أى بالرسل أو بها أو بهن أى الآيات {وَتَوَلَّوا} عن التأَمل فى البينات أو عن الإِيمان بها أو بالرسل {واسْتغْنَى اللهُ} عنهم أو عن كل شئ والأَول أولى ويقدر العموم بعد غنى والجملة حال بلا تقدير لقد أو بتقديرها والفعل على ظاهره والعطف على كفروا وهذا أولى أو الفعل بمعنى أظهر غناه فإِنه غير محتاج إِلى إِيمانهم فلم يزد لهم بينات أخرى بل عجل عذابهم {وَاللهُ غَنِيٌّ} عن كل شئ عنهم وعن غيرهم فى العبادة وغيرها {حَمِيدٌ} أهل للحمد ولو لم يحمده حامد كما فى الأَزل أو يحمده المؤمنون والملائكة والدواب والجمادات وذلك حمد بلسان الحال ولسان القال جمع بين الحقيقة والمجاز أو يحمل على عموم المجاز أو على لسان الحال ولو من الناطق بقطع النظر عن خصوص نطقه. {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَّن يُبْعَثُوا} المراد أهل مكة، ومقتضى الظاهر زعمتم بالخطاب مثل: أو لم يأتكم. وأظهر ليصفهم بالكفر الموجب للذم ويدل على أن المراد أهل مكة قوله تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} ومن الجائز التعميم فى الذين كفروا والخطاب بعد لمخصوصين منهم وهم أهل مكة على الغائبين وهم الأمم السابقة وفيه زيادة فائدة والزعم الكذب هنا أو القول الباطل أو قول بلا دليل أو دعوى العلم وذلك كثير وقد يستعمل بمعنى العلم واليقين ويعمل عمل العلم فى أن المشددة أو المخففة منها وما بعدها باعتبار المصدر استغناء عن منصوبين بوجود المسند والمسند إِليه قبل التأويل بالمصدر {وَذَلِكَ} ما ذكر من البعث والجزاء المعبر عنه بالتنبئة {عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} لكمال قدرته فلا يتعاصى عنه شئ أراده. {فَآمِنُوا} إِذا كان الأَمر كذلك فآمنوا {بِاللهِ} الذى علمتم دلائل وجوده وقدرته وخصوصه بما يوجب الأُلوهية {وَرَسُولِهِ} محمد الذى جاءكم بالآيات من عنده {وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} أى القرآن الشبيه بالنور الذى يزول به ضرر الظلمة ويبين به غيره كما يبين بالنور غيره والإِيمان به صلى الله عليه وسلم يكفى عن ذكر القرآن لكن ذكر للتنصيص عليه بذاته لا بمجرد التبع له - صلى الله عليه وسلم - ولئلا يتوهم متوهم أنه رسول كتابه الإِنجيل أو التوراة أو لا كتاب له وكذلك إِذا علمنا أنه رسول الله فقد علمنا أن ما جاء به حق وهو القرآن وسائر الوحى ولكن نزيد وأن ما جاء به حق لننطق بما فى هذه الآية كلها وعدل عن مقتضى الظاهر وهو أنزل بالبناء للفاعل أى الله إِلى أنزلنا تعظيماً للقرآن بصيغة عظمة الله تعالى {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من طاعة ومعصية وإِيمان أو كفر {خَبِيرٌ} عالم بظاهره وباطنه. {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} متعلق بخبير لأَنه نائب عن مجازيكم بما عملتم من خير أو شر أو يتنبأُون {لِيَوْمِ الْجَمْعِ} لام التوقيت أو بمعنى فى وقد تفسر لام التوقيت بفى، وادعى بعض أنها للتعليل على تقدير مضاف أى لأَجل حساب يوم الجمع وهو يوم القيامة سمى لأَنه يجمع فيه الأَولون والآخرون وقيل الملائكة والثقلان وقيل الظالمون والمظلومون وقيل المطيعون والعاصون وقيل المؤمنون والكافرون {ذَلِكَ} أى يوم الجمع {يَوْمُ التَّغَابُنِ} سمى يوم القيامة يوم التغابن لظهور غبن بعض الناس لبعض كالتغابن فى نحو البيع قال الله تعالى: {أية : اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة} تفسير : [البقرة: 175] وقال تعالى: {أية : هل أدلكم على تجارة تنجيكم} تفسير : [الصف: 10] الخ وقال {أية : إِن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأَن لهم الجنة} تفسير : [التوبة: 111] فربحت صفقة المؤمن وخسرت صفقة الكافر، فالمظلوم يغبن الظالم والسعيد يغبن الشقى وليس التفاعل على بابه لأَن الغبن من جانب واحد وهو جانب المظلوم والسعيد والمظلوم مغبون فى الدنيا غابن فى الآخرة، اللهم إِلا أن يسمى حال الشقى والظالم غبنا أيضاً تهكماً بهما أو مشاكلة معنوية لا لفظية إِذ لم يذكر