Verse. 5219 (AR)

٦٥ - ٱلطَّلَاق

65 - At-Talaq (AR)

فَاِذَا بَلَغْنَ اَجَلَہُنَّ فَاَمْسِكُوْہُنَّ بِمَعْرُوْفٍ اَوْ فَارِقُوْہُنَّ بِمَعْرُوْفٍ وَّاَشْہِدُوْا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَاَقِيْمُوا الشَّہَادَۃَ لِلہِ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ يُوْعَظُ بِہٖ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ۝۰ۥۭ وَمَنْ يَّـتَّقِ اللہَ يَجْعَلْ لَّہٗ مَخْرَجًا۝۲ۙ
Faitha balaghna ajalahunna faamsikoohunna bimaAAroofin aw fariqoohunna bimaAAroofin waashhidoo thaway AAadlin minkum waaqeemoo alshshahadata lillahi thalikum yooAAathu bihi man kana yuminu biAllahi waalyawmi alakhiri waman yattaqi Allaha yajAAal lahu makhrajan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا بلغن أجلهن» قاربن انقضاء عدتهن «فأمسكوهن» بأن تراجعوهن «بمعروف» من غير ضرار «أو فارقوهن بمعروف» أتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة «وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم» على المراجعة أو الفراق «وأقيموا الشهادة لله» لا للمشهود عليه أو له «ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجاً» من كرب الدنيا والآخرة.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي قاربن انقضاء أجل العدة لا انقضاء أجلهن، والمراد من بلوغ الأجل هنا مقاربة البلوغ، وقد مر تفسيره. قال صاحب «الكشاف»: هو آخر العدة وشارفته، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة، وإتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر العدة، ثم يطلقها تطويلاً للعدة وتعذيباً لها. وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوى عَدْلٍ مّنْكُمْ } أي أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة: 282] وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث، وقيل: الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجاً. ثم خاطب الشهداء فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } وهذا أيضاً مر تفسيره، وقوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلاً إلى الرجعة، وقال غيره: مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس، قال الكلبي: ومن يصبر على المصيبة يجعل الله له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة، تفسير : وقال أكثر أهل التفسير: أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابناً له فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له: «حديث : اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» تفسير : ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه، وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلاً وجاء بها إلى أبيه، وقال صاحب «الكشاف»: فبينا هو في بيته، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها، فذلك قوله: ويرزقه من حيث لا يحتسب ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } وقال في «الكشاف»: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } أي من وثق به فيما ناله كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» تفسير : وقرىء: {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ } بالإضافة {وبالغ أمره } أي نافذ أمره، وقرأ المفضل {بالغاً أمره }، على أن قوله {قَدْ جَعَلَ } خبر {إن }، و{بالغاً} حال. قال ابن عباس يريد في جميع خلقه والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم و {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَيْءٍ قَدْراً } أي تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه، قال الكلبي ومقاتل: لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر. وقال ابن عباس: يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي، وقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } إلى قوله: {مَخْرَجاً } آية ومنه إلى قوله: {قَدْراً } آية أخرى عند الأكثر، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة: وهي أن التقوي في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } وقريب من هذا قوله: {أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النور: 32] فإن قيل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق، وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 10] يدل على الاحتياج فكيف هو؟ نقول: لا يدل على الاحتياج، لأن قوله: {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي قاربن انقضاء العدّة؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} تفسير : [البقرة:231] أي قربن من انقضاء الأجل. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} يعني المراجعة بالمعروف؛ أي بالرغبة من غير قصد المضارّة في الرجعة تطويلاً لعدّتها. كما تقدّم في «البقرة». {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهن فيملكن أنفسهنّ. وفي قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء العدّة إذا ادّعت ذلك، على ما بيّناه في سورة «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} تفسير : [البقرة:228] الآية. قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} فيه ست مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ} أمْرٌ بالإشهاد على الطلاق. وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفُرْقة جميعاً. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} تفسير : [البقرة:282]. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الإشهاد ألاّ يقع بينهما التجاحد، وألاّ يُتَّهمَ في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدّعي الباقي ثبوت الزوجية لِيرِث. الثانية ـ: الإشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة نَدْب. وإذا جامع أو قَبل أو باشر يريد بذلك الرجعة، وتكلّم بالرجعة يريد به الرجعة فهو مراجع عند مالك، وإن لم يرد بذلك الرجعة فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قَبّل أو باشر أو لاَمَسَ بشهوة فهو رجعة. وقالوا: والنظر إلى الفَرْج رجعة. وقال الشافعي وأبو ثَوْر: إذا تكلّم بالرجعة فهو رجعة. وقد قيل: وَطْؤُه مراجعة على كل حال، نواها أو لم ينوها. وروي ذلك عن طائفة من أصحاب مالك. وإليه ذهب اللّيث. وكان مالك يقول: إذا وَطِىء ولم ينو الرجعة فهو وَطَءٌ فاسد؛ ولا يعود لوطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية العِدة الأولى، وليس له رجعة في هذا الاستبراء. الثالثة ـ: أوجب الإشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصاً حلّ الظِّهار بالكفارة. قال ابن العربي: وركّب أصحاب الشافعي على وجوب الإشهاد في الرجعة أنه لايصح أن يقول: كنت راجعت أمس وأنا أشهد اليوم على الإقرار بالرجعة، ومن شرط الرجعة الإشهاد فلا تصح دونه. وهذا فاسد مبنيّ على أن الإشهاد في الرجعة تَعَبُّدٌ. ونحن لا نسلّم فيها ولا في النكاح بأن نقول: إنه موضع للتوثّق، وذلك موجود في الإقرار كما هو موجود في الإنشاء. الرابعة ـ: من ادّعى بعد انقضاء العدّة أنه راجع امرأته في العدّة، فإن صدّقته جاز وإن أنكرتْ حلفت، فإن أقام بيّنة أنه ارتجعها في العدّة ولم تعلم بذلك لم يضره جهلها بذلك، وكانت زوجته، وإن كانت قد تزوّجت ولم يدخل بها ثم أقام الأول البيّنة على رجعتها فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما ـ أن الأوّل أحق بها. والأخرى ـ أن الثاني أحق بها. فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأوّل إليها. الخامسة ـ: قوله تعالى: {ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم. وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن «ذَوَى» مذكَّر. ولذلك قال علماؤنا: لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال. وقد مضى ذلك في سورة «البقرة». السادسة ـ: قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي تقرباً إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها، إذا مسّت الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. وقد مضى في سورة «البقرة» معناه عند قوله تعالى: {أية : وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} تفسير : [البقرة:282]. قوله تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ} أي يرضى به. {مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل عمن طلّق ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج؟ فتلاها. وقال ابن عباس والشَّعْبيّ والضحاك: هذا في الطلاق خاصة؛ أي من طلّق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العِدّة، وأن يكون كأحد الخُطَّاب بعد العِدّة. وعن ابن عباس أيضاً {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} ينجيه من كل كَرْب في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يُقنعه الله بما رزقه؛ قاله عليّ بن صالح. وقال الكلبي: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} بالصبر عند المصيبة. {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدّة. الربيع بن خَيْثم: {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من كل شيء ضاق على الناس. الحسين بن الفضل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في أداء الفرائض، {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من العقوبة. {وَيَرْزُقْهُ} الثواب {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في اتباع السُّنة {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من عقوبة أهل البِدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب. وقيل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في الرزق بقطع العلائق يجعل له مخرجاً بالكفاية. وقال عمر بن عثمان الصَّدفي: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضِّيق إلى السِّعة، ومن النار إلى الجنة. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} من حيث لا يرجو. وقال ابن عُيينة: هو البركة في الرزق. وقال أبو سعيد الخُدْرِيّ: ومن يبرأ من حَوْله وقوّته بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجاً مما كلفه بالمعونة له. وتأوّل ابن مسعود ومسروق الآية على العموم. وقال أبو ذَرّ: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ـ تلا ـ {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}». فما زال يكررها ويعيدها تفسير : . وقال ابن عباس:حديث : قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} قال: «مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة»تفسير : . وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثَّعلبي: إنها نزلت في عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ. روى الكَلْبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء عَوّف بن مالك الأشجعيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن ابني أسره العدوّ وجَزِعت الأم. وعن جابر بن عبد الله: نزلت في عَوْف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يُسَمَّى سالماً، فأتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال: إن العدو اسر ابني وَجزِعت الأمّ، فما تأمرني؟ فقال عليه السلام: «حديث : اِتّقِ الله واصبر وآمرك وإياها أن تستكثِرا من قول لاَ حَوْلَ ولاَ قُوّةَ إلاّ بِالله»تفسير : . فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإيّاكِ أن نستكثر من قول لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بِالله. فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به. فجعلا يقولان؛ فَغفَل العَدُوّ عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه؛ وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت الآية، وجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له. في رواية: أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدوّ وكان فقيراً. قال: الكلبي: أصاب خمسين بعيرا. وفي رواية: فأفلت ابنه من الأسْر وركب ناقة للقوم، ومرّ في طريقه بَسْرح لهم فاستاقه. وقال مقاتل: أصاب غَنماً ومتاعاً فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال:«نعم»تفسير : . ونزلت: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. فروى الحسن عن عِمْران بن الحُصَيْن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من انقطع إلى الله كفاه الله كلّ مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب. ومن انقطع إلى الدنيا وَكَله الله إليها»تفسير : . وقال الزجاج: أي إذا اتّقى وآثر الحلال والتصبُّرَ على أهله، فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب»تفسير : . قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي من فوّض إليه أمره كفاه ما أهَمَّه. وقيل: أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكّل عليه، فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية. ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} قال مسروق: أي قاضٍ أمْرَه فيمن توكّل عليه وفيمن لم يتوكّل عليه؛ إلا أن من توكَّل عليه فيكفر عنه سيئاته ويُعْظم لَهُ أجراً. وقراءة العامة «بالِغٌ» منونا. «أمْرَه» نصباً. وقرأ عاصم «بالِغُ أَمْرِه» بالإضافة وحذف التنوين استخفافاً. وقرأ المفضّل «بالِغاً أمْرَه» على أن قوله: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ} خبر «إنّ» و «بالغاً» حال. وقرأ داود بن أبي هند «بَالِغٌ أَمْرُه» بالتنوين ورفع الراء. قال الفرّاء: أي أمره بالغ. وقيل: «أَمْره» مرتفع بـ «بالغ» والمفعول محذوف؛ والتقدير: بالغ أمره ما أراد. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} أي لكل شيء من الشدّة والرخاء أجلاً ينتهى إليه. وقيل تقديراً. وقال السُّدّي: هو قدر الحيض في الأجل والعِدّة. وقال عبد الله ابن رافع: لما نزل قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} قال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه؛ فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خَيْثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكّل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثِق به نَجّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن:11]. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. {أية : إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} تفسير : [التغابن:17]. {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} تفسير : [آل عمران:101]. {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة:186].

