٦٤ - ٱلتَّغَابُن
64 - At-Taghabun (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرّم ومنع حق الله تعالى؛ فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث: «حديث : يُؤْتَى برجل يوم القيامة فيقال أكَلَ عِيالُه حسناتِه»تفسير : . وعن بعض السلف: العيال سُوس الطاعات. وقال القُتَيبيّ: «فِتْنَةٌ» أي إغرام؛ يقال: فُتِن الرجل بالمرأة أي شُغف بها. وقيل «فِتْنَةٌ» مِحنة. ومنه قول الشاعر:شعر : لقد فتن الناس في دينهم وخَلّى ٱبن عَفّان شراً طويلاً تفسير : وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم اللَّهُم اعْصِمْني من الفتنة؛ فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ ولكن ليقل: اللَّهُمّ إني أعوذ بك من مُضِلاّت الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ}: أدخل «من» للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء. ولم يذكر «مِن» في قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. روى الترمذي وغيره حديث : عن عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب؛ فجاء الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران؛ فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال:«صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة. نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما»ثم أخذ في خطبته تفسير : . {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} يعني الجنة، فهي الغاية، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين. وفي الصحيحين ـ واللفظ للبخاريّ ـ عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لَبَّيْك رَبَّنَا وسعْدَيْك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لَنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحداً من خلقك فيقول ألاَ أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ياربّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك فيقول أُحِلّ عليكم رِضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»تفسير : . وقد تقدم. ولا شك في أن الرِّضا غاية الآمال. وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك:شعر : امتحن الله به خلقهُ فالنار والجنة في قبضتهْ فهجره أعظم من نارِه ووَصْلُه أطْيَبُ من جَنَّتهْ
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } لكم شاغلة عن أمور الآخرة {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } فلا تفوتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِتْنَةٌ} بلاء أو محنة يكن بهما عن الآخرة ويتوفر لأجلهما على الدنيا أو يشح لأجل أولاده فيمنع حقوق الله من ماله الولد مبخلة مجهلة محزنة مجبنة {أَجْرٌ عَظِيمٌ} الجنة.
النسفي
تفسير : {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي في الآخرة وذلك أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم. ولم يدخل فيه «من» كما في العداوة لأن الكل لا يخلو عن الفتنة وشغل القلب وقد يخلو بعضهم عن العداوة {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } جهدكم ووسعكم، قيل: هو تفسير لقوله {أية : حَقَّ تُقَاتِهِ }تفسير : [آل عمران: 102] {وَٱسْمَعُواْ } ما توعظون به {وَأَطِيعُواْ } فيما تؤمرون به وتنهون عنه {وَأَنْفِقُواْ } في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها {خَيْراً لأَِنفُسِكُمْ } أي انفاقاً خيراً لأنفسكم. وقال الكسائي: يكن الإنفاق خيراً لأنفسكم والأصح أن تقديره ائتوا خيراً لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر وبيان، لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } أي البخل بالزكاة والصدقة الواجبة {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء {يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ } يكتب لكم بالواحدة عشراً أو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ شَكُورٌ } يقبل القليل ويعطي الجزيل {حَلِيمٌ } يقيل الجليل من ذنب البخيل أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } أي يعلم ما استتر من سرائر القلوب {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي ما انتشر من ظواهر الخطوب {ٱلْعَزِيزُ } المعز بإظهار العيوب {ٱلْحَكِيمُ } في الإخبار عن الغيوب، والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما حكم على البعض، كان كأنه قيل: فما حكم سائره؟ فكأن الحكم بذلك يلزم منه الحذر من الكل لكن للتصريح سر كبير في ركون النفس إليه، فقال حاصراً الجميع ضاماً إليهم المال الذي به قيام ذلك كله وقدمه لأنه أعظم فتنة: {إنما} وأسقط الجار لأن شيئاً من ذلك لا يخلو عن شغل القلب فقال: {أموالكم} أي عامة {وأولادكم} كذلك {فتنة} أي اختبار مميل عن الله لكم وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكن ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون له نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده، وذلك أنه من شأنه أن يحمل على كسب الحرام ومنع الحق والإيقاع في الإثم، روي عن أبي نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري عنه أنه قال: "يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له: أكل عياله حسناته" "ويكفي فتنة المال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله فتنة تعالى:{أية : ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن}تفسير : [التوبة: 75]" وكأنه سبحانه ترك ذكر الأزواج في الفتنة لأن منهم من يكون صلاحاً وعوناً على الآخرة. ولما كان التقدير: ففي الاحتراز من فتنهم تعب كبير، لا يفوت به منهم إلى حظ يسير، وكانت النفس عند ترك مشتبهاتها ومحبوباتها قد تنفر، عطف عليه مهوناً له بالإشارة إلى كونه فانياً وقد وعد عليه بما لا نسبة له منه مع بقائه قوله: {والله} أي ذو الجلال {عنده} وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمه {أجر} ولم يكتف سبحانه بدلالة السياق على أن التنوين للتعظيم حتى وصفه بقوله: {عظيم *} أي لمن ائتمر بأوامره التي إنما نفعها لصاحبها، فلم يقدم على رضاه مالاً ولا ولداً، وذلك الأجر أعظم من منفعتكم بأموالكم وأولادكم على وجه ينقص من الطاعة. ولما كان التقدير: وعنده عذاب أليم لمن خالف، سبب عنه قوله فذلكة أخرى لما تقدم من السورة كلها: {فاتقوا الله} مظهراً غير مضمر تعظيماً للمقام واحترازاً من أن يتوهم نوع تقيد فأفهم الإظهار أن المعنى: اجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعلى وقاية من غير نظر إلى حيثية ولا خصوصية بشيء ما، باجتناب نواهيه بعد امتثال أوامره، فإن التقوى إذا انفردت كان المراد بها فعل الأوامر وترك المناهي، وإذا جمعت مع غيرها أريد بها اجتناب النواهي فقط. ولما كان الأمر إذا نسب إليه سبحانه أعظم من مقالة قائل، فلا يستطيع أحد أن يقدره سبحانه حق قدره، خفف ويسر بقوله: {ما استطعتم} أي ما دمتم في الجملة قادرين مستطيعين، ويتوجه عليكم التكليف في العلميات والعمليات، وابذلوا جهدكم في ذلك في الإيمانيات لما علمتم من ذاته ومرتبته وصفاته تعالى وأفعاله، وغير ذلك من جميع أعمالكم الظاهرة والباطنة، وأعظمه الهجرة والجهاد، فلا يمنعكم الإخلاد إليها ذلك والتقوى فيما وقع من المكروهات بالندم والإقلاع مع العزم على ترك العود، وفيما لم يقع بالاحتراس عن أسبابه، وبذل الإنسان جميع جهده هو الاتقاء حق التقاة فلا نسخ - والله أعلم. ولما كان إظهار الإسلام فيه مشقة كالأعمال قال: {واسمعوا} أي سماع إذعان وتسليم لما توعظون به ولجميع أوامره {وأطيعوا} أي وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة، وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة من الكل والبعض وكذا في الإنفاق. ولما كان الإنفاق شديداً أكد أمره بتخصيصه بالذكر فقال: {وأنفقوا} أي أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما أوجبه أو ندب إليه وإن كان في حق من اطلعتم منها على عداوة، والإنفاق لا يخص نوعاً بل يكون ما رزق الله من الذاتي والخارجي. ولما كان الحامل على الشح ما يخطر في البال من الضرورات التي أعزها ضرورة النفس، رغب فيه بما ينصرف إليه بادىء بدء ويعم جميع ما تقدم فقال: {خيراً} أي يكن ذلك أعظم خير واقع {لأنفسكم} فإن الله يعطي خيراً منه في الدنيا ما يزكي به النفس، ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة ما لا يدري كنهه، فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف وغرور لا طائل تحته. ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عم في جميع الأوامر فقال: {ومن يوق} بناه للمفعول تعظيماً للترغيب فيه نفسه مع قطع الناصر عن الفاعل أي يقيه واق أيّ واق كان - وأضافه إلى ما الشؤم كله منه فقال: {شح نفسه} فيفعل في ماله وجميع ما أمر به ما يطيقه مما أمر به موقناً به مطمئناً إليه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرز عن رق المكونات، والشح: خلق باطن هو الداء العضال رأس الحية وكل فتنة ضلالة، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها، وتارة بإنفاق المال، ومن فعل ما فرض عليه خرج عن الشح. ولما كان الواقي إنما هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله: {فأولئك} أي العالو الرتبة {هم} أي خاصة {المفلحون *} أي الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه من الكونيات من المال والولد والأهل والمشوشات من جميع القواطع. ولما أمر ورهب من ضده على وجه أعم، رغب فيه تأكيداً لأمره لما فيه نم الصعوبة لا سيما في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فإن المال فيه كان في غاية العزة ولا سيما إن كان في لوازم النساء اللاتي افتتح الأمر بأن منهن أعداء ولا سيما إن كان في حال ظهور العداوة، فقال بياناً للإفلاح متلطفاً في الاستدعاء بالتعبير بالقرض مشيراً إلى أنه على خلاف الطبع بأدة الشك: {إن تقرضوا الله} أي الملك الأعلى ذا الغنى المطلق المستجمع لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي جعلها فتنة لكم في طاعاته، ورغب في الإحسان فيه بالإخلاص وغيره فقال: {قرضاً حسناً} أي على صفة الإخلاص والمبادرة ووضعه في أحسن مواضعه على أيسر الوجوه وأجملها وأهنأها وأعدلها، وأعظم الترغيب فيه بأن رتب عليه الربح في الدنيا والغفران في الآخرة فقال: {يضاعفه لكم} أي لأجلكم خاصة أقل ما يكون للواحد عشراً إلى ما لا يتناهى على حسب النيات، قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم عن مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له: آثر على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. ولما كان الإنسان لما له النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن الدين وإن كان يسيراً فهو متين لن يشاده أحد إلا غلبه قال: {ويغفر لكم} أي يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره لأجلكم ببركة الإنفاق، وقد تضمنت هاتان الجملتان جلب السرور ودفع الشرور، وذلك هو السعادة كلها. ولما كان التقدير: فاللّه غفور رحيم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا يقاس عظمته بشيء {شكور} أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم *} لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيراً طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، فإن غضب الحليم لا يطاق، وهو راجع إلى الغفران. ولما كان الحليم قد يتهم في حلمه بأن ينسب إلى الجهل بالذنب أو بمقداره قال: {عالم الغيب} وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره الجبلة ولا علم لصاحب القلب به فضلاً عن غيره. ولما كان قد يظن أنه لا يلزم من علم ما غاب علم ما شهد، أو يظن أن العلم إنما يتعلق بالكليات، قال موضحاً أن علمه بالعالمين بكل من الكليات والجزئيات قبل الكون وبعده على حد سواء: {والشهادة} وهو كل ما ظهر فكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه يوجب للمؤمن ترك ظاهر الاسم وباطنه وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله كأنه يراه. ولما شمل ذلك كل ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنهم فلم يبق إلا أن يتوهم أن تأخير العقوبة للعجز قال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما كان ذلك قد يكون لأمر آخر لا يمدح عليه قال: {الحكيم *} أي أنه ما أخره إلا لحكمة بالغة يعجز عن إدراكها الخلائق، وقد أقام الخلائق في طاعته بالجري تحت إرادته، وتارة يوافق ذلك أمره فيسمى طاعة. وتارة يخالف فيسمى معصية، فمن أراد أتم نعمته عليه بالتوفيق للطاعة بموافقته أمره بإحاطة علمه والإتقان في التدبير ببالغ حكمته وإدامة ذلك وحفظه عن كل آفة بباهر عزته، ومن أراد منعه ذلك بذلك أيضاً والكل تسبيح له سبحانه بإفادة أنه الواحد القهار، وقد أحاط أول الجمعة بهذه السورة أولها وآخرها، فجاءت هذه شارحة له وكاشفة عنه على وجه أفخم لأن مقصود هذه نتيجة مقصد تلك، وقد رجع - بالتنزه عن شوائب النقص والاختصاص بجميع صفات الكمال وشمول القدرة للخق وإحاطة العلم بأحوال الكافر والمؤمن - على افتتاحها حسن ختامها، وعلم علماً ظاهراً جلالة انتظامها، وبداعة اتساق جميع آيها وبراعة التئامها - والله الموفق للصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} قال: بلاء {والله عنده أجر عظيم} قال: الجنة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة، فإن الله يقول: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاتها. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى قال: قال رجل، وهو عند عمر: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة أو الفتن، فقال عمر: أتحب أن لا يرزقك الله مالاً ولا ولداً، أيكم استعاذ من الفتن فليستعذ من مضلاتها. وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عياض رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال". وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ". تفسير : وأخرج وكيع في الغرر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال ابن عمر لرجل: إنك تحب الفتنة. قال: أنا؟ قال: نعم فلما رأى ابن عمر ما داخل الرجل من ذاك، قال: تحب المال والولد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق، وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: "صدق الله، قال: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج الحسين بن علي رضي الله عنه فوطىء في ثوب كان عليه فسقط، فبكى، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، فلما رأى الناس أسرعوا إلى الحسين رضي الله عنه يتعاطونه، يعطيه بعضهم بعضاً حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري" . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: حديث : سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل"تفسير : والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} . أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما نزلت{أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102] اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تحفيفاً على المسلمين {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت الآية الأولى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس {فاتقوا الله ما استطعتم} قال: جهدكم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {فاتقوا الله ما استطعتم} قال: هي رخصة من الله، كان الله قد أنزل في سورة آل عمران {أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102] وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ثم خفف عن عباده، فأنزل الرخصة {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} قال: السمع والطاعة فيما استطعت يا ابن آدم عليها، بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا. وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبثنا أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئاً على قوس، فحمد الله، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات، ثم قال: "حديث : أيها الناس إنكم لن تطيقوا كل ما أمرتم به فسددوا وابشروا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} قال: في النفقة. وأخرج عبد بن حميد عن حبيب بن شهاب العنبري أنه سمع أخاه يقول: لقيت ابن عمر يوم عرفة، فأردت أن أقتدي من سيرته، وأسمع من قوله، فسمعته أكثر ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشح الفاحش، حتى أفاض، ثم بات بجمع، فسمعته أيضاً يقول ذلك، فلما أردت أن أفارقه قلت يا عبدالله: إني أردت أن أقتدي بسيرتك فسمعتك أكثر ما تقول أن تعوذ من الشح الفاحش قال: وما أبغي أفضل من أن أكون من المفلحين؟ قال الله: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} . قوله تعالى: {إن تقرضوا الله} الآية. أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، وشتمني عبدي، وهو لا يدري، يقول وادهراه وادهراه، وأنا الدهر" تفسير : ثم تلا أبو هريرة {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم} . وأخرج عبد بن حميد عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم أنه كان يقول إذا سمع السائل يقول: من يقرض الله قرضاً حسناً، قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا القرض الحسن.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} بلاءٌ ومحنةٌ يوقعونَكُم في الإثمِ من حيثُ لا تحتسبون {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثَرَ محبةَ الله تعالَى وطاعَتَهُ على محبةِ الأموالِ والأولادِ والسعيِ في تدبـيرِ مصالحِهِم {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} أي ابذلُوا في تقواهُ جهدَكُم وطاقَتَكُم {وَٱسْمَعُواْ} مواعظَهُ {وَأَطِيعُواْ} أوامرَهُ {وَأَنْفِقُواْ} مما رزقكُم في الوجوهِ التي أمركُم بالإنفاقِ فيها خالصاً لوجهِهِ {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} أي ائتُوا خيراً لأنفسِكُم وافعلُوا ما هو خيرٌ لها وأنفعُ وهو تأكيدٌ للحثِّ على امتثالِ هذهِ الأوامرِ وبـيانٌ لكونِ الأمورِ المذكورةِ خيراً لأنفسِهِم، ويجوزُ أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ أو إنفاقاً خيراً أو خبراً لكانَ مقدراً جواباً للأوامرِ أي يَكُنْ خيراً لأنفسِكُم {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزونَ بكلِ مرامٍ. {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ} بصرفِ أموالِكُم إلى المصارفِ التي عينها {قَرْضًا حَسَنًا} مقروناً بالإخلاصِ وطيبِ النفسِ {يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ} بالواحدِ عشرةً إلى سبعمائةٍ وأكثرَ. وقُرِىءَ يُضعّفهُ لكُم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ببركةِ الإنفاقِ ما فرطَ منكُم من بعضِ الذنوبِ {وَٱللَّهُ شَكُورٌ} يَعطى الجزيلَ بمقابلةِ النزرِ القليلِ {حَلِيمٌ} لا يعاجلُ بالعقوبةِ مع كثرةِ ذنوبِكُم {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} لا يَخفى عليهِ خافيةٌ {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} المبالغُ في القدرةِ والحكمةِ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : منْ قرأَ سورةَ التغابنِ دُفِعَ عنهُ موتُ الفجأةِ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [15] قال: إن أعطاك الله المال تشاغلت بحفظه، وإن لم يعطك تشاغلت بطلبه، فمتى تتفرغ له. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما اموالكم واولادكم فتنة} بلاء ومحنة يوقعونكم فى الاثم والعقوبة من حيث لا تحتسبون (وقال الكاشفى) آز مايش است تا ظاهر كرددكه كدام از ايشان حق را برايشان ايثار ميكند وكدام دل درمال ولد بسته از محبت الهى كرائه ميكيرد. وجيئ بانما للحصر لان جميع الاموال والاولاد فتنة لانه لا يرجع الى مال او ولد الا هو مشتمل على فتنة واشتغال قلب وتأخير الاولاد من باب الترقى من الأدنى الى الأعلى لان الاولاد ألصق بالقلوب من الاموال لكونهم من اجزاء الآباء بخلاف الاموال فانها من توابع الوجود وملحقاته ولذا جعل توحيد الافعال فى مقابلة الفناء عن الاولاد وتوحيد الذات فى مقابلة الفناء عن النفس {والله عنده اجر عظيم} لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الاموال والاولاد والتدبير فى مصالحهم زهدهم فى الدنيا بان ذكر عيبها ورغبهم فى الآخرة بذكر نعيمها وعن ابن مسعود رضى الله عنه لا يقولن احدكم اللهم اعصمنى من الفتن فانه ليس احد منكم يرجع الى مال وولد الا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل اللهم انى اعوذ بك من مضلات الفتن نظيره ما حكى عن محمد ابن المنكدر رحمه الله انه قال قلت ليلة فى الطواف اللهم اعصمنى واقسمت على الله تعالى فى ذلك كثيرا فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول لى انه لا يفعل ذلك قلت لم قال لانه يريد أن يعصى حتى يغفر وهذا من الاسرار المصونة والحكم المسكوت عنها وفى مشكاة المصابيح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب اذ جاء الحسن والحسين رضى الله عنهما عليهما قميصان احمران يمشيان ويعثران فنزل عليه السلام من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال حديث : صدق الله انما اموالكم واولادكم فتنة نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم اصبر حتى قطعت حديثى تفسير : ورفعتهما ثم اخذ عليه السلام فى خبطته قال ابن عطية وهذه ونحوها هى فتنة الفضلاء فاما فتنة الجهال الفسقة فمؤدية الى كل فعل مهلك يقال ان اول ما يتعلق بالرجل يوم القيامة اهله واولاده فيوقفونه بين يدى الله تعالى ويقولون يا ربنا خذ بحقنا منه فانه ما علمنا ما نجهل وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم فيقتص لهم منه وتأكل عياله حسناته فلا يبقى له حسنة ولذا قال عليه السلام حديث : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له اكل عياله حسناتهتفسير : وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات وهو دود يقع فى الطعام والثوب وغيرهما ومن ثم ترك كثير من السلف المال والاهل رأسا واعرضوا عنهما بالكلية لان كل شئ يضل عن الله فهو مشئوم على صاحبه ولذا كان عليه السلام يقول فى دعائه حديث : اللهم من أحبنى وأجاب دعوتى فأقلل ماله وولده ومن أبغضنى ولم يجب دعوتى فاكثر ماله وولدهتفسير : وهذا للغالب عليهم النفس واما قوله عليه السلام فى حق انس رضى الله عنه حديث : اللهم أكثر ماله وولده وبارك فيما أعطيته فهو لغيره
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ} الّتى امر الله بحفظها {فِتْنَةٌ} لكم اى اختبارٌ او فساد او عذابٌ لكم {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثر طاعة الله على محبّة الاموال والاولاد، او لمن حفظهما بأمر الله وتوجّه اليهما لله وتحمّل مشاقّ حفظهما ومشاقّ تربية الاولاد وتنمية الاموال لله، عن امير المؤمنين (ع): لا يقولنّ احدكم: اللّهمّ انّى اعوذ بك من الفتنة لانّه ليس احدٌ الاّ وهو مشتمل على فتنةٍ ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن فانّ الله يقول: واعلموا انّما اموالكم واولادكم فتنة وقد مضى هذه الآية فى سورة الانفال.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي: اختبار وبلية لينظر كيف تعملون. {وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، لا يُقَلِّدَنَّ الرجلُ منكم دينَه امرأتَه . تفسير : ذكروا عن الحسن أن امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرضت له في بعض الأمر فقال: فما أنت مما أنت ها هنا. إنما أنتِ لعبة إذا كانت لنا إليك حاجة دعوناك إليها، ولست من الأمر في شيء.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} بلاء واختبار يوقعكم في الاثم وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أَلا إِن الدنيا خضرة حلوة وأَن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء لا يقلدن الرجل منكم دينه امرأته"تفسير : وعنه ان عمر عرضت له امرأته في شيء فقال: ما انت انما انت لعبة إذا كانت لنا اليك حاجة دعوناك ولست من الامر في شيء وكيف يباشر احد المعصية لاجل عدوه وعن ابن مسعود يقول: احدكم اللهم اني اعوذ بك من الفتنة فإنه ليس منكم من احد يرجع الى أهل ومال وولد إلا مشتمل على فتنة ولكن ليقل اللهم اني اعوذ بك من مضلات الفتن وفي الحديث "حديث : الولد مجبنة مجبلة ". تفسير : وكان صلىالله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة على المنبر حتى جاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمران يجرانهما يعثران ويقومان فنزل صلى الله عليه وسلم عن المنبر واخذهما وصعد بهما ثم قرأ انما اموالكم الاية وقال اني رأيت هذين فلم اصبر ثم اخذ في خطبته وهذه فتنة الفضلاء. اما فتنة الجهلاء فمؤدية ال الهلاك وعن ابي ذر رضي الله عنه حديث : انتهيت الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول هم الاخسرون ورب الكعبة هم الاخسرون ورب الكعبة قلت ما شأني أيرى في شيئا فجلست وهو يقول فما استعطت ان اسكت وتغشاني ما شاء الله فقلت من هم بابي انت وامي يا رسول الله قال: هم الأكثرون مالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا امامه ويمينه وشماله وقليل ما هم تفسير : وفي رواية حديث : إِن الأَكثرين هما الأَقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا تفسير : وفي الحديث "حديث : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته"تفسير : وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات وقيل: اذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتنكم الميل الى الاموال والأولاد عنهما. {وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثر الله على الاموال والاولاد.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } أي بلاء / ومحنة لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك، وفي الحديث « حديث : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته »تفسير : ، وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه عن بريدة قال: « حديث : كان النبـي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله عليه الصلاة والسلام من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: صدق الله {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما »تفسير : ، وفي رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمر «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج حسين بن علي على رسول الله عليهما الصلاة والسلام فوطىء في ثوب كان عليه فسقط فبكى فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فلما رآه الناس سعوا إلى حسين يتعاطونه يعطيه بعضهم بعضاً حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قاتل الله الشيطان إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري» تفسير : . وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتنكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما، قال في «الكشف»: الفتنة على هذا الميل إلى الأموال والأولاد دون العقوبة والإثم. وقدمت الأموال قيل: لأنها أعظم فتنة { أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6-7]، وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والترمذي وصححه عن كعب بن عياض سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال » تفسير : . وأخرج نحوه ابن مردويه عن عبد الله بن أوفى مرفوعاً؛ وكأنه لغلبة الفتنة في الأموال والأولاد لم تذكر من التبعيضية كما ذكرت فيما تقدم. {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي في مصالحهم على وجه يخل بذلك.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لأن فيه تعميمَ أحوال الأولاد بعد أن ذُكر حال خاص ببعْضهم. وأدمج فيه الأموال لأنها لم يشملها طلب الحذر ولا وصف العداوة. وقدم ذكر الأموال على الأولاد لأن الأموال لم يتقدم ذكرها بخلاف الأولاد. ووجه إدماج الأموال هنا أن المسلمين كانوا قد أصيبوا في أموالهم من المشركين فغلبوهم على أموالهم ولم تُذكر الأموال في الآية السابقة لأن الغرض هو التحذير من أشد الأشياء اتصالاً بهم وهي أزواجهم وأولادهم. ولأن فتنة هؤلاء مضاعفة لأن الداعي إليها يكون من أنفسهم ومن مساعي الآخرين وتسويلهم. وجُرد عن ذكر الأزواج هنا اكتفاء لدلالة فتنة الأولاد عليهن بدلالة فحوى الخطاب، فإن فتنتهن أشد من فتنة الأولاد لأن جُرْأتهن على التسويل لأزواجهن ما يحاولنه منهم أشد من جرأة الأولاد. والقصر المستفاد من {إنما} قصر موصوف على صفة، أي ليست أموالكم وأولادكم إلا فتنةً. وهو قصر ادعائي للمبالغة في كثرة ملازمة هذه الصفة للموصوف إذ يندُر أن تخلو أفرادُ هذين النوعين، وهما أموال المسلمين وأولادهم عن الاتصاف بالفتنة لمن يتلبس بهما. والإِخبار بـ{فتنة} للمبالغة. والمراد: أنهم سبب فتنة سواء سعوا في فعل الفَتْن أم لم يسعوا. فإن الشغل بالمال والعناية بالأولاد فيه فتنة. ففي هذه الآية من خصوصيات علم المعاني التذييلُ والإِدماج، وكلاهما من الإِطناب، والاكتفاءُ وهو من الإِيجاز، وفيها الإِخبار بالمصدر وهو {فتنة}، والإِخبار به من المبالغة فهذه أربعة من المحسنات البديعية، وفيها القصر، وفيها التعليل، وهو من خصوصيات الفصل، وقد يعد من محسنات البديع أيضاً فتلك ست خصوصيات. وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها اشتملت على التذييل والتعليل وكلاهما من مقتضيات الفصل. والفتنة: اضطراب النفس وحيرتها من جراء أحوال لا تلائم مَن عرضت له، وتقدم عند قوله تعالى {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : في سورة [البقرة: 191]. أخرج أبو داود عن بريدة قال: حديث : إن رسول الله كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن والحسين يعثران ويقومان فنزل رسول الله عن المنبر فأخذهما وجذبهما ثم قرأ {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}. وقال: رأيت هذين فلم أصبر، ثُم أخذ في خطبته»تفسير : . وذكر ابن عطية: أن عمر قال لحذيفة: كيف أصبحتَ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة وأكره الحق. فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أحب ولدي وأكره الموت. وقوله: {والله عنده أجر عظيم} عطف على جملة {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} لأن قوله: {عنده أجر عظيم} كناية عن الجزاء عن تلك الفتنة لمن يصابر نفسه على مراجعة ما تسوله من الانحراف عن مرضاة الله إن كان في ذلك تسويل. والأجر العظيم على إعطاء حق المال والرأفة بالأولاد، أي والله يؤجركم عليها. لقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من ابتُلي من هذه البنات بشيء وكنّ له ستراً من النار»تفسير : . وفي حديث آخر «حديث : إن الصبر على سوء خلق الزوجة عبادة» تفسير : . والأحاديث كثيرة في هذا المعنى منها ما رواه حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 15- إنما أموالكم وأولادكم ابتلاء وامتحان، والله عنده أجر عظيم لمن يؤثر طاعة الله. 16- فابذلوا فى تقوى الله جُهدكم وطاقتكم، واسمعوا مواعظه وأطيعوا أوامره، وأنفقوا مما رزقكم فيما أمر بالإنفاق فيه، وافعلوا خيراً لأنفسكم، ومَن يكفِهِ الله بخل نفسه وحرصها على المال فأولئك هم الفائزون بكل خير. 17- إن تنفقوا فى وجوه البر إنفاقاً مخلصين فيه يُضاعف الله لكم ثواب ما أنفقتم، ويغفر لكم ما فرط من ذنوبكم، والله عظيم الشكر والمكافأة للمحسنين، حليم فلا يُعَجِّل بالعقوبة على مَن عصاه. 18- هو عالم كل ما غاب وما حضر، القوى القاهر، الحكيم فى تدبير خلقه الذى يضع كل شئ موضعه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالُكُمْ} {أَوْلاَدُكُمْ} (15) - الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ وَابْتِلاَءٌ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، إِذْ كَثِيراً مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ارْتِكَابُ المَحْظُورَاتِ، وَاجْتِرَاحُ الآثَامِ، وَقَدْ قَدَّمَ اللهُ الأَمْوَالَ عَلَى الأَوْلاَدِ لأَِنَّهَا أَعْظَمُ فِتْنَةً. (حديث : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي المَالُ)تفسير : . ثُمَّ يُنَبِّهُ تَعَالَى النَّاسَ إِلَى مَا أَعَدَّهُ مِنْ عَظِيمِ الأَجْرِ فِي الآخِرَةِ لِمَنْ آثَرَ مَحَبَّةَ اللهِ وَطَاعَتَهُ، عَلَى مَحَبَّةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ. فِتْنَةٌ - بَلاَءٌ وَاخْتِبَارٌ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} معناه بَلوى. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} معناه ثَوابٌ جَزيلٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ} [التغابن: 15]، يعني: استعداداتكم السفلية والعلوية، والأعمال المتولدة من اختياراتكم الوهبية {فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، [أي] شغل عن الحق وذكره، بها يقع الشخص في الشهوات العاجلة الهوائية، وبها يقع في العجب والغرور والإباء والاستكبار، {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15]، لمن لا يكسب باستعداده الاختيار لهوى نفسه ما لا يرضى به ربه؛ ولكن لا يلتفت إلى قواه القالبية والنفسية وقت الهجرة والجهاد، ولا يغتر بهجرته وجهاده عند الله {أَجْرٌ عَظِيمٌ} مقيم في دار النعيم. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، يعني: أيتها القوى الروحانية المؤمنة اتقوا الله من الالتفات إلى أزواج قوى قالبكم، وأولاد قوى أنفسكم وأموال استعدادكم {مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} يعني: بقدر ما أعطيناكم القوة الاختيارية { وَٱسْمَعُواْ}[التغابن: 16]، أمر الوارد {وَأَطِيعُواْ} [التغابن: 16]، حكم اللطيفة المبلغة {وَأَنْفِقُواْ} [التغابن: 16]، من المعارف {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} [التغابن: 16]، ليكون لكم مدخراً في دار إقامتكم، يعني: ينبغي أن ينصح السالك بالمعارف التي أعطاها الله لقواه، وأن يعطي حقوقها على وفق أمر الحق من العلويات والسفليات {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16]، يعني: أن يعطي حقوقهم، ونفسه مائلة إلى ذلك الحق؛ ليكون شاقاً على نفسه، وبه يحصل التزكية [لنفسه] عن البخل، ومن يعط حق الله القوي ونفسه شحيح صحيح فهو من المفلحين. {إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} [التغابن: 17]، يعني: إن يعط القوى القالبية والنفسية من المعارف القلبية؛ ليهتدوا بها يضاعف الله تلك المعارف لكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [التغابن: 17]، إن كنتم بخلتم بها قبل ذلك عن مستحقها، {وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17]، يعني: حلم عنكم فلم يعاقبكم بما سلف، وشكر لكم عل ما أعطيتموه بعد ذلك. {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [التغابن: 18]، يعني: يعلم ما في القوى الغيبية من الأوصاف الجيدة والردية، وما على الجوارح من الأعمال الفاسدة والصالحة، غالب على أمره إن شاء يعاقب بها وإن شاء يعفو عنها، حكيم بالعفو والعقوبة، إن يعفو فحكمته، وإن يعذب فبحكمته، فحظ السالك من تفسير بطن هذه الآيات أن لا يبخل عن المريد بأموال الظاهر والمعارف الباطنة بقدر استحقاق المريدين واحتياجهم إليها، وحظ السالك أن يعطي لكل ذي حق من قواها حقها على وفق أمر المولى من الحقوق العلوية الحظوظ السفلية. اللهم اجعلنا من أهل السخاوة والجود لوجهك الكريم بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):