الجانبان ذلك بأَنه يسمى جزاء الظالم والشقى غبنا وذلك أن المظلوم يأخذ حسنات الظالم وما من سعيد إِلا له مقام فى النار يخلفه فيه الشقى وما من شقى إِلا له أهل ومنازل فى الجنة يخلفه فيها السعيد، فعنه - صلى الله عليه وسلم - ما من عبد يدخل الجنة إِلا أرى مقعده من النار، لو أساءَ ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أريَ مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا} فالإِيمان بلا عمل لا يجزى من عليه العمل بخلاف ما لو آمن إِنسان ومات قبل وجوب الفرائض عليه أو اختل عقله أو جن أو بلغ مجنوناً أو عاقلا وجن أو اختل قبل لزوم فرض أو مات تائباً آخر عمره ولم يعمل فإِن له الجنة {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} الصغائر والكبائر لتوبته. {وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} حال مقدرة والجمع باعتبار معنى مَنْ، كما أن الإِفراد فى يؤمن ويعمل والهاء باعتبار لفظها {أبَدًا} لا تفنى ولا يخرجون منها. {ذَلِكَ} ما ذكر من تكفير السيئات وإِدخال الجنات أى نيل ذلك {الفَوْزُ العَظِيمُ} أو نفس ذلك هو المفوز به العظيم. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} هى والآيتان مفسرتان للتغابن على جهة مطلق الإِخبار لا بصورة التفريع وخالدين حال مقدرة على معنى يصاحبونها والمصير اسم مكان أو مصدر أى بئس المصير. {مَا أصَابَ} أحد {مِن} صلة فى الفاعل {مُصِيبَةٍ} مضرة أصله اسم فاعل أصاب تغلبت عليه الاسمية حتى لا ضمير فيه مستتر وأصله فى الخير والشر وتغلب استعماله فى الشر وأجاز بعض أن يراد بها فى الآية الخير والشر لورودها فى الخير، كما وردت فى الشر. ومعنى الإِصابة اللحوق مطلقاً وزعم بعض أنها فى الخير من صوب المطر، وفى الشر من إِصابة السهم وذلك دعوى لا أسمعها، وحملها على السوء أولى وذلك مثل ما يصيب العبد فى بدنه أو عقله أو عرضه أو ماله أو ولده أو قرابته أو زوجه أو صاحبه أو من يعز عليه أن يصاب. وفسرها بعض بما يشمل الشرك والمعاصى ويناسبه ورودها بعد جزاء المؤمن والكافر وأى مصيبة أعظم منهما، وهذا فى الموحد العاصى ظاهر، وفى المشرك بعيد لأَنه لا يعد الإِشراك والمعصية مصيبة {إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} بإِرادته أو قضائه {وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ} ورسوله والمراد بالإِيمان بالله تعالى الإِيمان بجميع ما يجب الإِيمان به كالرسل والكتب {يَهْدِ قَلْبَهُ} إِلى عدم الجزع بالمعصية وفى ضمن ذلك أن يقول إِنا لله وإِنا إِليه راجعون وإِلى العلم بأنها من الله تعالى وأنها عدل منه عز وجل وإلى الإِيقان بأَن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد إن ابتلى صبر وإِن أعطى شكر وإِن ظلم غفر. وفسره بعض بشرح الصدر لازدياد الخير والعبادة، وقدر بعض: ومن لم يؤمن بالله لم يهد قلبه {وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} فهو عالم بإِيمان المؤمن فيهدى قلبه {وَأطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ} كرر الطاعة للفرق بين إِطاعة الله عز وجل وإِطاعة رسوله فى الكيفية ولتأَكيد الإِيمان برسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما عظمه بالإِضافة إِلى ضمير العظمة فى قوله عز وجل {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن الإِطاعة {فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ} اسم مصدر أى التبليغ، أو على حذف مضاف، أى حصول البلاغ وما عليه - صلى الله عليه وسلم - إِلا تبليغ الوحى وقد بلغ بما لا مزيد عليه كما قال {الْمُبِينُ} وهو رسول الله تعالى تولوا أو لم يتولوا ولكن أقام العلة مقام الجواب، أى فإِن توليتم فعليكم عقاب التولى، لا عليه لأَنه قد بلغ وما عليه إِلا التبليغ، والحصر إِضافى أى عليه التبليغ لا تباعة توليكم. {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ} لا على غيره متعلق بما بعده على أن الفاء صلة لم يقل وعليه ليصرح بالأُلوهية