Verse. 5206 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

زَعَمَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اَنْ لَّنْ يُّبْعَثُوْا۝۰ۭ قُلْ بَلٰى وَرَبِّيْ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُـنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ۝۰ۭ وَذٰلِكَ عَلَي اللہِ يَسِيْرٌ۝۷
ZaAAama allatheena kafaroo an lan yubAAathoo qul bala warabbee latubAAathunna thumma latunabbaonna bima AAamiltum wathalika AAala Allahi yaseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«زعم الذين كفروا أن» مخففة واسمها محذوف، أي أنهم «لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير».

7

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ} أي ظنُّوا. والزَّعْمُ هو القول بالظن. وقال شُريح: لكل شيء كُنْية وكُنْيَةُ الكذب زعموا. قيل: نزلت في العاص بن وائل السَّهْمِيّ مع خَبّاب؛ حسب ما تقدم بيانه في آخر سورة «مريم»، ثم عَمّت كل كافر. {قُلْ} يا محمد {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} أي لتخرجن من قبوركم أحياء. {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ} لتخبرن. {بِمَا عَمِلْتُمْ} أي بأعمالكم. {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} إذ الإعادة أسهل من الابتداء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار والمشركين والملحدين: أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون {قُلْ بَلَىٰ وَرَبَّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي لتخبرن بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي بعثكم ومجازاتكم. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه عز وجل على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [يونس: 53] والثانية في سورة سبأ: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} تفسير : الآية [سبأ: 3]. والثالثة هي هذه: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. ثم قال تعالى: {فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} يعني: القرآن {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر؛ كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103] وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلأَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الواقعة: 50]. وقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: { وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَـٰتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن } مخففة واسمها محذوف، أي أنهم {لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ } الزعم: هو القول بالظنّ، ويطلق على الكذب. قال شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا، و{أَن لَّن يُبْعَثُواْ } قائم مقام مفعول زعم، و"أن" هي المخففة من الثقيلة لا المصدرية لئلا يدخل ناصب على ناصب، والمراد بالكفار: كفار العرب؛ والمعنى: زعم كفار العرب أن الشأن لن يبعثوا أبداً. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يردّ عليهم ويبطل زعمهم فقال: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ } بل هي التي لإيجاب النفي، فالمعنى: بلى تبعثون. ثم أقسم على ذلك، وجواب القسم: {لتبعثنّ} أي: لتخرجنّ من قبوركم، {لتنبؤن بِمَا عَمِلْتُمْ } أي: لتخبرنّ بذلك إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به {َذَلِكَ } البعث والجزاء {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } إذ الإعادة أيسر من الابتداء {فآمنوا بالله ورسوله} الفاء هي الفصيحة الدالة على شرط مقدّر أي: إذا كان الأمر هكذا، فصدّقوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلنّورِ ٱلَّذِى أَنزَلْنَا } وهو القرآن؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } العامل في الظرف: {لتنبؤن}، قاله النحاس. وقال غيره: العامل فيه خبير، وقيل: العامل فيه محذوف هو اذكر. وقال أبو البقاء: العامل فيه ما دلّ عليه الكلام، أي: تتفاوتون يوم يجمعكم. قرأ الجمهور: {يجمعكم} بفتح الياء وضم العين، وروي عن أبي عمرو إسكانها، ولا وجه لذلك إلاّ التخفيف، وإن لم يكن هذا موضعاً له، كما قرىء في {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ }تفسير : [الأنعام: 109] بسكون الراء، وكقول الشاعر:شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : بإسكان باء أشرب، وقرأ زيد بن عليّ، والشعبي، ويعقوب، ونصر، وابن أبي إسحاق، والجحدري: (نجمعكم) بالنون، ومعنى {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ }: ليوم القيامة، فإنه يجمع فيه أهل المحشر للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبيّ وأمته، وبين كل مظلوم وظالمه {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } يعني: أن يوم القيامة هو يوم التغابن، وذلك أنه يغبن فيه بعض أهل المحشر بعضاً، فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر، وأهل الطاعة أهل المعصية، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار عند دخول هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، فنزلوا منازلهم التي كانوا سينزلونها لو لم يفعلوا ما يوجب النار، فكأن أهل النار استبدلوا الخير بالشرّ، والجيد بالرديء، والنعيم بالعذاب، وأهل الجنة على العكس من ذلك. يقال: غبنت فلاناً إذا بايعته، أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة، كذا قال المفسرون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً نكْفُر عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ } أي: من وقع منه التصديق مع العمل الصالح استحق تكفير سيئاته، قرأ الجمهور: (يكفر) و(يدخله) بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالنون فيهما، وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } على أنها حال مقدّرة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من التكفير والإدخال، وهو مبتدأ، وخبره {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: الظفر الذي لا يساويه ظفر. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المراد بالآيات: إما التنزيلية أو ما هو أعم منها. ذكر سبحانه حال السعداء، وحال الأشقياء هاهنا لبيان ما تقدم من التغابن، وأنه سيكون بسبب التكفير، وإدخال الجنة للطائفة الأولى، وبسبب إدخال الطائفة الثانية النار، وخلودهم فيها. {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي: ما أصاب كل أحد من مصيبة من المصائب إلاّ بإذن الله، أي: بقضائه وقدره، قال الفراء: إلاّ بإذن الله، أي: بأمر الله، وقيل: إلاّ بعلم الله. قيل: وسبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب في الدنيا {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } أي: من يصدّق ويعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما قدّره الله عليه يهد قلبه للصبر والرضا بالقضاء. قال مقاتل بن حيان: يهد قلبه عند المصيبة، فيعلم أنها من الله، فيسلم لقضائه ويسترجع. وقال سعيد بن جبير: يهد قلبه عند المصيبة، فيقول: {أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } تفسير : [البقرة: 156] وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. قرأ الجمهور: {يهد} بفتح الياء، وكسر الدال، أي: يهده الله، وقرأ قتادة، والسلمي، والضحاك، وأبو عبد الرحمٰن بضم الياء، وفتح الدال على البناء للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرّف، والأعرج، وسعيد بن جبير، وابن هرمز، والأزرق: (نهد) بالنون، وقرأ مالك بن دينار، وعمرو بن دينار، وعكرمة: (يهدأ) بهمزة ساكنة، ورفع قلبه، أي: يطمئن ويسكن {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } أي: بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } أي: هوّنوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله وطاعة رسوله {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي: أعرضتم عن الطاعة {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } ليس عليه غير ذلك وقد فعل، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فلا بأس على الرسول، وجملة: {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا } تعليل للجواب المحذوف، ثم أرشد إلى التوحيد والتوكل فقال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي: هو المستحق للعبودية دون غيره، فوحدوه ولا تشركوا به {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي: يفوّضوا أمورهم إليه، ويعتمدوا عليه لا على غيره. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبيهقي، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قيل له: ما سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: في زعموا؟ قال: سمعته يقول: «حديث : بئس مطية الرجل»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عنه أنه كره زعموا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يوم التغابن من أسماء يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } قال: غبن أهل الجنة أهل النار، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود في قوله: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } قال: هي المصيبات تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ } قال: يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الماوردي

تفسير : {زَعَمَ الذين كَفَروا} قال شريح زعموا كُنْيةُ الكذب. {يومَ يَجْمَعُكم ليومِ الجمْعِ} يعني يوم القيامة، ومن تسميته بذلك وجهان: أحدهما: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته. الثاني: لأنه يجمع فيه بين الظالمين والمظلومين. ويحتمل ثالثاً: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعاصي. {ذلك يومُ التغابُنِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من أسماء يوم القيامة، ومنه قول الشاعر: شعر : وما أَرْتجي بالعيش من دارِ فُرْقةٍ ألا إنما الراحاتُ يوم التغابنِ تفسير : الثاني: لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار، قال الشاعر: شعر : لعمرك ما شيءٌ يفوتُك نيلُه بغبْنٍ ولكنْ في العقول التغابنُ تفسير : الثالث: لأنه يوم غَبَنَ فيه المظلومُ الظالمَ، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبوناً فصار في الآخرة غابناً. ويحتمل رابعاً: لأنه اليوم الذي أخفاه اللّهُ عن خَلْقه، والغبن الإخفاء ومنه الغبن في البيع لاستخفائه، ولذلك قيل مَغابِن الجسد لما خفي منه.

ابن عبد السلام

تفسير : {زَعَمَ} كُنْية الكذب.

الخازن

تفسير : {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل} أي قل لهم يا محمد {بلى وربي لتبعثن} أي يوم القيامة {ثم لتنبؤن} أي لتخبرن {بما عملتم وذلك على الله يسير} أي أمر البعث والحساب يوم القيامة {فآمنوا بالله ورسوله} لما ذكر حال الأمم الماضية المكذبة وما نزل بهم من العذاب قال فآمنوا أنتم بالله ورسوله لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة {والنور الذي أنزلنا} يعني القرآن سماه نوراً لأنه يهتدى به في ظلمات الضلال كما يهتدى بالنور في الظلمة {والله بما تعملون خبير} يعني أنه مطلع عليكم عالم بأحوالكم جميعاً فراقبوه وخافوه. قوله عز وجل: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} يعني يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين {ذلك يوم التغابن} من الغبن وهو فوت الحظ والمراد في المجازاة والتجارة وذلك أنه إذا أخذ الشيء بدون قيمته فقد غبن والمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة وذلك لأن كل كافر له أهل ومنزل في الجنة لو أسلم فيظهر يومئذ غبن كل كافر يتركه الإيمان ويظهر غبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وقيل إن قوماً في النار يعذبون وقوماً في الجنة ينعمون فلا غبن أعظم من هذا وقل هو غبن المظلوم للظالم لأن المظلوم مغبون في الدنيا فصار في الآخرة غابناً لظالمة وأصل الغبن في البيع والشراء وقد ذكر الله في حق الكافرين "انهم خسروا وغبنوا في شرائهم فقال تعالى: {أية : اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة} تفسير : [البقرة: 175] وقال في حق المؤمنين {أية : هل أدلكم على تجارة} تفسير : [الصف: 10] وقال {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}تفسير : [التوبة: 111] فخسرت صفقة الكافرين وربحت صفقة المؤمنين {ومن يؤمن بالله} على ما جاءت به الرسل من الإيمان بالبعث والجنة والنار {ويعمل صالحاً} أي في إيمانه إلى أن يموت على ذلك {يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم والذين كفروا} أي بوحدانية الله وقدرته {وكذبوا بآياتنا} أي الدالة على البعث {أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} أي بقضاء الله وقدره وإرادته {ومن يؤمن بالله} أي يصدق أنه لا يصيبه مصيبة من موت أو مرض أو ذهاب مال ونحو ذلك إلا بقضاء الله وقدره وإذنه {يهد قلبه} أي يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضاء الله تعالى وقدره وقيل يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء {والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله} أي فيما أمر {وأطيعوا الرسول} أي فيما جاء به عن الله وما أمركم به {فإن توليتم} أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه {فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو} أي لا معبود ولا مقصود إلا هو {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن مردويهحديث : عن ابن مسعود أنه قيل له‏:‏ ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ‏(‏زعموا‏)‏ قال‏:‏ سمعته يقول‏:‏ ‏"‏بئس مطية الرجل" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود أنه كره‏:‏ زعموا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه كره زعموا لقول الله‏:‏ ‏ {‏زعم الذين كفروا‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن هانىء بن عروة أنه قال لابنه‏:‏ هب لي اثنتين‏:‏ ‏"‏زعموا وسوف‏"‏ لا يكونان في حديثك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال‏:‏ زعم كنية الكذب‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن شريح قال‏:‏ زعم كنية الكذب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة قال‏:‏ زعموا زاملة الكذب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏يوم يجمعكم ليوم الجمع‏}‏ قال‏:‏ هو يوم القيامة وذلك ‏{‏يوم التغابن‏} ‏ غبن أهل الجنة أهل النار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏يوم التغابن‏} ‏ من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ذلك يوم التغابن‏}‏ قال‏:‏ غبن أهل الجنة أهل النار‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏ذلك يوم التغابن‏}‏ قال‏:‏ غابن أهل الجنة أهل النار، والله أعلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن علقمة في قوله‏:‏ ‏ {‏ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلم الأمر لله ويرضى بذلك‏. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ومن يؤمن بالله يهد قلبه‏} ‏ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه‏. وأخرج ابن المنذر عن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ومن يؤمن بالله يهد قلبه‏} ‏ قال‏:‏ من أصاب من الإِيمان ما يعرف به الله فهو مهتدي القلب‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏} ‏. أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:حديث : ‏ شعار المؤمنون يوم يبعثون من قبورهم لا إله إلا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏ ". تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم‏} ‏ في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال‏:‏ كان الرجل يريد الهجرة فتحبسه امرأته وولده، فيقول‏:‏ إنا والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن ولأفعلن، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله ‏ {‏وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا‏}‏ ‏. وأخرج عبد حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم‏}‏ قال‏:‏ منهم من لا يأمر بطاعة ولا ينهى عن معصية، وكفى بذلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه لا يأمر بطاعة، ولا ينهى عن معصية، وكانوا يثبطون عن الجهاد والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.

القشيري

تفسير : الموتُ نوعان: موتُ نَفْسٍ، وموتُ قلب، ففي القيامة يُبْعَثون من موت النَّفْس، وأمَّا موتُ القلبِ فلا بَعْثَ منه - عند كثيرٍ من مخلصي هذه الطائفة، قال تعالى مُخْبِراً عنهم: {أية : قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}تفسير : [يس: 52] فلو عرفوه لَمَا قالوا ذلك؛ فموتُ قلوبِهم مُسَرْمَدٌ إلى أنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً، فهذا الوقتُ وقتُ موتِ قلوبهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} الزعم ادعاء العلم فمعنى أزعم زيدا قائما أقول انه كذا ففى تصدير الجملة بقوله ازعم اشعار بأنه لا سند للحكم سوى ادعائه اياه وقوله به ويتعدى الى مفعولين تعدى العلم وقد قام مقامهما ان المخففة مع ما فى حيزها فأن مخففة لاناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله والمراد بالموصول كفار مكة اى زعموا وادعوا ان الشان لن يبعثوا بعد موتهم ابدا ولن يقاموا ويخرجوا من قبورهم وعن شريح رضى الله عنه لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا قال بعض المخضرمين لابنه هب لى من كلامك كلمتين زعم وسوف انتهى. ويكره للرجل ان يكثر لفظ الزعم وامثاله فانه تحديث بكل ما سمع وكفى بذلك كذبا واذا أراد أن يتكلم تكلم بما هو محقق لا بما هو مشتبه بذلك يتخلص من أن يحدث بكل ما سمع فيكون معصوما من الكذب كذا فى المقاصد الحسنة {قل} ردا لهم وابطالا لزعمهم باثبات ما نفوه {بلى} اى تبعثون فان لا يجاب النفى الذى قبله وقوله {وربى لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم} اى لتحاسبن وتجزون بأعمالكم جملة مستقلة داخلة تحت الامر واردة لتأكيد ما أفاده كلمة بلى من اثبات البعث وبيان تحقق امر آخر متفرع عليه منوط به ففيه تأكيد لتحقق البعث بوجهين فقوله وربى قسم لعل اختياره ههنا لما ان فى البعث اظهار كمال الربوبية المفيدة لتمام المعرفة وايثار دوام التربية بالنعم الجسمانية الظاهرة والنعم الروحانية الباطنة وقوله {لتبعثن} اصله لتبعثون حذفت واوه لاجتماع الساكنين بمجيئ نون التأكيد وان كان على حده طلبا للخفة واكتفاء بالضمة وهو جواب قسم قبله مؤكد باللام المؤكدة للقيم وثم لتراخى المدة لطول يوم القيامة او لتراخى الرتبة وظاهر كلام اللباب أن يكون وربى قسما متعلقا بما قبله قد تم الكلام عنده وحسن الوقف عليه ويجعل تبعثن بما عطف عليه جواب قسم آخر مقدر مستانف لتأكيد الاول لعل فائدة الاخبار بالقسم مع ان المشركين ينكرون الرسالة كما ينكرون البعث ابطال لزعمهم بالتشديد والتأكيد ليتأثر من قدر الله له الانصاف وتتأكد الحجة على من لم يقدر له وكان محروما بالكلية {وذلك} اى ما ذكر من البعث والجزآء {على الله يسير} اى سهل على الله لتحقق القدرة التامة وقبول المادة واذا كان الامر كذلك.

