Verse. 5205 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

ذٰلِكَ بِاَنَّہٗ كَانَتْ تَّاْتِيْہِمْ رُسُلُہُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَقَالُوْۗا اَبَشَرٌ يَّہْدُوْنَنَا۝۰ۡفَكَفَرُوْا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اؙ۝۰ۭ وَاللہُ غَنِيٌّ حَمِيْدٌ۝۶
Thalika biannahu kanat tateehim rusuluhum bialbayyinati faqaloo abasharun yahdoonana fakafaroo watawallaw waistaghna Allahu waAllahu ghaniyyun hameedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» أي عذاب الدنيا «بأنه» ضمير الشأن «كانت تأتيهم رسلهم بالبينات» الحجج الظاهرات على الإيمان «فقالوا أبَشَرٌ» أريد به الجنس «يهدوننا فكفروا وتولوْا» عن الإيمان «واستغنى الله» عن إيمانهم «والله غني» عن خلقه «حميد» محمود في أفعاله.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ} أي هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم {بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالدلائل الواضحة. {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وارتفع «أَبَشَرٌ» على الابتداء. وقيل: بإضمار فعل، والجمع على معنى بشر؛ ولهذا قال: «يَهْدُونَنَا» ولم يقل يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس؛ وواحده إنسان لا واحد له من لفظه. وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد؛ نحو قوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف:30]. {فَكَفَرُواْ} أي بهذا القول؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده. وقيل: كفروا بالرسل وتولّوا عن البرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} أي بسلطانه عن طاعة عباده؛ قاله مقاتل. وقيل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي عذاب الدنيا {بِأَنَّهُ } ضمير الشأن {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ } الحجج الظاهرات على الإِيمان {فَقَالُواْ أَبَشَرٌ } أريد به الجنس {يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ } عن الإِيمان {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } عن إيمانهم {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن خلقه {حَمِيدٌ } محمود في أفعاله.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَبَشَرٌ} استحقروا البشر أن يكونوا رسلاً لله إلى أمثالهم والبشر والإنسان واحد فالبشر من ظهور البشرة والإنسان من الأنس أو من النسيان. {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} عن الإيمان {وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ} بسلطانه عن طاعة عباده أو بما أظهر لهم من البرهان عن زيادة تدعوهم إلى الرشد {غَنِىٌّ} عن أعمالكم أو صدقاتكم {حَمِيدٌ} مستحمد إلى خلقه بإنعامه عليهم أو مستحق لحمدهم.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر ما أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في خرقه العوائد بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم، علله بقوله: {ذلك} أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود غافر من تصنيف الناس صنفين، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال: {بأنه} أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ في الفظاعة {كانت تأتيهم} على عادة مستمرة {رسلهم} أي رسل الله الذين أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم {بالبينات} أي الأمور التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها، فشهدوا الأمر من معدنه، فلذلك كان عذابهم أشد. ولما كان سبحانه وتعالى قد أودع الإنسان من جملة ما منحه به خاصة لطيفة وهي العزة وحب الكبر والعلو، فمن وضعها موضعها بالتكبر على من أمر الله بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن عصاه سبحانه نجا، ومن وضعها في غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب العزة هلك، بين تعالى أن الكفار وضعوها في غير موضعها: {فقالوا} أي الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً: {أبشر} أي هذا الجنس وهو مرفوع على الفاعلية لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولما كان تكذيب الجمع أعظم، وكان لو أفرد الضمير لم يكن له روعة الجمع قال: {يهدوننا} فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم {فكفروا} بذلك عقب مجيء الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر وأدنى تأمل وتبصر حسداً للرسل لكونهم مساوين لهم في البشرية فاستبعدوا أن يخصوا من بينهم بأمر ولا سيما إن كان عظيماً جداً، فلزمهم ارتكاب أقبح الأمور وهو استبعاد أن يكون النبي بشراً مع الإقرار بأن يكون الإله حجراً {وتولوا} أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن الرسل بعد إنكار رسالتهم لشبهة قامت عندهم، وذلك أنهم قالوا: إن الله عظيم لا يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر، ولو تأملوا حق التأمل لعلموا أن هذا هكذا، وأن الرسل إنما هي ملائكة، لكن لما كان لا يقوى جميع البشر على رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظمة التي توهموها ولم يثبتوها على وجهها، خص سبحانه من البشر ناساً وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوى زائدة طوقهم بها على معالجتهم، فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله وبين خلقه لأن بعض الجنس أميل إلى بعض وأقبل. ولما كان هذا كله إنما هو لمصالح الخلق لا يعود على الله سبحانه وتعالى وعز شأنه نفع من وجوده ولا يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس، نبه على ذلك بقوله {واستغنى الله} أي فعل الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجاداً عظيماً ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم حين أعرضوا عن رسله فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا أنفسهم وأطلق الاستغناء ليعم كل شيء. ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له، نفى ذلك بقوله مظهراً زيادة في العظمة: {والله} أي المستجمع لصفات الكمال من غير تقيد بحيثية {غني} عن الخلق جميعاً {حميد *} له صفة الغنى المطلق والحمد الأبلغ الذي هو الإحاطة بجميع أوصاف الكمال على الدوام أزلاً وأبداً، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر خيره وشره، وقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل، عين الموجب الأعظم لكفرهم بقوله دالاً على وجوب الإيمان بالعبث وترك القياس والرأي فإن عقل الإنسان لا يستقل ببعض أمور الإلهية، معبراً بما أكثر إطلاقه على ما يشك فيه ويطلق على الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا جازمين، لكونهم لا دليل لهم، وإلى أنهم في نفس الأمر مبطلون: {زعم} قال ابن عمر رضي الله عنهما: هي كنية الكذب، وفي حديث أبي مسعود رضي الله عنه عند أبي داود:"حديث : بئس مطية الرجل زعموا"تفسير : {الذين كفروا} أي أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى ولو على أدنى الوجوه. ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان مما يتعدى إلى مفعولين، أقام سبحانه مقامهما قوله: {أن لن يبعثوا} أي من باعث ما بوجه من الوجوه. ولما كان قد أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على وجود المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجب البعث، اكتفى في الأمر بإجابتهم بقوله: {قل} أي لهم: {بلى} أي لتبعثن، ثم أكده بصريح القسم فقال: {وربى} أي المحسن إليّ بالانتقام ممن كذب بي، وبإحقاق كل حق أميت، وإبطال كل باطل أقيم {لتبعثن} مشيراً ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على وجه القهر لهم بأهون شيء وأيسر أمر وكذلك قوله: {ثم لتنبؤن} أي لتخبرن حتماً إخباراً عظيماً ممن يقيمه الله لإخباركم {بما عملتم} للدينونة عليه. وشرح بعض ما أفاده بناء الفعلين للمجهول بقوله: {وذٰلك} أي الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب {على الله} أي المحيط بصفات الكمال وحده {يسير *} لقبول المادة وحصول القدرة، وكون قدرته سبحانه كذلك شأنها، نسبة الأشياء الممكنة كلها جليلها وحقيرها إليها على حد سواء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى ما ذكر من العذاب الذى ذاقوه فى الدنيا وما سيذوقونه فى الآخرة {بأنه} اى بسبب ان الشان {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} اى بالمعجزات الظاهرة والباء اما للملابسة او للتعدية {فقالوا} عطف على كانت {ابشر} آيا آدميان مثل ما {يهدوننا} راه نمايند مارا. اى قال كل قوم من المذكورين فى حق رسولهم الذى اتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك ابشر وآدمى مثلنا يهدينا ويرشدنا الى الدين او الى الله والتقرب منه كما قالت ثمود ابشرا منا واحدا نتبعه انكروا أن يكون الرسول بشرا ولم ينكروا أن يكون المعبود حجرا وقد أجمل فى الحكاية فأسند القول الى جميع الاقوام وأريد بالبشر الجنس فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب والامر فى قوله تعالى {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}تفسير : وارتفاع بشر على انه فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده فيكون من باب الاشتغال وهو اولى من جعله مبتدأ وما بعده خبرا لان اداة الاستفهام تطلب الفعل ظاهرا او مضمرا قال القاشانى لما حجبوا بصفات نفوسهم عن النور الذى هو به يفضل عليهم بما لا يقاس ولم يجدوا منه الا البشرية انكروا هدايته فان كان كل عارف لا يعرف معروفه الا بالمعنى الذى فيه فلا يوجد النور الكمالى الا بالنور الفطرى ولا يعرف الكمال الا الكامل ولهذا قيل لا يعرف الله غير الله وكل طالب وجد مطلوبه بوجه ما والا لما امكنه التوجه نحوه وكذا كل مصدق بشئ فانه واحد للمعنى المصدق به بما فى نفسه من ذلك المعنى فلما لم يكن فيهم شئ من النور الفطرى اصلا لم يعرفوا منه الكمال فأنكروه ولم يعرفوا من الحق شيأ ولم يحدث فيهم طلب حتى يحتاجوا الى الهداية فأنكروا الهداية وقال بعضهم العارفين معرفة مقام الاولياء أصعب من الممكن من معرفة الله تعالى لان الله تعالى معروف بكماله وجماله وجلاله وقهره بخلاف الولى الكامل فانه ملآن من شهود الضعف يأكل ويشرب ويبول مثل غيره من الخلق ولا كرامة له تظهر الا بأن يناجى ربه وانى للخلق معرفة مقامه و والله لو كشف للخلق عن حقيقة الولى لعبد كما عبد عيسى عليه السلام ولو كشف لهم عن مشرقات نوره لانطوى نور الشمس والقمر من مشرقات نور قلبه ولكن فى ستر الحق تعالى لمقام الولى حكم واسرار وأدنى ما فى الستر أن لا يتعرض احد لمحاربة الله تعالى اذا آذاهم بعد أن عرفهم انهم اولياء الله فكان ستر مقامهم عن الخلق رحمة بالخلق وفتحا لباب اعتذار من آذاهم من غالب الخلق فان الاذى لم يزل من الخلق لهم فى كل عصر لجهلهم بمقامهم {فكفروا} اى بالرسل بسبب هذا القول لانهم قالوه استصغارا لهم ولم يعلموا الحكمة فى اختيار كون الرسل بشرا{وتولوا} عن التدبير فيما اتوا به من البينات وعن الايمان بهم{واستغنى الله} اى اظهر استغناءه عن ايمانهم وطاعتهم حيث اهلكهم وقطع دابرهم ولوا غناه تعالى عنهما لما فعل ذلك وقال سعدى المفتى هو حال بتقدير قد وهو بمعنى غنى الثلاثى والمراد كمال الغنى اذا لطلب يلزمه الكمال {والله غنى} عن العالمين فضلا عن ايمانهم وطاعتهم {حميد} يحمده كل مخلوق بلسان الحال ويدل على اتصافه بالصفات الكمالية او يحمده اولياؤه وان امتنع اعداؤه والحمد هو ذكر اوصاف الكمال من حيث هو كمال ومن عرف انه الحميد فى ذاته وصفاته وافعاله شغله ذكره والثناء عليه فان العبد وان كثرت محامده من عقائده واخلاقه وافعاله واقواله فلا يخلو عن مذمة ونقص الا النبى عليه السلام فانه محمد واحمد ومحمود من كل وجه وله المحمدة والكمال وفى الاربعين الادريسية يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه قال السهروردى رحمه الله من داومه يحصل له من الاموال مالا يمكن ضبطه.

الطوسي

تفسير : قرأ رويس عن يعقوب {نجمعكم} بالنون على الاخبار من الله عن نفسه. الباقون بالياء على تقدير يوم يجمعكم الله. {أبشر} لفظه لفظ الواحد والمراد به الجمع بدلالة قوله {يهدوننا} لأنه على طريق الجنس الذي لا يجمع ولا يثنى. لما قرر الله تعالى خلقه بأنهم جاءهم اخبار من مضى من الكفار وأن الله تعالى أهلكهم بكفرهم، بين لم أهلكهم فقال {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم} أي تجيئهم رسلهم من الله بالحجج الواضحات {فقالوا} لهم {أبشر يهدوننا} وقد بينا أن لفظ {بشر} واحد والمراد به الجمع، ومعناه أخلق مثلنا يهدوننا إلى الحق؟! متعجبين من ذلك مستهزئين به {فكفروا} بالله وجحدوا رسله {وتولوا} أي اعرضوا عن القبول منهم {واستغنى الله} ومعناه أن الله لم يدعهم الى عبادته لحاجته اليهم، لأن الله تعالى غني عنهم وعن غيرهم، وإنما دعاهم لما يعود عليهم بالنفع حسب ما تقتضيه حكمته فى تدبيرهم {والله غني} عن جميع خلقه {حميد} على جميع افعاله لانها كلها إحسان. وقيل {حميد} يدل على أنه يجب على عباده أن يحمدوه. ثم حكى ما يقول الكفار فقال {زعم الذين كفروا بالله} وجحدوا رسله فقال المؤرج: {زعم} معناه كذب فى لغة حمير. وقال شريح {زعم} كنية الكذب والحدة كنية الجهل {أن لن يبعثوا} أي لا يحشرهم الله فى المستقبل للحساب والجزاء فـ {قل} لهم يا محمد صلى الله عليه وآله {بلى وربي} أي وحق ربي، على وجه القسم {لتبعثن} أي لتحشرن {ثم لتنبؤن} أي لتخبرن {بما عملتم} من طاعة ومعصية {وذلك على الله يسير} سهل لا يتعذر عليه ذلك، وإن كثروا وعظموا فهو كالقليل الذي لا يشق على من يأخذه لخفة أمره، ومثله قوله {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كَنفس واحدة}تفسير : واصله من تيسير الشيء بمروره على سهولة. ثم قال {فآمنوا بالله} معاشر العقلاء {ورسوله} أي وآمنوا برسوله {النور الذي أنزلنا} يعني القرآن، سماه نوراً لما فيه من الادلة والحجج الموصلة الى الحق فشبهه بالنور الذي يهتدى به على الطريق {والله بما تعملون خبير} أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه خافية منها. وقوله {يوم يجمعكم} تقديره واذكروا يوم يجمعكم {ليوم الجمع} وهو يوم القيامة. وقوله {ذلك يوم التغابن} والتغابن هو التفاوت فى اخذ الشيء بدون القيمة، والذين اخذوا الدنيا بالاخرة بهذه الصفة فى أنهم اخذوا الشيء بدون القبمة، فقد غبنوا أنفسهم بأخذ النعيم المنقطع بالدائم واغبنهم الذين اشتروا الآخرة بترك الدنيا المنقطع اليها من هؤلاء الذين تغابنوا عليها، وقال مجاهد وقتادة: يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار. ثم قال {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً} أي من يصدق بالله ويعترف بوحدانيته وإخلاص العبادة له ويقرّ بنبوة نبيه ويضيف إلى ذلك افعال الطاعات {يكفر عنه سيئآته} أي يكفر عنه سيئاته التي هي دونها، ويتفضل عليه باسقاط عقاب ما دونها من المعاصي {ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} يعني بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار {خالدين فيها} أي مؤبدين لا يفنى ما هم فيه من النعيم أبداً {ذلك الفوز العظيم} أي النجاح الذي ليس وراءه شيء من عظمه. ثم قال {والذين كفروا} بالله وجحدوا وحدانيته وأنكروا نبوّة نبيه وكذبوا بمعجزاته التي هي آيات الله {أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} أي بئس المآل والمرجع. وقرأ (نكفر، وندخله) بالنون أهل المدينة واهل الشام على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء على تقدير يكفر الله عنهم ويدخلهم.

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} كما جاءكم رسولكم بالبيّنات {فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} مثل ما تقولون لو شاء الله ان يرسل رسولا لأنزل ملائكة {فَكَفَرُواْ} بالرّسل مثلكم {وَتَوَلَّواْ} عنهم وعن بيّناتهم وعن التّدبّر فيها {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} عنهم يعنى استغنى الله فى مظاهر رسلهم (ع) بمعنى استغنى الرّسل عنهم وعن الاعتداد بهم فلم يكن من قبلهم استعداد لقبول الايمان ولم يكن من قبل الرّسل دعوةٌ لهم {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} عنهم وعن عبادتهم وعن ايمانهم {حَمِيدٌ} فى نفسه عرف ام لم يعرف، حمد ام لم يحمد.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي: إنكاراً لذلك، وهو مثل قولهم: (أية : أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً) تفسير : [الإِسراء:94] أي: لم يفعل. قال: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} أي: عن طاعة الله. قال: {وَّاسْتَغْنَى اللهُ} أي: عنهم {وَاللهُ غَنِيٌّ} عن خلقه {حَمِيدٌ} أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه. قوله عز وجل: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُّبْعَثُواْ قُلْ} يا محمد {بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} أي: يوم القيامة {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} أي يوم القيامة، يجتمع فيه الخلائق أهل السماوات وأهل الأرض، وهو تبع للكلام الأول ليبعثنكم يوم يجمعنكم ليوم الجمع {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} أي: يتغابنون في المنازل عند الله، فريق في الجنة، وفريق في السعير. أي غبن أهل الجنة أهلَ النار. قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون أبداً {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: النجاة العظيمة من الجنة إلى النار.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} أي الوابل أو ذوقه كذا قيل والظاهر ان المراد ذلك المذكور من العذاب في الدنيا والعذاب في الاخرة {بِأَنَّهُ} بسبب ان الشأن {كَانَت تَّأتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} الحجج الظاهرة على الايمان {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} مبتدأ وخبر والبشر يطلق على الجمع كما يطلق على الواحد فلا حاجة إلى ان تقول مفردا استعمل في الجنس والاولى ان يكون بشر فاعلا لمحذوف أي يهدينا بشر ذل عليه المذكور وذلك ان الهمزة يشتد اشتياقها للفعل اذا كان يجنبها قاله ابن هشام انكروا ان تكون الرسل بشرا لم ينكروا ان يكون الاله حجرا. {فَكَفَرُوا} بالرسل {وَتَوَلَّوا} عن الايمان والتدبير بالبينات {وَّاسْتَغْنَى اللهُ} عن كل شيء طاعتهم وايمانهم وغير ذلك كابدال عليه حذف المعمول والواو لعطف قصة على اخرى أو للحال اللازمة ومن منع دخولها على الماضي المتصرف المجرد قدر قد أو المبتدأ أي والاشياء استغنى أو عنها أو اراد تولوا وظهر استغناءه حيث لم يلجهم الى الايمان مع قدرته على الالجاء. {وَاللهُ غَنِىٌّ} عن خلقه وهذا تأكيد في المعنى لقوله استغنى أو اراد استغنى الله عن هؤلاء والله غني عن خلقه أو بعكس ذلك {حَمِيدٌ} محمود في كل افعاله يدل على حمده كل مخلوق وقيل أي استحمده الى خلقه أي استوجب عليهم ان يحمدوه.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في الآخرة {بِأَنَّهُ } أي بسبب أن الشأن. {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات الظاهرة {فَقَالُواْ } عطف على {كَانَتْ } {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أي قال كل قوم من أولئك الأقوام الذين كفروا في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر، أو متعجبين من ذلك أبشر يهدينا كما قالت ثمود: { أية : أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ } تفسير : [القمر: 24]، وقد أجمل في الحكاية فأسند القول إلى جميع الأقوام، وأريد بالبشر الجنس، فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب، والأمر في قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } تفسير : [المؤمنون: 51] وارتفاع {بُشّرٌ} على الابتداء، وجملة {يَهْدُونَنَا } هو الخبر عند الحوفي وابن عطية، والأحسن أن يكون مرفوعاً على الفاعلية بفعل محذوف يفسره المذكور لأن همزة الاستفهام أميل إلى الفعل والمادة من باب الاشتغال. {فَكَفَرُواْ } بالرسل عليهم السلام {وَتَوَلَّواْ } عن التأمل فيما أتوا به من البينات؛ وعن الإيمان بهم {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أي أظهر سبحانه غناه عن إيمانهم وعن طاعتهم حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا غناه عز وجل عنهما لما فعل ذلك. والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: في موضع الحال على أن المعنى: فكفروا وتولوا وقد استغنى الله تعالى عن كل شيء، والأول هو الوجه. {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ } عن العالمين فضلاً عن إيمانهم وطاعتهم {حَمِيدٌ } يحمده كل مخلوق بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال، أو مستحق جل شأنه للحمد بذاته وإن لم يحمده سبحانه حامد.

ابن عاشور

تفسير : ارتقاء في التعريض إلى ضرب منه قريببٍ من الصريح. وهو المسمى في الكناية بالإِشارة. كانت مقالةُ الذين من قبلُ مماثلة لمقالة المخاطبين فإذا كانت هي سبب ما ذاقوه من الوبال فيوشك أن يذوق مماثلوهم في المقالة مثل ذلك الوبال. فاسم الإِشارة عائد إلى المذكور من الوبال والعذاب الأليم. فهذا عَدّ لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بيِّنة من البيّنات لأنه معجزة. والباء للسببية فالجملة في موقع العلة. والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ما يفسر الضمير، وهو جملة {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} إلى آخرها. والاستفهام في {أبشر} استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون بشر مثلهم يهدون بشراً أمثالهم، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس البشرية ومن يصطفيه الله منها، ويخلقه مضطلعاً بتبليغ رسالته إلى عباده. كما قال: {أية : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7] وجهلوا أنه لا يصلح لإِرشاد الناس إلا مَن هو من نوعهم قال تعالى: {أية : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً}تفسير : [الإسراء: 95] ولمَّا أحالوا أن يكون البشر أهلاً لهداية بشر مثله جعلوا ذلك كافياً في إعراضهم عن قبول القرآن والتدبر فيه. والبشر: اسم جنس للإِنسان يصدق على الواحد كما في قوله تعالى: {أية : قل إنما أنا بشر مثلكم}تفسير : [الكهف: 110] ويقال على الجمع كما هنا. وتقدم في قوله: {أية : وقُلْنَ حاش لله ما هذا بشراً }تفسير : في سورة [يوسف: 31] وفي سورة [مريم: 17] عند قوله: {أية : فتمثل لها بشراً سوياً}.تفسير : وتنكير {بشر} للنوعية لأن محط الإِنكار على كونهم يَهدونهم، هو نوعُ البشرية. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوّي حكم الإِنكار، وما قالوا ذلك حتى اعتقدوه فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم إذ قد اعتقدوا استحالة إرسال الله إياهم فجزموا بكذبهم في دعوى الرسالة فلذلك فرع عليه {فكَفروا وتولوا}. والتولي أصله: الانصراف عن المكان الذي أنت فيه، وهو هنا مستعار للإِعراض عن قبول دعوة رسلهم، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ثم توليتم من بعد ذلك }تفسير : في سورة [البقرة: 64]. {واستغنى} غَنِيَ فالسين والتاء للمبالغة كقوله: {أية : أما من استغنى}تفسير : [عبس: 5]. والمعنى: غَنِي الله عن إيمانهم قال تعالى: {أية : إن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم}تفسير : [الزمر: 7]. والواو واو الحال، أي والحال أن الله غني عنهم من زمن مضى فإن غنى الله عن إيمانهم مقرر في الأزل. ويجوز أن يراد: واستغنى الله عن إعادة دعوتهم لأن فيما أظهر لهم من البينات على أيدي رسلهم ما هو كاف لحصول التصديق بدعوة رسلهم لولا المكابرة فلذلك عجّل لهم بالعذاب. وعلى الوجهين فمتعلق {استغنى} محذوف دل عليه قوله: {فكفروا} وقوله: {بالبينات} والتقدير: واستغنى الله عن إيمانهم. وجملة {والله غني حميد} تذييل، أي غني عن كل شيء فيما طلب منهم، حميد لمن امتثل وشكر.