الموجبة للتوكل {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وكذا غيرهم وخصهم بالذكر لأَنهم المؤتمرون بالأَمر، ولأَن الإِيمان بأَن الكل منه تعالى يقتضى التوكل، وفى ضمن هذا أن من لم يتوكل لم يؤمن فليس فى الحث على التوكل أعظم من هذه الآية. {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَأوْلاَدِكُم عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} احذروا الأَزواج والأَولاد كلهم لاشتمالهم على العدو ولا تدرون أن الشر من هذا أو هذه أو من ذلك أو تلك ومن لم تظهر عداوته فربما تكون أو تظهر بعد فلا تهلكوا آخرتكم لأَجلهم بالحمية أو بجمع المال الحرام لأَجلهم أو منع الحق منه لأَجلهم أو بمطاوعتهم فى البقاء على الشرك والمعصية أو عدم الهجرة أو عدم طلب العلم وغير ذلك مما لا يجوز أو يجب إرغاد عيشهم ولو بعد موته ولو لم يطلبوه لذلك أو بأَن طاوعهم فى منعه عن الجهاد، وخذوا حذركم وأخذ الحذر واجب ولو من الصديق ومن المتولى إِذ لا يدرى ما يحدث ولا ما بطن ويجوز رد الضمير إِلى العدو من الأَزواج والأَولاد. قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يأتي على الناس زمان يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده يعيرانه بالفقر فيركب مراكب السوء فيهلك" تفسير : {وَإنْ تَعْفُوا} عما أصابكم من شر عداوتهم فى دينكم أو دنياكم أو فيهما ولا تعاقبوهم {وَتَصْفَحُوا} تعرضوا على الحقد عليهم وعن أن تعيروهم {وَتَغْفِرُوا} تستروا ذلك عن غيرهم ولا تشكوا بهم إِلى أحد والله غفور رحيم عفو أو اصفحوا واغفروا ولو لم يفعلوا ذلك فالجواب محذوف أى يثبكم أو يفعل بكم ما فعلتم معهم مما ذكر نابت عنه علته وهو قوله تعالى {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أى لأَن الله غفور رحيم وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما نزل: يا أيها الذين آمنوا إِن من أزواجكم الخ فى قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا الهجرة فمنعهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا وجدوا الناس قد فقهوا فى الدين فهموا أن يعاقبوهم على المنع وتفويت الفقه، رواه الترمذى والحاكم والطبرانى وعنه نزلت فى الرجل يريد الهجرة فتحبسه زوجه وولده فيقول أما والله لئن جمعنى الله وإِياكم فى المدينة لأَفعلن ولأَفعلن. وفى رواية لئن جمعنا الله تعالى فى المدينة لم نصبكم بخير فجمع الله بينهم ومنعوهم الخير، فرجعوا الخير لهم للآية وفى رواية أن عوف ابن مالك الأَشجعى أراد الغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة فاجتمع عليه أولاده وزوجه يبكون ويمنعونه فرقَّ لهم ولم يخرج للغزو ثم ندم فهمَّ بمعاقبتهم، ففى الآية أن لا يحقد الرجل على زوجه وولده. {إِنَّمَا أمْوَالُكُمْ} قدم الأَموال لأنها أعظم فتنة من الأَولاد. قال الله عز وجل: {أية : كلا إِنَّ الإِنسان ليطغى أنْ رآه استغنى} تفسير : [العلق: 6 - 7]. قال كعب ابن عياض وعبد الله بن أوفى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لكل أمة فتنة وإِن فتنة أُمتي المال" تفسير : {وَأوْلاَدُكُمْ}مطلقا ولو لم تظهر منه عداوة ولم تكن فى قلوبهم {فِتْنَةٌ} سبب الافتتان فى الدين أو الاشتغال عنه أو الفتنة البلاء والمحنة لترتب الإِثم عليهم وشدائد الدنيا والميل إِليهم طبعى فليتنبه له ولا يسترسل إِليهم وقد فسر بعضهم الفتنة بهم، وإِذا أمكنتكم الهجرة والجهاد فلا يفتنكم عنهما الميل إِلى المال أو الولد ويناسب ما ذكرت من أن الميل إِلى الولد بالطبع ما رواه بريدة أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فأَقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل - صلى الله عليه وسلم من المنبر فحمل واحداً من جانب وآخر من جانب وصعد المنبر فقال "حديث : صدق الله تعالى: إِنما أموالكم وأولادكم فتنة. لما نظرت إِلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إِليهما"تفسير : . رواه الترمذى والنسائى وأبو داود وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فخرج الحسين إِليه فعثر فى ثوبه فسقط فبكى فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِليه فتناوله الناس واحد عن واحد حتى وقع فى يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال قاتل الله الشيطان، إِن الولد لفتنة، والذى نفسى بيده ما دريت أنى نزلت عن منبرى. رواه ابن مردويه وانظر بين فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحسن والحسين وبين قتل الحسين بكربلاء ظلماً وقتل الحسن بالسم ظلماً رضى الله عنهما وهما صحابيان صغيران لهما عقل عظيم من صغرهما. {وَاللهُ عِندَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ} لمن اختار الإِيمان والهجرة والجهاد وأمر الدين عن الأَولاد والأَموال {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} مصدرية على حذف مضاف أى قدر استطاعتكم أو مصدرية أى ما دمتم مستطيعين أى مدة استطاعتكم ويناسب الأَول ما روى أنه لما نزلت الآية قاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم وكذا اتقوا الله حق تقاته ونسخت بقوله تعالى: {أية : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} تفسير : [البقرة: 286]. وشهر أنه لما نزل: {أية : اتقوا الله حق} تفسير : [آل عمران: 102] تقاته قاموا حتى تورموا وتقرحوا فنسخت بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}. والظاهر أنه لا نسخ فى ذلك بل المعنى اتقوا الله حق تقاته بمجرد أداء الفرائض وترك المعاصى وكذا معنى فاتقوا الله ما استطعتم واحذروا فتنة المال والولد {وَاسْمَعُوا} مواعظه {وَأطِيعُوا} لا تخالفوه فى أمره ونهيه. {وَأنفِقُوا} من أموالكم فى وجوه الخير بإِخلاص نفلا وفرضاً أو نفلا وزكاة أقوال والصحيح الأَول {خَيْرًا لأَّنْفُسِكُمْ} تبادر لى أنه خبر لكون فى جواب أمر محذوف أى افعلوا ذلك كله يكن خيرا، أى منفعة لكم أو أفضل من إِمساك الأَموال ومن الأَولاد. وقال سيبويه مفعول لمحذوف معطوف بعاطف محذوف أى وافعلوا خيراً. وعن الكسائى مفعول مطلق أى إِنفاقاً خيراً، ويبعد أنه مفعول بمعنى المال. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} بحلها مع الحرص {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إِن تُقْرِضُوا اللهَ} تنفقوا أموالكم فى وجوه الأَجر شبه الإِنفاق فى وجوه الأَجر على قصد التعويض من الله تعالى بإِعطائه أحدا على وجه الرد فذلك استعارة تمثيلية. {قَرْضًا حَسَنًا} بأَن كان من حلال وبإِخلاص وطيب نفس بلا قصد إِلى ما يستحقر من المال شحا {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} درهم واحد بعشرة إِلى سبعمائة فصاعدا. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ببركة الإِنفاق ذنوبكم {وَاللهُ شَكُورٌ} يعوض الجزيل فى القليل والحقير {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة على الذنوب الكثيرة العظام {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعِزِيزُ الْحَكِيمُ} مر تفسير ذلك والله الموفق المستعان. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الالوسي

تفسير : {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } من الأمور الكلية والجزئية والأحوال الجلية والخفية {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور والتصريح به مع اندراجه فيما قبله للاعتناء بشأنه لأنه الذي يدور عليه الجزاء. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم أي هو عز وجل محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس بحيث لا تفارقها أصلاً فكيف يخفى عليه تعالى ما يسرونه وما يعلنونه. وإظهار الجلالة للإشعار بعلة الحكم وتأكيد استقلال الجملة، قيل: تقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات وعلى علمه سبحانه لما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء. / وقرأ عبيد عن أبـي عمرو وأبان عن عاصم ـ ما يسرون وما يعلنون ـ بياء الغيبة.

