٦٤ - ٱلتَّغَابُن
64 - At-Taghabun (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} العامل في «يَوْم» «لَتُنَبَّؤُنَّ» أو «خَبِيرٌ» لما فيه من معنى الوعيد؛ كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار اذكر. والغَبْنُ: النقص. يقال: غَبَنَه غَبْناً إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته. وقراءة العامة «يَجْمَعُكُمْ» بالياء؛ لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فأخبر. ولِذِكر اسم الله أوّلا. وقرأ نصر وابن أبي إسحاق والجَحْدَرِيّ ويعقوب وسلام «نجمعكم» بالنون؛ اعتباراً بقوله: {وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا}. ويوم الجمع: يوم يجمع الله الأوّلين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض. وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله. وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. وقيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبيّ وأمّته. وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} أي يوم القيامة. وقال:شعر : وما أرتجي بالعيش في دار فرقة ألاَ إنما الراحات يوم التغابن تفسير : وسمّى يوم القيامة يوم التغابُن؛ لأنه غَبَن فيه أهل الجنة أهل النار. أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة، وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة؛ فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والجيّد بالرديء، والنعيم بالعذاب. يقال: غَبَنت فلاناً إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغَلَبة لك. وكذا أهل الجنة وأهل النار؛ على ما يأتي بيانه. ويقال: غَبَنت الثوب وخبنته إذا طال عن مقدارك فخطت منه شيئاً؛ فهو نقصان أيضاً. والْمَغَابِن: ما انثنى من الخِلقَ نحو الإبطين والفخذين. قال المفسرون: فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة. ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام. قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته. الثانية ـ: فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغَبْن فيها. قيل له: هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع؛ كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة:16]. ولما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، ذكر أيضاً أنهم غُبِنوا؛ وذلك أن أهل الجنة اشتَروُا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة. وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً. وقد فرّق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً للنار. ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار. فقد يسبق الخِذلان على العبد ـ كما بيناه في هذه السورة وغيرها ـ فيكون من أهل النار، فيحصل الموفق على منزل المخذول ومنزل الموفق في النار للمخذول؛ فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن. وذلك كله مجموع من نشر الآثار وقد جاءت مفرّقة في هذا الكتاب. وقد يخبر عن هذا التبادل بالوراثة كما بيناه في {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون:1] والله أعلم. وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي بيانه بعدُ؛ ولكنه أراد التغابن الذين لا جبران لنهايته. وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن التغابن في ثلاثة أصناف: رجل علم عِلماً فعلّمه وضيّعه هو ولم يعمل به فشَقِي به، وعَمِل به من تعلمه منه فَنَجا به. ورجل اكتسب مالاً من وجوه يُسأل عنها وشحّ عليه، وفرّط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيراً، وتركه لوارث لا حساب عليه فيه؛ فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربّه. ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربِّه فسعد، وعمل السيّد بمعصية ربّه فشقي. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه فيقول الله تعالى لهما قُولاَ فما أنتما بقائلين فيقول الرجل يا ربّ أوجبت نفقتها عليّ فتعسّفتُها من حلال وحرام وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك ولم يبق لي ما أوفي به فتقول المرأة يا ربِّ وما عسى أن أقول اكتسبه حراما وأكلته حلالاً وعصاك في مَرْضاتي ولم أرض له بذلك فَبُعْداً له وسُحْقاً فيقول الله تعالى قد صدقتِ فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة فتطلع عليه من طبقات الجنة وتقول له غَبَنَّاك غَبَنّاك سعدنا بما شقيت أنت به» تفسير : فذلك يوم التغابن. الثالثة ـ: قال ابن العربيّ: استدل علماؤنا بقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} على أنه لا يجوز الغَبْن في المعاملة الدُّنْيَوِية؛ لأن الله تعالى خصّص التغابن بيوم القيامة فقال: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} وهذا الاختصاص يُفيد أنه لا غَبْن في الدنيا؛ فكل من ٱطلع على غَبْن في مَبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. واختاره البغداديون واحتجوا عليه بوجوه: منها:حديث : قوله صلى الله عليه وسلم لحبّان بن مُنْقِذ: «إذا بايعت فقُلْ لا خِلاَبة ولك الخيارُ ثلاثاً»تفسير : . وهذا فيه نظر طويل بيّناه في مسائل الخلاف. نُكْتَتُه أن الغَبْن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين؛ إذ هو من باب الخداع المحرَّم شرعاً في كل ملّة، لكن اليسير منه لايمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع؛ إذ لو حكمنا بردّه ما نفذ بيع أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه فوجب الردّ به. والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم، فقدّر علماؤنا الثلث لهذا الحدّ؛ إذ رأوه في الوصية وغيرها. ويكون معنى الآية على هذا: ذلك يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل. أو ذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبداً؛ لأن تغابن الدنيا يستدرك بوجهين: إما بردٍّ في بعض الأحوال، وإما بربح في بيع آخر وسِلْعَة أخرى. فأما مَنْ خَسِر الجنة فلا درك له أبداً. وقد قال بعض علماء الصوفية: إن الله كتب الغبن على الخلق أجمعين، فلا يلقى أحد ربّه إلا مغبوناً؛ لأنه لايمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. وفي الأثر: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يلقى الله أحد إلا نادماً إن كان مسيئاً إن لم يحسن، وإن كان محسناً إن لم يزدد»تفسير : . قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ}. قرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما، والباقون بالياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } يوم القيامة {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَٰلِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَٰتِهِ وَيُدْخِلْهُ } وفي قراءة (نكفر) و (ندخله) بالنون في الفعلين {جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْجَمْعِ} بين كل نبي وأمته أو بين المظلومين والظالمين {يَوْمُ التَّغَابُنِ} من أسماء القيامة أو غبن فيه أهل الجنة [أهل النار] أو يغبن فيه المظلوم الظالم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} [الآية: 9]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: قال ابن عطاء: يغبن أهل الطاعة أهل المعصية. وقال: تغابن أهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلى والتغابن فى رؤية القلب أعظم وأجل من رؤية العين لأن رؤية العين تذهل عن التأمل وهو مقصر عما أطلق لغيره عندها يظهر لكل أحد ومن ظهر له الحق لحقه أخرسه عن جميع نطفته من منازلته ومنازعته.
القشيري
تفسير : المطيعُ - يومئذٍِ - في غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلَّة. وليسَ كلُّ الغبنِ في تفاوت الدرجات قلَّةً وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} الغبن كل الغبن ان لا يعرف مكان خطابه والطاقة التى ظهرت له فى الدنيا والاخرة بلباس القهريات ومكان الامتحان وربما زاده الحق فى اوحش مقام وهو مشغول الرسم ولم يعرف شرف حاله فكان مشغولا عنه برسم الاعتذار والعبودية فيا رب صفاء فى الكدورة ويا رب مكاشفة فى المعصية اكنتم يا اخى غيب الحق بسر غيره حتى لا يكون السر ظاهر الاهل الرسوم فيسقطون من ايمانهم يقع الغبن يوم التغابن لمن كان مشغولا بالجزاء والعطاء ورؤية الاعواض ورؤية المعصية والطاعة من كان شاهد الحق خرج من وصف الغبن اذا الغبن من اوصاف من كان غائبا عن مشاهدته فاذا استغرق فى بحار جماله وجلاله ولا يبقى عليه ترح الغبن ولا حزن الفوت اذا لكل غابن له وسقط عند ذكر ما مضى وما يستقبل ولى لسان اخر فى التوحيد ان الكل يقع فى الغبن اذا عاينوا الحق بوصفه وهم وجدوه اعظم واجل مما وجدوا منه فى مكاشفهم فى الدنيا فيكونون مبهوتين متحيرين مغبوتين حيث لم يعرفوه حتى معرفته ولم يعبدوه حق عبادته ولا يعرفون ابدا حقيقة المعرفة واى غبن اعظم من هذا ذا يرونه ولا يصلون الى وجوده بالحقيقة قال ابن عطا تغابن اهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلى والتغابن فى رؤية القلب الاعظم واجل من روية التغابن لان روية الغبن تذهل عن التامل وهو مقصر عما اطلق لغيره عندها يظهر لكل احد ومن ظهر له الحق بحقه اخرسه من جميع نطقه من منازلته او منازعته.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يجمعكم} ظرف لتنبئون وما بينهما اعتراض او مفعول لا ذكر الظاهر ان الخطاب لمن خوطب اولا بقوله ألم يأتكم {ليوم الجمع} ليوم يجمع فيه الاولون والآخرة من الجن والانس واهل السماء والارض اى لاجل ما فيه من الحساب والجزآء وهو يوم القيامة فاللام للعهد اى جمع هذا اليوم عن النبى عليه السلام اذا جمع الله الاولين والآخرين جاء مناد ينادى بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم اهل الجمع اليوم من اولى بالكرم ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانوا يحمدون الله فى البأساء والضرآء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا الى الجنة ثم يحاسب سائر الناس وقيل المراد جمع الله بين العبد وعمله وقيل بين الظالم والمظلوم او بين كل نبى وامته {ذلك} اليوم {يوم التغابن} تفاعل من الغبن وهو أن تخسر صاحبك فى معاملة بينك وبينه بضرب من الاخفاء والتغابن أن يغبن بعضهم بعضا ويوم القيامة غبن بعض الناس بعضا بنزول السعدآء منازل الاشقيا لو كانوا سعدآء وبالعكس وفيه تهكم لان نزولهم ليس بغبن ان كون نزول الاشقياء منازل السعدآء من النار لو كانوا اشقياء غبنا باعتبار الاستعارة التهكمية والا فهم بنزولهم فى النار لم يغبنوا اهل الجنة وفى الحديث حديث : ما من عبد يدخل الجنة الا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار الا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة تفسير : وتخصيص التغابن بذلك اليوم للايذان بأن التغابن فى الحقيقة هو الذى يقع فيه مالا يقع فى امور الدنيا فاللام للعهد الذى يشار به عند عدم المعهود الخارجى الى الفرد الكامل اى التغابن الكامل العظيم الذى لا تغابن فوقه قال القاشانى ليس التغابن فى الامور الدنيوية فانها امور فانية سريعة الزوال ضرورية الفناء لا يبقى شئ منها لاحد فان فات شئ من ذلك أو أفاته احد ولو كان حياته فانما فات او افيت ما لزم فواته ضرورة فلا غبن ولا حيف حقيقة وانما الغبن والتغابن فى افاته شئ لو لم يفته لبقى دآئما وانتقع به صاحبه سرمدا وهو النور الكمالى والاستعدادى فتظهر الحسرة والتغابن هناك فى اضاعة الربح ورأس المال فى تجارة الفوز والنجاة كما قال {أية : فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}تفسير : فمن اضاع استعداده او اكتسب منه شيأ ولم يبلغ غايته كان مغبونا بالنسبة الى الكمال التام وكأنما ظفر ذلك الكامل بمقامه ومرامه وبقى هذا متحسرا فى نقصانه انتهى. وقال الراغب يوم التغبن يوم القيامة لظهور الغبن فى المبايعة المشار اليها بقوله {أية : ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله}تفسير : وبقوله {أية : ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}تفسير : وقوله {أية : الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا}تفسير : فلعلهم غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوا من ذلك جميعا وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقالوا تبدوا الاشياء بخلاف مقاديرها فى الدنيا وقال بعضهم يظهر يومئذ غبن الكافر بترك الايمان وغبن المؤمن بتقصيره فى الاحسان واذا دخل العارف الجنة ورآه صاحب الحال فانه يراه كما يرى الكوكب الدرى فى السماء فيتمنى أن يكون له مثل مرتبة العارف فلا يقدر عليها فيتحسر على تفويته اسباب ذلك فى الدنيا وقد ورد لا يتحسر اهل الجنة فى الجنة الا ساعة مرت بهم لم يذكرو الله فيها قيل اشد الناس غبنا يوم القيامة ثلاثة نفر عالم علم الناس فعملوا بعلمه وخالف هو علمه فدخل غيره الجنة بعلمه ودخل هو النار بعمله وعبد أطاع الله بقوة مال سيده وعصى الله سيده فدخل العبد الجنة بقوه مال مالكه ودخل مالكه النار بمعصية الله وولد ورث مالا من ابيه وأبوه شح به وعصى الله فيه فدخل أبوه ببخله النار ودخل هو بانفاقه الخير الجنة شعر : بخور اى نيك سيرت وسره مرد كان نكون بخت كرد كرد ونخورد تفسير : وفى الحديث حديث : لا يلقى الله احد الا نادما ان كان مسيئا ان لم يحسن وان كان محسنا ان لم يزددتفسير : وقال بعض العارفين لا يجوز الترقى فى الآخرة الا فى مقام حصله المكلف فى هذه الدار فمن عرف شيئا وتعلقت همته بطلبه كان له اما عاجلا واما آجلا فان ظفر به فى حياته كان ذلك اختصاصا واعتناء وان لم يظفر به فى حياته معجلا كان مدخرا له بعد المفارقة يناله ثم ضرورة لازمة ومن لم يتحقق بمقام فى هذا الموطن لم يظفر به ثم ولذلك سمى يوم التغابن لانقطاع الترقى فيه فاعلم ذلك. وقال بعضهم الغبن كل الغبن أن لا يعرف الصفاء فى الكدورة واللطف فى صورة القهر فتوحش عن الحق بالتفرقة وهو فى عين الجمع والانس وايضا يقع الغبن لمن كان مشغولا بالجزآء والعطاء ورؤية الاعواض واما من كان مشغولا بمشاهدة الحق فقد خرج عن حد الغبن وايضا يقع الكل فى الغبن اذا عاينوا الحق بوصفه وهم وجدوه اعظم وأجل مما وجدوه فى مكاشفاتهم فى الدنيا فيكونون مغبونين حيث لم يعرفوه حق معرفته ولم يعبدوه حق عبادته وان كانوا لا يعرفونه ابدا حق معرفته واى غبن اعظم من هذا اذ يرونه ولا يصلون الى حقيقة وجوده. وقال ابن عطاء رحمه الله تغابن اهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلى وقال بعض الكبار يوم شهود الحق فى مقام الجمعية يوم غبن اهل الشهود والمعرفة على اهل الحجاب والغفلة فانهم فى نعيم القرب والجمع واهل الحجاب فى جحيم البعد والفراق {ومن يؤمن بالله} بالصدق والاخلاص بحسب نور استعداده {ويعمل صالحا} اى عملا صالحا بمقتضى ايمانه فان العمل انما يكون بقدرالنظر وهو اى العمل الصالح ما يبتغى به وجه الله فرضا او نقلا (روى) ان ابراهيم بن ادهم رحمه الله أراد ان يدخل الحمام فطلب الحمامى الاجرة فتأوه وقال اذا لم يدخل احد بيت الشيطان بلا أجره فانى يدخل بيت الرحمن بلا عمل {يكفر} اى يغفر الله ويمح {عنه سيئاته} يوم القيامة فلا يفضحه به {ويدخله} بفضله وكرمه لا بالايجاب {جنات} على حسب درجات اعماله {تجرى من تحتها} اى من تحت صورها واشجارها {الانهار} الاربعة {خالدين فيها} حال من الهاء فى يدخله وحد أولا حملا على لفظ من ثم جمع حملا على معناه {ابدا} نصب على الظرف وهو تأكيد للخلود {ذلك} اى ما ذكر من تكفير السيئات وادخال الجنات {الفوز العظيم} الذى لا فوز ورآءه لانطوآئه على النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجل الطيبات فيكون أعلى حالا من الفوز الكبير لانه يكون بجلب المنافع كما فى سورة البروج والفوز العظيم فى الحقيقة هو الانخلاع عن الوجود المجازى والتلبس بلباس الوجود الحقيقى وذلك موقوف على الايمان الحقيقى الذوقى والعمل الصالح المقارن بشهود العامل فان نور الشهود حينئذ يستر ظلمات وجوده الاضافى وينوره بنور الوجود الحقيقى ويدخله جنات الوصول والوصال التى تجرى من تحتها الانهار مملوءه من ماء المعارف والحكم.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} ظرف لخبير او لاذكروا مقدّراً كأنّه قيل: فما نفعل حتّى يستقيم ايماننا بهذا النّور؟ - فقال: اذكروا حضوركم عند ربّكم حتّى يسهل عليكم الايمان بهذا النّور وتستقيموا على الايمان به {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} يوم ظهور غبن المغبون، او يوم غبن اهل الجنّة اهل النّار بنزولهم منازل اهل النّار فى الجنّة، وفى الخبر يوم يغبن اهل الجنّة اهل النّار {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً} اىّ صالحٍ كان حتّى يظهر بعملٍ صالحٍ ما صحّة ايمانه او يعمل صالحاً عظيماً هو قبول الولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قد مضى الايتان مكرّرتين.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} مفعول اذكر أو متعلق بتنبؤا وبخبير لما فيه من الوعيد كأنه قيل يعاقبكم يوم {يَجْمَعَكُمْ} وقرأ يعقوب بالنون {لِيَوْمِ الجَمْعِ} يوم القيامة يجمع فيه الملائكة والثقلان ومجموع الجار والمجرور بدل من الظرف واللام بمعنى في أو للتوقيت. {ذَلِكَ} اليوم {يَوْمُ التَّغَابُنِ} مصدر تغابن بفتح الباء يغبن فيه بعض الناس بعضا واللام للكمال كقوله "هم القوم كل القوم يا أم خالد" فإن التغابن ذلك اليوم هو التغابن حتى ان غيره من التغابن في امر الدنيا ولو عظم كلا تغابن وذلك ان لكل احد منزلا في الجنة ومنزلا في النار فيأخذ اهل الجنة منازلهم في الجنة ومنازل أهل النار فيها ويأخذ أهل النار منازلهم في النار ومنازل أهل الجنة فيها. وفي الحديث "حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما عبد يدخل النار إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة"تفسير : والتفاعل ليس على بابه فإن أهل الجنة غبنوا أهل النار بدون ان يغبنهم أهل النار أو فيه مجاز وفي ذلك تهكم بأهل النار فإن المغبون باق معه شيء ينتفع به وأهل النار لانفع لهم وفيه اشارة الى قوله اشتروا الضلالة بالهدى وقوله هل ادلكم الخ.... وقوله ان الله اشترى. وقيل المراد بالغبن كون فريق في الجنة وفريق في السعير وقيل غبن المظلوم للظالم فإن المظلوم اخذ بظلامه مالا يساوي شيء والظالم يعاقب عليها كذلك والاول قول مجاهد وغيره وبين التغابن وفصله بقوله {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً} أي عملا صالحا أو حال من ضمير يعمل أي يعمل حال كونه صالحا فإنه في حال عمل المعصية غير صالح. {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ} وقرأ غير نافع. وابن عامر بالياء فيهما {جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} حال مقدرة {فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ} المذكور من التفكير والادخال والخلود {الفَوْزُ العَظِيمُ} لان فيه جلب المنفعة العظيمة وهي الادخال والخلود ودفع المضرة وهي عقوبة السيئات التي هي النار.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } ظرف { أية : لَتُنَبَّؤُنَّ } تفسير : [التغابن: 7] وقوله تعالى: { أية : وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } تفسير : [التغابن: 7] وقوله سبحانه: {فَآمِنُواْ} إلى { أية : خَبِيرٌ } تفسير : [التغابن: 8] من الاعتراض، فالأول: يحقق القدرة على البعث، والثاني: يؤكد ما سيق له الكلام من الحث على الإيمان به وبما تضمنه من الكتاب وبمن جاء به، وبالحقيقة هو نتيجة قوله تعالى: {لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ } قدم على معموله للاهتمام فجرى مجرى الاعتراض، وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } اعتراض في اعتراض لأنه من تتمة الحث على الإيمان كما تقول: اعمل إني غير غافل عنك، وقال الحوفي: ظرف ـ لخبير ـ وهو عند غير واحد من الأجلة بمعنى مجازيكم فيتضمن الوعد والوعيد. وجعله الزمخشري بمعنى معاقبكم، ثم جوز هذا الوجه، وتعقب بأنه يرد عليه أنه ليس لمجرد الوعيد بل للحث كيف لا والوعيد قد تم بقوله تعالى: { أية : لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } تفسير : [التغابن: 7] فلم يحسن جعله بمعنى معاقبكم فتدبر. وجوز كونه منصوباً بإضمار اذكر مقدراً، وتعقب بأنه وإن كان حسناً إلا أنه حذف لا قرينة ظاهرة عليه، وجوز كونه ظرفاً لمحذوف بقرينة السياق أي يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال يوم يجمعكم. وتعقب بأن فيه ارتكاب حذف لا يحتاج إليه، فالأرجح الوجه الأول. وقرىء {يجمعكم } بسكون العين، وقد يسكن الفعل المضارع المرفوع مع ضمير جمع المخاطبين المنصوب، وروي إشمامها الضم، وقرأ سلام ويعقوب وزيد بن علي والشعبـي ـ نجمعكم ـ بالنون. {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون، وقيل: الملائكة عليهم السلام والثقلان، وقيل، غير ذلك، والأول أظهر. واللام قيل: للتعليل، وفي الكلام مضاف مقدر أي لأجل ما في يوم الجمع من الحساب، وقيل: بمعنى في فلا تقدير. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنهم قالوا: يوم غبن فيه أهل الجنة أهل النار فالتفاعل فيه ليس على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد، واختير للمبالغة، وإلى هذا ذهب الواحدي. وقال غير واحد: أي يوم غبن فيه بعض الناس بعضاً بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس، ففي «الصحيح» « حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة » تفسير : وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء بنزولهم في منازلهم من النار، أو جعل ذلك تغابناً مبالغة على طريق المشاكلة، فالتفاعل على هذا / القول على ظاهره وهو حسن إلا أن التغابن فيه تغابن السعداء والأشقياء على التقابل، والأحسن الإطلاق، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في «الصحاح»، واختار ذلك محي السنة حيث قال: التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة فيظهر يومئذٍ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان، قال الطيبـي: وعلى هذا الراغب حيث قال: الغبن أن يبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء فإن كان ذلك في مال يقال: غبن فلان بضم الغين وكسر الباء، وإن كان في رأي يقال: غبن بفتح الغين وكسر الباء. و {يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } يوم القيامة لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 207] وقوله سبحانه: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] وقوله عز وجل: { أية : ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [آل عمران: 77] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعاً انتهى. والجملة مبتدأ وخبر. والتعريف للجنس. وفيها دلالة على استعظام ذلك اليوم وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } أي عملاً صالحاً {يُكَفِّرْ} أي الله تعالى {عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ } في ذلك اليوم {وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } أي مقدرين الخلود فيها. والجمع باعتبار معنى {مِنْ } كما أن الإفراد باعتبار لفظه. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وطلحة ونافع وابن عامر والمفضل عن عاصم وزيد بن علي والحسن بخلاف عنه ـ نكفر وندخله ـ بنون العظمة فيهما. {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من تكفير السيآت وإدخال الجنات {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجل الطلبات.
ابن عاشور
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}. متعلقٌ بفعل {أية : لتنبؤن بما عملتم}تفسير : [التغابن: 7] الذي هو كناية عن «تُجَازوْنَ» على تكذيبكم بالبعث فيكون من تمام ما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ابتداء من قوله تعالى: {أية : قل بلى وربي لتبعثن}تفسير : [التغابن: 7]. والضمير المستتر في {يجمعكم} عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {أية : والله بما تعملون خبير}تفسير : [التغابن: 8]. ومعنى {يجمعكم} يجمع المخاطبين والأمم من الناس كلهم، قال تعالى: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين}[المرسلات: 38]. ويجوز أن يراد الجمع الذي في قوله تعالى: { أية : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3]، وهذا زيادة تحقيق للبعث الذي أنكروه. واللام في {ليوم الجمع} يجوز أن يكون للتعليل، أي يجمعكم لأجل اليوم المعروف بالجمع المخصوص. وهو الذي لأجل جمع الناس، أي يبعثكم لأجل أن يجمع الناس كلهم للحساب، فمعنى {الجمع} هذا غيرُ معنى الذي في {يجمعكم}. فليس هذا من تعليل الشيء بنفسه بل هو من قبيل التجنيس. ويجوز أن يكون اللام بمعنى (في) على نحو ما قيل في قوله تعالى: {أية : لا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو}تفسير : [الأعراف: 187]، وقوله: {أية : يا ليتني قدمتُ لحياتي}تفسير : [الفجر: 24] وقول العرب: مضى لسبيله، أي في طريقه وهو طريق الموت. والأحسن عندي أن يكون اللام للتوقيت، وهي التي بمعنى (عند) كالتي في قولهم: كُتب لكَذا مَضِينَ مثلاً، وقوله تعالى: {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس}تفسير : [الإسراء: 78]. وهو استعمال يدل على شدة الاقتراب ولذلك فسروه بمعنى (عند)، ويفيد هنا: أنهم مجموعون في الأجل المعين دون تأخير ردّاً على قولهم: {أية : لن يبعثوا}تفسير : [التغابن: 7]، فيتعلق قوله: {ليوم الجمع} بفعل {يجمعكم}. فـ«يوم الجمع» هو يوم الحشر. وفي الحديث «حديث : يجمع الله الأولين والآخرين»تفسير : الخ. جعل هذا المركب الإِضافي لقباً ليوم الحشر، قال تعالى: {أية : وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير}تفسير : [الشورى: 7]. وقرأ الجمهور {يجمعكم} بياء الغائب. وقرأه يعقوب بنون العظمة. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ}. اعتراض بين جملة { أية : ثم لتنبؤن بما عملتم}تفسير : [التغابن: 7] بمتعلقها وبين جملة {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً نكفر عنه سيئاته} اعتراضاً يفيد تهويل هذا اليوم تعريضاً بوعيد المشركين بالخسارة في ذلك اليوم: أي بسوء المنقلب. والإِتيان باسم الإِشارة في مقام الضمير لقصد الاهتمام بهذا اليوم بتمييزه أكمل تمييز مع ما يفيده اسم إشارة البعيد من علوّ المرتبة على نحو ما تقدم في قوله: {أية : ذلك الكتاب}تفسير : في سورة [البقرة: 2]. و{التغابن}: مصدر غابَنه من باب المفاعلة الدالة على حصول الفعل من جانبين أو أكثر. وحقيقة صيغة المفاعلة أن تدل على حصول الفعل الواحد من فاعلين فأكثر على وجه المشاركة في ذلك الفعل. والغبن أن يعطى البائع ثمَناً لمبيعه دون حَقِّ قيمته التي يعوَّض بها مثلُه. فالغبن يؤول إلى خسارة البائع في بيعه، فلذلك يطلق الغبن على مطلق الخسران مجازاً مرسلاً كما في قول الأعشى: شعر : لا يقبَلُ الرَشْوَة في حُكمه ولا يبالي غَبن الخَاسر تفسير : فليست مادة التغابن في قوله: {يوم التغابن} مستعملة في حقيقتها إذ لا تعارض حتى يكون فيه غبن بل هو مستعمل في معنى الخسران على وجه المجاز المرسل. وأما صيغة التفاعل فحملها جمهور المفسرين على حقيقتها من حصول الفعل من جانبين ففسروها بأن أهل الجنة غبنوا أهل النار إذ أهل الجنة أخذوا الجنة وأهل جهنم أخذوا جهنم قاله مجاهد وقتادة والحسن. فحمل القرطبي وغيره كلام هؤلاء الأيمة على أن التغابن تمثيل لحال الفريقين بحال مُتَبايَعَيْن أخذ أحدهما الثمن الوافيَ، وأخذ الآخر الثمنَ المغبون، يعني وقوله عقبه {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً نكفر عنه سيئاته}، إلى قوله: {وبئس المصير} قرينة على المراد من الجانبين وعلى كلا المعنيين يكون قوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً} إلى قوله: {وبئس المصير} تفصيلاً للفريقين، فيكون في الآية مجاز وتشبيه وتمثيل، فالمجاز في مادة الغبن، والتمثيل في صيغة التغابن، وهو تشبيه مركب بمنزلة التشبيه البليغ إذ التقدير: ذلك يوم مِثْل التغَابن. وحمل قليل من المفسرين (وهو ما فسر إليه كلام الراغب في مفرداته) وصرح ابن عطية صيغَة التفاعل على معنى الكثرة وشدة الفعل (كما في قولنا: عافاك الله وتبارك الله) فتكون استعارة، أي خسارة للكافرين إذ هم مناط الإِنذار. وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم}تفسير : في سورة [البقرة: 16]، وقوله:{أية : يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم }تفسير : الآية في سورة [الصف: 10]. فصيغة التفاعل مستعملة مجازاً في كثرة حصول الغبن تشبيهاً للكثرة بفعل من يحصل من متعدد. والكلام تهديد للمشركين بسوء حالتهم في يوم الجمع، إذ المعنى: ذلك يوم غبنكم الكثير الشديد بقرينة قوله قبله{أية : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا}تفسير : [التغابن: 8]. والغابن لهم هو الله تعالى. ولولا قصد ذلك لما اقتصر على أن ذلك يوم تغابن فإن فيه ربحاً عظيماً للمؤمنين بالله ورسوله والقرآن، فوزان هذا القصر وزان قوله: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : [البقرة: 16] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما المُفلس الذي يفلس يوم القيامة»تفسير : . وأفاد تعريف جزأي جملة {ذلك يوم التغابن} قصرَ المسند على المسند إليه أي قصر جنس يوم التغابن على يوم الجمعة المشار إليه باسم الإِشارة، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف قصراً ادعائياً، أي ذلك يوم الغبن لا أيام أسواقكم ولا غيرُها، فإن عدم أهمية غبن الناس في الدنيا جعل غبن الدنيا كالعدم وجعل يوم القيامة منحصراً فيه جنس الغبن. وأما لام التعريف في قوله: {التغابن} فهي لام الجنس، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة}تفسير : [الزمر: 15]. وقوله في ضده {أية : يرجون تجارة لن تبور}تفسير : [فاطر: 29]. هذا هو المتعين في تفسير هذه الآية وأكثر المفسرين مرّ بها مَرّاً. ولم يحتلب منها دَرّاً. وها أنا ذَا كددت ثمادي، فعَسَى أن يقع للناظر كوقْع القراحِ من الصادي، والله الهادي. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَـٰتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المَصِيرُ} معطوفة على جملة {أية : فآمنوا بالله ورسوله }تفسير : [التغابن: 8] وهو تفصيل لما أجمل في قوله: {أية : والله بما تعملون خبير}تفسير : [التغابن: 8] الذي هو تذييل. و{مَن} شرطية والفعل بعدها مستقبل، أي من يؤمن من المشركين بعد هذه الموعظة نكفر عنه ما فرط من سيئاته. والمراد بالسيئات: الكفر وما سبقه من الأعمال الفاسدة. وتكفير السيئات: العفو عن المؤاخذة بها وهو مصدر كفّر مبالغة في كفَر. وغلب استعماله في العفو عما سلف من السيّئات وأصله: استعارة الستر للإِزالة مثل الغفران أيضاً. وانتصب {صالحاً} على الصفة لمصدر وهو مفعول مطلق محذوف تقديره: عملاً صالحاً. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {نكفر} و{ندخله} بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم لأن مقام الوعد مقام إقبال فناسبه ضمير التكلم. وقرأهما الباقون بياء الغيبة على مقتضى الظاهر لأن ضمير الجلالة يؤذن بعناية الله بهذا الفريق. وجملة {ذلك الفوز العظيم} تذييل. وقوله: {والذين كفروا وكذبوا}، أي كفروا وكذبوا من قبلُ واستمرُّوا على كفرهم وتكذيبهم فلم يستجيبوا لهذه الدعوة ثبت لهم أنهم أصحاب النار. ولذلك جيء في جانب الخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبات لعراقتهم في الكفر والتكذيب. وجيء لهم باسم الإِشارة لتمييزهم تمييزاً لا يلتبس معه غيرهم بهم مثل قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] مع ما يفيده اسم الإِشارة من أن استحقاقهم لملازمة النار ناشىء عن الكفر والتكذيب بآيات الله وهذا وعيد. وجملة {وبئس المصير} اعتراض تذييلي لزيادة تهويل الوعيد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ}. يوم الجمع هو يوم القيامة، وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ظرف منصوب بأذكر مقدرة أو بقوله {أية : خَبِيرٌ}تفسير : [التغابن: 8]. فيكون المعنى: أنه يوم القيامة خبير بأعمالكم في الدنيا لم يخف عليه منها شيء فيجازيكم عليها، سمي يوم الجمع لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الواقعة: 49 - 50]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام عليه في عدة مواضع منها في الجزء الثالث عند قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [هود: 103]. ومنها في الجزء السابع عند الآية المتقدمة، {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الواقعة: 49-50]. ومن أصرح الأدلة فيه: آية الشورى {أية : وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [الشورى: 7]، ثم قال: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى: 7]. قوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ}. الغبن: الشعور بالنقص ومثله الخبن لاشتراكهما في حرفين من ثلاثة، كما في فقه اللغة، فبينهما تقارب في المعنى كتقاربهم في الحرف المختلف، وهو الغين والخاء ولخفاء الغين في الحلق وظهور الخاء عنها كان الغبن لما خفي، والخبن لما ظهر. وقد بين تعالى موجب الغبن للغابن والمغبون فقال: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}، وبين حال المغبون بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التغابن: 10]. وقد بين العلماء حقيقة الغبن في هذا المقام بأن كل إنسان له مكان في الجنة ومكان في النار. فإذا دخل أهل النار النار بقيت أماكنهم في الجنة، وإذا دخل أهل الجنة الجنة بقيت أماكنهم في النار. وهناك تكون منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة يتوارثونها عنهم، فيكون الغبن الأليم، وهو استبدال مكان في النار بمكان في الجنة ورثوا أماكن الآخرين الذين ذهبوا إلى النار.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 9- يوم يجمعكم فى يوم الجمع للأولين والآخرين يجازيكم على أعمالكم، ذلك يوم التغابن الذى يظهر فيه غُبْنَ الكافرين لانصرافهم عن الإيمان، وغبن المؤمنين المقصرين لتهاونهم فى تحصيل الطاعات، ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يذهب عنه سيئاته، ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ماكثين فيه أبداً. ذلك الجزاء هو الفوز العظيم 10- والذين جحدوا بالإيمان وكذَّبوا بمعجزاتنا التى أيدنا بها رسلنا، أولئك أصحاب النار ماكثين فيها، وساء المصير الذى صاروا إليه. 11- ما أصاب العبد من بلاء إلا بتقدير الله، ومن يُصدِّق بالله يَهْدِ قلبه إلى الرضا بما كان، والله بكل شئ تام العلم. 12- وأطيعوا الله فيما كلَّفكم به، وأطيعو الرسول فيما بلَّغ عن ربه، فإن أعرضتم عن هذه الطاعة فلن يضره إعراضكم، فإنما على رسولنا إبلاغكم الرسالة بلاغاً بيناً. 13- الله لا معبود - بحق - إلا هو، وعلى الله - وحده - فليعتمد المؤمنون فى كل أمورهم. 14- يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم بما يصرفونكم عن طاعة الله لتحقيق رغباتهم، فكونوا منهم على حذر، وإن تتجاوزوا عن سيئاتهم التى تقبل العفو، وتُعرضوا عنها وتستروها عليهم يغفر الله لكم، فإن الله واسع المغفرة والرحمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحاً} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (9) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَبْعَثُكُم اللهُ مِنْ قُبُورِكُمْ، وَيَحْشُرُكُمْ إِلَيهِ لِلحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَذَلِكَ اليَوْمُ هُوَ يَوْمُ التَّغَابُنِ، إِذْ يَكُونُ النَّاسُ فَرِيقَينَ: كَافِرِينَ اشْتَرَوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ، فَخَسِرَتْ صَفقَتُهُمْ، وَصَارُوا إِلَى عَذَابِ النَّارِ، وَمُؤْمِنِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ، فَرَبِحَتْ صَفقَتُهُمْ، وَصَارُوا إِلَى نَعِيمِ الجَنَّةِ، فَلاَ غبْنَ أَعْظَمِ مِنَ الغبْنِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، حَينَمَا يَجِدُ الكَافُرُونَ المُقَصِّرُونَ أَنَّهُمْ بَاعُوا النَّعِيمَ الخَالِدَ الدَّائِمَ، بِلَذَّةٍ قَلِيلَةٍ زَائِلَةٍ. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ بِطَاعَتِهِ. يُكَفِّرِ اللهُ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ، وَيَغْفِرْ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّةً تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَبْقَى خَالِداً فِي نَعِيمِهَا أَبَداً، وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ الَّذِي لاَ فَوْزَ بَعْدَهُ. يَوْمُ التَّغَابُنِ - يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكَافِرِ بِتَرْكِهِ الإِيْمَانَ.
الثعلبي
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} قراءة العامّة بالياء لقوله سبحانه {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وقرأ [رويس عن يعقوب (يوم نجمعكم)] بالنون اعتباراً بقوله أنزلنا. {لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد، وقد ورد في تفسير التغابن عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أخبرنا الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن سنان قال: حدّثنا كثير بن يحيى قال: حدّثنا أَبُو آمنة بن معلّى الثقفي قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد المنقري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من عبد مؤمن يدخل الجنّة إلاّ أُري مقعده من النّار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النّار إلاّ أُري مقعده من الجنّة لو أحسن ليزداد حسرة ". تفسير : قال المفسّرون: من غبن أهله منازله في الجنّة فيظهر يومئذ غبن كلّ كافر ببركة الإيمان، وغبن كلّ مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيّام. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} قرأ أهل المدينة والشام ها هنا وفي السورة الّتي تليها: نكفّر وندخله بالنون، والباقون بالياء. {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بأرادته وقضائه. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} قصدوا به لا يصيب مصيبةً إلاّ بإذن اللّه {يَهْدِ قَلْبَهُ} يوفقه لليقين حتّى يعلم أنّ ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأه لم يكن ليصيبه قاله إبن عبّاس. وأنبأني عبد اللّه بن حامد إجازة قال: أخبرنا الحسن بن يعقوب قال: حدّثنا أَبُو إسحاق إبراهيم بن عبد اللّه قال: حدّثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنّا نعرض المصاحف على علقمة بن قيس فمرّ بهذه الآية {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} فسألناه عنها فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنّها من عند اللّه فيرضى ويسلّم. وقال أَبُو بكر الورّاق: ومن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء، فيعلم أنّها من فضل اللّه يهد قلبه للشكر، ومن يؤمن باللّه عند الشدّة والبلاء فيعلم أنّها من عند اللّه يهدِ قلبه للرضا والصبر. وقال أَبُو عثمان الجيري: ومن صحّ إيمانه يهد قلبه لاتباع السنّة. وقد اختلف القرّاء في هذه الآية، فقراءة العامّة (يهد قلبه) بفتح الياء والباء واختاره أَبُو عبيده وأَبُو حاتم، وقرأ السلمي بضم الياء والباء وفتح الدّال على الفعل المجهول، وقرأ طلحة ابن مصرف: نهد قلبه بالنون وفتح الباء على التعظيم. وأخبرني إبن فنجويه قال: حدّثنا إبن حمدان قال: حدّثنا أحمد بن الفرج المقرئ قال: حدّثنا أَبُو عمر المقرئ قال: حدّثنا أَبُو عمارة قال: حدّثنا سهل بن موسى الأَسواري قال: أخبرني من سمع عكرمة يقرأ: ومن يؤمن باللّه يهدأ قلبه، من الهدوء أي يسكن ويطمئن. وقرأ مالك بن دينار: يهدا قلبه بألف لينّة بدلا من الهمزة. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} التبليغ البيّن. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} نزلت في قوم أرادوا الهجرة فثبّطهم عنها أزواجهم وأولادهم. قال ابن عبّاس: كان الرجل يُسلم، فإذا أراد أن يهاجر منعه أهله وولده وقالوا له: ننشدك اللّه أنْ تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير بالمدينة بلا أهل ومال، وإنّا قد صبرنا على إسلامك فلا نصبر على فراقك، ولا نخرج معك، فمنهم من يرقّ لهم ويقيم لذلك فلا يهاجر، فإذا هاجر رأى النّاس قد نقموا في الدّين منهم أن يعاقبهم في تباطئهم به عن الهجرة، ومنهم من لا يطيعهم ويقولون لهم في خلافهم في الخروج: لئن جمعنا اللّه وإيّاكم لا تصيبون منّي خيراً، ولأَفعلنَّ، وأفعلنّ فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية. وقال عطاء بن يسار وعطاء الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزّو بكوا إليه ورفّقوه وقالوا: إلى من تكلنا وتدعنا فيرقّ ويقيم، فأنزل اللّه سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} لحملهم إيّاكم على المعصية وترك الطاعة فاحذروهم أن تقبلوا منهم. {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ} فلا تعاقبوهم على خلافهم إيّاكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} بلاء واختبار يحملكم على الكسب من الحرام والمنع عن الحقّ، وقال القتيبي: إغرام يقال فتن فلان بفلانة أي أُغرم بها. قالت الحكماء: أُدخل من التبعيض في ذكر الأَزواج والأولاد حيث أُخبر عن عداوتهم، لأنّ كلّهم ليسوا بأعداء ولم يذكر من في قوله {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنّها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب بها، يدلّ عليه قول عبد اللّه بن مسعود: "لا يقولنّ أحد: اللّهم إنّي أعوذ بك من الفتنة، فإنّه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلاّ وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللّهم إني أعوذ بك من مضلاّت الفتن". وأخبرنا إبن منجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد اللّه بن الفضل قال: حدّثنا أَبُو خثمه قال: حدّثنا زيد بن حباب قال: حدّثنا حسين بن واقد قاضي مرو قال: حدثني عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال: حديث : كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النّبي (عليه السلام) اليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر فقال: "صدق اللّه {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما" تفسير : ثم أخذ في الخطبة. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} ناسخة لقوله {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] وقد مرّ ذكره. {وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} مجازه: يكن الإنفاق خيراً لأنفسكم. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} ومنعها عن الحقّ {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} قال إبن عمر: "ليس الشّح أن يمنع الرجل ماله، وإنّما الشّح أن يطمع الرجل إلى ما ليس له". {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}. {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} .
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: : ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} [الآية: 9]. قال: غبن أَهل الجنة أَهل النار. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ، ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} [الآية: 14]. قال: يحمل أَحدَكم حبُّ ولده وزوجته على قطيعة الرحم، أَو على معصية ربه ولا يستطيع مع حبه إِلا أَن يعطيه. فنهى الله عن طاعتهم في ذلك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} [التغابن: 9]، يعني: يوم جمع المتفرقات من القوى العلوية والسفلية وآثارها {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} [التغابن: 9]، لاطلاع القوى الكافرة على اتباعه استعدادها في استعمالها في الباطل، واطلاع القوى المؤمنة على تضييع وقت من أوقاتها ونفس من أنفاسها في غير ذكر الله، و[ضيعته] في ذلك النفس الذي هو ظرف له ليضع فيه ما يدخر له في هذا اليوم؛ رأى ظرفه خالياً من النعم يتحسر على غبنه، وإن كان - نعوذ بالله - مملوءاً من الحيات والعقارب والقاذروات؛ فليدغنه ويلسعنه ويؤذينه تنيبهاً؛ فهو الخسران العظيم والعذاب الأليم، تفكر واحذر، واجعل في ظرفك ما تتنعم به أبد الآباد، ولا تجعل يه ما يتألم بمشاهدته يوم يكشف الغطاء خالداً مخلداً، {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} [التغابن: 9]، يعني: من يؤمن من قوى النفس اللوامة والقوى القالبية المتطهرة بالله اليوم قبل كشف الغطاء، ويعمل صالحاً، ويضع في ظرفه الصالحات، يكفر عنه ما سلف من السيئات، ويخرج من ظروفه الفاسدة التي وضع فيها من قبل، {وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [التغابن: 9]، يعني: يدخله جنات قلبه التي تجرى من تحتها الأنهار [بالمعارف]، {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التغابن: 9]، لأنه تعوّد أبد الآباد بعمل قليل في أيام قلائل فانيات. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ} [التغابن: 10]، من القوى القالبية والنفسية {بِآيَٰتِنَآ} [التغابن: 10]، الأنفسية مما شاهدتها {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} [التغابن: 10]، التي استعلموها في أنفسها من نيران الغضب والبغض والكبر والحسد، {خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التغابن: 10]، يعني: بئس مرجع القوى الكافرة المكذبة. {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [التغابن: 11]، يعني: ما أصاب من خير وضر إلا بمشيئته وقضائه، في ملكه وملكوته، {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، يعني: من يؤمن بالله من القوى القالبية والنفسية، يهد قلبه بنور الوارد؛ بأن يجعل له يقيناً، ما أراد الله أن يصيبه من القبض والبسط لم يخطئه، وما لم يرد لم يكن ليصيبه، ولو كان الجن والإنس بعضهم لبعض ظهيراً لا يقدرون على إصابة مصيبة خيراً أو شراً إلى شخص من الآفاق والأنفس مما لم يرد الله إصابته إليه، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11]، يعني: باستحقاق كل استعداد للخير والشر؛ فيرسل إليه على قدر استحقاق الاستعداد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، ويقفهم موقفًا هائلا عظيمًا، وينبئهم بما عملوا، فحينئذ يظهر الفرق والتفاوت بين الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم، والحزن، والعذاب الشديد، وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم، ولهذا قال: { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } . أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون، فكأنه قيل: بأي شيء يحصل الفلاح والشقاء والنعيم والعذاب؟ فذكر تعالى أسباب ذلك بقوله: { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ } [أي:] إيمانًا تامًا، شاملا لجميع ما أمر الله بالإيمان به، { وَيَعْمَلْ صَالِحًا } من الفرائض والنوافل، من أداء حقوق الله وحقوق عباده. { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وتختاره الأرواح، وتحن إليه القلوب، ويكون نهاية كل مرغوب، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } . { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي: كفروا [بها] من غير مستند شرعي ولا عقلي، بل جاءتهم الأدلة والبينات، فكذبوا بها، وعاندوا ما دلت عليه. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } لأنها جمعت كل بؤس وشدة، وشقاء وعذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):