الشنقيطي

تفسير : فيه استنكار الكفار أن يكون من يهديهم بشراً لا ملكاً، كما قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94]، وقوله تعالى: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ}تفسير : [القمر: 24]. قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في مذكرة الدراسة: فشبهتهم هذه الباطلة ردها الله في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً}تفسير : [يوسف: 109]. أي لا ملائكة وقوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ}تفسير : [الفرقان: 20] الآية. قوله تعالى: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97] إلى قوله {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 97].

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (6) - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ العَذَابِ وَالدَّمَارِ لأَِنَّهُمْ كَانَتْ رُسُلُهُمْ تَأْتِيهِمْ بِالحُجَجِ والدَّلاَلاَتِ الوَاضِحَةِ المُبَيِّنَةِ، وَبِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَةِ، فَكَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رِسَالَتَهُ إِلَى النَّاسِ فِي أُنَاسٍ مِنَ البَشَرِ، لاَ مِيزَةَ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلاَ فَضْلَ. وَقَدْ حَمَلَهُمْ هَذَا الاعْتِقَادُ عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ وَتَوَلَّوْا عَنْ طَرِيقِ الهُدَى فأَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً، وَقَطَعَ دَابِرَهُمْ، وَاسْتَغْنَى عَنْ إِيْمَانِهِمْ، وَهُوَ الغَنِيُّ عَنِ المَخْلُوقَاتِ جَمِيعاً، وَهُوَ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ عَلَى مَا أنْعَمَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الوَفِيرَةِ التِي لاَ تُحْصَى. تَوَلَّوا - أَعْرَضُوا عَنِ الإِيْمَانِ بِالرُّسُلِ.

الجيلاني

تفسير : {ذَلِكَ} الويل والوبال عليهم في النشأة الأولى والأخرى {بِأَنَّهُ} أي: بسبب أن النشأة الأولى والأمر فيما بينهم هكذا {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم} من عند الله مؤيَّدين {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات، والمعجزات الباهرات {فَقَالُوۤاْ} بعدما عجزوا عن معارضة معجزاتهم الساطعة، وحججهم القاطعة على سبيل التعدب والإنكار: {أَبَشَرٌ} مثلنا {يَهْدُونَنَا}؟! كلا وحاشا أن يكون البشر هادين للبشر، وبالجملة: {فَكَفَرُواْ} بالرسل والمرسِل، والمرسَل به جميعاً {وَتَوَلَّواْ} عن التدبر والتفكر في الحجج والبينات {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} عن كل شيء فضلاً عن هدايتهم وطاعتهم {وَٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {غَنِيٌّ} في ذاته طلق مظاهره ومصنوعاتهخ، فكيف عن إيمانهم وعبادتهم؟! {حَمِيدٌ} [التغابن: 6] حسب أوصافه وأسمائه، مستغن عن حمد الحامدين. ومن كمال جهلهم بالله، وإصرارهم على إنكار قدرة الله على عموم المقدورات: {زَعَمَ} بل ادَّعى العلم المسرفون المعاندون {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله، وأنكروا قدرته على البعث والنشور {أَن لَّن يُبْعَثُواْ} من قبورهم، ولن يُحشروا إلى المحشر؛ للحساب والجزاء، وأصرّوا على هذا الزعم الفاسد، والجهل الظاهر، واعتقدوه حقاً، وخيلوه صدقاً مكابرةً وعناداً. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في إنكار البعث: {بَلَىٰ} تبعثون أيها المنكرون الجاحدون {وَ} حق {رَبِّي} الذي ربَّاني قابلاً لوحيه وإلهامه، ومهبطاً لعموم أحكامه المنزلة من عنده {لَتُبْعَثُنَّ} ألبتة {ثُمَّ} بعد البعث والحشر {لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي: جميع ما اقترفتم في النشأة الأولى، ولتحاسبن عليها، وتجازُنّ بمقتضاه، بحيث لا يشذ شيء منها {وَذَلِكَ} التفصيل والإحصاء {عَلَى ٱللَّهِ} العليم البصير {يَسِيرٌ} [التغابن: 7] وإن كان عندكم مشكل عسير. وبعدما سمعتم من كمال قدرة الله، وإحاطة علمه وخبرته {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} المستخلف منه {وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} معه تأييداً له، وتبيناً لدينه؛ يعني: القرآن الفارق بين الحق والباطل {وَٱللَّهُ} المطلع على ما في استعداداتكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} بمقتى القرآن، وتمتثلون بأوامره ونواهيه، وبما تذبون عنه وتعرضون منكرين لما فيه من الأوامر والنواهي، والعبر والأحكام، والمعارف والحقائق، والرموز والإشارات {خَبِيرٌ} [التغابن: 8] يجازيكم على مقتضى خبرته. اذكروا أيها المكلفون {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} الله {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} والحشر؛ لأجل الحساب والجزاء؛ إذ يجتمع فيه الملائكة والثقلان {ذَلِكَ} اليوم {يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} أي: يوم ظهور التغابن والغرور الواقع في نشأة الاختبار الابتلاء {وَ} بالجملة: {مَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} ويقر بوحدانيته سبحانه {وَيَعْمَلْ} عملاً {صَالِحاً} ليزيد به الإيمان؛ حتى يصير علمه عياناً، وعيانه حقاً وبياناً {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} ويمحوها عن صحيفة أعماله {وَيُدْخِلْهُ} بمقتضى فضله ولطفه {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} المملوءة بمياه المعارف والحقائق المترشحة عن بحر الحياة الأزلي الأبدي، لا يتحولون من التلذذ بها والتحقق دونها، بل يصيرون {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ} التفكير والإدخال لأرباب العناية والإفضال {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التغابن: 9] واللطف الجسيم، وبالجملة: لا فوز أعظم منه وأكمل.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} [التغابن: 6]، يعني: اللطائف المرسلة المنذرة والمبشرة، أتوا إلى القوى القالبية والنفسية بالآيات الأنفسية البينة؛ {فَقَالُوۤاْ} [التغابن: 6]، يعني: القوى القالبية والنفسية {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: 6]، يعني: هذه اللطائف أيضاً من أصل عنصرنا يهدوننا؛ {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} [التغابن: 6]، أي: أعرضوا عن اللطائف المرسلة، {وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} [التغابن: 6]، عن إقبالهم على اللطائف المرسلة، وإيمانهم بما جاءوا؛ لأن الله خلقهم مظاهر صفات لطفه وقهره، من أعرض صار مظهراً لقهره، ومن أقبل صار مظهراً للطيفة اللطيفة، والله مستغني عنهم؛ ولكنهم متأملون إذا صاروا مظاهر قهره، متنعمون إذا صاروا مظاهر لطفه؛ لوجدانهم الألم المقيم والعذاب الدائم الأليم، ووجدانهم لذة السرور والحضور في دار النعيم؛ فلأجل هذا غير مستغنين عن أن يؤمنوا ليتخلصوا من العذاب ويستسعدوا بللذّات {وَٱللَّهُ غَنِيٌّ} [التغابن: 6]، يعني: عن إيمان المؤمن والكافر، {حَمِيدٌ} [التغابن: 6]، في أفعاله لإتمام المظاهر. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} [التغابن: 7]، من قبور القالب {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7]، قل يا أيتها اللطيفة الحقية: بلى وحق ربي لتبعثن من قبور القالب {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ} [التغابن: 7]، أي: لتجزن {بِمَا عَمِلْتُمْ} [التغابن: 7]، في دار الكسب باستعداد القوى السفلية والعلوية {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7]، يعني: بعثكم وحسابكم بعد خلقكم أهون من خلقكم قبل وجودكم. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} [التغابن: 8]، يعني: أيتها القوى القالبية والنفسية آمنوا بالذي خلقكم وصوركم في أحسن صورة، وباللطيفة المرسلة إليكم وبالنور الوارد الذي أنزلنا عليها {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]، من النقير والقمطير.