ابن عاشور

تفسير : كانوا ينفون الحشر بعلة أنه إذا تفرقت أجزاء الجسد لا يمكن جمعها ولا يحاط بها. { أية : وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10]، فكان قوله تعالى: {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون} دحضا لشبهتهم، أي أن الذي يعلم ما في السماوات والأرض لا يعجزه تفرق أجزاء البدن إذا أراد جمعها. والذي يعلم السرّ في نفس الإِنسان، والسرُّ أدق وأخفى من ذرات الأجساد المتفرقة، لا تخفى عليه مواقع تلك الأجزاء الدقيقة ولذلك قال تعالى: {أية : أيحسب الإِنسانُ أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه}تفسير : [القيامة: 3 - 4]. فالمقصود هو قوله: {ويعلم ما تسرون} كما يقتضيه الاقتصار عليه في تذييله بقوله: {والله عليم بذات الصدور} ولم يذكر أنه عليم بأعمال الجوارح، ولأن الخطاب للمشركين في مكة على الراجح. وذلك قبل ظهور المنافقين فلم يكن قوله: {ويعلم ما تسرون وما تعلنون} تهديداً على ما يبطنه الناس من الكفر. وأما عطف {وما تعلنون} فتتميم للتذكير بعموم تعلق علمه تعالى بالأعمال. وقد تضمن قوله: {ويعلم ما تسرون وما تعلنون} وعيداً ووعداً ناظريْن إلى قوله: {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2] فكانت الجملة لذلك شديدة الاتصال بجملة {أية : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2]. وإعادة فعل {يعلم} للتنبيه على العناية بهذا التعلق الخاص للعلم الإِلهي بعد ذكر تعلقه العام في قوله: {يعلم ما في السمٰوات والأرض} تنبيهاً على الوعيد والوعد بوجه خاص. وجملة {والله عليم بذات الصُّدور} تذييل لجملة {ويعلم ما تسرُّون} لأنه يعلم ما يُسِرُّه جميع الناس من المخاطبين وغيرهم. و{ذات الصدور} صفة لموصوف محذوف نزلت منزلة موصوفها، أي صاحبات الصدور، أي المكتومة فيها. والتقدير: بالنوايا والخواطر ذات الصدور كقوله: {أية : وحملناه على ذات ألواح}تفسير : [القمر: 13] وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : إنه عليم بذات الصدور}تفسير : في سورة [الأنفال: 43].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (4) - وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ كَائِنَاتٍ وَمَخْلُوقَاتٍ، فَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا خَافِيَةٌ، وَهُوَ يُدَبِّرُهَا وَيُدِيرُهَا، وَيَعْلَمُ مَا يُعْلِنُهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَهُ، وَيَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَهُ وَيُبْطِنُونَهُ، وَمَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نُفُوسُهُمْ، وَيَعْلَمُ مَا يُضْمِرُونَ فِي صُدُورِهِمْ وَمَا يُبَيِّتُونَ فِي سَرَائِرِهِمْ فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ.