Verse. 5210 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

مَاۗ اَصَابَ مِنْ مُّصِيْبَۃٍ اِلَّا بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ وَمَنْ يُّؤْمِنْۢ بِاللہِ يَہْدِ قَلْبَہٗ۝۰ۭ وَاللہُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۱۱
Ma asaba min museebatin illa biithni Allahi waman yumin biAllahi yahdi qalbahu waAllahu bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله» بقضائه «ومن يؤمن بالله» في قوله إن المصيبة بقضائه «يهد قلبه» للصبر عليها «والله بكل شىء عليم».

11

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي بأمر الله قاله الحسن، وقيل: بتقدير الله وقضائه، وقيل: بإرادة الله تعالى ومشيئته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعلمه وقضائه وقوله تعالى: {يَهْدِ قَلْبَهُ } أي عند المصيبة أو عند الموت أو المرض أو الفقر أو القحط، ونحو ذلك فيعلم أنها من الله تعالى فيسلم لقضاء الله تعالى ويسترجع، فذلك قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ } أي للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله: {أية : ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ } تفسير : إلى قوله: {أية : أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } تفسير : [البقرة: 156، 157]، قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرىء {نهدِ قَلْبَهُ } بالنون وعن عكرمة {يُهْدَ قَلْبَهُ } بفتح الدال وضم الياء، وقرىء {يهدأ} قال الزجاج: هدأ قلبه يهدأ إذا سكن، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل {أية : مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمئنان القلب عند المصيبة، وقيل: عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } فيما جاء به من عند الله يعني هونوا المصائب والنوازل واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى، ومن الرسول فيما دعاكم إليه. وقوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه {فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } الظاهر والبيان البائن، وقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة الله تعالى من قوله: {أية : لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تفسير : [التغابن: 1] فإن من كان موصوفاً بهذه الصفات ونحوها: فهو الذي {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل باب، وإليه المرجع والمآب، وقوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } بيان أن المؤمن لا يعتمد إلا عليه، ولا يتقوى إلا به لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلا هو، وقال في «الكشاف»: هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه، فإن قيل: كيف يتعلق {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بما قبله ويتصل به؟ نقول: يتعلق بقوله تعالى: {أية : فآمنوا بالله ورسوله } تفسير : [التغابن: 8] لما أن من يؤمن بالله فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بإرادته وقضائه. وقال الفرّاء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله. وقيل: سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب في الدنيا؛ فبيّن الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل، يقتضي هَمّاً أو يوجب عقاباً عاجلاً أو آجلاً فبعلم الله وقضائه. قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} أي يصدّق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله. {يَهْدِ قَلْبَهُ} للصبر والرضا. وقيل: يُثَبّته على الإيمان. وقال أبو عثمان الجِيزِي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السُّنة. وقيل: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} عند المصيبة فيقول: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} تفسير : [البقرة:156] قاله ابن جبير. وقال ابن عباس: هو أن يجعل الله في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الكَلْبيّ: هو إذا ابْتُلِي صَبَرَ، وإذا أُنعِم عليه شَكَر، وإذا ظُلم غَفر. وقيل: يَهْدِ قلبه إلى نيل الثواب في الجنة. وقراءة العامة «يَهْدِ» بفتح الياء وكسر الدال؛ لذكر اسم الله أوّلا. وقرأ السُّلَمِيّ وقتادة «يُهْدَ قَلْبُه» بضم الياء وفتح الدال على الفعل المجهول ورفع الباء؛ لأنه اسم فعل لم يسمّ فاعله. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف والأعرج «نَهْدِ» بنونٍ على التعظيم «قَلْبَه» بالنصب. وقرأ عكرمة «يَهْدَأ قلبُه» بهمزة ساكنة ورفع الباء، أي يسكن ويطمئن. وقرأ مثله مالك بن دِينار، إلا أنه لَيّن الهمزة. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لا يخفى عليه تسليم مَن انقاد وَسلَّم لأمره، ولا كراهة من كرهه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً بما أخبر به في سورة الحديد: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} تفسير : [الحديد: 22]. وهكذا قال ههنا: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره ومشيئته {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي ومن أصابته مصيبة، فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه. وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيراً منه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرىء عنده هذه الآية: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} فسئل عن ذلك، فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} يعني: يسترجع يقول: {أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَٰجِعونَ} تفسير : [البقرة: 156]. وفي الحديث المتفق عليه: «حديث : عجباً للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء، إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدإلا للمؤمن»تفسير : ، وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح: أنه سمع جنادة ابن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «حديث : إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيل الله» تفسير : قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله قال: «حديث : السماحة، والصبر» تفسير : قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال: «حديث : لا تتهم الله في شيء قضى لك به» تفسير : لم يخرجوه. وقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال تعالى: {فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي إن نكلتم عن العمل، فإنما عليه ما حمل من البلاغ، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم. ثم قال تعالى مخبراً: أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره، فقال تعالى: { ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي وحدوا الإِلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بقضائه {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ } في قوله: إن المصيبة بقضائه {يَهْدِ قَلْبَهُ } للصبر عليها {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.

الماوردي

تفسير : {ما أصابَ مِنْ مُّصيبةٍ} من نفس أو مالٍ أو قول أو فعل يقتضي همّاً أو يوجب عقاباً عاجلاً أو آجلاً. {إلا بإذْنِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: إلا بأمر اللَّه. الثاني: إلا بحكم اللَّه تسليماً لأمره وانقياداً لحكمه. {ومَن يُؤْمِن باللَّه يَهْدِ قلبَهُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه يهدي قلبه اللَّه تعالى. الثاني: أنه يعلم أنه من عند اللَّه ويرضى ويسلّم، قاله بشر. الثالث: أن يسترجع فيقول: إنّا للَّه وإنا إليه راجعون. الرابع: هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظُلم غفر، قاله الكلبي.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِإِذْنَ اللَّهِ} بأمره أو بحكمه {يَهْدِ قَلْبَهُ} يؤمن قلبه لله أو يعلم أنه من عند الله فيرضى به أو يسترجع أو إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظُلم غفر.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} يحتملُ أَنْ يريدَ المصائِبَ التي هي رَزَايا، ويحتملُ أنْ يريدَ جميعَ الحوادثِ من خيرِ وشر، والكلُّ بإذْنِ اللَّهِ، والإذنُ هنا عبارةٌ عَنِ العلمِ والإرَادَةِ وتَمْكِينُ الوقوع. وقوله سبحانه: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} قال فيه المفسرون: المعنَى ومَنْ آمنَ وعَرَفَ أنَّ كلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّه وقَدَرَه وَعِلْمِهِ، هانتْ عَلَيْهِ مصيبتُه وسلَّم لأمْرِ اللَّه تعالى. وقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} إلى آخر الآية، وعيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِلنبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عادل