الجنابذي

تفسير : {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُواْ} يعنى اذا كنتم تبعثون فآمنوا {بِٱللَّهِ} الّذى تبعثون اليه {وَرَسُولِهِ} الّذى يعلّمكم طريق الايمان به {وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} والنّور المنزل هو ولاية علىٍّ (ع) الّتى كانت مع كلّ نبىٍّ سرّا ومع محمّدٍ (ص) سرّاً وجهراً، وقد فسّر فى الاخبار بالامامة وبالامام، وسئل الباقر (ع) عن هذه الآية فقال: النّور والله الائمّة (ع)، لنور الامام فى قلوب المؤمنين انور من الشّمس المضيئة بالنّهار، وهم الّذين ينوّرون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم ويغشيهم بها. اعلم، انّ النّور هو الّذى ظهر بذاته واظهر غيره وهذا حقّ الوجود فانّه الظّاهر بذاته بحيث انّه اقدم البديهيّات واوّل المدركات، وبعد تعيين المفهوم هو اوّل المسؤلات، فانّ السّؤال بما الشّارحة الّذى هو سؤال عن مفهوم اللّفظ مقدّم على السّؤال بهل البسيطة، وبعد تعيين مفهوم اللّفظ لا يسأل الاّ بهل البسيطة وبعد السّؤال بهل البسيطة يكون سائر السّؤالات، ومعنى كونه مظهراً للاشياء انّه لا ظهور لشيءٍ من الاشياء على مدرك من المدارك الاّ بالوجود، والوجود الظّاهر بذاته المظهر لغيره هو المشيّة الّتى هى فعل الحقّ الاوّل تعالى واضافته الى الاشياء وهى الولاية المطلقة الّتى جميع الولايات الجزئيّة حِصصٌ منها وكلّ موجودٍ موجودٌ بها وكلّ ظاهرٍ ظاهرٌ بها حتى النّور العرضىّ الّذى به يظهر السّطوح والاشكال والالوان، فانّه لولا الوجود لما ظهر ذلك النّور على الابصار ولما اظهر الاشياء، وكلّ امام لمّا صار متّصلا بالمشيّة نحو اتّصال فى الصّعود بعد ما كان متّصلا بها مثل سائر الاشياء فى النّزول وبذلك الاتّصال يؤثّر فيمن اتّصل به ويفيده فعليّةً وجوديّةً فى الصّعود لم تكن له تلك الفعليّة وبتلك الفعليّة يظهر عليه وجوده وفسّروا النّور بالامام قبل الاتّصال بالامام، وتلك الفعليّة وجود حادث فى فعليّات هذا المتّصل ومقوّمة لسائرها ومحيطة بها، وهى الايمان الدّاخل فى قلب المؤمن بالبيعة الخاصّة الولويّة، وبتلك الفعليّة يظهر على المؤمن السّالك دقائق اخلاقه الّتى هى ادقّ من الشّعر واخفى من دبيب النّملة السّوداء على الصّخرة الصّماء فى اللّيلة الظّلماء، ويظهر عليه مثل هذا الشّرك الخفىّ ولم تكن تظهر عليه امثال هذه قبل ذلك، ولم تكن تظهر بنور الشّمع والسّراج، ولا بنور الكواكب والقمر، ولا بنور الشّمس الّتى هى انور، ولمثل هذا النّور وهذا الظّهور قد يرى المؤمن نفسه اسوء من كلّ مسيء واشدّ ذنباً من كلّ مذنبٍ، وقد يصير مبغضاً لنفسه اشدّ بغضٍ، ولمثل هذا الظّهور يصير الدّنيا سجناً له، هذا هو الظّهور العلمىّ والحالىّ الوجدانىّ، وقد يظهر الامام بصورته الملكوتيّة النّورانيّة على صدر السّالك وهذا الظّهور هو ظهور القائم (ع) فى العالم الصّغير وحينئذٍ تشرق ارض وجود السّالك بنور ربّه اشراقاً اشدّ من اشراق ارض العالم الكبير بنور الشّمس ولشدّة الاشراق لا ترى فيها عوجاً ولا امتاً، ويومئذٍ تحدّث اخبارها، واخرجت اثقالها، فعليكم بالاتّصال بهذا النّور فان لم يظهر عليكم الامام بصورته الملكوتيّة فلا اقلًّ من ظهور الرّذائل والخصائل بنوره ولا اقلّ من ادراك قبح الرّذائل ثمّ الانزجار منها وادراك حسن الخصائل ثمّ الرّغبة فيها والطّلب لها {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ترغيب وتهديد.

