٦٤ - ٱلتَّغَابُن
64 - At-Taghabun (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة. فقوله: {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي شدة أمرهم مثل قوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُ } أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشراً. ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً فكفروا وتولوا، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } من جملة ما سبق، والحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد، وقوله تعالى: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال في «الكشاف»: الزعيم ادعاء العلم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : زعموا مطية الكذب» تفسير : وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، ويتعدى إلى مفعولين، تعدى، العلم، قال الشاعر:شعر : ولم أزعمك عن ذلك معزولا تفسير : والذين كفروا هم أهل مكة {بَلَىٰ } إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل: قوله تعالى: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي } يحتمل أن يكون تعليماً للرسول صلى الله عليه وسلم، أي يعلمه القسم تأكيداً لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن وقوله تعالى: {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } أي لا يصرفه صارف، وقيل: إن أمر البعث على الله يسير، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم، وفي الآية مباحث. الأول: قوله: {فَكَفَرُواْ } يتضمن قوله: {وَتَوَلَّواْ } فما الحاجة إلى ذكره؟ نقول: إنهم كفروا وقالوا: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وذلك هو التولي، فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي، ولهذا قال: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ }. الثاني: قوله: {وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } يوهم وجود التولي والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً، قال في «الكشاف»: معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك. الثالث: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته. نقول: إنهم وإن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار أظهر من الشمس عنده وفي اعتقاده، والفائدة في الإخبار مع القسم ليس إلا هذا، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم. ولما بالغ في الإخبار عن البعث والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال:
القرطبي
تفسير : الخطاب لقريش؛ أي ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي عوقبوا. {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجِع. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي: خبرهم، وما كان من أمرهم، {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي، ثم علل ذلك فقال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي بالحجج والدلائل والبراهين، {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} أي كذبوا بالحق، ونكلوا عن العمل، {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي عنهم، {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } يا كفار مكة {نَبَؤُاْ } خبر {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } عاقبة كفرهم في الدنيا {وَلَهُمْ } في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم؟.
الماوردي
تفسير : {....فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدونَنا} يعني أن الكفار قالوا ذلك استصغاراً للبشر أن يكونوا رسلاً من اللَّه إلى أمثالهم، والبشر والإنسان واحد في المعنى، وإنما يختلفان في اشتقاق الاسم، فالبشر مأخوذ من ظهور البشرة، وفي الإنسان وجهان: أحدهما: مأخوذ من الإنس. والثاني: من النسيان. {فَكَفَروا} يعني بالرسل {وَتَوَلَّوْا} يعني عن البرهان. {واستغنى اللَّه} فيه وجهان: أحدهما: بسلطانه عن طاعة عباده، قاله مقاتل. الثاني: واستغنى اللَّه بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان من زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية. {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} في قوله {غَنِيٌّ} وجهان: أحدهما: غني عن صدقاتكم، قاله البراء بن عازب. الثاني: عن عملكم، قاله مقاتل. وفي {حميد} وجهان: أحدهما: يعني مستحمداً إلى خلقه بما ينعم به عليهم، وهو معنى قول عليّ. الثاني: إنه مستحق لحمدهم. وحكي عن ابن عباس فيه ثالث: معناه يحب من عباده أن يحمدوه.