تفسير : فصل لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكفار فقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: بإرادته وقضائه. وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله. وقيل: سبب نزول هذه الآية: أنَّ الكُفَّار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فبيّن الرب تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي همّاً أو يوجب عقاباً آجلاً أو عاجلاً فبعلم الله وقضائه. فإن قيل: بم يتصل قوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}؟. فالجواب: يتعلق بقوله: {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [التغابن: 8] كما أن من يؤمن بالله يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله. قوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} يصدق ويعلم أنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله {يَهْدِ قَلْبَهُ} للصبر والرضا. وقيل: يثبته على الإيمان. وقال أبو عثمان الجيزي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} عند المصيبة فيقول: {أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 156]. قال ابن جبير. وقال ابن عباس: هو أن يجعل في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر وإذا أنْعِمَ عليه شكر وإذا ظلم غفر. وقيل: {يَهْدِ قَلْبَهُ} إلى نَيْل الثَّواب في الجنَّة. قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ}. قراءة العامة: بالياء مجزوماً جواباً للشرط لتقدم ذكر الله. وابن جبير وابن هرمز طلحة والأزرق: بالنون على التعظيم. والضحاك وأبو حفص وأبو عبد الرحمن وقتادة: "يُهْدَ" مبنياً للمفعول "قَلْبُهُ" قائم مقام الفاعل. ومالك بن دينارٍ، وعمرو بن دينار، وعكرمة: "يَهْدَأ" بهمزة ساكنة "قلبه" فاعل به، بمعنى يطمئن ويسكن. وعمرو بن فائد: "يَهْدَا" بألف مبدلة من الهمزة كالتي قبلها، ولم يحذفها نظراً إلى الأصل، وهي أفصح اللغتين. وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً: "يَهْدَ" بحذف هذه الألف إجراء لها مُجرى الألف الأصلية، كقول زهير: [الطويل] شعر : 4779 - جَرِيءٌ مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقِبْ بظُلْمِهِ سريعاً، وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ تفسير : وقد تقدم إعراب ما قبل هذه الآية وما بعدها. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. لا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره، ولا كراهة من كرهه. قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}. أي: هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته {فَإِن تَولَّيْتُمْ} عن الطاعة فليس على الرسول إلا البلاغ المبين. قوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. أي: لا معبود سواه، ولا خالق غيره. قال ابن الخطيب: "قوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يحتمل أن يكون من جملة ما تقدم من الأوصاف الجميلة بحضرة الله تعالى من قوله: {أية : لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [التغابن: 1]، فإن من كان موصوفاً بهذه الأوصاف هو الذي لا إله إلا هو". قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. قال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.

البقاعي

تفسير : ولما كان من تعرفه من المرغبين والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس قادراً على حفظه وضبطه حتى لا يحتاج العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ووكيل يلزمه ذلك العمل ويضبطه، وكان قول المنافقين المتقدم في الإنفاق والإخراج من المصائب، وكانت المصائب تطيب إذا كانت من الحبيب، قال جواباً لمن يتوهم عدم القدرة متمماً ما مضى من خلال الأعمال بالإيمان بالقدر خيره وشره، مرغباً في التسليم مرهباً من الجزع قاصراً الفعل ليعم كل مفعول: {ما أصاب} أي أحداً يمكن المصائب أن تتوجه إليه، وذكر الفعل إشارة إلى القوة، وأعرق في النفي بقوله: {من مصيبة} أيّ مصيبة كانت دينية أو دنيوية من كفر أو غيره {إلا بإذن الله} أي بتقدير الملك الأعظم وتمكينه، فلا ينبغي لمؤمن أن يعوقه شيء من ذلك عن التقوى النافعة في يوم التغابن. ولما تسبب عن ذلك ما تقديره: فمن يكفر بالله بتقديره عليه الكفر يغو قلبه ويزده ضلالاً فيفعل ما يتوغل به في المصيبة حتى تصير مصائب عدة فتهلكه، عطف عليه قوله باعثاً على أول ركني الإسلام وهو إصلاح القوة العلمية: {ومن يؤمن بالله} أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده بشهادة إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بسبب الملك الأعظم وتقديره وإذنه {يهد قلبه} أي يزده هداية بما يجدده له من التوفيق في كل وقت حتى يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل مصيبة، فإنه يتذكر أنها من الله وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ويفعل ويقول ما أمر الله به ورسوله فيخف عليه، ولا يعوقه عن شيء من المنجيات في يوم التغابن، بل يحصل له بسببها عدة أرباح وفوائد، فتكون حياته طيبة بالعافية الشاملة في الدينيات والكونيات لأن بالعافية في الكونيات تطيب الحياة في الدنيا، وبالعافية في الدينيات تطيب الحياة في الآخرة فتكون العيشة راضية، وذلك بأن يصير عمله صواباً في سرائه وضرائه فيترك كل فاحشة دينية بدنية وباطنة قلبية ويترك الهلع في المصائب الكونية كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وذلك لأنه بصلاح القلب ينصلح البدن كله. ولما كان التقدير تعليلاً لذلك: فاللّه على كل شيء قدير فهو لا يدع شيئاً يكون إلا بإذنه، عطف عليه قوله: {والله} أي الملك الذي لا نظير له {بكل شيء} مطلقاً من غير مثنوية {عليم *} فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. ولما كان التقدير: فاصبروا عن هجوم المصائب، عطف عليه قوله تحذيراً من أن يشتغل بها فتوقع في الهلاك وتقطع عن أسباب النجاة دالاً على تعلم أمور الدين من معاداتها مشيراً إلى أن العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع: {وأطيعوا الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ونائبة تنوبكم وقضية تعروكم ما شرعه لكم، وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن الوقوف عند الحدود ولا سيما عند المصائب في غاية الصعوبة فقال: {وأطيعوا الرسول} أي الكامل في الرسلية - صلى الله عليه وسلم - فإنه المعصوم بما خلق فيه من الاعتدال وما زكى به من شق البطن وغسل القلب مراراً، وما أيد به من الوحي، فما كانت الأفعال بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم في كل إقدام وإحجام كانت معتدلة، سواء كانت شهوانية أو غضبية، ومتى لم تكن كذلك كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل فكانت مذمومة، فإن الله تعالى بلطف تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية دافعة لما يهلكه ويؤذيه، وقوة شهوانية جالبة لما ينميه ويقويه، فاعتدال الغضبية شجاعة ونقصها جبن وزيادتها تهور، فالناس باعتبارها جبان وشجاع ومتهور، واعتدال الشهوانية عفة ونقصانها زهادة وزيادتها شره، والناس باعتبارها زهيد وعفيف وشره، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وميزان العدل متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شرعه، فبذلك تنزاح الفتن الظاهرة والباطنة، ولا طريق إلى الله إلا بما شرعه، وكل طريق لم يشرعه ضلال من الكفر إلى ما دونه، ثم سبب عن أمره ذلك قوله معبراً بإداة الشك إشارة إلى البشارة بحفظ هذه الأمة من الردة ومشعراً بأن بعضهم يقع منه ذلك ثم يقرب رجوعه أو هلاكه: {فإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم عندما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن هذا النور الأعظم والميل إلى طرف من الأطراف المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا شيء من توليكم {فإنما على رسولنا} أضافه إليه على وجه العظمة تعظيماً له وتهديداً لمن يتولى عنه {البلاغ المبين *} أي الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاع ولم يدع لبساً، ليس إليه خلق الهداية في القلوب. ولما كان هذا موجعاً لإشعاره بإعراضهم مع عدم الحيلة في ردهم، عرف بأن ذلك إنما هو إليه وأنه القادر عليه فقال جواباً لمن كأنه قال: فما الحيلة في أمرهم - مكملاً لقسمي الدين بالاستعانة بعد بيان قسمه الآخر وهو العبادة: {الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {لا إله إلا هو} فهو القادر على الإقبال بهم ولا يقدر على ذلك غيره، فإليه اللجاء في كل دفع ونفع وهو المستعان في كل شأن فإياه فليرج في هدايتهم المهتدون {وعلى الله} أي الذي له الأمر كله لا على غيره. ولما كان مطلق الإيمان هو التصديق بالله باعتقاد أنه القادر على كل شيء فلا أمر لأحد معه ولا كفوء له فكيف بالرسوخ فيه، نبه على هذا المقتضي للربط بالفاء والتأكيد بلام الأمر في قوله: {فليتوكل المؤمنون *} أي يوجد التوكيل إيجاداً هو في غاية الظهور والثبات العريقون في هذا الوصف في رد المتولي منهم إن حصل منهم تول وكذا في كل مفقود فالعفة ليست مختصة بالموجود فكما أن قانون العدل في الموجود الطاعة فقانون العدل في المفقود التوكل وكذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان لهم الحظ الأوفر في كل توكل لا سيما حين ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحقهم بهذا الوصف الصديق رضي الله تعالى عنه كما يعرف ذلك من ينظر الكتب المصنفة في السير وأخبار الردة لا سيما كتابي المسمى في أخبار الردة. ولما كانت أوامر الدين تارة تكون باعتبار الأمر الديني من سائر الطاعات المحضة، وتارة باعتبار الأمر التكويني وهو ما كان بواسطة مال أو أهل أو ولد، أتم سبحانه القسم الأول في الآيتين الماضيتين، شرع في الأمر الثاني لأنه قد ينشأ عنه فتنة في الدين وقد ينشأ عنه فتة في الدنيا، ولما كانت الفتنة بالإقبال عليه والإعراض عنه أعظم الفتن، لأنها تفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وابنه وتذهل الخليل عن خليله - كما شوهد ذلك في بدء الإسلام، وكان أعظم ذلك في الردة، وكان قد تقدم النهي عن إلهاء الأموال والأولاد، وكان النهي عن ذلك في الأولاد نهياً عنه في الأزواج بطريق الأولى، فلذلك اقتصر عليهم دون الأزواج، وكان المأمور بالتوكل ربما رأى أن تسليم قياده لكل أحد لا يقدح في التوكل، أشار إلى أن بناء هذه الدار على الأسباب مانع من ذلك فأمر بنحوحديث : اعقلها وتوكل"حديث : واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" تفسير : الحديث، فقال جواباً عن ذلك لمن يحتاج إلى السؤال عن مثله مبيناً للأوامر بالاعتبار للامتحان التكويني وإن كان أولى الناس ببذل الجهد في تأديبه وتقويمه وتهذيبه أقرب الأقارب وألصق الناس بالإنسان وهو كالعلة لآخر "المنافقون": {يا أيها الذين آمنوا} ولما كان الأزواج أقرب عداوة من الأولاد قدمهن، فقال مؤكداً لمن يستبعد ذلك: {إن من أزواجكم} وإن أظهرن غاية المودة {وأولادكم} وإن أظهروا أيضاً غاية الشفقة والحنان {عدواً لكم} أي لشغلهم لكم عن الدين أو لغير ذلك من جمع المال وتحصيل الجاه لأجلهم والتهاون بالنهي عن المنكر فإن الولد مجبنة وغير ذلك، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ولا أعدى على الرجل من زوجه وولده إذا كانا عدوين وذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبإذهاب ماله - كما هو معروف - وعرضه، وأما في الآخرة فيما يسعى في اكتسابه من الحرام لأجلهم وبما يكسبانه منه بسبب جاهه. فالرجل من رأى ذلك نعمة من الله فجعله معيناً له على طاعته لا قاطعاً ومعوقاً عما يرضيه بأن يلتهي بمحبته وعداوته وبغضته. ولما أخبر عن العداوة، عبر بما قد يفهم الواحد فقط تخفيفاً، ولما أمر بالحذر جمع إشارة إلى زيادة التحذير والخوف في كل أحد ولو كان أقرب الأقرباء لأن الحزم سوء الظن كما رواه الطبراني في الأوسط، فسبب عن الإخبار بالعداوة الأمر بالحذر في قوله: {فاحذروهم} أي بأن تتقوا الله في كل أمرهم فتطلبوا في السعي عليهم الكفاف من حله وتقتصروا عليه، ولا يحملنكم حبهم على غير ذلك، وليشتد حذركم منهم بالعمل بما أمر الله حتى في العدل بينهم لئلا يتمكنوا من أذاكم فيعظم بهم الخطب ويكون فاتناً لكم في الدين إما بالردة - والعياذ بالله تعالى - أو بالشغل عن الطاعة أو بالإقحام في المعصية ومخالفة السنة والجماعة. ولما كان قد يقع ما يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من قدر أو مع الاستسلام، وكان وكل المؤذي إلى الله أولى وأعظم في الاستنصار، قال مرشداً إلى ذلك: {وإن تعفوا} أي توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك لأن من طبع على شيء لا يرجع، وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه سبحانه لئلا يكون سبباً للو المنهي عنه. ولما كان الرجوع عن الحظوظ صعباً جداً، أكد سبحانه فقال: {وتصفحوا} أي بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان {وتغفروا} أي بأن تستروا ذنوبهم ستراً تاماً شاملاً للعين والأثر بالتجاوز بعد ترك العقاب عن العتاب، فلا يكون منكم اشتغال بعداوتهم ولا ما قد يجرها عما ينفع من الطاعة، ولما كان التقدير: يغفر الله لكم، سبب عنه قوله: {فإن الله} أي الجامع لصفات الكمال {غفور} أي بالغ المحو الأعيان الذنوب وآثرها جزاء لكم على غفرانكم لهم وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم لهم فإنه {رحيم *} يزيدكم بعد ذلك الستر الإكرام بالإنعام إن أكرمتموهم، فتخلقوا بأخلاقه سبحانه يزدكم من فضله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [الآية: 11]. قال أبو عثمان فى هذه الآية: من صحح إيمانه بالله يهد قلبه لاتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلامة صحة الإيمان المداومة على السنن وملازمة الاتباع وترك الآراء والأهواء المضلة.

القشيري

تفسير : أيُّ حُصْلةٍ حَصَلت فمِنْ قِبَلِه خَلْقاً، وبعلمه وإرادته حُكماً. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} حتى يهتدي إلى الله في السَّراء والضَّراء - اليومَ - وفي الآخرة يهديه إلى الجنة. ويقال: {يَهْدِ قَلْبَهُ} للأخلاق السنيَّة، والتنقِّي من شُحِّ النَّفْس. ويقال: {يَهْدِ قَلْبَهُ} لاتِّباع السُّنَّةِ واجتنابِ البِدْعة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} بين الله سبحانه وصف الفطرة السليمة التى فطرها على قبول ما جاء من الغيب من الامور العالية المبلغة قلوب العارفين الى معادنها اى من كان له قلب سليم يقبل قول الحق ويتبع الحق بالحق يعرفه الحق طريق الحقيقة ويرشده الى نفسه حتى يراه بلا واسطة قال ابو عثمان من صحح ايمانه بالله يهد قلبه لاتباع سنة نبيه صلى الله علهي وسلم وعلامة صحة الايمان المداومة على السنن وملازمة الاتباع وترك الاراء والاهواء المضلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما} نافية ولذا زاد من المؤكدة {أصاب} الخلق يعنى نرسد بهيج كس {من مصيبة} من المصائب الدنيوية فى الابدان والأولاد والأموال {الا باذن الله} استثناء مفرغ منصوب المحل على الحال اى ما أصاب مصيبة ملتبسة بشئ من الاشياء الا باذن الله اى بتقديره وارادته كأنها بذاتها متوجهة الى الانسان متوقفة على اذنه تعالى ان تصيبه وهذا لا يخالف قوله تعالى فى سورة الشعرآء {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}تفسير : اى بسبب معاصيكم ويتجاوز عن كثير منها ولا يعاقب عليها اما اولا فلان هذا القول فى حق المجرمين فكم من مصيبة تصيب من أصابته لامر آخر من كثرة الأجر للصبر وتكفير السيئات لتوفيه الأجر الى غير ذلك وما أصاب المؤمنين فمن هذا القبيل واما ثانيا فلان ما أصاب من ساء بسوء فعله فهو لم يصب الا باذن الله وارادته ايضا كما قال تعالى {أية : قل كل من عند الله}تفسير : اى ايجادا وايصالا فسبحان من لا يجرى فى ملكه الا ما يشاء وكان الكفار يقولون لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب فى اموالهم وابدانهم فى الدنيا فبين الله ان ذلك انما يصيبهم بتقديره ومشيئته وفى اصابتها حكمة لا يعرفها الا هو منها تحصيل اليقين بأن ليس شئ من الامر فى يديهم فيبر أون بذلك من حولهم وقوتهم الى حول الله وقوته ومنها ما سبق آنفا من تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصبر عليها والرضى بقضاء الله الى غير ذلك ولو لم يصب الانبياء والاولياء محن الدنيا وما يطرأ على الاجسام لافتتن الخلق بما ظهر على أيديهم من المعجزات والكرامات على ان طريان الآلام والاوجاع على ظواهرهم لتحقق بشريتهم لا على بواطنهم لتحقق مشاهدتهم والانس بربهم كأنهم معصومون محفوظون منها لكون وجودها فى حكم العدم بخلاف حال الكفار والاشرار نسأل العفو والعافية من الله الغفار. وفى الآية اشارة الى اصابة مصيبة النفس الامارة بالاستيلاء على القلب والى اصابة مصيبة القلب السيار بالغلبة على النفس فانهما باذن تجلية القهرى للقلب الصافى بحسب الحكمة او باذن تجلية اللطفى الجمالى للنفس الجانية بحسب النقمة {ومن يؤمن بالله} يصدق به ويعلم انه لا يصيبه مصيبة الا باذن الله والاكتفاء بالايمان بالله لانه الاصل {يهد قلبه} عند اصابتها للثبات والاسترجاع فيثبت ولا يضطرب بأن يقول قولا ويظهر وصفا يدل على التضجر من قضاء الله وعدم الرضى به ويسترجع ويقول انا الله وانا اليه راجعون ومن عرف الله واعتقد انه رب العالمين يرضى بقضائه ويصبر على بلائه فان التربية كما تكون بما يلائم الطبع تكون بما يتنفر عنه الطبع وقيل يهد قلبه اى يوفقه لليقين حتى يعلم ان ما أصابه لم يكن ليخطئه وما اخطأه لم يكن ليصيبه فيرضى بقضائه ويسلم لحكمه وقيل يهد قلبه اى يلطف به ويشرحه لازدياد الطاعة والخير وبالفارسية الله راه نما يددل اورا به بسند كارى ومزيد طاعت. وقال ابو بكر الوراق رحمه الله ومن يؤمن بالله عند الشدة والبلاء فيعلم انها من عدل الله يهد قلبه الى حقائق الرضى وزوآئد اليقين وقال أبو عثمان رحمه الله من صحح ايمانه بالله يهد قلبه لاتباع سنن نبيه عليه السلام وعلامة صحة الايمان المداومة على السنن وملازمة الاتباع وترك الآرآء والاهوآء المضلة وقال بعضهم ومن يؤمن بالله تحقيقا يهد قلبه الى العمل بمقتضى ايمانه حتى يجد كمال مطلوبه الذى امن به ويصل الى محل نظره وقال بعضهم ومن يؤمن بالله بحسب ذاته نور قلبه بنور المعرفة باسمائه وصفاته اذ معرفة الذات تستلزم معرفة الصفات والاسماء من غير عكس وباعتبار سبق الهداية ولحوقها فان الايمان بالله انما هو بهداية سابقة وهداية القلب انما هى هداية لاحقة يندفع توهم ان الايمان موقوف على الهداية فاذا كانت هى موقوفة عليه كما تفيده من الشرطية لما ان الشرط مقدم على المشروط لدار فان للهداية مراتب تقدما وتأخرا لا تنقطع ولذلك ندعو الله كل يوم ونقول مرارا اهدنا الصراط المستقيم بناء على ان فى كل عمل نريده صراطا مستقيما يوصل الى رضى الله تعالى وقيل انه مقلوب ومعناه من يهد قلبه يؤمن بالله. وروى فى يهد سبع قراآت المختار من السبع يهد مفردا غائبا راجعا ضميره الى الله مجزوم الآخر ليكون جواب الشرط المجزوم من الهداية وقرئ نهد بالنون على الالتفات منها ايضا ويهد مجهولا برفع قلبه على انه قائم مقام الفاعل منها ايضا ويهد بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ورفع قلبه ايضا بمعنى يهتد كقوله تعالى آمن لا يهدى الا أن يهدى ويهدأ من باب يسأل ويهدا بقلبها ألفا ويهد بحذفها تخفيفا فيهما والمعنى يطمئن ويسكن الى الحق {والله بكل شئ} من الاشياء التى من جملتها القلوب واحوالها كتسليم من انقاد لامره وكراهة من كرهه وكآفاتها وخلوصها من الآفات {عليم} فيعلم ايمان المؤمن وخلوصه ويهدى قلبه الى ما ذكر.