الأعقم

تفسير : {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} بعد الموت أحياء {قل} يا محمد {بلى وربي لتبعثن} وذكر القسم تأكيداً للبعث {ثم لتنبّؤنّ بما عملتم} لتخبرن بما يعرض عليهم مكتوباً في الكتب، وقيل: تجازون بذلك {وذلك على الله يسير} أي هو سهل عليه يبعث جميع الخلق في طرفة عين {فآمنوا} أيها المكذبون بالبعث {بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} قيل: هو القرآن {والله بما تعملون خبير} عالم بأعمالكم فيجازيكم {يوم يجمعكم ليوم الجمع} قيل: يجمعكم من القبور ليوم القيامة لاجتماع الخلائق فيه {ذلك يوم التغابن} قيل: غبن أهل الجنة أهل النار لما نالهم من العذاب بإيثارهم الدنيا الفانية، وروى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير: "حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا رأى مقعده في الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" تفسير : {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته} أي معاصيه {ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} أي يدوم لبثهم ونعيمهم {ذلك الفوز العظيم} أي الظفر بالمطلوب {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار} هم {خالدين فيها وبئس المصير} {ما أصاب من مصيبة} في الأرض ولا في السماء، قيل: الآلام والأمراض والقحط والجدب والموت ونحوها يجب على العبد الرضى بقضائه {إلاَّ بإذن الله} أي بأمره وهذا توسع، والمراد أنه يفعله ويخلقه، وقيل: المراد جميع ما يناله من الضرر وإن كان ظلماً قبيحاً {إلا بإذن الله} بعلمه {ومن يؤمن بالله} قيل: يصدق ويرضى بقضائه {يهد قلبه} إلى نيل ثوابه، وقيل: يهد قلبه ليعلم أن المصيبة بإذن الله، وقيل: هو الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا ظلم غفر، وإذا أصابته مصيبة استرجع {والله بكل شيء عليم} فيجازي كل إنسان بعمله {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم} أعرضتم فاعلموا {إنما على رسولنا البلاغ المبين} أي ليس عليه إلا تبليغ الرسالة وقد فعل {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} والتوكل تفويض الأمر.

اطفيش

تفسير : {زَعَمَ} الزعم ادعاء العلم وفي الحديث "حديث : زعموا مطية الكذب"تفسير : وعن شريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ولكونه ادعاء العلم يتعدى لمفعولين الاكثر اغناء ان واسمها وخبرها عنهما ولو مخففة كما هنا ولا يستعمل في فصيح الكلام إلا في الكذب أو قول انفرد به قائلة كذا قيل وبسطته في النحو. {الَّذِينَ كَفَرُوا} أهل مكة وغيرهم {أَن} مخففة واسمها ضمير الشأن أي انه واجاز بعضهم ان لايكون ضمير الشأن أي انهم {لَّن يُبْعَثُوا قُلْ} يا محمد {بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ} يوم القيامة وبلى اثبات لما نفوه فالقسم وما في حيزة تأكيد للاثبات {ثُمَّ لَتُنَبّّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} لتخبرن بما عملتم وتجاوزون ولا يحاسب المشركين وقيل يحاسبون ذماً وتوبيخاً. {وَذَلِكَ} المذكور من البعث والتنبئة {عَلَى اللهِ يَسيِرٌ} سهل لا يصرفه عنه صارف وهو التام القدرة عز وجل.

الالوسي

تفسير : {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ } الزعم ادعاء العلم، وأكثر ما يستعمل للادعاء الباطل. وعن ابن عمر وابن شريح إنه كنية الكذب، واشتهر أنه مطية الكذب، ولما فيه من معنى العلم يتعدى إلى مفعولين، وقد قام مقامهما هنا {أَن} المخففة وما في حيزها. والمراد بالموصول على ما في «الكشاف» أهل مكة فهو على ما سمعت في الخطاب من إقامة الظاهر مقام المضمر، ويؤيده ظاهراً قوله تعالى: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ } قال في «الكشف»: ويحتمل التعميم فيتناولهم وأضرابهم لتقدم كفار مكة في الذكر وغيرهم ممن حملوا على الاعتبار بحالهم، وهذا أبلغ، أي: زعموا أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم قل رداً عليهم وإظهاراً لبطلان زعمهم بإثبات ما نفوه بلى تبعثون، وأكد ذلك بالجملة القسمية فهي داخلة / في حيز الأمر، وكذا قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } أي لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، وزيد ذلك لبيان تحقق أمر آخر متفرع على البعث منوط به ففيه أيضاً تأكيد له {وَذَلِكَ } أي ما ذكر من البعث والجزاء {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة.

ابن عاشور

تفسير : هذا ضرب ثالث من ضروب كفر المشركين المخاطبين بقوله: {أية : ألم يأتكم}تفسير : [التغابن: 5] الخ، وهو كفرهم بإنكارهم البعث والجزاءَ. والجملة ابتدائية. وهذا الكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة قوله: {قل بلى}. وليس هذا من الإِظهار في مقام الإِضمار ولا من الالتفات بل هو ابتداء غرض مخاطبٍ به غيرُ من كان الخطاب جارياً معهم. وتتضمن الجملة تصريحاً بإثبات البعث ذلك الذي أوتي إليه فيما مضى يفيد بالحق في قوله: {أية : خلق السمٰوات والأرض بالحق}تفسير : [التغابن: 3] وبقوله: { أية : يعلم ما في السمٰوات والأرض}تفسير : [ التغابن: 4] كما علمته آنفاً. والزعم: القول الموسوم بمخالفة الواقع خَطَأ فمنه الكذب الذي لم يتعمد قائله أن يخالف الواقع في ظن سامعه. ويطلق على الخبر المستغرب المشكوك في وقوع ما أُخبر به، وعن شُريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا (أراد بالكنية الكناية). فَبَيْن الزعم والكذب عموم وخصوص وجهي. وفي الحديث «بئس مطية الرجل إلى الكذب زعموا»، أي قول الرجل زعموا كذا. وروى أهل الأدب أن الأعشى لما أنشد قيس بن معد يكرب الكِندي قوله في مدحه: شعر : ونبئتُ قيساً ولم أَبلُه كما زَعموا خيرَ أهل اليمن تفسير : غضب قيس وقال له: «وما هو إلا الزعم». ولأجل ما يصاحب الزعم من توهم قائله صدق ما قاله أُلحق فعلُ زعم بأفعال الظن فنصب مفعولين. وليس كثيراً في كلامهم، ومنه قول أبي ذؤيب: شعر : فإن تزعميني كنتُ أجهلُ فيكم فإني شَرَيْتُ الحِلم بَعدَكِ بالجهل تفسير : ومن شواهد النحو قول أبي أمية أوس الحنفي: شعر : زعمتْني شيخاً ولستُ بشيخ إنما الشيخ من يَدبّ دبيباً تفسير : والأكثر أن يقع بعد فعل الزعم (أَنَّ) المفتوحة المشددة أو المخففة مثل التي في هذه الآية فيسد المصدرُ المنسبك مسدّ المفعولين. والتقدير: زعم الذين كفروا انتفاء بعثهم. وتقدم الكلام على فعل الزعم في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك}تفسير : الآية في سورة [النساء: 60]، وقوله:{أية : ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون}تفسير : في سورة [الأنعام: 22] وما ذكرته هنا أوفى. والمراد بـ {الذين كفروا} هنا المشركون من أهل مكة ومن على دينهم. واجتلاب حرف {لن} لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء البعث. ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكَّداً بالقَسَم لينْقض نفيهم بأشد منه، فأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم عن الله أن البعث واقع وخاطبهم بذلك تسجيلاً عليهم أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك. وجملة {قل بلى} معترضة بين جملة {زعم الذين كفروا} وجملةِ {أية : فآمنوا بالله ورسوله} تفسير : [التغابن: 8]. وحرف {بلَى} حرف جواب للإِبطال خاصٍ بجواب الكلام المنفي لإِبطاله. وجملة {ثم لتنبؤن بما عملتم} ارتقاء في الإِبطال. و{ثم} للتراخي الرتبي فإن إنباءهم بما عملوا أهم من إثبات البعث إذ هو العلة للبعث. والإِنباء: الإِخبار، وإنباؤهم بما عملوا كناية عن محاسبتهم عليه وجزائهم عما عملوه، فإن الجزاء يستلزم علم المجازَى بعمله الذي جوزي عليه فكانَ حصول الجزاء بمنزلة إخباره بما عمله كقوله تعالى: {أية : إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا}تفسير : [لقمان: 23]. وهذا وعيد وتهديد بجزاء سَيّىءٍ لأن المقام دليل على أن عملهم سَيىء وهو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار ما دعاهم إليه. وجملة {وذلك على الله يسير} تذييل، والواو اعتراضية. واسم الإِشارة: إما عائد إلى البعث المفهوم من {لتبعثن} مثل قوله: {أية : اعدِلُوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8] أي العدل أقرب للتقوى، وإما عائد إلى معنى المذكور من مجموع {لَتُبْعَثُنَّ ثم لتنبؤن بما عملتم}. وأخبر عنه بـ{يسير} دون أن يقال: وَاقِع كما قال: {أية : وإن الدين لواقع}تفسير : [الذاريات: 6]، لأن الكلام لردّ إحالتهم البعث بعلة أن أجزاء الجسد تفرقت فيتعذر جمعها فذكِّروا بأن العسير في متعارف الناس لا يعسر على الله وقد قال في الآية الأخرى {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}تفسير : [الروم: 27].

الشنقيطي

تفسير : قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أي أن الكفار ادعوا أنهم لا يبعثون قائلين: إن العظام الرميم لا تحيي قل لهم، يا نبي الله: بلى وربي لتبعثن، وبلى حرف يأتي لأحد معنيين الأول رد نفي، كما هنا. الثاني: جواب استفهام مقترن بنفي نحو قوله: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، وقوله: {وَرَبِّي} قسم بالرب على البعث الذي هو الإحياء بعد الموت، وقد أقسم به عليه في القرآن ثلاث مرات. الأول هذا. والثاني قوله: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ}تفسير : [يونس: 53]. الثالث قوله:{أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}تفسير : [سبأ: 3] اهـ. وقوله: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} بينه تعالى بقوله: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 13-14]، وقوله: {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} اسم الإشارة راجع إلى البعث ويسره أمر مسلم، لأن الإعادة أهون من البدء. كما قال تعالى عن الكفار: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 78-79]، وقوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [لقمان: 28]، وقال {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا: أي قالوا كاذبين إنهم لن يبعثوا أحياء من قبورهم. قل بلى وربي لتبعثن: قل لهم يا رسولنا بلى لتبعثن ثم تنبئون بما عملتم. وذلك على الله يسير: أي وبعثكم وحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم شيء يسير على الله. والنور الذي أنزلنا: أي وآمنوا بالقرآن الذي أنزلناه. ليوم الجمع: أي يوم القيامة إذ هو يوم الجمع. ذلك يوم التغابن: أي يغبن المؤمنون الكافرين يأخذ منازل الكفار في الجنة وأخذ الكفار منازل المؤمنين في النار. ذلك الفوز العظيم: أي تكفيره تعالى عنهم سيئاتهم وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار هو الفوز العظيم. بئس المصير: أي قبح المصير الذي صاروا إليه وهو كونهم أهلاً للجحيم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية قريش إنه بعد أن ذكرهم بمصير الكافرين من قبلهم وفي ذلك دعوة واضحة لهم إلى الإِيمان بتوحيد الله وتصديق رسوله. دعاهم هنا إلى الإِيمان بأعظم أصل من أصول الهداية البشرية وهو الإِيمان بالبعث والجزاء وهم ينكرون ويجاحدون ويعاندون فيه فقال في أسلوب غير المواجهة بالخطاب زعم الذين كفروا والزعم ادعاء باطل وقول إلى الكذب أقرب منه إلى الصدق. أن لن يبعثوا أي أنهم إذا ماتوا لن يبعثوا أحياء يوم القيامة. قل لهم يا رسولنا: {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} ولازم ذلك الجزاء العادل على كل أعمالكم وهي أعمال فاسدة غير صالحة مقتضية للعذاب والخزي في جهنم {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي وأعلمهم أن بعثهم وتنبئنهم بأعمالهم وإثابتهم عليها أمر سهل هين لا صعوبة فيه وبعد هذه اللفتة اللطيفة دعاهم دعوة كريمة إلى طريق سعادتهم ونجاتهم فقال عز وجل: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدقوا بتوحيد الله وبنبوة رسوله وبالنور الذي أنزلنا وهو القرآن الكريم، واعملوا الصالحات وتباعدوا عن السيئات {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي وسيجزيكم بأعمالكم. وذلك {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} وهو يوم القيامة ويجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها ذلك يوم التغابن الحقيقي حيث يرث أهل الجنة منازل أهل النار في الجنة ويرث أهل النار منازل أهل الجنة في النار، وهذا قائم على أساس أن الله تعالى أوجد لكل إنسان منزلاً في الجنة وآخر في النار، فمن آمن وعمل صالحا دخل الجنة وحاز منزله ومنزل إنسان آخر هو في النار فحصل بذلك الغبن بينه وبين من هو في النار قد ورث منزله فيها وبعد هذا الدعاء الخاص الموجه إلى كفار قريش قال تعالى واعداً عامة الناس عربهم وعجمهم من وجد منهم ومن لم يوجد بعد: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم لأنه نجاة من النار ودخول الجنة هذا وعده الصادق لمن آمن وعمل صالحاً، وقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالله ورسوله ولقائه وكذبوا بآياتنا أي القرآن وما فيه من شرائع وأحكام والتكذيب مانع من العمل الصالح قطعاً إذاً {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} النار والخلود فيها هذا وعيده تعالى المقابل لوعده السابق اللهم اجعلنا من أهل وعدك ولا تجعلنا من أهل وعيدك يا واسع الفضل يا رحمن. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء. 2- تقرير التوحيد والنبوة. 3- بيان كون القرآن نوراً فلا هداية في هذه الحياة إلا به فمن طلبها في غيره ما اهتدى. 4- الترغيب في الإِيمان والعمل الصالح وبيان أنهما مفتاح دار السلام. 5- التحذير من الكفر والتكذيب بالقرآن وشرائعه وأحكامه فإن ذلك يقود إلى النار.

