Verse. 5213 (AR)

٦٤ - ٱلتَّغَابُن

64 - At-Taghabun (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِنَّ مِنْ اَزْوَاجِكُمْ وَاَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوْہُمْ۝۰ۚ وَاِنْ تَعْفُوْا وَتَصْفَحُوْا وَتَغْفِرُوْا فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۴
Ya ayyuha allatheena amanoo inna min azwajikum waawladikum AAaduwwan lakum faihtharoohum wain taAAfoo watasfahoo wataghfiroo fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم فاحذروهم» أن تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة فإن سبب نزول الآية الإطاعة في ذلك «وإن تعفوا» عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير معتلين بمشقة فراقكم عليهم «وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم».

14

Tafseer

الرازي

تفسير : قال الكلبي: كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته فقالوا: أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فحذرهم الله طاعة نسائهم وأولادهم، ومنهم من لا يطيع ويقول: أما والله لو لم نهاجر ويجمع الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئاً أبداً، فلما جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا، وقال مسلم الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان أهله وولده يثبطونه عن الهجرة والجهاد، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية، فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله: عدواً لكم فاحذروهم أن تطيعوا وتدعوا الهجرة، وقوله تعالى: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ } قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم، ولم يصبهم بخير فنزل: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ } الآية، يعني أن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم، ينهون عن الإسلام ويثبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإيمان، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدواً لهم، وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطيعوهم في معصية الله تعالى وفتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة، وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله، كغصب مال الغير وغيره: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي جزيل، وهو الجنة أخبر أن عنده أجراً عظيماً ليتحملوا المؤونة العظيمة، والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم. وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } قال مقاتل: أي ما أطقتم يجتهد المؤمن في تقوى الله ما استطاع، قال قتادة: نسخت هذه الآية قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102] ومنهم من طعن فيه وقال: لا يصح لأن قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة والاستطاعة، وقوله: {اسمعوا} أي لله ولرسوله ولكتابه وقيل: لما أمركم الله ورسوله به {وَأَطِيعُواْ } الله فيما يأمركم {وَأَنْفِقُواْ } من أموالكم في حق الله خيراً لأنفسكم، والنصب بقوله: {وَأَنْفِقُواْ } كأنه قيل: وقدموا خيراً لأنفسكم، وهو كقوله: {أية : فآمنوا خيراً لكم } تفسير : [النساء: 170] وقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } الشح هو البخل، وإنه يعم المال وغيره، يقال: فلان شحيح بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف، وقيل: يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم، ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ }، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء و {إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض، فنقول: هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع، فيكون البعض منهم عدواً دون البعض.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ؛ شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم جَفاء أهلِه وولدِه؛ فنزلت. ذكره النحاس. وحكاه الطَّبَري عن عطاء بن يَسار قال: نزلت سورة «التغابن» كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} نزلت في عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغَزْو بَكَوْا إليه ورقَّقوه فقالوا: إلى مَن تدعنا؟ فَيرِقّ فيُقيم؛ فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} الآية كلها بالمدينة في عَوْف بن مالك الأشجعي. وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة. وروى الترمذي: عن ابن عباس ـ وسأله رجل عن هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} ـ قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدعوهم أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم رأوُا الناس قد فَقُهُوا في الدِّين هَمُّوا أن يعاقبوهم؛ فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} الآية. هذا حديث حسن صحيح. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا يبيّن وجه العداوة، فإن العدوّ لم يكن عدوًّا لذاته وإنما كان عدوًّا بفعله. فإذا فعل الزوج والولد فِعْل العدوّ كان عدُوا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان قَعَد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتَذَر دينَك ودين آبائك فخالفه فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتُنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتِل فحق على الله أن يدخله الجنة»تفسير : . وقعود الشيطان يكون بوجهين: أحدهما ـ يكون بالوسوسة. والثاني ـ بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، قال الله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} تفسير : [فصلت:25]. وفي حكمة عيسى عليه السلام: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان للدنيا عبداً. وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك في حال العبد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَعِس عبد الدينار تَعِس عبد الدِّرْهم تَعِس عبد الخَميصَة تَعِس عبد القَطيفة تَعِس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش»تفسير : . ولا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همّة أخسّ من همّة ترتفع بثوب جديد. الثالثة: كما أن الرجل يكون له ولده وزوْجُه عدُوًّا كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوًّا بهذا المعنى بعينه. وعموم قوله: {مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {فَٱحْذَرُوهُمْ} معناه على أنفسكم. والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، وإما لضرر في الدين. وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة. فحذَّر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به. الخامسة ـ: قوله تعالى: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} روى الطَّبَري عن عِكْرمة في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول له أهله: أين تذهب وتدعنا؟ قال: فإذا أسلم وَفَقُه قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر، فلأفعلن ولأفعلن؛ قال: فأنزل الله عز وجل: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال مجاهد في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} قال: ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودّتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد. وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الأزواج والأولاد: أن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهي به عن العمل الصالح؛ كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} تفسير : [المنافقون: 9] ولهذا قال تعالى ههنا: {فَٱحْذَرُوهُمْ} قال ابن زيد: يعني: على دينكم، وقال مجاهد: {إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، حدَّثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}، قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن الفريابي، وهو محمد بن يوسف به، وقال: حسن صحيح. ورواه ابن جرير والطبراني من حديث إسرائيل به، وروي من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء. وقوله تعالى: { إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} يقول تعالى: إِنما الأموال والأولاد فتنة، أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِندَهُ} أي يوم القيامة {أَجْرٌ عَظِيمٌ} كما قال تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ} تفسير : [آل عمران: 14] والتي بعدها، وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة: سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: «حديث : صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» تفسير : ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديثه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، فقال لي: «حديث : هل لك من ولد؟» تفسير : قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد، ولوددت أن بمكانه شَبَعَ القوم، فقال: «حديث : لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجراً إذا قبضوا» تفسير : ، ثم قال: «حديث : ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي عن عيسى عن ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة» تفسير : ، ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد. وقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زُرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزاً لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك»تفسير : وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} أي جهدكم وطاقتكم كما ثبت في الصحيحين عن أيي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» تفسير : . وقد قال بعض المفسرين كما رواه مالك عن زيد بن أسلم: إن هذه الآية ناسخة للتي في آل عمران، وهي قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 102] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء هو ابن دينار عن سعيد بن جبير في قوله: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 102] قال: لما نزلت هذه الآية، اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفاً على المسلمين: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} فنسخت الآية الأولى. وروي عن أبي العالية وزيد بن أسلم وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقوله تعالى: {وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ} أي كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم. وقوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} أي وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، يكن خيراً لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شراً لكم في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تقدم تفسيره في سورة الحشر، وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد والمنّة، وقوله تعالى: {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي مهما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء، فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له كما ثبت في الصحيحين: أن الله تعالى يقول: «حديث : من يقرض غير ظلوم ولا عديم»تفسير : ، ولهذا قال تعالى: {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} كما تقدم في سورة البقرة: {أية : فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ويكفر عنكم السيئات، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ شَكُورٌ} أي يجزي على القليل بالكثير {حَلِيمٌ} أي يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات. { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم تفسيره غير مرة. آخر تفسير سورة التغابن، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ } أن تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة فإن سبب نزول الآية الإِطاعة في ذلك {وَأَن تَعْفُواْ } عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير معتلين بمشقة فراقكم عليهم {وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } يعني: أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن الخير، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولاً أوّلياً، وهو أن رجالاً من مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم في شيء مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة لما يريده الله، والضمير في {فَٱحْذَرُوهُمْ } يعود إلى العدوّ، أو إلى الأزواج والأولاد لكن لا على العموم، بل إلى المتصفين بالعداوة منهم، وإنما جاز جمع الضمير على الوجه الأوّل؛ لأن العدوّ يطلق على الواحد، والاثنين، والجماعة، ثم أرشدهم الله إلى التجاوز، فقال: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ } أي: تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها، وتتركوا التثريب عليها وتستروها {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم، قيل: كان الرجل الذي ثبطه أزواجه وأولاده عن الهجرة إذا رأى الناس قد سبقوه إليها، وفقهوا في الدين همّ أن يعاقب أزواجه وأولاده، فأنزل الله {وَأَن تَعْفُواْ } الآية، والآية تعمّ وإن كان السبب خاصاً، كما عرفناك غير مرة. قال مجاهد: والله ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام، فأعطوهم إياه. ثم أخبر الله سبحانه بأن الأموال والأولاد فتنة فقال: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } أي: بلاء واختبار ومحنة، يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله، فلا تطيعوهم في معصية الله {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لمن آثر طاعة الله، وترك معصيته في محبة ماله وولده. ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ومنهم قتادة، والربيع بن أنس، والسديّ، وابن زيد، وقد أوضحنا الكلام في قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ومعنى {وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ } أي: اسمعوا ما تؤمرون به، وأطيعوا الأوامر. قال مقاتل {اسمعوا} أي: اصغوا إلى ما ينزل عليكم، وأطيعوا لرسوله فيما يأمركم وينهاكم. وقيل: معنى {اسمعوا}: اقبلوا ما تسمعون؛ لأنه لا فائدة في مجرد السماع {وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأنفُسِكُمْ } أي: أنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها، وقوله: {خَيْراً لاِنفُسِكُمْ } منتصب بفعل مضمر دلّ عليه أنفقوا، كأنه قال: ائتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم، أو قدّموا خيراً لها، كذا قال سيبويه. وقال الكسائي، والفرّاء: هو نعت لمصدر محذوف، أي: إنفاقاً خيراً. وقال أبو عبيدة: هو خبر لكان المقدّرة، أي: يكن الإنفاق خيراً لكم. وقال الكوفيون: هو منتصب على الحال، وقيل: هو مفعول به لأنفقوا، أي: فأنفقوا خيراً. والظاهر: في الآية الإنفاق مطلقاً من غير تقييد بالزكاة الواجبة، وقيل: المراد زكاة الفريضة، وقيل: النافلة، وقيل: النفقة في الجهاد {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي: ومن يوق شحّ نفسه، فيفعل ما أمر به من الإنفاق، ولا يمنعه ذلك منه، فأولئك هم الظافرون بكل خير الفائزون بكل مطلب، وقد تقدم تفسير هذه الآية. {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } فتصرفون أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس {يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ } فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد تقدّم تفسير هذه الآية، واختلاف القراء في قراءتها في سورة البقرة، وسورة الحديد {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } أي: يضمّ لكم إلى تلك المضاعفة غفران ذنوبكم {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ } يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي: ما غاب وما حضر لا تخفى عليه منه خافية، وهو {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } أي: الغالب القاهر ذو الحكمة الباهرة. وقال ابن الأنباري: الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ } في قوم من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فنزلت إلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن بريدة قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما واحداً من ذا الشقّ، وواحداً من ذا الشقّ ثم صعد المنبر فقال: «حديث : صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ }، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله: استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه، وادهراه، وأنا الدهر»تفسير : ، ثم تلا أبو هريرة {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ }.

الماوردي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنّ مِنْ أزْواجِكم وأَوْلادِكم عَدوّاً لكم} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه أراد قوماً أسلموا بمكة فأرادوا الهجرة فمنعهم أزواجهم وأولادهم منها وثبطوهم عنها، فنزل ذلك فيهم؛ قاله ابن عباس. الثاني: من أزواجكم وأولادكم من لا يأمر بطاعة اللَّه ولا ينهى عن معصيته، قاله قتادة. الثالث: أن منهم من يأمر بقطيعة الرحم ومعصية الرب، ولا يستطيع مع حبه ألاّ يطيعه، وهذا من العداوة؛ قاله مجاهد. وقال مقاتل بن سليمان: نبئت أن عيسى عليه السلام قال: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان للدنيا عبداً. الرابع: أن منهم من هو مخالف للدين، فصار بمخالفة الدين عدواً، قاله ابن زيد. الخامس: أن من حملك منهم على طلب الدنيا والاستكثار منها كان عدواً لك، قاله سهل. وفي قوله {فاحذروهم} وجهان: أحدهما: فاحذروهم على دينكم؛ قاله ابن زيد. الثاني: على أنفسكم، وهو محتمل. {وإن تعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا} الآية. يريد بالعفو عن الظالم، وبالصفح عن الجاهل، وبالغفران للمسيء. {فإنّ اللَّه غفورٌ} للذنب {رحيم} بالعباد، وذلك أن من أسلم بمكة ومنعه أهله من الهجرة فهاجر ولم يمتنع قال: لئن رجعت لأفعلنّ بأهلي ولأفعلنّ، ومنهم من قال: لا ينالون مني خيراً أبداً، فلما كان عام الفتح أُمِروا بالعفو والصفح عن أهاليهم، ونزلت هذه الآية فيهم. {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} فيه وجهان: أحدهما: بلاء، قاله قتادة. الثاني: محنة، ومنه قول الشاعر: شعر : لقد فتن الناس في دينهم وخلّىّ ابنُ عفان شرّاً طويلاً تفسير : وفي سبب افتتانه بهما وجهان: أحدهما: لأنه يلهو بهما عن آخرته ويتوفر لأجلهما على دنياه. الثاني: لأنه يشح لأجل أولاده فيمنع حق اللَّه من ماله، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الولد مبخلة محزنة مجبنة ". تفسير : {والله عنده أجْرٌ عظيمٌ} قال أبو هريرة والحسن وقتادة وابن جبير: هي الجنة. ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يكون أجرهم في الآخرة أعظم من منفعتهم بأموالهم وأولادهم في الدنيا، فلذلك كان أجره عظيماً. {فاتّقوا الله ما اسْتطعتم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني جهدكم، قاله أبو العالية. الثاني: أن يطاع فلا يعصى، قاله مجاهد. الثالث: أنه مستعمل فيما يرجونه به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: {اتّقوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى ذلك تخفيفاً {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت الأولى، قاله ابن جبير. ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكْرَه على المعصية غير مؤاخذ بها لأنه لا يستطيع اتقاءها. {واسْمَعوا} قال مقاتل: كتاب الله إذا نزل عليكم. {وأطيعوا} الرسول فيما أمركم أو نهاكم، قال قتادة: عليها بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة. {وأنفِقوا خيْراً لأنفُسِكم} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: هي نفقة المؤمن لنفسه، قاله الحسن. الثاني: في الجهاد، قاله الضحاك. الثالث: الصدقة، قاله ابن عباس. {ومَن يُوقَ شُحَّ نفسِهِ فأولئك هم المفلِحونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: هوى نفسه، قاله ابن أبي طلحة. الثاني: الظلم، قاله ابن عيينة. الثالث: هو منع الزكاة، قال ابن عباس: من أعطى زكاة ماله فقد وقاه الله شح نفسه. {إن تُقْرِضوا اللَّهَ قرْضاً حَسَناً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: النفقة في سبيل اللَّه، قاله عمر رضي اللَّه عنه. الثاني: النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنه قول سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، رواه ابن حبان. وفي قوله {حَسَناً} وجهان محتملان: أحدهما: أن تطيب بها النفس. الثاني: أن لا يكون بها ممتناً. {يُضاعفْه لكم} فيه وجهان: أحدهما: بالحسنة عشر أمثالها، كما قال تعالى في التنزيل. الثاني: إلى ما لا يحد من تفضله، قاله السدي. {ويَغْفِرْ لكم} يعني ذنوبكم. {واللَّهُ شكورٌ حليمٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن يشكر لنا القليل من أعمالنا وحليم لنا في عدم تعجيل المؤاخذة بذنوبنا. الثاني: شكور على الصدقة حين يضاعفها، حليم في أن لا يعجل بالعقوبة من [تحريف] الزكاة عن موضعها، قاله مقاتل. {عالِمُ الغَيْبِ والشهَادةِ} يحتمل وجهين: أحدهما: السر والعلانية. الثاني: الدنيا والآخرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} نزلت في قوم أسلموا بمكة فأرادوا الهجرة فمنعهم أزواجهم وأولادهم أو منهم من لا يأمر بطاعة ولا ينهى عن معصية وكبر ذلك عداوة أو منهم من يأمر بقطع الرحم ومعصية الله ولا يستطيع مع حبه إلا أن يطيعه أو منهم من يخالفك في دينك فصار بذلك عدواً أو منهم من يحملك على طلب الدنيا والاستكثار منها {وَإِن تَعْفُواْ} عن الظالم {وتَصْفَحُواْ} عن الجاهل {وَتَغْفِرُواْ} للمسيء {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} للذنب {رَّحِيمٌ} بالعباد. لما هاجر بعض من منعه أهله من الهجرة فلم يقبل منهم قال لئن رجعت إلى أهلي لأفعلن ولأفعلن ومنهم من قال لا ينالون مني خيراً أبداً فلما كان عام الفتح أمروا بالعفو والصفح عن أهاليهم ونزلت هذه الآية فيهم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم} عن ابن عباس قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم} الآية أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعنه قالوا لهم صبرنا على إسلامكم فلا صبر لنا على فراقكم فأطاعوهم وتركوا الهجرة فقال تعالى فاحذروهم أي أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر ثم هاجر فرأى الذين قد سبقوه بالهجرة فقد فقهوا في الدين فهم أن يعاقب زوجته وولده الذين ثبطوه ومنعوه عن الهجرة لما لحقوا به ولا ينفق عليهم ولا يصيبهم بخير فأمره الله بالعفو والصفح عنهم وقال عطاء بن يسار نزلت في عوف بن مالك الأشجعي وكان ذا أهل وولد فإذا أراد أن يغزو بكوا عليه ورققوه وقالوا إلى من تدعنا فيرق عليهم فيقيم فأنزل الله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم بحملهم إياكم على ترك طاعة الله فاحذروهم أي أن تقبلوا منهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا أي فلا تعاقبوهم على خلافكم {فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي بلاء واختبار وشغل عن الآخرة وقد يقع الإنسان بسببهم في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام وغصب مال الغير ونحو ذلك {والله عنده أجر عظيم} يعني الجنة والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب أولادكم ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم قال بعضهم لما ذكر الله العداوة أدخل من للتبعيض فقال إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ولم يذكر من في قوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنهم لم يخلوا من الفتنة واشتغال القلب بهم وكان عبد الله بن مسعود يقول لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى أهل ومال وولد إلا يشتمل على فتنة ولكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. "حديث : عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} أي ما أطقتم وهذه الآية ناسخة لقوله {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102] {واسمعوا وأطيعوا} أي لله ولرسوله فيما يأمركم به وينهاكم عنه {وأنفقوا} أي من أموالكم حق الله الذي أمركم به {خيراً لأنفسكم} أي ما أنفقتم في طاعة الله {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} تقدم تفسيره.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ} إلى آخر السورةِ قرآنٌ مدنيٌّ واخْتُلِفَ في سَبَبهِ، فقال عطاء بن أبي ربَاح: إنَّه نَزَلَ في عَوْفِ بن مَالكٍ الأشّجَعِيِّ؛ وذلك أَنَّهُ أراد غَزْواً مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فاجْتَمَعَ أَهْلُهُ وأولاده، وتَشَكَّوْا إلَيْه فِرَاقَهُ، فَرَقَّ لهُمْ فَثَبَّطُوهُ ولم يَغْزُ، ثم إنّه نَدِمَ وهَمَّ بمعاقبتِهم، فنزلتِ الآية بسببه محذِّرةً مِن الأَزْوَاجِ والأولاد وفتنتِهم. ثم صَرَفَ تَعالَى عَنْ معاقبتهِم بقوله: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ} وقال بعضُ المفسرينَ: سببُ الآيةِ أنَّ قوماً آمنُوا وثَبَّطَهُمْ أزْوَاجُهم وأولادُهم عَنْ الهِجرةِ فَلَمْ يُهَاجِروا إلا بَعْدَ مدةٍ، فَوَجَدُوا غيرَهم قد تَفَقَّه في الدين، فَنَدِمُوا وهَمُّوا بمعاقبةِ أزواجِهِم وأولادِهم، ثم أَخْبَرَ تعالى أن الأمْوَالَ والأولادَ فتنةٌ تَشْغَلُ المرءَ عَنْ مَرَاشِدِهِ، وتَحْمِلُه مِنَ الرَّغْبَةِ في الدنيا عَلَى مَا لاَ يَحْمَدُه في آخرتِه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مُجْبَنَةٌ»تفسير : ، وخَرَّجَ أبو داود حديثاً في مصنفه «حديث : أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجمعةِ عَلى المِنْبَرِ حَتَّى جَاءَ الحَسَنُ والحسينُ عليهما قميصان أحمرانَ يجرانِهما، يعْثُرَانِ ويَقُومَانِ، فَنَزَلَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنِ المنبرِ حَتَّى أخَذَهُمَا، وصَعِدَ بِهِمَا، ثم قَرَأَ: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ...} الآية، وقَال: إني رأيتُ هذينِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثم أخَذَ في خُطْبَتِهِ»تفسير : ، قال * ع *: وهذهِ ونحوُها هِي فتنةُ الفُضَلاَءِ، فأما فتنةُ الجُهَّالِ الفَسَقَةِ؛ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كلِ فعلٍ مُهْلِكٍ، وفي صَحِيحَي البخاري ومسلم، عن أبي ذرٍ قال: انتهيتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُول: «حديث : هم الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، هُمُ الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: مَا شَأْنِي أيرى فيَّ شَيْئاً؟ فَجَلَسْتُ وَهُوَ يَقُولُ؛ فَمَا ٱسْتَطَعْتُ أنْ أسْكُتَ وتَغَشَّانيَ مَا شَاء اللَّهُ فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بأبي أنتَ وأمي يا رسولِ اللَّهِ؟ قال: هُمُ الأكْثَرُونَ مَالاً إلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وهَكَذَا وَهَكَذَا»تفسير : وفي رواية: «حديث : إن الأَكْثَرينَ هم الأقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ مَنْ قَال بِالمَالِ، هَكَذَا وهَكَذَا، ـــ وأشَارَ ابنُ شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وعن يمينه وعَنْ شماله ـــ، وقَلِيلٌ مَاهُمْ» تفسير : انتهى، واللفظ للبخاريّ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}. قال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فنزلت، ذكره النحاس. وحكاه الطَّبريّ عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التَّغابن كلها بـ"مكة" إلا هؤلاء الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا فيَرقّ فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. روى الترمذي عن ابن عباس، وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وإذا الناس قد تفقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. حديث حسن صحيح. فصل قال ابن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته، وإنما كان عدواً بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدواً ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ فِي طريقِ الإيمانِ، فقَال لَهُ: أتُؤمِنُ وتَذَرُ دينكَ ودينَ أهْلكَ ومالكَ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك فَخالفَهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعدَ لَهُ على طريقِ الجهادِ، فقَالَ لَهُ: أتُجَاهدُ فتَقْتُلَ نَفْسَك فتنُكَحَ نِسَاؤكَ ويُقسَّم مالك فخَالفَهُ فَجَاهَدَ فقُتِلَ فحقٌّ على اللَّهِ أن يُدْخِله الجَنَّة ". تفسير : وقعود الشَّيطان يكون بوجهين: أحدهما: أن يكون بالوسوسة. والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، فقال تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}تفسير : [فصلت: 25]، وفي حكمة عيسى - عليه الصلاة والسلام -: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : تَعِسَ عَبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهَمِ، تعِسَ عبْدُ الخَميصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ القَطِيفَة"تفسير : ولا دَنَاءَةَ أعْظَمُ مِنْ عبادَة الدِّينار والدِّرهم، ولا همَّة أخسُّ من همَّة تَرْتَفِعُ بثَوبٍ جَديدٍ. واعلم أن قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} يدخل فيه الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوّاً له، كذلك المرأة يكون زوجها عدوّاً لها بهذا المعنى. قوله: {فَٱحْذَرُوهُمْ}. أي: فاحذروهم على أنفسكم، والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدنِ، أو لضررٍ في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله تعالى العبد من ذلك. قال ابن الخطيب: وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جملة ما تقع به الفتنة، وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، فإنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله كغصب مال الغير وغيره. قوله: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. روى الطَّبري عن عكرمة في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}. قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول أهله: أين تذهب وتدعنا؟. قال: فإذا أسلم وفَقُهَ قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن. قال: فأنزل الله - عز وجل - {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال مجاهد في هذه الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم لهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. قوله: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}. أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث: "حديث : يُؤتى بِرَجُلٍ يوم القِيامَةِ، فيُقال: أكَلَ عياله حَسَنَاته ". تفسير : وقال بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم، اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنةٍ، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مُضلاّت الفتن. وقال الحسنُ في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ}، أدخل "من" للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر من في قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واشتغال القلب بهما. روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "حديث : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحُسَين - رضي الله عنهما - وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله - عز وجل -: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} نظرتُ إلى هذينِ الصَّبيَّين يمشيان ويعثُرانِ فلمْ أصْبِرْ حتَّى قطعتُ حديثي ورَفعتُهُمَا ثُمَّ أخَذَا في خُطْبَتِهِ ". تفسير : {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. يعني: الجنة، فلا أعظم أجراً منها. قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}. قال قتادة، والربيع بن أنس، والسُّدي، وابن زيد: هذه الآية ناسخة لقوله {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102]. ذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102] قال: جاء أمر شديد، قال: ومن يعرف هذا ويبلغه، فلما عرف الله أنه اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}. وقال ابن عباس: هي محكمة لا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن تجاهد لله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة، فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص، ولا مشروط بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة؟. فالجواب: أن قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} معناه فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله - تعالى - قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [النساء: 97] إلى قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}تفسير : [النساء: 99]، فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله: {مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} في الهجرة من دار الشِّرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم. ويدل على صحة هذا قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} عقيب قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}، ولا خلاف بين علماء التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري. وقال ابن جبير: قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباهُهُمْ، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} فنسخت الأولى. قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النَّقْل، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها. قوله: {وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ}. أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه. وقال مقاتل: "اسْمَعُوا" أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السَّماع "وأطِيعُوا" الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم. وقيل: معنى "واسْمَعُوا" أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته. قوله: {وَأَنْفِقُواْ}. قال ابن عباس: هي الزكاة. وقيل: هي النفقة في النفل. وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد. وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه. وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله: "لأنفُسِكُمْ" وخفي عليه قوله: إن نفقة الفرض والنَّفْل في الصَّدقة على نفسه، قال الله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]. فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها عامة. قوله: {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ}. في نصبه أوجه: أحدها: قال سيبويه: إنه مفعول بفعل مقدر، دلَّ عليه "وأنفقوا"، تقديره: ايتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم وقدموا لأنفسكم كقوله: {أية : ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ}تفسير : [النساء: 171]. الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيراً، فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقاً خيراً. الرابع: أنه حال، وهو قول الكوفيين. الخامس: أنه مفعول بقوله "أنفِقُوا"، أي: أنفقوا مالاً خيراً. قوله: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. تقدم نظيره. وكذا {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}. تقدم في سورة البقرة والحديد. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}. تقدم معنى الشكر في "البقرة". والحليم: الذي لا يعجل. قال بعضهم القَرْض الحسن: هو التصدق من الحلال. وقيل: التصدق بطيب النفس، والقرض هو الذي يرجى بدله. قوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. أي: ما غاب وحضر، "وهُوَ العَزيزُ" الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله - عز وجل -: {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الزمر: 1] أي: من الله القاهر المُحْكم خالق الأشياء. وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: "عَزَّ يَعِزُّ" - بكسر العين - فيكون معنى العَزِيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له "الحَكِيمُ" في تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: "الحَكِيمُ" هو المُحْكِم الخلق للأشياء، صرف عن "مفعل" إلى "فعيل" ومنه قوله - عز وجل -: {أية : الۤـمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [لقمان: 1، 2]. فصرف عن "مفعل" إلى "فعيل" والله أعلم. روى الثعلبي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ مولُودٍ يُولَدُ إلاَّ وهو على الفطرة فِي تَشَابِيكِ رَأسِهِ مَكتُوبٌ خَمْسُ آيَاتٍ من فَاتحةِ سُورةِ التَّغَابنِ ". تفسير : وعن زرّ بن حبيش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغَابُنِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْتَ الفُجَاءَةِ"تفسير : . والله أعلم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}[14] قال: من حملك من أزواجك وأولادك على جمع الدنيا والركون إليها فهو عدو لك، ومن حثك على بذلها وإنفاقها، ودلك على القناعة والتوكل فليس بعدو لك. وحكي عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم، لا يغرنك من حولك من السباع الضارية ابنك وحليلتك وكلالتك وخادمك، أما ابنك فمثل الأسد في الشدة والصولة، ينازعك فيما في يدك؛ وأما حليلتك، فمثل الكلبة في الهرير والبصبصة، تهر أحياناً وتبصبص أحياناً؛ وأما كلالتك، فوالله لدرهم يقع في ميراث أحدهم، أحب إليه من أن لو كنت أعتقت رقبة؛ وأما خادمك، فمثل الثعلب في الحيل والسرقة. وأقول لك يا ابن آدم، اتق الله، فلا توقر ظهرك بصلاحهم، فإنما لك خطوات إلى منزلك القابل لأربعة أذرع في ذراعين، فإذا وضعوك هناك انصرفوا عنك وصرفوا النيات، وضربوا الدفوف، وضحكوا بالقهقهة، وأنت تحاسب بما في أيديهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}. قال سهل: من حملك من أزواجك وأولادك على جمع الدنيا والركون إليها فهو عدو لك ومن حثك على ذلها وإنفاقها ودلَّك على القناعة والتوكل فليس بعدو لك. {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}. قال ابن عطاء: فتنة بأن تلهيكم عن تأدية واجباته فذلك موضع الفتنة. وقال جعفر: أموالكم فتنة لانشغالكم بجمعها من غير وجهها ووضعها فى غير أهلها وأولادكم فتنة باشتغالكم بإصلاحهم فتفسدون أنتم ولا تصلحونهم. وقال ابن عطاء: أى يصرفكم بلهوكم بها واشتغالكم عن تأدية واجبها بتزيين البخل لتتوفر لهم الدنيا.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إذا دَعَوْكَ لتجمَع لهم الدنيا فهم عدوٌّ لك، أمَّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف فليسوا لكم أعداء. قوله جل ذكره: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. {فِتْنَةٌ}: لأنهم يشغلونكم عن أداء حقِّ الله؛ فما تَبْقَ عن الله مشغولاً بجمعه فهو غيرُ ميمونٍ عليك. ويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وَجْهِه فإنكم تُشغَلُون بذلك عن أداءِ حقِّ مولاكم، وتشغلكم أولادُكم، فتبقون بهم عن طاعة الله - وتلك فتنةٌ لكم.. ترومون إصلاحَهم. فتفسدون أنتم وهم لا يُصْلَحون! قوله جل ذكره: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا لله. والتقوى عن شهود التقوى بعد إلا يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} حتى ترتفعَ الأخطارُ عن قلبه، ويتحرَّر من رِقِّ المكونات، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} ايمانا خالصا {ان من ازواجكم} جمع زوج يعم الحليل والحليلة وسيجئ ما فى اللباب {واولادكم} جمع ولد يعم الابن والبنت {عدوا لكم} يشغلونكم عن طاعة الله وان لم يكون لهم عداوة ظاهرة فان العدو لا يكون عدوا بذاته وانما يكون عدوا بفعله فاذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا ولا فعل اقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة او يخاصمونكم فى اموار الدنيا واشد المكر ما يكون فى الدين فان ضرره اشد من ضرر ما يكون فى الدنيا وجاء فى الخبر ليس عدوك الذى لقيته فقتلته وآجرك الله على قتله ولكن اعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك وامرأتك تضاجعك على فراشك وولدك من صلبك قدم الازواج لانها مصادر الاولاد ولانها لكونها محل الشهوات ألصق بقلوب الناس وأشد اشغالا لهم عن العبودية ولذا قدمها الله تعالى فى قوله {أية : زين للناس حب الشهوات من النساء}تفسير : وفى الالباب ان قوله {ان من ازواجكم} يدخل فيه الذكر فكما ان الرجل تكون زوجته وولده عدوا له كذلك المرأة يكون زوجها عدوا لها بهذا المعنى فيكون الخطاب هنا عاما على التغليب ويحتمل أن يكون الدخول باعتبار الحكم لا باعتبار الخطاب {فاحذروهم} الحذر احتراز عن مخيف والضمير للعدو فانه يطلق على الجمع قال بعضهم احذروهم اى احفظوا أنفسكم من محبتهم وشدة التعلق والاحتجاب بهم ولا تؤثروا حقوقهم على حقوق الله تعالى وفى الحديث"حديث : اذا كان امرآؤكم خياركم واغنياؤكم اسخياءكم وامركم شورى بينكم اى ذا تشاور لا يتفرد احد برأى دون صاحبه فظهر الارض خير لكم من بطنها واذا كان امراؤكم شراركم واغنياؤكم بخلاءكم وامركم الى نسائكم فبطن الارض خير لكم من ظهرها"تفسير : وفى الحديث "حديث : شاوروهن وخالفوهن"تفسير : وقد استشار النبى عليه السلام ام سلمة رضى الله عنها كما فى قصة صلح الحديبية فصار دليلا لجواز استشارة المرأة الفاضلة ولفضل ام سلمة ووفور عقلها حتى قال امام الحرمين لا نعلم امرأة اشارت برأى فأصابت الا ام سلمة كذا قال وقد استدرك بعضهم ابنة شعيب فى امر موسى عليهما السلام (حكى) ان خسرو كان يحب اكل السمك فكان يوما جالسا فى المنظرة وشيرين عنده اذ جاء صياد ومعه سمكة كبيرة فوضعها بين يديه فأعجبته فأمر له بأربع آلاف درهم فقالت شيرين بئس ما فعلت لانك اذا أعطيت بعد هذا احدا من عسكرك هذا القدر احتقره وقال أعطانى عطية الصياد فقال خسرو لقد صدقت لكن يقبح على الملوك أن يرجعوا فى عطياتهم فقالت شيرين تدعو الصياد وتقول له هذه السمكة ذكر او انثى فان قال ذكر فقل انما أردنا انثى وان قال انثى فقل انما أردنا ذكرا فنودى الصياد فعاد فقال له الملك هذه السمكة ذكر أو انثى فقال هذه السمكة خنثى فضحك خسرو من كلامه وامر له بأربعة آلاف درهم اخرى فقبض ثمانية آلاف درهم ووضعها فى جراب معه وحملها على كاهله وهم بالخروج فوقع من الجراب درهم واحد فوضع الصياد الجراب وانحنى على الدرهم فأخذه والملك وشيرين ينظران اليه فقالت شيرين للملك أرأيت الى خسة هذا الرجل وسفالته سقط منه درهم واحد فألقى عن كاهله ثمانية آلاف درهم وانحنى على ذلك الدرهم وأخذه ولم يسهل عليه أن يتركه فغضب الملك وقال لقد صدقت يا شيرين ثم امر باعادة الصياد فقال يا دنيئ الهمة لست بانسان ما هذا الحرص والتهالك على درهم واحد فقبل الصياد الارض وقال انى لم ارفع ذلك الدرهم لخطره عندى وانما رفعته عن الارض لان على احد وجهيه اسم الملك وعلى الآخر صورته فخشيت أن يأتى احد بغير علم فيضع عليه قدمه فيكون ذلك استخفافا بالملك وصورته فتعجب خسرو من كلامه فأمر له بأربعة آلاف درهم اخرى وكتب وصية للناس بأن لا تطيعوا النساء اصلا ولا تعملوا برأيهن قطعا (وحكى) ان رجلا من بنى اسرآئيل أتى سليمان عليه السلام وقال يا نبى الله أريد أن تعلمنى لسان البهائم فقال سليمان ان كنت تحب ان تعلم لسان البهائم أنا اعلمك ولكن اذا اخبرت احدا تموت من ساعتك فقال لا اخبر احدا فقال سليمان قد علمتك وكان للرجل ثور وحمار يعمل عليهما فى النهار فاذا امسى ادخل عليهما علفا فحط العلف بين يديهما فقال الحمار للثور اعطنى الليلة عشاءك حتى يحسب صاحبنا انك مريض فلا يعمل عليك ثم انى أعطيك عشائى فى الليلة القابلة فرفع الثور رأسه من علفه فضحك الرجل فقالت امرأته لم تضحك قال لا شئ فلما جاءت الليلة القابلة أعطى الرجل للحمار علفه وللثور علفه وقال الثور اقضنى السلف الذى عندك فانى أمسيت مغلوبا من الجوع والتعب فقال له الحمار انك لا تدرى كيف كان الحال قال الثور وما ذاك قال ان صاحبنا البارحة ذهب وقال لجزار ثورى مريض اذبحه قبل أن يعجف فاصبر الليلة وأسلفنى ايضا عشاءك حتى اذا جاءك الجزاء صباحا وجدك عجيفا ولا يذبحك فتنجو من الموت ولو تعشيت يمتلئ بطنك فيخشى عليك أن يحسبك سمينا فيذبحك انى أرد لك ما أسفلتنى الليلتين فرفع رأسه عن علفه ولم يأكل فضحك الرجل فقالت المرأة لم تضحك اخبرنى والا طلقنى فقال الرجل اذا اخبرتك بما ضحكت اموت من ساعتى فقالت لا أبالى فقال ائتينى بالدواة والقرطاس حتى اكتب وصيتى ثم اخبر ثم اموت فناولته فبينما هو يكتب اذ طرحت المرأة كسرة من الخبز الى الكلب فسبق الديك واخذها بمنقاره قال الكلب ظلمتنى قال الديك صاحبنا يريد الموت فتكون انت شبعانا من وليمة المأتم ولكن نحن نبقى فى مبيتا الى ثلاثة ايام لا يفتح لنا الباب وان يمت برضى امرأته ابعده الله واسخطه فان لى تسع نسوة لا تقدر واحد منهن أن تسأل عن سرى ولو كنت أنا مكانه لأضربنها حتى تموت او تتوب وبعد ذلك لا تسأل عن سر زوجها فأخذ الرجل عصا ولم يزل يضربها حتى ثابت من ذلك شعر : زنى راكه جهلست وبارساتى بلا برسر خود نه زن خواستى تفسير : وافادت من التبعيضية فى قوله {ان من ازواجكم} الخ ان منها ما ليس بعدو كما قال عليه السلام حديث : الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة وقال عليه السلام ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان امرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها أبرته وان غاب عنها نصحته فى نفسها وما له تفسير : فاذا كانت المرأة على هذه الاوصاف فهى ميمونة مباركة والا فهى مشئومة منحوسة. شعر : كرا خانه آباد وهمخوا به دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست تفسير : {وان تعفوا} عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بامور الدنيا او بامور الدين لكن مقارنة للتوبة {وتصفحوا} يترك التثريب والتعبير يقال صفحت عن فلان اذا أعرضت عن ذبنه والتثريب عليه {وتغفروا} باخفائها وتمهيد عذرها {فان الله غفور رحيم} يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم وهذا كقوله {أية : وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا}تفسير : نزلت فى عوف بن مالك الا شجعى رضى الله عنه كان ذا اهل وولد وكان اذا أراد الغزو بكوه ورققوه وقالوا الى من تدعنا فيرق ويقيم. وأراد الخطيئة وهو شاعر مشهور سفرا فقال لامرأته شعر : عدى السنين لغيبتى وتصبرى وذرى الشهور فانهن قصار تفسير : فأجابته شعر : واذكر صبابتنا اليك وشوقنا وارحم بناتك انهن صغار تفسير : وقيل ان ناسا من المؤمنين أرادوا الهجرة من مكة فثبطهم ازواجهم واولادهم فزينوا لهم القعود قيل قالوا لهم اين تذهبوا وتدعون بلدكم وعشيرتكم واموالكم فغضبوا عليهم وقالوا لئن جمعنا الله فى دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخير فحثوا على أن يعفوا عنهم ويردوا اليهم البر والصلة قال القاشانى وان تعفوا بالمداراة وتصفحوا عن جرآئمهم بالحلم وتغفروا جناياتهم بالرحمة فلا ذنب ولا حرج انما الذنب فى الاحتجاب بهم وافراط المحبة وشدة التعلق لا فى مراعاة العدالة والفضيلة ومعاشرتهم بحسن الخلق فانه مندوب بل اتصاف بصفات الله فان الله غفور رحيم فعليكم بالتخلق باخلاقه وفى الحث على العفو والصفح اشارة الى أن ليس المراد من الامر بالحذر تركهم بالكلية والاعراض عن معاشرتهم ومصاحبتهم كيف والنساء من اعظم نعم الجنة وبها نظام العالم فانه لولا الازواج لما وجد الانبياء والاولياء والعلماء والصلحاء وقد خلق المخلوقات لاجلهم ومن الله على عباده تذكير النعمة حيث قال {أية : خلق لكم من أنفسكم ازواجا}تفسير : وهذا كما روى عنه عليه السلام انه كان يقول حديث : اتقوا الدنيا والنساء تفسير : فان الامر بالاتقاء انما هو للتحذير عما يضر فى معاشرتها لا للترك بالكلية فكما ان الدنيا لا تترك بالكلية ما دام المرء حيا وانما يحذر من التعلق بها ومحبتها الشاغلة عن محبة الله تعالى فكذا النساء ولأمر ما حبب الله اليه عليه السلام النساء وقال عليه السلام حديث : اذا مات الانسان انقطع عنه عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو لهتفسير : كما سبق بيانه فى سورة النجم فقد حث عليه السلام على وجود الولد الصالح ولم يعده من الدنيا بل عده من الخير الباقى فى الدنيا وبه يحصل العمر الثانى وفى الآية اشارة الى أن النفوس الامارة واللوامة واولادها وهى صفات تلك النفوس واخلاقها الشهوانية عدو للانسان يمنعه عن الهجرة الى مدينة القلب فلا بد من الحذر عن متابعتها ومخالتطها بالكلية وتصرفاتها فى جميع الاحوال وأن تعفو عن هفواتهم الباطلة الواقعة منهم فى بعض الاوقات لكونهم مطية لكم وتصفحوا بعد التوبيخ والتعيير وتغفروا بأن تستروا ظلمتهم بنور ايمانكم وشعاع معرفة قلوبكم فان الله غفور ساتر لكم يستر بلطفه رحيم بكم بافاضة رحمته عليكم جعلنا الله واياكم من اهل تقواه ومغفرته وتغمدنا بأنواع رحمته.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِنّ مِن أزواجكم وأولادِكم عدواً لكم} يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويُخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إنَّ من الأزواج أزواجاً يُعادين بعولتهنّ ويخاصمنَهم، ومن الأولاد أولاداً يُعادون آباءهم ويعقّونهم، {فاحذروهم}؛ كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يُطلق على الجمع، كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي}تفسير : [الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعاً، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأنّ منهم مَن ليس بعدو، وإمّا الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. {وإِن تَعفوا} عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطّلعتم منهم على عداوة، {وتصفحوا}؛ تُعرضوا عن التوبيخ، {وتغفروا}؛ تستروا ذنوبهم، {فإِنَّ الله غفور رحيم} يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. رُوي أنّ ناساً من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلّق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتُضيعوننا، فرقُّوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فَقِهُوا في الدين، وحازوا رئاسةَ التقدُّم، أرادوا أن يُعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغّبهم في العفو. {إِنما أموالُكم وأولادُكم فتنةٌ}؛ بلاءٌ ومحنةٌ، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عبادَه، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القويّ في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل "مِن" للتبعيض في الأزواج والأولاد؛ لأنَّ كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر "مِن" في فتنة الأموال والأولاد؛ لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بَنون كالبُدور، فقيل له ـ وهم بين يديه: أيسرُّونك؟ فقال: لا، إنما يسرُّني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إنَّ لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. هـ. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة؛ إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلاَّت الفتن. قال أبو بريدة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}...الآية، ثم قال "إني رأيت هذين فلم أصبر" ثم أخذ في خطبته . تفسير : {واللهُ عنده أجرٌ عظيم} لمَن آثر محبةَ الله وطاعتَه على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسّر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فَعَن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله؛ الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال: " حديث : جلوس ساعة مع العيال أحب إليَّ من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تُنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله"تفسير : انظر السمرقندي. {فاتقوا اللهَ ما استطعتم} أي: ابذلوا جهدَكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدّم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران:102] أو: مُبيّنة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. هـ. {واسمَعُوا} ما تُوعظون به، {وأطيعوا} فيما تُؤمرون به {وأَنفِقوا} مما رزقناكم في الوجوه التي أُمرتم، فالإنفاق فيها خالصاً لوجهه {خيراً لأنفسِكم} أي: وائتوا خيراً لأنفسكم, {ومَن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} الفائزون بكل خير. {إِن تُقرضوا اللهَ} بصرف أموالكم إلى المصارف التي عيّنها {قرضاً حسناً} مقروناً بالإخلاص {يُضاعِفْهُ لكم} بالواحدة عشراً إلى سبعمائة أو أكثر، {ويغفرْ لكم} ببركة الإنفاق ما فرط منكم، {واللهُ شكورٌ} يُعطي الجزيل في مقابلة القليل، {حليمٌ} لا يُعاجِل بالعقوبة، {عالمُ الغيب والشهادة} لا تخفى عليه خافية، {العزيزُ الحكيمُ} مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقِّي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميًّا، حيث رمَى أهلَه وولَده في وادٍ غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحِفْظِه، فانظر كيف حَفِظَهم غايةَ الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبّت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكُّل والانقطاع إليه. ومِن الأزواج والأولاد مَن يزيد بالرجل ويُعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: مَن دعاك مِن أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومَن واخاك على القناعة والتوكُّل فليس بعدو. هـ. قال القشيري: إنَّ من أزواجكم: نفوسكم الأمَارة، وأولادكم: صفاتها ومُناها وأخلاقها الشهوانية، عدوًّا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتَهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإنّ اللهَ غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. هـ. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم مَن يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجّهوا إليه كفاهم أمْرَهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق. هـ. {فاتقوا الله ما استطعتم} أي: غِيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدّم أنَّ قوله تعالى: { أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. هـ. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألاّ يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى. هـ. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يُقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يُبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. هـ. وأنفِقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيراً لأنفسكم، لأنّ الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يُوق شُحَّ نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يُقدمها للمَتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومَن يُوق شُحَّ نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرَّر من رِقِّ المكونات، فأولئك هم المفلحون. هـ. وعن بعضهم: مَن أنفق بكُرهٍ فهو شح، ومَن أَنفق بطوعٍ فهو الفرض، ومَن عُوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. هـ. إن تُقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضاً حسناً، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القَرْض والحس، يُضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحسّ وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل مَن توجه إليه بلا شيء، حليم يُغيّب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعزّ لأوليائه ومكل مَن انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجُّه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} يعنى انّ بعض الاولاد والازواج يكونون معينين لكم فى امر آخرتكم ويكونون محبّين لكم فى ذلك، لكنّ البعض الآخر يكونون اعداءً لكم فى امر آخرتكم لا سيّما اذا كانوا مخالفين او موافقين فى جهة الدّنيا لا فى جهة الآخرة سواءٌ ظهر منهم عداوةٌ فى الظّاهر او لم يظهر {فَٱحْذَرُوهُمْ} ولا تخالفوا امر الله فى رضاهم ولكن لا تدعوهم الى انفسهم وادعوا الله لهم واطلبوا من الله المغفرة لهم {وَإِن تَعْفُواْ} عن مسيئهم {وَتَصْفَحُواْ} بتطهير القلوب عن الحقد عليهم {وَتَغْفِرُواْ} مساويهم يغفر الله لكم ويرحمكم او يغفر الله لكم ولهم ويرحمكم وايّاهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نسب الى الباقر (ع) فى هذه الآية، انّ الرّجل كان اذا اراد الهجرة الى رسول الله (ص) تعلّق به ابنه وامرأته وقالوا: ننشدك الله ان تذهب عنّا وتدعنا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع اهله فيقيم فحذّرهم الله ابناءهم ونساءهم ونهاهم عن طاعتهم، ومنهم من يمضى ويذرهم ويقول: اما والله لئن لم تهاجروا معى ثمّ يجمع الله بينى وبينكم فى دار الهجرة لا انفعكم بشيءٍ ابداً، فلمّا جمع الله بينه وبينهم امره الله ان يحسن اليهم ويصلهم فقال: وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فانّ الله غفورٌ رحيمٌ.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم} الآية نزلت في قوم أرادوا الهجرة فثبطهم أزواجهم وأولادهم، وقيل: كانوا كفاراً وأظهروا العداوة، وقيل: كان الرجل إذا أسلم يريد أن يهاجر مع أهله وولده فمنهم من يحب ومنهم لا يحب ففي ذلك نزلت، وقيل: من للتبعيض لأن بعضهم بهذه الصفة {فاحذروهم} الضمير للعدو والأزواج والأولاد جميعاً، أي لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عذر فتكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم {وإن تعفوا} عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة أولم تقابلوهم بمثلها فإن الله يغفر لكم ذنوبكم، وروي أن أزواجهم وأولادهم قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم؟ فغضبوا عليهم وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لن نصيبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير، فحبوا أن يعفوا عنهم ويردوا البر والصلة، وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل وولد فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا إليه فكأنه همّ باذائهم فنزلت الآية {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} بلاء ومحنة لأنهم توقعون في الإِثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منها ألا ترى إلى قوله: {والله عنده أجر عظيم} ولأن المرء يبتلى بحبهم، وقيل: عداوتهم أنهم يتمنون موتهم فيرثون ماله وذلك أنهم يحملوهم على كسب الحرام ومن كثر عياله قلّ نظره في أمر عاقبته، وفي الحديث: "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال:أكل عياله حسناته" تفسير : وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات، حديث : وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخطب، فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل اليهما فأخذهما ووضعهما في حجره فقال: "صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}" تفسير : {فاتقوا الله ما استطعتم} جهدكم ووسعكم {واسمعوا} ما توعظون {وانفقوا} في الوجوه التي وجبت عليكم {ومن يوق شح نفسه} أي من يصرف عن نفسه البخل {فأولئك هم المفلحون} الظافرون {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً} وهذا توسع من حيث جعل الصدقة بأمر الله وضمانه الجزاء عليها، والحسن أن يعطيها مخلصاً لله تعالى {يضاعفه لكم} أي يعطيكم بدله أضعاف ذلك من واحد إلى عشرة إلى سبع مائة إلى ما يشاء {والله شكور} يوسع، وقيل: يقبل القليل ويثيب عليه بالكثير {حليم} لا يعجل على من عصاه {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم}.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ} يشغلكم عن الله يخاصمكم في أمر الدين والدنيا ويضركم ومن للتبعيض قال عطاء بن ياسر وعطاء بن ابي رباح: نزلت في عوف بن مالك الاشجعي وكان ذا اهل وولد فإذا اراد ان يغزو تعلقوا به وبكوا اليه ورققوه وقالوا الى من تدعنا فيثبطوه وندم وهم بعقابهم فنزل قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ}. {فَاحْذَرُوهُمْ} أي جميع الازواج والاولاد لأن منهم عدوا ولا يخلون عن منع عن خير فلا تأمنوا غوائلهم.{وَإِن تَعْفُوا} بترك المعاقبة {وَتَصْفَحُوا} بالاعراض وترك كثرة الملامة {وَتَغْفِرُوا} تستروا خطاياهم ولا تعاقبوهم. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يثيبكم ويتفضل عليكم كما عفوتم وصفحتم وغفرتم وقال الكلبي: ان الرجل إذا اراد الهجرة تعلق به ولده وزوجته فقالوا له ننشادك الله ان تذهب وتتركنا فنضيع، فمنهم من يطيع امرهم فيقيم فحذرهم الله أياهم ومنهم من يمضي على الهجرة ويقول اما والله لان لم تهاجروا معي وابقاكم الله حتى تجتمعوا معي في دار الهجرة لا انفعكم بشيء أبدا فلما جمعهم الله أنزل * { وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} حضا على الاحسان اليهم وقال ابن عباس: أسلم رجال من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم ولما أتوه رأوا الناس قد فقهوا وفهموا بالعتاب فنزل ذلك. وروي انهم قالوا اين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم واموالكم فغضبوا وقالوا لان اجتمعنا لم ننفعكم وهاجروا وروي انهم قالوا صبرنا على اسلامكم ولا صبر على فراقكم فتركوا الهجرة ثم هاجروا فرأوا من سبقهم بالهجرة فقهوا فلم ينفقوا عليهم ولم يصيبوهم بخير لانهم منعوهم منزل ذلك وقال الحسن: ان العدو من الازواج والاولاد من لم يؤمن وكانوا يؤذونهم على اسلامهم فأمرهم الله بالعفو وقال مجاهد يحمل الرجل حب ولده وزوجته على قطعية رحمه ومعصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث "حديث : ليس عدوك الذي ان قتلك ادخلك به الله الجنة وان قتلته كان لك ثواباً ولكن أعدا الاعداء نفسك التي بين جنبيك ثم أعدا الاعداء ولدك الذي خرج من صلبك ثم أعدا الاعداء زوجتك التي تضاجعك ثم أعدا الاعداء ما ملكت يمينك"تفسير : قال بعضهم: من حملك من أزواجك وأولادك على جمع الدنيا والركون اليها فهو عدو ومن حثك على الانفاق والتوكل والقناعة فليس بعد. قال الحسن: لا يغرنك من حولك من السباع الضارية ابنك وحليلتك وكلالتك وخادمك أما ابنك كمثل الاسد في الشدة والصولة وينازعك فيما في يدك واما حليلتك فكالكلبة في الهريرة والبصبصة واما كلالتك فدرهم في ميراث احدهم احب اليهم من ان تعتق رقبة واما خادمك كالثعلب في الحيل والسرقة. واقول لك يا ابن آدم اتق الله فلا توقر ظهرك بصلاحهم فإن مالك خطوات الى منزلك القابل لاربعة اذرع في ذراعين فإذا وضعك هنالك انصرفوا عنك وصرفوا النيات وضربوا بالدفوف وضحكوا بالقهقهة وفرحوا بما تركتهم وانت محاسب بما في ايديهم.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } أي إن بعضهم كذلك فمن الأزواج أزواجاً يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولاداً يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى، وقد شاهدنا من الأزواج من قتلت زوجها، ومن أفسدت عقله بإطعام بعض المفسدات للعقل، ومن كسرت قارورة عرضه، ومن مزقت كيس ماله ـ ومن ومن ـ وكذا من الأولاد من فعل نحو ذلك {فَٱحْذَرُوهُمْ } أي كونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم. والضمير للعدو - فإنه يطلق على الجمع نحو قوله تعالى: { أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } تفسير : [الشعراء: 77] فالمأمور به الحذر عن الكل - أو للأزواج والأولاد جميعاً، فالمأمور به إما الحذر عن البعض لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن مجموع الفريقين لاشتمالهم على العدو. {وَإِن تَعْفُواْ } عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مقارنة للتوبة بأن لم تعاقبوهم عليها {وَتَصْفَحُواْ} تعرضوا بترك التثريب والتعيير {وَتَغْفِرُواْ } تستروها بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قائم مقام الجواب، والمراد يعاملكم بمثل ما عملتم، ويتفضل عليكم فإنه عز وجل غفور رحيم. ولما كان التكليف هٰهنا شاقاً لأن الأذى الصادر ممن أحسنت إليه أشد نكاية وأبعث على الانتقام ناسب التأكيد في قوله سبحانه: {وَإِن تَعْفُواْ } الخ، وقال غير واحد: إن عداوتهم من حيث إنهم يحولون بينهم وبين الطاعات والأمور النافعة لهم في آخرتهم، وقد يحملونهم على السعي في اكتساب الحرام وارتكاب الآثام لمنفعة أنفسهم كما روي عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : يأتي زمان على أمتي يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده يعيرانه بالفقر فيركب مراكب السوء فيهلك » تفسير : . ومن الناس من يحمله حبهم والشفقة عليهم على أن يكونوا في عيش رغد في حياته وبعد مماته فيرتكب المحظورات لتحصيل ما يكون سبباً لذلك وإن لم يطلبوه منه فيهلك، وسبب النزول أوفق بهذا القول. أخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ } الخ في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فأبـى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى الآية؛ وفي رواية أخرى عنه أنه قال: كان الرجل يريد الهجرة فيحبسه امرأته وولده فيقول: أما والله لئن جمع الله تعالى بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلنّ ولأفعلنّ فجمع الله عز وجل بينهم في دار الهجرة فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ } الآية. وقيل: إنهم قالوا لهم لئن جمعنا الله تعالى في دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخير فنزلت. وعن عطاء بن أبـي رباح أن عوف بن مالك الأشجعي أراد الغزو مع النبـي صلى الله عليه وسلم فاجتمع أهله أولاده فثبطوه وشكوا إليه فراقه فَرَقَّ ولم يغز، ثم إنه ندم فهم بمعاقبتهم فنزلت. واستدل بها على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جناية وأن لا يدعو عليهم.

ابن عاشور

تفسير : إقبال على خطاب المؤمنين بما يفيدهم كمالاً ويجنبهم ما يفتنهم. أخرج الترمذي «عن ابن عباس أن رجلاً سأله عن هذه الآية فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبَى أزواجهم وأولادُهم أن يَدعوهم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ـــ أي بعد مدة وجاء معهم أزواجهم وأولادهم ـــ ورأوا الناس قد فقهوا في الدين ـــ أي سبقوهم بالفقه في الدين لتأخر هؤلاء عن الهجرة ـــ فَهَمُّوا أن يعاقبوهم على ما تسببوا لهم حتى سبقهم الناس إلى الفقه في الدين فأنزل الله هذه الآية: ـــ أي حتى قوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} ـــ. وهو الذي اقتصر عليه الواحدي في «أسباب النزول» ومقتضاه أن الآية مدنية». وعن عطاء ابن يسار وابن عباس أيضاً أن هذه الآية نزلت بالمدينة في شأن عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد فكان إذا أراد الغزو بَكَوا إليه ورققوه وقالوا: إلى من تَدعنا، فيرقُّ لهم فيقعد عن الغزو. وشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية في شأنهم. فهذه الآية مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون موقعها هذا سبب نزولها صادف أن كان عقب ما نزل قبلها من هذه السورة. والمناسبة بينها وبين الآية التي قبلها لأن كلتيهما تسلية على ما أصاب المؤمنين من غَمّ من معاملة أعدائهم إياهم ومن انحراف بعض أزواجهم وأولادهم عليهم. وإذا كانت السورة كلها مكية كما هو قول الضحاك كانت الآية ابتداء إقبال على تخصيص المؤمنين بالخطاب بعد قضاء حق الغرض الذي ابتدئت به السورة على عادة القرآن في تعقيب الأغراض بأضدادها من ترغيب أو ترهيب، وثناء أو ملام، أو نحو ذلك ليوفّى الطرفان حقيهما، وكانت تنبيهاً للمسلمين لأحوال في عائلاتهم قد تخفى عليهم ليأخذوا حذرهم، وهذا هو المناسب لما قبل الهجرة كان المسلمون بمكة ممتزجين مع المشركين بوشائج النسب والصهر والولاء فلما ناصبهم المشركون العداء لمفارقتهم دينهم وأضمروا لهم الحقد وأصبحوا فريقين كان كل فريق غير خال من أفراد متفاوتين في المضادة تبعاً للتفاوت في صلابة الدين، وفي أواصر القرابة والصهر، وقد يبلغ العداء إلى نهاية طرفه فتندحض أمامة جميع الأواصر فيصبح الأشد قرباً أشد مضرة على قريبه من مضرة البعيد. فأيقظت هذه الآية المؤمنين لئلا يغرّهم أهل قرابتهم فيما توهم من جانب غرورهم فيكون ضرهم أشد عليهم وفي هذا الإيقاظ مصلحة للدين وللمسلمين ولذلك قال تعالى: {فاحذروهم} ولم يأمر بأن يضروهم، وأعقبه بقوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}، جمعاً بين الحذر وبين المسالمة وذلك من الحزم. و{مِن} تبعيضية. وتقديم خبر {إنَّ} على اسمها للاهتمام بهذا الخبر ولما فيه من تشويق إلى الاسم ليتمكن مضمون هذا الخبر في الذهن أتم تمكن لما فيه من الغرابة والأهمية. وقد تقدم مثله عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر}تفسير : في سورة [البقرة: 8]. وعَدُوّ وصف من العداوة بوزن فَعول بمعنى فاعل فلذلك لزم حالة الإفراد والتذكير إذا كان وصفاً، وقد مضى ذلك عند قوله تعالى:{أية : فإن كان من قوم عدوّ لكم}تفسير : في سورة [النساء: 92]. فأما إذا أريد منه معنى الاسمية فيطابق ما أجري عليه، قال تعالى: {أية : يكونوا لكم أعداء}تفسير : [الممتحنة: 2]. والإِخبار عن بعض الأزواج والأولاد بأنهم عدوٌّ يجوز أن يحمل على الحقيقة فإن بعضهم قد يضمر عداوة لزوجه وبعضهم لأبويه من جراء المعاملة بما لا يروق عنده مع خباثة في النفس وسوء تفكير فيصير عدوًّا لمن حقه أن يكون له صديقاً، ويكثر أن تأتي هذه العداوة من اختلاف الدين ومن الانتماء إلى الأعداء. ويجوز أن يكون على معنى التشبيه البليغ، أي كالعدوّ في المعاملة بما هو من شأن معاملة الأعداء كما قيل في المَثَل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدوّ لعدوّه. وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. وعُطف على قوله: {فاحذروهم} جملة {وإن تعفوا وتصفحوا} إلى آخرها عَطف الاحتراس لأنه إذا كان العفو مطلوباً محبوباً إلى الله تعالى وهو لا يكون إلا بعد حصول الذنب فإن عدم المؤاخذة على مجرد ظنّ العداوة أجدر بالطلب ففهم النهي عن معاملة الأزواج والأبناء معاملةَ الأعداء لأجل إيجاس العداوة، بل المقصود من التحذير التوقِّي وأخذُ الحيطة لابتداء المؤاخذة، ولذلك قيل: «الحزم سوء الظن بالناس»، أي لكن دون أن يبنى على ذلك الظن معاملة من صدر منه ما ظننت به قال تعالى: {أية : إن بعض الظن إثم}تفسير : [الحجرات: 12] وقال: {أية : أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}تفسير : [الحجرات: 6]. والعفو: ترك المعاقبة على الذنب بعد الاستعداد لها. ولو مع توبيخ. والصفح: الإِعراض عن المذنب، أي ترك عقابه على ذنبه دون التوبيخ. والغفر: ستر الذنب وعدم إشاعته. والجمع بينها هنا إيماء إلى تراتب آثار هذه العداوة وما تقتضيه آثارها من هذه المعاملات الثلاث. وحذف متعلق الأفعال الثلاثة لظهور أن المراد من أولادكم وأزواجكم فيما يصدر منهم مما يؤذيكم، ويجوز أن يكون حذف المتعلق لإِرادة عموم الترغيب في العفو. وإنما يعفو المرء ويصفح ويغفر عن المذنب إذا كان ذنبه متعلقاً بحق ذلك المرء وبهذه الأفعال المذكورة هنا مطلقة وفي أدلة الشريعة تقييدات لها. وجملة {فإن الله غفور رحيم} دليل جواب الشرط المحذوف المؤذن بالترغيب في العفو والصفح والغفر فالتقدير وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا يحب الله ذلك منكم لأن الله غفور رحيم، أي للذين يغفرون ويرحمون، وجمع وصف رحيم الخصال الثلاث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على ذلك عند قوله تعالى: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 46]. ومما يعتبر توجيهاً قرآنياً لعلاج مشاكل الحياة الزوجية وقضية الأولاد التعقيب على ذلك بقوله تعالى: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التغابن: 14] أي إن عداوة الزوجة والأولاد لا ينبغي أن تقابل إلا بالعفو والصفح والغفران، وأن ذلك يخفف أو يذهب أو يجنب الزوج والوالد نتائج هذا العداء، وأنه خير من المشاحة والخصام. وفي موضع آخر قال: { أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [الأنفال: 28] أي قد تفتن عن ذكر الله، {أية : لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [المنافقون: 9]. وتقدم للشيخ هذا المبحث في سورة الكهف كما أشرنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم: أيّ من بعض أزواجكم وبعض أولادكم عدوّاً أي يشغلونكم عن طاعة الله أو ينازعونكم في أمر الدين أو الدنيا. فاحذروهم: أي أن تطيعوهم في التخلف عن فعل الخير كترك الهجرة أو الجهاد أو صلاة الجماعة أو التصدق على ذوي الحاجة. وإن تعفوا: أي عمن ثبطكم عن الخير من زوجة وولد. وتصفحوا وتغفروا: أي وتعرضوا عنهم وتغفروا لهم ما عملوه معكم من تأخيركم عن الهجرة أو الإِنفاق في سبيل الله. فإن الله غفور رحيم: أي يغفر لمن يغفر ويرحم من يرحم. إنما أموالكم وأولادكم فتنة: أي بلاء واختبار لكم فاحذروا أن يصرفوكم عن طاعة الله أو يوقعوكم في معصيته. والله عنده أجر عظيم: أي فآثروا ما عنده تعالى على ما عندكم من مال وولد. فاتقوا الله ما استطعتم: أي افعلوا ما تقدرون عليه من أوامره، واجتنبوا نواهيه كلها. ومن يوق شح نفسه: أي ومن يقه الله شح نفسه فيعافيه من البخل والحرص على المال. يضاعفه لكم: أي الدرهم بسبعمائة. والله شكور حليم: أي يُجازى على الطاعة ولا يعاجل بالعقوبة. معنى الآيات: هذه الآيات الكريمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} إلى قوله {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} نزلت في أناس كان لهم أزواج وأولاد عاقوهم عن الهجرة والجهاد فترة من الوقت فلما تغلبوا عليهم وهاجروا ووجدوا الذين سبقوهم إلى الهجرة قد تعلموا وتفقهوا في الدين فتأسفوا عن تخلفهم فهموا بأزواجهم وأولادهم الذين عاقوهم عن الهجرة فترة طويلة أن يعاقبوهم بنوع من العقاب من تجويع أو ضرب أو تثريب وعتاب فأنزل الله تعالى هذه الآيات يا أيها الذين آمنوا أي يا أيها المؤمنون إن من أزواجكم وأولادكم أي من بعضهم لا كلهم إذ منهم من يساعد على طاعة الله ويكون عوناً عليها عدواً لكم يصرفكم عن طاعة الله والتزود للدار الآخرة، وقد ينازعونكم في دينكم ودنياكم إذاً فاحذروهم أي كونوا منهم على حذر أن تُطيعوهم في التخلف عن فعل الخير من هجرة وجهاد وغيرهما وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا أي عمن شغلوكم عن طاعة الله فعاقوكم عن الهجرة والجهاد فلم تضربوهم ولم تجوعوهم ولم تثربوا عليهم ولم تعاتبوهم بل تطلبون العذر لما قاموا به نحوكم يكافئكم الله تعالى بمثله فيعفوا عنكم ويصفح ويغفر لكم كما عفوتم وصفحتم وغفرتم لأزواجكم وأولادكم الذين أخروا هجرتكم وعطلوكم عن الجهاد في سبيل الله. وقوله تعالى {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي إنما أموالكم وأولادكم أي كل أموالكم وأولادكم فتنة واختبار من الله لكم هل تحسنون التصرف فيهم فلا تعصوا الله لأجلهم لا بترك واجب ولا بفعل ممنوع، أو تسيئون التصرف فيحملكم حبهم على التفريط في طاعة الله أو التقصير في بعضها بترك واجب أو فعل حرام والله عنده أجر عظيم فآثروا ما عند الله على ما عندكم من مال وولد، إن ما عند الله باق، وما عندكم فانٍ، فآثروا الباقي على الفاني. وقوله تعالى {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} هذا من إحسان الله تعالى إلى عباده المؤمنين إنه لما علمهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وحذرهم أن يؤثروهم على طاعة الله ورسوله علم أن بعض المؤمنين سوف يزهدون في المال والولد، وأن بعضاً سوف يعانون أتعاباً ومشقة شديدة في التوفيق بين خدمة المصلحتين فأمرهم أن يتقوه في حدود ما يطيقون فقط وخير الأمور الوسط فلا يفرط في ولده وماله، ولا يفرط في علة وجوده وسبب نجاته وسعادته وهي عبادة الله تعالى التي خلق لأجلها وعليها مدار نجاته من النار ودخوله الجنة. وقوله تعالى واسمعوا ما يدعوكم الله ورسوله إليه {وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ} في طاعة الله من أموالكم خيراً لأنفسكم من عدم الإِنفاق فإنه شر لكم وليس بخير. وقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أعلمهم أن عدم الإِنفاق ناتج عن شح النفس، وشح النفس لا يقي منه إلا الله، فعليكم باللجوء إلى الله تعالى ليحفظكم من شح نفوسكم فادعوه وتوسلوا إليه بالإِنفاق قليلاً قليلاً حتى يحصل الشفاء من مرض الشح الذي هو البخل مع الحرص الشديد على جمع المال والحفاظ عليه ومن شفي من مرض الشح أفلح وأصبح في عداد المفلحين الفائزين بالجنة بعد النجاة من النار. وقوله {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} هذا الترغيب عظيم من الله تعالى للمؤمنين في النفقة في سبيله إذ سماها قرضاً والقرض مردود وواعد بمضاعفتها وزيادة أخرى أن يغفر لهم بذلك ذنوبهم، واشتراط الحسن للقرض اشتراط معقول وهو أن يكون المال الذي أقرض الله حلالاً لا حراماً، وأن تكون النفس طيبة به لا كارهة له، وهذا من باب النصح للمؤمنين ليحصلوا على الأجر مضاعفاً وقوله تعالى {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} ترغيب أيضا لهم في الإِنفاق لأن لشكور معناه يُعطي القليل فيكافيء بالكثير، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة. ومثله يقرض القرض الحسن. وقوله {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} ترغيب أيضاً في الإِنفاق إذا أعلمهم أنه لا يغيب عنه من أمورهم شيء يعلم الخفي منها والعلني، وما غاب عنهم فلم يروه وما ظهر لهم فشهدوه فذو العلم بهذه المثابة معاملته مضمونة لا يخاف ضياعها ولا نسيانها. وقوله {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي العزيز الانتقام من أعدائه الحكيم في إجراء أحكامه وتدبير شؤون عباده. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن من بعض الزوجات والأولاد عدواً فعلى المؤمن أن يحذر ذلك ليسلم من شرهم. 2- الترغيب في العفو والصفح والمغفرة على من أساء أو ظلم. 3- التحذير من فتنة المال والولد ووجوب التيقظ حتى لا يهلك المرء بولده وماله. 4- وجوب تقوى الله بفعل الواجبات وترك المنهيات في حدود الطاقة البشرية. 5- الترغيب في الإِنفاق في سبيل الله تعالى والتحذير من الشح فإنه داء خطير.

القطان

تفسير : فتنة: بلاء ومحنة توقع في المهالك. ومن يوقَ شحّ نفسه: ومن يحفظ نفسه من البخل. الشح: البخل مع الحرص. ان تُقرضوا الله: ان تتصدقوا على المحتاجين من الناس. شكور: يثيب الشاكرين. بعد ان أمر الله تعالى المؤمنين بطاعة الله والرسول الكريم، وان يتوكلوا عليه، ولا يعتمدوا غير ذلك - جاء هنا في هذه الآيات الكريمة يهذّبهم ويعلّمهم بألطف توجيه، أنَّ الأولادَ والزوجات فتنة للانسان اذا ما شُغل بهم وانصرف يجمع المالَ لهم ويكدّسه، لا همّ له الا النفقة عليهم - باتَ مثل الحيوان في الغاب، فان الأسد يفترسُ حتى يطعم عياله، وكذلك بقية الحيوانات. فالله تعالى يهذّبنا ويعلّمنا بأنّ علينا ان نُعِين المحتاجين، ونعمل الخيرَ ونساعدَ في أعمال البرّ وبناء مجتمعنا، فلا نعيش لأنفسنا فقط. {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} فارعوهم حق الرعاية، وأدِّبوهم أحسنَ تأديب، واحذروا ان يخرج بعضهم عن الطاعة، وتلطّفوا معهم. ولذلك قال: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ما أرحمه وما اعظمه! كيف يعلّمنا ويهذبنا، بان نكون هيّنين ليّنين مع أولادنا وأزواجنا وبذلك تتم السعادة. وان كثيراً من الناس يكونون في البيت مصدَر شرٍّ وإزعاج لزوجاتهم وأولادهم، وفي خارج البيت من ألطفِ الناس وأرحَبِهم صدراً، هؤلاء أَشرٌّ من الحيوانات. ثم كرر الله تعالى التحذير فقال: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} فاحذروهم ولا تُلهينَّكم اموالُكم وأولادكم عن عمل الخير، والسعي في سبيل الله. إن كثيراً من أصحاب الأموال ساهون لاهون عن عمل الخيرِ، كلُّ هَمِّهم أنفسُهم وأولادُهم وزوجاتهم. وفي الحديث الصحيح: "حديث : ان لكل أمةٍ فتنةً، وفتنةُ أمتي المال" تفسير : رواه احمد والترمذي وغيرهما عن كعب بن عياض. وهذا ما يجري اليوم، وقد فتح الله على الأمة العربية ابواب الخيرات وجاءهم المالُ بدون حساب، ونراهم يبذّرونه على أنفسِهم ومُتَعِهم ولا ينفقون منه في سبيل الله والدفاع عن أوطانهم والاستعداد لعدوهم الذي يهدّد كيانهم، بل يكدّسون المال عند الاعداء، ولا ينتفع منه الا العدو، هداهم الله. {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثَرَ محبَّته على محبةِ المال والأولاد، ونفعَ به المحتاجين، وأنفق منه في سبيل الله والوطن. ثم يعلّمنا وينبّهنا الى ان نستيقظ ونعمل بقدر ما نستطيع فيقول: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ} فالتقوى تكون بالعمل الصالح المفيد، والانقياد لأمر الله والرسول. اهتدوا بهدي الاسلام ايها المؤمنون، وجُودوا بالمال قبل ان تذهبوا ولا تأخذوا منه شيئا، ويبقى للورثة يختصمون فيه. {وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} هنا يكرر الأمر بالانفاق من الاموال، لأنكم ايها المؤمنون ستندمون اذا ذهبتُم وتركتم وراءكم الأموال مكدَّسة، لم تنفعوا بها الفقراء والمحتاجين، ولم تبذلوا منها للمصلحة العامة والجهاد في سبيل الله. ثم زاد الحثّ على الانفاق باسلوب لطيف فقال: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. والسعيدُ منكم أيها الناس هو الذي يتغلب على نفسه ويتقي بُخْلَها الشديد، فينفق في سبيل الله، وفي سبيل وطنه وأمته، فيكون من المفلحين في الدنيا والآخرة. ايها الناس، ان الاغنياء في الغرب يُنفقون معظم ثرواتهم على عمل الخير، على البحث العلمي الذي هو مفقود عندنا، وعلى المستشفيات والجامعات والمصالح الخيرية. والاغنياء عندنا ينفقون على أنفسِهم ويبذّرون اموالهم في الأعراس والحفلات التي تُغضب الله، وعلى ملذاتهم وشهواتهم ومقامراتهم ومغامراتهم مما لا يجدي نفعا. {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِين} تفسير : [الإسراء: 27]. ثم تلطف جلّ جلاله وبالغ في الحث على الانفاق بقوله تعالى: {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}. هل يوجد أجملُ من هذا الاسلوب! والله تعالى هو الغني، له كل ما في السماوات والارض، ولكنه يطلب ان نجود بالمال على الفقراء والمحتاجين، في بناء مجتمعنا وفي سبيل الله حتى سمى ذلك قَرضا.. وهو الغنيّ عن العالمين. والله يضاعف للمنفق الحسنةَ بعشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف، ويغفر لكم ما فَرَطَ من ذنوبكم، والله عظيم الشكر والمكافأة للمحسنين، حليمٌ فلا يعجّل بالعقوبة على المذنبين. {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ختم هذه السورة الكريمة بأحسنِ ختام وألطفِ تعبير، وهو ذو العزة والقدرة يضع كل شيء في موضعه، ويصرّف كل شيء بأمره وحكمته وتدبيره.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {أَزْوَاجِكُمْ} {أَوْلاَدِكُمْ} (14) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ بَينِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ أَعْدَاءٌ لِلإِنْسَانِ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِ الطَّاعَاتِ التِي تُقَرِّبُ إِلَى اللهِ، وَرُبَمَا حَمَلُوهُمْ عَلَى السَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ الحَرَامِ، وَاجْتِرَاحِ الآثَامِ، لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ يُؤَدِّي البُغْضُ إِلَى ارْتِكَابِ الجَرَائِمِ بِحَقِّ الأَزْوَاجِ وَالآبَاءِ، فَتَكُونُ عَدَاوَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي زَمَانٌ عَلَى أُمَّتِي يَكُونُ فِيهِ هَلاَكُ الرَّجُلِ عَلَى يَدِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، يُعَيِّرَانِهِ بِالفَقْرِ فَيَرْتَكِبُ مَرَاكِبَ السُّوءِ فَيَهْلِكُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ حُبُّهُ لَهُمْ، وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَحِرْصُهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَيَرْتَكِبُ المَحْظُورَاتِ لِتَحْصِيلِ مَا يَكُونُ سَبَباً لِذَلِكَ فَيَهْلِكُ. ثُمَّ يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى العَفْوِ والصَّفْحِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الخَيْرُ لِلإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِمْ وَبِهِ، وَيُعَامِلُهُ بِمِثْلِ مَا عَامَلَهُمْ، وَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ تَكَرُّماً مِنْهُ.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وأيقنوا وحدة الحق واستقلاله في الوجود {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} يشغلونكم عن طاعة الله، وعن التوجه نحوه، والتوكل عليه بالتقريع والتشنيع، ويردونكم في أمر المعاش وتحصيله إلى المعاطب والمهالك؛ حتى تسألوا من كل غني غبي، وشحيح دني، فتسترزقون منهم، وترزقون لهم، ولا تثقون بالله، ولا تعتمدون عليه في كفالته وترزيقه فتزل ثقتكم عن خالقكم ورازقكم، وتزل قدمكم عن التثبت في صراط التوكل والتفويض. وبالجملة: {فَٱحْذَرُوهُمْ} أي: عن الأولاد والأزواج، ولا تأمنوا من مكرهم وغوائلهم {وَإِن تَعْفُواْ} عن جرائمهم وتشنيعاتهم، وتوصلوهم إلى ما أملوا وترقبوا منكم {وَتَصْفَحُواْ} أي: تعرضوا عن إعراضهم، وعدم الالتفات إلى حالهم {وَتَغْفِرُواْ} أي: تمحو وتستروا ما صدر عنهم من التشنيع والتقريع، فتشتغلوا إلى إنجاح أغراضهم وإيجاد آمانيهم بعدما وفقكم الحق عليها {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في ضمائرهم من مراعاة جانب الأولاد والأزواج {غَفُورٌ} لذنوبكم التي صدرت عنكم في أمر المعاش إن كانت برخصة شرعية {رَّحِيمٌ} [التغابن: 14] يرحمكم ويمحو زلتكم إن كان سعيكم؛ لتحصيل مقدار الكفاف والكفاية والقناعة، لا للفضول منها. وبالجملة: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} عظيمة، واختبار شديد لكم، فعليكم ألاَّ تغتروا بهما فإنهما من شباك الشياطين وحبالهم، يريدون أن يصدوكم عن سبيل الله بتزيينهما إليكم، وتحبيبهما في قلوبكم؛ لتشتغلوا بهما عن الله فتحطوا عن زمرة المخلصين {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15] للمخلصين المجتنبين عن الالتفات إلى الغير مطلقاً. وبالجملة: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} واجعلوه وقاية لنفوسكم من تغرير الشيطان وفتنته {وَٱسْمَعُواْ} قول الله بسمع الرضا والقبول {وَأَطِيعُواْ} أمره ونهيه، ولا تخرجوا عن مقتضى حكمه وأحكامه مطلقاً {وَأَنْفِقُواْ} مما رزقكم الله، واستخلفكم عليه امتثالاً لأمره، وطلباً لمرضاته ، وافعلوا جميع ما أمركم الحق، سيما الإيثار والإنفاق؛ ليكون امتثالكم وإنفاقكم {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} في أولاكم، وذخراً لكم في أخراكم، ومن معظم فوائد الإنفاق: صون النفس عن الشح المطاع {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} بالبذل والإنفاق {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المتصفون بالكرم والسخاء {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] الفائزون من الله بالمثوبة العظمة، والدرجة العليا. وبالجملة: {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ} المنعم المتفضل أيها المنفقون المحسنون {قَرْضاً حَسَناً} مقروناً بالإخلاص والرضا، ومصوناً عن وصمة المن والأذى {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} إحسانكم أضعافاً كثيرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم، وإن عظُمت وكثرت { وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع على إخلاص عباده في أعمالهم ونياتهم فيها {شَكُورٌ} يحسن المحسن جزاء إحسانه أضعافاً مضاعفة، ويزيد عليها تفضلاً وامتناناً {حَلِيمٌ} [التغابن: 17] لا يعاجل بعقوبة المسيء رجاء أن يعود ويتوب، ويعتذر لما يصدر عنه من الذنوب. وكيف لا وهو {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} يعلم بعلمه الحضوري منهم عموم ما في استعداداتهم وقابلياتهم من الإخلاص والإنفاق وغيرهما {ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على وجوه الإنعام والانتقام {ٱلْحَكِيمُ} [التغابن: 18] المتقن في عموم الأفعال والجزاء المترتب على الأعمال؟! خاتمة السورة عليك أيها الموحد المتحقق بمقام الفناء في الله، المستخلف منه سبحانه في عموم الأفعال والآثار، الصادر منك صورة أن تمتثل بمطلق الأوامر والنواهي الواردة عليك من عند ربك بمقتضى التكاليف المنبئة عن محض الحكمة المتقنة الإلهية، الجارية على وفق المصلحة المصلحة لأمور العباد في معاشهم ومعادهم، وتواظب على أداء الفرائض والواجبات الموجبة للعبودية بكمال التسليم والرضاء، وتلازم على الإتيان بالنوافل والمندوبات المقربة إلى الله، المستلزمة لمزيد الفضل والعطاء، فلك التبتل والإخلاص المقارن بالخضوع والخشوع، والتذلل التام، والانكسار المفرط في عموم ما جئت به من الطاعات والعبادات. فاعلم أن الناقد بصير، وحبائل الشيطان في حواليك كثير، فلا تغفل عن غوائله، فإن إضلاله إياك سهل يسير، واتكل على الله في عموم أوقاتك، واستعذ به سبحانه من غوائله، فإنه سميع بصير. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لأن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره.

همام الصنعاني

تفسير : 3229- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ}: [الآية: 14]، قال: ينهون عن الإسْلام ويبطئون عنه، وهم من الكفار فاحذروهم.