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ما أصاب من مُصيبةٍ} دنيوية أو أخروية {إِلاّ بإذن الله} أي: بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، {ومَن يُؤمن بالله} أي: يُصدِّق بأنّ المقادير كلها بيد الله {يَهْدِ قلبه} للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أو: يَهْدِ قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظُلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين: أنّ المراد: مَن اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلَّم لأمر الله تعالى. {واللهُ بكل شيءٍ عليمٌ} فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير. {وأطيعوا اللهَ} فيما أمركم به، ومن جملته: الرضا بقضائه عن المصائب، {وأطيعوا الرسولَ} فيما سنَّ لكم من الأخلاق الطيبة، وكرر الأمر للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، {فإِن توليتم} عن طاعتهما {فإنما على رسولنا البلاغُ المبين}، وهو تعليل للجواب المحذوف، أي: فإن تُعرضوا فلا بأس عليه؛ إذ ما عليه إلاّ البلاغ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار الرسول مضافاً إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأنّ مدار الحكم، الذين هو وظيفته عليه السلام هو محض التبليغ، ولتشنيع التولِّي عنه. {اللهُ لا إِله إلاّ هو} لا يستحق العبادة غيره، فـ"الله": مبتدأ، و"لا إله إلا هو": خبره، {وعلى الله} دون غيره {فليتوكل المؤمنون}، حَثّ رسولَه صلى الله عليه وسلم على التوكُّل عليه حتى ينصره الله، وهي عامة لغيره، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعليّة التوكُّل والأمر به، فإنّ الألوهية مقتضية للتبتُل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكُّل عما سواه بالمرة. الإشارة: ما من نَفَس تُبديه، إلاَّ وله قَدَر فيك يُمضيه. ما أصاب من مصيبة قلبية أو نفسية، ظاهرة أو باطنة، إلاّ بإذن الله وقَدَرِه، وكذلك ما أصاب من مسرةٍ أو زيادة إلاّ بإذنه تعالى. قال القشيري: أي: أيّ خصلة حَصَلَت فمن قِبَله، خَلْقاً، وبعلمه وإرادته حُكماً، ومَن يؤمن بالله يهدِ قلبه، حتى يهتدي إلى الله في السراء والضراء في الدنيا، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة، وقيل: يهديه للأخلاق السنية، وقيل: لاتباع السنّة، واجتنابِ البدعة. هـ. وقال أبو بكر الورّاق: ومَن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله يهدِ قلبه للشكر، ومَن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء، فيعلم أنها من الله يَهْد قلبه للصبر والرضا. هـ. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر والمتبادر: أنّ قوله: {ما أصاب...} الآية جمعٌ على الله، ورَدٌّ من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأمّا غيره فصَدْره ضَيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال: {ومَن يؤمن بالله يَهْد قلبه} لمعرفته والأطمئنان به، أي: ومَن لم يؤمن يَصْلى نار القطيعة والبُعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأنّ الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلاً، والكفر بضد ذلك، فبَعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجّل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر. والله أعلم. هـ. وأطيعوا اللهَ في الفرائض, والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السننَ الخاصة، فمَن أعرض عنهم، يقال له: {فإن توليتم...} الآية، وتقدّم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكُّل. وبالله التوفيق. ولمّا رغَّب في الرضا والإيمان، وأمر بالطاعة، حذّر مما يشغل عنهما، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخاطباً لخلقه انه ليس يصيبكم مصيبة إلا باذن الله. والمصيبة المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبه. ومنه الصواب بأنه أصابه الحق كالرمية فى اصابة البغية. وقيل: إنما عمم قوله {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} وفى المصائب ما هو ظلم، والله لا يأذن فى الظلم، لانه لا يحسن فى الحكمة، الا ترى انه ليس منها إلا ما أذن الله فى وقوعه او التمكن منه وذلك أذن للملك الموكل به كأنه قبل له لا تمنع من وقوع هذه المصيبة. وقد يكون ذلك بفعل التمكن من الله كأنه يأذن له ان يكون. وقال البلخي: معناه إلا بتخلية الله بينكم وبين من يريد فعلها. وقال قوم: هو خاص فيما يفعله الله تعالى او يأمر به، ويجوز ايضاً ان يكون المراد بالأذن - ها هنا - العلم، فكأنه قال لا يصيبكم من مصيبة إلا والله تعالى عالم بها. ثم قال {ومن يؤمن بالله} أي من يصدق بالله ويعترف بواحدانيته {يهد قلبه} أي يحكم بهدايته. ويجوز ان يكون المراد يشرح صدره للايمان. وقيل: معناه يهدي قلبه بأن المصيبة باذن الله - ذكره ابن عباس وعلقمة - قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى ويعلم أنها من عند الله، وقال الفراء: هو أن يقول: إنا لله وإنا اليه راجعون، وقال غيره: معناه إذا ابتلي صبر، وإذا انعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. وقرأ ابو بكر {يهد قلبه} - بفتح الدال - بمعنى يسكن قلبه {والله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم أمرهم فقال {وأطيعوا الله} فيما أمركم به {وأطيعوا الرسول} فيما أمركم به ونهاكم عنه {فإن توليتم} أي فان أعرضتم عن القبول منه وتوليتم عن الحق فليس على رسولنا قهركم الى الرد إلى الحق {فإنما على الرسول البلاغ المبين} الظاهر، وحذف ايجازاً ثم قال {الله} الذي يحق له العبادة {لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فالتوكل هو تفويض الامر الى الله بأنه يتولاه على الحق فيه وقد أمر الله بالتوكل عليه فينبغي للمسلم أن يستشعر ذلك فى سائر احواله وقال قوم: التوكل تفويض الأمر إلى مالكه لتدبره بالحق فيه. والوكيل المالك للتدبير فيمن فوض الامر اليه فيه. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم} قال ابن عباس: نزلت الآية فى قوم اسلموا بمكة وأرادوا الهجرة فمنعوهم من ذلك، وقال عطاء بن بشار: نزلت فى قوم أرادوا البر فمنعهم هؤلاء. وقال مجاهد: هي فى قوم إذا أرادوا طاعة الله منعهم أزواجهم واولادهم فبين الله تعالى أن فى هؤلاء من هو عدوّ لكم فى الدين فاحذروهم فيه. و (من) دخلت للتبعيض لأنه ليس حكم جميع الأزواج والأولاد هذا الحكم. والعداوة المباعدة من الخير بالبغضة ونقيضها الولاية وهي المقاربة من الخير بالمحبة. والاذن الاطلاق فى الفعل، تقول: يسمع بالاذن، فهذا أصله، ثم قد يتسع فيه بما يقارب هذا المعنى. ثم قال {وإن تعفوا} يعني تتركوا عقابهم {وتصفحوا} وتعرضوا عما كان منهم {وتغفروا} أي تستروا ذنوبهم إذا تابوا واقلعوا عنها {فإن الله غفور} أي ستار على خلقه {رحيم} بهم. ثم قال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي محنة وابتلاء. وقال قتادة: يعني بلاء. والفتنة المحنة التي فيها مشقة تمنع النفس عما تدعو اليه الشهوة {والله عنده أجر عظيم} أي ثواب جزيل على الصفح والعفو وغيرهما من الطاعات.

الجنابذي

تفسير : {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان كان من يؤمن بالله ويعمل صالحاً كذا وكذا فى الآخرة فلم يصيبهم المصائب فى الدّنيا؟ - فقال: اصابة المصيبة لا تكون الاّ باذن الله، وليست الاّ لحكمة تكميل المؤمن، او كأنّه قيل: كأنّ كفر الكافر ليس باذن الله؟ - فقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} غاية الامر انّ مصيبة المؤمن تكون تكميلاً له، ومصيب الكافر او كفره كانت باستعداده السّابق ونقمة له {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} بالبيعة العامّة {يَهْدِ قَلْبَهُ} للايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة، او من يؤمن بالله بالبيعة الخاصّة يهد قلبه الى العلم بانّ اصابة المصائب ليست الاّ باذن الله، عن الصّادق (ع) انّ القلب ليترجّج فيما بين الصّدر والحنجرة حتّى يعقد على الايمان، فاذا عقد على الايمان قرّ وذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم القلوب وايمانها وسائر احوالها.

اطفيش

تفسير : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} تقدم بيانه في الحديد وعن بعض ان المراد الرزايا أو جميع الحوادث من خير وشر. {إِلا بِإِذْنِ اللهِ} بقضائه وقدره وارادته وعلمه كأنه اذن للمصيبة ان تصبيه {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ} أي بقوله ان المصيبة بأذنه {يَهْدِ قَلْبَه}ُ لليقين وقال الضحاك: وللعلم ان ما يصيبه لا يخطأه وما يخطأه لا يصيبه وقيل: اللطف وزيادة الطاعة وقيل بالصبر على المصيبة والثبات والاسترجاع عندها فتهون وقال مجاهد: إن ابتلى صبر أو أعطي شكر أو ظلم غفر. وفي الحديث "حديث : قضاء الله خير لكل مسلم ان اعطاه شكر وان بلاه صبر"تفسير : وقرا يهد قلبه بالبناء للمفعول ورفع القلب على النيابة ونصبه تشبيها بالمفعول به أو على نزع الخافض والنائب مستتر كما قيل في نفسه ان النصب تشبيه أو نزع أو المعنى ان الكافر ضال عن قلبه لعبد منه والمؤمن واجد له وقرىء يهد قلبه بالنون وقرىء يهد قلبه بتشديد الدال أصله يهتد بالتاء أبدلت دلا ونقلت فتحتها ميما وادغمت وقرىء يهدا قلبه بالالف المبدلة عن الهمزة الساكنة للجزم بمعنى يسكن ويطمئن وقرىء بالهمزة الساكنة. {وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}حتى ما في القلب وحتى القلب الذي يتأثر فيه الخير والذي لا يتأثر فيه.

الالوسي

تفسير : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } أي ما أصاب أحداً مصيبة، على أن المفعول محذوف، و {مِنْ } زائدة، و {مُّصِيبَةٍ } فاعل، وعدم إلحاق التاء في مثل ذلك فصيح لكن الإلحاق أكثر كقوله تعالى: { أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } تفسير : [الحجر: 5] { أية : وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ } تفسير : [الأنعام: 4] والمراد ـ بالمصيبة ـ الرزية وما يسوء العبد في نفس أو مال أو ولد أو قول أو فعل أي ما أصاب أحداً من رزايا الدنيا أي رزية كانت {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي بإرادته سبحانه وتمكينه عز وجل كأن الرزية بذاتها متوجهة إلى العبد متوقفة على إرادته تعالى وتمكينه جل وعلا، وجوز أن يراد ـ بالمصيبة ـ الحادثة من شر أو خير، وقد نصوا على أنها تستعمل فيما يصيب العبد من الخير وفيما يصيبه من الشر لكن قيل: إنها في الأول: من الصوب أي المطر، وفي الثاني: من إصابة السهم، والأول هو الظاهر، وإن كان الحكم بالتوقف على الإذن عاماً. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } عند إصابتها، للصبر والاسترجاع على ما قيل، وعن علقمة للعلم بأنها من عند الله تعالى فيسلم لأمر الله تعالى ويرضى بها، وعن ابن مسعود قريب منه، وقال ابن عباس: {يَهْدِ قَلْبَهُ } لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقيل: {يَهْدِ قَلْبَهُ } أي يلطف به ويشرحه لازدياد / الخير والطاعة. وقرأ ابن جبير وطلحة وابن هرمز والأزرق عن حمزة ـ نهد ـ بنون العظمة. وقرأ السلمي والضحاك وأبو جعفر {يَهْدِ } بالياء مبنياً للمفعول {قلبه } بالرفع على النيابة عن الفاعل، وقرىء كذلك لكن بنصب {قلبه }، وخرج على أن نائب الفاعل ضمير {مِنْ } و {قلبه } منصوب بنزع الخافض أي يهد في قلبه، أو يهد إلى قلبه على معنى أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه، والمؤمن واجد له مهتد إليه كقوله تعالى: { أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [ق: 37] فالكلام من الحذف والإيصال نحو { أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الفاتحة: 6]، وفيه جعل القلب بمنزلة المقصد فمن ضل فقد منع منه ومن وصل فقد هدي إليه، وجوز أن يكون نصبه على التمييز بناءاً على أنه يجوز تعريفه. وقرأ عكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن دينار ـ يهدأ ـ بهمزة ساكنة {قلبه } بالرفع أي يطمئن قلبه ويسكن بالإيمان ولا يكون فيه قلق واضطراب، وقرأ عمرو بن فايد ـ يهدا ـ بألف بدلاً من الهمزة الساكنة، وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً {يهد } بحذف الألف بعد إبدالها من الهمزة، وإبدال الهمزة في مثل ذلك ليس بقياس على ما قال أبو حيان، وأجاز ذلك بعضهم قياساً، وبني عليه جواز حذف تلك الألف للجازم، وخرج عليه قول زهير بن أبـي سلمى: شعر : جرى متى يظلم يعاقب بظلمه سريعاً وأن لا يبد بالظلم يظلم تفسير : أصله يبدأ فأبدلت الهمزة ألفاً ثم حذفت للجازم تشبيهاً بألف ـ يخشى ـ إذا دخل عليه الجازم. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء } من الأشياء التي من جملتها القلوب وأحوالها {عَلِيمٌ } فيعلم إيمان المؤمن ويهدي قلبه عند إصابة المصيبة؛ فالجملة متعلقة بقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن } الخ، وجوز أن تكون متعلقة بقوله سبحانه: {مَا أَصَابَ } الخ على أنها تذييل له للتقرير والتأكيد، وذكر الطيبـي أن في كلام «الكشاف» رمزاً إلى أن في الآية حذفاً أي فمن لم يؤمن لم يلطف به أو لم يهد قلبه، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، وبنى عليه أن المصيبة تشمل الكفر والمعاصي أيضاً لورودها عقيب جزاء المؤمن والكافر وإردافها بالأمر الآتي، وأي مصيبة أعظم منهما؟ وهو كما أشار إليه يدفع في نحر المعتزلة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف انتقل إليه بعد أن تُوُعِّد المشركون بما يحصل لهم من التغابن يوم يجمع الله الناس يوم الحساب. ويشبه أن يكون استئنافاً بيانياً لأن تهديد المشركين بيوم الحساب يثير في نفوس المؤمنين التساؤل عن الانتصاف من المشركين في الدنيا على ما يلقاه المسلمون من إضرارهم بمكة فإنهم لم يكفوا عن أذى المسلمين وإصابتهم في أبدَانهم وأموالهم والفتنة بينهم وبين أزواجهم وأبنائهم. فالمراد: المصائبُ التي أصابت المسلمين من معاملة المشركين فأنبأهم الله بما يسليهم عن ذلك بأن الله عالم بما ينالهم. وقال القرطبي «قيل سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب». واختصت المصيبة في استعمال اللغة بما يَلحق الإِنسان من شر وضر وإن كان أصل فعلها يقال كما يصيب الإِنسان مطلقاً ولكن غلب إطلاق فعل أصاب على لحاق السوء، وقد قيل في قوله تعالى: {أية : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}تفسير : [النساء: 79]، أن إسناد الإِصابة إلى الحسنة من قبيل المشاكلة. وتأنيث المصيبة لتأويلها بالحادثة وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها }تفسير : في سورة [آل عمران: 165]. والإِذن: أصله إجازة الفعل لمن يفعله وأطلق على إباحة الدخول إلى البيت وإزالة الحجاب لأنه مشتق من أذِن له إذا سمع كلامه. وهو هنا مستعار لتكوين أسباب الحوادث. وهي الأسباب التي تفضي في نظام العادة إلى وقوعِ واقعات، وهي من آثار صنع الله في نظام هذا العالم من ربط المسببات بأسبابها مع علمه بما تفضي إليه تلك الأسباب فلما كان هو الذي أوجد الأسباب وأسبابَ أسبابها، وكان قد جعل ذلك كله أصولاً وفروعاً بعلمه وحكمته، أطلق على ذلك التقدير والتكوين لفظُ الإِذن، والمشابهة ظاهرة، وهذا في معنى قوله: {أية : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}تفسير : [الحديد: 22]. ومقتضى هذه الاستعارة تقريب حقيقة التقلبات الدنيوية إلى عقول المسلمين باختصار العبارة لضيق المقام عن الإِطناب في بيان العلل والأسباب، ولأن أكثر ذلك لا تبلغ إليه عقول عموم الأمة بسهولة. والقصد من هذا تعليم المسلمين الصبر على ما يغلبهم من مصائب الحوادث لكيلا تُفَلّ عزائمهم ولا يهنوا ولا يلهيهم الحزن عن مهمات أمورهم وتدبير شؤونهم كما قال في سورة [الحديد: 23] {أية : لكيلا تأسَوا على ما فاتكم}تفسير : . ولذلك أعقبه هنا بقوله: {ومن يؤمن بالله يَهدِ قلبه}، أي يهد قلبه عندما تصيبه مصيبة، فحذف هذا المتعلق لظهوره من السياق قال: {أية : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يَمْسَسْكُم قَرح فقد مسّ القوم قرْح مثلُه وتلك الأيام نداولها بين الناس}تفسير : [آل عمران: 139 - 140]. والمعنى: أن المؤمن مرتاض بالأخلاق الإِسلامية متبع لوصايا الله تعالى فهو مجاف لفاسد الأخلاق من الجزع والهلع يتلقى ما يصيبه من مصيبة بالصبر والتفكر في أن الحياة لا تخلو من عوارض مؤلمة أو مكدرة. قال تعالى: {أية : وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}تفسير : [البقرة: 155 - 157]، أي أصحاب الهدى الكامل لأنه هدىً متلقىًّ من التعاليم الإِلٰهية الحق المعصومة من الخطل كقوله هنا: {يهد قلبه}. وهذا الخبر في قوله: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} إيماء إلى الأمر بالثبات والصبر عند حلول المصائب لأنه يلزم من هدْي الله قلب المؤمن عند المصيبة ترغيب المؤمنين في الثبات والتصبر عند حلول المصائب فلذلك ذيل بجملة {والله بكل شيء عليم} فهو تذييل للجملة التي قبلها وارد على مراعاة جميع ما تضمنته من أن المصائب بإذن الله، ومن أن الله يهدي قلوب المؤمنين للثبات عند حلول المصائب ومن الأمر بالثبات والصبر عند المصائب، أي يعلم جميع ذلك. وفيه كناية عن مجازاة الصابرين بالثواب لأن فائدة علم الله التي تهم الناس هو التخلق ورجاء الثواب ورفع الدرجات.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة نص صريح بأن ما يصيب أحداً مصيبة إلا بإذن الله. ومعلوم أنه كذلك ما يصيب أحداً خير إلا بإذن الله على حد قوله: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81] أي والبرد. ولكن التنصيص على المصيبة هنا ليدل أن كل شيء ينال العبد إنما هو بإذن الله، لأن الجبلة تأبى المصائب وتتوقاها، ومع ذلك تصيبه، وليس في مقدوره دفعها بخلاف الخير، قد يدعي أنه حصله باجتهاد منه كما قال قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}تفسير : [القصص: 78]. وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} قرئ يهدأ بالهمز من الهدوء، وقلبه بالرفع، وهي بمعنى يهدي قلبه، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيسترجع فيطمئن قلبه بهذا ولا يجزع، وهذا من خصائص المؤمن. كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : عجباً لأمر المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له حتى الشوكة يشاكها في قدمه " تفسير : ومثل هذا قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 155-157]. أي إلى ما يلزمهم من امتثال وصبر ولذا جاء بعدها {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [التغابن: 12]. ومن ناحية أخرى يقال: إن قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} والكفر أعظم المصائب، ومن يؤمن بالله يهد قلبه. والإيمان بالله أعظم النعم، فيقول قائل: إن كان كل ذلك بإذن الله، فما ذنب الكافر وما فضل المؤمن، فجاء قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُول} [التغابن: 12] بياناً لما يلزم العبد، وهو طاعة الرسل فيما جاءوا به، ولا يملك سوى ذلك. وفي قوله تعالى: {يَهْدِ قَلْبِهُ} من نسبة الهداية إلى القلب بيان لقضية الهداية العامة والخاصة، كما قالوا في قوله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] مع قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56]. فقالوا: الهداية الأولى دلالة إرشاد كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17]. والثانية: هداية توفيق وإرشاد ويشهد لذلك شبه الهداية من الله لقلب من يؤمن بالله، وقوله تعالى {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [التغابن: 12] بتكرار فعل الطاعة يدل على طاعة الرسول تلزم مستقلة. وقد جاءت السنة بتشريعات مستقلة وبتخصيص القرآن ونحو ذلك، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}تفسير : [الحشر: 7]. ومما يشهد لهذا قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}تفسير : [النساء: 59]، فكرر الفعل بالنسبة لله وللرسول ولم يكرره بالنسبة لأُولِي الأمْر، لأن طاعتهم لا تكون استقلالاً بل تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، كما في الحديث: "حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله: أي ما أصابت أحداً من النار مصيبةٌ إلا بقضاء الله تعالى وتقديره ذلك عليه. ومن يؤمن بالله يهد قلبه: أي ومن يصدق بالله فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذنه تعالى يهد قلبه للتسليم والرضاء بقضائه فيسترجع ويصبر. فإن توليتم: أي عن طاعة الله ورسوله فلا ضرر ولا بأس على رسولنا في توليكم إذ عليه إبلاغكم لا هدايتكم. معنى الآيات: قوله تعالى {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} في هذه الآية رد على الكافرين الذين يقولون لو كان المسلمون على حق، وما هم عليه حقاً لصانهم الله من المصائب في الدنيا، ولما سلط عليهم كذا وكذا... فأخبر تعالى أنه ما من أحد من الناس تصيبه مصيبة في نفس أو ولدٍ أو مالٍ إلا وهي بقضاء الله وتقديره ذلك عليه، ومن يؤمن بالله ربّاً وإلهاً عليماً حكيماً وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه يهد قلبه فيصبر ويسترجع فيُؤجر وتخف عنده المصيبة بخلاف الكافر بالله وقضائه وقدره. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيء فلا يحدث حدث في الكون إلا بعلمه وإذنه وهذه حال تقتضي الرضا بالقضاء والقدر والتسليم لله تعالى فيما يقضي به على عبده وفي ذلك خير كثير لا يعرفه إلا أصحاب الرضا بالقضاء والتسليم للعليم الحكيم. وقوله تعالى {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} يأمر تعالى عباده عامة بطاعة الله وطاعة رسوله لأن كمال الإِنسان وسعادته مرتبطة بهذه الطاعة التي هي عبارة عن تطبيق نظام دقيق ينتج صفاء روح وزكاة نفس يتأهل بها العبد إلى النزول بالملكوت الأعلى "الجنة دار الأبرار". وقوله {فَإِن تَولَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن هذه الدعوة فرفضتم طاعة الله ورسوله فلا ضرر على رسولنا ولا ضير إذ عليه البلاغ المبين وقد بلغ مبيناً غاية التبيين، وأما هدايتكم فلم يكلف بها إذ لا يقدر عليها ولا يكلف الله نفساً إلا طاقتها. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي أن الذي أمركم بطاعته وطاعة رسوله هو الله الذي لا إله إلا هو أي المعبود الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له لأنه الخالق لكم الرازق المدبر لحياتكم، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فإنه يكفي المؤمن الذي يتوكل عليه يكفيه كل ما يهمه من أمر دنياه وآخرته. ولا كافي إلا هو سبحانه وتعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 2- وجوب الصبر عند نزول المصيبة والرضا والتسليم لله تعالى في قضائه وحكمه، ومن تكن هذه حالهُ يهد الله قلبه ويرزقه الصبر وعظيم الأجر ويلطف به في مصيبته وإن هو استرجع قائلاً إنا لله وإنا إليه راجعون أَخلفه الله عما فقده وآجره. 3- وجوب طاعة الله وطاعة رسوله في الأمر والنهي. 4- تقرير التوحيد. 5- وجوب التوكل على الله تعالى وهو فعل المأمور وترك المنهى وتفويض الأمر لله بعد ذلك. ولن يكون إلا خيراً بإذن الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - مَا أَصَابَ أَحَداً شَيءٌ مِنْ رَزَايَا الدُّنْيَا وَمَصَائِبِهَا، إِلاَّ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَالمَرْءُ يَعْمَلُ وَيَتَّخِذُ مِنَ الأَسْبَابِ مَا هُوَ في طَوقِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ، لَجَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَكِنَّ النَّتَائِجَ بِيَدِ اللهِ وَوفْقَ قَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا مَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلَيْهِ أَلاَّ يَغْتَمَّ وَلاَ يَحْزَنَ، وَعَلَيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّما كَانَ ذَلِكَ بإِرَادَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ. وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ وَآمَنَ أَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ بِقَضَاءِ اللهِ، وَقَدَرِهِ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، عَوَّضَهُ اللهُ عَنْ إِصَابَتِهِ فِي الدُّنْيَا، هُدًى فِي قَلْبِهِ، وَيَقِينا صَادِقاً بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالأَشْيَاءِ كُلِّهَا. فَالمُؤْمِنُ عَلَيهِ وَاجِبَانِ: - السَّعْيُ وَبَذْلُ الجُهْدِ وَاتِّخَاذُ الأَسْبَابِ لِجَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً. - ثُمَّ التَّوكُّلُ عَلَى اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ اليَقِينَ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَحْدُثُ هُوَ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَلاَ يَغْتَمُّ وَلاَ يَحْزَنُ لِمَا يَقَعُ. بِإِذْنِ اللهِ - بِإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. يَهْدِ قَلْبَهُ - يُوَفِّقْهُ لِلْيَقِينِ وَالصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } هذا عام لجميع المصائب، في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم، فجميع ما أصاب العباد، فبقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علم الله [تعالى]، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، والشأن كل الشأن، هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها؟ فإن قام بها، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من عند الله، فرضي بذلك، وسلم لأمره، هدى الله قلبه، فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب، كما يجري لمن لم يهد الله قلبه، بل يرزقه الثبات عند ورودها والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخر الله له يوم الجزاء من الثواب كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : وعلم من هذا أن من لم يؤمن بالله عند ورود المصائب، بأن لم يلحظ قضاء الله وقدره، بل وقف مع مجرد الأسباب، أنه يخذل، ويكله الله إلى نفسه، وإذا وكل العبد إلى نفسه، فالنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة، على ما فرط في واجب الصبر. هذا ما يتعلق بقوله: { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } في مقام المصائب الخاص، وأما ما يتعلق بها من حيث العموم اللفظي، فإن الله أخبر أن كل من آمن أي: الإيمان المأمور به، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وصدق إيمانه بما يقتضيه الإيمان من القيام بلوازمه وواجباته، أن هذا السبب الذي قام به العبد أكبر سبب لهداية الله له في أحواله وأقواله، وأفعاله وفي علمه وعمله. وهذا أفضل جزاء يعطيه الله لأهل الإيمان، كما قال تعالى في الأخبار: أن المؤمنين يثبتهم الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وأصل الثبات: ثبات القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، فقال: {أية : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } تفسير : فأهل الإيمان أهدى الناس قلوبًا، وأثبتهم عند المزعجات والمقلقات، وذلك لما معهم من الإيمان. [وقوله:] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } أي: في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فإن طاعة الله وطاعة رسوله، مدار السعادة، وعنوان الفلاح، { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } [أي] عن طاعة الله وطاعة رسوله، { فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: يبلغكم ما أرسل به إليكم، بلاغًا يبين لكم ويتضح وتقوم عليكم به الحجة، وليس بيده من هدايتكم، ولا من حسابكم من شيء، وإنما يحاسبكم على القيام بطاعة الله وطاعة رسوله، أو عدم ذلك، عالم الغيب والشهادة. { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: هو المستحق للعبادة والألوهية، فكل معبود سواه فباطل، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أي: فيلعتمدوا عليه في كل أمر نابهم، وفيما يريدون القيام به، فإنه لا يتيسر أمر من الأمور إلا بالله، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على الله، ولا يتم الاعتماد على الله، حتى يحسن العبد ظنه بربه، ويثق به في كفايته الأمر الذي اعتمد عليه به، وبحسب إيمان العبد يكون توكله، فكلما قوي الإيمان قوي التوكل.

همام الصنعاني

تفسير : 3228- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة بن قيس في قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}: [الآية: 11]، قال: هو الرجل يصاب بالمصيبة، فيعلم أنها من الله.