القطان

تفسير : زعم فلان كذا: ادّعى علمه بحصوله، واكثر ما يُستعمل الزعم للادّعاء الباطل. النور: هو القرآن الكريم. يوم الجمع: يوم القيام. يوم التغابن: هو يوم القيامة، وسُمي بذلك لأن اهلَ الجنة تغبن فيه اهل النار بما يصير اليه اهل الجنة من النعيم وما يلقى اهل النار من العذاب في الجحيم. وأصل الغَبن: النقص، غبن فلان فلاناً في البيع: نقصه حقه. والخلاصة أنه في ذلك اليوم يظهر الربح والخسران، فيربح المؤمنون، ويخسر الجاحدون الكافرون. {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...} في الآيات السابقة ذكر اللهُ إنكار المشركين للألوهية، ثم إنكارهم للنبوة، وبيّن ما لقيَه المنكرون وما سيلقون. وهنا يبين إنكارهم للبعث والجزاء، فقل لهم يا محمد: ليس الأمر كما زعمتم، إني أُقسم بربي لتُبعَثُنَّ بعد الموت، ولَتُجزَوْنَ بما عملتم في الدنيا وتحاسَبون عليه، {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}، فهو كما خَلَقَكم سيُعيدكم. ثم بعد ان بيّن لهم الحقائق طالبَهم بالإيمان، وذلك لمصلحتهم ولخيرهم فقال: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} ما دام البعثُ حقا، فصدَّقوا ايها الناس بهذا الإله العظيم وبرسوله الكريم، وبهذا القرآن الذي هو نور أضاءَ الكونَ بهدْيه، واخرجَ العالَمَ من الظلمات الى النور، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فلا تخفى عليه اعمالكم. ثم أنذر بأنه تعالى يجمعهم يومَ القيامة، يوم يظهر ربح الرابحين وخسران المبطلين فقال: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} في ذلك اليوم يُغبن الكافرون ويربح المؤمنون، وما أعظمه من ربح!! انه لا غبنَ أعظم من ان قوما ينعمون، وقوما يعذَّبون، ذلك هو الخسران المبين. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يُذهب عنه سيئاته {وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ذلك هو الفوز الذي لا فوز بعده، {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} تفسير : [آل عمران: 185]. ثم بين الله تعالى الجانبَ المقابل وهم أهلُ النار فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. فهؤلاء جزاؤهم النارُ لكفرهم وتكذيبهم الرسلَ وإنكارهم المعجزات، وبئس النارُ مصيراً لهم. وبعد ان بين مصير الناس وأنهم قسمان: كافر بالله مكذِّب لرسله ومصيرُهُمْ النار، ومؤمن بالله ومصدّق لرسله ويعمل الصالحات فهو من اهل الجنة - بيّن هنا أمراً عظيما بقوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ..}. ان ما يصيب الانسان من خير او شر إنما يكون بقضاء الله وقدَره بحسب النُظم التي وضعها للكون. فعلى الانسان ان يجدَّ ويعمل، ثم لا يبالي بعد ذلك بما يأتي به القضاء. على المرء ان يبذل جهده ويسعى في جلب الخير ودفع الضُرّ ما استطاع الى ذلك سبيلا، وان يتوكل على الله ويؤمن به خالص الايمان. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فالايمان يضيء القلبَ ويشرح الصدر لخير العمل، وأيّ نعمةٍ أعظمُ من هذه النعمة!!. ثم يا ايها المؤمنون أطيعوا الله فيما كلّفكم به، وأطيعوا الرسول فيما بلّغ عن ربه، فإن أعرضتم فلن يضرّه إعراضكم {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}. وقد تقدم مثل هذه الآية اكثر من مرة. ثم يبين الله تعالى تفرُّدَه بالمُلك والخلق والقدرة، وأن علينا ان نتوكل عليه {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. توكلنا على الله وهو حسبُنا ونعم الوكيل. قراءات: قرأ يعقوب: يوم نجمعكم بالنون، والباقون: يجمعكم بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : (7) - ادَّعَى المُشْرِكُونَ وَالكُفَّارُ أَنَّهُ لاَ بَعْثَ وَلاَ حَشْرَ وَلاَ حِسَابَ، وَلاَ جَزَاءَ فِي الآخِرَةِ، وَاسْتَبْعَدُوا وَقُوعَ ذَلِكَ بِعْدَ أَنْ تَتَفَرَّقَ الأَجْسَادُ فِي الأَرْضِ، وَتُصْبِحَ رَمِيماً مُتَنَاثِراً. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مُقْسِماً بِرَبِّكَ الكَرِيمِ عَلَى صِدْقِ مَا تَقُولُ: إِنَّ البَعْثَ لَكَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ، وَإِنَّكُمْ سَتحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ جَمِيعِهَا. وَبَعْثُ البَشَرِ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَإِطْلاَعُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم التِي عَملُوهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَحسَابُهُمْ وَجَزَاؤُهُمْ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ فِي غَايَةِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، فَهُوَ تَعَالَى القَادِرُ القَاهِرُ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ} معناه لَتُخْبَرونَّ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن عناد الكافرين، وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق، { وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } فإنه وإن كان عسيرًا بل متعذرًا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم كلهم، لو اجتمعت على إحياء ميت [واحد]، ما قدروا على ذلك. وأما الله تعالى، فإنه إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، قال تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } .