٦٥ - ٱلطَّلَاق
65 - At-Talaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {يأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ }. أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة: {أية : لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تفسير : [التغابن: 1] والملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل والإحسان في حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمناً لا يفتقر إلى التأمل فيه، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة، وأما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [التغابن: 18] وفي أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات، وقوله: {يأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت، وقيل: راجعها فإنها صوامة قوامة وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في هذه الآية: {وَلاَ يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ } وقال الكلبي: إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت، وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضاً والقصة في ذلك مشهورة وقال مقاتل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل ابن عمر، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم، وفي قوله تعالى: {يأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } وجهان أحدهما: أنه نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم، فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب. قال أبو إسحق: هذا خطاب النبي عليه السلام، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب وثانيهما: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء فأضمر القول، وقال الفراء: خاطبه وجعل الحكم للجميع، كما تقول للرجل: ويحك أما تتقون الله أما تستحيون، تذهب إليه وإلى أهل بيته و {إِذَا طَلَّقْتُمُ } أي إذا أردتم التطليق، كقوله: {أية : إِذَا قمتم إلى الصلاة } تفسير : [المائدة: 6] أي إذا أردتم الصلاة، وقد مر الكلام فيه، وقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، فيطلقها طاهراً من غير جماع، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن، قالوا: أمر الله تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، وهو قوله تعالى: {لِعِدَّتِهِنَّ } أي لزمان عدتهن، وهو الطهر بإجماع الأمة، وقيل: لإظهار عدتهن، وجماعة من المفسرين قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، وبالجملة، فالطلاق في حال الطهر لازم، وإلا لا يكون الطلاق سنياً، والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل، إذ لا سنة في الصغير وغير المدخول بها، والآيسة والحامل، ولا بدعة أيضاً لعدم العدة بالأقراء، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة، على مذهب الشافعي حتى لو طلقها ثلاثاً في طهر صحيح لم يكن هذا بدعياً بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا: السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في طهر صحيح. وقال صاحب «النظم»: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } صفة للطلاق كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة للإضافة وهي أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 9] وبمنزلة عند مثل قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] أي عنده، وبمنزلة في مثل قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ } تفسير : [الحشر: 2] وفي هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى فطلقوهن في عدتهن، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب «الكشاف»: فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقوله: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلاً لها، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: (من قبل عدتهن) فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة، المراد أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات، وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاقاً إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: حديث : ما هكذا أمرك الله تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة تفسير : وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده، وقوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } أي أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة واحفظوا نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين أحدهما: أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن وثانيهما: ليقع تحصين الأولاد في العدة، ثم في الآية مباحث: الأول: ما الحكمة في إطلاق السنة وإطلاق البدعة؟ نقول: إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضاً لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح الإضرار، وإذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ولو علم الزوج لم يطلقها، وذلك أن الرجل قد يرغب في طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب في ذلك إذا كانت حاملاً منه بولد، فإذا طلقها وهي مجامعة وعنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة، وفي الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج، فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها، فتجري في الثلاثة قروء، والرجل أيضاً في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه. الثاني: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ نقول: نعم، وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال له: «حديث : أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم»تفسير : . الثالث: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك؟ نقول: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وقال محمد وزفر: لا يطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت. الرابع: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟ نقول: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا، والظاهر الكراهة. الخامس: {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } عام يتناول المدخول بهن، وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء، والآيسات والصغار والحوامل، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء والمدخول بهن؟ نقول: لا عموم ثمة ولا خصوص أيضاً، لكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن، وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } علم أنه أطلق على بعضهن، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض، كذا ذكره في «الكشاف». ثم قال تعالى: {واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفـاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً }. قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم و {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ } أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء، أو بطريق الكراء، أو بغير ذلك، وعلى الزوجات أيضاً أن لا يخرجن حقاً لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت ليلاً أو نهاراً كان ذلك الخروج حراماً، ولا تنقطع العدة. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } قال ابن عباس: هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، قال الضحاك الأكثرون: فالفاحشة على هذا القول هي الزنا، وقال ابن عمر: الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة، قال السدي والباقون: الفاحشة المبينة هي العصيان المبين، وهو النشوز، وعن ابن عباس: إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن، وفي الآية مباحث: البحث الأول: هل للزوجين التراضي على إسقاطها؟ نقول: السكنى الواجبة في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها فلها إبطالها، ووجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع، ثم لا بد في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها، وهذا لا يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها، وهذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذي هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها، واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها، لأن أصلها السكنى، لأن بها تحصينها، فصارت السكنى في هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج، وصيانة الماء من حقوق الله، ومما لا يجوز التراضي من الزوجين على إسقاطه، فلم يكن لها الخروج، وإن رضي الزوج، ولا إخراجها، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل، وإخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان الثاني: قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ } ولم يقل: واتقوا الله مقصوراً عليه فنقول: فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك التربية الثاني: ما معنى الجمع بين إخراجهم وخروجهن؟ نقول: معنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذاناً بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك. الثالث: قرىء: {بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } و{مُّبَيّنَةٍ } فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة، ومن قرأ {مُّبَيّنَةٍ } بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحجج، وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } والحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي، والحد في الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشيء، قال مقاتل: يعود ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ } وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير العدة {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي ضر نفسه، ولا يبعد أن يكون المعنى ومن يتجاوز الحد الذي جعله الله تعالى فقد وضع نفسه موضعاً لم يضعه فيه ربه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقوله تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها في العدة وهو دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقاً، قال أبو إسحق: إذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى في قوله: {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }.
القرطبي
تفسير : فيه أربع عشرة مسألة: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، خوطب بلفظ الجماعة تعظيماً وتفخيماً. وفي سنن ابن ماجه عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها. وروى قتادة عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}. وقيل له: راجعها فإنها قَوّامة صوّامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره الماورديّ والقُشَيْرِي والثَّعْلَبيّ. زاد القُشيري: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ}. وقال الكَلْبيّ: سبب نزول هذه الآية غضبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة، لمّا أسرّ إليها حديثاً فأظهرته لعائشة فطلّقها تطليقةً، فنزلت الآية. وقال السُّدّيّ: نزلت في عبد الله بن عمر، طلّق امرأته حائضاً تطليقةً واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر، فإذا أراد أن يطلقها فليطلّقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلّق لها النساء. وقد قيل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعُتْبة بن غَزْوان، فنزلت الآية فيهم. قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحاً فالقول الأوّل أمثل. والأصح فيه أنه بيان لشَرْع مبتدأ. وقد قيل: إنه خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته. وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة، كما قال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} تفسير : [يونس:22]. تقديره: يأيها النبيّ قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ. وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده والمعنى له وللمؤمنين. وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}. فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: «يأَيُّهَا الَّرسُولُ». قلت: ويدل على صحة هذا القول نزول العِدّة في أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية. ففي كتاب أبي داود عنها أنها طُلِّقت على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عِدة، فأنزل الله تعالى حين طُلّقت أسماء بالعدة للطلاق، فكانت أوّل من أنزل فيها العدّة للطلاق. وقيل: المراد به نداء النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيماً، ثم ابتدأ فقال: {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}؛ كقوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ} تفسير : [المائدة:90] الآية. فذكر المؤمنين على معنى تقديمهم وتكريمهم؛ ثم افتتح فقال: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ} الآية. الثانية ـ: روى الثّعلبيّ من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق»تفسير : . وعن عليّ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تزوّجوا ولا تطلّقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش»تفسير : . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاتطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذوّاقين ولا الذوّاقات»تفسير : . وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق»تفسير : . أسند جميعه الثّعلبي رحمه الله في كتابه. وروى الدَّارقُطْنيّ قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدُّولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا حدّثنا الحسن بن عرفة قال حدّثنا إسماعيل بن عيّاش عن حُميد ابن مالك اللَّخْمِيّ عن مَكْحول عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معاذ ما خلق الله شيئاً على وجه الأرض أحبّ إليه من العِتاق ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض من الطلاق. فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حرّ إن شاء الله فهو حرّ ولا استثناء له. وإذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه»تفسير : . حدّثنا محمد بن موسى بن علي قال: حدّثنا حميد بن الربيع قال حدّثنا يزيد بن هارون حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش بإسناده نحوه. قال حميد: قال لي يزيد بن هارون: وأيّ حديث لو كان حميد بن مالك معروفاً؟ قلت: هو جَدّي. قال يزيد: سَرَرْتَني سَرَرْتَني! الآن صار حديثاً. حدّثنا عثمان بن أحمد الدّقاق قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن سُنَين حدّثنا عمر بن إبراهيم بن خالد حدّثنا حميد بن مالك اللَّخْميّ حدّثنا مكحُول عن مالك بن يَخامر عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحلّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق فمن طلق واستثنى فله ثنياه»تفسير : . قال ابن المنذر: اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعِتْق؛ فقالت طائفة: ذلك جائز. وروينا هذا القول عن طاوس. وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ثَوْر وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي. وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأوّل أقول. الثالثة ـ: روى الدَّارَقُطنيّ من حديث عبد الرزّاق أخبرني عَميّ وهب بن نافع قال: سمعت عكرمة يحدّث عن ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلالان ووجهان حرامان؛ فأما الحلال فأن يطلقها طاهراً عن غير جماع وأن يطلقها حاملاً مُستبيناً حَمْلُها. وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض، أو يطلّقها حين يجامعها، لا تدري اشتمل الرّحم على وَلدٍ أم لا. الرابعة ـ: قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} في كتاب أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية أنها طُلّقت على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عِدّة، فأنزل الله سبحانه حين طلّقت أسماء بالعدّة للطلاق؛ فكانت أوّل من أنزل فيها العدّة للطلاق. وقد تقدّم. الخامسة ـ: قوله تعالى: {لِعِدَّتِهِنَّ} يقتضي أنهن اللاتي دخلن بهن من الأزواج؛ لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : [الأحزاب:49]. السادسة ـ: من طلّق في طُهْر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السُّنَّة. وإن طلقها حائضاً نفذ طلاقه وأخطأ السُّنة. وقال سعيد بن المسيّب في آخرى: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة. وإليه ذهبت الشِّيعة. وفي الصحيحين ـ واللفظ للدَّارَقُطْنيّ ـ: حديث : عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض؛ فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتغيّظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلّقها فيها فإن بدا له أن يطلّقها فليطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يَمَسَّها فذلك الطلاق للعِدة كما أمر الله»تفسير : . وكان عبد الله بن عمر طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية حديث : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«هي واحدة»تفسير : . وهذا نصٌّ. وهو يردّ على الشِّيعة قولهم. السابعة ـ: عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السُّنَّة أن يطلقها في كل طهر تطليقة؛ فإذا كان آخر ذلك فتلك العِدة التي أمر الله تعالى بها. رواه الدَّارَقُطْنيّ عن الأعمَش عن أبي إسحاق عن أبي الأحْوص عن عبد الله. قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهراً، لم يَمَسَّها في ذلك الطهر، ولا تقدّمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طُهْر يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدّم. وقال الشافعي: طلاق السنة أن يطلقها في كل طُهْر خاصةً، ولو طلقها ثلاثاً في طُهر لم يكن بِدْعة. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلقها في كلّ طهر طلقة. وقال الشَّعْبيّ: يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه. فعلماؤنا قالوا: يطلقها واحدة في طُهر لم يَمَسّ فيه، ولا تبعه طلاق في عدّة، ولا يكون الطُّهر تالياً لحيض وقع فيه الطلاق. لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق. فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلّق لها النساء»تفسير : . وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وهذا عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر. وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد. وكذلك حديث ابن عمر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم علّمه الوقت لا العدد. قال ابن العربيّ: «وهذه غفلة عن الحديث الصحيح؛ فإنه قال: «حديث : مُرْهُ فليراجعها» تفسير : وهذا يدفع الثلاث. وفي الحديث أنه قال: حديث : أرأيت لو طلقها ثلاثاً؟ قال حَرُمت عليك وبانت منك بمعصيةتفسير : . وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء. وهو مذهب الشافعيّ لولا قوله بعد ذلك: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية. وكذلك قال أكثر العلماء؛ وهو بديع لهم. وأما مالك فلم يَخْف عليه إطلاق الآية كما قالوا، ولكن الحديث فسَّرها كما قلنا. وأما قول الشعبيّ: إنه يجوز طلاق في طُهر جامعها فيه، فيرده حديث ابن عمر بنصّه ومعناه. أمّا نَصَّه فقد قدمناه، وأمّا معنها فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم الاعتداد به، فالطهر المجامع فيه أوْلى بالمنع؛ لأنه يسقط الاعتداد به مخافة شَغل الرحم وبالحيض التالي له. قلت: وقد احتج الشافعيّ في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدَّارَقُطنيّ عن سلمة ابن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تُماضِر بنت الأصبغ الكلبية وهي أمّ أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة؛ فلم يبلغنا أن أحداً من أصحابه عاب ذلك. قال: وحدّثنا سَلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المُغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة؛ فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه. واحتج أيضاً بحديث عُوَيْمِر العَجْلانيّ لما لاعن قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاث. فلم ينكر عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن انفصال. بيانه في غير هذا الموضع. وقد ذكرناه في كتاب (المقتبس من شرح مُوَطّأ مالك بن أنس). وعن سعيد بن المسّيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع؛ وشبّهوه بمن وكلّ بطلاق السنة فخالف. الثامنة ـ: قال الجُرْجَانِيّ: اللام في قوله تعالى: {لِعِدَّتِهِنَّ} بمعنى في؛ كقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ ٱلكتاب مِنْ دِيَارِهِمْ لأول ٱلحْشْرِ} تفسير : [الحشر:2]. أي في أوّل الحشر. فقوله: {لِعِدَّتِهِنَّ} أي في عدتهن؛ أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن. وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه. ففيه دليل على أن القُرْء هو الطُّهر. وقد مضى القول فيه في «البقرة» فإن قيل: معنى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي في قُبُل عدتهن، أو لِقبُل عدتهن. وهي قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره. فقُبُل العِدّة آخرُ الطُّهر حتى يكون القرء الحيض، قيل له: هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله؛ على أن الأقراء هي الأطهار. ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أوّل الطُّهر لا يكون مطلقاً لقُبُل الحيض؛ لأن الحيض لم يُقبل بعد. وأيضاً إقبال الحيض يكون بدخول الحيض؛ وبانقضاء الطُّهر لا يتحقق إقبال الحيض. ولو كان إقبال الشيء إدبار ضدّه لكان الصائم مفطراً قبل مغيب الشمس؛ إذ الليل يكون مقبلاً في إدبار النهار قبل انقضاء النهار. ثم إذا طلق في آخر الطُّهر فبقية الطُّهر قُرْء، ولأن بعض القُرْء يسمّى قرءاً لقوله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} تفسير : [البقرة:197] يعني شوّالاً وذا القعدة وبعض ذي الحجة؛ لقوله تعالى: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة:203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقد مضى هذا كله في «البقرة» مستوفىً. التاسعة ـ: قوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} يعني في المدخول بها؛ لأن غير المدخول بها لا عدّة عليها، وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدّة، ويكون بعدها كأحد الخُطَّاب. ولا تحلّ له في الثلاث إلا بعد زوج. العاشرة ـ: قوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} معناه احفظوها؛ أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة:228] حَلّت للأزواج. وهذا يدل على أن العدّة هي الأطهار وليست بالحيض. ويؤكده ويفسره قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم «لقبُلُ عِدّتهن» وقبُلُ الشيء بعضُه لغةً وحقيقةً، بخلاف استقباله فإنه يكون غيره. الحادية عشرة ـ: مَن المخاطَب بأمر الإحصاء؟ وفيه ثلاث أقوال: أحدها ـ أنهم الأزواج. الثاني ـ أنهم الزوجات. الثالث ـ أنهم المسلمون. ابن العربيّ: «والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من «طَلّقتم» و «أَحْصُوا» و «لاَتُخْرِجُوهُنَّ» على نظام واحد يرجع إلى الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج؛ لأن الزوج يُحْصِي ليراجع، ويُنفق أو يقطع، ولِيُسكن أو يُخْرج، وليُلحق نسَبَه أو يقطع. وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك. وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدّة للفتوى عليها، وفصل الخصومة عند المنازعة فيها. وهذه فوائد الإحصاء المأمور به2. الثانية عشرة ـ: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} أي لا تعصوه. {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدّة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة. والرجعية والمَبْتُوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ} تفسير : [الأحزاب:34]، وقوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب:33] فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك. وقوله: «لا تُخْرِجُوهُنَّ» يقتضي أن يكون حقاً في الأزواج. ويقتضي قوله: {وَلاَ يَخْرُجْنَ} أنه حق على الزوجات. وفي صحيح الحديث: حديث : «عن جابر بن عبد الله قال: طُلِّقت خالتي فأرادت أن تَجُدّ نخلها فَزجرها رجل أن تخرج؛ فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:بلى فجُدِّي نخلكِ فإنك عسى أن تَصَدّقي أو تفعلي معروفاً»تفسير : . خرّجه مسلم. ففي هذا الحديث دليل لمالك والشافعيّ وابن حَنْبل واللّيث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعيةً أو بائنة. وقال الشافعيّ في الرجعية: لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، وإنما تخرج نهاراً المَبْتُوتَةُ. وقال أبو حنيفة: ذلك في المُتَوَفَّى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج لا ليلاً ولا نهاراً. والحديث يردّ عليه. وفي الصحيحين: حديث : أن أبا حفص بن عمرو خرج مع عليّ بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعَيّاش بن أبي ربيعة بنفقةٍ؛ فقالا لها: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملاً. فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما. فقال:«لا نفقة لكِ»، فاستأذنته في الانتقال فأذِن لها؛ فقالت: أين يا رسول الله؟ فقال: «إلى ابن أمّ مَكْتُوم»تفسير : ، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما مضت عدّتها أنكحها النبيّ صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. فأرسل إليها مَرْوان قَبِيصة بن ذُؤَيْب يسألها عن الحديث، فحدّثته. فقال مَرْوان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعِصْمة التي وجدنا الناس عليها. فقالت فاطمة حين بلغها قولُ مَرْوان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} الآية، قالت: هذا لمن كانت له رجعة؛ فأي أمرٍ يَحْدُث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها؟ لفظ مسلم. فبيّن أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية. وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمّنت النّهي عن خروج المطلقة الرجعية؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها مادامت في عدتها؛ فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما البائن فليس له شيء من ذلك فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورة منزلها؛ كما أباح لها النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك. وفي مسلم ـ حديث : قالت فاطمة يا رسول الله، زَوْجي طلقني ثلاثاً وأخاف أن يُقتحم عليّ. قال: فأمرها فتحوّلتتفسير : . وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وَحْش فخيف على ناحيتها؛ فلذلك أرخص النبيّ صلى الله عليه وسلم لها. وهذا كله يردّ على الكوفي قوله. وفي حديث فاطمة: أن زوجها أرسل اليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها؛ فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي. وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلّق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة؛ على ما تقدّم. الثالثة عشرة ـ: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشَّعْبي ومجاهد: هو الزِّنَى؛ فتخرج ويقام عليها الحدّ. وعن ابن عباس أيضاً والشافعيّ: أنه البَذاء على أحمائها؛ فَيحِل لهم إخراجها. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل. وفي كتاب أبي داود قال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لَسِنة فوُضِعَتْ على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. قال عكرمة: في مصحف أُبَيّ «إلاَّ أَنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ». ويقوّي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روى أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقّي الله فإنك تعلمين لِمَ أُخْرِجْتِ؟ وعن ابن عباس أيضاً: الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة والبَذاء على الأهل. وهو اختيار الطَّبري. وعن ابن عمر أيضاً والسُّدي: الفاحشة خروجها من بيتها في العدّة. وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق؛ أي لو خرجت كانت عاصية، وقال قتادة: الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحوّل عن بيته. قال ابن العربي: أما من قال إنه الخروج للزنى؛ فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام: وليس ذلك بمستثنىً في حلال ولا حرام. وأما من قال: إنه البذاء؛ فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس. وأما من قال: إنه كل معصية؛ فوَهم لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج. وأما من قال: إنه الخروج بغير حق؛ فهو صحيح. وتقدير الكلام: لا تُخرجوهن من بيوتهن ولا يَخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدياً. الرابعة عشرة ـ: قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي هذه الأحكام التي بينّها أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مَوْرد الهلاك. {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} الأمر الذي يحدثه الله أن يقلّب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه؛ فيراجعها. وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة. ومعنى القول: التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث؛ فإنه إذا طلّق ثلاثاً أضرّ بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع، فلا يجد عند الرجعة سبيلاً. وقال مقاتل: «بَعْدَ ذَلِكَ» أي بعد طلقة أو طلقتين «أَمْراً» أي المراجعة من غير خلاف.
البيضاوي
تفسير : { مدنية وآيها اثنتا عشرة أو إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم يٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } خص النداء وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمته فنداؤه كندائهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم. والمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه. {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي في وقتها وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت، ومن عدة ٱلْعِدَّةَ بالحيض علق اللام بمحذوف مثل مستقبلات، وظاهره يدل على أن ٱلْعِدَّةَ بالأطهار وأن طلاق المعتدة بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر، وأنه يحرم في الحيض من حيث إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ولا يدل على عدم وقوعه، إذ النهي لا يستلزم الفساد، كيف وحديث : قد صح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته حائضاً أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرجعة وهو سبب نزوله.تفسير : {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ } في تطويل العدة والإِضرار بهن. {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن. {وَلاَ يَخْرُجْنَ } باستبدادهن أما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقهما السكنى ولزومها ملازمة مسكن الفراق وقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } مستثنى من الأول، والمعنى إلا أن تبذو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها، أو إلا أن تزني فتخرج لإِقامة الحد عليها، أو من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة. {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} الإشارة إلى الأحكام المذكورة. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بأن عرضها للعقاب. {لا تَدْرِى} أي النفس أو أنت أيها النبي أو المطلق. {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } وهو الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } شارفن آخر عدتهن. {فَأَمْسِكُوهُنَّ } فراجعوهن. {بِمَعْرُوفٍ} بحسن عشرة وإنفاق مناسب، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً لعدتها. {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } على الرجعة أو الفرقة تبرياً عن الريبة وقطعاً للتنازع، وهو ندب كقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة: 282] وعن الشافعي وجوبه في الرجعة. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } أيها الشهود عند الحاجة. {لِلَّهِ } خالِصاً لوجهه. {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ } يريد الحث على الإِشهاد والإِقامة، أو على جميع ما في الآية. {مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فإنه المنتفع به والمقصود بذكره. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً }. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على الإِتقاء عما نهى عنه صريحاً أو ضمناً من الطلاق في الحيض، والإِضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن، وتعدي حدود الله وكتمان الشهادة وتوقع جعل على إقامتها بأن يجعل الله له مخرجاً مما في شأن الأزواج من المضايق والغموم، ويرزقه فرجاً وخلفاً من وجه لم يخطر بباله. أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين. وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم». {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } فما زال يقرؤها ويعيدها»تفسير : وروي «أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو، فشكا أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له «حديث : اتق الله وأكثر قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإِبل غفل عنها العدو فاستاقها»تفسير : وفي رواية «حديث : رجع ومعه غنيمات ومتاع»تفسير : {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} كَافية. {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ} يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد، وقرأ حفص بالإِضافة، وقرىء {بَـٰلِغُ أَمْرِهِ } أي نافذ و«بالغا» على أنه حال والخبر: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْءٍ قَدْراً} تقديراً أو مقدراً، أو أجلاً لا يتأتى تغييره، وهو بيان لوجوب التوكل وتقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق بزمان العدة والأمر بإحصائها، وتمهيد لما سيأتي من مقاديرها. {وَٱللَّـٰتِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ } لكبرهن. {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } شككتم في عدتهن أي جهلتهم. {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } روي أنه لما نزل {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء }تفسير : [البقرة: 228] قيل فما عدة الَّلاتي لم يحضن فنزلت. {وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ } أي واللاتي لم يحضن بعد كذلك. {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } منتهى عدتهن. {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهم أزواجهن، والمحافظة على عمومه أولى من محافظة عموم قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا }تفسير : [البقرق: 234] لأن عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض، والحكم معلل ها هنا بخلافه ثمة، ولأنه صح أن سبيعة بنت الحرث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «حديث : قد حللت فتزوجي»تفسير : ولأنه متأخر النزول فتقديمه في العمل تخصيص وتقديم الآخر بناء للعام على الخاص والأول راجح للوفاق عليه. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } في أحكامه فيراعي حقوقها. {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } يسهل عليه أمره ويوفقه للخير. {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام. {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } في أحكامه فيراعي حقوقها. {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ } فإن الحسنات يذهبن السيئات {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } بالمضاعفة. {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } أي مكان من مكان سكناكم. {مّن وُجْدِكُمْ } من وسعكم أي مما تطيقونه، أو عطف بيان لقوله من {حَيْثُ سَكَنتُم }. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } في السكنى. {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } فتلجئوهن إلى الخروج. {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات والأحاديث تؤيده. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } بعد انقطاع علقة النكاح. {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } على الإِرْضَاع. {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } وليأمر بعضكم بعضاً بجميل في الإِرضاع والأجر. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } تضايقتم. {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } امرأة أخرى، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة.
ابن كثير
تفسير : خوطب النبي صلى الله عليه وسلم أولاً تشريفاً وتكريماً، ثم خاطب الأمة تبعاً، فقال تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك ونسائك في الجنة، ورواه ابن جرير عن ابن بشار عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة، فذكره مرسلاً، وقد ورد من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، ثم راجعها. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب، أخبرني سالم: أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهراً قبل أَنْ يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله عزّ وجلّ» تفسير : هكذا رواه البخاري ههنا، وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه: «حديث : فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء»تفسير : ، ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعدّدة وألفاظ كثيرة، وموضع استقصائها كتب الأحكام. وأمس لفظ يورد ههنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليراجعها ــــ فردها وقال ــــ إذا طهرت فليطلق أو يمسك»تفسير : قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} لعدتهن. وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قال: الطهر من غير جماع، وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة، وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة والضحاك، وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قال: لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة. وقال عكرمة: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} العدة: الطهر والقرء: الحيضة أن يطلقها حُبْلَى مستبيناً حملها ولا يطلقها، وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا، ومن ههنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملاً قد استبان حملها، والبدعة: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمنع من الأزواج. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} أي في ذلك. وقوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ} أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضاً الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضاً. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا؛ كما قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي، والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو قلابة، وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والسدي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إذا نشزت المرأة، أو بَذَت على أهل الرجل، وآذتهم في الكلام والفعال كما قاله أبي بن كعب وابن عباس وعكرمة وغيرهم. وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي شرائعه ومحارمه {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} أي يخرج عنها، ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي بفعل ذلك. وقوله تعالى: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل. قال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن فاطمة بنت قيس في قوله تعالى: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قالت: هي الرجعة، وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري، ومن ههنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى، إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، أي المقطوعة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضاً على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائباً عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير، يعني: نفقة، فتسخطته، فقال: والله ليس لك علينا نفقة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ليس لك عليه نفقة» تفسير : ، ولمسلم: «حديث : ولا سكنى» تفسير : وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «حديث : تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» تفسير : الحديث. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر قال: قدمت المدينة، فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه، رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار، فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل، قال: لا، قالت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن فلاناً طلقني، وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة، فقال له: «حديث : مالك ولابنة آل قيس؟»تفسير : قال: يا رسول الله إن أخي طلقها ثلاثاً جميعاً، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى اخرجي فانزلي على فلانة» تفسير : ، ثم قال إنه يتحدث إليها: «حديث : انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك» تفسير : وذكر تمام الحديث. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التستري، حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي: أنه دخل على فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئاً، ولا أوصانا به، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ بطلاقي، فسألت أولياءه السكنى والنفقة علي، فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فلا نفقة لها ولا سكنى» تفسير : وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سعيد بن يزيد، وهو الأحمسي البجلي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: هو شيخ يروى عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ } المراد أمته بقرينة ما بعده، أو قل لهم {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ } أي أردتم الطلاق {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } لأوّلها بأن يكون الطلاق في طهر لم تمس فيه لتفسيره صلى الله عليه وسلم بذلك، رواه الشيخان {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } احفظوها لتراجعوا قبل فراغها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ } أطيعوه في أمره ونهيه {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ } منها حتى تنقضي عدّتهنّ {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ } زنا {مُّبَيِّنَةٍ } بفتح الياء وكسرها: أي بينت، أو بينة فيخرجن لإِقامة الحدّ عليهنّ {وَتِلْكَ } المذكورات {حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ } الطلاق {أمْراً } مراجعة فيما إذا كان واحدة أو اثنتين.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } نادى النبيّ صلى الله عليه وسلم أوّلاً تشريفاً له، ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي: مستقبلات لعدتهنّ، أو في قبل عدتهنّ، أو لقبل عدتهنّ. وقال الجرجاني: إن اللام في {لعدتهنّ} بمعنى في، أي: في عدتهنّ. وقال أبو حيان: هو على حذف مضاف أي: لاستقبال عدتهنّ، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة بقيت من شهر كذا، والمراد أن يطلقوهنّ في طهر لم يقع فيه جماع، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهنّ، فإذا طلقوهنّ هكذا، فقد طلقوهنّ لعدتهنّ، وسيأتي بيان هذا من السنة في آخر البحث إن شاء الله {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } أي: احفظوها، واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتمّ العدّة، وهي ثلاثة قروء، والخطاب للأزواج، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على العموم، والأول أولى؛ لأن الضمائر كلها لهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ } فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضارّوهن {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } أي: التي كنّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدّة، وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في مدّة العدّة، ومثله قوله: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ }تفسير : [الأحزاب: 34] وقوله: {أية : وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 33] ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهنّ من البيوت التي وقع الطلاق وهنّ فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضاً فقال: {وَلاَ يَخْرُجْنَ } أي: لا يخرجن من تلك البيوت ما دمن في العدّة إلاّ لأمر ضروري، كما سيأتي بيان ذلك، وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلاّ إذا أذن لهنّ الأزواج، فلا بأس، والأوّل أولى {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } هذا الاستثناء هو من الجملة الأولى، أي: لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ، لا من الجملة الثانية. قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا: الزنا، وذلك أن تزني، فتخرج لإقامة الحدّ عليها. وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان، والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت، ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ: (إلاّ أن يفحشن عليكم) وقيل المعنى: إلاّ أن يخرجن تعدّياً، فإن خروجهنّ على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد. والإشارة بقوله: {وَتِلْكَ } إلى ما ذكر من الأحكام وهو مبتدأ، وخبره {حُدُودَ ٱللَّهِ } والمعنى: أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدّها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ } أي: يتجاوزها إلى غيرها، أو يخلّ بشيء منها {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بإيرادها مورد الهلاك، وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله له على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وجملة: {لا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها وتعليله. قال القرطبي: قال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة؛ والمعنى: التحريض على طلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضرّ بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع، فلا يجد إلى المراجعة سبيلاً. وقال مقاتل {بعد ذلك} أي: بعد طلقة أو طلقتين {أمراً} بالمراجعة. قال الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد، فلا معنى لقوله: {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي: قاربن انقضاء أجل العدة، وشارفن آخرها {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي: راجعوهنّ بحسن معاشرة، ورغبة فيهنّ من غير قصد إلى مضارّة لهنّ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي: اتركوهنّ حتى تنقضي عدتهنّ، فيملكن نفوسهن مع إيفائهنّ بما هو لهنّ عليكم من الحقوق، وترك المضارة لهنّ {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعاً للتنازع، وحسماً لمادة الخصومة، والأمر للندب، كما في قوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة: 282] وقيل: إنه للوجوب، وإليه ذهب الشافعي قال: الإشهاد واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ } هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شاهدوا به تقرباً إلى الله، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة البقرة، وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة، أي: الشهود عند الرجعة، فيكون قوله: {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } أمراً بنفس الإشهاد، ويكون قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } أمراً بأن تكون خالصة لله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم من الأمر بالإشهاد، وإقامة الشهادة لله، وهو مبتدأ، وخبره {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } وخص المؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه المنتفع بذلك دون غيره {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } أي: من يتق عذاب الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف على حدوده التي حدّها لعباده، وعدم مجاوزتها يجعل له مخرجاً مما وقع فيه من الشدائد والمحن. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } أي: من وجه لا يخطر بباله، ولا يكون في حسابه. قال الشعبي، والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدّة، وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدّة. وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجاً من العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي: يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجاً من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل: غير ذلك. وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص، ويدخل ما فيه السياق دخولاً أولياً {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } أي: ومن وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ } قرأ الجمهور بتنوين بالغ، ونصب أمره، وقرأ حفص بالإضافة، وقرأ ابن أبي عبلة، وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية عنه بتنوين بالغ، ورفع أمره على أنه فاعل بالغ، أو على أن أمره مبتدأ مؤخر، وبالغ خبر مقدم. قال الفراء في توجيه هذه القراءة، أي: أمره بالغ؛ والمعنى على القراءة الأولى، والثانية: أن الله سبحانه بالغ ما يريده من الأمر لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، وعلى القراءة الثالثة: أن الله نافذ أمره لا يرده شيء. وقرأ المفضل: (بالغا) بالنصب على الحال، ويكون خبر إن قوله: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً } أي: تقديراً وتوقيتاً أو مقداراً. فقد جعل سبحانه للشدة أجلاً تنتهي إليه، وللرخاء أجلاً ينتهي إليه. وقال السدي: هو قدر الحيض والعدة. {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ } وهن الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وأيسن منه {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي: شككتم وجهلتم كيف عدتهن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ } لصغرهن، وعدم بلوغهن سن المحيض، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } أي: انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر الآية أن عدة الحوامل بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن، وقد تقدّم الكلام في هذا في سورة البقرة مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [البقرة: 234] وقيل: معنى {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } إن تيقنتم، ورجح ابن جرير أنه بمعنى الشك، وهو الظاهر. قال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها، وقد انقطع عنها الحيض، وكانت ممن يحيض مثلها. وقال مجاهد: إن ارتبتم: يعني لم تعلموا عدّة الآيسة والتي لم تحض فالعدّة هذه. وقيل المعنى: إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا؟ بل استحاضة، فالعدّة ثلاثة أشهر {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } أي: من يتقه في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة. وقال الضحاك: من يتق الله، فليطلق للسنة يجعل له من أمره يسراً في الرجعة. وقال مقاتل: من يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من الأحكام، أي: ذلك المذكور من الأحكام {أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } أي: حكمه الذي حكم به بين عباده، وشرعه الذي شرعه لهم، ومعنى {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } أنزله في كتابه على رسوله، وبينه لكم وفصل أحكامه، وأوضح حلاله وحرامه {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } بترك ما لا يرضاه {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ } التي اقترفها؛ لأن التقوى من أسباب المغفرة للذنوب {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } أي: يعطه من الأجر في الآخرة أجراً عظيماً، وهو الجنة. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله {يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فقيل له: راجعها، فإنها صوّامة قوّامة، وهي من أزواجك في الجنة. وأخرجه ابن جرير عن قتادة مرسلاً. وأخرح الحاكم عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة أمّ ركانة، ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلاّ ما تغني عني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا رسول الله ركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون كذا من كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد:«حديث : طلقهاتفسير : ، ففعل، فقال لأبي ركانة حديث : ارتجعهاتفسير : ، فقال: يا رسول الله إني طلقتها، قال: "حديث : قد علمت ذلك،فارتجعها"تفسير : ، فنزلت: {يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }. قال الذهبي: إسناده واه، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر: أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «حديث : ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء»تفسير : ، وقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يا أيها النبيّ إذا طلقتم النساء فطلقوهنّ في قبل عدتهنّ). وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (فطلقوهنّ في قبل عدتهنّ). وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ: (فطلقوهنّ لقبل عدتهنّ). وأخرج ابن الأنباري، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن مجاهد أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، وأبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من أراد أن يطلق للسنة، كما أمره الله، فليطلقها طاهراً في غير جماع. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قال: طاهراً من غير جماع، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } قال: الطلاق طاهراً في غير جماع. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله: {وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قال: خروجها قبل انقضاء العدّة من بيتها هي الفاحشة المبينة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قال: الزنا. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها، فقد حلّ لهم إخراجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله: {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } قالت: هي الرّجعة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلاً سأل عمران بن حصين أن رجلاً طلق، ولم يشهد، قال: بئس ما صنع، طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، ويستغفر الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } قال: مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه وهو يعافيه وهو يدفع عنه، وفي قوله: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } قال: من حيث لا يدري. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } قال: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وأخرج الحاكم وصححه، وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«حديث : اتق الله واصبرتفسير : ، فلم يلبث إلاّ يسيراً حتى جاء ابن له بغنم كان العدوّ أصابوه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عنها، وأخبره خبرها، فقال: كلها، فنزلت: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } الآية. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدوّ، وجزعت أمه، فما تأمرني؟ قال: «حديث : آمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»تفسير : ، فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدوّ، فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، فنزلت: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } الآية. وفي الباب روايات تشهد لهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت: يكفيه همّ الدنيا وغمها. وأخرج أحمد وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي عن أبي ذرّ قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } فجعل يردّدها حتى نعست، ثم قال: "حديث : يا أبا ذرّ لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم"تفسير : وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } قال: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ } قال: يقول قاضي أمره على من توكل، وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، وفي قوله: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً } قال: يعني: أجلاً ومنتهى ينتهي إليه. وأخرج ابن المبارك، والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أنكم توكلتم على الله حقّ توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً»تفسير : . وأخرج إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية في البقرة في عدّة النساء قالوا: لقد بقي من عدّة النساء عدد لم يذكر في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع حيضهنّ، وذوات الحمل، فأنزل الله: {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو يعلى، والضياء في المختارة، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب قال:قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } أهي المطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها؟ قال: «حديث : هي المطلقة ثلاثاً، والمتوفى عنها»تفسير : . وأخرج نحوه عنه مرفوعاً ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والدارقطني من وجه آخر. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً قال: تعتدّ آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } بكذا وكذا أشهراً، وكل مطلقة، أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها. وروي نحو هذا عنه من طرق، وبعضها في صحيح البخاري. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أم سلمة: أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الباب أحاديث.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {يا أيها النبي إذا طَلّقْتُمُ النّساءَ} الآية. هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم [فهو شامل لأمته فروى قتادة عن أنس قال: " طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها فأنزل الله تعالى عليه: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساءَ فطلِّقوهُنَّ لعدَّتهنَّ} وقيل له راجعها فإنها قوّأمة صوّامة، وهي من أزواجك في الجنة".] {لعدتهن} يعني في طهر من غير جماع، وهو طلاق السنة. وفي اعتبار العدد في طلاق السنة قولان: أحدهما: أنه معتبر وأن من السنة أن يطلق في كل قرء واحدة، فإن طلقها ثلاثاً معاً في قرء كان طلاق بدعة، وهذا قول أبي حنيفة ومالك رحمهما الله. الثاني: أنه غير معتبر، وأن السنة في زمان الطلاق لا في عدده، فإن طلقها ثلاثاً في قرء كان غير بدعة، قاله الشافعي رحمه الله، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: فطلّقوهن لقُبُلِ عدّتهن. وإن طلقها حائضاً أو طهر جماع كان بدعة، وهو واقع، وزعم طائفة أنه غير واقع لخلاف المأذون فيه فأما طلاق الحامل وغير المدخول بها والصغيرة واليائسة والمختلعة فلا سنة فيه ولا بدعة. ثم قال تعالى: {وأَحْصُوا العِدَّةَ} يعني في المدخول بها، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة، ويكون بعدها كأحد الخطاب، ولا تحل له في الثلاث إلا بعد زوج. {واتَّقوا اللَّهَ ربَّكم} يعني في نساءكم المطلقات. {لا تُخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} يعني في زمان عدّتهن، لوجود السكنى لهن. {إلاَّ أنْ يأتِينَ بفاحشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الفاحشة يعني الزنا، والإخراج هو إخراجها لإقامة الحد، قاله ابن عمر والحسن ومجاهد. والثاني: أنه البذاء على أحمائها، وهذا قول عبد الله بن عباس والشافعي. الثالث: كل معصية للَّه، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أن الفاحشة خروجهن، ويكون تقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن، قاله السدي. {وتلك حُدودُ اللَّهِ} يعني وهذه حدود اللَّه، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: يعني طاعة اللَّه، قاله ابن عباس. الثاني: سنَّة اللَّه وأمره، قاله ابن جبير. الثالث: شروط اللَّه، قاله السدّي. {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدودَ اللَّهِ} فيه تأويلان: أحدهما: من لم يرض بها، قاله ابن عباس. الثاني: من خالفها، قاله ابن جبير. {فقدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فيه وجهان: أحدهما: فقد ظلم نفسه في عدم الرضا، باكتساب المأثم. الثاني: في وقوع الطلاق في غير الطهر للشهور لتطويل هذه العدة والإضرار بالزوجة. {لا تدري لعلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْد ذلك أَمْراً} يعني رجعة، في قول جميع المفسرين إن طلق دون الثلاث.
ابن عطية
تفسير : الطلاق على الجملة مكروه، لأنه تبديد شمل في الإسلام، وروى أبو موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات". تفسير : وروى أنس أنه عليه السلام قال: "حديث : ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق". تفسير : واختلف في ندائه النبي. ثم قوله تعالى بعد ذلك: {طلقتم}، فقال بعض النحويين حكاه الزهراوي، في ذلك خروج من مخاطبة أفراد إلى مخاطبة جماعة، وهذا موجود، وقال آخرون منهم في نداء النبي صلى الله عليه وسلم: أريدت أمته معه، فلذلك قال: {إذا طلقتم}، وقال آخرون منهم إن المعنى: {يا أيها النبي} قل لهم {إذا طلقتم}، وقال آخرون إنه من حيث يقول الرجل العظيم فعلنا وصنعنا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بـ {طلقتم} إظهاراً لتعظيمه، وهذا على نحو قوله تعالى في عبد الله بن أبي: {أية : هم الذين يقولون} تفسير : [المنافقون: 7] إذا كان قوله مما يقوله جماعة، فكذلك النبي في هذه ما يخاطب به فهو خطاب الجماعة. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي في هذا أنهما خطابان مفترقان، خوطب النبي على معنى تنبيهه لسماع القول وتلقي الأمر ثم قيل له: {إذا طلقتم}، أي أنت وأمتك، فقوله: {إذا طلقتم}، ابتداء كلام لو ابتدأ السورة به، وطلاق النساء: حل عصمتهن وصورة ذلك وتنويعه مما لا يختص بالتفسير، وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن، وقرأ عثمان وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله ومجاهد وعلي بن الحسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد: "فطلقوهن في قبل عدتهن"، وروي عن بعضهم وعن ابن عمر "لقبل طهرهن"، ومعنى هذه الآية، أن لا يطلق أحد امرأته إلا في طهر لم يمسها فيه، هذا على مذهب مالك وغيره ممن قال: بأن الاقراء الاطهار فيطلق عندهم المطلق في طهر لم يمس فيه وتعتد به المرأة، ثم تحيض حيضتين تعتد بالطهر الذي بينهما، ثم يقيم في الطهر الثالث معتدة به، فإذا رأت أول الحيضة الثالثة حلت، ومن قال: بأن الإقراء الحيض وهم العراقيون قال: {لعدتهن}، معناه أن تطلق طاهراً، فتستقبل ثلاث حيض كوامل، فإذا رأت الطهر بعد الثالثة حلت ويخف عند هؤلاء مس في طهر الطلاق أو لم يمس، وكذلك مالك يقول: إن طلق في طهر قد مس فيه معنى الطلاق، ولا يجوز طلاق الحائض، لأنها تطول العدة عليها، وقيل بل ذلك تعبد ولو علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز إذا رضيته، والأصل في ذلك حديث حديث : عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" تفسير : . وروى حذيفة أنه عليه السلام قال: "حديث : طلقوا المرأة في قبل طهرها" تفسير : ،ثم أمره تعالى بإحصاء العدة لما يلحق ذلك من أحكام الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، ثم أخبر تعالى بأنهن أحق بسكنى بيوتهن التي طلقن فيها، فنهى عن إخراجهن وعن خروجهن، وسنة ذلك أن لا تبيت المرأة المطلقة عن بيتها ولا تغيب عنه نهاراً إلا في ضروة، ومما لا خطب له من جائز التصرف وذلك لحفظ النسب والتحرز بالنساء، فإن كان البيت ملكاً للزوج أو بكراء منه فهذا حكمه، فإن كان لها فعليه الكراء، فإن كان قد أمتعته طول الزوجية ففي لزوم خروج العدة له قولان في المذهب اللزوم رعاية لانفصال مكارمة النكاح، والسقوط من أجل العدة من سبب النكاح، واختلف الناس في معنى قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فقال قتادة والحسن ومجاهد: ذلك الزنا فيخرجن للحد، وهذا قول الشعبي وزيد بن أسلم وحماد والليث، وقال ابن عباس: ذلك لنداء على الإحماء، فتخرج ويسقط حقها من السكنى وتلزم الإقامة في مسكن يتخذه حفظاً للنسب. وفي مصحف أبي بن كعب "إلا أن يفحشن عليكم"، وقال ابن عباس أيضاً الفاحشة جميع المعاصي، فمن سرقت أو قذفت أو زنت أو أربت في تجارة وغير ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وقال السدي وابن عمر: الفاحشة الخروج عن البيت، خروج انتقال، فمتى فعلت ذلك، فقد سقط حقها في السكنى، وقال قتادة أيضاً: المعنى {أن يأتين بفاحشة} في نشوز عن الزوج فيطلق بسبب ذلك، فلا يكون عليه سكنى. وقال بعض الناس الفاحشة متى وردت معرفة فهي الزنا، ومتى جاءت منكرة فهي المعاصي يراد بها سوء عشرة الزوج ومرة غير ذلك، وقرأ عاصم: "مبيَّنة" بفتح الياء المشددة تقول: بان الأمر وبينته أنا على تضعيف التعدية، وقرأ الجمهور: "مبيِّنة" بكسر الياء، تقول بان الشيء وبين بمعنى واحد، إلا أن التضعيف للمبالغة، ومن ذلك قولهم قد بين الصبح لذي عينين وقوله تعالى: {وتلك حدود الله} إشارة إلى جميع أوامره في هذه الآية، وقوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}، قال قتادة وغيره: يريد به الرجعة، أي أحصوا العدة وامتثلوا هذه الأوامر المتفقة لنسائكم الحافظة لأنسابكم، وطلقوا على السنة تجدوا المخلص إن ندمتم فإنكم لا تدرون لعل الرجعة تكون بعد، والإحداث في هذه الآية بين التوجه عبارة عما يوجد من التراجع، وجوز قوم أن يكون المعنى {أمراً} من النسخ، وفي ذلك بعد، وقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن} يريد به آخر القروء، و "الإمساك بالمعروف": هو حسن العشرة في الإنفاق وغير ذلك، و "المفارقة بالمعروف": هو أداء المهر والتمتيع ودفع جميع الحقوق والوفاء بالشروط وغير ذلك حسب نازلة، وقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} يريد على الرجعة، وذلك شرط في صحة الرجعة، وللمرأة منع الزوج من نفسها حتى يشهد، وقال ابن عباس المراد على الرجعة، والطلاق، لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة، وتقييد تاريخ الإشهاد من الإشهاد، وقال النخعي: العدل: من لم تظهر منه ريبة، وهذا قول الفقهاء، والعدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله، وقوله تعالى: {أقيموا الشهادة لله} أمر للشهود، وقوله تعالى: {ذلكم يوعظ به} إشارة إلى إقامة الشهادة، وذلك أن جميع فصول الأحكام والأمور فإنما تدور على إقامة الشهادة، وقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}. قال علي بن أبي طالب وكثير من المتأولين نفي من معنى الطلاق، أي ومن لا يتعدى في الطلاق السنة إلى طلاق الثلاث وغير ذلك يجعل الله له مخرجاً إن ندم بالرجعة المباحة ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه، ومن لا يتق الله فربما طلق وبت وندم، فلم يكن له مخرج وزال عليه رزق زوجته. وقد فسر ابن عباس نحو هذا فقال للمطلق ثلاثاً: أنت لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجاً. وقال ابن عباس أيضاً معنى: {يجعل له مخرجاً} يخلصه من كرب الدنيا والآخرة، واختلف في ألفاظ رواية هذه القصة، قال ابن عباس للمطلق، لكن هذا هو المعنى، وقال بعض رواة الآثار:حديث : نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أسر ولده وقدر عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالتقوى، فقيل: لم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيع غنم للقوم الذين أسروه، وجاء أباه، فسأل عوف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتطيب له تلك الغنم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم""تفسير : . ونزلت الآية في ذلك. وقوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، الآيات كلها عظة لجميع الناس، والحسب: الكافي المرضي، وقال ابن مسعود هذه أكثر الآيات حضّاً على التفويض، وروي أن رجلاً قال لعمر: ولّني مما ولاك الله، فقال له عمر: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قال: فأنا لا أولي من لا يقرأ القرآن. فتعلم الرجل رجاء الولاية، فلما حفظ كثيراً من القرآن تخلف عن عمر فلقيه يوماً فقال له عمر ما أبطأ بك؟ قال له تعلمت القرآن، فأغناني الله تعالى عن عمر وعن بابه. ثم قرأ هذه الآيات من هذه السورة. وقوله تعالى: {إن الله بالغ أمره} بيان وحض على التوكل، أي لا بد من نفوذ أمر الله توكلت أيها المرء أو لم تتوكل قاله مسروق. فإن توكلت كفاك وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى عجزك وتسخطك، وأمره في الوجهين نافذ، وقرأ داود بن هند ورويت عن أبي عمرو "بالغ أمرُه" برفع الأمر وحذف مفعول تقدير: بالغ أمره ما شاء، وقرأ جمهور السبعة: "بالغ أمرَه" بنصب الأمر وقرأ حفص والمفضل عن عاصم: "بالغُ أمرِه" على الإضافة وترك التنوين في: "بالغُ"، ورويت عن أبي عمرو، والأعمش، وهي قراءة طلحة بن مصرف، وقرأ جمهور الناس: "قدْراً" بسكون الدال، وقرأ بعض القراء: "قدَراً" بفتح الدال وهذا كله حض على التوكل.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَآأَيُّهَا النَّبِىُّ} خوطب به وهو عام لأمته نزلت لما طلق الرسول صلى الله عليه وسلم حفصة فأوحي إليه أن يراجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة {لِعِدَّتِهِنَّ} في الطهر من غير جماع وجمع الثلاث بدعة أو ليس ببدعة فإن طلقها حائضاً أو في طهر جماع وقع أو لا يقع {وَاتَّقُواْ اللَّهَ} في المطلقات {لا تُخْرِجُوهُنَّ} في عدتهن {بِفَاحِشَةٍ} الزنا فتخرج لإقامة الحد أو بُذَاء على أحمائها "ع" أو كل معصية لله أو خروجها من بيتها تقديره إلا أن يأتين بفاحشة بخروجهن {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} طاعته أو شرطه أو سننه وأمره {يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} لم يرض بها أو خالفها {ظَلَمَ نَفْسَهُ} بترك الرضا لأنه يأثم به أو بإضراره بالمرأة بإيقاع الطلاق في غير الطهر المشروع {أَمْراً} بالرجعة اتفاقاً.
النسفي
تفسير : {يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كذا إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم وسادّاً مسد جميعهم. وقيل: التقدير يا أيها النبي والمؤمنون. ومعنى {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } إذا أردتم تطليقهن وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه كقوله عليه السلام «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه»تفسير : ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فِى قبل عدتهن} وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، والمراد أن تطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعهن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهذا أحسن الطلاق {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، وخوطب الأزواج لغفلة النساء. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ } حتى تنقضي عدتهن {مِن بُيُوتِهِنَّ } من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى، وفيه دليل على أن السكنى واجبة، وأن الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير ملك ثابت فيما إذا حلف لا يدخل داره. ومعنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك إيذاناً بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر {وَلاَ يَخْرُجْنَ } بأنفسهن إن أردن ذلك {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قيل: هي الزنا أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن. وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } أي الأحكام المذكورة {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى } أيها المخاطب {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها، والمعنى فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن لعلكم تندمون فتراجعون. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } قاربن آخر العدة {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلاً للعدة عليها وتعذيباً لها {وَأَشْهِدُواْ } يعني عند الرجعة والفرقة جميعاً، وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد {ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ } من المسلمين {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ } لوجهه خالصاً وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر {ذٰلِكُمْ } الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي إنما ينتفع به هؤلاء {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } هذه جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد {يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ مَخْرَجاً } مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ويعطه الخلاص. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ }. أي ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال:«حديث : مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة». تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله»تفسير : فما زال يقرؤها ويعيدها، ورُوي أن عوف بن مالك أسر المشركون ابناً له فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال:«حديث : ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»تفسير : فقالت: نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان ذلك، فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها فنزلت هذه الآية {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ } يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه {فَهُوَ حَسْبُهُ } كافيه في الدارين {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ } حفص أي منفذ أمره، غيره {بالغٌ أمرَه} أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً } تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل. {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ } رُوي أن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الإقراء فما عدة اللائي لم يحضن؟ فنزلت {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشْهُرٍ } أي فهذا حكمهن. وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس، وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك {وَٱللَّـٰئِي لَمْ يَحِضْنَ } هن الصغائر وتقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذفت الجملة لدلالة المذكور عليها {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } عدتهن {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } والنص يتناول المطلقات والمتوفي عنهم أزواجهن. وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم: عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } ييسر له من أمره ويحلل من عقده بسبب التقوى {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي ما علم من حكم هؤلاء المعتدات {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } من اللوح المحفوظ {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } في العمل بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } ثم بين التقوى في قوله {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل {أَسْكِنُوهُنَّ } وكذا وكذا {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } هي «من» التبعيضية مبعضها محذوف أي أسكنوهن مكاناً من حيث سكنتم أي بعض مكان سكناكم {مّن وُجْدِكُمْ } هو عطف بيان لقوله {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } وتفسير له كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه والوجد: الوسع والطاقة. وقرىء بالحركات الثلاث والمشهور الضم. والنفقة والسكنى واجبتان لكل مطلقة، وعند مالك والشافعي لا نفقة للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبت طلاقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا سكنى لك ولا نفقة»تفسير : وعن عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول«حديث : لها السكنى والنفقة »تفسير : {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } ولا تستعملوا معهن الضرار {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن أو يشغل مكانهن أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج. {وَإِن كُنَّ } أي المطلقات {أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ } ذوات أحمال {فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وفائدة اشتراط الحمل أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفي ذلك الوهم {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولداً من ظئرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية {فَئَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَ} فحكمهن في ذلك حكم الأظآر، ولا يجوز الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن خلافاً للشافعي رحمه الله {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ } أي تشاوروا على التراضي في الأجرة، أو ليأمر بعضكم بعضاً، والخطاب للآباء والأمهات {بِمَعْرُوفٍ } بما يليق بالسنة ويحسن في المروءة فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة. وقوله {لَهُ } أي للأب أي سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لأنه المقدم عليهم فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب وقيل معناه يا أيها النبي قل لأمتك فأضمر القول إذا طلقتم النساء أي إذا أردتم تطليقهن {فطلقوهن لعدتهن} أي لزمان عدتهن وهو الطهر لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها وتحصل في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن فطلقوهن في قبل عدتهن وهذا في المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها نزلت هذه الآية في عبد الله بن عمر كان قد طلق امرأته في حال الحيض (ق) "حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما "أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"" تفسير : زاد في رواية "حديث : كان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم"تفسير : وفي رواية لمسلم "حديث : إنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً" تفسير : ولمسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل عمر وأبو الزبير يسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً فقال "حديث : طلق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعها فردها وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قال ابن عمر وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ". تفسير : (فصل) اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة وكذلك في الطهر الذي جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم وإن شاء طلق قبل أن يمس، والطلاق السني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه وهذا في حق امرأة تلزمها العدة بالأقراء فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي لم تحض أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما جامعها أو طلق التي لم تر الدم لا يكون بدعياً ولا سنة، ولا بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً" تفسير : والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه لا يكون بدعياً لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته قبل أن يعرف حالها ولولا جوازه في جميع الأحوال لأمره أن يتعرف الحال؛ ولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصداً عصى الله تعالى ووقع الطلاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لم يأمره بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في حال الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر وما رواه نافع عن ابن عمر ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فأمر استحباب استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا تكون مراجعته إياها للطلاق كما أنه يكره النكاح للطلاق، ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث عند بعض أهل العلم فلو طلق امرأته في حال الطهر ثلاثاً لا يكون بدعياً وهو قول الشافعي وأحمد وذهب بعضهم إلى أنه بدعة وهو قول مالك وأصحاب الرأي. قوله تعالى: {وأحصوا العدة} أي عدة أقرائها فاحفظوها؛ قيل أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وقيل للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى {واتقوا الله ربكم} أي واخشوا الله ولا تعصوه فيما أمركم به {لا تخرجوهن من بيوتهن} يعني إذا كان المسكن الذي طلقها فيه الزوج له بملك أو إكراء وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكري لها منزلاً غيره ولا يجوز للزوج أن يخرج المرأة من المسكن الذي طلقها فيه {ولا يخرجن} يعني ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض عدتها لحق الله تعالى فإن خرجت لغير ضرورة أثمت فإن وقعت ضرورة بأن خافت هدماً أو غرقاً جاز لها أن تخرج إلى منزل آخر وكذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل أو شراء قطن جاز لها الخروج نهاراً ولا يجوز ليلاً، يدل على ذلك أن رجالاً استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم نستوحش في بيوتنا فأذن لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالة جابر وقد كان طلقها زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها فإذا لزمتها العدة في السفر تعتد في أهلها ذاهبة وراجعة والبدوية تتبوأ حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. وقوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن عباس: الفاحشة المبينة بذاءتها على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقيل أراد بالفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود وقيل معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها والفاحشة النشوز وقيل خروجها قبل انقضاء عدتها فاحشة {وتلك حدود الله} يعني ما ذكر من سنة الطلاق وما بعده من الأحكام {ومن يتعد حدود الله} أي فيطلق لغير السنة أو تجاوز هذه الأحكام {فقد ظلم نفسه} أي ضر نفسه {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} أي يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق الطلقات ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة حتى إذا ندم أمكنه المراجعة. عن محارب بن دثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق" تفسير : وأخرجه أبو داود مرسلاً وله في رواية عنه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق" تفسير : عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير بأس به حرام عليها رائحة الجنة" تفسير : وأخرجه أبو داود والترمذي.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {بالغ أمره} بالإضافة: حفص. الآخرون: بالتنوين والنصب {وجدكم} بكسر الواو: روح. {ندخله} بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل. الوقوف: {العدة} ج تعظيماً لأمر الاتقاء {ربكم} ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف {مبينة} ج {وتلك حدود الله} ط {نفسه} ط {أمراً} ه {لله} ط {الآخر} ط {مخرجاً} لا {لا يحتسب} ط {حسبه} ط {أمره} ط {قدراً} ه {أشهر} لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك {لم يحضن} ط {حملهن} ط {يسراً} ه ط {إليكم} ط {أجراً} ه {عليهن} ط {حملهن} ط {أجورهن} ط {بمعروف} ك {أخرى} ه ط {من سعته} ط {آتاه الله} ط {يسراً} ه {نكراً} ه {خسراً} ه {الألباب} ه ز والوصل ههنا والوقف على {آمنوا} أجوز من العكس {ذكراً} ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء {إلى النور} ط {أبداً} ط {رزقاً} ه {مثلهن} ط {علماً} ه. التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين. وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه صلى الله عليه وسلم وحده ثم قال {إذا طلقتم} على الجمع؟ والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب. وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً. وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة. وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين. ومعنى {إذا طلقتم} إذا أردتم تطليقهن كقوله {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} تفسير : [النحل: 98] واللام في قوله {لعدتهنّ} بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه. وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها. قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها. فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله تعالى {فطلقوهن لعدّتهن} وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء. فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص. وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عمر "حديث : ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها " تفسير : ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل. هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت. أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة. وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة. وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً. ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة. ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه. حديث : وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك تفسير : . قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله تعالى {أية : فلا جناح عليهما فيما أفتدت به} تفسير : [البقرة: 229] ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة. قال جار الله: اللام في قوله {النساء} للجنس وقد علم بقوله {فطلقوهن لعدتهن} أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص. قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة. قوله {وأحصوا العدة} أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص {لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ} يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ. وقوله {إلا أن يأتين} استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ {إلا أن يفحشن عليكم} وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية. قوله {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة. والخطاب في {لا تدري} للنبي صلى الله عليه وسلم على نسق أول السورة أو لكل مكلف {فإذا بلغن أجلهنّ} أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " {وأشهدوا} على الرجعة أو الفرقة و {ذوى عدل منكم} أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن. وعن قتادة: من أحراركم. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث. ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي {ذلكم} الحث على أداء الشهادة لله {يوعظ به من} هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال {ومن يتق الله} فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد {يجعل له مخرجاً} ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج {ويرزقه} من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم"تفسير : {ومن يتق الله} فما زال يقرؤها ويعيدها. حديث : وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة. فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله. ففعل تفسير : ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية. قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة. ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه سبحانه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله {ومن يتق الله} وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها. الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً. الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء. ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة. الثاني {إن الله بالغ أمره} أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب. الثالثة {قد جعل الله لكل شيء قدراً} أي وقتاً ومقداراً. وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض. قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت {واللائي يئسن} فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن. قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية. نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة. والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت {فعدّتهن ثلاثة أشهر} وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى. وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين. والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس. {واللائي لم يحضن} هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه. قوله {وأولات الأحمال} أي النساء الحوامل {أجلهن} بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن {أن يضعن حملهن} هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه. فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ. وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل {أسكنوهن من حيث سكنتم} أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه. والوجد. الوسع والطاقة. قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه. قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة. وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى. وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سكنى لك ولا نفقة. وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة {ولا تضاروهن} بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه. قوله {وإن كن أولات حمل} تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة. هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل. وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها. ثم بين أمر الطفل قائلاً {فإن أرضعن} أي هؤلاء المطلقات {لكم} أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية. وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة. وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار. ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله {وأتمروا} قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً {وإن تعاسرتم} أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع {فسترضع} أي الطفل {له} أي للأب مرضعة {أخرى} وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ. يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم. ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم. ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة. والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع. يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها. ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل {أية : وسيق}تفسير : [الزمر:72] {أية : ونادى} تفسير : [الأعراف: 38] وعلى هذا يكون قوله {أعد الله} تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله {يا أولى الألباب} وجوز جار الله أن يكون {عتت} وما عطف عليه صفة للقرية و {أعد الله} عاملاً في {كأين}. قوله {رسولاً} قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من {ذكراً} لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : [الزخرف: 44] فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله {قد أنزل الله} على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل {ذكراً} في {رسولاً} إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً. قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله {ليخرج} والمعنى ليخرج الله أو الرسول {الذين} عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان. قوله {قد أحسن الله له رزقاً} فيه معنى التعجب والتعظيم. ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله {مثلهن} أي في الخلق لا في العدد. وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها. وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم. وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء. وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به. وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات. ومعنى {تنزل الأمر بينهن} أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب تعالى وتقدس.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَاءَ} أي: إذا أرَدْتُم طلاقَهُنَّ؛ قاله الثعلبيّ وغيره: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وطَلاَقُ النساء حَلُّ عِصْمَتِهِنَّ، وصورَةُ ذلك وتَنْويعِه مِما لا يَخْتَصُّ بالتفسيرِ، ومعنى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: لاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِن، وعبارةُ الثعلبيِّ: أي: لِطُهْرِهِنَّ الذي يُحْصِينَه مِنْ عِدَّتِهِنَّ، وهُو طُهْرٌ لَمْ يجامعْهَا فيه، انتهى، قال * ع *: ومعنى الآيةِ أنْ لاَ يُطَلِّقَ أحَدٌ امرأتَه إلا في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ، وهَذَا على مَذْهَبِ مالكٍ ومن قال بقوله؛ القائلينَ بأن الأَقْرَاءَ عندَهم هي الأطْهَارُ، فَيُطَلِّقُ عَنْدَهم المُطَلِّقُ في طُهْرٍ لم يمسَّ فيه، وتَعْتَدُّ به المرأةُ، ثم تَحِيضُ حَيْضَتَيْنِ تَعْتَدّ بالطهْرِ الذي بَيْنَهُمَا ثُمَّ تُقِيمُ في الطُّهْرِ الثَّالِثِ مُعَتَدَّةً بِهِ، فإذا رأت أوّلَ الحَيْضَةِ الثالثةِ حَلَّتْ، وَمَنْ قَالَ بأنَّ الأَقْرَاءَ: الحَيْضُ وَهُمْ العِرَاقِيُّونَ، قَالَ: {لِعِدَّتِهِنَّ} مَعْنَاهُ أنْ تُطَلَّقَ طَاهِراً فَتَسْتَقْبِلُ بِثَلاَثِ حَيْضٍ كَوامِلٌ فإذَا رَأَتْ الطُّهْرَ بَعْدَ الثالثة، حَلَّتْ، والأَصْلُ في مَنْعَ طَلاَقِ الحَائِضِ حَدِيثِ ابنِ عمرَ، ثم أمر تَعَالى بإحْصَاء العِدَّةِ لِمَا يَلْحَقُ ذلك من أحكام الرَّجْعَةِ والسُّكْنَى، والميراثِ، وغيرُ ذلك، وعبارة الثعلبي: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي: احْفَظُوا عَدَدَ قُرُوئِها الثلاثةِ وَنَحْوَه تفسيرُ ابن العربيّ؛ قال: قوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} معْنَاهُ احْفَظُوا الوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيه الطَّلاَقُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذلكَ من الأحكامِ، انتهى من «أحكامه»، ثم أخبرَ تعالى بأنهنّ أحَقُّ بسكنى بيوتِهن التي طُلِّقْنَ فيها فَنَهَى سبحانَه عن إخراجِهنَّ وعَنْ خُروجِهنّ، وسنةُ ذلك ألا تَبِيتَ عَن بيتِها ولا تَغِيبَ عنهُ نهاراً إلا في ضرورةٍ ومَا لا خَطْبَ لَه من جائِز التصرُّفِ، وذلك لحفظِ النَّسَبِ والتحرُّزِ بالنسَاء، واختُلِفَ في معنى قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فقال الحسن وغيره: ذلك الزِّنَا فَيُخْرَجْنَ للحَدِّ، وقال ابن عباس: ذلك البَذَاءُ عَلَى الأَحْمَاءِ، فَتَخْرُجَ ويَسْقُطَ حَقُّها مِنَ المسكنِ، وتلزم الإقامَة في مسكنٍ تَتَّخِذُه حفظاً للنسبِ، وفي مصحف أبَيٍّ «إلا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ» وعبارةُ الثعلبيّ: عن ابن عباسٍ: «إلا أنْ تَبْذُوَ عَلَى أهْلِهَا فَيَحِلُّ لَهُمْ إخْرَاجُهَا»، انتهى، وهو معنى ما تقدم، وقرأ الجمهور: «مُبَيِّنَة» ـــ بكسر الياءِ ـــ، تقول بَانَ الشيءُ وَبَيَّنَ بمعنًى واحدٍ إلا أن التضعيفَ للمبَالَغَةِ، وقرأ عاصم: «مُبَيَّنة» ـــ بفتح الياءِ ـــ. وقوله سبحانه: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} إشارَةٌ إلى جميع أوامِرِه في هذه الآيةِ. وقوله تعالى: {لا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قال قتادة وغيره: يريد به الرَّجْعَةَ، أي: أحْصُوا العدةَ وامْتَثِلُوا مَا أُمِرْتُمْ به تَجِدُوا المُخَلِّصَ إن ندمتم؛ فإنكم لا تدرونَ لعلّ الرَّجْعَةَ تكونُ بَعْدُ. وقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يريدُ به آخر القروء، {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وهُو حُسْنُ العِشْرَةِ، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [وهُو] أداء جَميعِ الحقوقِ، والوَفاءُ بالشُّروطِ حَسَبَ نَازِلَةٍ نَازِلَةٍ، وعبارة الثعلبي: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: أشْرَفْنَ على انْقِضَاء عدتهن، انتهى وهو حسن. وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مِّنْكُمْ} يريدُ: على الرَّجْعَةِ وذلك شَرْطٌ في صحة الرَّجْعَةِ، وتَمْنَعُ المرأةُ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا حَتّى يُشْهِدَ، وقال ابن عباس: عَلَى الرَّجْعَةِ والطلاقِ مَعَاً، قال النخعي: العَدْلُ مَنْ لم تظهرْ منه رِيبة، والعدلُ حَقِيقَة الذي لا يخاف إلا اللَّهَ. وقوله سبحانه: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ} أمْرٌ للشهودِ. وقوله: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ} إشارةٌ إلى إقامة الشهادةِ؛ وذلك أنّ فُصُولَ الأَحْكَامِ تدور على إقامة الشهادةِ. وقوله سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} قال بعض رواة الآثار، حديث : نزلتْ هذه الآيةُ في عَوْفِ بن مالك الأشجعي؛ أُسِرَ ولدُه وقُدِرَ عليه رزقُه، فَشَكَا ذلكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَه بالتَّقْوَى، فلم يلبثْ أن تَفَلَّتَ ولدُه وأخَذَ قطيعَ غَنَمٍ للقومِ الذين أسَرُوه، فَسَأَلَ عَوْف النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ؟ فقال: نَعَمْ، قال أبو عمر بن عبد البر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «أبى اللَّهُ ـــ عَزَّ وَجَلَّ ـــ أنْ يَجْعَلَ أرْزَاقَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ إلاَّ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُونَ» تفسير : وقال ـــ عليه السلام ـــ لابن مسعود: «حديث : لاَ يَكْثَرْ هَمُّكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ؛ مَا يُقَدَّرْ يَكُنْ وَمَا تُرْزَقْ يأتِيكَ»تفسير : ، وعنه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ «حديث : اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة»تفسير : ، انتهى من كتابه المسمى بـ«بهجة المجالس وأنس المجالس». وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ. وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ} بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ؛ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ؛ قاله مسروق؛ فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}. قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}تفسير : [التغابن: 18]، وفي أول هذه السورة أشار إلى كمال علمه بمصالح النِّساء، والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بيّن ذلك الكلي بهذه الجزئيات. فصل في هذا الخطاب. وهذا الخطاب فيه أوجه: أحدهما: أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع تعظيماً له؛ كقوله: [الطويل] شعر : 4780 - فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْداً تفسير : الثاني: أنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، كقوله: [الطويل] شعر : 4781 -............................. إذَا أنْجَلَتْهُ رِجْلُهَا................... تفسير : أي: ويدها. كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81]، أي: والبرد. الثالث: أنه خطاب لأمته فقط بعد ندائه - عليه الصَّلاة والسلام - وهو من تلوين الخطاب، خاطب أمته بعد أن خاطبه. الرابع: أنه على إضمار قول، أي: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء. قال القرطبي: قيل: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب، وذلك لغة فصيحة، كقوله: {أية : إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس: 22]، والتقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: {يا أيها الرسول}. قال القرطبي: ويدلّ على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية. روى أبو داود: أنها طُلِّقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلَّقة عدّة، فأنزل الله - تعالى - العِدّة للطلاق حين طُلقت أسماء، فكانت أولَّ من أُنزل فيها العدة للطلاق. الخامس: قال الزمخشري: "خصّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعمّ بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لترؤسه" في كلامٍ حسنٍ. وهذا هو معنى القول الثالث المتقدم. قال القرطبي: وقيل: المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً له، ثم ابتدأ: {إذا طلّقتم النساء}، كقوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ}تفسير : [المائدة: 90] الآية فذكر المؤمنين تكريماً لهم، ثم افتتح فقال: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ}تفسير : [المائدة: 90] الآية. وقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ} أي: إذا أردتم، كقوله: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة: 6] {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النحل: 98]. وتقدم تحقيقه. فصل في طلاق النبي صلى الله عليه وسلم روى ابن ماجة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّق حفصة ثم راجعها. وعن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة - رضي الله عنها - فأتَتْ أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، وقيل له: راجعها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره القشيري والماوردي والثعلبي. زاد القُشيريّ: ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ}. وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت الآية. وقال السُّديُّ: نزلت في عبد الله بن عمر، طلق امرأته حائضاً تطليقة واحدة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن أراد أن يطلقها فليطلِّقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدَّة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء. وقد قيل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت الآية فيهم. قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن صحيحاً فالقول الأول أمثل وأصح، والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. فصل في الطلاق روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ مِنْ أبْغَضِ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ ". تفسير : وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تَزَوَّجُوا ولا تُطَلِّقُوا، فإنَّ الطَّلاقَ يَهْتَزُّ مِنْه العَرْشُ ". تفسير : وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُطلِّقُوا النِّساءَ إلاَّ من ريبَةٍ فإنَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ - لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ ولا الذواقات ". تفسير : وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا حَلَفَ بالطَّلاقِ ولا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلاَّ مُنَافِقٌ"تفسير : . أسنده الثعلبي. وروى الدارقطني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَا مُعَاذُ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالَى شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أحَبُّ إليْهِ مِنَ العِتَاقِ، ولا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئاً أبْغَضَ إِليْهِ من الطَّلاقِ، فإذَا قَالَ الرَّجُلُ لمَمْلُوكَهِ: أنتَ حُرٌّ - إن شَاءَ اللَّهُ - فَهُو حُرٌّ ولا اسْتِثْنَاءَ لَهُ، وإذَا قَالَ الرَّجلُ لامْرأتِهِ: أنت طَالِقٌ إن شَاءَ الله فَلهُ اسْتِثْنَاؤهُ، ولا طَلاقَ عَلَيْهِ ". تفسير : وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا أحَلَّ اللَّهُ شَيْئاً أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ، فَمَن طلَّقَ واسْتَثْنَى فَله ثنياه ". تفسير : قال ابن المنذر: واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق: فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس. قال حماد الكوفي: والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. فصل في وجوه الطلاق روى الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: الطلاق على أربعة وجوه وجهان حلالان، ووجهان حرامان. فأما الحلال، فأن يطلقها [طاهراً] من غير جماع، وأن يطلّقها حاملاً متبيناً حملها، وأما الحرام فأن يطلقها حائضاً، وأن يطلقها حين يجامعها لا يدري أشْتَمَلَ الرَّحمُ على ولدٍ أمْ لاَ. واعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطُّهر الذي جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإن شَاءَ طلَّق قَبْلَ أن يمضي ". تفسير : وطلاق السُّنة: أن يُطلِّقها في طُهْرٍ لم يجامعها فيه، وهذا في حقِّ المرأة يلزمها العدة بالأقراء. وأما طلاق غير المدخول بها في حيضها، أو الصغيرة التي لم تحض، والآيسة بعدما جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيًّا ولا سنيًّا لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ثُمَّ ليُطلِّقْهَا طَاهِراً أو حَاملاً ". تفسير : والخُلْع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه فلا يكون بدعياً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لاستفسره. قوله: {لِعِدَّتِهِنَّ}. قال الزمخشري: "مستقبلات لعدتهن"، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي: مستقبلاً لها، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من قبل عدتهن} انتهى. وناقشه أبو حيان في تقدير الحال التي تعلق بها الجار كوناً خاصًّا. وقال: "الجار إذا وقع حالاً إنما يتعلق بكون مطلق". وفي مناقشته نظر، لأن الزمخشري لم يجعل الجار حالاً، بل جعله متعلقاً بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام. وقال أبو البقاء: "لعدَّتهنَّ" أي: عندما يعتد لهن به، وهن في قبل الطهر. وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب. وقال أبو حيان: "هو على حذف مضاف، أي: لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت، نحو: لقيته لليلة بقيت من شهر كذا" انتهى. فعلى هذا تتعلق اللام بـ"طلقوهن". وقال الجرجاني: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} صفة للطَّلاق. كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة؟ للإضافة، وهي أصلها، أو لبيان السبب والعلة، كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 9]. أو بمعنى "عند" كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء: 78] أي: عنده. وبمنزلة "في" كقوله تعالى: {أية : أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}تفسير : [الحشر: 2]، أي: في أول الحشر. وهي في هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى: فطلقوهن في عدتهن، أي: في الزمان الذي يصلح لعدتهن. فصل في قوله: لعدتهن قال القرطبي: قوله: "لعدَّتِهِنَّ" يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن الأزواج، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}تفسير : [الأحزاب: 49] وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع منه، وفي الطهر مأذون فيه، وهذا يدل على أن القرء هو الطهر. فإن قيل: معنى قوله: "فطَلِّقُوهُنَّ لعِدَّتِهِنَّ" أي: في قُبُل عدتهن، أو لقبل عدتهن وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عمر، فقبول العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحَيْض؟. قيل: هذا هو الدليل الواضح لمن قال: بأن الأقْراءَ هي الأطْهَار، ولو كان كما قال الحنفي، ومن تابعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقاً لقبل الحيض لأن الحيض لم يُقْبِل بعد، وأيضاً إقبال الحيض يكون بدخول الحيض، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض، ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطراً قبل انقضاء النهار ثُمَّ إذا طلق في آخر الطهر فبقيّة الطهر قرء، ولأن بعض القرء يسمى قرءاً، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}تفسير : [البقرة: 197]، يعني شوال وذو القعدة وذو الحجة، وكقوله: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [البقرة: 203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقال البغوي: معنى قوله "لِعدَّتهِنَّ" أي: لطهرهن الذي يحضنه من عدتهن، وكان ابن عبَّاس وابن عمر يقرآن: (فطلقوهن في قبل عدتهن)، والآية نزلت في عبد الله بن عمر. فصل في الطلاق في الحيض من طلق في طهر جامع فيه أو حائضاً نفذ طلاقه، وأخطأ السُّنة. وقال سعيد بن المسيب في آخرين: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة، وإليه ذهبت الشيعة. فصل في طلاق السنة قال عبد الله بن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها في كل طُهْر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك، فتلك العدّة التي أمر الله بها. قال القرطبي: قال علماؤنا: طلاق السُّنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض طاهراً، لم يمسّها في ذلك الطُّهر، ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض، وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمرو. وقال الشافعي: طلاق السُّنة: أن يطلقها في كل طُهْرٍ خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طُهْر لم يكن بدعة. قال ابن العربي: "وهذه غفلة عن الحديث الصحيح، فإنه قال فيه: "حديث : مُرةُ فَليُرَاجِعْهَا"تفسير : وهذا يدفع الثلاث". وفي الحديث أنه قال: "حديث : "أرَأيْتَ لَوْ طَلقَّهَا ثلاثاً"؟ قَال: "حَرُمَتْ عليْكَ، وكَانَتْ مِنكَ بِمَعْصيَةٍ" ". تفسير : وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحد سواء. وهو مذهب الشافعي. لولا قوله بعد ذلك: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1]، وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية، وبذلك قال أكثر العلماء. قال القرطبي: وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية، ولكن الحديث فسرها، وأما قول الشعبي فمردود بحديث ابن عمر. واحتج الشافعي بأن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة عاب ذلك عليه. وأن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه. وبحديث عويمر العجلاني، لما لاعن، قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاثة، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فصل في نزول العدة للطلاق روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أنها طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكُن للمطلقة عدة فأنزل الله - تعالى - حين طلقت أسماء العدّة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. قوله: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ}. يعني في المدخول بها، أي: احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق. قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعة أمر النفقة والسكن. وفي المخاطب الإحصاء أقوال. أحدها: أنهم الأزواج. والثاني: هم الزوجات. والثالث: هم المسلمون. قال ابن العربي: والصحيح أنهم الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من "طَلَّقتُمْ"، و"أحْصُوا العِدَّة" و"لا تُخْرجُوهُنَّ" على نظام واحد، فرجع إلى الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق، لأن الزوج يُحْصِي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، وهذه أمور كلها مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك وكذلك الحاكم يفتقر إلى إحصاء العدة للفَتْوَى عليها، وفصل الخصومة عند المنازعة، وهذه فوائد الأمر بإحصاء العدّة. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ}. أي: لا تعصوه. {لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ}. أي: ليس للزَّوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدّة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثِمَتْ، ولا تنقطع العدّة. فإن قيل: ما الحِكمةُ في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} ولم يقتصر على قوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}؟. فالجواب: إن في هذا من المبالغة ما ليس في ذاك، فإن لفظ الرَّبِّ يفهم منه التربية، وينبه على كثرة الإنعام بوجوه كثيرة، فيبالغون في التَّقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك التربية. فصل في الرجعية والمبتوتة. والرجعية والمبتوتة في هذا سواء، وذلك لصيانة ماء الرجل، وهذا معنى إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ}تفسير : [الأحزاب: 24]، وقوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}تفسير : [الأحزاب: 33] فهو إضافة إسكان لا إضافة تمليك، وقوله {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ} يقتضي أن يكون حقًّا على الأزواج، وقوله: {ولا يخرجن} يقتضي أنه حق على الزوجات، فلا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها، فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت، فإن وقعت ضرورة أو خافت هدماً أو غرقاً، فلها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غَزْل أو شراء قطن، فيجوز لها الخروج نهاراً ولا يجوز ليلاً؛ فإن رجالاً استشهدوا بـ"أحد"، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فإذِنَ لهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت الليل تأوي كل امرأة إلى بيتها. وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر لما طلقها زوجها أن تخرج لجداد نخلها. وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية، والبدوية تَنْتَوي حيث يَنْتَوي أهلها في العدة، لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وهذا مردود بحديث فاطمة بنت قيس "حديث : لما قدمت أرسل زوجها أبو حفص بن عمرو بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأرسل إليها وكيله بشير فسخطته، فقال لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما، فقال: لا نفقة لك"تفسير : وفي رواية: "حديث : ولاَ سَكَنَ"تفسير : فاستأذنت في الانتقال، فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فلما انقضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته، فقال مروان: لم نسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصْمَةِ التي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ}، قالت: هذا لما كانت له رجعة، لقوله: {لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً}، فأي أمر يحدث بعد الثَّلاث؟ فكيف تقولون: "لا نَفقَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ حامِلاً، فعلام تَحبسُونهَا" لفظ مسلم. فبين أن الآية في تحريم الإخراج، والخروج إنما هو في الرجعية. فاستدلّت فاطمة أن الآية إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها فكانت تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما البائن فليس له شيء في ذلك، فيجوز أن تخرج إذا دعتها لذلك حاجة. قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ}. قال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، والشعبي، ومجاهد: هو الزِّنا، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس أيضاً: أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها. وعن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها النبي - عليه الصلاة والسلام - أن تنتقل. وفي كتاب أبي داود، قال سعيد: تلك امرأة فتنت النَّاس، إنها كانت لسنةً فوضعت على يدي أم مكتوم الأعمى. قال عكرمة: في مصحف أبيٍّ (إلا أن يفحشن عليْكم). ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روي أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتَّقي الله، فإنك تعلمين لم أخرجت. وعن ابن عبَّاس أيضاً: أن الفاحشة كل معصية كالزِّنا والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار الطبري. وعن ابن عباس أيضاً والسدي: "الفاحشة خروجها من بيتها في العدة". وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة لخروجهن من بيوتهن بغير حق، أي: لو خرجت كانت عاصية. وقال قتادة: "الفاحشة" النشوز، وذلك أن يطلقها على النُّشوز، فتتحول عن بيته. وقال ابن العربي: أما من قال: إنه الخروج للزنا، فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القَتْل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال: إنه البذاء، فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس، وأما من قال: إنه كل معصية فوهم، لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج، وأما من قال: إنه الخروج بغير حقًّ فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدِّياً. قوله: {مُّبَيِّنَةٍ}. قرىء: بكسر الياء. ومعناه: أن الفاحشة إذا تفكَّرت فيها تبين أنها فاحشة. وقرىء: بفتح الياء المشددة. والمعنى: أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحُجَجِ. قوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ}. أي: هذه الأحكام المبينة أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوزها فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك. قوله: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. الأمر الذي يحدث الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليها فيراجعها. وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام: التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد للرجعة سبيلاً. وقال مقاتل: "بعد ذلك" أي بعد طلقة أو طلقتين "أمراً" أي: المراجعة من غير خلاف. قوله: {لَعَلَّ ٱللَّهَ}. هذه الجملة مستأنفة، لا تعلُّق لها بما قبلها، لأن النحاة لم يعدوها في المعلقات. وقد جعلها أبو حيَّان مما ينبغي أن يعد فيهن، وقرر ذلك في قوله: {أية : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 111]. فهناك يطلب تحريره.
البقاعي
تفسير : لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز حكيم مع تمام العلم وشمول القدرة، بعد التحذير من النساء بالعداوة، وكانت العداوة تجر إلى الفراق، افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام التقوى، وأعلى الخطاب جداً بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيهاً على عظمة الأحكام الواردة في هذه السورة فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية الرغبة فقال: {يا أيها النبي} مخصصاً له صلى الله عليه وسلم، ذاكراً الوصف الذي هو سبب التلقي لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم. ولما علم من الإقبال عليه صلى الله عليه وسلم عظمة الحكمة، ومن التعبير في النداء بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جداً أن الذي هو أقرب أهل الحضرة غير مقصود بها من كل وجه، وأن القصد التنبيه لجلالة هذه الأحكام، وبذل الجهد في تفهيمها والعمل بها، فلذا أقبل على الأمة حين انتبهوا وألقوا أسماعهم، فقال معبراً بأداة التحقق لأنه من أعظم مواضعها: {إذا طلقتم} وعلم من ذلك عموم الحكم له صلى الله عليه وسلم لكن لما كان للإنسان مع نسائه حالان أحدهما المشاححة، كان غيره أولى بالخطاب فيه، وثانيهما الجود والمصالحة بالحلم والعفو، فكان هو صلى الله عليه وسلم أولى بذلك فجاءت له سورة التحريم {النساء} أي أردتم طلاق هذا النوع واحدة منه فأكثر {فطلقوهن} أي إن شئم مطلق طلاق ثلاثاً أو دونها، وكلما قل كان أحب بدليل ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة {لعدتهن} أي في وقت أو عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها، وهو الطهر الذي لم يجامع فيه إن كانت مدخولاً بها، ذلك معنى قراءة ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم "في قبل عدتهن" فهذا طلاق السنة وغيره طلاق البدعة، فإن الطلاق في الحيض تطويل للعدة لأنه غير محسوب، ولا بد أن يكون الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا جومعت ربما حملت فطالت العدة، وهذه اللام للوقت مثلها في "كتب هذا لخمس بقين من شهر كذا" واختير التعبير بها لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه كالعلة الحاملة على متعلقها، فصار كأنه قيل: طلقوا لأجل العدة وإذا كان لأجلها علم أن المراد تخفيفها على المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على اليسر، وذلك دال على أن العدة بالأسهار، وأن الطلاق في الحيض حرام لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم للفساد، وقد بين ذلك كله"حديث : حديث ابن عمر رضي الله عنهما في طلاقه زوجته في الحيض الذي كان سبب النزول، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس"تفسير : وعلم أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول بها والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وكذا للخالعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس رضي الله عنه في الخلع من غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن تشاجر وتساؤل من المرأة، ويقع الطلاق البدعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر رضي الله عنهما بالمراجعة منه، ويأثم به بعد العلم، ولو طلق في الحيض وراجع جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل المجامعة، والأمر بالإمساك إلى كمال الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا يكون في صورة من راجع للطلاق، ولا بدعة في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إليه في الآية ولا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي هو سببها، نعم قد يدعي ذلك في آية البقرة في قوله تعالى:{أية : الطلاق مرتان}تفسير : [البقرة: 229] و"حديث : الطلاق أبغض الحلال إلى الله"تفسير : كما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما فأبغضه إليه أنهاه"حديث : وما حلف به ولا استحلف إلا منافق"تفسير : كما في الفردوس عن أنس رضي الله عنه. ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديداً لما فيها من الحكم بالتأني لاحتمال الندم وبالظن لبراءة الرحم احتياطاً للأنساب وبقطع المنازعات والمشاجرات المفضية إلى ذهاب الأموال والارواح، وقد أفهمه التعبير باللام، صرح به بصيغة الأمر فقال: {وأحصوا} أي اضبطوا ضبطاً كأنه في إتقانه محسوس بعد الحصي {العدة} لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر به ليعرف زمان النفقة والرجعة والسكنى وحل النكاح لأخت المطلقة مثلاً ونحو ذلك من الفوائد الجليلة. ولما كان الطلاق على غير هذا الوجه حراماً للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة قبل الانقضاء، أمر بمجانبة ذلك كله بقوله: {واتقوا} أي في ذلك {الله} أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر لذاته في الزمن والإحصاء لأن في ذلك ما هو حقه {ربكم} أي لإحسانه في تربيتكم في حملكم على الحنيفية السمحة ودفع جميع الآصار عنكم. ولما أمر بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله: {لا تخرجوهن} أي أيها الرجال في حال العدة {من بيوتهن} أي المساكن التي وقع وهي سكنهن، وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة كاستحقاق المالك، ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له، فليس من المروءة إظهار الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش الزوج في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله: {ولا يخرجن} أي بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره، فعلم من ذلك تحتم استكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج، وتخرج لضرورة بيع الغزل وجذاذ النخل ونحوه. ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز له إخراجها كارهة، ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك أنهما لو اتفقا جاز لأن ذلك خارج عن المنهي، استثنى من كلا شقي المنهي عنه بقوله. {إلآ أن يأتين} أي جنس المطلقات الصادق بواحدة وأكثر {بفاحشة} أي خصلة محرمة شديدة القباحة {مبينة} أي ظاهرة في نفسها ظهوراً بيناً عند كل من أريد بيانها له، وذلك كالبذاءة منها على الزوج أو أقاربه فإنه كالنشوز يسقط حقها من السكنى، فيجوز له إخراجها لقطع الشر، وهو معنى قراءة أبي رضي الله عنه: إلا أن يفحشن عليكم، وكالزنا فتخرج بنفسها ويخرجها غيرها من الزوج وغيره لإقامة الحد عليها وغير ذلك من الفواحش كما أنه يطلقها للنشوز فإنه لا سكنى لها حينئذ. ولما كان التقدير: هذه أحكام هذا الفرع، عطف عليه تعظيماً لها قوله تعالى: {وتلك} أي الأحكام العالية جداً بما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيره {حدود الله} أي الملك الأعظم الذي هو نور السماوات والأرض. ولما كان التقدير: فمن تحاماها فقد أنصف نفسه بأخذه النور المبين، عطف عليه قوله: {ومن يتعد} أي يقع منه في وقت من الأوقات أنه يتعمد أن يعدو {حدود الله} أي الملك الأعظم {فقد ظلم نفسه} بأن مشاها في الظلام فصارت تضع الأشياء في غير مواضعها، فصار بمعرض الهلاك بالعقاب كما أن الماشي في الظلام معرض للوقوع في حفرة والدوس على شوكة أو حية أو عقرب أو سبع، أو لأن ينفرد بقاطع، أو أن يضل عن الطريق إلى مهالك لا يمكن النجاة منها، ومثال ذلك الحكيم إذا وصف دواء بقانون معلوم في وقت محدود ومكان مخصوص فخولف لم يضر المخالف ذلك الحكيم وإنما ضر نفسه. ولما كان له الخلق جميعاً تحت أوامره سبحانه مع أنها كلها خير لا شر فيه بوجه إسرار وإغوار، لا تدرك ولا تحصى، وقد يظهر بعضها لسان الحدثان بيد القدرة، وكان متعديها ظالماً وكان من أقرب ظلمه وأبينه الإيقاع في مهاوي العشق، فسره سبحانه بقوله مبيناً عظمته بخطاب الإعلاء: {لا تدري} أي يا أيها النبي الكريم ما يكون عن ذلك من الأمور التي يحدثها الله لتشير على المطلق بشيء مما يصلحه فغيرك من باب الأولى. ولما نفى عنه العلم المغيب لاختصاصه سبحانه به وحذف المتعلق إعراقاً في التعميم، وكان كل أحد فيما يحدث له من الأمور ما بين رجاء وإشفاق، عبر عن ذلك بأداة صالحة لها فقال: {لعل الله} أي الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور {يحدث} أي يوجد شيئاً حادثاً لم يكن إيجاداً ثابتاً لا يقدر الخلق على التسبب في زواله فيكون مستغرقاً لزمان العمر كما أشار إليه نزع الخافض في قوله تعالى: {بعد ذلك} أي الحادث من الإشارة بالضرار بالإخراج أو تطويل العدة أو غير ذلك {أمراً *} أي من الأمور المهمة كالرغبة المفرطة في الزوجة فلا يتأتى ذلك إما بأن كان الضرار بالطلاق الثلاث أو بأن كانت من ذوي الأنفة فأثرت فيها الإساءة وفيمن ينتصر لها فمنعت نفسها منه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}تفسير : [المنافقين: 9] وقوله في التغابن:{أية : إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم}تفسير : [التغابن: 14] وقوله تعالى{أية : إنما أموالكم وأولادكم فتنة}تفسير : [التغابن: 15] والمؤمن قد يعرض له ما يضطره إلى فراق من نبه على فتنته وعظيم محنته، وردت هذه السورة منبهة على كيفية الحكم في هذا الافتراق، وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ونار هذه الفتنة، إن اضطرمت لا توجب التبرؤ بالجملة وقطع المعروف {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} [الطلاق: 1] ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله:{أية : أو تسريح بإحسان}تفسير : [البقرة: 229] وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به، فهذا الرفق المطلوب بإيقاع الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيراً من إيقاع الطلاق في الحيض الموجب تطويل العدة وتكثير المدة، وأكد هذا سبحانه بقوله {واتقوا الله ربكم} [الطلاق: 1] ثم نبه سبحانه على حقهن أيام العدة من الإبقاء في مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] إلى ما استمرت عليه السورة من بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله. ولما كان الأولاد إذا ظهر منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف المرأة، لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق في هذا الموضع - والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} فقيل له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من أزواجك في الجنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قال: في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} إلى قوله: {يحدث بعد ذلك أمراً} قال: فراجعها. وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال:حديث : طلق عبد بن يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون كذا من كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها ففعل، فقال لأبي ركانة: ارتجعها فقال: يا رسول الله إني طلقتها. قال: قد علمت ذلك فارتجعها تفسير : ، فنزلت {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} قال: الذهبي إسناده واهٍ، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإِسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا في قوله: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} إنها نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الزبير حديث : عن ابن عمر أنه طلق امرأته، وهي حائض، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق عمر، فذكر ذلك له فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم يطلقها إن بدا لهتفسير : ، فأنزل الله عند ذلك "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن" قال أبو الزبير: هكذا سمعت ابن عمر يقرأها. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه حديث : عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "فطلقوهن في قبل عدتهن". وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ "فطلقوهن لقبل عدتهن". وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن مجاهد أنه كان يقرأ "فطلقوهن لقبل عدتهن". وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم {فطلقوهن لعدتهن} قال: طاهراً من غير جماع. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر {فطلقوهن لعدتهن} قال: في الطهر في غير جماع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود {فطلقوهن لعدتهن} قال: الطهر في غير جماع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فطلقوهن لعدتهن} قال: طاهراً من غير جماع. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقل أحدكم لامرأته قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {فطلقوهن لعدتهن} قال: طهرهن، وفي لفظ قال: طاهراً في غير جماع. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {فطلقوهن لعدتهن} قال: العدة أن يطلقها طاهراً من غير جماع، فأما الرجل يخالط امرأته، حتى إذا أقلع عنها طلقها عند ذلك فلا يدري أحاملاً هي أم غير حامل، فإن ذلك لا يصلح. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن مجاهد رضي الله عنه قال: سأل ابن عباس يوماً رجل فقال: يا أبا عباس إني طلقت امرأتي ثلاثاً، فقال ابن عباس: عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك ولم تتق الله ليجعل لك مخرجاً، يطلق أحدكم، ثم يقول: يا أبا عباس، قال الله: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن" وهكذا كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {فطلقوهن لعدتهن} قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإذا أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين، كما قال الله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه واحدة وهي أملك بنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره. وأخرج عبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} قال: طلاق العدة أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن مردويه عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال: عصيت ربك، من يتق الله يجعل له مخرجاً ثم تلا "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن". قوله تعالى: {وأحصوا العدة} . أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه {وأحصوا العدة} قال: الطلاق طاهراً في غير جماع. أخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه أن شريحاً طلق امرأته واحدة، ثم سكت عنها حتى انقضت العدة، ثم أتاها فاستأذن، ففزعت فدخل، فقال: "إني أردت أن يطاع الله {لا تخرجوهن من بيوتهن} ولا يخرجن". وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن شريحاً، طلق امرأته وأشهد، وقال للشاهدين: اكتما عليَّ فكتما عليه حتى انقضت العدة ثم أخبرها، فنقلت متاعها، فقال شريح: إني كرهت أن تأثم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه قال: المطلقة والمتوفى عنها زوجها يخرجان بالنهار ولا يبيتان ليلة تامة عن بيوتهما. وأخرج عبد بن حميد عن عامر رضي الله عنه قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها، فاعتدّت عند عمها عمرو ابن أم مكتوم. وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم؛ الأعمى، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها، وقال عروة: إن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس. وأخرج ابن مردويه عن أبي إسحق قال: كنت جالساً مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي فحدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه ثم قال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت له السكنى والنفقة، قال الله: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} . وأخرج عبد الرزاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "حديث : أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع عليّ إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت مع طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فاستقلتها فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أمرها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نفقة لك فاستأذنيه في الانتقال" فأذن لها، فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك فحدثته فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله عز وجل: {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} حتى بلغ {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فكيف يقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين كما قال الله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} عند الطلاق وعند المراجعة فإن راجعها فهي عنده على طلقتين أو إن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت عدتها منه بواحدة، وهي أملك لنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الطلاق على أربعة منازل: منزلان حلال، ومنزلان حرام، فأما الحرام فأن يطلقها حين يجامعها ولا يدري اشتمل الرحم على شيء أو لا، وأن يطلقها وهي حائض، وأما الحلال فأن يطلقها لأقرائها طاهراً عن غير جماع وأن يطلقها مستبيناً حملها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها الفاحشة المبينة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: الزنا. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: إلا أن يزنين. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: إلا أن تصيب حداً فتخرج، فيقام عليها. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد رضي الله عنه {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: لو كان الزنا كما تقولون أخرجت فرجمت، كان ابن عباس يقول: "إلا أن يفحشن" قال: وهو النشوز. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الفاحشة المبينة السوء في الخلق. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: بفحش لو زنت رجمت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {بفاحشة مبينة} قال: هو النشوز، وفي حرف ابن مسعود "إلا أن يفحشن" وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {بفاحشة مبينة} قال: هو النشوز. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قال: إن بدا له أن يُراجعها راجعها في بيتها هو أبعد من قذر الأخلاق وأطوع لله أن تلزم بيتها. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى يحل أجلها، وكانوا يقولون: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} لعله أن يرغب فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قالت: هي الرجعة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، لأنه لا يدري لعله ينكحها، قال: وكانوا يتأولون هذه الآية {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} لعله يرغب فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} لعله يرغب في رجعتها. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك والشعبي رضي الله عنه مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه أن رجلاً سأل عمران ابن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد، قال: بئسما صنع، طلع في بدعة، وارتجع في غير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، وليستغفر الله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {وأقيموا الشهادة لله} قال: إذا أشهدتم على شيء فأقيموه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: "حديث : لا تشهد إلا على مثل الشمس أو دع ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تشهد على شهادة حتى تكون عندك أضوأ من الشمس ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خيركم من كانت عنده شهادة لا يعلمها فتعجلها قبل أن يسألها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قال: مخرجه أن يعلم أنه قبل أمر الله، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه، وفي قوله: {ويرزقه من حيث لا يحتسب} قال: يقول: من حيث لا يدري. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن مسروق مثله. وأخرج عبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن قتادة {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قال: من شبهات الدنيا والكرب عند الموت وإفزاع يوم القيامة، فالزموا تقوى الله فإن منها الرزق من الله في الدنيا والثواب في الآخرة، قال الله: {أية : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}تفسير : [إبراهيم: 7] وقال: ههنا {ويرزقه من حيث لا يحتسب} قال: من حيث لا يؤمل ولا يرجو. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} قال: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {ومن يتق الله يجعله له مخرجاً} قال: "من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة" . تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن عساكر حديث : عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: إن أبانا طلق أمنا ألفاً فهل له من مخرج؟ فقال: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة والباقي أثم في عنقه" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال:حديث : نزلت هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: "اتق الله واصبر" فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له يقال له أبو نعيم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله غيره وأخبره خبرها فنزلت {ومن يتق الله} الآية . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال: حديث : نزلت هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} في رجل من أشجع أصابه جهد وبلاء وكان العدو أسروا ابنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اتق الله واصبر" فرجع ابن له كان أسيراً قد فكه الله، فأتاهم وقد أصاب أعنزاً، فجاء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي لك . تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: حديث : {ومن يتق الله يجعل له} الآية، قال: نزلت هذه الآية في ابن لعوف بن مالك الأشجعي، وكان المشركون أسروه وأوثقوه وأجاعوه، فكتب إلى أبيه أن ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه ما أنا فيه من الضيق والشدة، فلما أخبر رسول صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب إليه وأخبره ومره بالتقوى والتوكل على الله، وأن يقول عند صباحه ومسائه {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] {فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129] فلما ورد عليه الكتاب قرأه فأطلق الله وثاقه، فمر بواديهم التي ترعى فيه إبلهم وغنمهم فاستاقها فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إني اغتلتهم بعد ما أطلق الله وثاقي فحلال هي أم حرام؟ قال: بل هي حلال إذا شئنا خمسناتفسير : ، فأنزل الله {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء} من الشدة والرخاء {قدراً} يعني أجلاً. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من قرأ هذه الآية عند سلطان يخاف غشمه، أو عند موج يخاف الغرق، أوعند سبع لم يضره شيء من ذلك. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله: إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه فما تأمرني؟ قال: "آمرك وإياها أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله" فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} الآية . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق مولى أبي قيس بن مخرمة قال: حديث : جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر ابن عوف، فقال له: "ارسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله" وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها فأقبلها، فإذا بسرح للقوم الذين كانوا أسروه، فصاح بها فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} الآية . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أبي عيينة والبيهقي في الدلائل عنه عن ابن مسعود قال:حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه عوف بن مالك فقال: يا رسول الله إن بني فلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني، وبكى فقال: اسأل الله، فرجع إلى امرأته، فقالت له: ما رد عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخبرها، فلم يلبث الرجل أن رد الله إبله وابنه أوفر ما كان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمرهم بمسئلة الله والرغبة له، وقرأ عليهم {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قال: يكفيه غم الدنيا وهمها. وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: "حديث : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة، ثم قرأ {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا لدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر " تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن إسماعيل البجي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئن انتهيتم عندما تؤمرون لتأكلن غير زارعين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن بالمنذر عن الربيع بن خيثم رضي الله عنه {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قال: من كل شيء ضاق على الناس. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قال: نجاة. وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً شيئاً، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد عن ضرغام بن عليبة بن حرملة العنبري عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: "حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: أوصني قال: اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت منه فسمعتهم يقولون ما يعجبك فائته، فإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: وجدت في كتاب من كتب الله المنزلة أن الله عز وجل يقول: إني مع عبدي المؤمن حين يطيعني أعطيه قبل أن يسألني، واستجيب له قبل أن يدعوني، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض عبدي المؤمن إنه يكره ذلك ويسوءه وأنا أكره أن أسوءه، وليس له منه بد، وما عندي خير له، إن عبدي إذا أطاعني واتبع أمري فلو أجلبت عليه السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع بمن فيهن جعلت له من بين ذلك المخرج، وإنه إذا عصاني ولم يتبع أمري قطعت يديه من أسباب السماء وخسفت به الأرض من تحت قدميه، وتركته في الأهواء لا ينتصر من شيء، إن سلطان الأرض موضوع خامد عندي كما يضع أحدكم سلاحه عنه، لا يقطع سيف إلا بيد، ولا يضرب سوط إلا بيد، لا يصل من ذلك إلى شيء إلا بإذني. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفاري وهو على خراسان أن أمير المؤمنين كتب إليّ أن يصطفى له الصفراء والبيضاء، فلا يقسم بين الناس ذهب ولا فضة، فكتب إليه: بلغني كتابك وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقاً على عبده ثم اتقى الله جعل له مخرجاً والسلام عليك، ثم قال: أيها الناس اغدوا على مالكم، فقسمه بينهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن عائشة رضي الله عنها كتبت إلى معاوية: أوصيك بتقوى الله، فإنك إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً. وأخرج ابن حبان في الضعفاء والبيهقي في شعب الإِيمان والعسكري في الأمثال عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، والتودد نصف الإِيمان، وما عال امرؤ على اقتصاد، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قي قوله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} قال: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من توكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، وفي قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدراً} قال: يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من رضي وقنع وتوكل كفي الطلب ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: إذا توكل عليّ عبدي لو كادته السموات والأرض جعلت له من بين ذلك المخرج. وأخرج عبد الله ابنه في زوائد الزهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى عيسى اجعلني من نفسك لهمك، واجعلني ذخراً لمعادك، وتوكل عليَّ أكفك، ولا تول غيري فأخذذلك. وأخرج أحمد في الزهد عن عمار بن ياسر قال: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً.
ابو السعود
تفسير : مدنية، وآياتُها إحدى عشرة أو اثنتا عشرة {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء} تخصيصُ النداءِ بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مع عُمومِ الخطابِ لأمتِهِ أيضاً لتشريفه عليهِ الصلاةُ والسلامُ وإظهارِ جلالةِ منصبِهِ، وتحقيقِ أنَّه المخاطبُ حقيقةً، ودخولِهِم في الخطابِ بطريقِ استتباعِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إيَّاهُم. وتغليبِهِ عليهِم لاَ لأنَّ نداءَهُ كندائِهِم، فإن ذلكَ الاعتبارَ لو كانَ في حيزِ الرعايةِ لكانَ الخطابُ هو الأحقَّ بهِ لشمولِ حُكمهِ للكلِّ قطعاً والمَعْنَى إذا أردتُم تطليقهنَّ وعزمتُم عليهِ كما في قولِهِ تعالَى: { أية : إِذَا قُمتُم إِلَى ٱلصًّلوٰةَ } تفسير : [سورة المائدة، الآية 6] {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي مستقبلاتٍ لها كقولكَ أتيتُهُ لليلةٍ خلتْ من شهرِ كَذَا فإن المرأةَ إذا طُلقَتْ في طُهرٍ يعقبُهُ القُرْءُ الأولُ من أقرائِهَا فقد طُلقَتْ مستقبلةً لعدتِهَا، والمرادُ أن يُطلَّقنَ في طُهْرٍ لم يقعْ فيهِ جماعٌ ثم يُخلَّينَ حتى تنقضيَ عدتُهنَّ وهَذا أحسنُ الطلاقِ وأدخلُهُ في السنةِ {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} واضبِطُوها وأكملوها ثلاثةَ أقراءٍ كواملَ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} في تطويلِ العدةِ عليهنَّ والإضرارِ بهنَّ. وفي وصفِهِ تعالَى بربوبـيتِهِ لهم تأكيدٌ للأمر ومبالغةٌ في إيجابِ الاتقاءِ {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} من مساكنِهِنَّ عندَ الفراقِ إلى أنْ تنقضيَ عِدتُهُنَّ، وإضافتُهَا إليهنَّ وهيَ لأزواجهنَّ لتأكيدِ النَّهيِ ببـيانِ كمالِ استحقاقهِنَّ لسُكنَاهَا كأنها أملاكهُنَّ {وَلاَ يَخْرُجْنَ} ولو بإذنٍ منكُم فإنَّ الإذنَ بالخروجِ في حُكمِ الإخراجِ، وقيلَ المَعْنَى لا يخرجنَّ باستبدادٍ منهنَّ أما إذَا اتفقَا على الخروجِ جازَ إذِ الحقُّ لا يعدوهُمَا {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ} استثناءٌ من الأولِ قيلَ هيَ الزنا فيخرجنَ لإقامة الحدِّ عليهنَّ وقيلَ إلا أنْ يبذُونَ على الأزواجِ فيحلُّ حينئذٍ إخراجهُنَّ، ويؤيدُهُ قراءةُ إلا أنْ يفحُشْنَ عليكُم أو من الثانِي للمبالغةِ في النَّهيِ عن الخروجِ ببـيانِ أنَّ خروجَهَا فاحشةٌ {وَتِلْكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكرَ من الأحكامِ وما في إسمِ الإشارةِ من مَعْنَى البُعْدِ مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ للإيذانِ بعلوِّ درجتِهَا وبعدِ منزلتِهَا {حُدُودَ ٱللَّهِ} التي عيَّنَهَا لعباده {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} أي حدودَهُ المذكورةَ بأنْ أحلَّ بشيءٍ منها على أنَّ الإظهارَ في حيزِ الإضمارِ لتهويلِ أمرِ التعدِّي، والإشعارِ بعلةِ الحكمِ في قولِهِ تعالَى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي أضرَّ بهَا، وتفسيرُ الظلمِ بتعريضِهَا للعقابِ يأباهُ قولُهُ تعالَى: {لا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} فإنه استئنافٌ مسوقٌ لتعليلِ مضمونِ الشرطيةِ، وقد قالُوا إن الأمرَ الذي يحدثُهُ الله تعالى أنْ يقلبَ قلبَهُ عمَّا فعلَهُ بالتعدِّي إلى خلافِهِ فلا بُدَّ أن يكونَ الظلمُ عبارةً عن ضررٍ دنيويَ يلحقُهُ بسببِ تعدِّيهِ ولا يُمكنُ تدارُكُهُ أو عنْ مُطلقِ الضررِ الشاملِ للدنيويِّ والأُخرويِّ، ويخُصُّ التعليلُ بالدنيويِّ لكونِ احترازِ الناسِ منهُ أشدَّ واهتمامِهِمْ بدفْعِهِ أَقْوَى. وقولُهُ تعالَى: {لا تَدْرِى} خطابٌ للمتعدِّي بطريقِ الالتفاتِ لمزيدِ الاهتمامِ بالزجرِ عن التعدِّي، لا للنبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كما توهِّمَ، فالمَعْنَى ومن يتعدَّ حدودَ الله فقدْ أضرَّ بنفسِهِ فإنكَ لا تدْرِي أيُّها المتعدِّي عاقبَة الأمرِ لعلَّ الله يحدثُ في قلبكَ بعدَ ذلكَ الذي فعلتَ من التعدِّي أمراً يقتضِي خلافَ ما فعلتَهُ فيبدَّل ببغضِهَا محبةً، وبالإعراضِ عنها إقبالاً إليها ويتسنَّى تَلاَفيهِ رجعةً أو استئنافَ نكاحٍ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الآية: 1]. سمعت جدى إسماعيل بن عبد الله يقول: التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر. وقال بعضهم: حدّ الله لك حدودًا فى كل شىء فالزم حدوده وهو ما أظهره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من آداب السنن فمن لزمها هُدِى إلى المعرفة بالله ومن تخطى شيئاً من السنن بحال نزع من قلبه أنوار الإيمان وحرم مقام العارفين.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ...}. الطلاقُ - وإنْ كان فراقاً - فلم يجعله الحقُّ محظوراً... وإن كان من وجهٍ مكروهاً. وللطلاق وقتية: سُنِّية وبِدْعية، ومباحة، لا سنية ولا بدعية؛ فالسنية: أَنْ تطلَّقَ في طُهْرٍ لم تُباشَر فيه طلقةً واحدة، والبدعية: في حال الحيض وطُهْرٍ جُومعت فيه، والمباحة: في طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها - والطلاق أكثر من واحدة. والعِدَّةُ - وإن كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج محاماةً على الأنساب لئلا يدخل على ماء الزوج ماءٌ آخر - فالغالبُ والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة الماضية في وصلة النكاح. والإشارة في الآيات التالية إلى أنه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلَّ من الوفاء مدةً لهذه الصغيرة التي لم تحِضْ، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي انقطع حَيْضُهَا، والحُبْلَى حتى تلد.. كل ذلك مراعاةً للحرمة: وعِدَّةُ الوفاة تشهد على هذه الجملة في كونها أطول؛ لأن حُرْمَة الميت أعظم وكذلك الإمداد في أيام العِدَّة... المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة. قوله جلّ ذكره: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. العبوديةُ: الوقوف عند الحدِّ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومَنْ راعى مع اللَّهِ حَدَّه أخلص اللَّهُ له عَهْدَه... {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. قالوا: أراد نَدَماً، وقيل: وَلَداً، وقيل: مَيْلاً إليها، أولها إليه؛ فإن القلوبَ تتقلب: والإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبرُ مع الأشْكال حقًّا للحرمة المتقدمة فالخلاصُ من مُسَاكنة الأمثال، والتجرُّدُ لعبادة الله تعالى أوْلَى وأحَقُّ.
البقلي
تفسير : {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} خص حبيبه بالخطاب وجمع الكل فى مضمونه لان السيد اذا خاطب السيد خاطب الكل فبان شرفه على الجمهور اذ جمع الجمع فى اسمه وفيه اشارة الاتحاد ومراد الحق سبحانه فى تاديب العباد بتطليق نسائهم فى زمان الظهر اداء وفاء الصحبة ومراعاة ما مضى من زمانى الوصلة والاهتمام بالفرقة قوله تعالى {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ان الله حد الحدود باوامره ونواهيه لنجوة سلاكها فاذا تجاوزوا عن حدوده يسقطون عن طريق الحق ويضلون فى ظلمات البعد وهذا اعظم الظلم على النفوس اذ منعوها من وصولها الى الدرجات والقربات قال اسماعيل بن نجيد التهاون بالامر من قلة المعرفة بالامر.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها النبى اذا طلقتم النساء} التطليق طلاق دادن يعنى عقده نكاح راحل كردن وكشادن. قال فى المفردات اصل الطلاق التخلية من وثاق ويقال اطلقت البعير من عقاله وطلقته وهو طالق وطلق بلا قيد ومنه استعير طلقت المرأة اذا خليتها فهى طالق اى مخلاة عن حبالة النكاح انتهى والطلاق اسم بمعنى التطليق كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم وفى ذلك قالوا المستعمل فى المرأة لفظ التطليق وفى غيرها لفظ الاطلاق حتى لو قال اطلقتك لم يقع الطلاق ما لم ينو ولو قال طلقتك وقع نوى او لم ينو والمعنى اذا اردتم تطليق النساء المدخول بهن المعتدات بالاقرآء وعزمتم عليه بقرينة فطلقوهن فان الشئ لا يترتب على نفسه ولا يؤمر أحد بتحصيل الحاصل ففيه تنزيل المشارف للشئ منزلة الشارع فيه والاظهر انه من ذكر السبب وارادة المسبب وتخصيص الندآء به عليه السلام مع عموم الخطاب لأمته ايضا لتحقيق انه المخاطب حقيقة ودخولهم فى الخطاب بطريق استتباعه عليه السلام اياهم وتغليبه عليهم ففيه تغليب المخاطب على الغائب والمعنى اذا طلقت انت وامتك وفى الكشاف خص النبى بالندآء وعم بالخطاب لان النبى امام امته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان افعلوا كيت وكيت اظهارا التقدمه واعتبارا لترؤسه وانه لسان قومه فكأنه هو وحده فى حكم كلهم لصدورهم عن رأيه كما قال البقلى اذا خاطب السيد بان شرفه على الجمهور اذ جمع الجميع فى اسمه ففيه اشارة الى سر الاتحاد وفى كشف الاسرار فيه اربعة اقوال احدها انه خطاب للرسول وذكر بلفظ الجمع تعظيما كما يخاطب الملوك بلفظ الجمع والثانى انه خطاب له والمراد امته والثالث ان التقدير يا أيها النبى والمؤمنون اذا طلقتم فحذف لان الحكم يدل عليه والرابع معناه يا أيها النبى قل للمؤمنين اذا طلقتم انتهى. يقول الفقير هذا الاخير انسب بالمقام فيكون مثل قوله يا أيها النبى قل لازواجك قل للمؤمنين قل للمؤمنات ولان النبى عليه السلام وان كان اصيلا فى المأمورات كما ان امته اصيل فى المنهيات الا ان الطلاق لما كان ابغض المباحات الى الله تعالى كما سيجيئ كان الاولى أن يسند التطليق الى امته دونه عليه السلام مع انه عليه السلام قد صدر منه التطليق فانه طلق حفصة بنت عمر رضى الله عنهما واحدة فلما نزلت الآية راجعها وكانت علامة كثيرة الحديث قريبا منزلتها من منزلة عائشة رضى الله عنهما فقيل له عليه السلام راجعها فانها صوامة قوامة وانها من نسائك فى الجنة حكاه الطبرى وفى الحديث بيان فضل العلم وحفظ الحديث ومحبة الله الصيام والقيام وكرامة اهلهما عنده تعالى. وآورده اندكه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما زن خودرا درحال حيض طلاق اد حضرت رسالت فرمود تارجوع كندو آنكاه كه از حيض باك شود اكرخواهد طلاق دهدو درين باب آيت آمد. والقول الاول هو الامثل والاصح فيه انه بيان لشرع مبتدأ كما فى حواشى سعدى المفتى {فطلقوهن لعدتهن} العدة مصدر عده يعده وسئل رسول الله عليه السلام متى تكون القيامة قال حديث : اذا تكاملت العدتانتفسير : اى عدة اهل الجنة وعدة اهل النار اى عددهم وسمى الزمان الذى تتربص فيه المرأة عقيب الطلاق او الموت عدة لانها تعد الايام المضروبة عليها وتنتظر أوان الفرج الموعود لها كما فى الاختيار والمعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن متوجهات اليها وهى الحيض عند الحنفية فاللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام والمرأة اذا طلقت فى طهر يعقب القرء الاولى من اقرآئها فقد طلقت مستقبلة عدتها والمراد أن يطلقن فى طهر لم يقع فيه جماع ثم يخلين حتى تنقضى عدتهن وهذا احسن الطلاق وأدخله فى السنة وابعده من الندم لانه ربما ندم فى ارسال الثلاث دفعة فالطلاق السنى هو ان يكون فى طهر لم يجامعها فيه وان يرفق الثلاث فى الاطهار الثلاثة وأن يطلقها حاملا فانها اذا على طهر ممتد فتطليقها حلال وعلى وجه السنة والبدعى على وجوه ايضا منها أن يكون فى طهر جامع فيه لما فيه من تطويل العدة ايضا على قول من يجعل العدة بالاطهار وهو الشافعى حيث ان بقية الطهر لا تحتسب من العدة ومنها ما كان فى الحيض او النفاس لما فيه من تطويل العدة ايضا على قول من يجعل العدة بالحيض وهو ابو حنيفة رحمه الله لان بقية الحيض لا تحتسب الا أن مما لا يلزمها العدة بالإقراء فان طلاقها لا يتقيد بزمان دون زمان ومنها ما كان بجمع الثلاث اى ان يطلقها ثلاثا دفعة او فى طهر واحدة متفرقة ويقع الطلاق المخالف للسنة فى قول عامة الفقهاء وهو مسيئ بل آثم ولذا كان عمر رضى الله عنه لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا الا اوجعه ضربا وطلق رجل امرأته ثلاثا بين يديه عليه السلام فقال حديث : اتلعبون بكتاب الله وانا بين اظهركمتفسير : اى مقيم بينكم وفيه اشارة الى ان ترك الأدب فى حضور الاكابر افحش ينبغى أن يصفع صاحبه اشد الصفع وقال الشافعى اللام فى لعدتهن متعلقة بطلقوهن لانها للتوقيت بمعنى عند أوفى فيكون المعنى فى الوقت الذى يصلح لعدتهن وهو الطهر وقال ابو حنيفة رحمه الله الطلاق فى الحيض ممنوع بالاجماع فلا يمكن جعلها للتوقيت فان قلت قوله اذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الاقرآء واليائسات والصغائر والحوامل فكيف صح تخصيصه بذوات الاقرآء المدخول بهن قلت لا عموم ثمة ولا خصوص ولكن النساء اسم جنس للاناث من الانس وهذه الجنسية معنى قائم فى كلهن وفى بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل فطلقوهن لعدتهن علم انه اطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض فان قلت الطلاق موقوف على النكاح سابقا او لاحقا والنكاح موقوف على الرضى من المنكوحة او من وليها فيلزم أن يكون الطلاق موقوفا على الرضى بالنكاح وهو واقع غير باطل لا موقوفا على الرضى نفسه الى هو الباطل الغير الواقع فتكفر. واعلم ان النكاح والطلاق امران شرعيان من الامور الشرعية العادية لهما حسن موقع وقبح موقع بحسب الاحوال والاوقات وقد طلق عليه السلام حفصة رضى الله عنه تطليقة واحدة رجعية كما سبق وكذا تزوج سودة بنت زمعة بمكة بعد موت خديجة رضى الله عنها وقبل العقد على عائشة رضى الله عنها ثم طلقها بالمدينة حين دخل عليها وهى تبكى على من قتل من اقاربها يوم بدر فاستشفعت الى النبى عليه السلام ووهبت يومها لعائشة فراجعها فان قلت كيف فعل رسول الله ذلك وقد قال حديث : ابغض الحلال الى الله الطلاقتفسير : وقال عليه السلام حديث : يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الارض احب اليه من العتاق ولا خلق الله شيئا ابغض اليه من الطلاقتفسير : وذلك لان النكاح يؤدى الى الوصال والطلاق يؤدى الى الفراق والله يحب الوصال ويبغض الفراق لا شمس ليوم الفراق ولا نهار لليلة القطيعة. رابعه عدويه كفته كه كفر طعم فراق دارد وايمان لذت وصال. وقس عليه الانكار والاقرار. وآن طعم واين لذت فرادى قيامت بديد آيدكه دران صحراى هببت وعرصه سياست قومى را كويند فراق لا وصال وقمى راكويند وصال لا نهاية له شعر : سوختكان فراق همى كويند فراق او ززمانى هزار روز آرد بلاى اوزشبى هم هزار سال كند افروختكان وصال همى كويند سرابرده وصلت كشيد روزنواخت بطبل رحلت برزد فراق يار دوال تفسير : وفى الحديثحديث : تزوجوا ولا تطلقوا فان الطلاق يهتز منه العرشتفسير : وعنه عليه السلام حديث : لا تطلقوا النساء الا من ريبة فان الله لا يحب الذواقين والذواقاتتفسير : وعنه عليه السلام حديث : ايما امرأة سألت زوجها طلاقا فى غير ما باس فحرام عليها رائحة الجنةتفسير : قلت يحتمل أن يكون فى ذلك حكمة لا نطلع عيلها بعد ان علمنا انه عليه السلام نبى حق لا يصدر منه ما هو خلاف الحق وقد دل الحديث الآخر ان النهى انما يكون عما لاوجه فيه وأن يكون لاظهار جواز الطلاق والرجعة منه كما وجهوا بذلك ما وقع من غلبة النوم عليه وعلى اصحابه ليلة التعريس الى أن طلعت الشمس وارتفعت بمقدار فان بذلك علم شرعية القضاء وأن يصلى بالجماعة وأن يصدر منه عليه السلام الاحاديث المذكورة بعد ما وقع قضية حفصة وسودة رضى الله عنهما وان يكون من قبيل ترك الاولى وقد جوزوا ذلك للانبياء عليهم السلام فان قلت لعل ما فعله اولى من وجه وان كان ما امر الله به اولى من وجه آخر قلت لا شك ان ما امر الله به كان ارجح وترك الارجح ترك الاولى هذا ولعل ارجحية المراجعة فى وقت لا تقتضى ارجحية ترك الطلاق على فعله فى وقت آخر لان فى كل وقت احتمال ارجحية امر الله اعلم. يقول الفقير امده الله القدير ان النبى عليه السلام كان قد حبب اليه النساء لما يحب فى النكاح من ذوق القربة والوصلة فالنكاح اشارة الى مقام الجمع الذى هو مقام الاولوية كما دل عليه قوله عليه السلام حديث : أرحنى يا بلالتفسير : والطلاق اشارة الى مقام الفرق الذى هو مقام النبوة كما دل قوله عليه السلام حديث : كلمينى يا حميراءتفسير : فالاول وصل الفصل والثانى فصل الوصل وان كان عليه السلام قد جمع بين الفصل والوصل والفرق والجمع فى مقام واحد وهو جمع الجمع كما دل عليه قوله تعالى {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : {واحصوا العدة} الاحصاء دانستن وشمردن برسبيل استقصاء. اى واضبطوها بحفظ الوقت الذى وقع فيه الطلاق واكملوها ثلاثة اقرآء كوامل لا نقصان فيهن اى ثلاث حيض كما عند الحنفية لان الغرض من العدة استبرآء الرحم وكماله بالحيض الثلاث لا بالاطهار كما يغسل الشئ ثلاث مرات لكمال الطهارة والمخاطب بالاحصاءهم الازواج لا الزوجات ولا المسلمون ولا يلزم تفكيك الضمائر ولكن الزوجات داخلة فيه بالالحاق وقال ابو الليث امرالرجال بحفظ العدة لان فى النساء غفلة فربما لا تحفظ عدتها واليه مال الكاشفى حيث قال وشمار كنيد اى مردان عدت زنانرا كه ايشان ازضبط عاجزند يا ازا حصاى آن غافل. فالزوج يحصى ليتمكن من تفريق الطلاق على الاقرآء اذا أراد أن يطلق ثلاثا فان ارسال الثلاث فى طهر واحد مكروه عند أبى حنيفة واصحابه وان كان لا بأس به عند الشافعى وأتباعه حيث قال لا اعرف فى عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح وليعلم بقاء زمان الرجعة ليراجع ان حدثت له الرغبه فيها وليعلم زمان وجوب الانفاق عليه وانقضائه وليعلم انها هل تستحق عليه أن يسكنها فى البيت اوله أن يخرجها وليتمكن من الحاق نسب ولدها به وقطعه عنه قالوا وعلى الرجال فى بعض المواضع العدة (منها انه اذا كان للرجل اربع نسة فطلق احداهن لا يحل له أن يتزووج بامرأة اخرى ما لم تنقض عدتها ومنها انه اذا كان له امرأة ولها اخت فطلق امرأته لا يحل له أن يتزوج باختها ما دامت فى العدة) ومنها انه اذا اشترى جارية لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة (ومنها انه ان تزوج حربية لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة ومنها انه اذا بلغ المرأة وفاة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الاول فهى امرأته لانها كانت منكوحته ولم يعترض شئ من اسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق ولكن لا يقربها حتى تنقضى عدتها من النكاح الثانى ووجوب العدة لا يتوقف على صحة النكاح اذا وقع الدخول بل تجب العدة فى صورة النكاح الفاسد ايضا على تقدير الدخول) ومنها انه اذا تزوج حربية مهاجرة الى دارا بأمان وتركت زوجها فى دار الحرب فلا تحل له ما لم يستبرئها بحيضة عند الامامين وقال ابو حنيفة لا يجب عليه العدة (ومنها انه اذا تزوج امرأة حاملا لا يحل له ان يطأها حتى تضع الحمل) ومنها انه اذا تزوج بامرأة وهى حائض لا يحل له ان يقربها حتى تتطهر من حيضها ومنها انه اذا تزوج بامرأة نفساء لا يحل له ان يقربها حتى تتطهر من نفاسها ومنها انه اذا زنى بامرأة ثم تزوجها لا يحل له ان يقربها ما لم يستبرئها بحيضة {واتقوا الله ربكم} فى تطويل العدة عليهن والاضرار بهن بايقاع طلاق ثان بعد الرجعة فالامر بالتقوى متعلق بما قبله وفى وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للامر ومبالغة فى ايجاب الاتقاء والتقوى فى الاصل اتخاذ الوقاية وهى ما يقى الانسان مما يكرهه ويؤمل ان يحفظه ويحول بينه وبين ذلك المكروه كالترس ونحوه ثم استعير فى الشرع لاتخاذ ما يقى العبد بوعد الله ولطفه من قهره ويكون سببا لنجاته من المضار الدآئمة وحياته بالمنافع القائمة وللتقوى فضائل كثيرة ومن اتقى الله حق تقواه فى جميع المراتب كوشف بحقائق البيان فلا يقع له فى الاشياء شك ولا ريب {لا تخرجوهن} بيرون كنيد زنان مطلقه {من بيوتهن} من مساكنهن التى يسكنها قبل العدة اى لا تخرجوهن من مساكنكم عند الفراق الى ان تنقضى عدتهن وانما اضيفت اليهن مع انها لا زواجهن لتأكيد النهى ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها املاكهن وفى ذكر البيوت دون الدار اشارة الى ان اللازم على الزوج فى سكناهن ما تحصل المعيشة فيه لان الدار ما يشتمل البيوت {ولا يخرجن} ولو باذن منكم فان الاذن بالخروج فى حكم الاخراج ولا اثر عندنا لاتفاقهما على الانتقال لان وجوب ملازمة مسكن الفراق حق الشرع ولا يسقط باسقاط العبد كما قال فى الكشاف فان قلت ما معنى الاخراج وخروجهن قلت معنى الاخراج اى لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن او لحاجة لهم الى المساكن وان لا يأذنوا لهن فى الخروج اذا طلبن ذلك ايذانا بأن اذنهم لا اثر له فى دفع الحظر ولا يخرجن بأنفسهن ان اردن ذلك انتهى فان خرجت المعتدة لغير ضرورة او حاجة اثمت فان وقعت ضرورة بأن خافت هدما او حرقا لها ان تخرج الى منزل آخر وكذلك ان كانت لها حاجة من بيع غزل او شرآء قطن فيجوز لها الخروج نهارا لا ليلا كما فى كشف الاسرار {الا ان يأتين بفاحشة مبينة} اى الزنى فيخرجن لاقامة الحد عليهن ثم يعدن وبالفارسية مكر بيارند كردار ناخوش كه روشن كننده حالزنان بود دربد كردارى. وقال بعضهم مبينة هنا بالكسر لازم بمعنى بين متبينة كمين من الابانة بمعنى بين والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال وهو الزنى فى هذا المقام وقيل البذآء بالمد وهو القول القبيح واطالة اللسان فانه فى حكم النشوز فى اسقاط حقهن فالمعنى الا ان يبذون على الازواج واقاربهم كالأب والأخ فيحل حينئذ اخراجهن وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو كل معصية وهو استثناء من الاول اى لا تخرجوهن فى حال من الاحوال الا حال كونهن آتيات بفاحشة او من الثانى للمبالغة فى النهى عن الخروج ببيان ان خروجها فاحشة اى لا يخرجن الا اذا ارتكبن الفاحشة بالخروج يعنى ان من خرجت اتت بفاحشة كما يقال لا تكذب لا ان تكون فاسقا يعنى ان تكذب تكن فاسقا {وتلك} الاحكام {حدود الله} التى عينها لعباده والحد الحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط احدهما بالآخر {ومن يتعد} اصله يتعدى فحذفت اللام بمن الشرطية وهو من التعدى المتعدى بمعنى التجاوز أى ومن يتجاوز {حدود الله} حدوده المذكورة بأن أخل بشئ منها على ان الاظهار فى حيز الاضمار لتهويل امر التعدى والاشعار بعلية الحكم فى قوله تعالى {فقد ظلم نفسه} اى اضربها قال البقلى قدس سره ان الله حد الحدود بأوامره ونواهيه لنجاة سلاكها فاذا تجاوزوا عن حدوده يسقطون عن طريق الحق ويضلون فى ظلمات البعد وهذا اعظم الظلم على النفوس اذ منعوها من وصولها الى الدرجات والقربى قال بعضهم التهاون بالامر من قلة المعرفة بالآمر فلا بد من الخوف او الرجاء او الحياء او العصمة فى علم الله فهى اسباب اربعة لا خامس لها حافظة من الوقوع فيما لا ينبغى فمن ليس له واحد من هذه الاسباب وقد وقع فى المعصية وظلم النفس فالكامل يعطى نفسه حقها ظاهرا وباطنا ولا يظلمها (حكى) ان معروف الكرخى قدس سره رأى جارية من الحور العين فقال لمن انت يا جارية فقالت لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان وكان قد برد له كوز ماء ليشربه فتناولت الحورآء الكوز فضربت به الارض فكسرته قال السرى السقطى رحمه الله ولقد رأيت قطعه فى الارض لم ترفع حتى عفا عليها التراب فكانت الحورآء لمعروف حين امتنع من شرب الماء المبرد وكانت جزآء له فى اعطائه نفسه حقها فان فى جسده من يطلب ضد الجارية ونحوها فلا بد من اعطاء كل ذى حق حقه {لا تدرى} تعليل لمضمون الشرطية اى فانك ايها المتعدى لا تدرى عاقبة الامر وقال بعضهم لا تدرى نفس {لعل الله} شايد خدى تعالى {يحدث} يوجد فى قلبك فان القلوب بين اصبعين من اصابع الله يقلبها كيف يشاء والحدوث كون الشئ بعد ان لم يكن عرضا كان ذلك او جوهرا او احداثه ايجاده {بعد ذلك} الذى فعلت من التعدى {امرا} يقتضى خلاف ما فعلته فيبدل ببغضها محبة وبالاعراض عنها اقبالا اليها ولا يتسنى تلافيه برجعة او استئناف نكاح فالامر الذى يحدث الله تعالى ان يقلب قلبه عما فعله بالتعدى الى خلافه فالظلم عبارة عن ضرر دنيوى يلحقه بسبب تعديه ولا يمكن تداركه او عن مطلق الضرر الشامل للدنيوى والاخروى ويخص التعليل بالدنيوى ليكون احتراز الناس منه اشد واهتمامهم بدفعه اقوى وفى الآية دلالة على كراهة التطليق ثلاثة بمرة واحدة لان احداث الرجعة لا يكون بعد الثلاث ففى الثلاث عون للشيطان وفى تركها رغم له فان الطلاق من اهم مقاصده كما روى مسلم من حديث جابر رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : ان عرش ابليس على البحر فيبعث سراياهتفسير : اى جنوده واعوانه من الشياطين حديث : فيفتنون الناس فاعظمهم عنده الاعظم فتنة يجيئ احدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجيئ احدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويقول نعم انتتفسير : اى نعم المضل او الشرير انت فيكون نعم بكسر النون فعل مدح حذفا لمخصوص به او نعم انت ذاك الذى يستحق الاكرام فيكون بفتح النون حرف ايجاب.
ابن عجيبة
تفسير : {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...}. يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبيُّ إِذا طلقتم النساءَ}، خصَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالنداء، وعمَّ بالخطاب؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يُقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا وكذا؛ إظهاراً لتقدُّمه، واعتباراً لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلّهم، وسادًّا مسدَّ جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم": إذا أردتم تطليقهن، كقوله: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة:6]، تنزيلاً للمقبل على الشيء المشارِف له منزلةَ الشارع فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَن قتل قتيلاً فله سلبه "تفسير : ، ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المُصَلِّي. {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: مستقبلات لِعِدَّتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نِفاس، فإنَّ المرأة إذا طلقت في طُهر تعتد بذلك الطُهر من أقرائها، فتخرج من العدّة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طُلقت في غير طُهر، فتنتظر الطُهر منه، فلا تخرج إلاّ برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يُطلِّق في طُهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السُنَّة. قال ابن جزي: واختلف في الطلاق: هل هو مباح أو مكروه، وأمّا إن كان على غير وجه السُنة فهو ممنوع. هـ. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : فطلِّقوهن في قُبل عِدّتهن ". تفسير : قال ابن جزي: واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلَّل بتطويل العدة، أو تعبُّد، والصحيح: أنه معلَّل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأةُ أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبُّد يقتضي المنع، ومَن طَلَّق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أُمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلّق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها هـ. {وأَحْصُوا العِدَّةَ}؛ اضبطوها، وأكمِلُوها ثلاثة أقراء كوامل، لِما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، {واتقوا اللهَ ربكم} في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن. وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لِما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. {لا تُخرجوهن من بيوتهن}؛ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. {ولا يَخْرُجْن} ولو بالإذن منكم، فإنَّ الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل: لا يخرجن باستبدادهن، أمّا إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المَبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلاّ لضرورة التصرُّف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكًا للزوج، أو مكترىً عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كِراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية؛ ففي لزوم خِراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه؛ لأنّ الاستمتاع قد انقطع بالطلاق. {إِلاَّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة}، قيل: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل: سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصْهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده: قراءة أُبي:" إلاَّ أن يفحشن عليكم "، وقيل: جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضاً. ومال إليه الطبري. وقيل: الخروج من بيتها خروجَ انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة. {وتلك حدودُ الله} أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عيّنها لعباده، {ومَن يَتَعَدَّ حدودَ الله} المذكورة، بأن يُخلّ بشيء منها، على أنَّ الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، {فقد ظَلَمَ نفسه}؛ أضرَّ بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: {لا تدري لعل اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمراً} فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إنَّ الأمر الذي يُحدثه اللهُ تعالى: هو أن ينقلب قلبه بُغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظُلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعدِّيه، وهو الندم إن كان طلَّق ثلاثاً، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظَلَمَ نفسَه بتعريضها للعذاب الشامل؛ الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. {لاتدري} أيها المخاطب {لعل اللهُ يُحِدثُ بعد ذلك أمراً} وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العِدَّة وامتثلوا ما أُمرتم به، لعل الله يُحدث الرجعة لنسائكم. {فإذا بَلَغْنَ أجلَهن} أي: قاربن آخر العِدَّة {فأمْسِكُوهنَّ}؛ راجعوهن {بمعروفٍ} بحُسن معاشرة وإنفاقٍ لائق، {أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ} بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط. والمعنى: فأنتم بالخيار؛ إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتّقاء الضرر، وهو أن يُراجعها في آخر عدتها ثم يُطلٍّقها، تطويلاً لعِدتها وتعذيباً لها، {وأَشْهِدوا} عند الرجعة والمفارقة {ذَوَيْ عَدْلٍ منكم} من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: {ذوي عدل} دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. {وأقيموا الشهادةَ للهِ} أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصاً لوجهه تعالى. {ذٰلكم} إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، {يُوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر} إِذ هو المنتفِع به، والمقصود بتذكيره. الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، إي:ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم حَضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال: {... وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. يقول الحق جلّ جلاله: {ومَن يَتَّقِ اللهَ} بأن طلَّق للسُنَّة، ولم يُضار بالمعتدّة، ولم يُخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، {يجعل له مخرجاً} مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويُفرِّج عنه ما يعتريه من الكروب. رُوي عن ابن عباس أنه قال لمَن طَلَّق ثلاثاً: " إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك". والمختار: أنَّ الآية عامة، أي: ومَن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجاً من كرب الدنيا والأخرة. و حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال: "مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة"تفسير : .، قال ابن جزي: وهذا ـ أي العموم ـ أرجح من خمسة أوجه، الأول: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. والثاني: رُوي: أنها نزلت في حديث : عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسر ولده، وضُيِّق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له: "أَكْثِرْ من: لاحَول ولا قوة إلاّ بالله" فلم يلبث إلاَّ يسيراً، وانطلق ولده، ووسع عليه زرقه تفسير : . والثالث: أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إني لأَعْلمُ آية لو أخذ الناسُ بها لكفتهُم {ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً} "تفسير : فما زال يكررها، انظر بقيته. {ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسب} أي: من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه، {ومَن يتوكل على الله} أي: يكل أمرَه إليه من غير تعلُّق بغير، ولا تدبير نفس، {فهو حَسْبُه}؛ كافيه في جميع أموره، {إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه}، بالإضافة في قراءة حفص، أي: منفذاً أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي: مبلغ ما يريد، لا يفوته مُراد، ولا يعجزه مطلوب. {قد جعل اللهُ لكل شيءٍ قَدْراً}؛ تقديراً، أو توقيتاً، أو مقداراً معلوماً ووقتاً محدوداً، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأنَّ العبد إذا عَلِمَ أنَّ الأمور كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأنَّ لها وقتاً محدوداً لا يُجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبقَ له إلاّ التسليم للقدَر السابق. قال ابن عطية: في الآية حض على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلتَ أيها المرء أم لم تتوكل، فإنْ توكلتَ على الله كفاك، وتعجّلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وَكَلَك إلى جحدك وتسخُّطك، وأمره نافذ في الوجهين. هـ. الإشارة: ومَن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مُشْكل وشُبهة ومتشابه مَخرجاً، فيَنحلّ له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلُّم ولا مدارسة، وقال القشيري: إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقِي سرادقات عنايته، ويُدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويُخرجه عن تدبيره، ويُجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى: أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوىء والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي: فلا يدخل في الآية. ثم قال: إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي: دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}تفسير : [السجدة:16]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهنم ينفقون. هـ. مختصراً. وقوله تعالى: {ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ} قال في الحاشية الفاسية: أي: يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل: التقوى: التبري من الحول والقوة. هـ. وقوله تعالى: {ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه} قال القشيري: فالله حاسبه، أي: كافيه. {إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه}، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر: التوكل: شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد: الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر: "حديث : أعوذ بالله من علم لا ينفع" تفسير : . ومن جملته: أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ؟ وعلى أي وجهٍ؟ وعلى يد مَن؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أوينظر في فال من الجامع ـ اي: ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ. وقال في القوت: والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل: {فهو حَسْبُه} أي: التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة: {إِنَّ الله بالغ أمره} أي: منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي: يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ. ثم ذَكَر مدة اليائسة والحامل، فقال: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حفص عن عاصم ونافع {بالغ أمره} على الاضافة. الباقون {بالغ} منون {أمره} منصوب. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وقيل: إنه إذا نون معناه انه تعالى بالغ مراده، وإذا اضيف فمعناه أن امره تعالى يبلغ، فيكون اضافة الى الفاعل. يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه والمراد به أمته {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ومعناه إذا أردتم طلاق النساء، كما قال {أية : إذا قمتم إلى الصلاة}تفسير : وروي عن ابن عباس انه قال: نزل القرآن باياك أعني واسمعي يا جارة، فيكون الخطاب للنبي والمراد به الأمة من ذلك. وقال قوم: تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء، فعلى هذا القول: النبي يكون خارجاً من الحكم. وقال آخرون: هو على خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الاتباع، فعلى هذا حكم النبي حكم أمته في هذا الحكم وأجمعت الأمة على أن حكم النبي حكم الامة في الطلاق. والطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح بأن يقول: أنت طالق يخاطبها او يقول هذه طالق ويشير اليها أو فلانة طالق بنت فلان. وعندنا لا يقع الطلاق إلا بهذا اللفظ المخصوص، ولا يقع بشيء من الكنايات طلاق أراد بها الطلاق أو لم يرد. وفيه خلاف ذكرناه فى الخلاف. واما الفراق فقد يحصل بغير الطلاق، كالارتداد واللعان والخلع - عند كثير من أصحابنا - وإن لم يسم ذلك طلاقاً. وأما فسخ النكاح بالرد بالعيب. فقد يحصل بأشياء ولا يسمى طلاقاً. ومن شرط وقوع الطلاق - عندنا - أن تكون المراة طاهراً طهراً لم يقر بها فيه بجماع بمحضر من شاهدين، ويقصد به ايقاع الطلاق، ويتلفظ بما قدمناه، فحينئذ يقع طلاقه تطليقة واحدة وهو أملك برجوعها ما لم تخرج من العدة. فان خرجت قبل ان يراجعها كان كواحد من الخطاب. ومتى تلفظ بثلاث تطليقات، فان كانت المرأة طاهراً مع باقي الشروط وقعت واحدة. وخالف جميع الفقهاء فى ذلك. وقالوا: يقع الثلاث. ثم اختلفوا فقال الشافعي، ومن وافقه: ويكون ذلك مسنوناً. وقال اهل العراق: المسنون ان يطلقها طلقة واحدة بلفظ واحد، ومتى اوقع ثنتين او ثلاثاً وقع. وأما غير المدخول بها فعند جميعهم يقع الثلاث، ولا عدة عليها، وعندنا لا يقع إلا واحدة، وفى أصحابنا من يقول: من تلفظ بالثلاث لا يقع شيء، والاعتماد على ما قلناه أولا، ومتى طلقها ثلاثاً أو واحدة، وهي حائض وكان قد دخل بها ولا يكون غائباً عنها شهراً فصاعداً لا يقع عندنا شيء اصلا. وقال جميع الفقهاء: هو بدعة. وتبين المرأة بذلك. وقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} معناه أن يطلقها وهي طاهر من غير جماع ويستوفي باقى الشروط. وقال ابن عباس: هو أن يطلقها طاهراً من غير جماع. وبه قال مجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي، فعلى هذا متى طلقها فى الحيض فلا يقع طلاقها، لانه خلاف المأمور به، وهو منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وعند الفقهاء إنه يقع الطلاق، وإن كان بدعة. ثم قال {وأحصوا العدة} فالعدة قعود المرأة عن الزواج حتى تنقضي المده المرتبة فى الشريعة، وعدة المرأة على ضروب: احدها - عدة التي لم تبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، وهي التي لم تبلغ تسع سنين، فهذه لا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وفيهم من قال عدتها بالشهور، وبه قال باقي الفقهاء. وعدة التي لا تحيض ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وعدة التي تحيض ثلاثة أقراء وهي الاطهار - عندنا وعند كثير من الفقهاء - وعند قوم انها الحيض. وعدة التي ارتفع حيضها ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وقد حد ذلك أصحابنا بأن يكون سنها أقل من خمسين سنة. وعدة الآيسة من المحيض ومثلها لا تحيض، فلا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وقال قوم: عدتها بالاشهر، وحد ذلك أصحابنا بأن يزيد سنها على خمسين سنة، والقرشية حدّوها بستين سنة فصاعداً. وعدة الحامل وضع ما في بطنها إذا كانت عدة الطلاق، فان كانت عدة الوفاة فأبعد الأجلين من وضع الحمل او مضي أربعة اشهر وعشرة أيام. وهو مذهب علي عليه السلام وابن عباس. وقال الفقهاء عدة المتوفى عنها زوجها وضع ما في بطنها. وقوله {وأحصوا العدة} يعني مدة زمان العدة. ثم قال {واتقوا الله ربكم} بان لا ترتكبوا المعاصي {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} يعني زمان العدة، لانه لا يجوز إخراجها من بيتها - وعندنا وعند جميع الفقهاء - يجب عليه السكنى والنفقة والكسوة إذا كانت المطلقة رجعية، فان كانت بائناً فلا نفقة لها ولا سكنى. وقال الشافعي: فلا نفقة لها ولا سكنى إذا كانت بائناً. وقال أهل العراق: لها السكنى والنفقة. وقوله {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} من فتح الياء أراد فاحشة أظهرت. ومن خفض الياء أراد بفاحشة ظاهرة. وقال عطاء والضحاك وقتادة: لا يجوز ان تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا عند الفاحشة. وقال الحسن وعامر والشعبي ومجاهد وابن زيد: الفاحشة - ها هنا - الزنا تخرج لاقامة الحد. قال ابن عباس: الفاحشة النداء على أهلها، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وقال قتادة: الفاحشة هو النشوز. وقال ابن عمر: هو خروجها قبل انقضاء العدة - وفي رواية عن ابن عباس - ان كل معصية لله ظاهرة فهي فاحشة. وقوله {وتلك حدود الله} يعني ما تقدم ذكره من كيفية الطلاق والعدة وترك إخراجها عن بيتها إلا عند فاحشة حدود الله، فالحدود نهايات تمنع أن يدخل في الشيء ما ليس منه او يخرج منه ما هو منه، فقد بين الله بالأمر والنهي الحدود في الطاعات والمعصية بما ليس لأحد ان يدخل في شيء من ذلك ما ليس منه او يخرج عنه ما هو منه. وقوله تعالى {ومن يتعد حدود الله} معناه من يجاوز حدود الله بأن يخرج عن طاعته الى معصيته، فقد تعدى حداً من حدود الله وكذلك من دخل في معصية، فقد خرج عن الطاعة. وليس كل من دخل في طاعة فقد خرج اليها عن معصية، لأنها قد تكون نافلة. ثم بين تعالى فقال: ومن يجاوز حدود الله {فقد ظلم نفسه} بأن فعل ما يستحق معه العقاب ويحرم معه الثواب وقوله {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قال قوم: معناه لا تدري لعل الله يغير رأي الزوج في محبة الطلاق، فتكون مطلقة على ما أمر الله به ويملك الرجعة فيما بين الواحدة والثانية وما بين الثانية والثالثة. وقال الضحاك والسدي وابن زيد {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} يعني الرجعة في العدة. وقيل معناه {لعل الله يحدث بعد ذلك} شهوة المراجعة. وقوله {فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف} معناه فاذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج عن عدتهن، لانه لا يجوز ان يكون المراد فاذا انقضى أجلهن، لانه عند انقضاء اجلهن لا يملك رجعتها. وقد ملكت نفسها وقد بانت منه بواحدة، ثم تتزوج من شاءت هو او غيره. وإنما المعنى إذا قاربن الخروج من عدتهن فامسكوهن بأن تراجعوهن بمعروف بما يجب لها من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة {أو فارقوهن بمعروف} بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة. وقوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} فعند أصحابنا أن الاشهاد شرط في وقوع الطلاق، لأن ظاهر الامر بذلك يقتضيه. والامر عندنا على الوجوب. وقال قوم: إن ذلك راجع الى الرجعة، وتقديره واشهدوا على الامساك إن أمسكتم ذوي عدل منكم وهو الرجعة - في قول ابن عباس. وقال الشافعي: الاشهاد على الرجعة أولى. ويجوز عند اكثرهم بغير إشهاد، وإنما ذكر الله الاشهاد كما ذكر في قوله {أية : وأشهدوا إذا تبايعتم}تفسير : وهو على الندب، وهذا ترك الظاهر ومتى حملنا الاشهاد على الفراق، وهو الطلاق حملناه على ظاهره من الوجوب وجعلناه شرطاً في وقوع الطلاق. ثم قال {وأقيموا الشهادة لله} إذا طولبتم باقامتها {ذلكم} معاشر المكلفين {يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} فالوعظ معنى يدعو الى الحق بالترغيب والترهيب. وإنما اضاف الوعظ إلى من يؤمن بالله واليوم الآخر دون غيره، لانه الذي ينتفع به دون الكافر الجاحد لذلك، فالطاعة الواجبة فيها وعظ بالترغيب فيها باستحقاق الثواب وفي تركها بالعقاب. والمندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح والثواب على فعلها والمعاصي فيها وعظ بالزجر عنها والتخويف من فعلها باستحقاق العقاب والذم على فعلها والترغيب في تركها بما يستحق على الاخلال به من الثواب. ثم قال {ومن يتق الله} يعني باجتناب معاصيه {يجعل له مخرجاً} من عقابه {ويرزقه من حيث لا يحتسب} أى من حيث لا يتوقعه ولا يظنه {ومن يتوكل على الله} أى من اسند أمره الى الله ووثق بحكمه وسكن إلى رحمته {فهو حسبه} أى كافيه جميع ذلك {إن الله بالغ أمره} أى يبلغ ما يريد ويشاء من أمره وتدبيره {قد جعل الله لكل شيء قدراً} أى قدر الله لكل شيء مقداراً واجلا، لا زيادة فيه ولا نقصان. ثم بين كيفية العدد باختلاف احوال النساء، فقال {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} يعني ان اليائسة من المحيض إذا كانت ترتاب بنفسها ولا تدري أرتفع حيضها لكبر او عارض {فعدتها ثلاثة أشهر} وهي التي قلنا اولا أن مثلها تحيض، لأنها لو كانت في سنّ من لا تحيض لم يكن لريبتها معنى. وقال الزهري وعكرمة وقتادة {إن ارتبتم} فلم تدروا: للكبر او لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة اشهر. وقال قوم: ان ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة اشهر. وقوله {واللائي لم يحضن} تقديره واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر، وحذف لدلالة الكلام الأول عليه والكلام فيها كالكلام فى اليائسة. وقال قتادة: اللائي يئسن الكبار، واللائي لم يحضن الصغار. ثم قال {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} بين ان عدة الحامل من الطلاق وضع الحمل الذي معها، فان وضعت عقيب الطلاق فقد ملكت نفسها. ويجوز لها أن تعقد لغيره على نفسها، غير أنه لا يجوز له وطؤها، لان نفاسها كالحيض سواء، وإذا طهرت من نفاسها حل له ذلك، فان كانت حاملا باثنين ووضعت واحداً لم تحل للازواج حتى تضع جميع الحمل، لقوله تعالى {أن يضعن حملهن} فاما انقطاع الرجعة، فقد روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحداً انقطعت عصمتها من الاول، ولا يجوز لها العقد بغيره حتى تضع الآخر. فاما إذا توفى عنها زوجها، فعدتها - عندنا - أبعد الأجلين إن وضعت قبل الأربعة أشهر وعشر استوفت اربعة اشهر وعشرة أيام، وإن مضى بها أربعة اشهر وعشر ولم تضع انتظرت وضع الحمل. وقال ابن عباس: الآية فى المطلقة خاصة، كما قلناه. وقال ابن مسعود وابي بن كعب وقتادة والسدي واكثر الفقهاء: إن حكم المطلقة والمتوفى عنها زوجها واحد فى أنها متى وضعت حلت للازواج. والذي اخترناه هو مذهب علي عليه السلام. ثم قال {ومن يتق الله} باجتناب معاصيه {يجعل له من أمره يسراً} يعني سهولة فى أموره ولا يعسر عليه أمره. وقوله {ذلك أمر الله أنزله إليكم} يعني حكم الطلاق والرجعة والعدة فيما أنزله الله وحكم به وأمركم بالعمل به. ثم قال {ومن يتق الله} باجتناب معاصيه وفعل طاعاته {يكفر عنه سيئاته} لتي هي دونها ويتفضل عليه باسقاط عقابها {ويعظم له أجراً} على ذلك يعني ثوابه ونعيمه فى الجنة.
الجنابذي
تفسير : {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} نداءٌ وخطابٌ له تشريفاً له ولكنّ المقصود بالحكم امّته ولذلك اشرك الامّة فى الخطاب معه حين الحكم {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فى عدّتهن، والعدّة ههنا هى الطّهر كما عن الباقر (ع): العدّة الطّهر من المحيض {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} اى مدّة التّربّص وهى ثلاثة قروءٍ فى ذوات القرء، وثلاثة اشهرٍ فى ذوات الاشهر، ووضع الحمل فى الحامل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} فى التّضييق عليهنّ حتّى يضطررن الى الفداء للطّلاق، او فى تطويل المدّة والعدّة، او فى حبسهنّ بعد العدّة، او فى عدم طلاقهنّ وابقائهنّ بلا قسامةٍ {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} بعد الطّلاق حتّى تنقضى عدّتهنّ {وَلاَ يَخْرُجْنَ} بانفسهنّ لعلّ الله يجعل بينهنّ وبين ازواجهنّ تعاطفاً والفةً، وعن الكاظم (ع) انّما عنى بذلك الّتى تطلّق تطليقةً بعد تطليقةٍ فتلك الّتى لا تخرج ولا تخرج حتّى تطلّق الثّالثة، فاذا طلّقت الثّالثة فقد بانت منه ولا نفقة لها، والمرأة الّتى يطلّقها الرّجل تطليقةً ثمّ يدعها حتّى يخلو اجلها فهذه ايضاً تقعد فى منزل زوجها ولها النّفقة والسّكنى حتّى تنقضى عدّتها {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} المراد بالفاحشة ههنا الزّنا او اذاها لاهل الرّجل وسوء خلقها، او اشرافها على الرّجال، او سلاطتها على زوجها، او مساحقتها وقد اشير الى كلّ فى الاخبار {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} حدود حماه واحكامه المقرّرة لعباده {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى} يا محمّد (ص)، او يا من يتأتّى منه الخطاب، او الفاعل راجع الى النّفس فى نفسه، او الى المطلّقة المستفادة بالتّضمّن {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ} الطّلاق او بعد ذلك البقاء فى بيوت ازواجهنّ {أَمْراً} وهو رغبة الزّوج فى المطلّقة ورجةعه اليها، وهذا هو علّة التّربّص وعدم الخروج من بيوتهن.
الأعقم
تفسير : قال ابن مسعود في حديث العدة من شاء أهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} تفسير : [البقرة: 234] فأراد قوله: {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} تفسير : [الطلاق: 4] فعدة المتوفى منها زوجها أربعة أشهر وعشراً فإذا كانت حاملة فعدتها وضع الحمل {يأيها النبي إذا طلّقتم النساء} قيل: نزلت في قصة حفصة بنت عمر وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طلقها فرجعت إلى أهلها فنزلت هذه الآية فراجعها، وقيل: حديث : نزلت في عبد الله بن عمر بن الخطاب طلق امرأته في حال الحيض فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر مرة: "فليراجعها وليمسكها حتى تطهر ثم تحيض بحيضة أخرى فإذا طهرت طلقها إن شاء قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء"تفسير : ، وقيل: نزلت في عبد الله بن عمر وعمرو بن العاص وسعيد وعقبة بن عروان ولا خلاف أن الطلاق قبل الحيض بدعة وأن السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه فأما إذا جمع بين الثلاث فعند ح وأصحابه هو بدعة، وقال ش لا سنَّة ولا بدعة في الجمع، ثم اختلفوا فالأكثر إلى أنه يقع، وعن بعضهم إلى أنه لا يقع أصلاً، وعند القاسم والهادي (عليهما السلام) يقع واحدة، وقوله: {فطلّقوهن}، قيل: طاهرة من غير جماع عن ابن عباس وابن مسعود، ومعنى: {لعدتهنّ}، قيل: قبل عدتهن يعني في طهر لم يجامعها فيه، والعدَّة الحيض، وكان ابن عباس وابن مسعود يقرّون فطلقوهن قبل عدتهن وهذا يحتمل على التفسير وبه قال أبو حنيفة، وقيل: في عدتهن، والعدة الأطهار وهو مذهب س فأما غير المدخول بها فلا عدة عليها، وقد ورد القرآن بذلك في سورة الأحزاب: {أية : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}تفسير : [الأحزاب: 49] {لا تخرجوهنّ من بيوتهن ولا يخرجن} يعني ليس للروح إخراجها ما دامت معتدة ولا لها أن تخرج إلا عن ضرورة {إلاَّ أن يأتين بفاحشة} ظاهرة، قيل: الفاحشة الزنا فتخرج لاقامة الحد عليها، وقيل: النشوز، وقيل: كل معصية لله ظاهرة {وتلك حدود الله} أوامره ونواهيه {ومن يتعد حدود الله} محارمه أي يجاوزها فيما أمر ونهى، وقيل: في المطلقات، وقيل: هو عام {فقد ظلم نفسه} باستحقاق الثواب {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} لزوجها فيراجعها والعدة الأولى والثانية فأضاف إلى الله المراجعة، قيل: ندمه، وقيل: أن يحدث شدة شهوة إليها ورغبة فيها فيدعوه إلى المراجعة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الطَّلاق، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيِّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} يعني النبي وجماعة المؤمنين. قال بعضهم يطلقونها في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع. ذكروا عن الحسن قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته استقبل طهرها، ثم دعا شاهدين فأشهدهما على طلاقها واحدة، وقال لها اعتدّي. ثم يلوم نفسه فيما بينه وبين انقضاء عدتها. فإن كان له بها حاجة دعا شاهدين فأشهدهما أنه قد راجعها، وإن لم تكن له بها حاجة تركها حتى تنقضي عدتها، فإن ندم كان خاطباً مع الخطاب. وبلغنا عن ابن مسعود نحو ذلك. ذكروا عن الحسن وابن سيرين قالا: كان يقال: من طلق طلاق السنة لم يندم على امرأة فارقها؛ يقولان: ينبغي له أن يطلق امرأته واحدة، ولا يطلقها ثلاثاً. ذكر بعضهم أن النبي عليه السلام طلق حفصة تطليقة؛ فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، فهي زوجتك في الجنة، فراجَعَها. قال بعضهم: طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع تطليقة واحدة، ثم يدعها. فإن شاء راجعها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة. فإن شاء أن يطلقها ثلاثاً طلقها أخرى قُبُلَ عدتها طاهراً من غير جماع، ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. ذكروا عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي عليه السلام فقال له: مره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر من حيضة سوى الحيضة التي طلقها فيها، فإذا طهرت فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها فإن أراد أن يطلقها فلا يقعن عليها عند طهرها فإن هذه العدة التي امر الله بها. قال بعضهم: فإن ابن عمر طلق امرأته واحدة. ذكروا عن يونس بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض. قال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم. قال: فإنه طلق امرأته وهي حائض. فأتى عمر النبيَّ عليه السلام فأخبره، فأمره أن يراجعها. فإن بدا له في طلاقها طلّقها قُبُلَ عدّتها، أي: قبل طهرها. قلت: أفتعتد بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجل واسْتَمْحَق؟. ذكروا عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقرأ هذا الحرف: {فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ}. ذكروا عن الحسن قال: الرجل لا يستأذن على مطلقته، ولكن يضرب برجله وينحنح. وقال بعضهم: يتنحنح ويسلم ولا يستأذن عليها، وتتشوف له وتتصنع، ولا يرى لها رأساً ولا بطناً ولا رجلاً، ولكن ينام معها في البيت. ذكروا عن علي قال: يستأذن الرجل على كل امرأة إلا امرأته. ذكر بعضهم قال: التي لم تحض، والتي قعدت عن المحيض تطلق عند كل شهر عند الهلال. ذكروا عن جابر بن عبد الله في الحبلى يريد زوجها أن يطلقها فقال: لا أراها تحيض فتعتَدّ، ولو كنت مطلقَها فحتى تضع. والعامة تقول: إذا استبان حملها طلقها متى شاء. قال بعضهم في الغائب يطلّق امرأته: إنه يكتب إليها: إذا حضتِ ثم تطهرتِ من محيضِك فاعتدّي. فإن كانت حاملاً فاستبان حملها كتب إليها بطلاقها. وإذا طلقها بعض الطلاق، وكانت تعتد، ثم أتبعها طلاقاً، فإنها تعتد من أول طلاقها. قوله عز وجل: {وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتََّقُواْ اللهَ رَبَّكُمْ} أي: فلا تطلقوهن في الدم ولا في الطهارة وقد جامعتموهن، إلا في الطهارة بعد أن يغتسلن من المحيض من قبل أن تجامعوهن. قوله عز وجل: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولاَ يَخْرُجْنَ} لا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، وإن طلقها ثلاثاً في قول العامة. وفي قول ابن عباس والحسن إن شاءت خرجت إذا طلقها ثلاثاً، وإذا توفي عنها زوجها أيضاً. معنى قولهما: تعتد منه وإن طلقها اثنتين أيضاً. ومعنى قول العامة أنها في المطلقات اللاتي دخل بهن لا يخرجن حتى تنقضي عدتهن. وهذا الخروج ألا تتحول من بيتها. فإن احتاجت إلى الخروج بالنهار لحاجتها خرجت ولا تمسي إلا في بيتها. ذكروا عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي عليه السلام وقد أَبَتَّ زوجُها طلاقها فقال لا سكنى لك ولا نفقة. ذكروا عن عمر أنه قال: ما كنا لنأخذ بقول امرأة لعلها وهمت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى والنفقة. ذكروا عن ميمون بن مهران قال: سألت ابن المسيب عن أشياء فقال: إنك تسأل سؤال رجل يمتحن، فهل خالفت في شيء مما سمعت ما سمعت من غيري. قلت: لا، إلا قولك في المطلقات إنها لا تنتقلن فما بال حديث فاطمة بنت قيس. فقال: ويح تلك المرأة، كيف فتنت الناس. قلت: إن كان أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما فتنت. قوله عز وجل: {إِلاَّ أَن يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: [الفاحشة المبيّنة خروجها في عدتها. وقال بعضهم]: الفاحشة: الزنا، والمبيّنة أن يشهد عليها أربعة أنها زنت. وكانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة أخرجت من بيت زوجها، وحبست في بيت آخر قبل أن ينزل حد الزاني، وهو قوله عز وجل: (أية : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةََ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) تفسير : [النساء:15] فنسخ ذلك في هذه الآية: (أية : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ) تفسير : [النور:2]. وبعضهم يقول: {إِلاَّ أَنْ يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي: تزني فتخرج فيقام عليها الحد. وبعضهم يقول: الفاحشة المبيّنة: النشوز البيّن. قوله عز وجل: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: أحكام الله. وقال الكلبي: هذا حد الله، بيّن فيه طاعته ومعصيته. قوله عز وجل: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} أي يجاوز ما أمر الله به {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. قوله عز وجل: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي: المراجعة، رجع إلى أول السورة: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ} أي: له الرجعة في التطليقة والتطليقتين ما لم تنقض العدةُ فتغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض، أو ثلاثةُ أشهر إن كانت ممن لا تحيض، كبيرة قعدت عن المحيض، أو صغيرة لم تحض بعد. وكذلك الضهياء التي لا تحيض.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءِ} خص النداء وعم الخطاب بالحكم الذي هو الطلاق لانه إمام امته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كذا اظهاراً لتقدمه واعتناء بتصدره ولانه إذا أراد أرادوا فكانه جميعهم فنداؤه كندائهم أو المراد يا ايها النبي والامة أو لان الكلام معه والحكم يعمهم أو يقدر القول أي قل لامتك اذا طلقتم والمراد اذا اردتم التطليق تنزيلا للامر الذي قرب وقوعه منزلة الواقع كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قتل فله سلبه"تفسير : ولأن الارادة سبب للتطليق وملزوم له. {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} اللام للتوقيت ويقدر مضاف أي لاول عدتهن أو زمانها وهي الطهر والمراد ان يكون في طهر لم يمسها فيه أو يقدر مستقبلات لعدتهن ويتعين هذا لمن عد العدة بالحيض وعلى كل حال انما يطلق في الطهر وان طلق في الحيض غصى ومضى الطلاق لما روي ان ابن عمر طلق فيه وامره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة ولولا مضيه لم يأمره بالمراجعة والنهي قيل: يدل على الفساد وقيل: لا واختلف في الامر هل يدل على النهى عن الضد أم لا. وروي حديث : أَن عمر أَخبره بذلك فتغيظ وقال مرة ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له ان يطلقها فليطلقها قبل أَن يمسها فتلك العدة التي أَمر الله أَن يطلق بها تفسير : وفعل وتلك التطليقة محسوبة وفي رواية مرة فليراجعها ليطلقها طاهرا أو حاملا وفي رواية ما هكذا امر الله انما السنة ان تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقه ونزلت الآية تسبب طلاقه في الحيض. وقال ابن عباس: نزلت في تطليقه صلى الله عليه وسلم زوجته حفصة فقال له: راجعها فإنها صوامة قوامة ومن أزواجك في الجنة وكان صلى الله عليه وسلم وابن عباس وابن عمر يقرأون في قبل عدتهن وأحسن الطلاق واحله في السنة وابعده من الندم ان يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها وكانت الصحابة يستحبون ان لا يطلقوا السنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا حتى تنقضي العدة وكان احسن من ان يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة اطهار وعن مالك بن انس لا اعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو متفرقة وكره ابو حنيفة واصحابه ما زاد على الواحدة في طهر ولم يكرهوه في الاطهار لقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر حديث : وطلقها لكل قرء تطليقة تفسير : وقال الشافعي: يجوز ارسال الثلاث وقال لا اعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح حديث : وطلق رجل امرأته بين يديه صلى الله عليه وسلم ثلاثا فقال أَتلعبون بكتاب الله وأَنا بين أَظهركم . تفسير : وروي حديث : أَن ابن عمر قال: يا رسول الله أرأيت إِن طلقتها ثلاثا فقال له إِذن عصيت وبانت منك امرأتك تفسير : وعن عمر انه كان لا يؤتى برجل طلق ثلاثا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه وقال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين: إن من خالف السنة في الطلاق فاوقعه في حيض أو ثلاثا لم يقع تشبيها بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف ومن طلق ثلاثا فقد يندم ولات حين ندم ومن طلق أقل فله التوسعة وينفعه الندم لأنه إن شاء راجعها قبل الفوت وإنما أمرنا بالطلاق في الطهر لئلا يطول عليها زمان العدة وذلك في الدخول بها بدليل قوله (لعدتهن) أما غيرها فلا عدة عليها ويطلق قيل: حين شاء ولا تطلق للسنة إلا واحدة ويكره طلاقها بائنا. وأما التي لم تحض والآيسة والحامل فيطلقن للسنة متى شاء الزوج بدليل انهن غير مستقبلات لطهر واحد لا أكثر وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر وقال محمد وزفر: الحامل تطلق للسنة واحدة وقيل: لايكون طلاقهن بدعيا ولا سنيا قيل والخلع في حيض أو طهر جامع فيه لا يكون بدعيا لانه صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته قيل ان يعرف حالها قلت يحتمل انه عرفها طاهرا أو اعتمادا على انه قد بلغ الناس ان الطلاق في الحيض لا يحل ولا يلزمه السؤال نعم قيل: ان الخلع فرقة لا طلاق ومن راجع في الحيض جاز طلاقه في طهر يليه قبل المسيس مع انه طلق في الحيض. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في شأن ابن عمر حديث : ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر تفسير : فأمر استحباب ولا يستأذن على المطلقة ولكن يضرب برجله وينحنح قال بعض ويسلم وتتشوف له وتتصنع ولا يرى لها رأسا ولا بطنا ولا رجلا وينام معها في البيت لا في فراش واحد وقيل ينام معها ايضا في فراش واحد ومن غاب كتب إليها إذا حاضت ثم تطهرت فاعتدا وإن بان حملها كتب اليها طلاقها ومن طلق ثم طلق اعتدت من الاول وقيل: من الثاني. {وَأَحْصُوا العِدَّةَ} احفظوا الاقراء لتراجعوا ان شئتم قيل فراغها وللميراث والنفقة والسكنى. {وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ} بدل أي احذروا معصيته في كل شيء فلا تطيلوا عدتهن ولا تضروهن ولا تطلقوهن في الحيض أو في طهر جامعتم فيه أو في طهر قبل الغسل. {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} أي بيوت سكناهن سواء كانت البيوت لهن وطلقن فيها للزوج أو لغيرهما وان كانت لغيرهما فارتجعها صاحبها فعلى الزوج ان يحضر منزلا لها وان كان البيت له فليتركها فيه وان كانت في بيتها وطلبت ان تسكن في بيت ملكه زوجها فلها والظاهر انه ان اراد ان ينقلها من بيت له إلى آخر له بالملك والكراء أو غيره جاز لما كان الزوج قد يكره مساكنة مطلقتة لغضب أو حاجة للمسكن أو غير ذلك نهى الازواج ان يخرجوهن. قال جار الله: وقد تريد المطلقة الخروج فنهاها الله ونهى زوجها ان يأذن لها في الخروج كما قال {وَلا يَخْرُجْنَ} والسكون بناء والجزم في المحل واذن الزوج لها في الخروج لا يحل الخروج لها وقد حرمه الله. والحق انه ان اذن لها جاز لان لزوم البيت حق له وإذا انقضت العدة اخرجوهن وخرجن ولا يخرجن قبل ان خرجن اثمن إلا لضرورة كخوف هدم أو غرق أو بيع غزل أو شراء قطن أو نحوهما ان كان العرف كذلك ولم يمنعها زوجها ولا تخرج لنحو البيع إلا نهارا وذلك حفظ للنسب وستر للعورة ولو طلقن ثلاثا أو بائنا وان خرجن لحاجة نهارا فلا يأتي الليل عليهن إلا في بيوتهن. وقال ابن العباس والحسن ان شاءت خرجت اذات طلقت ثلاثا قيل وكذا البائن والموت وان سافرت اعتدت ذاهبة وراجعة والبدوية تعتد في البدو مع زوجها أو حيث كانت بأمره حديث : وعن فاطمة بن قيس انها اتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ابانها زوجها فقال: لا سكنى لك ولا نفقة فبلغ قولها عمر فقال: ما كنا لنأخذ بقول امرأة لعلها وهمت وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول للبائنة السكنى والنفقة تفسير : أي فلا تخرج. وسأل ميمون بن مهران ابن المسيب عن اشياء فقال: انك تسأل سؤال رجل يمحن فهل خالفت في شيء مما سمعت من غيري قلت: لا إلا قولك في المطلقة البائن انها لا تنتقل فما بال حديث فاطمة بنت قيس فقال ويح هذه المرأة كيف أفتت الناس قلت إن كان أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما افتيت ومات رجال رحمهم الله بأحد فقالت نساؤهم نستوحش في بيوتنا فأذن لهن صلى الله عليه وسلم يتحدثن عند احداهن وإذا كان وقت النوم تأوي كل الى بيتها واذن لخالة جابر بن عبدالله طلقها زوجها ان تخرج لجذاذ نخلها. {إِلا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الاستثناء منقطع راجع الى قوله لا تخرجوهن وان مصدرية يأتين فعل مضارع في محل نصب بأن مؤول بالمصدر وفاعل والفاحشة الزنى عند الحسن بأربعة شهود أو اقرار فيخرجن لأقامة الحد ولا ترجع لأبطال حقها. وعن ابن مسعود ترجع والاربعة أو الاقرار هي التبين وقيل الفاحشة المبينة النشوز البين وقيل سوء لسانها أو خلقها ويدل له قراءة أبي إلا ان يفحشن عليكم وعليه ابن عباس وقيل المراد نشوزهن حتى يطلقن فإذا طلقن على النشوز فلا حق لهن أو الاستثناء راجع الى قوله ولا يخرجن مبالغة في النهي دلالة على أن خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة. ويجوز كون الاستثناء متصلا بأن يقدر المضاف أو يقدر المصدر باسم الفاعل أو يبقى مبالغة ويكون ذلك حالا من هاء تخرجوهن أو من نون يخرجن أي إلا ذوات اتيان أو اتيات والتشديد للمبالغة وقرأ عاصم مبينة بفتح الياء وفاء لتشديد المتعدية ويجوز ان يكون كذلك على الكسر أي مبينة للامر كاشفة له. {وَتِلْكَ} الأحكام من الطلاق للعدة وإحصائها والتقوى وعدم الاخراج والخروج. {حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} يجاوزها والاضافة للحقيقة فيصدق ذلك على من تعدى حدا واحدا والتعدي المجاوزة {فَقَدْ ظَلَمَ} ضر {نَفْسَهُ} بأن عرضها للعقاب {لا تَدْرِى} النفي أو انت ايها النبي أو أيها المطلق أو لا تدري المطلقة وعلى هذا الاخير يردع ذلك الى قوله لا يخرجن. {لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} هو ان يقلب قلبه من بغضها إلى حبها فيندم فيراجعها قيل انقضاء العدة ان لم يكن ثلاث تطليقات أو بائنا فهذا راجع الى قوله احصوا العدة وفيه تأكيد لطلاق السنة فإنه اذا طلقها ثلاث فلا يرجعها وقيل يجوز ان يكون المراد بالامر الرغبة في الرجعة قبل الانقضاء أو الاستئناف بعده. وفي الحديث عن ابن عمر "حديث : أبغض الحلال الى الله الطلاق"تفسير : وفي رواية بعض "حديث : ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق"تفسير : وفيه عن ثوبان أيّما أمرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس به حرمت عليها رائحة الجنة ولعل ترجية أو توقع للخلق لارجاء من الله أو توقع حاشاه وهي ومعمولاها مفعول ادري سد مسد مفعولين.
اطفيش
تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أيُّهَا النَّبِيُّ} أى والمؤمنون فذلك من باب الاكتفاء، بدليل قوله تعالى {إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ} بضمير الجماعة، فهو للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. أو الضمير للنبى - صلى الله عليه وسلم - لتعظيمه فلا يقدر المؤمنون كقوله تعالى: "أية : رب ارجعون" تفسير : [المؤمنون: 99] فى وجه. وقال الشاعر: "شعر : ألا فارحمونى يا إِله محمد " تفسير : وعليه فحكم المؤمنين تبع له - صلى الله عليه وسلم -، وحكم الأمة حكمه إِلا ما خص به. أو يقدر القول هكذا: يا أيها النبى. قل إِذا طلقتم النساء. أو ناداه وخاطبهم وقدم النداء لينتبه لهم، ويراعيهم كمن أحضر قائماً على عماله وأمرهم بالعمل بحضرته، وليس ذلك مما منع من خطابين بكلام واحد لأَن النداء كلام وما بعده كلام، وإِنما ذلك كقوله تعالى: "أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك" تفسير : [يوسف: 29]. لما كان إِمام أمته - صلى الله عليه وسلم - خصه بالنداء، وعم الخطاب بالحكم لأَنهم لا يصدرون إِلا عنه، كما يقال لرئيس القوم يا فلانى افعلوا كذا إِظهاراً لتقدمه وصدورهم بأَمره. والمراد إِذا أردتم تطليق النساء، فعبر عن الإِرادة بالتطليق لأَنها سببه وإِلا لزم تحصيل الحاصل لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وهو محال، أو لزم تطليق آخر وهو غير مراد وذلك من باب المشارفة كقوله - صلى الله عليه وسلم - من قتل قتيلا فله سلبه. ومن ذلك كان الماشى إِلى الصلاة والمنتظر لها مثل المصلى فى الثواب، وأما أن يقال إِذا صدر منكم تطليق فليكن لعدتهن فليس كافياً لأَنه كلفظ الآية يحتاج للتأويل لأَنه إِذا صدر التطليق استحال طلب تكوينه لعدة مع أنه قد وقع بل يطلق طلاقاً أخر وليس مراداً، بل يقال إِن أردتم صدور الطلاق واللام للتوقيت كقوله كتبته لثلاث بقين، أو مستقبلات لعدتهن، والكون الخاص إِذا علم جاز حذفه وذكره، وإِذا لم يعلم وجب ذكره وإِذا حذف فمع ضمير. وأما العام فواجب الحذف وهو أبداً معلوم بالظرف ويحذف وحده وينتقل ضميره للظرف ويستتر فيه، وذلك فى باب الحال كالصلة والصفة والخبر فى الحال أو فى الأَصل وتقدير مستقبلات أو لاستقبال بناء على ان العدة بالحيض لوجوب أن لا يكون الطلاق فى الحيض، وإِذا كان فى الطهر فليس الطهر مدة تامة لمضى بعضه والسُنة الطلاق فيه قبل المس فيه، والطلاق فى الحيض بدعة إِجماعاً وكبيرة على الأَصح ومضى على الأَصح، وقيل لا يعتد به وكأنه غير واقع، على أن النهى يدل على الفساد ويرده قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مُرهُ ليراجعها"تفسير : ويحصل القرء فى سورة البقرة على الحيض، وقد قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عباس وابن عمر فى: "قِبل عدتهن" وعنهما وعن ابن مسعود: "لقبل عدتهن". قال النووى فى شرح مسلم قراءة ابن عباس وابن عمر فى "قبل عدتهن" شاذة لا تثبت قرأناً إِلا بالإِجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا. قلت وكذا قراءة "لقبل عدتهم". ومن قال العدة بالإِظهار فسر القرء بالطهر ولم يقدر الاستقبال أو مستقبلات وعلق اللام بطلقوهن وهو مذهب الشافعى، والأَول مذهبنا، ومذهب أبى حنيفة. طلق ابن عمر زوجه حائضاً فذكر عمر رضى الله عنه ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال" حديث : ليُراجعها ثم يمسها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإِن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها"تفسير : ، فتلك العدة التى أمر الله تعالى أن يُطلق لها النساء وذلك لئلا تطول العدة، وإِنما شرط طهراً ثانياً بعد حيض ثان ليحصل حيض وطهر محضين لا كطهر من حيض وقع فيه الطلاق المنهى عنه ولئلا تكون المراجعة للطلاق، كما يكره النكاح للطلاق، وهذا إِستحباب، فلو راجعها وطلقها أول الطهر الذى يلى الحيض الذى طلقها فيه لجاز ولم يكن بدعة، وما تقدم رواية نافع عن ابن عمر. وروى يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر مُره يراجعها، فإِذا طهرت فإِن شاء طلقها وإِن شاء أمسكها، فنقول كل طلاق لم يقع فى الحيض ولا فى النفاس فهو طلاق السنة إِن لم يكن ثلاثاً أو اثنين بمرة، وقيل طلاق والآيسة والصغيرة وغير المدخول بها والتى لم تر الدم والحامل لا يكون بدعياً ولا سنياً. وإِن طلقها فى طهر بعد مس فيه فقيل عصى وكان بدعة لأَنه - صلى الله عليه وسلم - قال فى حديث ابن عمر قبل أن يمسها والخلع كالطلاق. وقيل الخلع يجوز فى الحيض بلا بدعة، لأَنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لثابت بن قيس أن يخالع زوجه ولم يسأله أحائض هى أم طاهر، وليس بشئ. ويرده أن الأَحاديث لم تبن على السؤال عن الأَحوال إِلا إِذا ادعى شئ أو ريب ولا سيما أنه قد شهر النهى عن الطلاق فى الحيض والفداء طلاق، فالطلاق فى الطهر بعد المس فيه بدعة أيضاً وهى دون بدعة الطلاق فى الحيض، والنفاس كالحيض. والشافعى يقول (لقبل عدتهن) أول الطهر وقبل الشئ ضد دبره، ومن طلق ثلاثاً بلفظ واحد عصى وبانت عنه. وطلق رجل زوجه ثلاثاً فقال - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان: "حديث : أيُلْعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" تفسير : وطلق الصامت زوجه ألفاً فسأَل ابنه عبادة بن الصامت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"حديث : فقال بانت بثلاث في معصية الله تعالى وبقيت تسعمائة وسبعة وتسعون عدواناً وظلماً إِنْ شاء الله عذبه وإِنْ شاء غفر له"تفسير : ، فالطلاق فوق الثلاث معصية وظلم لها، وقيل الطلاق بلفظ واحد ثلاثاً أو اثنين طلاق واحد، وحديث الصامت رد على ما شهر أن طلاق الثلاث واحد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أبغض الحلال إِلى الله الطلاق"، تفسير : ولفظ أبى داود وابن ماجه: أن من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق، وفى رواية لأَبى داود: ما أحل الله تعالى شيئاً أبغض إِليه من الطلاق، والشرع جاء بإِمساكهن ومجاملتهن، قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أحسنكم عند الله أحسنكم إِلى عياله"تفسير : ، أو قال: حديث : خيركم عند الله خيركم إِلى نسائهتفسير : ، قاله لعبد الله بن رواحة أحد النقباء فرحاً بفعله إِذ لاين زوجه اتهمته بسرية له ليلة فأَنكر بمعرضة لا بكذب فقالت إِن صدقت فاقرأ القرآن فقال: شعر : شهدت فلم أكذب بأَن محمداً رسول الذى فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل فى دينه متقبل وأن التى بالجزع من بطن نخلة ومن ذاتها كل عن الخير معزل تفسير : فقالت: زدنى.... فقال: شعر : وفينا رســول الله يتــلو كتابــه كما لاح معروف من الفجر ساطع أتـى بالهدى بعـد العـمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافى جنبه عن فراشه إِذا رقدت بالكافرين المضاجع تفسير : فثقالت: زدنى... فأَنشد: شعر : شـهـدت بــأَن وعــد الله حــق وأن النــار مثـــوى الكافرينــا وأن محمـــداً يدعـــو بحـــق وأن الله مولــى المؤمنينــــا وأن العرش فوق الماء طاف وفــوق العــرش رب العالمينــا ويحملــه ملائكــــة شـــداد ملائكــة الإِلــه مســومينـا تفسير : فقالت أما إِذا قرأت القرآن فقد صدقتك إِذ صدق الله وكذب بصرى فأَخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - فتبسم فقال ما مر وقال أيضاً وجدتها فقيهة أى عالمة بأَن الجنب لا تجوز له قراءة القرآن. {وَأحْصُوا الْعِدَّةَ} اضبطوها ثلاثة قروء كوامل، هذه حقيقة عرفية، وأصل الإِحصاء العد بالحصى. {واتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ} إِحذروا تطويل العدة عليهن بأَن تطلقوهن فى الحيض فلا تبتدئ الحساب إِلا من طهر ثان بعد حيض ثان لهذا الحيض كما مر فى حديث ابن عمر، والخطاب للأَزواج المطلقين، ويجوز أن يراد باتقاء الله حذر أن يكون كلما شارفت انقضاء العدة طلقها فتستأْنف أُخرى بل كل ذلك. وأما ما ذكر من أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عمر أن يطلقها فى أول كل طهر فلا يصح لأَنه - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الطلاق فكيف يأْمر بتعديده من لم يطلب التعديد وإِنما أمره بواحدة غير التى كان قد أوقعها على غير شريعة ليكون قد طلقها للسُنة. {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ} سفهاً أو لبغضهن أو غضباً عليهن أو انتقاماً أو كراهة لمساكنتهن أو لحاجة أو أمر ما إِلا ما أذن الشرع فيه، وشمل النهى التضييق عليهن بأَمر ما حتى يخرجن، وشمل الإِشارة بالإِخراج. {مِنْ بُيُوتِهِنَّ} من بيوت سكناهن فحذف المضاف أو أضاف البيوت إِليهن لأَنهن سواكن فيها وكأَنهن موالك لها، وفى ذلك تأكيد للنهى عن إِخراجهن لاستحقاقهن السكنى كأَنها أملاكهن مع أنها أملاك للأَزواج أو غيرهم وإِن كانت أملاكاً لهن لم يتوهم أحد جواز إِخراجهن حتى ينهى عنه. {وَلاَ يَخْرُجْن إِلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} ولا ناهية أو نافية بمعنى النهى وهو أوكد من صريح النهى كأَنهن قد امتثلن، وهو يخبر عن امتثالهن وخروجهن محرم لا يطلبنه ولا يأْذنوا لهن فيه ولا يخرجن ولو رضوا، وسكناهن حق مؤكد لله تعالى لا يحل بالإِباحة وذلك مذهب الحنفية، ومذهبنا ومذهب الشافعية جواز الخروج برضاه ورضاها بلا تضييق بعسر النفقة أو كلام السوء حتى تخرج بسبب ذلك، وإِن السكنى حق لهن، وعلى الأَول لو افتدت على أن لا سكنى لها اكترث البيت ولا تخرج منه، هذا نص أصحاب هذا القول، ولها الخروج لخوف إِنهدام أو غرق أو دابة مؤذية أو سرقة، ولها الخروج نهاراً لحاجة لها كبيع غزل أو شراء قطن أو صوف. روى أن نساء قتلى أُحد توحشن فأَذن لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتمعن فى بيت إِحداهن للتحدث ويبتن فى بيوتهن، وأجاز - صلى الله عليه وسلم - لخالة جابر التى طلقت أن تخرج لجدار نخلها، وإِذا لزمتها العدة فى السفر وليس معها زوجها اعتدت فى أهلها ذاهبة وراجعة. والبدوية تعتد فى ارتحالها وإِقامتها. والفاحشة المبينة قيل هى خروجهن كأَنه قيل لا يتصور خروجهن قبل انقضاء العدة إِلا وخروجهن فاحشة ظاهرة لا يتصور أن يكون خروجهن غير فاحشة مبينة، كما تقول لا تشتم أُمك إِلا وأنت قاطع الرحم، وهذا أبلغ فى النهى على الإِطلاق ولو برضاها ورضى زوجها، والأَولى غير هذا بأَن تفسر الفاحشة بالزنى أو بالقيادة أو بالمزمار أو الغناء أو الطبل أو الكهانة أو السحر أو طول اللسان على زوجها أو أقاربه أو أهله أو جاره أو السرقة أو الردة أو نشوزها على زوجها حتى طلقها، وإِن تابت رجعت، وقيل الفاحشة ما فيه حد تخرج ليقام عليها فترجع والاستثناء منقطع قيل أو تقدر باء السببية أى إِلا بإِتيانهن بفاحشة مبينة، وفيه أنه يتم الكلام على تقدير لا يخرجن لطلبكم خروجهن إِلا بأَن يأتين كأَنه قيل إِذا طلبتم خروجهن فلا يخرجن إِلا بسبب الفاحشة، فإِن رضيتم بالسكنى مع ذلك وزجرتموهن عن الفاحشة جاز أو تعلق الباء بتخرجوهن. {وَتِلْكَ} الأَحكام من التطليق للعدة وإِحصاء العدة وإِتقاء الله وعدم الإِخراج وعدم الخروج. {حُدُودُ اللهِ} لا تتجاوز ولا يقصر عنها، والحصر إِضافى منظور فيه إِلى شأن الطلاق. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} بالتفريط أو الإِفراط. {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فيعاقب أو ظلم النفس مجاز عن مسببه ولازمه وهما العقاب، وفسر بعضهم ظلم نفسه بأَنه أضر بها أى عرضها للضرر والماصدق واحد. {لاَ تَدْرِي} أيها المتعدى، وهذا على طريق الالتفات عن الغيبة إِلى الخطاب تأكيداً للزجر عن التعدى، وهذا على طريق الالتفات عن الغيبة إِلى الخطاب تأكيداً للزجر عن التعدى، وقيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى: لا تدرى... الخ" ترغيب فى المحافظة على الحدود بعد الترهيب، كذا قيل، وهو واضح، وقد يقال إِنه أنسب بالترهيب. {لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ} التعدى {أمْرًا} جملة الترجية سدت مسد مفعولى درى كجملة الاستفهام، والمراد لا تدرى أيها المتعدى عاقبة الأَمر لعل الله يحدث فى قلبك بعد ما فعلت مما هو تعدٍ أمرًا يقتضى خلاف ما فعلت، كإِبدال بغضها بالحب، والإِعراض عنها بالإِقبال. وبت الطلاق بالرجعة أو تجديد النكاح، ويحرم على من يعرض عليه أمر الطلاق أو كنايته أن يأمره بثلاث تطليقات، أو بالطلاق البائن، ومن فعل ذلك فقد ظلمها وصار كمن قطع بين الزوجين ونافر الآية وناقضها، فإِن الآية دلت على أن لا يطلق إِلا واحدة رجعية لعل الله تعالى يحدث فى قلبه الرجعة.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } خص النداء به صلى الله عليه وسلم وعم الخطاب بالحكم لأن النبـي عليه الصلاة والسلام إمام أمته كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت - إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وأنه المتكلم عنهم والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكمهم كلهم وساداً مسد جميعهم، وفي ذلك من إظهار جلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه، ولذلك اختير لفظ {ٱلنَّبِىّ } لما فيه من الدلالة على علو مرتبته صلى الله عليه وسلم، وقيل: الخطاب كالنداء له صلى الله عليه وسلم إلا أنه اختير ضمير الجمع للتعظيم نظير ما في قوله: شعر : ألا فارحموني يا إلٰه محمد تفسير : وقيل: إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء صرف سبحانه الخطاب عنه لأمته تكريماً له صلى الله عليه وسلم لما في الطلاق من الكراهة فلم يخاطب به تعظيماً، وجعل بعضهم الكلام على هذا بتقدير القول أي قل لأمتك: إذا طلقتم، وقيل: حذف نداء الأمة، والتقدير يا أيها النبـي / وأمة النبـي إذا طلقتم. وأياً مّا كان فالمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف للفعل منزلة الشارع فيه، واتفقوا على أنه لولا هذا التجوز لم يستقم الكلام لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى إذا طلقتم فطلقوهن مرة أخرى وهو غير مراد، وقال بعض المحققين: لك أن تقول: لا حاجة إلى ذلك بل هو من تعليق الخاص بالعام وهو أبلغ في الدلالة على اللزوم كما يقال: إن ضربت زيداً فاضربه ضرباً مبرحاً، لأن المعنى إن يصدر منك ضرب فليكن ضرباً شديداً، وهو أحسن من تأويله بالإرادة فتدبر انتهى، وأنت تعلم أن المتبادر فيما ذكره كونه على معنى الإرادة أيضاً. {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت نحو كتبته لأربع ليال يقين من جمادى الأولى، أو مستقبلات لها على ما قدره الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بما فيه نظر. واعتبار الاستقبال رأي من يرى أن العدة بالحيض - وهي القروء في آية البقرة كالإمام أبـي حنيفة ـ ليكون الطلاق في الطهر وهو الطلاق المأمور به، والمراد بالأمر بإيقاعه في ذلك، النهيُ عن إيقاعه في الحيض. وقد صرحوا جميعاً بأن ذلك طلاق بدعي حرام، وقيد الطهر بكونه لم يجامعن فيه، واستدل لذلك، ولاعتبار الاستقبال بما أخرجه الإمامان: مالك والشافعي والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون « حديث : عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء )تفسير : . وقرأ النبـي صلى الله عليه وسلم ـ يا أيها النبـي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُل عدتهن ـ وكان ابن عمر كما أخرج عنه ابن المنذر وغيره يقرأ كذلك وكذلك ابن عباس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ (لقبل عدتهن). ومن يرى أن العدة بالاطهار ـ وهي القروء ـ في تلك الآية كالإمام الشافعي - يعلق لام التوقيت بالفعل ولا يعتبر الاستقبال، واعترض على التأويل بمستقبلات لعدتهن بأنه إن أريد التلبس بأولها فهو للشافعي، ومن يرى رأيه لا عليه وعلى الخالف لا له، وإن أريد المشارفة عادة فخلاف مقتضى اللفظ لأن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت لا استقبال الوقت، وعلى الاستدلال بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما تضمنه الحديث السابق بأن قُبُلَ الشيء أوله نقيض دبره فهي مؤكدة لمذهب الشافعي لا دافعة له، ويشهد لكون العدة بالأطهار قراءة ابن مسعود ـ لقبل طهرهن ـ ومنهم من قال: التقدير لأطهار عدتهن، وتعقب بأنه إن جعلت الإضافة بمعنى ـ من ـ دل على أن القرء هو الحيض والطهر معاً، وإن جعلت بمعنى اللام فيكفي ما في قولك لأطهار الحيض من التنافر رداً مع ما فيه من الإضمار من غير دليل. وفي «الكشاف» ((المراد ـ أي من الآية ـ أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهو أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعد من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقها للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث، مجموعة كانت أو مفروقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد / فأما مفروقاً في الأطهار فلا لما روي « حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: ما هكذا أمرك الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة » تفسير : وروي « حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر: مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء »تفسير : . وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح، فمالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت)) انتهى. وفي «فتح القدير» في الاحتجاج على عدم كراهة التفريق على الأطهار وكونه من الطلاق السني رواية غير ما ذكر عن ابن عمر أيضاً، وقد قال فيها ما قال إلا أنه في الآخرة رجح قبولها. والمراد بإرسال الثلاث دفعة ما يعم كونها بألفاظ متعددة كأن يقال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو بلفظ واحد كأن يقال: أنت طالق ثلاثاً، وفي وقوع هذا ثلاثاً خلاف، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض، فعند الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد »تفسير : ، ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين، وقال قوم منهم ـ فيما قيل ـ طاوس وعكرمة: الطلاق الثلاث بفم واحد يقع به واحدة، وروى هذا أبو داود عن ابن عباس ـ وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة ـ وفي «الصحيحين» أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وصدر من خلافة عمر قال: نعم، وفي رواية لمسلم أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، ومنهم من قال في المدخول بها: يقع ثلاث، وفي الغير واحدة لما في مسلم وأبـي داود والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير السؤال من ابن عباس قال: أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وصدر من خلافة عمر الحديث. والذي ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين ـ ومنهم الأئمة الأربعة ـ وقوع الثلاث بفم واحد بل ذكر الإمام ابن الهمام وقوع الإجماع السكوتي من الصحابة على الوقوع. ونقل عن أكثر مجتهديهم كعلي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وأبـي هريرة وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص الإفتاء الصريح بذلك، وذكر أيضاً أن إمضاء عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمهم بأنها كانت واحدة لا يمكن إلا لأنهم قد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ، أو لعلمهم بانتهاء الحكم لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتهاءها في الزمان المتأخر، واستحسن ابن حجر في «التحفة» الجواب بالاطلاع على ناسخ بعد نقله جوابين سواه وتزييفه لهما، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بعض أخبار مرفوعة يستدل بها على وقوع الثلاث، لكن قيل: إن الثلاث فيها يحتمل أن تكون بألفاظ ثلاثة كأنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولعله هو الظاهر لا بلفظ واحد كأنت طالق ثلاثاً، وحينئذ لا يصلح ذلك للرد على من لم يوقع الثلاث بهذا اللفظ، لكن إذا صح الإجماع ولو سكوتياً على الوقوع لا ينبغي إلا الموافقة والسكوت وتأويل ما روي عن عمر، ولذا قال بعض الأئمة: لو حكم قاض بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه / لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه لإجماع الأئمة المعتبرين عليه، وإن اختلفوا في معصية من يوقعه كذلك، ومن قال: بمعصيته استدل بما روى النسائي عن محمود بن لبيد قال: « حديث : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاثاً جميعاً فقام غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله » تفسير : وبما أخرجه عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف تطليقة فانطلق عبادة فسأله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : بانت بثلاث في معصية الله وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون عدوان وظلم إن شاء الله تعالى عذبه وإن شاء غفر له » تفسير : ((ويفهم من هذا حرمة إيقاع الزائد أيضاً وهو ظاهر كلام ابن الرفعة، ومقتضى قول الروياني ـ واعتمده الزركشي وغيره ـ أنه يعزر فاعله، ووجه بأنه تعاطي نحو عقد فاسد وهو حرام، ونوزع في ذلك بما فيه نظر))، وبما في «سنن أبـي داود» عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق زوجته ثلاثاً فقال له: عصيت ربك وبانت منك امرأتك إلى غير ذلك. ((ومن قال بعدمها استدل بما رواه الشيخان من أن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره صلى الله عليه وسلم بحرمتها عليه، وقال: إنه لو كان معصية لنهاه عنه لأنه أوقعه معتقداً بقاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل ولم يوجدا، فدل على أن لا حرمة وبأنه قد فعله جماعة من الصحابة)) منهم عبد الرحمن بن عوف طلق زوجته تماضر ثلاثاً في موضعه، والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته شهبانوا ثلاثاً لما هنته بالخلافة بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه، وقال بعض الحنفية في ذلك: إنه محمول على أنهم قالوا: ثلاثاً للسنة، وهو أبعد من قول بعض الشافعية - فيما روي من الأدلة الدالة على العصيان فيه - إنه محمول على أنه كان في الحيض فالمعصية فيه من تلك الحيثية. واستدل على كونه معصية إذا كان في الحيض بما هو أظهر من ذلك كالروايتين السابقتين فيما نقل عن «الكشاف»، وفي الاستدلال بهما على حرمة إرسال الثلاث بحث، وربما يستدل بالثانية على وجوب الرجعة لكن قد ذكر بعض أجلة الشافعية أنها لا تجب بل تندب في الطلاق البدعي، وإنما لم تجب لأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء، وليس في ـ فليراجعها ـ أمر لابن عمر لأنه تفريع على أمر عمر، فالمعنى فليراجعها لأجل أمرك لكونك والده، واستفادة الندب منه حينئذ إنما هي من القرينة، وإذا راجع ارتفع الإثم المتعلق بحق الزوجة لا في الرجعة قاطعة للضرر من أصله فكانت بمنزلة التوبة ترفع أصل المعصية، وبه فارق دفن البصاق في المسجد فإنه قاطع لدوام ضرره لا لأصله لأن تلويث المسجد به قد حصل، ويندفع بما ذكر ما قيل: رفع الرجعة للتحريم كالتوبة يدل على وجوبها إذ كون الشيء بمنزلة الواجب في خصوصية من خصوصياته لا يقتضي وجوبه، ولا يستدل بما اقتضته الآية من النهي عن إيقاع الطلاق في الحيض على فساد الطلاق فيه إذ النهي عند أبـي حنيفة لا يستلزم الفساد مطلقاً، وعند الشافعي يدل على الفساد في العبادات وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد أو إلى أمر داخل فيه أو لازم له فإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا، وما نحن فيه لأمر مقارن وهو زمان الحيض فهو عنده لا يستلزم الفساد هنا أيضاً، وأيد ذلك بأمر ابن عمر بالرجعة إذ لو لم يقع الطلاق لم يؤمر بها. قيل: وما كان منه من التطليق في الحيض سبب نزول هذه الآية، والذي رواه ابن مردويه من طريق أبـي الزبير عنه وحكى عن السدي. / وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا أن قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } الآية نزل في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحرث وعمرو بن سعيد بن العاص، وقال بعضهم: فعله ناس منهم ابن عمرو بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت الآية، وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنها نزلت في حفصة بنت عمر طلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت إلى قوله تعالى: {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } فراجعها عليه الصلاة والسلام، ورواه قتادة عن أنس، وقال القرطبـي نقلاً عن علماء الحديث: إن الأصح أنها نزلت ابتداءاً لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح، وحكى أبو حيان نحوه عن الحافظ أبـي بكر بن العربـي. وظاهرها أن نفس الطلاق مباح، واستدل له أيضاً بما رواه أبو داود وابن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق » تفسير : وفي لفظ « حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق » تفسير : لوصفه بالإباحة والحل لأن أفعل بعض ما يضاف إليه، والمراد من كونه مبغوضاً التنفير عنه أو كونه كذلك من حيث إنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة لا من حيث حقيقته في نفسه. وقال البيهقي: البغض على إيقاعه كل وقت من غير رعاية لوقته المسنون، وبطلاقه صلى الله عليه وسلم حفصة ثم أمره تعالى إياه أن يراجعها فإنها صوامة قوامة. وقال غير واحد: هو محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح، ولقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لعن الله كل مذواق مطلاق » تفسير : وإنما أبيح للحاجة، قال ابن الهمام: وهذا هو الأصح فيكره إذا لم يكن حاجة، ويحمل لفظ المباح على أما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبـي داود «ما أحل الله تعالى شيئاً أبغض إليه من الطلاق» فإن الفعل لا عموم له في الأزمان، ومن الحاجة الكبر وعدم اشتهائه جماعها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه عليه وهي لا ترضى بترك ذلك، وما روي عن الحسن ـ وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه - من قوله: أحب الغني قال الله سبحانه: { أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل من طلاق الصحابة ـ كطلاق المغيرة بن شعبة الزوجات الأربعة دفعة ـ فقد قال لهن: أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأطواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن طلاق فمحمله وجود الحاجة وإن لم يصرح بها. وقال ابن حجر: ((هو إما واجب كطلاق مول لم يرد الوطء وحكمين رأياه، أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها، أو تكون غير عفيفة ما لم يخش الفجور بها، ومن ثم أمر صلى الله عليه وسلم من قال: «إن زوجتي لا ترد يد لامس» - أي لا تمنع من يريد الفجور بها على أحد أقوال في معناه - بإمساكها خشية من ذلك. ويلحق بخشية الفجور بها حصول مشقة له بفراقها تؤدي إلى مبيح تيمم، وكون مقامها عنده أمنع لفجورها فيما يظهر فيهما، أو سيئة الخلق أي بحيث لا يصبر على عشرتها عادة فيما يظهر، وإلا فغير سيئة الخلق كالغراب الأعصم أو يأمره به أحد والديه أي من غير تعنت كما هو شأن الحمقى من الآباء والأمهات، ومع عدم خوف فتنة أو مشقة بطلاقها فيما يظهر، أو حرام كالبدعي، أو مكروه بأن سلم الحال عن ذلك كله للخبر الصحيح «حديث : ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» تفسير : ولدلالته على زيادة التنفير عنه قالوا: ليس فيه مباح لكن صورة الإمام بما إذا لم يشتهها أي شهوة كاملة ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها)) اهـ. والآية على ما لا يخفى على المنصف - لا تدل على أكثر من حرمته في الحيض. والمراد بالنساء فيها المدخول بهن من المعتدات بالحيض على ما في «الكشاف»، وغيره لمكان قوله سبحانه: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }. / {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } واضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كوامل، وأصل معنى الإحصاء العد بالحصى كما كان معتاداً قديماً ثم صار حقيقة فيما ذكر {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ } في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن، وفي وصفه تعالى بربوبيته عز وجل لهم تأكيد للأمر ومبالغة في إيجاب الاتقاء. {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن، وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناءاً به، والنهي عن الإخراج يتناول عدم إخراجهن غضباً عليهن أو كراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن أو محض سفه بمنطوقه، ويتناول عدم الإذن لهن في الخروج بإشارته لأن خروجهن محرم بقوله تعالى: {وَلاَ يَخْرُجْنَ } أما إذا كانت لا ناهية كالتي قبلها فظاهر، وأما إذا كانت نافية فلأن المراد به النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح كما لا يخفى، والإذن في فعل المحرم محرم فكأنه قيل: {لا تخرجوهن} ولا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن، فهناك دلالة على أن سكونهن في البيوت حق للشرع مؤكد فلا يسقط بالإذن، وهذا على ما ذكره الجلبـي مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، فالمعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن؛ وتعقب الشهاب كون ذلك مذهب الحنفية بقوله: فيه نظر، وقد ذكر الرازي في «الأحكام» ما يدل على خلافه وأن السكنى كالنفقة تسقط بالإسقاط انتهى. والذي يظهر من كلامهم ما ذكره الجلبـي، وقد نص عليه الحصكفي في «الدر المختار»، وعلله بأن ذلك حق الله تعالى فلا يسقط بالإذن، وفي «الفتح» لو اختلعت على أن لا سكنى لها تبطل مؤنة السكنى عن الزوج ويلزمها أن تكتري بيته، وأما أن يحل لها الخروج فلا. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } أي ظاهرة هي نفس الخروج قبل انقضاء العدة كما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في «سننه» وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر، وروي عن السدي وابن السائب والنخعي ـ وبه أخذ أبو حنيفة ـ والاستثناء عليه راجع إلى {لا يَخْرُجْنَ } والمعنى لا يطلق لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه فيكون ذلك منعاً عن الخروج على أبلغ وجه. وقال الإمام ابن الهمام: هذا كما يقال في الخطابية: لا تزن إلا أن تكون فاسقاً، ولا تشتم أمك إلا أن تكون قاطع رحم، ونحو ذلك وهو بديع وبليغ جداً، والزنا على ما روي عن قتادة والحسن والشعبـي وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث، وهو قول ابن مسعود وقول ابن عباس؛ وبه أخذ أبو يوسف، والاستثناء عليه راجع إلى {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ} على ما يقتضيه ظاهر كلام جمع أي لا تخرجوهن إلا إن زنين فأخرجوهن لإقامة الحد عليهن، وقال بعض المحققين: هو راجع إلى الكل وما يوجب حداً من زنا أو سرقة أو غيرهما ـ كما أخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب ـ واختاره الطبري، والبذاء على الأحماء أي أو على الزوج ـ كما أخرجه جماعة من طرق عن ابن عباس ـ والاستثناء راجع إلى الأول أي لا تخرجوهن إلا إذا طالت ألسنتهن وتكلمن بالكلام الفاحش القبيح على أزواجهن أو أحمائهن، وأيد بقراءة أبـيّ ـ إلا أن يفحشن عليكم ـ بفتح الياء وضم الحاء، وفي «موضح الأهوازي» ـ يفحشن ـ من أفحش، قال الجوهري: أفحش عليه في النطق أي أتى بالفحش، وفي حرف ابن مسعود ـ إلا أن يفحشن بدون عليكم والنشوز، والمراد إلا أن / يطلقن على النشوز على ما روي عن قتادة أيضاً، والاستثناء عليه قيل: راجع إلى الأول أيضاً، وفي «الكشف» هو راجع إلى الكل لأنه إذا سقط حقها في السكنى حل الإخراج والخروج أيضاً، وأياً مّا كان فليس في الآية حصر المبيح لفعل المنهي عنه بالإتيان بالفاحشة، وقد بينت المبيحات في كتب الفروع فليراجعها من أراد ذلك. وقرأ ابن كثير وأبو بكر {مبينة } بالفتح. {وَتِلْكَ } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام أي تلك الأحكام الجليلة الشأن {حُدُودَ ٱللَّهِ } التي عينها لعباده عز وجل {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ } أي حدوده تعالى المذكورة بأن أخل بشيء منها على أن الإظهار في موضع الإضمار لتهويل أمر التعدي والإشعار بعلة الحكم في قوله تعالى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ((أي أضر بها كما قال شيخ الإسلام، ونَقَلَ عن بعض تفسير الظلم بتعريضها للعقاب، وتعقبه بأنه يأباه قوله سبحانه: {لا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية؛ وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه فلا بد أن يكون الظلم [عبارة] عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكنه تداركه، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي، وخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز أكثر الناس منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى)). ورد بأن الضرر الدنيوي غير محقق فلا ينبغي تفسير الظلم هٰهنا به، وأن قوله تعالى: {لا تَدْرِى } الخ ليس تعليلاً لما ذكر بل هو ترغيب للمحافظة على الحدود بعد الترهيب، وفيه أنه بالترهيب أشبه منه بالترغيب، ولعل المراد من أضر بها عرضها للضرر، فالظلم هو ذلك التعريض ولا محذور في تفسيره به فيما يظهر، وجملة الترجي في موضع النصب بـ {لا تَدْرِى }، وعد أبو حيان {لَعَلَّ } من المعلقات. والخطاب في {لا تَدْرِى } للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبـي صلى الله عليه وسلم كما قيل، فالمعنى من يتعدى حدود الله تعالى فقد عرض نفسه للضرر فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله تعالى يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمراً يقتضي خلاف ما فعلته فيكون بدل بغضها محبة وبدل الإعراض عنها إقبالاً إليها، ولا يتسنى تلافيه برجعة أو استئناف نكاح.
سيد قطب
تفسير : هذه سورة الطلاق، يبين الله فيها أحكامه، ويفصل فيها الحالات التي لم تفصل في السورة الأخرى (سورة البقرة) التي تضمنت بعض أحكام الطلاق؛ ويقرر فيها أحكام الحالات المتخلفة عن الطلاق من شؤون الأسرة. وقد تضمنت هذه السورة بيان الوقت الذي يمكن أن يقع فيه الطلاق الذي يقبله الله ويجري وفق سنته: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}. وحق المطلقة وواجبها في البقاء في بيتها ـ وهو بيت مطلقها ـ فترة العدة لا تخرج ولا تخرج إلا أن تأتي بفاحشة مبينة: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.. وحقها بعد انقضاء العدة في الخروج لتفعل بنفسها ما تشاء، ما لم يكن الزوج قد راجعها وأمسكها في فترة العدة، لا ليضارها ويؤذيها بهذا الإمساك ويعطلها عن الزواج، ولكن لتعود الحياة الزوجية بينهما بالمعروف: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}.. وهذا مع الإشهاد على الإمساك أو الفراق: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}.. وفي سورة البقرة بين مدة العدة للمطلقة ذات الحيض ـ وهي ثلاثة قروء بمعنى ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات على خلاف فقهي ـ وهنا بين هذه المدة بالنسبة للآيسة التي انقطع حيضها وللصغيرة التي لم تحض: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن}.. وبين عدة الحامل: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.. ثم فصل حكم المسكن الذي تعتد فيه المعتدة ونفقة الحمل حتى تضع: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}.. ثم حكم الرضاعة لولد المطلقة حين تضعه، وأجر الأم على الرضاعة في حالة الاتفاق بينها وبين أبيه على مصلحة الطفل بينهما، وفي حالة إرضاعه من أخرى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف. وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى}.. ثم زاد حكم النفقة والأجر في جميع الحالات تفصيلاً، فجعله تابعاً لحالة الزوج وقدرته: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله. لا يكلف الله نفساً إلا مآ آتاها}.. وهكذا تتبعت النصوص سائر الحالات، وما يتخلف عنها، بأحكام مفصلة دقيقة، ولم تدع شيئاً من أنقاض الأسرة المفككة بالطلاق إلا أراحته في مكانه، وبينت حكمه، في رفق وفي دقة وفي وضوح.. ويقف الإنسان مدهوشاً أمام هذه السورة وهي تتناول أحكام هذه الحالة ومتخلفاتها. وهي تحشد للأمر هذا الحشد العجيب من الترغيب والترهيب، والتعقيب على كل حكم، ووصل هذا الأمر بقدر الله في السماوات والأرضين، وسنن الله في هلاك العاتين عن أمره، وفي الفرج والسعة لمن يتقونه. وتكرار الأمر بالمعروف والسماحة والتراضي، وإيثار الجميل. والإطماع في الخير. والتذكير بقدر الله في الخلق وفي الرزق، وفي اليسر والعسر.. يقف الإنسان مدهوشاً أمام هذا الحشد من الحقائق الكونية الكبرى في معرض الحديث عن الطلاق أمام هذا الاحتفال والاهتمام ـ حتى ليوجه الخطاب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشخصه، وهو أمر عام للمؤمنين وحكم عام للمسلمين، زيادة في الاهتمام وإشعاراً بخطورة الأمر المتحدث فيه. وأمام هذا التفصيل الدقيق للأحكام حالة حالة، والأمر المشدد في كل حكم بالدقة في مراعاته، وتقوى الله في تنفيذه، ومراقبة الله في تناوله. والإطالة في التعقيب بالترغيب والترهيب، إطالة تشعر القلب كأن هذا الأمر هو الإسلام كله! وهو الدين كله! وهو القضية التي تفصل فيها السماء، وتقف لتراقب تنفيذ الأحكام! وتعد المتقين فيها بأكبر وأسمى ما يتطلع إليه المؤمن؛ وتوعد الملتوين والمتلكئين والمضارّين بأعنف وأشد ما يلقاه عاصٍ؛ وتلوح للناس بالرجاء الندي والخير المخبوء وراء أخذ الأمر بالمعروف والسماحة والتجمل والتيسير. ويقرأ القارئ في هذه السورة.. {واتقوا الله ربكم}.. {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}.. {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. {وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله}.. {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر}.. {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.. ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيء قدراً}.. {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}. {ذلك أمر الله أنزله إليكم} {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}.. {سيجعل الله بعد عسر يسراً}.. كما يقرأ ذلك التهديد العنيف الطويل المفصل: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً، وعذبناها عذاباً نكراً. فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً. أعد الله لهم عذاباً شديداً}.. يعقبه التحذير من مثل هذا المصير، والتذكير بنعمة الله بالرسول وما معه من النور، والتلويح بالأجر الكبير: {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا، قد أنزل الله إليكم ذكراً: رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبداً قد أحسن الله له رزقاً}.. ثم يقرأ هذا الإيقاع الهائل الضخم في المجال الكوني الكبير: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً}.. يقرأ هذا كله تعقيباً على أحكام الطلاق. ويجد سورة كاملة في القرآن، من هذا الطراز، كلها موقوفة على تنظيم هذه الحالة ومتخلفاتها كذلك! وربطها هكذا بأضخم حقائق الإيمان في المجال الكوني والنفسي. وهي حالة تهدم لا حالة بناء، وحالة انتهاء لا حالة إنشاء.. لأسرة.. لا لدولة.. وهي توقع في الحس أنها أضخم من إنشاء دولة! علام يدل هذا؟ إن له عدة دلالات تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانبثاقه من نبع غير بشري على وجه التأكيد. حتى لو لم تكن هناك دلالة أخرى سوى دلالة هذه السورة! إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي: فالإسلام نظام أسرة. البيت في اعتباره مثابة وسكن، في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر؛ وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة؛ ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل. ومن ثم يصور العلاقة البيتية تصويراً رفافاً شفيفاً، يشع منه التعاطف، وترف فيه الظلال، ويشيع فيه الندى، ويفوح منه العبير: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}.. {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}..تفسير : فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل. وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنواً ورفقاً، ويستروح من خلالها نداوة وظلاً. وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق. ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها. ذلك حين يقول: {أية : نساؤكم حرث لكم}. تفسير : فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار. ويحيط الإسلام هذه الخلية، أو هذا المحضن، أو هذه المثابة بكل رعايته وبكل ضماناته. وحسب طبيعة الإسلام الكلية، فإنه لا يكتفي بالإشعاعات الروحية، بل يتبعها التنظيمات القانونية والضمانات التشريعية. والذي ينظر في تشريعات الأسرة في القرآن والسنة في كل موضع من أوضاعها ولكل حالة من حالاتها، وينظر في التوجيهات المصاحبة لهذه التشريعات، وفي الاحتشاد الظاهر حولها بالمؤثرات والمعقبات؛ وفي ربط هذا الشأن بالله مباشرة في كل موضع، كما هو الحال في هذه السورة وفي غيرها.. يدرك إدراكاً كاملاً ضخامة شأن الأسرة في النظام الإسلامي، وقيمة هذا الأمر عند الله، وهو يجمع بين تقواه ـ سبحانه ـ وتقوى الرحم في أول سورة النساء حيث يقول: {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونسآء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً }.. تفسير : كما يجمع بين عبادة الله والإحسان للوالدين في سورة الإسراء وفي غيرها: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً}.. تفسير : وبين الشكر لله والشكر للوالدين في سورة لقمان: {أية : أن اشكر لي ولوالديك }.. تفسير : وإن هذه العناية القصوى بأمر الأسرة لتتناسق مع مجرى القدر الإلهي بإقامة الحياة البشرية ابتداء على أساس الأسرة، حين جرى قدر الله أن تكون أول خلية في الوجود البشري هي أسرة آدم وزوجه، وأن يتكاثر الناس بعد ذلك من هذه الخلية الأولى. وكان الله ـ سبحانه ـ قادراً على أن يخلق الملايين من الأفراد الإنسانيين دفعة واحدة. ولكن قدره جرى بهذا لحكمة كامنة في وظيفة الأسرة الضخمة في حياة هذا المخلوق، حيث تلبي حياة الأسرة فطرته واستعداداته، وحيث تنمي شخصيته وفضائله، وحيث يتلقى فيها أعمق المؤثرات في حياته. ثم جرت هذه العناية في النظام الإسلامي ـ منهج الله الأخير في الأرض ـ مع القدر الإلهي في خلقه الإنسان ابتداء. كما هو الشأن في تناسق كل ما يصدر عن الله بلا تفاوت ولا اختلاف. والدلالة الثانية لسياق السورة، وللاحتفال بشأن العلاقات الزوجية والعائلية هذا الاحتفال في القرآن كله، هي اتجاه النظام الإسلامي لرفع هذه العلاقات الإنسانية إلى مستوى القداسة المتصلة بالله؛ واتخاذها وسيلة للتطهر الروحي والنظافة الشعورية ـ لا كما كان ينظر إليها في العقائد الوثنية، وعند أتباع الديانات المحرفة، البعيدة بهذا التحريف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها. "إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها، إنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني، ويرقيها حتى تصبح هي المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية. ويقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية، التي تجعل من التقاء جسدين، التقاء نفسين وقلبين وروحين. وبتعبير شامل التقاء إنسانين، تربط بينهما حياة مشتركة، وآمال مشتركة، وآلام مشتركة، ومستقبل مشترك، يلتقي في الذرية المرتقبة، ويتقابل في الجيل الجديد، الذي ينشأ في العش المشترك، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان". ويعد الإسلام الزواج وسيلة للتطهير والارتفاع فيدعو الأمة المسلمة لتزويج رجالها ونسائها إذا قام المال عقبة دون تحقيق هذه الوسيلة الضرورية لتطهير الحياة ورفعها: {أية : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم. وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله}..تفسير : ويسمي الزواج إحصاناً أي وقاية وصيانة. ويستقر في أخلاد المؤمنين أن البقاء بدون إحصان ولو فترة قصيرة لا ينال رضى الله. فيقول الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ وقد سارع بالزواج عقب وفاة زوجه فاطمة بنت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لقد خشيت أن ألقى الله وأنا عزب".. فيدخل الزواج في عرف المؤمن في الطاعات التي يتقرب بها إلى ربه. وترتفع هذه الصلة إلى مكان القداسة في ضميره بما أنها إحدى الطاعات لربه. والدلالة الثالثة لسياق سورة الطلاق ونظائرها هي واقعية هذا النظام الإسلامي ومعاملته للحياة وللنفس البشرية كما هي في فطرتها، مع محاولة رفعها إلى ذلك المستوى الكريم، عن طريق استعداداتها وملابسات حياتها. ومن ثم لا يكتفي بالتشريع الدقيق في هذا الأمر الموكول إلى الضمير. ولا يكتفي بالتوجيه. ويستخدم هذا وذاك في مواجهة واقع النفس وواقع الحياة. إن الأصل في الرابطة الزوجية هو الاستقرار والاستمرار. والإسلام يحيط هذه الرابطة بكل الضمانات التي تكفل استقرارها واستمرارها. وفي سبيل هذه الغاية يرفعها إلى مرتبة الطاعات، ويعين على قيامها بمال الدولة للفقراء والفقيرات، ويفرض الآداب التي تمنع التبرج والفتنة كي تستقر العواطف ولا تتلفت القلوب على هتاف الفتنة المتبرجة في الأسواق! ويفرض حد الزنا وحد القذف؛ ويجعل للبيوت حرمتها بالاستئذان عليها والاستئذان بين أهلها في داخلها. وينظم الارتباطات الزوجية بشريعة محددة، ويقيم نظام البيت على أساس قوامة أحد الشريكين وهو الأقدر على القوامة، منعاً للفوضى والاضطراب والنزاع.. إلى آخر الضمانات والتنظيمات الواقعية من كل اهتزاز. فوق التوجيهات العاطفية. وفوق ربط هذه العلاقة كلها بتقوى الله ورقابته. ولكن الحياة الواقعية للبشر تثبت أن هناك حالات تتهدم وتتحطم على الرغم من جميع الضمانات والتوجيهات. وهي حالات لا بد أن تواجه مواجهة عملية، اعترافاً بمنطق الواقع الذي لا يجدي إنكاره حين تتعذر الحياة الزوجية، ويصبح الإمساك بالزوجية عبثاً لا يقوم على أساس! "والإسلام لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة، ولأول بادرة من خلاف. إنه يشد على هذا الرباط بقوة، فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس". "إنه يهتف بالرجال:{أية : وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}..تفسير : فيميل بهم إلى التريث والمصابرة حتى في حالة الكراهية، ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة: {أية : فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}تفسير : فما يدريهم أن في هؤلاء النسوة المكروهات خيراً، وأن الله يدخر لهم هذا الخير. فلا يجوز أن يفلتوه. إن لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويعزوه! وليس أبلغ من هذا في استحياء الانعطاف الوجداني واستثارته، وترويض الكره وإطفاء شرته". "فإذا تجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور، فليس الطلاق أول خاطر يهدي إلى الإسلام. بل لا بد من محاولة يقوم بها الآخرون، وتوفيق يحاوله الخيرون: {أية : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلهآ إن يريدآ إصلاحاً يوفق الله بينهمآ. إن الله كان عليماً خبيراً}.. {أية : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير }.. تفسير : "فإذا لم تجد هذه الوساطة، فالأمر إذن جد، وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة، ولا يستقر لها قرار. وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة، يزيدها الضغط فشلاً، ومن الحكمة التسليم بالواقع، وإنهاء هذه الحياة على كره من الإسلام، فإن أبغض الحلال إلى الله الطلاق. فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق. إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء.. وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال. وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس، وتقر القلوب، ويصلح الله بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق! ثم بعد ذلك فترة العدة. ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد. وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة. وفترة الحمل للحوامل. وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة، ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية. ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالاً يقع، وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية، فتشرع لها، وتنظم أوضاعها، وتعالج آثارها. وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة، التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة، مع دفعها دائماً إلى الأمام. ورفعها دائماً إلى السماء. والدلالة الرابعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفصيل الشديد والتوكيد، هو أنها كانت تواجه حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية، وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف، مما اقتضى هذا التشديد، وهذا الحشد من المؤثرات النفسية، ومن التفصيلات الدقيقة، التي لا تدع مجالاً للتلاعب والالتواء مع ما كان مستقراً في النفوس من تصورات متخلفة عن علاقات الجنسين، ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية. ولم يكن الحال هكذا في شبه الجزيرة وحدها، إنما كان شائعاً في العالم كله يومذاك. فكان وضع المرأة هو وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنبات الأرض جميعاً. فوق ما كان ينظر إلى العلاقات الجنسية نظرة استقذار، وإلى المرأة كأنها شيطان يغري بهذه القذارة. ومن هذه الوهدة العالمية ارتفع الإسلام بالمرأة وبالعلاقات الزوجية إلى ذلك المستوى الرفيع الطاهر الكريم الذي سبقت الإشارة إليه. وأنشأ للمرأة ما أنشأ من القيمة والاعتبار والحقوق والضمانات... وليدة لا توأد ولا تهان. ومخطوبة لا تنكح إلا بإذنها ثيباً أو بكراً. وزوجة لها حقوق الرعاية فوق ضمانات الشريعة. ومطلقة لها هذه الحقوق المفصلة في هذه السورة وفي سورة البقرة وغيرها.. شرع الإسلام هذا كله. لا لأن النساء في شبه الجزيرة أو في أي مكان في العالم حينذاك شعرن بأن مكانهن غير مرض! ولا لأن شعور الرجال كذلك قد تأذى بوضع النساء. ولا لأنه كان هناك اتحاد نسائي عربي أو عالمي! ولا لأن المرأة دخلت دار الندوة أو مجلس الشورى! ولا لأن هاتفاً واحداً في الأرض هتف بتغيير الأحوال.. إنما كانت هي شريعة السماء للأرض. وعدالة السماء للأرض. وإرادة السماء بالأرض.. أن ترتفع الحياة البشرية من تلك الوهدة، وأن تتطهر العلاقات الزوجية من تلك الوصمة، وان يكون للزوجين من نفس واحدة حقوق الإنسان وكرامة الإنسان. .. هذا دين رفيع.. لا يعرض عنه إلا مطموس. ولا يعيبه إلا منكوس، ولا يحاربه إلا موكوس. فإنه لا يدع شريعة الله إلى شريعة الناس إلا من أخلد إلى الأرض واتبع هواه. والآن نستعرض الأحكام في سياق السورة ـ بعد هذا الاستطراد الذي لا يبعد كثيراً عن جو هذا الجزء وما فيه من تنظيم وبناء للجماعة المسلمة ـ والأحكام في سياق السورة شيء آخر غير ذلك التلخيص. شيء حي. فيه روح. وفيه حركة. وفيه حياة. وفيه إيحاء.. وله إيقاع. وهذا هو الفارق الأصيل بين مدارسة الأحكام في القرآن ومدارستها في كتب الفقه والأصول. {يا أيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. هذه هي أول مرحلة وهذا هو أول حكم يوجه الخطاب به إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ {يا أيها النبي}.. ثم يظهر أن الحكم خاص بالمسلمين لا بشخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {إذا طلقتم النساء.. الخ} فيوحي هذا النسق من التعبير بما وراءه، وهو إثارة الاهتمام، وتصوير الجدية. فهو أمر ذو بال، ينادي الله نبيه بشخصه ليلقي إليه فيه بأمره، كما يبلغه لمن وراءه. وهي إيحاءات نفسية واضحة الدلالة على ما يراد بها من احتفال واحتشاد. {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}.. وقد ورد في تحديد معنى هذا النص حديث صحيح رواه البخاري ولفظه: "حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم، "حديث : أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتغيظ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل ".. تفسير : ورواه مسلم ولفظه: "حديث : فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ".. تفسير : ومن ثم يتعين أن هناك وقتاً معيناً لإيقاع الطلاق؛ وأنه ليس للزوج أن يطلق حينما شاء إلا أن تكون امرأته في حالة طهر من حيض، ولم يقع بينهما في هذا الطهر وطء. وتفيد آثار أخرى أن هناك حالة ثانية يجوز فيها الطلاق، وهو أن تكون الزوجة حاملاً بينة الحمل. والحكمة في ذلك التوقيت هي أولاً إرجاء إيقاع الطلاق فترة بعد اللحظة التي تتجه فيها النفس للطلاق؛ وقد تسكن الفورة إن كانت طارئة وتعود النفوس إلى الوئام. كما أن فيه تأكداً من الحمل أو عدمه قبل الطلاق. فقد يمسك عن الطلاق لو علم أن زوجه حامل. فإذا مضى فيه وقد تبين حملها دل على أنه مريد له ولو كانت حاملاً. فاشتراط الطهر بلا وطء هو للتحقيق من عدم الحمل، واشتراط تبين الحمل هو ليكون على بصيرة من الأمر. وهذه أول محاولة لرأب الصدع في بناء الأسرة، ومحاولة دفع المعول عن ذلك البناء. وليس معنى هذا أن الطلاق لا يقع إلا في هذه الفترة. فهو يقع حيثما طلق. ولكنه يكون مكروهاً من الله، مغضوباً عليه من رسول الله. وهذا الحكم يكفي في ضمير المؤمن ليمسك به حتى يأتي الأجل. فيقضي الله ما يريد في هذه المسألة. {وأحصوا العدة}.. كي لا يكون في عدم إحصائها إطالة للأمد على المطلقة، ومضارة لها بمنعها من الزواج بعد العدة. أو نقص في مدتها لا يتحقق به الغرض الأول، وهو التأكد من براءة رحم المطلقة من الحمل المستكن حفظاً للأنساب. ثم هو الضبط الدقيق الذي يوحي بأهمية الأمر، ومراقبة السماء له، ومطالبة أصحابه بالدقة فيه! {واتقوا الله ربكم. لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}. وهذا أول تنبيه ـ بعد وهلة النداء الأول ـ وأول تحذير من الله وتقديم تقواه. قبل الأمر بعدم إخراجهن من بيوتهن ـ وهي بيوت أزواجهن ولكنه يسميها بيوتهن لتوكيد حقهن في الإقامة بها فترة العدة ـ لا يُخرَجن منها ولا يَخرجن، إلا في حالة وقوع فاحشة ظاهرة منهن. وقد ورد أن هذه الفاحشة قد تكون الزنا فتخرج للحد: وقد تكون إيذاء أهل الزوج. وقد تكون هي النشوز على الزوج ـ ولو أنه مطلق ـ وعمل ما يؤذيه. ذلك أن الحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة. حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين؛ فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين! فأما حين ترتكس في حمأة الزنا وهي في بيته! أو تؤذي أهله، أو تنشز عليه، فلا محل لاستحياء المشاعر الطيبة، واستجاشة المودة الدفينة. ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة. فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها! {وتلك حدود الله. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}.. وهذا هو التحذير الثاني. فالحارس لهذا الحكم هو الله. فأي مؤمن إذن يتعرض لحد يحرسه الله؟! إنه الهلاك والبوار.. {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}.. ظلم نفسه لتعريضها هكذا لبأس الله القائم على حدوده يحرسها ويرعاها. وظلم نفسه بظلم زوجه. وهي وهو من نفس واحدة، فما يظلمها يظلمه كذلك بهذا الاعتبار.. ثم.. {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. وهي لمسة موحية مؤثرة. فمن ذا الذي يعلم غيب الله وقدره المخبوء وراء أمره بالعدة، وأمره ببقاء المطلقات في بيوتهن.. إنه يلوح هناك أمل، ويوصوص هناك رجاء. وقد يكون الخير كله. وقد تتغير الأحوال وتتبدل إلى هناءة ورضى. فقدر الله دائم الحركة، دائم التغيير، ودائم الأحداث. والتسليم لأمر الله أولى، والرعاية له أوفق، وتقواه ومراقبته فيها الخير يلوح هناك! والنفس البشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة، وما فيها من أوضاع وملابسات، وقد تغلق عليها منافذ المستقبل، فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة، وتشعر أنها سرمد، وأنها باقية، وأن ما فيها من أوضاع وأحوال سيرافقها ويطاردها.. وهذا سجن نفسي مغلق مفسد للأعصاب في كثير من الأحيان. وليست هذه هي الحقيقة. فقدر الله دائماً يعمل، ودائماً يغير، ودائماً يبدل، ودائماً ينشئ ما لا يجول في حسبان البشر من الأحوال والأوضاع. فرج بعد ضيق. وعسر بعد يسر. وبسط بعد قبض. والله كل يوم هو في شأن، يبديه للخلق بعد أن كان عنهم في حجاب. ويريد الله أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس البشر، ليظل تطلعهم إلى ما يحدثه الله من الأمر متجدداً ودائماً. ولتظل أبواب الأمل في تغيير الأوضاع مفتوحة دائمة. ولتظل نفوسهم متحركة بالأمل، ندية بالرجاء، لا تغلق المنافذ ولا تعيش في سجن الحاضر. واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسبان.. {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة لله. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيء قدراً}.. وهذه هي المرحلة الثانية وهذا هو حكمها، وبلوغ الأجل آخر فترة العدة. وللزوج ما دامت المطلقة لم تخرج من العدة ـ على آجالها المختلفة التي سبق بيانها ـ أن يراجعها فتعود إلى عصمته بمجرد مراجعتها ـ وهذا هو إمساكها ـ أو أن يدع العدة تمضي فتبين منه ولا تحل إلا بعقد جديد كالزوجة الجديدة. وسواء راجع أم فارق فهو مأمور بالمعروف فيهما، منهي عن المضارة بالرجعة، كأن يراجعها قبيل انتهاء العدة ثم يعود فيطلقها الثانية ثم الثالثة ليطيل مدة بقائها بلا زواج! أو أن يراجعها ليبقيها كالمعلقة، ويكايدها لتفتدي منه نفسها ـ وكان كلاهما يقع عند نزول هذه السورة، وهو ما يزال يقع كلما انحرفت النفوس عن تقوى الله. وهي الضمان الأول لأحكامه في المعاشرة والفراق. كذلك هو منهي عن المضارة في الفراق بالسب والشتم والغلظة في القول والغضب، فهذه الصلة تقوم بالمعروف وتنتهي بالمعروف استبقاء لمودات القلوب؛ فقد تعود إلى العشرة، فلا تنطوي على ذكرى رديئة، لكلمة نابية، أو غمزة شائكة، أو شائبة تعكر صفاءها عندما تعود. ثم هو الأدب الإسلامي المحض الذي يأخذ الإسلام به الألسنة والقلوب. وفي حالتي الفراق أو الرجعة تطلب الشهادة على هذه وذاك. شهادة اثنين من العدول. قطعاً للريبة. فقد يعلم الناس بالطلاق ولا يعلمون بالرجعة، فتثور شكوك وتقال أقاويل. والإسلام يريد النصاعة والطهارة في هذه العلاقات وفي ضمائر الناس وألسنتهم على السواء. والرجعة تتم وكذلك الفرقة بدون الشهادة عند بعض الفقهاء ولا تتم عند بعضهم إلا بها. ولكن الإجماع أن لا بد من الشهادة بعد أو مع الفرقة أو الرجعة على القولين. وعقب بيان الحكم تجيء اللمسات والتوجيهات تترى: {واقيموا الشهادة لله}.. فالقضية قضية الله، والشهادة فيها لله، هو يأمر بها، وهو يراقب استقامتها، وهو يجزي عليها. والتعامل فيها معه لا مع الزوج ولا الزوجة ولا الناس! {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر}. والمخاطبون بهذه الأحكام هم المؤمنون المعتقدون باليوم الآخر. فهو يقول لهم: إنه يعظهم بما هو من شأنهم. فإذا صدقوا الإيمان به وباليوم الآخر فهم إذن سيتعظون ويعتبرون. وهذا هو محك إيمانهم، وهذا هو مقياس دعواهم في الإيمان! {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}.. مخرجاً من الضيق في الدنيا والآخرة، ورزقاً من حيث لا يقدر ولا ينتظر. وهو تقرير عام، وحقيقة دائمة. ولكن إلصاقها هنا بأحكام الطلاق يوحي بدقة انطباقها وتحققها عندما يتقي المتقون الله في هذا الشأن بصفة خاصة. وهو الشأن الذي لا ضابط فيه أحس ولا أدق من ضابط الشعور والضمير، فالتلاعب فيه مجاله واسع، لا يقف دونه إلا تقوى الله وحساسية الضمير. {ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره}.. فمجال الكيد في هذه العلاقة واسع، ومسالكه كثيرة، وقد تؤدي محاولة اتقاء الكيد إلى الكيد! فهنا إيحاء بترك هذه المحاولة، والتوكل على الله، وهو كافٍ لمن يتوكل عليه. فالله بالغ أمره. فما قدر وقع، وما شاء كان؛ فالتوكل عليه توكل على قدرة القادر، وقوة القاهر. الفعال لما يريد. البالغ ما يشاء. والنص عام. والمقصود به هو إنشاء التصور الإيماني الصحيح في القلب، بالنسبة لإرادة الله وقدره.. ولكن وروده هنا بمناسبة أحكام الطلاق له إيحاؤه في هذا المجال وأثره. {قد جعل الله لكل شيء قدراً}.. فكل شيء مقدر بمقداره، وبزمانه، وبمكانه، وبملابساته، وبنتائجه وأسبابه. وليس شيء مصادفة، وليس شيء جزافاً. في هذا الكون كله، وفي نفس الإنسان وحياته.. وهي حقيقة ضخمة يقوم عليها جانب كبير من التصور الإيماني. (وقد فصلنا الحديث عنها عند استعراض قوله تعالى: {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً}تفسير : في سورة الفرقان. وعند قوله تعالى: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}.. تفسير : في سورة القمر). ولكن ذكر هذه الحقيقة الكلية هنا يربط بها ما قدره الله عن الطلاق وفترته، والعدة ووقتها، والشهادة وإقامتها. ويطبع هذه الأحكام بطابع السنة الإلهية النافذة، والناموس الكلي العام. ويوقع في الحس أن الأمر جد من جد النظام الكوني المقدر في كل خلق الله. {واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم ـ إن ارتبتم ـ فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن. وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً. ذلك أمر الله أنزله إليكم، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}.. وهذا تحديد لمدة العدة لغير ذوات الحيض والحمل. يشمل اللواتي انقطع حيضهن، واللاتي لم يحضن بعد لصغر أو لعلة. ذلك أن المدة التي بينت من قبل في سورة البقرة كانت تنطبق على ذوات الحيض ـ وهي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات. حسب الخلاف الفقهي في المسألة ـ فأما التي انقطع حيضها والتي لم تحض أصلاً فكان حكمها موضع لبس: كيف تحسب عدتها؟ فجاءت هذه الآية تبين وتنفي اللبس والشك، وتحدد ثلاثة أشهر لهؤلاء وهؤلاء، لاشتراكهن في عدم الحيض الذي تحسب به عدة أولئك. أما الحوامل فجعل عدتهن هي الوضع. طال الزمن بعد الطلاق أم قصر. ولو كان أربعين ليلة فترة الطهر من النفاس. لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة، فلا حاجة إلى الانتظار. والمطلقة تبين من مطلقها بمجرد الوضع، فلا حكمة في انتظارها بعد ذلك، وهي غير قابلة للرجعة إليه إلا بعقد جديد على كل حال. وقد جعل الله لكل شيء قدراً. فليس هناك حكم إلا ووراءه حكمة. هذا هو الحكم ثم تجيء اللمسات والتعقيبات: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}.. واليسر في الأمر غاية ما يرجوه إنسان. وإنها لنعمة كبرى أن يجعل الله الأمور ميسرة لعبد من عباده. فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيقة. يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره. وينالها بيسر في حركته وعمله. ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها. ويعيش من هذا في يسر رخي ندي، حتى يلقى الله.. ألا إنه لإغراء باليسر في قضية الطلاق مقابل اليسر في سائر الحياة! {ذلك أمر الله أنزله إليكم}.. وهذه لمسة أخرى في جانب آخر. لمسة الجد والانتباه إلى مصدر الأمر.. فقد أنزله الله. أنزله للمؤمنين به، فطاعته تحقيق لمعنى الإيمان، ولحقيقة الصلة بينهم وبين الله. ثم عودة إلى التقوى التي يدق عليها دقاً متواصلاً في هذا المجال: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}.. فالأولى تيسير للأمور. والثانية تكفير للسيئات وإعظام للأجر بعد التكفير.. فهو الفيض المغري والعرض المثير. وهو حكم عام ووعد شامل. ولكنه يخلع على موضوع الطلاق ظلاله، ويغمر القلب بالشعور بالله وفضله العميم. فما له إذن يعسر ويعقد والله يغمره بالتيسير والمغفرة والأجر الكبير؟ {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن. وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن. فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن، وأتمروا بينكم بمعروف، وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى. لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله،لا يكلف الله نفساً إلا مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً}.. وهذا هو البيان الأخير لتفصيل مسألة الإقامة في البيوت، والإنفاق في فترة العدة ـ على اختلاف مدتها. فالمأمور به هو أن يسكنوهن مما يجدون هم من سكنى. لا أقل مما هم عليه في سكناهم، وما يستطيعونه حسب مقدرتهم وغناهم. غير عامدين إلى مضارتهم سواء بالتضييق عليهن في فسحة المسكن أو مستواه أو في المعاملة فيه. وخص ذوات الأحمال بذكر النفقة ـ مع وجوب النفقة لكل معتدة ـ لتوهم أن طول الحمل يحدد زمن الإنفاق ببعضه دون بقيته، أو بزيادة عنه إذا قصرت مدته. فأوجب النفقة حتى الوضع، وهو موعد انتهاء العدة لزيادة الإيضاح التشريعي. ثم فصل مسألة الرضاعة فلم يجعلها واجباً على الأم بلا مقابل. فما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما، فمن حقها أن تنال أجراً على رضاعته تستعين به على حياتها وعلى إدرار اللبن للصغير، وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة. وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد، ويتشاورا في أمره ورائدهما مصلحته، وهو أمانة بينهما، فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء فيهما! وهذه هي المياسرة التي يدعوهما الله إليها. فأما إذا تعاسرا ولم يتفقا بشأن الرضاعة وأجرها، فالطفل مكفول الحقوق: {فسترضع له أخرى}.. دون اعتراض من الأم ودون تعطيل لحق الطفل في الرضاعة، بسبب تعاسرهما بعد فشلهما! ثم يفصل الأمر في قدر النفقة. فهو اليسر والتعاون والعدل. لا يجور هو، ولا تتعنت هي. فمن وسع الله عليه رزقه فلينفق عن سعة. سواء في السكن أو في نفقة المعيشة أو في أجر الرضاعة. ومن ضيق عليه في الرزق، فليس عليه من حرج، فالله لا يطالب أحداً أن ينفق إلا في حدود ما آتاه. فهو المعطي، ولا يملك أحد أن يحصل على غير ما أعطاه الله. فليس هناك مصدر آخر للعطاء غير هذا المصدر، وليست هناك خزانة غير هذه الخزانة: {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها}.. ثم لمسة الإرضاء، وإفساح الرجاء، للاثنين على السواء: {سيجعل الله بعد عسر يسراً}.. فالأمر منوط بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر. فأولى لهما إذن أن يعقدا به الأمر كله، وأن يتجها إليه بالأمر كله، وأن يراقباه ويتقياه والأمر كله إليه. وهو المانح المانع. القابض الباسط. وبيده الضيق والفرج، والعسر واليسر، والشدة والرخاء. وإلى هنا يكون قد تناول سائر أحكام الطلاق ومتخلفاته، وتتبع كل أثر من آثاره حتى انتهى إلى حل واضح؛ ولم يدع من البيت المتهدم أنقاضاً ولا غباراً يملأ النفوس ويغشى القلوب، ولم يترك بعده عقابيل غير مستريحة بعلاج، ولا قلاقل تثير الاضطراب. وكذلك يكون قد عالج جميع الوساوس والهواجس التي تثور في القلوب، فتمنعها من السماحة والتيسير والتجمل للأمر. فأبعد أشباح الفقر والضيق وضياع الأموال من نفس الزوج إذا هو أسكن وأنفق ووسع على مطلقته أو مرضعة ولده. ومن نفس الزوجة التي تضيق بنفقة الإعسار، أو تطمع في زيادة ما تصيب من مال زوجها السابق. فأكد اليسر بعد العسر لمن اتقى، والضيق بعد الفرج، والرزق من حيث لا يحتسب، وفوق رزق الدنيا رزق الآخرة والأجر الكبير هناك بعد التكفير. كما عالج ما تخلفه حالة الخلاف والشقاق التي أدت إلى الطلاق. من غيظ وحنق ومشادة وغبار في الشعور والضمير.. فمسح على هذا كله بيد الرفق والتجمل، ونرسم عليه من رحمة الله والرجاء فيه؛ ومن ينابيع المودة والمعروف التي فجرها في القلوب بلمسات التقوى والأمل في الله وانتظار رضاه. وهذا العلاج الشامل الكامل، وهذه اللمسات المؤثرة العميقة، وهذا التوكيد الوثيق المتكرر.. هذه كلها هي الضمانات الوحيدة في هذه المسألة لتنفيذ الشريعة المقررة. فليس هناك ضابط إلا حساسية الضمائر وتقوى القلوب.. وإن كلا الزوجين ليملك مكايدة صاحبه حتى تنفقئ مرارته إذا كانت الحواجز هي فقط حواجز القانون!! وبعض الأوامر من المرونة بحيث تسع كل هذا. فالأمر بعدم المضارة: {ولا تضاروهن} يشمل النهي عن ألوان من العنت لا يحصرها نص قانوني مهما اتسع. والأمر فيه موكول إلى هذه المؤثرات الوجدانية، وإلى استجاشة حاسة التقوى وخوف الله المطلع على السرائر، المحيط بكل شيء علماً. وإلى التعويض الذي يعده الله للمتقين في الدنيا والآخرة. وبخاصة في مسألة الرزق التي تكرر ذكرها في صور شتى، لأنها عامل مهم في تيسير الموقف، وتندية الجفاف الذي تنشئه حالة الطلاق.. وإن الزوجين ليفارقان ـ في ظل الأحكام والتوجيهات ـ وفي قلوبهما بذور للود لم تمت، ونداوة قد تحيي هذه البذور فتنبت.. ذلك إلى الأدب الجميل الرفيع الذي يريد الإسلام أن يصبغ به حياة الجماعة المسلمة، ويشيع فيها أرجه وشذاه. فإذا انتهى السياق من هذا كله ساق العبرة الأخيرة في مصير الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله، فلم يسمعوا ولم يستجيبوا. وعلق هذه العبرة على الرؤوس، تذكرهم بالمصير البائس الذي ينتظر من لا يتقي ولا يطيع. كما تذكرهم بنعمة الله على المؤمنين المخاطبين بالسورة والتشريع: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله، فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً. فذاقت وبال أمرها، وكان عاقبة أمرها خسراً. أعد الله لهم عذاباً شديداً. فاتقوا الله يأولي الألباب الذين آمنوا، قد أنزل الله إليكم ذكراً: رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبداً. قد أحسن الله له رزقاً}.. وهو إنذار طويل وتحذير مفصل المشاهد. كما أنه تذكير عميق بنعمة الله بالإيمان والنور، ووعده بالأجر في الآخرة وهو أحسن الرزق وأكرمه. فأخذ الله لمن يعتو عن أمره ولا يسلم لرسله هو سنة متكررة: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً}. وتفصيل أخذها وذكر الحساب العسير والعذاب النكير، ثم تصوير العاقبة وسوء المصير: {فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً}.. ثم تأخير صورة هذه العاقبة الخاسرة في الآية التالية: {أعد الله لهم عذاباً شديداً}.. كل هذا لإطالة المشهد وتفصيل خطواته ومراحله. وهي طريقة من طرق الأسلوب القرآني في تعميق الأثر في الحس وإطالة مكثه في الأعصاب. ونقف لحظة أمام هذا التحذير فنرى أن الله أخذ القرى واحدة بعد واحدة كلما عتت عن أمر ربها ورسله.. ونجد أن هذا التحذير يساق هنا بمناسبة الطلاق وأحكامه، فيرتبط الطلاق وحكمه بهذه السنة الكلية. ويوحي هذا الارتباط أن أمر الطلاق ليس أمر أسر أو أزواج. إنما هو أمر الأمة المسلمة كلها. فهي المسؤولة عن هذا الأمر. وهي المسؤولة فيه عن شريعة الله. ومخالفتها عن أمر الله فيه ـ أو مخالفتها عن أمر الله في غيره من أحكام هذا النظام، أو هذا المنهج الإلهي المتكامل للحياة ـ هي عتو عن أمر الله، لا يؤاخذ به الأفراد الذين يرتكبونه، إنما تؤاخذ به القرية أو الأمة التي تقع فيها المخالفة، والتي تنحرف في تنظيم حياتها عن نهج الله وأمره. فقد جاء هذا الدين ليطاع، ولينفذ كله، وليهيمن على الحياة كلها. فمن عتا عن أمر الله فيه ـ ولو كان هذا في أحوال الأفراد الشخصية ـ فقد تعرض لما تعرضت له القرى من سنة الله التي لا تتخلف أبداً. وتلك القرى ذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً.. ذاقته في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير. ولقد ذاقت هذا الوبال قرى وأمم وشعوب عتت عن منهج الله في الأرض. ونحن نشهد وأسلافنا شهدوا هذا الوبال. ذاقته فساداً وانحلالاً، وفقراً وقحطاً، وظلماً وجوراً، وحياة مفزعة لا أمن فيها ولا سلام، ولا طمأنينة فيها ولا استقرار. وفي كل يوم نرى مصداق هذا النذير! وذلك فوق العذاب الشديد الذي ينتظر العتاة عن أمر الله ونهجه في الحياة حيث يقول الله: {أعد الله لهم عذاباً شديداً}.. والله أصدق القائلين. إن هذا الدين منهج نظام جماعي ـ كما أسلفنا الحديث في سورة الصف ـ جاء لينشئ جماعة مسلمة ذات نظام خاص. وجاء ليصرف حياة هذه الجماعة كلها. ومن ثم فالجماعة كلها مسؤولة عنه، مسؤولة عن أحكامه. ولن تخالف عن هذه الأحكام حتى يحق عليها هذا النذير الذي حق على القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله. وفي مواجهة هذا الإنذار ومشاهده الطويلة يهتف بأولي الألباب الذين آمنوا. الذين هدتهم ألبابهم إلى الإيمان. يهتف بهم ليتقوا الله الذي أنزل لهم الذكر: {قد أنزل الله إليكم ذكراً}.. ويجسم هذا الذكر ويمزجه بشخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيجعل شخصه الكريم هو الذكر، أو بدلاً منه في العبارة: {رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات}.. وهنا لفتة مبدعة عميقة صادقة ذات دلائل منوعة.. إن هذا الذكر الذي جاء من عند الله مر إليهم من خلال شخصية الرسول الصادق حتى لكأن الذكر نفذ إليهم مباشرة بذاته، لم تحجب شخصية الرسول شيئاً من حقيقته. والوجه الثاني لإيحاء النص هو أن شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد استحالت ذكراً، فهي صورة مجسمة لهذا الذكر صنعت به فصارت هو. وهو ترجمة حية لحقيقة القرآن. وكذلك كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهكذا وصفته عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي تقول: "كان خلقه القرآن".. وهكذا كان القرآن في خاطره في مواجهة الحياة. وكان هو القرآن يواجه الحياة! وفوق نعمة الذكر والنور والهداية والصلاح، وعد بنعيم الجنات خالدين فيها أبداً. وتذكير بأن هذا الرزق هو أحسن الرزق، فلا يقاس إليه رزق الأرض: {قد أحسن الله له رزقاً}.. وهو الرازق في الدنيا والآخرة، ولكن رزقاً خير من رزق، واختياره للأحسن هو الاختيار الحق الكريم. وهكذا يلمس نقطة الرزق مرة أخرى، ويهون بهذه الإشارة من رزق الأرض، إلى جانب رزق الجنة. بعدما وعد في المقاطع الأولى بسعة رزق الأرض أيضاً.. وفي الختام يجيء ذلك الإيقاع الكوني الهائل، فيربط موضوع السورة وتشريعاتها وتوجيهاتها بقدر الله وقدرة الله، وعلم الله، في المجال الكوني العريض: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً}.. والسماوات السبع لا علم لنا بحقيقة مدلولها وأبعادلها ومساحاتها. وكذلك الأراضي السبع. فقد تكون أرضنا هذه التي نعرفها واحدة منهن والباقيات في علم الله. وقد يكون معنى مثلهن أن هذه الأرض من جنس السماوات فهي مثلهن في تركيبها أو خصائصها.. وعلى أية حال فلا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا، لأن علمنا لا يحيط بالكون، حتى نقول على وجه التحقيق: هذا ما يريده القرآن. ولن يصح أن نقول هكذا إلا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كله علماً يقينياً.. وهيهات! فننتفع بإيحاء هذه الإشارة إلى تلك الحقيقة في مجالها النفسي، وفي إنشاء التصور الإيماني الكوني الصحيح. والإشارة إلى هذا الكون الهائل: {سبع سماوات ومن الأرض مثلهن}.. يهول الحس ويقف القلب وجهاً لوجه أمام مشهد من مشاهد قدرة الخالق، وسعة ملكه، تصغر أمامه هذه الأرض كلها، فضلاً على بعض ما فيها، فضلاً على حادث من أحداثها. فضلاً على دريهمات ينفقها الزوج أو تتنازل عنها الزوجة! وبين هذه السماوات السبع والأرض أو الأرضين السبع يتنزل أمر الله ـ ومنه هذا الأمر الذي هم بصدده في هذا السياق. فهو أمر هائل إذن، حتى بمقاييس البشر وتصوراتهم في المكان والزمان بقدر ما يطيقون التصور. والمخالفة عنه مخالفة عن أمر تتجاوب به أقطار السماوات والأرضين، ويتسامع به الملأ الأعلى وخلق الله الآخرون في السماوات والأرضين. فهي مخالفة بلقاء شنعاء، لا يقدم عليها ذو عقل مؤمن، جاءه رسول يتلو عليه آيات الله مبينات، ويبين له هذا الأمر، ليخرجه من الظلمات إلى النور.. وهذا الأمر يتنزل بين السماوات والأرض، لينشئ في قلب المؤمن عقيدة أن الله على كل شيء قدير؛ فلا يعجزه شيء مما يريد. وأنه أحاط بكل شيء علماً؛ فلا يند عن علمه شيء مما يكون في ملكه الواسع العريض، ولا مما يسرونه في حنايا القلوب. ولهذه اللمسة قيمتها هنا من وجهين: الأول أن الله الذي أحاط بكل شيء علماً هو الذي يأمر بهذه الأحكام. فقد أنزلها وهو يحيط بكل ظروفهم وملابساتهم ومصالحهم واستعداداتهم. فهي أولى بالاتباع لا يلتفتون عنها أدنى التفات؛ وهي من وضع العليم المحيط بكل شيء علماً. والثاني أن هذه الأحكام بالذات موكولة إلى الضمائر، فالشعور بعلم الله واطلاعه على كل شيء هو الضمان لحساسية هذه الضمائر، في شأن لا يجدي فيه شيء إلا تقوى الله العليم بذات الصدور. وهكذا تختم السورة بهذا الإيقاع الذي يهول ويروع، بقدر ما يحرك القلوب لتخبت وتطيع. فسبحان خالق القلوب، العليم بما فيها من المنحنيات والدروب!
ابن عاشور
تفسير : توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب من أساليب آيات التشريع المهتم به فلا يقتضي ذلك تخصيص ما يذكر بعده النبي صلى الله عليه وسلم مثل {أية : يا أيها النبي حَرِّض المؤمنين على القتال}تفسير : [الأنفال: 65] لأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتولى تنفيذ الشريعة في أمته وتبيين أحوالها. فإن كان التشريع الوارد يشمله ويشمل الأمة جاء الخطاب مشتملاً على ما يفيد ذلك مثل صيغة الجمع في قوله هنا {إذا طلقتم النساء} وإن كان التشريع خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بما يقتضي ذلك نحو {أية : يا أيها الرسول بَلّغ ما أنزل إليك من ربك}تفسير : [المائدة: 67]. قال أبو بكر بن العربي: «وهذا قولهم أن الخطاب له لفظاً. والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله: {يا أيها النبي}، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: {أية : يا أيها الرسول}تفسير : [المائدة: 67] اهـ. ووجه الاهتمام بأحكام الطلاق والمراجعة والعِدّة سنذكره عند قوله تعالى: {واتقوا الله ربكم}. فالأحكام المذكورة في هذه السورة عامة للمسلمين فضمير الجمع في قوله: {إذا طلقتم النساء} وما بعده من الضمائر مثلِه مراد بها هو وأمته. وتوجيه الخطاب إليه لأنه المبلغ للناس وإمام أمته وقدوَتهم والمنفذ لأحكام الله فيهم فيما بينهم من المعاملات فالتقدير إذا طلقتم أيها المسلمون. وظاهر كلمة {إذا} أنها للمستقبل وهذا يؤيد ما قاله أبو بكر بن العربي من أنها شرع مبتدأ قالوا: إنه يجوز أن يكون المراد إذا طلقتم في المستقبل فلا تعودوا إلى مثل ما فعلتم ولكن طلقوهن لعدتهن، أي في أطْهارهن كما سيأتي. وتكرير فعل {فطلقوهن} لمزيد الاهتمام به فلم يقل إذا طلقتم النساء فلِطهرهن وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى: {أية : وإذا بطشتم بطشتم جبارين}تفسير : في سورة [الشعراء: 130]، وقوله: {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : في سورة [الفرقان: 72]. واللام في {لعدتهن} لام التوقيت وهي بمعنى عند مثل كُتب ليومِ كذا من شهر كذا. ومنه قوله تعالى: {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس}تفسير : [الإسراء: 78] لا تحتمل هذه اللام غير ذلك من المعاني التي تأتي لها اللام. ولما كان مدخول اللام هنا غير زمان عُلم أن المراد الوقت المضاف إلى عدتهن أي وقت الطهر. ومعنى التركيب أن عدة النساء جعلت وقتاً لإيقاع طلاقهن فكني بالعدة عن الطهر لأن المطلقة تعتد بالأطهار. وفائدة ذلك أن يكون إيماء إلى حكمة هذا التشريع وهي أن يكون الطلاق عند ابتداء العِدة وإنما تُبتدأ العدة بأول طُهر من أطْهار ثلاثة لدفع المضرة عن المطلقة بإطالة انتظار تزويجها لأن ما بين حيضها إذا طلقت فيه وبين طهرها أيام غير محسوبة في عدتها فكان أكثر المطلقين يقصدون بذلك إطالة مدة العدة ليوسعوا على أنفسهم زمن الارتياء للمراجعة قبل أن يَبنَّ منهم. وفعل {طلقتم} مستعمل في معنى أردتم الطلاق وهو استعمال وارد ومنه قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] الآية والقرينة ظاهرة. والآية تدل على إباحة التطليق بدلالة الإشارة لأن القرآن لا يقدِّر حصول فعل محرَّم من دون أن يبيّن منعه. والطلاق مباح لأنه قد يَكون حاجيّاً لبعض الأزواج فإن الزوجين شخصان اعتشرا اعتشاراً حديثاً في الغالب لم تكن بينهما قبله صلة من نسب ولا جوار ولا تخلق بخلق متقارب أو متماثل فيكثر أن يحدث بينهما بعد التزوج تخالف في بعض نواحي المعاشرة قد يكون شديداً ويعسر تذليله، فيمل أحدهما ولا يوجد سبيل إلى إراحتهما من ذلك إلا التفرقة بينهما فأحله الله لأنه حاجيّ ولكنه ما أحله إلا لدفع الضر فلا ينبغي أن يجعل الإِذن فيه ذريعة للنكاية من أحَد الزوجين بالآخر. أو من ذوي قرابتهما، أو لقصد تبديل المذاق. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق»تفسير : . وتعليق {طلقتم} بإذا الشرطية مشعر بأن الطلاق خلاف الأصل في علاقة الزوجين التي قال الله فيها: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}تفسير : [الروم: 21]. واختلف العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وجزم به الخطابي في «شرح سنن أبي داود»: ولم يثْبُتْ تطليق النبي صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح والمروي في ذلك خبرانِ، أولهما ما رواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان بسندهم إلى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصَة ثم راجعها. وفي هذا السند ضعف لأن سُوَيد بن سعيد ضعيف نسبه ابن معين إلى الكذب وضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي. وقَبله أحمد بن حنبل وأبو حاتم. وكذلك مسروق بن المرزبان يضعف أيضاً. وبقي عبد الله بن عامر بن زرارة لا متكلم فيه فيكون الحديث صحيحاً لكنه غريب وهو لا يُقبل فيما تتوفر الدواعي على روايته كهذا. وهذا الحديث غريب في مبدئه ومنتهاه لانفراد سعيد بن جبير بروايته عن ابن عباس، وانفراد ابن عباس بروايته عن عمر بن الخطاب مع عدم إخراج أهل الصحيح إياه فالأشبه أنه لم يقع طلاق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ولكن كانت قضيةُ الإيلاء بسبب حفصة. والمعروف في «الصحيح» حديث : عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه فقال الناس طلق رسول الله نساءه. قال عمر: «فقلت يا رسول الله أطلقتَ نساءك؟، قال: «لا آليت منهن شهراً»تفسير : . فلعل أحد رواة الحديث عن ابن عباس عبر عن الإيلاء بلفظ التطليق وعن الفَيْئة بلفظ راجع على أن ابن ماجه يضعف عند أهل النقد. وثانيهما: حديث : حديث الجونية أسماءَ أو أميمة بنت شُراحيل الكندية في «الصحيح»: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وأنه لما دخل يبني بها قالت له: «أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ ألحقي بأهلك» وأمَرَ أبا أُسيد الساعدي أن يكسوها ثوبين وأن يلحقها بأهلهاتفسير : ، ولعلها أرادت إظهار شرفها والتظاهر بأنها لا ترغب في الرجال وهو خُلق شائع في النساء. والأشبه أن هذا طلاق وأنه كان على سبب سؤالها فهو مثل التخيير الذي قال الله تعالى فيه: {أية : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا}تفسير : في سورة [الأحزاب: 28]. فلا يعارض ذلك قوله: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. إذ يكون قوله ذلك مخصوصاً بالطلاق الذي يأتيه الزوج بداع من تلقاء نفسه لأن علة الكراهية هي ما يخلفه الطلاق من بغضاء المطلقة من يطلقها فلا يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء تجنباً من أن تبغضه المطلقة فيكون ذلك وَبَالاً عليها، فأما إذا سألته فقد انتفت الذريعة التي يجب سدها. وعُلم من قوله تعالى: {لعدتهن} أنهن النساء المدخول بهن لأن غير المدخول بهن لا عدة لهن إجماعاً بنص آية الأحزاب. وهذه الآية حجة لمالك والشافعي والجمهور أن العدة بالأطهار لا بالحِيَض فإن الآية دلت على أن يكون إيقاع الطلاق عند مبدإ الاعتداد فلو كان مبدأ الاعتداد هو الحيض لكانت الآية أمراً بإيقاع الطلاق في الحيض ولا خلاف في أن ذلك منهي عنه لحديث عمر في قضية طلاق ابنه عبد الله بن عمر زوجه وهي حائض. واتفق أهل العلم على الأخذ به فكيف يخالف مخالف في معنى القرء خلافاً يفضي إلى إبطال حكم القضية في ابن عمر وقد كانت العدة مشروعة من قبل بآية سورة البقرة وآيات الأحزاب فلذلك كان نوط إيقاع الطلاق بالحال التي تكون بها العدة إحالة على أمر معلوم لهم. وحكمة العدة تقدم بيانها. {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ}. الإِحصاء: معرفة العدِّ وضبطه. وهو مشتق من الحصى وهي صغار الحجارة لأنهم كانوا إذا كثرت أعداد شيء جعلوا لكل معدود حصاةً ثم عدوا ذلك الحصى، قال تعالى: {أية : وأحصى كل شيء عدداً}تفسير : [الجن: 28]. والمعنى: الأمر بضبط أيام العدة والإتيان على جميعها وعدم التساهل فيها لأن التساهل فيها ذريعة إلى أحد أمرين؛ إما التزويج قبل انتهائها فربّما اختلط النسب، وإما تطويل المدة على المطلقة في أيام منعها من التزوج لأنها في مدة العدة لا تخلو من حاجة إلى من يقوم بها. وأما فوات أمد المراجعة إذا كان المطلق قد ثاب إلى مراجعة امرأته. والتعريف في العدة للعهد فإن الاعتداد مشروع من قبل كما علمته آنفاً والكلام على تقدير مضاف لأن المحصَى أيام العدة. والمخاطب بضمير {أحصوا} هم المخاطبون بضمير {إذا طلقتم} فيأخذ كل من يتعلق به هذا الحكم حَظه من المطلق والمطلقة ومن يطلع على مخالفة ذلك من المسلمين وخاصة ولاة الأمور من الحكام وأهل الحسبة فإنهم الأولى بإقامة شرائع الله في الأمة وبخاصة إذا رأوا تفشي الاستخفاف بما قصدته الشريعة. وقد بيّنا ذلك في باب مقاصد القضاء من كتابي «مقاصد الشريعة». ففي العدة مصالح كثيرة وتحتها حقوق مختلفة اقتضتها تلك المصالح الكثيرة وأكثر تلك الحقوق للمطلِّق والمطلَّقة وهي تستتبع حقوقاً للمسلمين وولاةِ أمورهم في المحافظة على تلك الحقوق وخاصة عند التحاكم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ}. اعتراض بين جملة {وأحصوا العدة} وجملة {لا تخرجوهن من بيوتهن} والواو اعتراضية. وحذف متعلّق {اتقوا الله} ليعم جميع ما يتقى الله فيه فيكون هذا من قبيل الاعتراض التذييلي وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله. فقوله: {واتقوا الله ربكم} تحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة. ذلك أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزناً وكان قرابة المطلقات قلما يدافعن عنهن فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها فلذلك كانت هذه الآيات شديدة اللهجة في التحدّي، وعبر عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود الله ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف {ربّكم} للتذكير بأنه حقيق بأن يتقى غضبه.f {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. استئناف أو حال من ضمير {أحصوا العدة}، أي حالة كون العدة في بيوتهن، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من مضمون جملة {أحصوا العدة} لأن مكثهن في بيوتهن في مدة العدة يحقق معنى إحصاء العدة. ولكلا الوجهين جردت الجملة عن الاقتران بالواو جوازاً أو وجوباً. وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يسمى في الفقه مِلْك الانتفاع دون العين ولأن بقاء المطلقات في البيوت اللاّتي كنّ فيها أزواجاً استصحاب لحال الزوجية إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب «ربّة البيت» وللمطلقة حكم الزوجة ما دامت في العدة إلا في استمتاع المطلق. وهذا الحكم سببُه مركب من قصد المكارمة بين المطلّق والمطلقة. وقصد الانضباط في علة الاعتداد تكميلاً لتحقق لحاق ما يظهر من حمل بأبيه المطلّق حتى يبرأ النسب من كل شك. وجملة {ولا يخرجن} عطف على جملة {لا تخرجوهن} وهو نهي لهن عن الخروج فإن المطلق قد يُخرجها فترْغب المطلقة في الخروج لأنها تستثقل البقاء في بيت زالت عنه سيادتها فنهاهن الله عن الخروج. فَإذا كان البيت مكترى سكنتْه المطلقة وكراؤه على المطلق وإذا انتهى أمد كرائه فعلى المطلق تجديده إلى انتهاء عدة المطلقة. وهذا الترتب بين الجملتين يشعر بالسببية وأن لكل امرأة معتدة حق السكنى في بيت زوجها مدة العدة لأنها معتدة لأجله أي لأجل حفظ نسبه وعِرضه فهذا مقتضى الآية. ولذلك قال مالك وجمهور العلماء بوجوب السكنى للمطلقة المدخول بها سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً وقال ابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للمطلقة الرجعية، وعلل وجوب الإسكان للمطلقة المدخول بها بعدة أمور: حفظ النسب، وجبر خاطر المطلقة وحفظ عرضها. وسيجيء في هذه السورة قوله تعالى: {أية : أسكنوهن من حيث سكنتم}تفسير : [الطلاق: 6] الآية. وتَعلم أن ذلك تأكيداً لما في هذه الآية من وجوب الإِسكان في العدة أعيد ليبين عليه قوله: {أية : من وجدكم}تفسير : [الطلاق: 6] وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} يحتمل أن يرجع إلى الجملتين اللتين قبله كما هو الشأن فيه إذا ورد بعد جمل على أصح الأقوال لعلماء الأصول. ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرة منهما وهو مقتضى كونه موافقاً لضميرها إذ كان الضمير في كلتيهما ضمير النسوة. وهو استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الذوات في قوله: {لا تخرجوهن} {ولا يخرجن}. فالمعنى: إلا أن يأتين بفاحشة فأخرجوهن أو ليخرجْن، أي يباح لكم إخراجهن وليس لهن الامتناع من الخروج وكذلك عكسه. والفاحشة: الفِعلة الشديدة السوء بهذا غلب إطلاقها في عرف اللغة فتشمل الزنا كما في قوله تعالى: {أية : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم }تفسير : الآية في سورة [النساء: 15]. وشَمل غيره من الأعمال ذات الفساد كما في قوله: {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا}تفسير : [الأعراف: 28]. وقوله تعالى: {أية : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن }تفسير : في سورة [الأعراف: 33]. قال ابن عطية: قال بعض الناس: الفاحشة متى وردت في القرآن معرَّفة فهي الزنا (يريد أو ما يشبهه) كما في قوله: {أية : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}تفسير : [الأعراف: 80] ومتى وردت منكرة فهي المعاصي. وقرأ الجمهور {مبينة} بكسر الياء التحتية، أي هي تُبيِّن لمن تبلغه أنها فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجاز باستعارة التبيين للوضوح أو تبيين لولاة الأمور صدورَها من المرأة فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازاً عقلياً وإنما المبيِّن ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل في كل حالة على ما يناسب معنى التبيين. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم {مبيَّنة} بفتح التحتية، أي كانت فاحشة بَينتْها الحجة أو بينَها الخارج ومحمل القراءتين واحد. ووصفها بـ{مبينة} إما أن يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش، أي هي فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها عرفاً. وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التي تخرج. وقد اختلفوا في المراد من الفاحشة هنا وفي معنى الخروج لأجلها فعن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث بن سعْد وأبي يوسف: أن الفاحشة الزنا، قالوا: ومعاد الاستثناء الإِذن في إخراجهن، أي ليقام عليهن الحد. وفسرت الفاحشة بالبَذَاء على الجيران والأحماء أو على الزوج بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين ونسب هذا إلى أبي بن كعب لأنه قرأ «إلا أن يفحشن عليكم» (بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي الاعتداء بكلام فاحش) وروي عن ابن عباس أيضاً واختاره الشافعي. وفسرت الفاحشة بالمعصية من سرقة أو سب أو خروج من البيت فإن العدة بَلْه الزنا ونسب إلى ابن عباس أيضاً وابن عُمر وقاله السدي وأبو حنيفة. وعن قتادة الفاحشة: النشوز، أي إذا طلقها لأجلِ النشوز فلا سكنى لها. وعن ابن عمر والسدي إرجاع الاستثناء إلى الجملة التي هو موال لها وهي جملة {ولا يخرجن} أي هن منهيات عن الخروج إلا أن يردن أن يأتين بفاحشة، ومعنى ذلك إرادة تفظيع خروجهن، أي إن أردن أن يأتين بفاحشة يخرجن وهذا بما يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضده كذا سماه السكاكي تسمية عند الأقدمين تأكيد المادح بما يشبه الذم ومنه قول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فجعلت الآية خروجهن ريبة لهن وحذرت النساء منه بأسلوب خطابي (بفتح الخاء) فيكون هذا الاستثناء منعاً لهن من الخروج على طريقة المبالغة في النهي. ومحمل فعل {يأتين} على هذا الوجه أنه من يردن أن يأتين مثل {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6]. وقد ورد في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته فاطمة بنت قيس الفهرية فأخبرته أن زوجها أبا عمرو بن حفص أو أبا حفص بن عَمرو (وكان وجهه النبي صلى الله عليه وسلم مع عليّ إلى اليمن) فأرسل إليها من اليمن بتطليقة صادفت آخر الثلاث فبانت منه، وأنه أرسل إلى بعض ذويه بأن ينفقوا عليها مدة العدة فقالوا لها: ما لكِ نفقة إلا أن تكوني حاملاً، وأنها رفعت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. وفي رواية أنها قالت: أخاف أن يُقْتَحَم عليَّ (بالبناء للمجهول)، وفي رواية أنها كانت في مكان وحْش مخيف على ناحيتها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال. واختلف العلماء في انتقالها فقال جماعة: هو رُخصة لفاطمة بنت قيس لا تتجاوزها وكانت عائشة أم المؤمنين ترى ذلك، روَى البخاري أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق امرأته عَمرة بنت عبد الرحمان بن الحكم وكان عمُّها مروان بن الحكم أميرَ المدينة يومئذٍ فانتقلها أبوها إليه فبلغ ذلك عائشةَ أم المؤمنين فأرسلت إلى مروان أن اتَّققِ الله وأرددها إلى بيتها فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت عائشة: لا يضركَ أن لا تذكر حديثَ فاطمة، فقال مروان: إن كان بكِ الشَّرَّ فحسبكِ ما بين هذين من الشَّر، (ولعل عائشة اقتنعت بذلك إذ لم يرد أنها ردت عليه). وفي «الصحيح» عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا ندع كتاب الله وسنةَ نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت. وقالت عائشة: ليس لفاطمة بنت قيس خبر في ذكر هذا الحديث وعابت عليها أشدَّ العيب. وقالت إن فاطمة كانت في مكان وحش مُخيف على ناحيتها فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال. ويظهر من هذا أنه اختلاف في حقيقة العذر المسوغ للانتقال. قال مالك: وليس للمرأة أن تنتقل من موضع عدتها بغير عذر رواه الباجي في «المنتقى». وقال ابن العربي: إن الخروج للحدث والبَذاء والحاجة إلى المعايش وخوفِ العودة من المسكن جائز بالسنة. ومن العلماء من جوز الانتقال للضرورة وجعلوا ذلك محمل حديث فاطمة بنت قيس فإنها خيف عليها في مكان وحش وحدث بينها وبين أهل زوجها شر وبَذاء قال سعيد بن المسيب: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها أنها كانت لَسِنَة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل وهذا الاختلاف قريب من أن يكون اختلافاً لفظياً لاتفاق الجميع عدا عمر بن الخطاب على أن انتقالها كان لعذر قَبله النبي صلى الله عليه وسلم فتكون تلك القضية مخصصة للآية ويجري القياس عليها إذا تحققت علة القياس. أما قول عمر بن الخطاب: لا نَدع كتابَ الله وسنةَ نبينا لقول امرأة أحفظتْ أم نسيت. فهو دحض لرواية فاطمة ابنة قيس بشكَ له فيه فلا تكون معارضة لآية حتى يصار إلى الجمع بالتخصيص والترخيص. وقال ابن العربي: قيل إن عمر لم يخصص القرآن بخبر الواحد. وأما تحديد منع خروج المعتدة من بيتها فلا خلاف في أن مبيتها في غير بيتها حرام. وأما خروجها نهاراً لقضاء شؤون نفسها فجوزه مالك والليث بن سعد وأحمد للمعتدة مطلقاً. وقال الشافعي: المطلقة الرجعية لا تخرج ليلاً ولا نهاراً والمبتوتة تخرج نهاراً. وقال أبو حنيفة: تخرج المعتدة عدة الوفاة نهاراً ولا تخرج غيرها، لا ليلاً ولا نهاراً. وفي «صحيح مسلم» أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن حديثها فلما أبلغ إليه قال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا عليها الناس. فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: «فبَيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}. هذا لمن كان له رجعة فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً فعَلام تحبسُونها فظنت أن ملازمة بيتها لاستبقاء الصلة بينها وبين مفارقها وأنها ملزمة بذلك لأجْل الإنفاق. والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة أنها حفظ الإعراض فإن المطلقة يكثر إلتفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف عليها ولا تجد ذا عصمة يذب عنها فلذلك شرعت لها السكنى ولا تخرج إلا لحاجياتها فهذه حكمة من قبيل المَظنة فإذا طرأ على الأحوال ما أوقعها في المشقة أو أوقع الناس في مشقة من جرائها أخرجت من ذلك المسكن وجرَى على مكثها في المسكن الذي تنتقل إليه ما يجري عليها في مسكن مطلقها لأن المظِنة قد عارضتها مَئِنَّة. ومن الحكم أيضاً في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكناً لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال وإنما هن عيال على الرجال فلما كانت المعتدة ممنوعة من التزوج كان إسكانها حقاً على مفارقها استصحاباً للحال حتى تحل للتزوج فتصير سكناها على من يتزوجها. ويزاد في المطلقة الرجعية قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها لعلهُ أن يثوب إليه رشده فيراجعها فلا يحتاج في مراجعتها إلى إعادة التذاكر بينه وبينها أو بينه وبين أهلها. فهذا مجموع علل فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها بخلاف العلة المركبة إذا تخلف جزء منها. {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ}. الواو اعتراضية والجملة معترضة بين جملة {ولا يخرجن}، وجملة {لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً} أريد بهذا الاعتراض المبادرة بالتنبيه إلى إقامة الأحكام المذكورة من أول السورة إقامةً لا تقصير فيها ولا خيرة لأحد في التسامح بها، وخاصة المطلَّقة والمطلِّق أن يحسبا أن ذلك من حقهما انفراداً أو اشتراكاً. والإشارة إلى الجمل المتقدمة باعتبار معانيها بتأويل القضايا. والحدودُ: جمع حد وهو ما يَحُد، أي يمنع من الاجتياز إلى ما ورائه للأماكن التي لا يحبون الاقتحام فيها إما مطلقاً مِثل حدود الحِمى وإما لوجوب تغيير الحالة مثل حدود الحَرم لمنع الصيد وحدود المواقيت للإحرام بالحج والعمرة. والمعنى: أن هذه الأحكام مشابهة الحدود في المحافظة على ما تقتضيه في هذا. ووجه الشبه إنما يراعى بما يسمح به عرف الكلام مثل قولهم: «النحو في الكلام كالملح في الطعام» فإن وجه التشبيه أنه لا يصلح الكلام بدونه وليس ذلك بمقتض أن يكون الكثير من النحو في الكلام مفسداً ككثرة الملح في الطعام. ووقوع {حدود الله} خبراً عن اسم الإشارة الذي أشير به إلى أشياء معينة يجعل إضافة حدود إلى اسم الجلالة مراداً منها تشريف المضاف وتعظيمه. والمعنى: وتلك مما حدّ الله فلا تفيد تعريف الجمع بالإضافة عموماً لصرف القرينة عن إفادة ذلك لظهور أن تلك الأشياء المعينة ليست جميع حدود الله. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. عطف على جملة، {وتلك حدود الله}. فهو تتميم وهو المقصود من التذييل وإذ قد كان حدود الله جمعاً معرفاً بالإضافة كان مفيداً للعموم إذ لا صارف عن إرادة العموم بخلاف إضافة حدود الله السابق. والمعنى: من يتعد شيئاً من حدود الله فقد ظلم نفسه، وبهذا تعلم أن ليس في قوله: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} إظهار في مقام الإضمار لاختلاف هذين المركبين بالعموم والخصوص وجيء بهذا الإطناب لتهويل أمر هذا التعدي. وأُخبر عن متعديها بأنه ظلم نفسه للتخويف تحذيراً من تعدي هذه الحدود فإن ظلم النفس هو الجريرة عليها بما يعود بالإضرار وذلك منه ظلم لها في الدنيا بتعريض النفس لعواقب سيئة تنجر من مخالفة أحكام الدين لأن أحكامه صلاح للناس فمن فرط فيها فاتته المصالح المنطوية هي عليها. قال: {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطَهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}تفسير : [المائدة: 6]. ومنه ظلم للنفس في الآخرة بتعريضها للعقاب المتوعد به على الإخلال بأحكام الدّين قال تعالى: {أية : أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنتُ لمن الساخرين أو تقولَ لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين}تفسير : [الزمر: 56 ـــ 58] فإن للمؤمنين حظاً من هذا الوعيد بمقدار تفاوت ما بين الكفر ومجرد العصيان وجيء في هذا التحذير بمَن الشرطية لإفادة عموم كل من تعدى حدود الله فيدخل في ذلك الذين يتعدون أحكام الطلاق وأحكام العدة في هذا العموم. {نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. هذه الجملة تعليل لجملة {فطلقوهن لعدتهن} وما ألحق بها مما هو إيضاح لها وتفصيل لأحوالها. ولذلك جاءت مفصولة عن الجمل التي قبلها. ويجوز كونها بَدلاً من جملة {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} بدل اشتمال لأن ظلم النفس بعضه حاصل في الدنيا وهو مشتمل على إضاعة مصالح النفس عنها. وقد سلك في هذه الآية مسلك الترغيب في امتثال الأحكام المتقدمة بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها. فمن مصالح الاعتداد ما في مدة الاعتداد من التوسيع على الزوجين في مهلة النظر في مصير شأنهما بعد الطلاق، فقد يتضح لهما أو لأحدهما متاعب وأضرار من انفصام عروة المعاشرة بينهما فَيعُّدّ ما أضجرهما من بعض خُلقهما شيئاً تافهاً بالنسبة لما لحقهما من أضرار الطلاق فيندم كلاهما أو أحدهما فيجدا من المدة ما يسع للسعي بينهما في إصلاح ذات بينهما. والمقصود الإشارة إلى أهم ما في العدة من المصالح وهو ما يُحدثه الله من أمر بعد الطلاق وتنكير أمر للتنويع. أي أمراً موصوفاً بصفة محذوفة، أي أمراً نافعاً لهما. وهذا الأمر هو تقليب القلوب من بغض إلى محبة، ومن غضب إلى رضى، ومن إيثار تحمل المخالفة في الأخلاق مع المعاشرة على تحمل آلام الفراق وخاصة إذا كان بين المتفارقين أبناء، أو من ظهور حمل بالمطلقة بعد أن لم يكن لها أولاد فيلزُّ ظهوره أباه إلى مراجعة أمه المطلقة. على أن في الاعتداد والإسكان مصالح أخرى كما علمته آنفاً. والخطاب في قوله: {لا تدري} لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قَصر بصره إلى حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط فِكرُه بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما قال تعالى: {أية : فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}تفسير : [النساء: 19]. ولعل كلمة {لا تدري} تجري مجرى المثل فلا يراد مما فيها من علامة الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على توجيه الخطاب لغير معين. و{لعل} ومعمولاها سادّة معلقة فعل {تدري} عن العمل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} الآية. قيل في سبب نزولها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها فنزلت، وقيل غير ذلك، وعلى كل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم. ومما يشهد لهذه القاعدة ما لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين السورتين، حيث كان آخر ما قبلها موضوع الأولاد والزوجات من فتنة وعداء. والإشارة إلى علاج ما بين الزوجين من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه سابقاً هناك، فإن صلح ما بينهم بذاك فبها ونعمت، وإن تعذر ما بينهما وكانت الفرقة متحتمة فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقة الفرقة السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه من عدد وإنفاق ونحو ذلك. وقوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيّ} بالنداء للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله، {إِذَا طَلَّقْتُمُ} بخطاب لعموم الأمة. قالوا: كان النداء للنبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للأمة تكريماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكليفاً للأمة. وقيل: خوطبت الأمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كخطاب الجماعة في شخصية رئيسها. وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ولهذه الآية استدل من يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون داخلاً في عموم خطاب الأمة اهـ. والواقع أن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث أقسام: الأول: قد يتوجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم ولا يكون داخلاً فيه قطعاً، وإنما يراد به الأمة بلا خلاف من ذلك قوله تعالى في بر الوالدين: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء: 23-24]. فكل صيغ الخطاب هنا موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قطعاً ليس مراد بذلك لعدم وجود والدين، ولا أحدهما عند نزولها كما هو معلوم. الثاني: أن يكون خاصاً به لا يدخل معه غيره قطعاً، نحو قوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأحزاب: 50]. والثالث: هو الشامل له صلى الله عليه وسلم ولغيره بدليل هذه الآية، وأول السورة التي بعدها في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}تفسير : [التحريم: 1]، فهذا كله خطاب موجه له صلى الله عليه وسلم. وجاء بعدها مباشرة {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] - بخطاب الجميع - {أية : تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] فدل أن الآية داخلة في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}، وهذا باتفاق. وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، هذه المسألة بأقوى دليل فيها عند قوله تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}تفسير : [الروم: 30] إلى قوله: {أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}تفسير : [الروم: 31]. وقوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الآية. يشعر بأن كل المطلقات من النساء يطلقن لعدتهن وتحصى عدتهن. والإحصاء العدد مأخوذ من الحصا، وهو الحصا الصغير كانت العرب تستعمله في العدد لأميتهم، ثم ذكر بعض عدد لبعض المطلقات ولم يذكر جميعهن مع أنه من المطلقات من لا عدة لهن وهن غير المدخول بهن. ومن المطلقات من لم يذكر عدتهن هنا. قال الزمخشري: إنه لا عموم ولا تخصيص، لأن لفظ النساء اسم جنس يطلق على الكل وعلى البعض، وقد أطلق هنا على البعض وهو المبين حكمهن بذكر عدتهن، وهنا اللاتي يئسن والصغيرات وذوات الحمل، وحاصل عدد النساء تتلخص في الآتي، وهي أن الفرقة إما بحياة أو بموت، والمفارقة إما حامل أو غير حامل، فالحامل عدتها بوضع حملها اتفاقاً، ولا عبرة بالخلاف في ذلك لصحة النصوص، وغير الحامل بأربعة أشهر وعشر مدخول بها وغير مدخول. والمفارقة بالحياة إما مدخول بها أو غير مدخول بها، فغير المدخول بها لا عدة عليها إجماعاً، والمدخول بها إما من ذوات الإقراء فعدتها ثلاثة قروء على خلاف في المراد بالقرء. وأما من ليست من ذوات الإقراء. كاليائسة والصغيرة، فعدتها بالأشهر ثلاثة أشهر. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في الجزء الأول عند قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228]، وفصّل أنواع المطلقات المدخول بهن وغير المدخول بهن وأنواع العدد بالإقراء أو الأشهر أو الحمل وبين الجمع بين العمومات الواردة في ذلك كله مما يغني عن الإعادة هنا. تنبيه كل ما تقدم في شأن العدة، إنما هو في خصوص الحرائر، وبقي مبحث الإماء. أما الإماء: فالحوامل منهن كالحرائر سواء بسواء، وغير الحوامل فالجمهور على أنها على النصف من الحرة إلا أن الحيضة لما لم تكن تتجزأ فجعلت عدتها فيها حيضتين. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. أما ذات الأشهر، فالجمهور على أنها تعتد شهراً ونصفاً، وخالف مالك فجعل لها ثلاثة أشهر، فيكون مالك رحمة الله وافق الجمهور في ذوات الحيض، وخالف الجمهور في ذوات الأشهر، وقد أخطأ ابن رشد مع مالك في نقاشه معه هذه المسألة، فقال في بداية المجتهد: وقد اضطرب قول مالك في هذه المسألة، فلا بالنص أخذ ولا بالقياس عمل، يعني أنه لم يأخذ بالنص في ذوات الحيض فيجعل لهن ثلاثة قروء، كما أخذ به في ذوات الأشهر، حيث جعل لهن ثلاثة أشهر بالنص ولا بالقياس عمل، أي فلم ينصف الأشهر قياساً على الحيض، فكان مذهبه ملفقاً بين القياس في ذوات الحيض، والنص في ذوات الأشهر، فخالف في ذلك الأئمة الثلاثة. واضطرب قوله في نظر ابن رشد، لأنه لم يطرد القياس فيهما، ولا أعمل النص فيهما، ولكن الحق في المسائل الخلافية لا يمكن أن يعرف إلا بعد معرفة وجهة النظر عن المخالف، فقد يكون محقاً، وقد يكون فعلاً الحق مع غيره. وفي هذه المسألة بالذات أشار العدوي في حاشيته: بأن وجهة نظر مالك هي الرجوع إلى أصل الغرض من العدة وهو براءة الرحم. والشهر والنصف لا يكفي للمرأة نفسها أن تخبر عن نفسها عما إذا كانت حاملاً أم لا، فأكمل لها المدة المنصوص عليها. أما الحيضتان: ففيهما بيان لبراءة الرحم اهـ. ملخصاً. وهذا الذي قاله العدوي له أصل من الشرع، لأن ذات الإقراء وجدناها في بعض الصور تعتد بحيضة، كما جاء النص في عدة المختلعة، وإن كان فيها خلاف. ووجدنا الأمة تثبت براءة رحمها في غير هذا بحيضتين قطعاً، وهي فيما إذا كانت سرية لمالكها فأراد بيعها فإنه يستبرئها بحيضة، والذي يشتريها يستبرئها بحيضة قبل أن يمسها. ثم هو يفترشها ويأمن من أن يسقي ماءه زرع غيره، فعلمنا أن في الحيضتين براءة للرحمن، فاكتفى بهما مالك ووافق الجمهور وأما الشهر والنصف فإنهما لا يمكن أن تتبين المرأة فيهما حملاً، لأنها مدة الأربعين الأولى وهي مرحلة النطفة. فظهر بهذا أن الحق مع مالك، وان ابن رشد هو الذي اضطربت مقالته على مالك، وقد سقنا هذا التنبيه لبيان واجب طالب العلم أمام المسائل الخلافية من ضرورة البحث عن السبب ووجهة نظر المخالف وعدم المبادرة للإنكار، لأن يكون هو أحق بأن ينكر عليه ولا يسارع لرد قول قد يكون قوله هو أولى بأن يرد عليه. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، اتفق المفسرون أن المراد لاستقبال عدتهن وفيه مبحث الطلاق السني والبدعي. واعلم أن الحامل وغير المدخول بها لا بدعة في طلاقهما عند الجمهور، وألحقت بهما الصغير والطلاق البدعي هو جمع الثلاث في مرة أو الطلاق في الحيضة أو في طهر مسها فيه. وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله: يفرق الطلقات على الصغير كل طلقة في شهر ولا يجمعها، وقد طال البحث في حكم الطلاق البدعي، هل يقع ويحتسب على المطلق أم لا. والأصل فيه حديث حديث : عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فبلغ ذلك عمر فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم "مره فليراجعها" . تفسير : والذي عليه الجمهور أنه يعتد بتلك الطلقة، وإن خالف فيها السنة، وعليه أن يراجعها وليعمل كما أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم فليمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها في طهر لم يمسها فيه. أي لتستقبل عدتها ما لم تكن الطلقة الثالثة أو بالثلاث على ما عليه الجمهور. وقد سئل أحمد رحمه الله عن الاعتداد بهذه الطلقة في الحيضة فقال: إن قوله صلى الله عليه وسلم: فليراجعها. يدل على الاعتداد بها لأنه لا رجعة إلا من طلاق. وقد أطال ابن دقيق العيد الكلام عليها في أحكام الإحكام وغيره مما لا داعي إلى سرده، وحاصله ما قدمنا، ولم يقل بعدم الاعتداد بها إلا سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. وقال أبو حيان إن قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} على إطلاقه يشعر بالاعتداد بالطلاق سنياً كان أو بدعياً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- يا أيها النبى إذا أردتم أن تُطلِّقوا النساء فطلّقوهن مستقبلاً لعدتهن، واضبطوا العدة، واتقوا الله ربكم. لا تخرجوا المطلقات من مساكنهن التى طلقن فيها، ولا يخرجن منها إلا أن يفعلن فعلة منكرة واضحة، تلك الأحكام المتقدمة معالم الله، شرعها لعباده، ومن يُجاوز حدود الله فقد ظلم نفسه. لا تدرى لعل الله يوجد بعد ذلك الطلاق أمراً لا تتوقعه، فيتحابان. 2- فإذا قاربت المطلقات نهاية عدتهن، فراجعوهن مع حُسن مُعاشرة، أو فارقوهن من غير مضارة، وأشهدوا على الرجعة والمفارقة صاحبى عدالة منكم. وأدّوا الشهادة على وجهها خالصة لله. ذلكم الذى أمرتم به يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومَن يخف الله فيقف عند أوامره ونواهيه يجعل له مخرجاً من كل ضيق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا أيها النبي: أراد الله بالنداء النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بدليل ما بعده. إذا طلقتم النساء: أي إذا أردتم طلاقهن. فطلقوهن لعدتهن: أي لِقُبُلِ عدتهن أي في طهر لم يجامعها فيه. وأحصوا العدة: أي احفظوا مدتها حتى يمكنكم المراجعة فيها. واتقوا ربكم: أي أطيعوه في أمره ونهيه. لا تخرجوهن من بيوتهن: أي لا تخرجوا المطلقة من بيت زوجها الذي طلقها حتى تنقضي عدتها. إلا أن يأتين بفاحشة مبينة: أي إلا أن يؤذين بالبذاء في القول وسوء الخلق، أو يرتكبن فاحشة من زناً بينة ظاهر لا شك فيها. وتلك حدود الله: أي المذكورات من الطلاق في أول الطهر وإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها. لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً: أي يجعل في قلب الزوج الرغبة في مراجتها فيراجعها إذا لم تكن الثالثة من الطلقات. معنى الآية قوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} يخاطب الله تبارك وتعالى رجال أمة الإِسلام في شخصية نبيها محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: إذا طلقتم أي إذا أردتم طلاقهن لأمر اقتضى ذلك فطلقوهن لعدتهن أي لأول عدتهن وذلك في طهر لم تجامع فيه لتعدَّ ذلك الطهر أول عدتها. وقوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي احفظوها فاعرفوا بدايتها ونهايتها لما يترتب على ذلك من أحكام من صحة المراجعة وعدمها، ومن النفقة، والإِسكان وعدمهما. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} فامتثلوا أوامره وقفوا عند حدوده فلا تتعدوها، لا تخرجوهن أي المطلقات من بيوتهن اللاتي طلقن فيهن، ولا يخرجن أي ويجب أن لا يخرجن من بيوتهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة كزناً ظاهرٍ أو تكون سيئة بذيئة اللسان فتؤذى أهل البيت أذىً لا يتحملونه فعندئذ يباح إخراجها. وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي المذكورات من الطلاق لأول الطهر، وإحصاء العدة، وعدم إخراجهن من بيوتهن، وقوله {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} فيتجاوزها ولم يقف عندها فقد ظلم نفسه وتعرض لعقوبة الله تعالى عاجلا أو آجلاً. وقوله تعالى: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي بأن يجعل الله تعالى في قلب الرجل رغبة في مراجعة مطلقته فيراجعها، وفي ذلك خير كثير. هداية الآية: من هداية الآية: 1- بيان السنة في الطلاق وهي أن يطلقها في طهرٍ لم يمسها فيه بجماع. 2- أن يكون الطلاق واحدة لا اثنتين ولا ثلاثاً. 3- وجوب إحصاء العدة ليعرف الزوج متى تنقضي عدة مطلقته لما يترتب على ذلك من أحكام الرجعة والنفقة والإِسكان. 4- حرمة إخراج المطلقة من بيتها الذي طلقت فيه إلى أن تنقضي عدتها إلاَّ أن ترتكب فاحشة ظاهرة كزناً أو بذاءة أو سوء خلق وقبيح معاملة فعندئذ يجوز إخراجها.
القطان
تفسير : اذا طلقتم النساء: اذا اردتم ان تطلقوا النساء، وهذا التعبير جاء في القرآن مثل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} تفسير : [النحل: 98] يعني اذا اردت ان تقرأ القرآن. فطلقوهن لعدتهن: يعني طلقوهن بعد طُهرٍ من الحيض دون ان تمسّوهن حتى لا تطول عليهن العدة، والعدة هي الزمان الذي يجب على المرأة ان تبقى فيه دون ان تتزوج. وأحصوا العدة: اضبطوها، حتى يتبين ان المرأة ليست حاملا. فاحشة مبينة: معصية ظاهرة، مثل الزنا او السرقة او ان تطيل لسانها على أقارب زوجها وغير ذلك. حدود الله: شرائعه. فاذا بلغن أجلهن: اذا اتممن العدة. {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ....} وجّه الله تعالى الخطاب الى النبيّ الكريم ليُفهِم المؤمنين جميعا، أن يتقيدوا بأحكام الشريعة، فاذا اراد احد ان يطلّق زوجته فإن عليه ان يراعي وقتَ طُهرها من الحيض فيطلّقها وهي طاهرة حتى لا تطول عليها مدة العدة. ثم اكد ذلك بقوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} اعرفوا ابتداءها وانتهاءها. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} بمحافظتكم على أوامره، لأنها لمصلحتكم. ثم بين لنا أشياء يجب ان نتّبعها محافظةً على تماسك الأسرة ودوام حياتها فقال: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} يعني ان المطلقة تبقى في بيتها حتى تنقضيَ العدة. وهناك حكمة بالغة في إبقاء المطلقة في بيتها، وهي: عسى ان يراجعَ الزوج رأيَه، ويعاودَ أمره، فيراجعَ زوجته وتعود الحياة الى مجراها الطبيعي. وفي ذلك مصلحة كبرى للطرفين. {وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} ولا يجوز ان تخرج المطلقة من بيتها إلا اذا انتهت العِدة، فلا تأذنوا لهنّ بالخروج اذا طلبن ذلك، ولا يخرجن بأنفسِهن إن أردْن، ولكنه استثنى من لزوم البقاء في بيوت الزوجية اذا دعت الضرورة لذلك كأن فعلتْ ما يوجِب حدّاً كالزنا او السرقة او أطالت اللسان على الأحماء ومن في البيت من سوءِ خلقها، فيحل عند ذلك إخراجها من البيت. ثم بين الله تعالى عاقبة تجاوز حدود الله فقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} هذه التي بينها لكم من الطلاق للعدة واحصائها وما يترتب على ذلك. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بعدم تمسّكه بأوامر الله وشرعه. ثم لمّح الى حكمة بقائها في البيت فقال: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. أنتَ لا تعلم ايها المرء ماذا يحصل، ولا تعلم ان الله يقلّب القلوب، فيجعل في قلبك محبةً لها، فتندم على طلاقها وفراقها، ولعلك تراجعها وتعود المياه الى مجاريها. روى البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي "حديث : عن ابن عمر رضي الله عَنْهُمْ أَنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله، فتغيّظ منه ثم قال: لِيراجعْها ثم يمسكْها حتى تطهُر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له ان يطلّقها فليطلقها قبل أَن يمسّها، فتلك العِدةُ التي أمَرَ اللهُ ان تطلَّق لها النساء ". تفسير : والشريعة الإسلامية، وان اباحت الطلاق - قد بغّضت فيه وقبّحته وبينت انه ضرورة لا يُلجأ إليها الا بعد استنفاد جميع الوسائل لبقاءِ رباط الزوجية الذي هو أوثق رباط، والذي حبّبتْ فيه وجعلته من أجلّ النعم، وسماه الله تعالى: {أية : مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء:21] والأحاديثُ كثيرة على التحذير من الطلاق والبعد عنه ما امكن للضرورة. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. بعد أن أمرَ اللهُ تعالى بأن يكون الطلاق حسب ما أمَرَ به وان يكون طلقة واحدة رجعيّة، وَمَنَعَ خروج المطلقة من المنزل او اخراجها الا اذا أتت بفاحشة، ونهى عن تعدِّي تلك الحدود حتى لا يحصَلَ الضرر والندم - خيَّرَ هنا الرجلَ بين أمرين إذا شارفتْ عدةُ امرأته على الانتهاء: إما ان يراجعَها ويعاشرَها بالمعروف والإحسان، وإما أن يفارقَها مع أداءِ حقوقها التي لها ويُكرمها بقدر ما يستطيع. ثم أمر بالإشهادِ على ذلك فقال: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ}. يعني اذا راجع المرء زوجته عليه ان يُشهِد اثنين من العدول، واذا فارقَها كذلك. وخاطب الشهودَ بأن يشهدوا على الحق ويؤدوا أمانتهم، وهي الشهادة، على وجهها خالصة لله. {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. هذا الذي امرتكم به من امر الطلاق يتعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيعمل به ولا يخرج عن طاعة الله. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} ومن ثم يأتي الله تعالى بهذا الكلام اللطيف المطمئن، يخبر فيه جلّ جلاله ان من يخشى الله ويتقيه ويتقيد بأوامر الشريعة يجعلْ له مخلصا من كل ضيق في الدنيا والآخرة، ويهيّيء له من اسباب الرزق من حيث لا يخطر له على بال. فالتقوى ملاك الأمر عند الله، وبها نيطت السعادةُ في الدارين. روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انه قال: أجمع آيةٍ في القرآن: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} وان اكبر آية في القرآن فَرَجاً: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. ومن أخَذ بالاسباب واخلص في عمله وتوكل على الله فان الله تعالى يكفله ويكفيه ما أُهمه في دنياه واخراه.. وهكذا يجب ان تفهم هذه الآية الكريمة، فليس معنى التوكل ان يقعد المرء ولا يعمل ويقول توكلت على الله. ولذلك قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: "حديث : اعقِلها وتوكل"تفسير : إن الله تعالى بالغٌ مرادَه، منفذٌ لمشيئته.. وقد جعل لكل شيء وقتا مقدَّرا بزمانه وبمكانه، وبملابساته وبنتائجه واسبابه، وليس في هذا الكون شيء تمّ مصادفة، ولا جزافا، {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49]. {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8]. {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ}. والنساء اللاتي بلغن سن اليأس وانقطع عنهن الحيضُ فعدّتهن ثلاثة اشهر. وكذلك الصغار اللاتي لم يحضْنَ فإن عدتهن ثلاثة اشهر. وأما الحامل فإن عدّتها تنتهي عند وضع الحمل، سواء أكانت مطلقة او متوفًّى عنها. {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} هذا هو حكم الله تعالى في العِدة وانواعها. ثم أكد الله تعالى على التقوى وأنها رأسُ كل شيء، من تحلّى بها فقد فاز فوزا عظيما ويسّر الله له أمره فقال: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}. فالتقوى هي المخرج من كل ضيق، واي فضلٍ أعظمُ من هذا؟ ثم كرر الله تعالى الأمرَ بالتقوى لأنها ملاكُ الأمر وعماده في الدنيا والآخرة فقال: {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}. هذا الذي شرع لكم من الأحكام هو أمرُ الله الذي انزله اليكم لتسيروا على منهجه، وتعملوا به، ومن يتق الله بالمحافظة على أحكامه يكفّر عنه جميع خطاياه، ويجزل له الثواب العظيم {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَات} تفسير : [هود: 114]. قراءات: قرأ حفص: بالغ أمره بضم الغين وكسر الراء من امره على الاضافة. والباقون: بالغٌ امرَه بضم الغين والتنوين، ونصب أمره.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِفَاحِشَةٍ} {يٰأيُّهَا} (1) - (حديث : طَلَّقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَغَيَّظَ الرَّسُولُ، وَقَالَ لَهُ: لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهرُ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَاتفسير : ، فَتِلْكَ هِيَ العِدِّةُ التِي أَمََرَ تَعَالَى أَنْ يُطَلِّقَ النِّسَاءُ لَهَا). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لاَ يُطَلِقُهَا وَهِيَ حَائِضٌ، وَلاَ في طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ، وَلَكِنْ يَتْرُكُها حَتَّى إِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلّقَهَا تَطْلِيقَةَ. وَهَذَا الطَّلاَقُ يَتَعَلقُ بِالنِّسَاءِ المَدْخُولِ بِهِنَّ، ذَوَاتِ الحَيْضِ، أَمَّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِهِنَّ فَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ. وَالنِّسَاءُ المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الحَيْضِ كَالآيِسَاتِ، وَغَيْرِ البَالِغَاتِ فَلَهُنَّ حُكْمٌ خَاصٌّ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِحْصَاءِ العِدَّةِ، وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَائِهَا وَانْتِهَائِهَا لِئَلاً تَطُولَ عَلَى المَرْأَةِ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِحِفْظِ الأَحْكَامِ وَالحُقُوقِ التِي تَجِبُ فِيهَا. وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِالنِّدَاءِ لأَِنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ، وَقُدْوَتُهَا. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِخَشْيَةِ اللهِ وَخَوْفِهِ وَتَقْوَاهُ، وَأَمَرَهُمْ بِأَلاَّ يَعْصوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ مِنْ طَلاَقِ النِّسَاءِ لِعِدَّتِهِنَّ، وَفِي القِيَامِ بِحُقُوقِ المُعْتَدَّاتِ، وَأَنْ لاَ يُخْرِجُوا النِّسَاءَ المُعْتَدَّاتِ مِنَ المَسَاكِنِ، التِي كَانَ الأَزْوَاجُ يُسَاكِنُونَهُنَّ فِيهَا قَبْلَ الطَّلاَقِ، فَهَذِهِ السُّكْنَى حَقٌّ وَاجِبٌ أَوْجَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلزَّوْجَاتِ، فَلاَ يَجُوزُ تَعَدِّي هَذَا الحَقِّ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَانْهِدَامِ المَنْزِلِ أَوِ الحَرِيقِ. وَلاَ تَخْرُجُ المُعْتَدَّاتُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، أَوِ بِسَبَبِ الإِتْيَانِ بِفَاحِشَةٍ مَبَيِّنَةٍ تُوجِبُ حَدّاً مِنْ زِنىً أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ لِبَذَاءَةِ لِسَانٍ، أَوْ لِسُوءِ خُلُقٍ. وَهَذِهِ الأَحْكَامُ التِي يُبَيِّنُهَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الطَّلاَقِ لِلعِدَّةِ، وَمِنْ إِحْصَاءِ العِدَّةِ، وَالأَمْرِ بِاتِّقَاءِ اللهِ، وَعَدَمِ إِخْرَاجِ المُطَلِّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ لِسَبَبِ وَجِيهٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللهِ التِي حَدَّهَا لِلمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِمْ أَلاَّ يَتَعْدَّوْهَا، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَضَرَّ بِهَا، وَلاَ يَعْلَمُ الزَّوْجُ فَقَدْ يُحَوِّلُ اللهُ قَلْبَهُ مِنَ البُغْضِ لِلْمُطَلَّقَةِ، إِلَى المَحَبَّةِ فَيَنْدَمُ عَلَى فِرَاقِهَا، إِذَا كَانَ قَدْ أَخْرَجَهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ مُرَاجَعَتَهَا. فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ - مُسْتَقْبِلاَتٍ لِعِدَّتِهِنَّ - الطهْرِ. أَحْصُوا العِدَّةَ - اضْبِطُوهَا وَاسْتَكْمِلُوا ثَلاَثَةَ قرُوءٍ. بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ - بِمَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ.
الثعلبي
تفسير : هذه السورة تسمى سورة النساء القصرى افتتحها اللّه سبحانه وتعالى بخطاب منه (للنبي) صلى الله عليه وسلم فقال {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ}. {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} ثم جمع الخطاب فقال عزّ من قاتل {إِذَا طَلَّقْتُمُ} ومجازها: يا أيها النبي قل لأُمتّك إذا طلقتم {ٱلنِّسَآءَ} أي أردتم تطليقهن كقوله {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ} تفسير : [النحل: 98]. {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وهو أن يطلقها طاهراً من غير جماع، يقول: طلّقوهن لطهرهنّ الذي يحصينّه من عدّتهن، ولا تطلقوهن لحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قروئهنّ، وهذا للمدخول بها؛ لأنّ من لم يُدخل بها لا عدّة عليها. فإذا طلّقها في طُهر لم يجامعها فيه نفذ طلاقه وأصاب السُنّة، وإن طلّقها حائضاً وقع الطلاق وأخطأ السُنّة. وقال سعيد بن المسيّب في آخرين: لا يقع لأنّه خلاف ما أُمروا، وإليه ذهب الشيعة، فإن طلقها في طهرها ثلاثاً فكرّهه قوم وقالوا ليس بطلاق السنّة؛ لأنّه لم يدع للإمساك موضعاً، وكان الشافعي والجمهور يبيحونه ولا يكرّهونه لأنّ عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته ثلاثاً، وإنّ العجلاني لمّا لاعن قال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً، فلم يردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم واختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية، قال: فأخبرنا إبن منجويه، حدّثنا عبيد اللّه بن محمد بن شعبة، حدّثنا أَبُو القاسم عمر بن عقبة بن الزبير الأنصاري، حدّثنا أَبُو عبد اللّه محمّد ابن أيوّب بن معيد بن هناد الكوفي، حدّثنا اسباط بن محمّد، حدّثنا سعيد بن عروة عن قتادة عن أنس قال: طلّق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل اللّه تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقيل له: راجعها فإنّها صوّامة قوّامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنّة. وقال السدي: نزلت في عبد اللّه بن عمر، وذلك أنّه طلّق امرأته حائضاً وأمره النّبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ويمسكها حتّى تطهر، ثم تحيض حيضة أُخرى فإذا طهرت طلّقها إن شاء قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنّها العدّة التي أمر اللّه بها. أخبرنا عبد اللّه بن حامد، حدّثنا محمد بن يعقوب، حدّثنا الحسن بن علي بن عفّان، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد اللّه بن عمر عن نافع "حديث : عن إبن عمر قال: طلّقتُ امرأتي على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول اللّه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أُخرى، فإذا طهرت فليطلقها إن شاء قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنّها العدّة التي أمر اللّه تعالى أن يطلَّق لها النساء ". تفسير : قال فقلت لنافع ما صنعت التطليقة قال: واحدة اعتدّت بها. وقال المقاتلان: نزلت في عبد اللّه بن عَمُرو بن العاص وعَمُرو بن سعيد بن العاص وطفيل بن الحرث وعتبه بن غزوان. أخبرنا عبد اللّه بن حامد، حدّثنا أحمد بن عبد اللّه المزني، حدّثنا الحضرمي، حدّثنا عثمان، حدّثنا عبد السلم بن حرب عن يزيد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: بلغ أبا موسى أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم وجد عليهم فأتاه فذكر ذلك له فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول أحدُكم: قد زوجت، قد طلّقت، وليس كذلك عدّة المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل عدّتها ". تفسير : وكان إبن عبّاس وإبن عمر يقرءان: فطلّقوهنَّ قبل عدّتهن، وفي هذه الآية دليل واضح أنّ السنّة والبدعة اعتبارهما في وقت الطّلاق لا في عدد الطلاق؛ لأنّ اللّه تعالى ذكر وقت الطّلاق فقال: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ولم يذكر عدد الطّلاق، فكذلك في حديث إبن عمر الذّي رويناه دليل أنّ الاعتبار بالوقت لا بالعدد لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّمه الوقت لا العدد. فصل في ذكر بعض الأخبار الواردة في الطلاق أخبرنا الحسن بن فنجويه بقراءتي عليه، حدّثنا عبيد اللّه بن محمد بن شنبة، حدّثنا أَبُو حامد أحمد بن جعفر المستملي، حدّثنا أَبُو محمد يحيى بن إسحاق بن سافرى ببغداد، حدّثنا أحمد بن حباب، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا عبيد اللّه بن الوليد الوصافي عن محارب بن دَثار عن إبن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ من أبغض الحلال إلى اللّه تعالى الطّلاق ". تفسير : أخبرنا إبن فنجويه، حدّثنا إبن حبيش المقري، حدّثنا علي بن عبد الحميد العصاري بحلب، حدّثنا أَبُو إبراهيم الترجماني، حدّثنا عَمرو بن جُميع عن جويبر عن الضّحاك عن النزال بن سمرة عن علي رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تزوّجوا ولا تطّلّقوا، فإنّ الطّلاق يهتزّ منه العرش ". تفسير : أخبرنا إبن فنجويه، حدّثنا عبيد اللّه بن محمد بن شنبة، حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أُبي، حدّثنا أَبُو أُمامة عن حمّاد بن زيد عن أبي أيوّب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنّة ". تفسير : أخبرنا الحصين بن محمد بن الحسين أخبرنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا عبد اللّه بن ناجية، حدّثنا وهب بن منبه، حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، حدّثنا عَمُرو بن قيس الملائي عن عبد اللّه بن عيسى عن عمارة بن راشد عن عبادة بن نسي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تطّلّقوا النساء إلاّ من ريبة فإنّ اللّه تعالى لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات ". تفسير : أخبرنا إبن فنجويه أخبرنا أَبُو حذيفة أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عبد الصمد بن سعيد قاضي حمص ، حدّثنا عبد السلم بن العباس بن الوليد الحضرمي، أخبرنا علي بن خالد بن خليّ، حدّثنا أبي، حدّثنا سويد بن حميد عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : ما حلف بالطّلاق ولا استحلف به إلاّ منافق ". تفسير : {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي عدد أقرائها فاحفظوها. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} حتى تنقضي عدتّهنّ. {وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وهي الزنا فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، هذا قول أكثر أهل المفسرين. قال قتادة: معناه: له أن يطلّقها على نشوزها، فلها أن تتحول من بيت زوجها، والفاحشة: النشوز. وقال إبن عمر والسدي: أي خروجها قبل انقضاء عدّتها فاحشة. أنبأني عبد اللّه بن حامد أخبرنا محمد بن الحسن، حدّثنا الفضل بن المسيّب، حدّثنا سعيد، حدّثنا سُفير عن محمد بن عَمُرو بن علقمة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قال: إلاّ أن تبدو على أهلها، فإذا بدت عليهم فقد حلَّ إخراجها. { وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي مراجعة في الواحدة والثنتين ما دامت في العدّة. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قرأه عليه، حدّثنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثنا هيثم عن مغيرة وحصين عبد الرحمن وأشعث وإسماعيل بن أبي خالد وداود بن أبي هند وشبان ومجالد كلّهم عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت: طلّقني زوجي البتّة، فخاصمته إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت إبن أُمّ مكتوم. قال هيثم: قال مجالد في حديثه: إنّما النفقة والسكنى على من كانت له المراجعة. أخبرنا عبد اللّه بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين، حدّثنا أحمد بن يوسف، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمّر قال: أخبرنا عقيل بن محمد الفقيه أنّ أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمد بن جهير، حدّثنا إبن عبد الأعلى، حدّثنا إبن ثور عن معمّر عن الزهري عن عبيد اللّه أنّ فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عَمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي وأنّه خرج مع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن حين أمّره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن فأُرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وأمر عباس بن أبي ربيعة والحرث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا لها: واللّه مالك من نفقة إلاّ أن تكوني حاملا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما، فلم يجعل لها نفقة إلاّ أن تكون حاملا، واستأذنته في الانتقال، فأذن لها فقالت: أين أنتقل يا رسول اللّه؟ قال: "عند إبن أُمّ مكتوم" وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلم تزل هنالك حتى مضت عدّتها، فأنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أُسامة ابن زيد، فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب يسألها عن هذا الحديث، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلاّمن امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول إبن مروان: بيني وبينكم القرآن، قال اللّه تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} إلى قوله {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي أشرفن على انقضاء عدّتهنّ وقربن منه. {فَأَمْسِكُوهُنَّ} برجعة تراجعونهنّ. {بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهن فَيكنَّ منكم ويكنَّ أملَكَ لأنفسهنّ. {تُضَآرُّوهُنَّ} فنزل الضرار هو المعروف. {وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} على الرجعة والفراق. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} قال عكرمة والشعبي والضحاك: من يطلق السنة يجعل له مخرجاً إلى الرجعة. حديث : {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} لا يرجو ولا يتوقع. قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنّ المشركين أسروا ابناً له يسمّى: سالماً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول اللّه إنّ العدوّ أسر ابني وشكا إليه أيضاً الفاقة، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "ما أمسى عند آل محمد إلاّ مُدْ فاتّق اللّه واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلاّ باللّه" ففعل الرجل ذلك، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه وكان فقيراً تفسير : وقال الكلبي في رواية يوسف بن مالك: قدم ابنه ومعه خمسون بعيراً. أخبرنا عبد اللّه بن حامد أخبرنا محمد بن عامر البلخي، حدّثنا القاسم بن عبّاد، حدّثنا صالح بن محمد الترمذي، حدّثنا أَبُو علي غالب عن سلام بن سليم عن عبد الحميد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنّ ابني أسره العدو وجزعت الأُم، فما تأمرني؟ قال: "[اتّق اللّه واصبر] وآمرك وإيّاها أن تستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلاّ باللّه". فانصرف إليها وقالت: ما قال لك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرني وإياك أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قالت: نِعْمَ ما أمرك به، فجعلا يقولان فغفل عنه العدو فساق غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاةتفسير : ، فنزلت {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} ما ساقَ من الغنيمة. وقال مقاتل: أصاب غنماً ومتاعاً ثمّ رجع إلى أبيه فانطلق أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وسأله الحلّ له وأن يأكل ما أتاه به ابنه، فقال النبي (عليه السلام): «نعم» وأنزل اللّه تعالى هذه الآية. أخبرنا إبن فنجويه الدينوري، حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن شيبة، حدّثنا بن وهب، أخبرنا عبد اللّه بن إسحاق، حدّثنا عَمرو بن الأشعث، حدّثنا سعد بن راشد الحنفي، حدّثنا عبد اللّه بن سعيد بن أبي هند عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال:حديث : قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} قال: مخرجاً من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة ". تفسير : وقال إبن مسعود ومسروق: {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} هو أن يعلم أنّه من قِبَل اللّه، وأنّ اللّه تعالى رازقه وهو معطيه ومانعه. الربيع بن خيثم: {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من كلّ شيء ضاق على الناس. أَبُو العالية: مخرجاً من كلّ شدّة. الحسن: مخرجاً عمّا نهاه عنه. الحسين بن الفضل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في أداء الفرائض {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من العقوبة ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب. وقال الصادق: "{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} يعني يبارك له فيما آتاه". وقال سهل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في اتّباع السُّنّة {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنّة من حيث لا يحتسب. عَمرو بن عثمان الصدفي: ومن يقف عند حدوده، ويحتسب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضّيق إلى السعة، ومن النّار إلى الجنّة. أَبُو سعيد الخرّاز: ومن يتبرأ من حوله وقوّته بالرجوع إليه يجعل له مخرجاً ممّا كلّفهُ بالمعونه له. علي بن صالح: {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} يقنّعه برزقه، وقيل: ومن يتّق اللّه في الرزق وغيره بقطع العلائق يجعل له مخرجاً بالكفاية ويرزقه من حيث لا يحتسب. أخبرنا أَبُو عبد اللّه بن فنجويه، أخبرنا أَبُو مكي بن مالك المطيعي، حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا معتمر عن كهمس عن أبي السليل عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّي لأعلم آيةً لو أخذ بها النّاس لكفتهم {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} فما يزال يقولها ويعيدها ". تفسير : ويحكى أنّ رجلا أتى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: ولّني مما ولاّك اللّه قال أتقرأ القرآن؟ قال: لا. فقال: إنّا لا نولّي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد في تعلّم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيولّيه عملا، فلمّا تعلم القرآن تخلّف عن عمر، فرآه ذات يوم فقال: يا هذا هجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين لست ممّن يهجر، ولكنّي تعلّمت القرآن فأغناني اللّه تعالى عن عمر وعن باب عمر. فقال: أيُّ آية أغنتك، فقال: قول اللّه تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. أخبرنا عبد اللّه بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن عّدوس، أخبرنا عثمان بن سعيد الرّازي، حدّثنا مهدي بن جعفر الرّملي، حدّثنا الوليد بن مسلم عن الحكم بن مصعب عن محمد بن علي عن عبد اللّه بن عباس عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : من أكثر الاستغفار جعل اللّه له من كل همَ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقهُ من حيثُ لا يحتسب ". تفسير : {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} فيثق به ويسكن قلبه إليه في الموجود والمفقود. {فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} قرأ العامة بالغ بالتنوين {أَمْرِهِ} النّصب: أي منفِّذٌ أمرَه ممضى في حلقة قضائه، وقرأ طلحة بن مضر: بالغ أمره على الإضافة، ومثلهُ روى حفص والمفضل عن عاصم. وقرأ داود بن أبي هند: بالغ بالتنوين أمره: رفعاً. قال الفراء: أي أمرهُ بالغ. قال عبد الرحمن بن نافع: لما نزلت {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} قال أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حسبنا اللّه إذا توكلنا عليه؛ فنحن ننسى ما كان لنا ولا نحفظهُ، فأنزل اللّه تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} يعني منكم وعليكم. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} حداً وأجلا ينتهي إليه. قال مسروق: في هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} توكل عليه أو لم يتوكل، غير أنّ المتوكل عليه يكفِّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا. قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من توكل كفاهُ، ومن آمن به هداهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن: 11] {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3] {أية : إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} تفسير : [التغابن: 17] {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 101] {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ...} تفسير : [البقرة: 186]. {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} فلا يرجون أن يحضن {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} قال قوم: إن شككتم أنّ الدم الذي يظهر منها لبكرها من الحيض أو من الاستحاضة. {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} هذا قول الزهري وإبن زيد وقال آخرون: إن ارتبتم في حملهنّ؛ فلم تدروا ما الحمل في عدتهن، فعدتهن ثلاثة أشهر. أخبرنا أَبُو سعيد محمد بن عبد اللّه بن حمدون، حدّثنا أَبُو حاتم مكي بن عيدان، حدّثنا أَبُو الأزهر أحمد بن الأزهر، حدّثنا أسباط محمد عن مطرف عن أبي عثمان عَمرو بن سالم قال: لمّا نزلت عدّة النساء في سورة البقرة في المُطلقة المتوفى عنها زوجها، قال أُبي بن كعب: يا رسول اللّه إنّ أُناساً من أهل المدينة يقولون قد بقي من النساء ما لم يُذكر فيهن شيء. قال: وما هو؟ قال: الصّغار والكبار وذوات الحمل، فنزلت هذه الآيات {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ...} إلى آخرها. وقال مقاتل: لما نزلت {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228] الآية، قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول اللّه فما عدّة من لا تحيض وعدة التي لم تحض وعدّة الحُبلى؟ فأنزل اللّه تعالى {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} يعني القواعد اللاتي قعدن عن المحيض. {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شككتم في حالها وفي حكمها. وقال أَبُو علي الزهري: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} إن تعنّتّم، قال: وهو من الأضداد، يكون شكاً ويقيناً كالظن، فعدتهن ثلاثة أشهر. {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} يعني بهنّ الصّغار. {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهنّ. قال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن حمدون، أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر بن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: حديث : أُرسل مروان عبد اللّه بن عتبة إلى سبيعة بنت الحرث يسألها عمّا أنبأها به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنّها كانت عند سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الودّاع، وكان ثلاثاً، فوضعت حملها قبل أن يمضي لها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها وخطبها، قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ما قال أَبُو السنابل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "قد حللتِ حين وضعتِ حملكِ" تفسير : وأمرها أن تتزوج، فإن أريقت حيضة المرأة وهي شابة، فإنّها يُتأنّى بها أحامل أم لا؟ وإن استبان حملها فأجلها أن تضع حملها، وإن لم يستبن حملها فاختلف الفقهاء فيه: فقال بعضهم: يُستأنى بها، فأقصى ذلك سنة، وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، كانوا يرون عدّة المرأة أرتفاع حيضها وهي شابة سنة، ورووا ذلك عن عمر وغيره. فأمّا أهل العراق فإنّهم يرون عدتها ثلاث حيضات بعد ما كانت قد حاضت مرّة في عمرها وإن مكثت عشرين سنة إلى أن تبلغ من الكبر مبلغاً تيأس من الحيض، فتكون عدّتها بعد الأياس ثلاثة أشهر، وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه العلماء، ورووا ذلك عن إبن مسعود وأصحابه. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرا}. {أَسْكِنُوهُنَّ} يعني مطلّقات نسائكم. {حَيْثُ سَكَنتُم} أي من المواضع التي سكنتم. وقال الكسائي: {مِّن} صلة مجازة أسكنوهن حيثُ سكنتم، مطلقات نسائكم. {مِّن وُجْدِكُمْ} سعتكم وطاقتكم، قراءة العامّة بضم الواو، وقرأ الأعرج بفتحه، وروى نوح عن يعقوب بكسر الواو، وكلّها لغات. حتى تنقضي عدتهن. {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} ولا تؤذوهنَ {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} مساكنهنَ فيخرجنَ. {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ليخرجن من عدّتهن. واختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب مالك والشافعي والأوزاعي وإبن أبي ليلى وأَبُو عبيدة ومحمد بن جرير إلى أنّ المبتوتة المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، ولها سُكنى، واحتجوا بأنّ اللّه تعالى عمَّ بالسكنى المطلقات كلّهنّ، وخصَّ بالنفقة أولات الأحمال خاصّة قال {فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. وقال أحمد وأَبُو ثور: لا سُكنى لها ولا نفقة، واحتجوا بحديث فاطمة بنت قيس أخت الضّحاك بن قيس حين أرسل زوجها المخزومي طلاقها؛ فلم يجعل لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفقة وقال لها: إنّما النفقة إذا كانت له عليك الرجعة، وأمرها أن تعتدّ في بيت إبن أُم مكتوم، وقد ذكرناه، وهذا قول أُبي بن كعب وزيد بن ثابت. وأما [سُفيان] وأهل العراق فقالوا: لها السُكنى والنفقة حاملا كانت أو حايلا، وهذا قول [عائشة] رضي اللّه عنها. ويروى أنّ عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي اللّه يا فاطمة فقد فتنتِ الناس؛ إنّما أخرجك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأنّكِ كنتِ امرأة لسِنَة فخشي لسانكِ على [أحمائك]. فأما نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وإبن عُمر وشُريح والنخعي والشعبي وحماد وإبن أبي ليلى [وسُفر] وأصحابه: يُنفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وعبد اللّه بن الزبير وجابر بن عبد اللّه ومالك والشافعي وأَبُو حنيفة: لا ينفق عليها إلاّ من نصيبها. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أولادكم منهنّ {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على إرضاعهنّ {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} يقول: وليقبل بعضكم من بعض إذا أمرهُ بالمعروف، وقال الفرّاء: {وَأْتَمِرُواْ} همّوا. الكسائي: شاوروا. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} في الرّضاع؛ فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها، وأبت الأُم أن ترضعهُ فليس لهُ إكراهها على أرضاعهِ، ولكنهُ يستأجر للصبيّ مرضعاً غير أُمه الباينة منهُ، فذلك قولهُ {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. [الآية: 1]. قال: يقول إِلا أَن يزنين، فيخرجن للرجم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} [الآية: 4]. يقول: إِن لم تعلموا أَتحيض أَم لا تحيض فالتي قعدت عن المحيض، والتي لم تحضر بعد، فعدتها /83 ظ/ ثلاثة أَشهر.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْعِدَّةَ} المدة التي تحتبس فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها {أَحْصُواْ} اضبطوا بطريق العَدَد {حَسْبُهُ} كافية {وُجْدكم} طاقتكم ووسعكم {ٱرْتَبْتُمْ} شككتم {كَأِيِّن} كثير {عَتَتْ} تكبرت وتجبرت وأعرضت {نُّكْراً} منكراً شنيعاً وفظيعاً {خُسْراً} خساراً وهلاكاً. سَبَبُ النّزول: أ- روى البخاري أن عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيَّظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجِعْها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإِن بدا له أن يطلِّقها فليطلِّقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل. ب - وروي عن أنس قال طلَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فقيل له: راجعْها فإِنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة. ج - وروي أنه لما نزل قوله تعالى {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : {البقرة: 228] قال جماعة من الصحابة يا رسول الله: فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كِبَر فنزلت {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ..} الآية. التفسِير: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولأمته، وخصَّ هو بالنداء صلى الله عليه وسلم تعظيماً له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا أي افعل أنت وقومك، فهو نداء على سبيل التكريم والتعظيم قال القرطبي: الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجماعة {طَلَّقْتُمُ} تعظيماً وتفخيماً والمعنى: يا أيها النبي ويا أيها المؤمنون إِذا أردتم تطليق النساء {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي فطلقوهن مستقبلاتٍ لعدتهن، وذلك في الطهر، ولا تطلقوهن في الحيض قال مجاهد: أي طاهراً من غير جماع لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فليطلقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يُطلَّق لها النساء"تفسير : قال المفسرون: وإِنما نُهي عن طلاق المرأة وقت الحيض لئلا تطول عليها العدة فتتضرر، ولأن حالة الحيض منفِّرة للزوج، تجعله يتسرع في طلاقها بخلاف ما إِذا كانت طاهراً، وكونه لم يجامعها في ذلك الطهر، لئلا يحصل من ذلك الوطء حملٌ، فتنتقل العدة من الحيض لوضع الحمل وفي ذلك ضرر ظاهر {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي اضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء كاملة لئلا تختلط الأنساب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} أي خافوا الله ربَّ العالمين، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} أي لا تخرجوهن من مساكنهن، بعد فراقكم لهن إِلى أن تنقضي عدتهن {وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي ولا يخرجن من البيوت حتى تنقضي عدتهن، إِلا إِذا قارفت المطلقة عملاً قبيحاً كالزنى فتخرج لإِقامة الحد عليها قال في التسهيل: نهى الله سبحانه وتعالى أن يُخرج الرجلُ المرأة المطلَّقة من المسكن الذي طلقها فيه، ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجاً عن بيتها، ولا أن تغيب عنه نهاراً إِلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، واختلف في الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إِنها الزنى فتخرج لإِقامة الحد عليها، وقيل إِنه سوء الكلام مع الأصهار وبذاءة اللسان فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويؤيده قراءة "إِلا أن يفحشن عليكم" {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي وهذه الأحكام هي شرائع الله ومحارمه {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي ومن يخرج عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إِلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب، وأضرَّ بها حيث فوَّت على نفسه إِمكان إِرجاع زوجته إِليه قال الرازي: وهذا تشديدٌ فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير العدة {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي لا تعرف أيها السامع ماذا يحدث اللهُ بعد ذلك الطلاق من الأمر؟ فلعل الله يقلّب قلبه من بغضها إِلى محبتها، ومن الرغبة عنها إِلى الرغبة فيها، فيجعله راغباً في زوجته بعدما كان كارهاً لها قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها، والمحبة لرجعتها في العدة {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي فإِذا شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي فراجعوهنَّ إِلى عصمة النكاح مع الإِحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن قال المفسرون: الإِمساك بالمعروف هو إِحسان العشرة وتوفية النفقة، من غير قصد المضارة في الرجعة لتطول عليها العدة، والفراق بالمعروف هو أداء الصَّداق، والمتعة عند الطلاق، والوفاء بالشروط مع توفية جميع حقوقها {وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} أي وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة، شخصين من أهل العدالة والاستقامة من تثقون في دينهما وأمانتهما قال في البحر: وهذا الإِشهاد مندوبٌ إِليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}تفسير : [البقرة: 282] وعند الشافعية واجبٌ في الرجعة، مندوبٌ إِليه في الفرقة {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي اشهدوا بالحق دون تحيز لأحد، خالصاً لوجه الله تعالى من غير تبديل ولا تغيير، ودون مراعاةٍ للمشهود له أو المشهود عليه {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي هذا الذي شرعناه من الأحكام، إِنما ينتفع ويتعظ به المؤمن الذي يخشى الله، ويخاف الحساب والعقاب في الدار الآخرة {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي ومن يراقب الله ويقف عند حدوده، يجعل له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله ولا يعلمه قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجلٌ فقال: إِنه طلَّق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه رادها إِليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب أحموقته ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس!! والله تعالى يقول {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} وإِنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك وبانت منك امرأتك وقال المفسرون: الآية عامة وقد حديث : نزلت في "عوف بن مالك الأشجعي" أسر المشركون ابنه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إِليه الفاقة وقال: إن العدوَّ أسر ابني وجزعتْ أمه فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم له: اتق الله واصبر، وآمرك وإِياها أن تستكثروا من قول "لا حول ولا قوة إِلا بالله" ففعل هو وامرأته، فبينا هو في بيته إِذ قرع ابنه الباب، ومعه مائة من الإِبل غفل عنها العدو فاستاقها تفسير : فنزلت {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي ومن يعتمد على الله، ويثقْ به فيما أصابه ونابه، فإِن الله كافيه قال الصاوي: أي من فوَّض إِليه أمره كفاه ما أهمَّه، والأخذُ بالأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به ولكنْ لا يعتمد على تلك الأسباب، وفي الحديث "حديث : لو توكلتم على الله حقَّ توكله لزرقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي نافذُ أمره في جميع خلقه، يبلغ ما يريد ولا يعجزه شيء قال في التسهيل: وهذا حضٌ على التوكل وتأكيدٌ له، لأن العبد إِذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله، توكَّل على الله وحده ولم يعوِّل على سواه {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} أي قد جعل الله لكل أمرٍ من الأمور، مقداراً معلوماً ووقتاً محدوداً، حسب الحكمة الأزلية قال القرطبي: أي جعل لكل شيءٍ من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إِليه.. ثم بيَّن سبحانه حكم المطلَّقة التي لا تحيض لصغرها أو لكبر سنها فقال {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي والنسوة اللواتي انقطع حيضهن لكبر سنهنَّ، إِن شككتم وجهلتم كيف عدتهن؟ فهذا حكمهن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} أي فعدةُ الواحدة منهن ثلاثة أشهر، كل شهرٍ يقوم مقام حيضة {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} أي وكذلك اللواتي لم يحضن لصغرهن عدتهن ثلاثة أشهر {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أي والمرأة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواءً كانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} أي ومن يخشى الله في أقواله وأفعاله، ويجتنب ما حرَّم الله عليه، يسهِّل عليه أمره ويوفقه لكل خير {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} أي ذلك هو حكم الله وشرعه الحكيم، أنزله عليكم أيها المؤمنون لتأتمروا به، وتعملوا بمقتضاه {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} أي ومن يتَّق ربه يمح عنه ذنوبه، ويضاعف له الأجر والثواب قال الصاوي: كرر التقوى لعلمه سبحانه وتعالى أن النساء ناقصات عقلٍ ودين، فلا يصبر على أمورهن إِلا أهل التقوى وقال في البحر: لمَّا كان الكلام في أمر المطلقات، وكنَّ لا يطلَّقن إِلا عن بغض أزواجهنَّ لهنَّ، وقد ينسب الزوج إِليها ما يشينها وينفِّر الخُطَّاب عنها، فلذلك تكرر الأمر بالتقوى، وجاء مبرزاً في صورة شرط وجزاء {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل} الآية {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} أي أسكنوا هؤلاء المطلقات في بعض مساكنكم التي تسكنونها، على قدر طاقتكم ومقدرتكم، فإِن كان موسراً وسَّع عليها في المسكن والنفقة، وإِن كان فقيراً فعلى قدر الطاقة {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} أي ولا تضيقوا عليهن في السكنى والنفقة، حتى تضطروهن إِلى الخروج أو الافتداء {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ} أي وإِن كانت المطلَّقة حاملاً {فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أي فعلى الزوج أن ينفق عليها - ولو طالت مدة الحمل - حتى تضع حملها {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أي فإِذا ولدت ورضيت أن ترضع له ولده {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، لأن الأولاد ينسبون إِلى الآباء قال في التسهيل: والمعنى إِن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات أولادكم، فآتوهنَّ أجرة الرضاع وهي النفقة وسائر المؤن {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي وليأمر كلٌ منهما صاحبه بالخير، من المسامحة والرفق والإِحسان، قال القرطبي: أي ولْيقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والمعروف منها: إِرضاعُ الولد من غير أجرة، والمعروف منه: توفيرُ الأجرة عليها للإِرضاع {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي تضايقتم وتشددتم، وعسر الاتفاق بين الزوجين، فأبى الزوج أن يدفع لها ما تطلب، وأبت الزوجة أن ترضعه بأنقص من ذلك الأجر {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} أي فليستأجر لولده مرضعةً غيرها، وهو خبرٌ بمعنى الأمر أي فليسترضعْ لولده مرضعةً أُخرى قال أبو حيان: وفيه عتابٌ للأم لطيف كما تقول لمن تطلب منه حاجة فيتوانى عنها: سيقضيها غيرك، تريد أنها لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم قال الضحاك: إِن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإِن لم يقبل أُجبرت أمه على الرضاع بالأجر {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} هذا بيانٌ لقدر الإِنفاق والمعنى: لينفقْ الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير، على قدر وسعه وطاقته، قال في التسهيل: وهو أمرٌ بأن ينفق كل واحد على مقدار حاله، فلا يكلف الزوج ما لا يطيق، ولا تُضيَّع الزوجة بل يكون الحال معتدلاً، وفي الآية دليلٌ على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس يسراً وعسراً {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ومن ضُيّق عليه رزقه فكان دون الكفاية {فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} أي فلينفق على مقدار طاقته، وعلى قدر ما آتاه الله من المال {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} أي لا يكلف الله أحداً إِلا بقدر طاقته واستطاعته، فلا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني قال أبو السعود: وفيه تطييبٌ لقلب المعسر، وترغيبٌ له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك الوعد بقوله {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي سيجعل الله بعد الضيق الغنى، وبعد الشدة السعة والرخاء، وفيه بشارة للفقراء بفتح أبواب الرزق عليهم.. ثم حذَّر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده، وضرب الأمثال بالأمم السابقة فقال {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي وكثير من أهل قرية من الأمم السالفة {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي طغت وتمردت على أوامر الله وأوامر رسله {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} أي فجازيناها على عصيانها وطغيانها بأنواع العذاب الأليم، من الجوع والقحط وعذاب الاستئصال {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} أي عذاباً منكراً عظيماً يفوق التصور {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي فذاقت عاقبة كفرها وطغيانها وتمردها على أوامر الله {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} أي وكانت نتيجة بغيها الهلاك والدمار، والخسران الذي ما بعده خسران.. ولّما ذكر ما حلَّ بالأمم الطاغية، أمر المؤمنين بتقوى الله، تحذيراً من عقابه لئلا يصيبهم ما أصاب أولئك المجرمين فقال {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي هيأ الله لهم في الآخرة عذاب جهنم الشديد المؤبد {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي فخافوا الله واحذروا بطشه وانتقامه يا أصحاب العقول السليمة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي أنتم يا معشر المؤمنين الذي صدقتم بالله ورسوله {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} أي قد أنزل الله إِليكم وحياً يتلى وهو القرآنُ الحكيم {رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} أي وأرسل إِليكم رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم آياتِ الله، واضحات جليات، تبيِّن الحلال والحرام وما تحتاجون إِليه من الأحكام قال في البحر: والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي ليخرج المؤمنين المتقين، من الضلالة إِلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والجهل إِلى نور الإِيمان والعلم {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً} أي ومن يُصدق بالله ويعمل بطاعته {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي يدخله في الآخرة جنات النعيم، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي ماكثين في تلك الجنان - جنان الخلد - أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} أي قد طيَّب الله رزقهم في الجنة ووسَّعه لهم، لأن نعيمها دائم لا ينقطع قال الطبري: أي وسَّع لهم في الجنات الرزق، وهو ما رزقهم من المطاعم والمشارب وسائر ما أعدَّ لأوليائه فيها فطيَّبه لهم، وفي الآية معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب.. ثم أشار تعالى إِلى آثار قدرته، وعظيم سلطانه وجلاله فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي اللهُ العظيم الكبير هو الذي خلق بقدرته سبع سماواتٍ طباقاً، ومن الأرض كذلك خلق سبع أرضين بعضها فوق بعض بدون فتوق بخلاف السماوات {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي يتنزل وحيُ الله ويجري أمره وقضاؤه بين السماوات والأرضين {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لتعلموا أن من قدر على خلق ذلك قادر على كل شيءٍ {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} أي ولتعلموا أنه تعالى عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ} وكذلك {بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}. 2- الإِظهار في موضع الإِضمار للتهويل {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ}. 3- الالتفات لمزيد الاهتمام {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} ورد بطريق الخطاب والأصل أن يكون بطريق الغائب "لا يدري". 4- إِيجاز الحذف {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} حذف منه الخبر أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً. 5- تكرار الوعيد للتفظيع والترهيب {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} الآية. 6- المجاز المرسل {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ} يراد بها أهل القرية من باب تسمية الحال باسم المحل. 7- الاستعارة اللطيفة {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} استعار الظلمات للضلال والكفر، واستعار النور للهدى والإِيمان، وهو من روائع البيان، وجلال تعبير القرآن. 8- السجع المرصَّع كأنه الدر والياقوت مثل {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً .. يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً .. وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً .. وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} الخ وهو من المحسنات البديعية.
الصابوني
تفسير : [1] أحكام الطلاق التحليل اللفظي {لِعِدَّتِهِنَّ}: أي لزمان عدتهن، أو لاستقبال عدتهن. قال الجرجاني: اللام بمعنى (في) أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، وعدَّةُ المرأة أيام قروئها، وأيام إحدادها على بعلها، وأصل ذلك كله من العد لأنها تعد أيام أقرائها، أو أيام حمل الجنين، أو أربعة أشهر وعشر ليال. {وَأَحْصُواْ}: أي اضبطوا، واحفظوا، وأكملوا العدَّة ثلاثة قروء كوامل. وأصل معنى الإحصاء: العدُّ بالحصى كما كان معتاداً قديماً، ثم صار حقيقة فيما ذكر. {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}: أي اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية تحميكم وتصونكم، وذلك بالطاعة في الأوامر، واجتناب النواهي. {بِفَٰحِشَةٍ}: الفاحشة، والفُحْش، والفحشاء: القبيحُ من القول والفعل، وجمعها فواحش، وكلُّ ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي يسمى (فاحشة) ولهذا يسمى الزنى فاحشة قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 32]. {حُدُودُ ٱللَّهِ}: الحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي، والحدُّ في الحقيقة هو النهاية التي ينتهي إليها الشيء، وحدودُ الله ضربان: ضرب حدَّها للناس في مطاعمهم ومشاربهم مما أحلَّ وحرم، والضرب الثاني عقوبات جعلت لمن ركب ما نُهِيَ عنه كحد السارق. {ظَلَمَ نَفْسَهُ}: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. {أَجَلَهُنَّ}: الأجل غاية الوقت ومدَّتُه. والمراد في الآية أي قاربن انقضاء أجل العدّة. {بِمَعْرُوفٍ}: المعروف ما يستحسن من الأفعال، وأصل المعروف ضد المنكر. والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسِّنات والمقبِّحات. والمعروف في الإمساك النَّصَفة وحسن العشرة والصحبة فيما للزوجة على زوجها، وفي المفارقة أداء المهر والتمتيع، والحقوق الواجبة والوفاء بالشرط. {ذَوَىْ عَدْلٍ}: أي رجلين بيّنا العدالة، والعدل: المرضيُّ قوله وحكمه. قال الحسن: ذوي عدلٍ من المسلمين. {يَتَوَكَّلْ}: يستسلم ويعتمد في أموره على الله، لعلمه أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده، ويصرف أمره إليه. {حَسْبُهُ}: أي كافيه. ومنه قول المؤمن (حسبي الله ونعم الوكيل). {بَٰلِغُ}: أي نافذ أمره والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم. {قَدْراً}: أي تقديراً وتوقيتاً، وهو بيان لوجوب التوكل عليه تعالى وتفويض الأمر إليه، لأن العبد إذا علم أن كلَّ شيءٍ من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى، لا يبقى له إلا التسليم للقدر، والتوكل على الله تعالى. المعنى الإجمالي يخاطب الله سبحانه نبيه المختار صلى الله عليه وسلم قائد الأمة إلى الخير، وهاديها إلى الحق، تشريفاً له وتعظيماً، وتنبيهاً لأمته وتعليماً، بأن المسلم إذا أراد أن يطلِّق زوجه فله ذلك. ولكن عليه أن يراعي في ذلك الوقت الذي يطلَّقها فيه، فلا يطلِّقْها إلا في طهر لم يجامعها فيه، فإن فعل ذلك فعليه أن يحصي الوقت، ويضبط أيام العدة ليعرف وتعرف انتهاء عدتها. وانفصام عرى الزوجية بينهما، وعلى المؤمن أن يكون مصاحباً لتقوى الله وخشيته في كل عمل يؤديه، وأمرٍ يقوم به ليكون عمله صحيحاً سليماً. والمعتدة تقعد في منزل زوجها لا يجوز له أن يُخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج، ولو أذن لها زوجها بذلك إلا إذا ارتكبت فاحشة محققة تعذّرَ معها البقاء في منزل زوجها فتخرج لذلك، هذا أمر الله وحكمه، وحدُّه الفاصل الذي أقامه لطاعته فمن تعدَّاه، فقد ارتكب ما نهاه الله عنه، وجلب الشر والندم لنفسه، فإنه لا يدري لعل الله يحدث في قلبه ما يغيّر حاله، ويجعله راغباً في زوجه، مريداً إبقاءها في بيته، فإذا تمهّل في أمر الطلاق، واتَّبع ما أرشده إليه الكتاب الكريم كان له سعة فيما يريد، وإلاَّ ندم، ولات ساعة مندم. وإذا شارفت المعتدة على نهاية عدتها فالخيار للزوج، والأمر إليه، إذا أراد أن يعيدها إلى منزله فعليه أن يعاملها برفق ولين، وإن أراد أن يفارقها فله ذلك مع توفية جميع حقوقها، وسواء اختار المفارقة أو الإمساك فعليه أن يُشهد على ذلك رجلين عدلين في دينهما، وخلقهما، واستقامتهما. وعلى الشهود أن يؤدوا الشهادة لوجه الله تعالى، ولا يكتموها، أمرٌ من عند الله يتبعه المؤمن ويُخْبتُ له، ويعلم أن أمامه يوماً يسأل فيه عما قدّم وأخر. وتقوى الله - سبحانه - تجعل للعبد مخرجاً من المضايق مادية كانت أو معنوية، ويرزق الله - القدير - عبده التقي من حيث لا يؤمل، ولا يتوهم، ومن يرجع إلى الله في أموره، ويتوكل عليه حق التوكل، فالله كافيه همَّه، وميسّر عليه أمره، وأمرُ الله وحكمه في الخلائق نافذ لا محالة، يفعل ما يشاء ويختار، ولكن لكل أجل كتاب، ولكل أمر وقت محدد. وجوه القراءات مُبيِّنَة: قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ ابن كثير وأبو بكر {مُبيَّنة} بالفتح. قوله تعالى: {أَجَلَهُنَّ}: قرأ الجمهور {أجلهن} على الإفراد. وقرأ الضحاك وابن سيرين {آجالهن} على الجمع. قوله تعالى: بالغٌ أمرَه: قرأ الجمهور بالتنوين {بالغٌ}. وروي عن حفص {بالغُ أمرِهِ} بالإضافة. وروي {بالغٌ أمرُهُ}. وروي {بالغاً أمرُه}. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} هو على حذف مضاف أي لاستقبال عدتهن. واللام للتوقيت نحو كتبته لليلةٍ بقيت من شهر رجب. 2 - قوله تعالى: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}. نصب (لا تدري) على جملة الترجي، فلا تدري معلّقة عن العمل، والجملة المترجاة في موضع نصب بلا تدري. 3 - قوله تعالى: {بالغٌ أَمْرَه}. من قرأ بالتنوين فعلى الأصل، لأن اسم الفاعل هٰهنا بمعنى الاستقبال و(أمرَه) منصوب باسم الفاعل (بالغٌ) لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. ومن قرأ بغير تنوين، حذف التنوين للتخفيف، وجرّ ما بعده بالإضافة. ومن قرأ (أمرُه) بالرفع على أنه فاعل لـ (بالغ) التي هي خبر إنَّ. أو مبتدأ وبالغ خبر مقدم له، والجملة خبر إن. ومن قرأ (بالغاً) على أنها حال من فاعل جعل لا من المبتدأ لأنهم لا يرتضون مجيء الحال منه (وقد جعل...) خبر (إنَّ). سبب النزول أولاً: رُوي في "سنن" ابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها. وروى قتادة: عن أنس قال: طلّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها فأنزل الله تعالى عليه {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقيل له راجعها فإنها قوَّامة صوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة لما أسرّ إليها حديثاً، فأظهرته لعائشة، فطلّقها تطليقة فنزلت الآية. ثانياً: وقال السّدي: نزلت في عبد الله بن عمر طلّق امرأته حائضاً تطليقة واحدة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، وتحيض، ثمّ تطهر، فإذا أراد أن يطلِّقَها، فليطلِّقْها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدَّةُ التي أمر الله تعالى أن يُطَلَّق لها النساء. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} نداء للنبي صلى الله عليه وسلم وخطاب له على سبيل التكريم والتنبيه. ويحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوهاً: أحدها: اكتفاء بعلم المخاطبين بأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لهم إذ كانوا مأمورين بالاقتداء به، إلا ما خص به دونهم. والثاني: أنّ تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...}. والثالث: خص النداء به صلى الله عليه وسلم على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام أمته، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه. وفيه إظهار لجلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه، ولذلك اختير لفظ (النبي) لما فيه من الدلالة على علو مرتبته. والرابع: الخطاب كالنداء له صلى الله عليه وسلم إلا أنه اختير ضمير الجمع للتعظيم نظير ما في قوله: (ألا فارحموني يا إلٰه محمد). والخامس: إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء صرف سبحانه الخطاب عنه لأمته تكريماً له صلى الله عليه وسلم لما في الطلاق من الكراهة فلم يُخَاطبْ به تعظيماً. والسادس: حذف نداء الأمة، والتقدير يا أيها النبي وأمة النبي إذا طلقتم. قال القرطبي: إذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: (يا أيها الرسول). اللطيفة الثانية: فإن قيل: ما السرّ في تسمية الطلاق بـ (الطلاق البدعي)، أو (الطلاق السني)؟ فالجواب كما قال الإمام الرازي: إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضاً لم تعتد بأيام حيضها من عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء، فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء، وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلّقة التي لا هي معتدة، ولا ذات بعل، والعقولُ تستقبح الإضرار. ففي طلاقه إيَّاها في الحيض سوء نظر للمرأة، وفي الطلاق في الطُّهر الذي جامعها فيه، وقد حملت فيه سوء نظر للزوج. فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أُمنَ هذان الأمران، لأنها تعتدّ عقيب طلاقه إياها، على أمان من اشتمالها على ولد منه. اللطيفة الثالثة: قال الربيع بن خيثم: "إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكَّلَ عليه كفاه، ومن آمن به هداه ، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاه أجاب له". وتصديق ذلك في كتاب الله {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن: 11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} {أية : إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} تفسير : [التغابن: 17] {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 101] {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186]. اللطيفة الرابعة: قال الله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} ولم يقل (واتقوا الله). قال الفخر الرازي: فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن لفظ الرب ينبِّهُهم على التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذٍ خوفاً من فوت تلك التربية. اللطيفة الخامسة: قال الرازي: ثم في هذه الآية لطيفة، وهي أن التقوى في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} وقريب من هذا قوله تعالى: {أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النور: 32]. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} إحصاء العدة يكون لمعانٍ: أحدها: لما يريد من رجعة وإمساك، أو تسريح وفراق. والثاني: لكي يشهد على فراقها، ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن يجوز له جمعها إليها كأختها، أو أربعٍ سواها. والثالث: لتوزيع الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}، أي من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمقصود التحريض على طلاق الواحدة، والنهيُ عن طلاق الثلاث، فإنه إذا طلَّق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبةِ في الارتجاع، فلا يجد للرجعة سبيلاً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الطلاق مباح أو محظور؟ لقد أباح الله تعالى الطلاق بقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق ". تفسير : وفي لفظ "حديث : أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق ". تفسير : قال الحنفية والحنابلة: الطلاق محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله كلَّ مِذْواق مِطْلاق" تفسير : وإنما أبيح للحاجة، ويحمل لفظ المباح على ما أبيح في بعض الأوقات التي تتحقق فيه الحاجة المبيحة. وقد نقل عن ابن حجر أن الطلاق: أ - إمّا واجب كطلاق المُوْلي بعد التربص مدة أربعة أشهر، وطلاقِ الحكمين في الشقاق بين الزوجين إذا لم يمكن الإصلاح. ب - أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها، أو تكون غير عفيفة. جـ - أو حرام وهو الطلاق البدعي. د - أو مكروه بأن سَلِمَ الحالُ عن ذلك كله للحديث. الحكم الثاني: ما هو الطلاق السّني وما هي شروطه؟ روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ، فقال: حديث : ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسّها، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل . تفسير : ولهذا الحديث حصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه إذا لم يجامعها فيه. والجمهور: على أنه لو طلّق لغير العدة التي أمر الله وقع طلاقه وأثمَ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة جدهن جد وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ". تفسير : واختلف الفقهاء فيما يدخل في طلاق السنة. فقال الحنفية: إن طلاق السنة من وجهين: أحدهما: في الوقت وهو أن يطلقها طاهراً من غير جماع، أو حاملاً قد استبان حملها. والآخر: من جهة العدد وهو أن لا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة. وقال المالكية: طلاق السنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهراً، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدَّمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض. وقال الشافعية: طلاق السنة أن يطلقها كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طهر لم يكن بدعة. وقال الحنابلة: طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. فالاتفاق واقع على أن طلاق السنة في طهر لم يجامعها فيه، وأما من أضاف كونها حاملاً فلما ورد في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "حديث : مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل ". تفسير : وأما العدد والخلاف فيه فبحثه عند قوله تعالى: {أية : ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ}تفسير : [البقرة: 229]. وأما قول المالكية: "وهي ممن تحيض" فهذا شرط متفق عليه. قال الفخر الرازي: والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها، غير الآيسة، والحامل، إذ لا سنة في الصغيرة وغير المدخول بها، والآيسة، ولا بدعة أيضاً لعدم العدة بالأقراء. وقال أبو بكر الجصاص: والوقتُ مشروط لمن يطلق في العدة لأنَّ من لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها مباح في الحيض. وأما بقية الشروط فمختلف فيها وتنظر في كتب الفروع. الحكم الثالث: هل للمعتدة أن تخرج من بيتها؟ دلّ قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} على أنّ المطلقة لا تخرج من مسكن النكاح ما دامت في العدة، فلا يجوز لزوجها أن يُخرجها، ولا يجوز لها الخروج أيضاً إلاّ لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدّة، والرجعيةُ والمبتوتةُ في هذا سواء. واختلف الفقهاء في خروج المعتدة من بيتها لقضاء حوائجها على مذاهب: أ- قال مالك وأحمد: المعتدة تخرج في النهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. ب- وقال الشافعي: لا تخرج الرجعيّة ليلاً ولا نهاراً وإنما تخرج المبتوتة في النهار. جـ - وقال أبو حنيفة: المطلّقة لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، والمتوفّى عنها زوجها لها أن تخرج في النهار. دليل المالكية والحنابلة: استدل مالك وأحمد بحديث (جابر بن عبد الله) قال: "طُلّقت خالتي فأرادت أن تَجُدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : بلى فجُدّي نخلك، فإنك عسى أن تصدّقي أو تفعلي معروفاً ". تفسير : دليل الشافعية: واستدل الشافعي بالآية الكريمة: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} بالنسبة للمطلقة رجعياً فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وأمّا المبتوتة فاستدل بحديث (فاطمة بنت قيس) فقد ورد في صحيح مسلم أنَّ (فاطمة بنت قيس) قالت يا رسول الله: زوجي طلقني ثلاثاً وأخاف أن يُقْتحم عليّ قال: فأمرها فتحولت. وفي البخاري: عن عائشة أنَّ (فاطمة بنت قيس) كانت في مكانٍ وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها. دليل الحنفية: واستدل أبو حنيفة بعموم قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فقد حرمت على المطلّقة أن تخرج ليلاً أو نهاراً، سواءً كانت رجعية أم مبتوتة، وأما المتوفى عنها زوجها فتحتاج للخروج نهاراً لقضاء حوائجها ولا تخرج ليلاً لعدم الضرورة. قال الحنفية: ليس لها أن تخرج لأن السكنى حق للشرع مؤكد لا يسقط بالإذن حتى لو اختلعت على أن لا سكنى لها تبطل مؤنة السكنى عن الزوج، ويلزمها أن تكتري بيته، وأما أن يحل لها الخروج فلا. قال الشافعية: إنهما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، فالمعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن. وقد قال الفخر الرازي: "فلم يكن لها الخروج، وإن رضي الزوج، ولا إخراجها وإن رضيت إلا عن ضرورة". الحكم الرابع: ما هي الفاحشة التي تخرج بها المعتدة من المنزل؟ لقد اختلف السلف في المراد بالفاحشة في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وتبعاً لذلك اختلف الفقهاء. فقال أبو حنيفة: بقول ابن عمر: خُروجُها قبل انقضاء العدة فاحشةٌ. فيكون معنى الآية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق. والاستثناء عليه راجع إلى {لاَ يَخْرُجْنَ} والمعنى: "لا يُسمح لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يُسمح لهن فيه فيكون ذلك منعاً عن الخروج على أبلغ وجه. قال ابن الهمام: كما يقال: "لا تزن إلاَّ أن تكون فاسقاً، ولا تشتم أُمَّك إلا أن تكون قاطع رحم، ونحو ذلك وهو بديع وبليغ جداً". وقال أبو يوسف بقول الحسن وزيد بن أسلم: هو أن تزني فتخرج للحد (أي لا تُخْرجوهنَّ إلا إن زنين). وعن ابن عباس قال: إلا أن تبذو على أهله، فإذا فعلت ذلك حلَّ لهم أن يُخْرجوها، كما ورد عن فاطمة بنت قيس أنها أخرجت لذلك. وعنه أيضاً قال: جميع المعاصي من سرقة أو قذف أو زنا أو غير ذلك واختاره الطبري. وقال الضحاك: الفاحشة المبينة: عصيانُ الزوج. وقال قتادة: إلا أن تَنْشزَ فإذا فعلت حلَّ إخراجها. قال أبو بكر الجصاص: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جميعها مراداً، فيكون خروجها فاحشة، وإذا زنت أخرجت للحد، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضاً. فأما عصيان الزوج والنشوز، فإن كان في البذاءة وسوء الخلق اللذين يتعذر القيام معها فيه فجائز أن يكون مراداً، وإن كانت إنما عصت زوجها في شيء غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها". وأما ابن العربي فقال: أما من قال إنه الخروج للزنى، فلا وجه له لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال إنه البذاء فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس، وأما من قال إنه كل معصية فوهم لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج، وأما من قال إنه الخروج بغير حق فهو صحيح وتقدير الكلام: "لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدياً". الحكم الخامس: ما حكم الإشهاد في الفرقة والرجعة؟ قال أبو حنيفة: الإشهاد مندوب إليه في الفرقة والرجعة لقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} تفسير : [البقرة: 282] فإنَّ الإشهاد في البيع مندوب لا واجب فكذا هنا وهو قول مالك والشافعي وأحمد في أحد قوليهما. وقال الشافعي وأحمد: في القول الآخر: الإشهاد واجب في الرَّجعة، مندوب إليه في الفرقة. أدلة الجمهور: 1 - لما جعل الله تعالى للزوج الإمساك أو الفراق، ثم عقَّبه بذكر الإشهاد، كان معلوماً وقوع الرجعة إذا رجع، وجوازُ الإشهاد بعد ذلك؛ إذ لم يجعل الإشهاد شرطاً في الرجعة. 2 - لم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو تَرْكُها حتى تنقضي عدتها، وأن الفرقة تصح، وإن لم يقع الإشهاد عليها، وقد ذُكر الإشهاد عقيب الفرقة، ثمَّ لم يكن شرطاً في صحتها فكذلك الرجعة. 3 - وأيضاً لما كانت الفرقة حقاً للزوج، وجازت بغير الإشهاد، إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره، وكانت الرجعة أيضاً حقاً له وجب أن تجوز بغير إشهاد. 4 - وأيضاً لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك، أو الفرقة احتياطاً لهما، ونفياً للتهمة عنهما، إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة، أو لم يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط مقصوراً على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة، بل يكون الاحتياط باقياً وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: الطلاق السني هو الطلاق الذي يكون في طهر لم تجامع فيه المرأة. ثانياً: الطلاق البدعي ما كان في الطهر الذي جومعت فيه المرأة، أو في وقت الحيض. ثالثاً: السكنى واجبة للمطلَّقة على زوجها فلا يجوز له إخراجها حتى تنتهي العدة. رابعاً: إذا خرجت المرأة من بيت زوجها قبل انتهاء عدتها فقد عصت الله وأثمت. خامساً: حدود الله تعالى يجب التزامها وعدم تعديها لأنها شريعة الله. سادساً: إقامة الشهادة حق لله تعالى على عباده لدفع الظلم عن الخلائق. سابعاً: التوكل على الله والالتجاء إليه، ملاك الأمر كله، وراحة النفس. خاتمة البحث: حكمة التشريع الأسرة لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي، وبها قوامه، ففيها تلتقي النفوس على المودة والرحمة، والتعاطف والستر، وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة، ومنه تمتد وشائج الرحمة، وأواصر التكافل. ولكنّ الحياة الواقعية والطبيعة البشرية تُثْبت بين الفينة والأخرى، أنَّ هناك حالاتٍ لا يمكن معها استمرار الحياة الزوجية، لذلك شرع الله الطلاق كآخر حل من حلول تتقدمه، إن لم تُجْدِ كل المحاولات، وأباح للرجل أن يركن إلى أبغض الحلال وهو الطلاق. ولكن ليس من السُّنة أن يُطلِّق الرجل في كل وقت يريد، فليس له أن يطلقها وهو راغب عنها في الحيض، وفي ذلك دعوة له ليتمهل ولا يسرع ليفصل عرى الزوجية، ويتفكر في محاسن زوجه لعلَّها تغلب سيئاتها، فتتغير القلوب، وتعود إلى صفائها بعد موجة من الغضب اعترتها، وسحابة غشيتْ المودة التي يُكنُّها الزوج لزوجه. والطلاق يقع حيثما طلق في الوقت الذي بيَّنه الشرع أو في غيره، لأن فكَّ الزوجية، وهدم اللبنة الأولى للمجتمع ليس لعباً تلوكه الألسنة في كل وقت، وعند أدنى بادرة، بل هو الجد كل الجد فمن نطق به لزمته نتائجه وعصى الله - جلَّت حكمته - لأنه لم يقف عند حدوده، ويتبع تعاليمه. وأمر الله - العليم الخبير - بإحصاء العدة لضبط انتهائها، ومعرفة أمدها بدقة لعدم إطالة الأمد على المطلَّقة، والإضرار بها، ولكيلا تنقص من مدتها مما لا يؤدي إلى المراد منها وهو التأكد من براءة رحم المطلقة من الحمل.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قالَ: حدّثنا علي بن أحمد. قالَ: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فالفَاحشةُ: الزِّنا. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} معناه يُجاوزُها. وقوله تعالى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} معناه نَقَّصَها. وقوله تعالى: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} معناه مُراجعةٌ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الآية هذه السورة مدنية قيل وسبب نزولها طلاق عبد الله بن عمر وغير ذلك ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر الفتنة بالمال والولد أشار إلى الفتنة بالنساء وأنهن يعرضن الرجال للفتنة حتى لا يجد منها مخلصاً إلا بالطلاق ويا أيها النبي نداء للنبي عليه السلام وخطاب على سبيل التكريم والتنبيه إذا طلقتم هو على إضمار القول أي قل لأمتك إذا طلقتم. وقال الزمخشري: خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأنه إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان إفعلوا كيت وكيت إظهار التقدمة واعتبار الترأسة وأنه مدره قومه ولسانهم والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكمهم كلهم وسادا مسد جميعهم "انتهى". وهو كلام حسن ومعنى إذا طلقتم إذا أردتم تطليقهن والنساء يعني المدخول بهن. {فَطَلِّقُوهُنَّ} أي أوقعوا الطلاق. {لِعِدَّتِهِنَّ} هو على حذف مضاف أي لاستقبال عدتهن واللام للتوقيت نحو كتبته لليلة بقيت من شهر كذا وتقدير الزمخشري هنا ماله محذوفة يدل عليها المعنى يتعلق بها المجرور أي مستقبلات لعدتهن ليس بجيد لأنه قدر عاملاً خاصاً ولا يحذف العامل في الظرف والجار والمجرور إذا كان خاصاً بل إذا كان كوناً مطلقاً لو قلت زيد عندك أو في الدار تريد ضاحك عندك أو ضاحك في الدار لم يجز فتعليق الكلام بقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ} ويجعل على حذف مضاف هو الصحيح والظاهر أن الخطاب في وأحصوا العدة للأزواج أي اضبطوها بالحفظ وفي الاحصاء فوائد مراعاة الرجعة وزمان النفقة والسكن وتوزيع الطلاق على الاقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً والعلم بأنها قد بانت فيتزوج بأختها وبأربع سواها ونهى تعالى عن إخراجهن من مساكنهن حتى تنقضي العدّة ونهاهن أيضاً عن خروجهن وأضاف البيوت إليهن لما كان سكناهن فيها ونهيهن عن الخروج لا يبيحه إذن الزوج إذ لا أثر لأذنه والاسكان على الزوج فإِن كان ملكه أو بكراء فذاك أو ملكها فلها عليه أجرته وسواء في ذلك الرجعية والمبتوتة وسنة ذلك أن لا تبيت عن بيتها ولا يخرج عنه نهاراً إلا لضرورة وذلك لحفظ النسب والاحتفاظ بالنساء. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وهي الزنا. {لاَ تَدْرِى} أي أيها السامع. {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قال المفسرون: الأمر هنا الرغبة في ارتجاعها أو الميل إليها بعد انحرافه عنها أو ظهور حمل فيراجعها من أجله ونصب لا تدري على جملة الترجي فلا تدري معلقة عن العمل. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي أشرفن على انقضاء عدتهن. {فَأَمْسِكُوهُنَّ} أي راجعوهن. {بِمَعْرُوفٍ} أي بغير ضرار. {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي سرحوهن بإِحسان والمعنى أتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن والإِمساك بمعروف هو حسن العشرة فيما للزوجة على الزوج والمفارقة بمعروف هو أداء المهر والتمتع والحقوق الواجبة والوفاء بالشرط والظاهر وجوب الإِشهاد على ما يقع من الإِمساك وهو الرجعة أو المفارقة وهي الطلاق وهذا الإِشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}تفسير : [البقرة: 282]، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} هذا أمر للشهود أي لوجه الله تعالى خالصاً لمراعاة مشهود له ولا مشهود عليه لا يلحظ سوى إقامة الحق. {ذَلِكُمْ} إشارة إلى إقامة الشهادة إذ نوازل الأشياء تدور عليها وبها يتميز المبطل من المحق. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي في معنى الطلاق أي ومن لا يتعدى في طلاق السنة إلى الطلاق الثلاث وغير ذلك يجعل الله له مخرجاً. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي يفوض أمره إليه. {فَهُوَ حَسْبُهُ} أي كافيه. {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} لا بد من نفوذ أمر الله تعالى توكلت أو لم تتوكل. وقرىء بالغ بالتنوين أمره بالنصب وقرىء بالغ أمره بالإِضافة. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} أي تقديراً وميقاتاً لا يتعداه. {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ} الآية روي أن قوماً منهم أبي بن كعب وقلاد بن النعمان لما سمعوا قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}تفسير : [البقرة: 228] قالوا يا رسول الله فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر فنزلت هذه الآية فقال قائل منهم ما عدة الحامل فنزلت. {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} الآية ومعنى إن ارتبتم في أنها نسيت أم لا لأجل إمكان ظهور حمل وإن كان انقطع دمها فإِن ارتبتم هو للمخاطبين أي إن لم تعلموا عدة الآيسة واللائي لم يحضن فالعدة هذه فتلخص في قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} قولان: أحدهما أنه على ظاهر مفهوم اللغة فيه وهو حصول الشك والآخران معناه التيقن للإِياس والظاهر أن قوله: {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} يشمل من لم تحض لصغر ومن لا يكون لها حيض البتة وهذا موجود في النساء وهو أنها تعيش إلى أن تموت ولا تحيض ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت ولم تحض وأولات الأحمال عام في المطلقة والمتوفى عنها زوجها ومن في من حيث سكنتهم للتبعيض أي بعض مكان سكناكم ومن وجدكم قال الزمخشري: فإِن قلت فقوله: {مِّن وُجْدِكُمْ} قلت هو عطف بيان لقوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} وتفسير له كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من ساكنكم مما تطيقونه والوجد الطاقة والوسع "انتهى". ولا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً من قوله من حيث سكنتم. {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} ولا تستعملوا معهن الضرار. {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} في المسكن ببعض الأسباب من أزال من لا يوافقهن أو شغل مكانهن أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج. {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ} لا خلاف في وجوب سكناها ونفقتها بتت أو لم تبت فإن كانت متوفى عنها فأكثر العلماء على أنها لا نفقة لها وعن علي وابن مسعود رضي الله عنهما تجب نفقتها في التركة. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أي ان ولدن وأرضعن المولود وجب لها النفقة وهي الأجر والكسوة وسائر المؤن على ما قرر في كتب الفقه. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي تضايقتم وتشاكستم فلم ترض إلا بما ترضى به الأجنبية وأبى الزوج الزيادة أو أبى الزوج إلا رضاع الا مجانا وأبت هي إلا بعوض. {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} أي يستأجر غيرها وليس له إكراهها فإِن لم يقبل إلا ثدي أمه أجبرت على الإِرضاع بأجرة مثلها ولا يختص هذا الحكم من وجوب أجرة الرضاع بالمطلقة بل المنكوحة في معناها. {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} عتت أعرضت عن أمر ربها على سبيل العناد والتكبر والظاهر في فحاسبناها الجمل الأربعة من الحساب والعذاب والذوق والخسران من الآخرة وجيء به على لفظ الماضي لتحقق وقوعه ولما ذكر تعالى ما حل بهذه القرية العاتية أمر المؤمنين بتقوى الله تحذيراً من عقابه ونبه على ما يحض على التقوى وهو إنزال الذكر والظاهر أن الذكر هو القرآن وأن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم ويكون بدلاً على حذف مضاف أي ذكر رسول والضمير في ليخرج عائد على الله تعالى. {وَمَن يُؤْمِن} راعى اللفظ أولاً في من الشرطية فأفرد الضمير يؤمن يعمل ويدخله ثم راعى المعنى في خالدين فجمع ثم راعى اللفظ في قد أحسن الله له فأفرد واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولاً ثم مراعاة المعنى ثم مراعاة اللفظ. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} لا خلاف أن السماوات سبع بنص القرآن والحديث والمثلية في العدد أي سبع أرضين. {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} من السماوات السبع إلى الأرضين السبع وعلما تمييز منقول من الفاعل تقديره أحاط علمه بكل شيء.
الجيلاني
تفسير : {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المبعوث إلى كافة البرايا؛ لترشدهم وتصلح أحوالهم، فلزم عليك وعليهم أصلاً وفرعاً {إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} وقصدتم دفع رابطة العلاقة الشرعية بالفرقة الشرعية أيضاً {فَطَلِّقُوهُنَّ} وادفعوا عنهن قيد الألفة المقتضية للزوجية {لِعِدَّتِهِنَّ} أي: في إيتانها ووقتها الذي هو مدة الطهر قبل وقوع الوقائع فيها {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} الكاملة أي: الأطهار الثلاثة مع المطلقات الثلاثة؛ حتى تقع كل طلقة في طهر {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} المنتقم الغيو الذي ربَّاكم على مقتضى العدالة، فعليكم ألاَّ تتجاوزوا عنها، فلا تزيدوا على عدتهن بالمراجعة عليهن، ثمَّ تطلقوهن. فعليكم أن {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ} بالتعدي بعد وقوع الطلاق {مِن بُيُوتِهِنَّ} أي: مساكنكم التي كن فيها قبل الفرقة؛ حتى تنقضي عدتهن فيها {وَلاَ يَخْرُجْنَ} أيضاً بأنفسهن بعد الفرقة من مساكنهن بلا رضاً منكم أيها المطلِّقون، بل لا بدَّ لهن أن يعتددن فيها {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي: زناً يشهد له شهود على الوجه المعتبر في الشرع، فحينئذٍ يخرجن؛ لإجراء الحد عليهن، فيصبح هذا الاستثناء من كلا الحكمين السابقين. {وَتِلْكَ} الحدود المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ} العليم الحكيم، الصادرة عنه بمقتضى الحكمة البالغة المقتضية للعدالة الكاملة {وَمَن يَتَعَدَّ} ويتجاوز {حُدُودَ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بالعرض على عذاب الله عاجلاً وآجلاً، إنه {لاَ تَدْرِى} وتعلم نفس المطلِّق المجاوز عن الحد الشرعي بالتطويل في العدة، والتهاون على المرأة أو نفس المرأة المطلقة بإتيان الفاحشة في أوان العدة وغيرها {لَعَلَّ ٱللَّهَ} المقتدر {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ} التفريق والبينونة {أَمْراً} [الطلاق: 1] بأن جعل للمطلق بدل تلك الزوجة المطلقة زوجة سليطة مسلطة عليه، أو جعل للمطلَّقة زوجاً أشد إيلاماً منه. وبالجملة: {فَإِذَا بَلَغْنَ} أي: المطلقات {أَجَلَهُنَّ} أي: شارفن على انقضاء عدتهن {فَأَمْسِكُوهُنَّ} وراجعوا إليهن {بِمَعْرُوفٍ} مستحسن عقلاً وشرعاً ومروءةً، نادمين على ما صدر عنكم من الطلاق، محسنين إليهن، معطين لهن من الأمتعة جبراً لما كسرتم {أَوْ فَارِقُوهُنَّ} بعدما لم يبق بينكم وبينهن رابطة المحبة، وعلاقة الألفة {بِمَعْرُوفٍ} مستحسن مرضي لدى الشارع، مقبول عند عموم أرباب المروءات، بلا شرر ولا ضرار، وبلا أخذ شيء مما يتعلق بهن من الأمتعة المنسوبة إليهن عرفاً، بل أعطوهن شيئاً آخر معتداً به؛ ليعترفن بثنائكم وشكركم، ويدعون لكم بدل ما يدعون عليكم. {وَأَشْهِدُواْ} أيها المؤمنون عند اختيار الرجعة والفرقة {ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} قطعاً لعرق الخصومة والنزاع، وبعداً عن التهمة {وَأَقِيمُواْ} أيها الشهود {ٱلشَّهَادَةَ} الموكولة لكم {لِلَّهِ} طلباً لمرضاته سبحانه، وحافظوا عليها؛ كي تؤدوها لدى الحاجة {ذَلِكُمْ} الذي سمعتم من محافظة الحدود، وإقامة الشهود؛ لحفظ الحقوق والعهود من جملة المواعظ والتذكيرات التي وضعها الحق بمقتضى حكمته بين عباده؛ ليحافظوابها آداب العبودية. إنما {يُوعَظُ} ويتذكر {بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} ويوقن بوحدة ذاته، ويصدق برسله المبعوثين من عنده، المؤيَّدين من لدنه {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ؛ لتنقيد الأعمال، وترتب الجزاء عليها، فإن غير هؤلاء السعداء الأمناء التائهون في تيه الضلال بأناع الوزر والوبال، لا تتعظون بها وبأمثالها {وَ} بالجملة: {مَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} ويتحفظ نفسه عن قهره وغضبه، ويحافظ على رعاية حدوده الموضوعة من لدنه؛ لحفظ حقوق عباده، سيما حقوق الزوجية والائتلاف من كلا الطرفين، ويتوكل عليه في عموم أحواله، ويفوِّض أموره كلها إليه {يَجْعَل لَّهُ} سبحانه {مَخْرَجاً} [الطلاق: 2] عن مضيق الإمكان المورث لأنواع الخذلان والخسران. {وَيَرْزُقْهُ} ويسوق إليه جميع حوائجه المحتاجة إليه في معاش عياله {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي: من مكان لا يترقبه، ولا ينتظره {وَ} كيف لا {مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} مخلصاً له، مفوضاً أمره إليه {فَهُوَ حَسْبُهُ} وكافيه، يكفيه جميع المؤنة المحتاجة إليه في النشأة الأولى والأخرى؟! وكيف لا {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على عموم المقادير {بَالِغُ أَمْرِهِ} بعدما فوَّض إليه سبحانه بالإخلاص والتسليم إلى حد قدَّر الله له في حضرة علمه، ولوح قضائه؛ إذ {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ} القدير الحكيم {لِكُلِّ شَيْءٍ} من الأشياء الظاهرة حسب أظلال الأسماء والصفات الإليهة {قَدْراً} [الطلاق: 3] أي: مقداراً معيناً من الكمال في عموم أفعاله وأحواله على مقتضى الاستعدادات الفطرية، والقابلية الجبلية؟!
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا أيها المطلق أما تعلم أنك مقيد بالأمر والنهي، غير مطلق ما دمت في سجن القالب وقيد الطبيعة محبوساً؛ فإذا أنت تشتهي أن تطلق القوة القالبية - [النفورة] عن قبول الحق، الخائنة في أمانة الأسرار - فاقتف أثر نبيك عليه الصلاة والسلام، وافهم ما قلنا له في الكلام، وبيّنا فيه الحلال والحرام حيث قلنا: {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، يعني: لطهرهن الذي تحصينه من عدتهن؛ فينبغي للسالك أن لا يطلق القوة القالبية بتة البتة، ويطلقها على وجه السنة في الطهر من علة إبائها الحق عند غلبة دم محبة الدنيا عليها، أو حمل خاطر الهوى، وهاتان الحالتان حيضها ونفاسها، والحكمة في تأخير الطلاق إلى وضع الحمل ووقت الطهر: رحمة الحق ورأفة على الخلق؛ فربما ترجع القوة العاصية القابلة بعد خلاصها من دم محبة الدنيا، ووضع حمل خاطر الهوى، كما يقول الله تعالى: {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1]، وينبغي للمسلك أن لا يطلّق مريداً دخل في حبالة ولايته لترك أدب من الآداب - عند اتساع مجاري شيطانه، لاشتغاله بالاستراحة على خلاف عادته، وتصرف الهوى في باطنه - حتى يطهر باطنه عن هاتين العلتين؛ فربما يتوب إلى الله، ويرجع عن فعله، ويستغفر بين يدي شيخه، ويجعل الله قبوله في قلب مسلكه أكثر مما كان قبل ذلك، {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} [الطلاق: 1]، يعني: عدد أقرائها ليعلم بقاء زمان الرجعة، ومراجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى إذا أراد أن يطلقها ثلاثاً، وإحصاء السالك عدد أقراء القوة القابلة كل يوم خمس مرات في أوقات الصلاة، ومراعاة خاطرها بالخواطر الكليّة المبشرة لها، ومراعاة السكنى أن يسكنها في بيت الرخصة، ولا يشدد عليها بأمر العزيمة، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: 1] عن التشديد عليها، وإخراجها عن بيت الرخصة كما قال تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1]؛ يعني: ينبغي للقوى الفاعلة أن لا يخرجوهن من بيوتهن أي: القوى القابلة، ولا القوى القابلة يخرجن من بيوت زوجهن ما لم ينقص، وإن خافت من خراب البدن وخراب بيته يكون من شدة غيرة القوى الفاعلة، وغلبة حميتها في شرح السلوك، يجوز للقوة القابلة أن تخرج من بيت الزوج إلى بيت أمها وهي: بيت القالب وبيت الشبهة، وإن دخلت بيت الحرام وهو: الهوى يجب عليها الرجم {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، يعني: لا يجوز للقوة الفاعلة إخرج القوة القابلة عن بيتها إلا أن تأتي القوة القابلة بفاحشة وهي الكفر، {مُّبَيِّنَةٍ} بلسانها غير أن تكن في صدورها {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} [الطلاق: 1]، حدود بيّنة على الخلق {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، فالواجب عليه اتباع الأمر والنهي، والتباعد عن الابتداع في العبادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ"،تفسير : و"كل عمل لا يعمل بسنتي فهو بدعة"، {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1]، يعني: إن كنت لا تخرجها يمكن أن يحدث الله في قلبها توبة وإنابة وندامة على فعلها، وترجع عن فعلها وتستغفر، ويجعل الله في قلبك شفقة عليها جديدة محدثة. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [الطلاق: 2]، يعني: قربن من انقضاء عدتهن؛ {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]، يعني: راجعوهن باللطف، وعدوهن من الله رحمة ومغفرة، وقوّوا خاطرهن بالخواطر اللطيفة والواقعات القلبية والسرية والرحمية والخفية والتجليات الجمالية، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]، أي: اتركوهن بمعروف يعني: لا تأخذ القوة الفاعلة المعارف الروحانية منها؛ فربما يدخل عليها السرية والخفية ويجعل بعد ذلك على الروح الدخول فيها، وألف بينهما المؤلف الحقيقي، {وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]، يعني: أشهدوا على الرجعة أو الفراق النفس اللوامة والملهمة، والحكمة في هذا الإشهاد أن اللوامة ربما تلومها فيرجعان، والملهمة ربما تلهمها بالخير [فتعان] {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2]، يعني: ينبغي أن الشهود يقيموا شهادتهم بالصدق بالله عند قاضي العقل، {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [الطلاق: 2]، يعني: بيّنا هذه الحدود ليتعظ بها القوى المؤمنة المصدقة باليوم الآخر، لئلا يستعجل في الأمور، ولا يظلم على القوى القابلة الضعيفة، وحمل المجاهدة عليها فوق طاقتها، وتتعظ بها القوة المؤمنة القابلة، ولا يأذن للهوى أن يدخل عليها، ولا يأبى أمر القوة الفاعلة بالنشوز، {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} [الطلاق: 2]، يعني: من يخش الله من القوة الفاعلة والقابلة، ولا يتعد حدود الله، ويجتنب عن الفواحش، يجعل له مخرجاً من خواطر الشيطان، ومخرجاً من ضيق الهوى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مخاطبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } أي: أردتم طلاقهن { فـ } التمسوا لطلاقهن الأمر المشروع، ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه، من غير مراعاة لأمر الله. بل { طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي: لأجل عدتهن، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة، التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين و [لا] يتضح بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملا فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، [وحقها في النفقة ونحوها] فإذا ضبطت عدتها، علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر بإحصاء العدة، يتوجه [للزوج] وللمرأة، إن كانت مكلفة، وإلا فلوليها، وقوله: { وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ } أي: في جميع أموركم، وخافوه في حق الزوجات المطلقات، فـ { لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } مدة العدة، بل يلزمن بيوتهن الذي طلقها زوجها وهي فيها. { وَلا يَخْرُجْنَ } أي: لا يجوز لهن الخروج منها، أما النهي عن إخراجها، فلأن المسكن، يجب على الزوج للزوجة، لتكمل فيه عدتها التي هي حق من حقوقه. وأما النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه. ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، والإخراج إلى تمام العدة. { إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، وهذا في المعتدة الرجعية، وأما البائن، فليس لها سكنى واجبة، لأن السكن تبع للنفقة، والنفقة تجب للرجعية دون البائن، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } [أي:] التي حددها لعباده وشرعها لهم، وأمرهم بلزومها والوقوف معها، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ } بأن لم يقف معها، بل تجاوزها، أو قصر عنها، { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي: بخسها حظها، وأضاع نصيبه من اتباع حدود الله التي هي الصلاح في الدنيا والآخرة. { لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } أي: شرع الله العدة، وحدد الطلاق بها، لحكم عظيمة: فمنها: أنه لعل الله يحدث في قلب المطلق الرحمة والمودة، فيراجع من طلقها، ويستأنف عشرتها، فيتمكن من ذلك مدة العدة، أو لعله يطلقها لسبب منها، فيزول ذلك السبب في مدة العدة، فيراجعها لانتفاء سبب الطلاق. ومن الحكم: أنها مدة التربص، يعلم براءة رحمها من زوجها. وقوله: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي: إذا قاربن انقضاء العدة، لأنهن لو خرجن من العدة، لم يكن الزوج مخيرًا بين الإمساك والفراق. { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي: على وجه المعاشرة [الحسنة]، والصحبة الجميلة، لا على وجه الضرار، وإرادة الشر والحبس، فإن إمساكها على هذا الوجه، لا يجوز، { أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي: فراقًا لا محذور فيه، من غير تشاتم ولا تخاصم، ولا قهر لها على أخذ شيء من مالها. { وَأَشْهِدُوا } على طلاقها ورجعتها { ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي: رجلين مسلمين عدلين، لأن في الإشهاد المذكور، سدًا لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه. { وَأَقِيمُوا } أيها الشهداء { الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } أي: ائتوا بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، واقصدوا بإقامتها وجه الله وحده ولا تراعوا بها قريبًا لقرابته، ولا صاحبًا لمحبته، { ذَلِكُمْ } الذي ذكرنا لكم من الأحكام والحدود { يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فإن من يؤمن بالله واليوم الآخر، يوجب له ذلك أن يتعظ بمواعظ الله، وأن يقدم لآخرته من الأعمال الصالحة، ما تمكن منها، بخلاف من ترحل الإيمان عن قلبه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من الشر، ولا يعظم مواعظ الله لعدم الموجب لذلك، ولما كان الطلاق قد يوقع في الضيق والكرب والغم، أمر تعالى بتقواه، وأن من اتقاه في الطلاق وغيره فإن الله يجعل له فرجًا ومخرجًا. فإذا أراد العبد الطلاق، ففعله على الوجه الشرعي، بأن أوقعه طلقة واحدة، في غير حيض ولا طهر قد وطئ فيه فإنه لا يضيق عليه الأمر، بل جعل الله له فرجًا وسعة يتمكن بها من مراجعة النكاح إذا ندم على الطلاق، والآية، وإن كانت في سياق الطلاق والرجعة، فإن العبرة بعموم اللفظ، فكل من اتقى الله تعالى، ولازم مرضاة الله في جميع أحواله، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، وكما أن من اتقى الله جعل له فرجًا ومخرجًا، فمن لم يتق الله، وقع في الشدائد والآصار والأغلال، التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعتها، واعتبر ذلك بالطلاق، فإن العبد إذا لم يتق الله فيه، بل أوقعه على الوجه المحرم، كالثلاث ونحوها، فإنه لا بد أن يندم ندامة لا يتمكن من استدراكها والخروج منها. وقوله { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } أي: يسوق الله الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به. { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك { فَهُوَ حَسْبُهُ } أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةُ الطَّلاَقِ 621- أنا محمدُ بن إسماعيل بن إبراهيم، وعبدُ الله بن محمد بن تميمٍ، عن حجَّاجٍ، قال: قال ابن جُريجٍ: أخبرني أبو الزُّبير، أن ابن عمر قال: قرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها النبيُّ إذا طلقتم النساء فطلقوهنَّ في قُبلِ عِدَّتِهِنَّ ". تفسير : 622 - أنا أحمدُ بنُ ناصحٍ، نا إسماعيل، أنا أيُّوبُ، عن عبد اللهِ بن كثيرٍ، عن مُجاهدٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ: حديث : قال اللهُ تبارك وتعالى يا أيُّها النبيُّ إذا طلقتم النِّساءَ فطلقوهن في قُبلِ عِدَّتِهِنَّ /.
همام الصنعاني
تفسير : 3231- عبد الزراق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}: [الآية: 1]، قال إذا طهرت من الحيضة لغير جماع قلت: وكيف؟ قال: إذا طَهُرتْ فَطَلِّقَها قبلَ أن تَمَسَّهَا. فإن بدَا لَكَ أنْ تطلقها أخرى، تركتها حتى تحيض حَيْضَةً أخرى، ثم طلقها إذا طهرت الثَّانية، فإن أردت طلاقها الثالثة، أمهلتها حتى تحيض، فإذا طهرت طلقتها الثالثة، ثم تعتد حيضة واحدة، ثم تنكح إن شاءت. 3232- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، قال: سمعت مجاهداً يقرأ: {فَطَلِّقُوهُنَّ [من قُبُلِ] عِدَّتِهِنَّ}. 3233- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْجْ، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: (فطلقوهُنَّ [لقبل] عدتهنَّ). 3234- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ}: [الآية: 1]، قال: إذا أردت الطلاق فطلقها حين تطهر قبل أن تمسها تطليقةً وَاحِدَةً، ولا ينبغي لَكَ أن تزيد عليها حتى تخلو ثلاثة قروء، فإن واحدة تبينها، هَذَا طلاقُ السُّنَّة. 3235- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع: حديث : أنَّ ابن عمر طلق امرأته وهي حائِض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له، فأمره أن يُراجِعَهَا ثم بتركها، حتى أذَا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فهي العدة التي أمَر الله، أن تُطَلّق النِّساءُ لَها" يقول: حتى يَطْهُرنَ . تفسير : 3236- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ}: [الآية: 1]، عن ابن المسيب أنه قال: إذا لم يكن للرجل إلا بَيْتٌ وَاحِدٌ، فليجعل بينه وبينها ستراً فيسْتأذن عَلَيْهَا، إذا كانت له عَلَيْها رجعة. 3237- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله: أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عمرو بن حفص المخزومي، وكَاَ النبي صلى الله عليه وسلم أمَّر عَلِيّاً على بعض اليمن فخرج مع ه، فبعث إلَيْهَا بتطليقة كانت بقيت لَهَا. وأمَر عياش بن أبي ربيعة، والحرث بن هشام أن ينفقا عَلَيْها. فقالا: واللهِ ما لها من نفقة إلا أن تكونَ حامِلاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلِكَ له، فلم يجعل لَهَا نفقة إلا أن تكون حامِلاً، فاستأذنته في الانتقال، فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ قال: عند ابن أم مكتُوم، وكان أعمى تَضَع يثابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هنالِكَ حتى أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حين مضت عدتها، فأرسل إليهَا مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب، يَسألها عن هذا الحديث فأخبرته، فقال مروان: لم نَسْمَعْ هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدْنَا الناسَ عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينك القرآن، قال الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}: [الآية: 1]، حتى بلغ {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}: [الآية: 1]، قالت: فأيُّ أمْرٍ يحدث بعد الثلاث؟ وإنما هو مراجعة الرجل امرأته، فكيف تحبس امرأة؟ فيكف تَقُولُونَ: لا نَفَقَةَ لَها. 3238- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}: [لاآية: 1]، قال: هذا في مراجعة الرجل امرأته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):