ابن عطية
تفسير : {يأتكم} جزم وأصله "يأتيكم" قال سيبويه: واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم، والخطاب في هذه الآية لقريش، ذكروا بما حل بعاد وثمود وقوم إبراهيم وغيرهم ممن سمعت قريش أخبارهم، و "وبال الأمر": مكروهه، وما يسوء منه، وقوله تعالى: {ذلك بأنه} إشارة إلى ذوق الوبال، وكون عذاب الآخرة لهم، ثم ذكر تعالى من مقالة أولئك الماضين ما هو مشبه لقول كفار قريش من استبعاد بعث الله للبشر، ونبوة أحد من بني آدم، وحسد الشخص المبعوث، وقوله: {أبشر} رفع بالابتداء، وجمع الضمير في قوله: {يهدوننا} من حيث كان البشر اسم هذا النوع الآدمي، كأنهم قالوا أناس هداتنا؟ وقوله تعالى: {استغنى الله} عبارة عما ظهر من هلاكهم، وأنهم لن يضروا الله شيئاً، فبان أنه كان غنياً أزلاً وبسبب ظهور هلاكهم بعد أن لم يكن ظاهراً ساغ استعمال هذا البناء مسنداً إلى اسم الله تعالى، لأن بناء استفعل إنما هو لطلب الشيء وتحصيله بالطلب، وقوله تعالى: {زعم الذين كفروا} يريد قريشاً ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث، وقال عبد الله بن عمر: الزعم: كنية الكذب، وقال عليه السلام: بئس مطية الرجل زعموا، ولا توجد "زعم" مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله فيريد ناقله أن يبقي عهدته على الزاعم، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم، وقول سيبويه: زعم الخليل إنما يجيء فيما انفرد الخليل به، ثم أمره تعالى أن يجيب نفيهم بما يقتضي الرد عليه إيجاب البعث وأن يؤكد ذلك بالقسم، ثم توعدهم تعالى في آخر الآية بأنهم يخبرون بأعمالهم على جهة التوقيف والتوبيخ، المؤدي إلى العقاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} جَزْمٌ أصْلُه «يأتيكم» والخطابُ في هذهِ الآيةِ لقريشٍ، ذُكِّرُوا بِمَا حَلَّ بِعَادٍ وثمودَ، وغيرهم ممن سَمِعَتْ قريشٌ بِأخبارِهم، وَوَبَالُ الأمْرِ: مكروهُه وما يسوء منه. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُ} إشارة إلى ذَوْقِ الوَبَالِ، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} يريدُ قُريشاً، ثم هِي بَعْدُ تَعُمّ كلَّ كافرٍ بالبعثِ، ولا تُوجَدُ (زَعَمَ) مستعملةً في فصيحِ الكلامِ إلا عبَارَةً عَنِ الكَذِبِ، أو قولِ انْفَرَدَ به قائلُه. وقوله سبحانه: {فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِى أَنزَلْنَا} هذه الآيةُ دعاء من اللَّهِ، وتبليغٌ وتحذيرٌ مِنْ يَوْمِ القِيَامَةِ، والنُّورُ القرآنُ ومعانيه، ويومُ الجَمْعِ هو يومَ القيامَةِ، وهُو يومُ التغابُنِ يَغْبِنُ فِيهِ المؤمِنُونَ الكافرينَ، نَحا هذا المَنْحَى مُجَاهِد وغيره.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ}. الخطاب لقريش، أي: ألم يأتكم خبر كُفَّار الأمم السالفة {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: عوقبوا {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مُؤلم. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ} الهاء للشأن والحديث، و{كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم}: خبرها، ومعنى الإشارة أي: هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم بالبينات، أي: بالدلائل الواضحة. قوله: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}. يجوز أن يرتفع "بشر" على الفاعلية، ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح، لأن الأداة تطلب الفعل، وأن يكون مبتدأ وخبراً. وجمع الضمير في "يَهْدُونَنَا" إذ البشر اسم جنس. أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع، فيكون اسماً للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً}تفسير : [يوسف: 31]. قوله: "فَكَفَرُوا" أي: بهذا القول إذ قالوه استصغاراً، ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده. فصل فإن قيل: قوله "فَكَفَرُوا" يفهم منه التولي، فما الحاجة إلى ذكره؟ فالجواب: قال ابن الخطيب: إنهم كفروا وقالوا: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي، فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدلّ على التولي، فلهذا قال: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ}. وقيل: كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. قوله: {وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ} استغنى بمعنى المجرد. وقال الزمخشري: "ظَهَر غناه"، فالسين ليست للطلب. قال مقاتل: استغنى الله، أي: بسلطانه عن طاعة عباده. وقيل: استغنى الله، أي: بما أظهره لهم من البرهان، وأوضحه لهم من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد، وتعود إلى الهداية {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} غنيٌّ عن خلقه حميد في أفعاله. فإن قيل: قوله: {وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ} يوهم وجود التولّى والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنيًّا؟. فأجاب الزمخشري: بأن معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك. ثم أخبر عن إنكارهم للبعث فقال - عز وجل -: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} أي: ظنوا، والزعم هو القول بالظن. وقال الزمخشري: الزعم ادِّعاء العلم، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : زَعَمُوا مطيَّة الكَذِب ". تفسير : وقال شريح: لكل شيء كنية وكنية الكاذب زعموا. وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب كما تقدم في آخر سورة "مريم" ثم عمّت كل كافر. قوله: {أَن لَّن يُبْعَثُواْ}. "أن" مخففة لا ناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله، و"أن" وما في خبرها سادة مسدَّ المفعولين للزعم أو المفعول. قوله: "بَلَى" إيجاب للنفي، و"لتُبْعثُنَّ" جواب قسم مقدر، أي: لتخرجن من قبوركم أحياء، "ثُمَّ لتُنَبَّؤُنَّ" لتخبرن "بِمَا عَمِلْتُمْ" أي: بأعمالكم، {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} إذ الإعادة أسهل من الابتداء. فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا الرسالة؟. قال ابن الخطيب: والجواب: أنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً جازماً لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار عنده أظهر من الشمس في اعتقاده ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم. ثم إنه تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان، قال: {فآمنوا بالله ورسوله} وهذا يجوز أن يكون صلة لما تقدم؛ لأنه تعالى ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وذلك لكفرهم بالله، وتكذيبهم للرسل فقال "فآمِنُوا" أنتم "باللَّه ورسُولِهِ" لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة. وقال القرطبي: قوله: {فآمنوا بالله ورسوله} أمرهم بالإيمان بعد أن عرفهم قيام الساعة {والنور الذي أنزلنا} وهو القرآن لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال كما يهتدى بالنور في الظلمات. فإن قيل: هلا قيل: ونوره بالإضافة كما قال: ورسوله؟. فالجواب: إن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة، فكأنه قال: ورسوله ونوره، ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: بما تسرّون وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية. قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ}. منصوب بقوله: "لتُنبَّؤنَّ" عند النحاس، وبـ"خَبِير" عند الحوفي، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم. وبـ"اذكر" مضمراً عند الزمخشري، فيكون مفعولاً به. أو بما دلّ عليه الكلام، أي يتفاوتون يوم يجمعكم. قاله أبو البقاء. وقرأ العامَّة: "يَجْمعُكُمْ" بفتح الياء وضم العين. ورُوِي سكونُها وإشمامها عن أبي عمرو، وهذا منقول عنه في الراء نحو "ينصركُمْ" وبابه كما تقدم في البقرة. وقرأ يعقوب وسلام وزيد بن علي والشعبي ونصر وابن أبي إسحاق والجحدري: "نَجْمعُكُمْ" بنون العظمة، اعتباراً بقوله: {وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا}. والمراد بـ"يَوْمَ الجَمْعِ" أي: يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض. وقيل: يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله. وقيل: يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمته. وقيل: يجمع فيه ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي. قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ}. "التَّغَابُن" تفاعل من الغبن في البيع والشراء على الاستعارة، وهو أخذ الشيء بدون قيمته. وقيل: الغبن: الإخفاء، ومنه غبن البيع لاستخفائه، والتفاعل هنا من واحد لا من اثنين. ويقال: غبنت الثوب وخبنته، أي: أخذت ما طال منه من مقدارك: فهو نقص وإخفاء. وفي التفسير: هو أن يكتسب الرجل مالاً من غير وجهه فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله، فيدخل الأول النار، والثاني الجنة بذلك المال، فذلك هو الغَبْن البَيِّن والمغابن: ما انثنى من البدن نحو الإبطين والفخذين. والمغبون: من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يؤمئذ غَبْن كُلِّ كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام. قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى منزلة منه. فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حى يقع الغبن فيها؟. فالجواب: هو تمثيل للغَبْنِ في الشِّراء والبيع كقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ}تفسير : [البقرة: 16]، فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خَسِرُوا، ذكر أيضاً أنهم غُبِنُوا، وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً، وقد فرق الله الخلق فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً في السعير. وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف: رجل علم علماً فضيعه ولم يعمل به فشقي به، ورجل علم علماً وعمل به فنجا به، ورجل اكتسب مالاً من وجوه يُسَألُ عنها وشحَّ عليه وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيراً وتركه لوارث لا حساب عليه، فعمل ذلك الوارث في بطاعة ربه، ورجل كان له عبد، فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي. وروى القرطبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقِيمُ الرَّجُلَ والمَرْأةَ يَوْم القِيامَةِ بَيْنَ يَديْهِ، فيقُولُ اللَّهُ تَعَالى لَهُمَا: قُولا مَا أنتما بِقَائِلين، فيقُولُ الرَّجُلُ: يَا ربِّ أوْجَبْتَ نَفَقَتَهَا عليَّ فَتَعَسَّفْتُها من حلالٍ أو مِنْ حَرامٍ، وهؤلاءِ الخُصُومُ يَطْلبُونَ ذلِكَ، ولَمْ يَبْقَ لي ما أوفِّي فتقُولُ المَرْأةُ: يا ربِّ، وما عَسَى أَن أقُولَ، اكتسَبَهُ حَرَاماً وأكَلْتُهُ حلالاً، وعَصَاكَ فِي مَرْضَاتِي ولَمْ أرْضَ لَهُ بِذَلِكَ، فبُعْداً لَهُ ومُحْقاً، فيقُولُ اللَّهُ تعالى: قَدْ صَدَقْتِ فيُؤمَرُ بِهِ إلى النَّارِ، ويُؤمَرُ بِهَا إلى الجَنَّةِ فتطلعُ عليْهِ من طبقَاتِ الجَنَّة، فتقُولُ لَهُ: غَبنَّاكَ غَبنَّاكَ، سَعِدْنَا بِمَا شَقِيتَ أنت؛ فذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ". تفسير : فصل استدلّ بعض العلماء بقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} على أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية، لأن الله تعالى خَصَّ التغابن بيوم القيامة فقال: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ}، وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في بيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. واختاره البغداديون، واحتجوا عليه بقوله - عليه الصلاة والسلام - لحبان بن منقد: "حديث : إذا بِعْتَ فَقُل: لا خَلابَةَ ولَكَ الخِيَارُ ثلاثاً ". تفسير : ولأن الغَبْنَ في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخِدَاع المحرم شرعاً في كل ملّة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، فإذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه فوجب الرد به، والفرق بين القليل والكثير في الشريعة معلوم فقدرناه بالثلث، وهذا الحد اعتبر الشارع في الوصية وغيرها. ويكون معنى الآية على هذا: يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل، وذلك يوم التَّغابن الذي لا يستدرك أبداً. قال بعض علماء الصُّوفية: إنَّ الله - تعالى - كتب الغَبْنَ على الخَلْقِ أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبوناً؛ لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لاَ يَلْقَى اللَّهَ أحَدٌ إلاَّ نَادِماً إن كَان مُسِيئاً أن لَمْ يُحْسِنْ، وإن كَانَ مُحْسِناً أنْ لَمْ يَزْدَدْ ". تفسير : قوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ}. قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} يعني القرآن {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. قال ابن الخطيب: فإن قيل: قال الله تعالى في حق المؤمنين: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} بلفظ المستقبل، وفي حق الكُفَّار قال: "والذين كفروا" بلفظ الماضي؟. فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ندخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. فإن قيل: قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن} بلفظ الواحد و"خَالدِينَ" بلفظ الجمع؟. فالجواب: ذلك بحسب اللفظ وهذا بحسب المعنى. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} بعد قوله: {خَالِدِينَ فِيهَآ} وذلك بئس المصير؟. والجواب: أن ذلك وإن كان في معناه فلا بد من التصريح [بما] يؤكده.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أيها الكفرةُ {نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} كقومِ نوحٍ ومن بعدهم من الأممِ المصرةِ على الكفرِ {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} عطفٌ على كفرُوا والوبالُ الثقلُ والشدةُ المترتبةُ على أمرٍ من الأمورِ وأمرُهُم كفرُهُم عبرَ عنْهُ بذلكَ للإيذانِ بأنه أمرٌ هائلٌ وجنايةٌ عظيمةٌ أي ألم يأتكم خبرُ الذينَ كفرُوا من قبلُ فذاقُوا من غيرِ مهلةٍ ما يستتبعُه كفرُهُم في الدُّنيا {وَلَهُمْ} في الآخرةِ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا يُقادرُ قدرُهُ {ذٰلِكَ} أي ما ذُكِرَ من العذابِ الذي ذاقُوه في الدُّنيا وما سيذوقونَهُ في الآخرةِ {بِأَنَّهُ} بسببِ أن الشأنَ {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أي بالمعجزاتِ الظاهرةِ {فَقَالُواْ} عطفٌ على كانتْ {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي قالَ كلُّ قومٍ من المذكورينَ في حقِّ رسولِهِم الذي أتاهُم بالمعجزاتِ منكرينَ لكونِ الرسولِ من جنسِ البشرِ متعجبـينَ من ذلكَ أبشرٌ يهدينَا كما قالتْ ثمودُ {أية : أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ } تفسير : [سورة القمر، الآية 24] وقد أُجملَ في الحكايةِ فأُسنِدَ القولُ إلى جميعِ الأقوامِ وأُريدَ بالبشرِ الجنسُ فوصفَ بالجمعِ كما أُجملَ الخطابُ والأمرُ في قولِهِ تعالَى: { أية : يـٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} تفسير : [سورة المؤمنون، الآية 51] {فَكَفَرُواْ} أي بالرسلِ {وَتَوَلَّواْ} عن التدبرِ فيما أتَوا بهِ من البـيناتِ وعن الإيمانِ بهم {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي أظهرَ استغناءَهُ عن إيمانِهِم وطاعَتِهِم حيثُ أهلكهُم وقطعَ دابرَهُم، ولولا غناهُ تعالَى عنهُما لما فعلَ ذلكَ {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ} عنِ العالمينَ فضلاً عن إيمانِهِم وطاعَتِهِم {حَمِيدٌ} يحمَدُهُ كلُّ مخلوقٍ بلسانِ الحالِ، أو مستحقٌ للحمدِ بذاتِهِ وإنْ لم يحمَدهُ حامدٌ. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} الزعمُ ادعاءُ العلمِ يتعدى إلى مفعولينِ وقد قام مقامَهُما أن المخففةُ معَ مَا في حيزِهَا، والمرادُ بالموصولِ كفارُ مكةَ أي زعمُوا أنَّ الشأنَ لن يبعثُوا بعد موتِهِم أبداً {قُلْ} رداً عليهِم وإبطالاً لزعمِهِم بإثباتِ ما نَفوه {بَلَىٰ} أي تُبعثونَ وقوله: {وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي لتُحاسبُنَّ ولتُجزَوُنَّ بأعمالِكُم، جملةٌ مستقلةٌ داخلةٌ تحتَ الأمرِ واردةٌ لتأكيدِ ما أفادَهُ كلمةُ بَلَى من إثباتِ البعثِ وبـيانِ تحقيقِ أمرٍ آخرَ متفرعٍ عليهِ منوطٍ به ففيهِ تأكيدٌ لتحقيقِ البعثِ بوجهينِ {وَذَلِكَ} أي ما ذُكِرَ من البعثِ والجزاءِ {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} لتحققِ القدرةِ التامةِ وقبولِ المادةِ.
القشيري
تفسير : المراد من ذلك هو الاعتبار بِمَنْ سَلَفَ، ومَنْ لم يعتبِرْ عَثَرَ في مَهْوَاةٍ من الامَلِ، ثم لا يَنْتَعِشُ إلاّ بعد فواتِ الأمرِ من يده. {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم}. شاهدوا الأمر من حيث الخَلْقِ فتَطَوَّحوا في متاهاتِ الإشكالِ المختلفةِ الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلَّصوا من تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود التقدير من اختلاف الأحوال ذات التغيير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يأتكم} أيها الكفرة والالف للاستفهام ولم للجحد ومعناه التحقيق {نبأ الذين كفروا} اى خبر قوم نوح ومن بعدهم من الامم المصرة على الكفر {من قبل} اى قبلكم فيكون متعلقا بكفروا او قبل هذا الوقت او هذا العصيان والمعاداة فيكون ظرفا لألم يأتكم {فذاقوا وبال امرهم} عطف على كفروا والذوق وان كان فى التعارف للقليل لكنه مستصلح للكثير والوبال الثقل والشدة المترتبة على امر من الامور والوبل المطر الثقيل القطار مقابل الطل وهو المطر الخفيف وامرهم كفرهم فهو واحد الامور عبر عنه بذلك للايذان بأنه امر هائل وجناية عظيمة والمعنى فذاقوا فى الدنيا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم من الضرر والعقوبة واحسوه احساس الذآئق المعطوم يعنى بس جشيدن كران بارئ خود ودشوارئ سر انجام خويش وضرر كفر وعقوبت اودردنيا بغرق وريح صرصر وعذاب يوم الظلة وامثال آن. وفى ايراد الذوق رمز الى ان ذلك المذوق العاجل شئ حقير بالنسبة الى ما سيرون من العذاب الآجل ولذلك قال تعالى {ولهم} فى الآخرة {عذاب أليم} اى مؤلم لا يقادر قدره وفيه اخبار بأن ما أصابهم فى الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم والا لم يعذبوا فى الآخرة بخلاف المؤمنين فان ما أصابهم فى الدنيا من الآلام والاوجاع والمصائب كفارة لذنوبهم على ما ورد فى الاخبار الصحيحة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: لكفار مكة {ألم يأتكم نبأُ الذين كفروا من قبلُ}؟ كقوم نوح، ومَن بعدهم من الأمم المُصرَّة على الكفر، {فذاقوا وبالَ أمرهم} أي: شؤم كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبالُ: الثقل والشدة، وأمرهم: كفرهم، عبّر عنه بالأمر إيذاناً بأنه أمر هائلٌ، وجناية عظيمة، و"ذاقوا" عطف على " كفروا" أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما يسْتتبعُهُ كفرهم في الدنيا؟ {ولهم عذابٌ أليم} لا يُقادَر قدره. {ذلك} أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة {بأنه}؛ بسبب أن الشأن {كانت تأتيهم رُسُلهم بالبينات}؛ بالمعجزات الظاهرة، {فقالوا أَبَشَرٌ يهدوننا} أي: قال كلُّ قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر، متعجبين من ذلك {أَبَشرٌ} مِن جنس البشر {يهدوننا}، أنكروا رسالة البشر، ولم ينكروا عبادةَ الحجر، {فكفروا} بالرسل {وتَوَلَّوا} عن التدبُّر فيما أتوا به من البينات، أو: عن الإيمان بهم، {واستغنى اللهُ} أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك، {والله غنيٌّ} عن العالمين، فضلاً عن إيمانهم وطاعتهم، {حميدٌ} يحمده كلُّ مخلوقٍ بلسان الحال والمقال، أو: مستحق للحمد بذاته، وإن لم يحمده حامد. ثم ذكر كفرهم بالبعث، فقال: {زَعَمَ الذين كفروا أن لن يُبعثوا}، الزعم: ادّعاء العلم، فيتعدّى إلى مفعولين، سدّ مسدهما "أن" المخففة، أي: أدّعى أهل مكة أنّ الشأن لن يُبعثوا بعد موتهم، {قل بلى وربي لَتُبعثن}، ردًّا لزعمهم وإبطالاً لِما نفوه مؤكَّداً بالقسم، فإن قلْتَ: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلتُ: هو جائز؛ لأنّ التهديد به أعظم موقعاً في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، {ثم لتُنبَّؤنَّ بما عَمِلتم} أي: لتُحاسبن وتُجزون بأعمالكم، {وذلك} أي: ما ذكر من البعث والحساب {على الله يسيرٌ} هيّن، لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة للإعادة. الإشارة: ألم يأتكم يا معشر المنكِرين على أولياء زمانكم، خبر مَن أنكر قبلكم، ذاقوا وبالَ أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده، مطرودين عن ساحة قربه، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا؛ الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك، ولهم في الآخرة عذاب البُعد والحِجاب، وسبب ذلك: إنكار الخصوصية عند بشر مثلهم، فكفروا به، وتولَّوا عنه، والله غني عنهم، وعن توجههم، وعن جميع الخلق، زعم الذين كفروا؛ ستروا الحق بالخلق، أي: احتجبوا بالخلق عن شهود الحق، أن لن يُبعثوا على معتقدهم، قل: بلى وربي لتُبعثن، كما عشتم محجوبين عن رؤية الحق إلاّ نادراً؛ لأنَّ العبد يموت على ما عاش، ويُبعث على ما مات، من معرفةٍ أو نكران، ثم لتُحاسبن على أعمالكم، لا يغادَر منها صغيرة ولا كبيرة، بخلاف العارفين، لا يُرفع لهم ميزان، ولا يتوجه لهم حساب، حيث فَنوا عن أنفسهم، وبقوا بالله، وهم من السبعين ألفاً. وبالله التوفيق. ولمّا هَدّد على الكفر، أَمَرَ بالإيمان، ورغَّب فيه، فقال: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} ايّها النّاس {نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} فتعتبروا بأحوالهم وترتدعوا عن مثل افعالهم {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} فى الدّنيا فاحذروا عن مثل افعالهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الآخرة.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} يا كفار مكة {نَبَؤُا} خبر {الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} كقوم نوح وهود وصالح {فَذَاقُوا} عطف على كفروا {وَبَالَ أَمْرِهِمْ} عقوبة كفرهم وضرره في الدنيا واصل الوبال الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة والوابل الممطر الثقيل القطار ثم اطلق على ما يكره ويسوء. {وَلَهُمْ} في الاخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} موجع.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أي أيها الكفرة لدلالة ما بعد على تخصيص الخطاب بهم، وظاهر كلام بعض الأجلة أن المراد بهم أهل مكة فكأنه قيل: ألم يأتكم يا أهل مكة {نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم من الأمم المصرة على الكفر {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي ضرر كفرهم في الدنيا من غير مهلة. وأصل الوبال الثقل والشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل للمطر الثقيل القطار، واستعمل للضرر لأنه يثقل على الإنسان ثقلاً معنوياً. وعبر عن كفرهم بالأمر للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة {وَلَهُمْ } في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ } لا يقادر قدره.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من التعريض الرمزي بالوعيد الأخروي في قوله: {أية : والله بما تعملون بصير}تفسير : [التغابن: 2]، إلى قوله: {أية : وإليه المصير}تفسير : [التغابن: 3]، وقوله: {أية : ويعلم ما تسرون وما تعلنون}تفسير : [التغابن: 4]، إلى تعريض أوضح منه بطريق الإِيماء إلى وعيد لعذاب دنيوي وأخروي معاً فإن ما يسمّى في باب الكناية بالإِيمان أقل لوازم من التعريض والرمز فهو أقرب إلى التصريح. وهذا الإِيماء بضرب المَثل بحال أمم تلقوا رسلهم بمثل ما تلقّى به المشركون محمداً صلى الله عليه وسلم تحذيراً لهم من أن يحلّ بهم مثل ما حلّ بأولئك، فالجملة ابتدائية لأنها عَدٌّ لصنف ثانٍ من أصناف كفرهم وهو إنكار الرسالة. فالخطاب لخصوص الفريق الكافر بقرينة قوله: {الذين كفروا من قبل} فهذا الخطاب موجه للمشركين الذين حالهم كحال من لم يبلغهم نبأ الذين كفروا مثلَ كفرهم، مثلُ عاد وثمود ومَدين وقوم إبراهيم. والاستفهام تقريري، والتقريري يؤتى معه بالجملة منفية توسعة على المقرر إن كان يريد الإِنكار حتى إذا أَقرّ لم يستطع بعد إقراره إنكاراً لأنه قد أعذر له من قبل بتلقينه النفي وقد تقدم غير مرة. وحُذف ما أضيف إليه {قبلُ} ونوي معناه، والتقدير: من قبلِكم، أي في الكفر بقرينة قوله: {أية : فمنكم كافرٌ}تفسير : [التغابن: 2]. والكافرون يعلمون أنهم المقصود لأنهم مُقدِمون على الكفر ومستمرون عليه. والوبال: السوء وما يكره. والأمر: الشأن والحال. والذَّوق مجاز في مطلق الإِحساس والوِجدان، شبه ما حلّ بهم من العذاب بشيء ذي طعم كريه يذوقه من حلّ به ويبتلعه لأن الذوق باللسان أشد من اللمس باليد أو بالجلد. والمعنى: أحسوا العذاب في الدنيا إحساساً مكيناً. وقوله: {ولهم عذاب أليم} مراد به عذاب الآخرة لأن العطف يقتضي المغايرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل: أي ألم يأتكم يا كفار قريش خبر الذين كفرو من قبلكم. فذاقوا وبال أمرهم: أي عقوبة كفرهم في الدنيا. ولهم عذاب أليم: أي في الآخرة. ذلك: أي العذاب في الدنيا والآخرة. بأنه كانت تأتيهم رسلهم: أي بسبب أنها كانت تأتيهم رسلهم. بالبينات: أي بالحجج القواطع الدالة على صحة رسالاتهم. فقالوا: أبشر يهدوننا: أي ردوا عليهم ساخرين مكذبين: أبشر يهدوننا؟ فكفروا وتولوا: أي فكفروا برسلهم وتولوا عنهم أي أعرضوا. واستغنى الله: أي عن إيمانهم. والله غني حميد: أي غني عن خلقه محمود بأفعاله وآلائه على خلقه. معنى الآيتين: بعد أن بيَّن تعالى للناس مظاهر ربوبيته المقتضية لعلمه وقدرته وحكمته وعدله ورحمته في الآيات السابقة والموجبة لألوهيته قرر في هاتين الآيتين نبوة ورسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال لكفار مكة {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ} أي خبر {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ}: كقوم عادٍ وثمود وأصحاب مدين، {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي عقوبة كفرهم التي كانت عقوبة ثقيلة شديدة فأهلكوا في الدنيا بعذاب إبادي استئصالي، وفي الآخرة لهم عذاب أليم وبين لهم سبب ذلك الهلاك والعذاب فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج والبراهين على أنهم رسل إليهم، وأنه لا إله إلا الله فلا تصح العبادة لغير الله، فيقابلونهم بالسخرية والإِعراض والاستنكار وهو ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي كيف يكون بشر مثلكم يهدوننا، وبذلك كفروا وتولوا عن الإِيمان والإِسلام. واستغنى الله عن إيمانهم فأهلكهم لما كفروا به وبرسله. ولم يأسفْ أو يَأْسَ عليهم لعدم حاجته إليهم والله غني عنهم وعن سائر خلقه حميد أي محمود بأفعاله الشاهدة بكماله وجلاله وجماله. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- توبيخ من يستحق التوبيخ وتأنيب من يستحق التأنيب. 2- التكذيب للرسل والكفر بتوحيد الله موجب للعقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة. 3- تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباتها لأن شأنه شأن الرسل من قبله.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَبَأُ} (5) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مَغَبَّةِ تَمَادِيهِمْ فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَتَكْذِيبِ رَسُولِ اللهِ، وَيَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إِلَى مَا أَنْزَلَهُ مِنْ عِقَاب بِالكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَلَمْ تَأْتِكُمْ أَخْبَارُ الكَافِرِينَ السَّالِفِينَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ رُسُلُ رَبِّهِمْ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ عِقَابَهُ الأَلِيمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقَهُ بِالطُّوفَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكَتْهُ الرِّيحُ العَقِيمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ صَيْحَةُ العَذَابِ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ عِقَاباً أَلِيماً لَهُمْ، فِي الدُّنْيَا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَسَيَكُونُ لَهُمْ عَذَابٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ فِي الآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَبَالَ أَمْرِهِمْ - سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى من أوصافه الكاملة العظيمة، ما به يعرف ويعبد، ويبذل الجهد في مرضاته، وتجتنب مساخطه، أخبر بما فعل بالأمم السابقين، والقرون الماضين، الذين لم تزل أنباؤهم يتحدث بها المتأخرون، ويخبر بها الصادقون، وأنهم حين جاءتهم الرسل بالحق، كذبوهم وعاندوهم، فأذاقهم الله وبال أمرهم في الدنيا، وأخزاهم فيها، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في [الدار] الآخرة، ولهذا ذكر السبب في هذه العقوبة فقال: { ذَلِكَ } النكال والوبال، الذي أحللناه بهم { بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالآيات الواضحات، الدالة على الحق والباطل، فاشمأزوا، واستكبروا على رسلهم، { فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أي: فليس لهم فضل علينا، ولأي: شيء خصهم الله دوننا، كما قال في الآية الأخرى: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : فهم حجروا فضل الله ومنته على أنبيائه أن يكونوا رسلا للخلق، واستكبروا عن الانقياد لهم، فابتلوا بعبادة الأحجار والأشجار ونحوها { فَكَفَرُوا } بالله { وَتَوَلَّوْا } عن طاعة الله، { وَاسْتَغْنَى اللَّهُ } عنهم، فلا يبالي بهم، ولا يضره ضلالهم شيئًا، { وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي: هو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):