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات أجلهن، أي شارفن على انقضاء العدة، وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده {بِمَعْرُوفٍ} أي محسناً إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها {بِمَعْرُوفٍ} أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن. وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} أي على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجه عن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سنة ورجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد. وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله عز وجل، إلا أن يكون من عذر. وقوله تعالى: {ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة. ومن ههنا ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى وجوب الإشهاد في الرجعة، كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها. وقوله تعالى: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي من جهة لا تخطر بباله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أنبأنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليّ هذه الآية: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} حتى فرغ من الآية، ثم قال: «حديث : يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم» تفسير : وقال: فجعل يتلوها ويرددها عليّ حتى نعست، ثم قال: «حديث : يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟» تفسير : قلت: إلى السعة والدعة أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة، قال: «حديث : كيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟» تفسير : قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة، قال: «حديث : وكيف تصنع إذا أخرجت من الشام؟» تفسير : قلت: إذاً والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: «حديث : أو خير من ذلك» تفسير : قلت: أوَ خير من ذلك؟ قال: «حديث : تسمع وتطيع وإن كان عبداً حبشياً»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا عن عامر عن شتير بن شكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} تفسير : [النحل: 90] وإن أكثر آية في القرآن فرجاً: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. وفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم عن الحكم بن مصعب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب»تفسير : . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. وقال الربيع بن خثيم: {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} أي من كل شيء ضاق على الناس، وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجاً، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك. وقال ابن مسعود، ومسروق: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} يعلم أن الله إن شاء أعطى، وإن شاء منع {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي من حيث لا يدري. وقال قتادة: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} أي من شبهات الأمور والكرب عند الموت {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} من حيث لا يرجو ولا يأمل. وقال السدي: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} يطلق للسنة، ويراجع للسنة، وزعم أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن، وأن المشركين أسروه فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر ويقول له: «حديث : إن الله سيجعل لك فرجاً» تفسير : فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر بغنم من أغنام العدو، فاستاقها فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغنى قد أصابه من المغنم، فنزلت فيه هذه الآية: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} رواه ابن جرير. وروي أيضاً من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلاً نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» تفسير : ، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان وهو الثوري به. وقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر ابني عوف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن تكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله» تفسير : وكانوا قد شدّوه بالقد، فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فاتّبع أولها آخرها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت: أمه: واسوأتاه! وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلاً، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فقال أبوه: قِفا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عنها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعاً بمالك» تفسير : ، ونزل: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل ابن عياض عن هشام بن الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها»تفسير : . وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس ابن الحجاج عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أنه حدثه: أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» تفسير : وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد وابن لهيعة به، وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله هو ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من نزل به حاجة فأنزلها بالناس، كان قمناً أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى، أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل» تفسير : ، ثم رواه عن عبد الرزاق عن سفيان عن بشير عن سيار أبي حمزة، ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ} أي منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} كقوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8].

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } قاربن انقضاء عدّتهنّ {فَأَمْسِكُوهُنَّ } بأن تراجعوهن {بِمَعْرُوفٍ } من غير ضرار {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ ولا تضارّوهنّ بالمراجعة {وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ } على المراجعة أو الفراق {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ } لا للمشهود عليه أو له {ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } من كرب الدنيا والآخرة.

الماوردي

تفسير : {فإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يعني قاربْن انقضاء عدتهن. {فأمْسِكُوهُنَّ بمعروفٍ} يعني بالإمساك الرجعة. وفي قوله {بمعروف} وجهان: أحدهما: بطاعة اللَّه في الشهادة، قاله مقاتل. الثاني: أن لا يقصد الإضرار بها في المراجعة تطويلاً لعدتها. {أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ} وهذا بأن لا يراجعها في العدة حتى تنقضي في منزلها. {وأشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكم} يعني على الرجعة في العدة، فإن راجع من غير شهادة ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء. {ومن يتّقِ اللَّهَ يَجْعَل له مَخْرَجاً} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أي ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس. الثاني: أن المخرج علمه بأنه من قبل اللَّه، فإن اللَّه هو الذي يعطي ويمنع، قاله مسروق. الثالث: أن المخرج هو أن يقنعه اللَّه بما رزقه، قاله عليّ بن صالح. الرابع: مخرجاً من الباطل إلى الحق، ومن الضيق إلى السعة، قاله ابن جريج. الخامس: ومن يتق اللَّه بالطلاق يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة، قاله الضحاك. والسادس: ومن يتق اللَّه بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة، قاله الكلبي. السابع: أن عوف بن مالك الأشجعي أُسِر ابنُه عوف، فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ذلك مع ضر أصابه، فأمره أن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه، ثم قدم عوف فوقف على أبيه يناديه وقد ملأ الأقبال إبلاً، فلما رآه أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبره وسأله عن الإبل فقال: اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعاً بمالك، فنزلت هذه الآية {وَمَن يتق الّلَّه يجعل له مخرجاً} الآية، فروى الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من انقطع إلى اللَّه كفاه اللَّه كل مؤونة ورزقه اللَّه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله اللَّه إليها ". تفسير : {إنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ} قال مسروق: إن اللَّه قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أنَّ مَنْ توكّل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً. {قد جَعَل اللَّه لكل شيء قدْراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما:- يعني وقتاً وأجلاً، قاله مسروق. الثاني: منتهى وغاية، قاله قطرب والأخفش. الثالث: مقداراً واحداً، فإن كان من أفعال العباد كان مقدراً بأوامر اللّه، وإن كان من أفعال اللَّه ففيه وجهان: أحدهما: بمشيئته. الثاني: أنه مقدر بمصلحة عباده.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} قاربنه {فَأَمْسِكُوهُنَّ} ارتجعوهن {بِمَعْرُوفٍ} طاعة الله في الشهادة أو أن لا يقصد إضرارها بتطويل العدة {فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أن يتركها في منزلها حتى تنقضي عدتها {وَأَشْهِدُواْ} على الرجعة فإن لم يشهد فقولان في صحتها. {مَخْرَجاً} ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة أو علمه بأنه من الله وأنه هو المعطي المانع أو قناعته برزقه أو مخرجاً من الباطل إلى الحق ومن الضيق إلى السعة أو من يتق بالطلاق في العدة يجعل له مخرجاً بالرجعة وأن يكون كأحد الخطاب بعد انقضائها، أو بالصبر عند المصيبة يجعله له مخرجاً من النار إلى الجنة، أو نزلت في مالك الأشجعي أُسِرَ ابنه عوف فشكا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع ضر أصابه فأمره بالإكثار من الحوقلة فأفلت ابنه من الأسر واستاق معه سرحاً للكفار فأتى أباه فأخبر أبوه الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإبل فقال اصنع بها ما أحببت فنزلت.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن} أي إذا قربن من انقضاء عدتهن {فأمسكوهن} أي راجعوهن {بمعروف أو فارقوهن بمعروف} أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهم فيبن منكم {وأشهدوا ذوي عدل منكم} أي على الرجعة وعلى الفراق أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق. عن عمران بن حصين أنه سئل عن رجل يطلق امرأته ثم يقع عليها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد. أخرجه أبو داود وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله وأشهدوا إذا تبايعتم وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة وفائدة هذا الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها وأن لا يموت أحد الزوجين فيدعي الآخر ثبوت الزوجية ليرث؛ وقيل أمر بالإشهاد للاحتياط مخافة أن تنكر الزوجة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجاً غيره {وأقيموا الشهادة} يعني أيها الشهود {لله} أي طلباً لمرضاة الله وقياماً بوصيته والمعنى اشهدوا بالحق وأدوها على الصحة {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} قيل معناه ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجاً إلى الرجعة. وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك أسر ابن له يسمى مالكاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أسر العدو ابني وشكا إليه أيضاً فاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلمحديث : اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله تفسير : ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب منهم إبلاً وجاء بها إلى أبيه. وعن ابن عباس قال: غفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} أي في ابنه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}. قرأ العامة: "أجَلَهُنَّ"؛ لأن الأجل من حيثُ هو واحد، وإن اختلفت أنواعه بالنسبة إلى المعتدات. والضحاك وابن سيرين: "آجَالهُنّ" جمع تكسير. اعتباراً بأن أجل هذه غير أجل تلك. فصل في معنى الآية معنى قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قاربن انقضاء العدة، كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ}تفسير : [البقرة: 131] أي: قربن من انقضاء الأجل {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} يعني المراجعة بالمعروف أي: بالرغبة من غير قصد المضارة في المراجعة تطويلاً لعدتها كما تقدم في البقرة {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: اتركوهن حتَّى تنقضي عدّتهن، فيملكن أنفسهن. وفي قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء عدتها إذا ادعت ذلك على ما تقدم في "البقرة" عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}تفسير : [البقرة: 228] الآية. فصل قال بعض العلماء في قوله تعالى: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [البقرة: 231] وقوله: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة: 229] أن الزوج له حق في بدنه وذمته، فكل من له دَيْن في ذمة غيره سواء كان مالاً، أو منفعة من ثمنٍ، أو مثمن، أو أجرة، أو منفعة، أو صداق، أو نفقة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ }تفسير : [البقرة: 178]. وكذلك الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمطلوب يؤدى بإحسان. قوله: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ}. أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة. قال القرطبي: "والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقه جميعاً وهذا الإشهاد مندُوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}تفسير : [البقرة: 282]، وعند الشَّافعي واجبٌ في الرَّجعة مندوب إليه في الفرقة، وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألاَّ يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي بثبوت الزوجية فيرث". فصل في الإشهاد على الرجعية الإشهاد على الرجعية ندب عند الجمهور، وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرَّجعة، فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة، فهو رجعة وكذلك النظر إلى الفَرْج رجعة. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة، فهي رجعة. وقيل: وطؤه مراجعة على كُلِّ حال، نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي رضي الله عنه: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة، فهو وَطْء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائهِ الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له رجعة في هذا الاستبراء. فصل فيمن أوجب الإشهاد في الرجعة أوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصاً حل الظهار بالكفارة. فصل إذا ادّعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدقته جاز، وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينةً أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك لم يضرّه جهلها، وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها، ثم أقام الأول البيّنة على رجعتها، فعن مالك - رحمه الله - في ذلك روايتان: إحداهما: أن الأول أحق بها. والأخرى: أن الثاني أحق بها، فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها. قوله: {ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ}. قال الحسنُ: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن "ذَوَيْ" للمذكر. قال القرطبي: "ولذلك قال علماؤنا: ولا مدخل للنساء فيما عدا الأموال". قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} كما تقدم في "البقرة". أي: تقرباً إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. قوله: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ} أي: يرضى به {مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ. قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. قال الزمخشري: "قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من أمر الطلاق على السُّنَّة" كما مر. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن طلق زوجته ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج؟ [فتلاها]. وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عبَّاس أيضاً: يجعل له محرجاً ينجِّيه من كل كربٍ في الرجعة في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه. قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} بالصَّبر عند المصيبة {يجعل له مخرجاً} من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجاً مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة. وقال الربيع بن خيثم: مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في أداء الفرائض {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من العقوبة {وَيَرْزُقْهُ} الثواب {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أن يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في اتباع السُّنَّة {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من عقوبة أهل البدع {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوَّتهِ بالرجوع إلى اللَّه {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} مما كلفه الله بالمعونة. وقال ابن مسعود ومسروق: الآية على العموم. وقال أبو ذر: "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأعلمُ آيَةً لوْ أخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتهُمْ" وتلا: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}[فما زال يكررها ويعيدها ". تفسير : وقال ابن عباس: "حديث : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب}] قال: "مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموتِ، ومن شدائد يوم القيامة" ". تفسير : وقال أكثر المفسرين: "حديث : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدوّ أسر ابني وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: "اتِّق اللَّهَ واصْبِرْ، وآمُرُكَ وإيَّاهَا أن تَسْتَكْثِرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاةٍ، فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له ". تفسير : وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو، وكان فقيراً. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيراً. وفي رواية: فانفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه. وقال مقاتل: "حديث : أصاب غنماً ومتاعاً، فقال أبوه للنبيّ صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال: نعم"تفسير : ونزلت: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. وروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن انقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ كُلَّ مَؤونةٍ ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومن انقطع إلى الدُّنيا وكلها اللَّهُ إليهِ ". تفسير : وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ أكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ من كُلِّ هَمٍّ فَرجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخْرَجاً، ورَزقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ". تفسير : قوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. أن من فوّض إليه أمره كفاهُ ما أهمَّه. وقيل: من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية، ولم يرد الدنيا؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لَوْ أنَّكُمْ تَتوكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزقَكُم كَمَا يَرزقُ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصاً وتَرُوحُ بِطَاناً ". تفسير : قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}. قرأ حفص: "بَالِغُ" من غير تنوين "أمْرِهِ" مضاف إليه على التخفيف. والباقون: بالتنوين والنصب، وهو الأصل، خلافاً لأبي حيان. وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي هند، وأبو عمرو في رواية: "بَالِغٌ أمْرُهُ" بتنوين "بالغ" ورفع "أمره". وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون "بالغ" خبراً مقدماً، و"أمره" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "إن". والثاني: أن يكون "بالغ" خبر "إن" و"أمره" فاعل به. قال الفراء: أي: أمره بالغ. وقيل: "أمره" مرتفع بـ"بالغ" والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ما أراد. وقرأ المفضل: "بالغاً" بالنصب، "أمرُه" بالرفع. وفيه وجهان: أظهرهما: وهو تخريج الزمخشري: أن يكون "بالغاً" نصباً على الحال، و{قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ} هو خبر "إن" تقديره: إن الله قد جعل لكل شيء قدراً بالغاً أمره. والثاني: أن يكون على لغة من ينصب الاسم والخبر بها، كقوله: [الطويل] شعر : 4782 -......................... ............... إنَّ حُرَّاسنَا أسْدَا تفسير : ويكون "قَدْ جَعَلَ" مستأنفاً كما في القراءة الشهيرة. ومن رفع "أمره" فمفعول "بالغ" محذوف، تقديره: ما شاء، كما تقدم في القرطبي. فصل في معنى الآية قال مسروق: يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً. قوله: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. قيل: إن من قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} إلى قوله: {مَخْرَجاً} آية، ومنه إلى قوله تعالى: {قَدْراً} آية أخرى، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة. وقرأ جناح بن حبيش: "قَدراً" بفتح الدال. والمعنى: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. وقيل: تقديراً. وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقال عبد الله بن رافع: لما نزل قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "فَنَحْنُ إذَا توكلنَا عليْهِ يُرسِلُ مَا كَانَ لَنَا وَلاَ نَحْفَظُهُ"، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم: إنَّ الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}تفسير : [التغابن: 11]، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، {أية : إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}تفسير : [التغابن: 17]، {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [آل عمران: 101]، {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}تفسير : [البقرة: 186].

البقاعي

تفسير : ولما حد سبحانه ما يفعل في العدة، أتبعه ما يفعل عند انقضائها فسبب عما أمره بها فيها معبراً بأداة التحقق لأن الخطاب على تقدير الحياة، معلماً أن له الرجعة إلى آخر جزء من العدة لأنها إذا ثبتت في آخرها البعيد من الطلاق كان ما قبله أولى لأنه أقرب إلى الطلاق فقال: {فإذا بلغن} أي المطلقات {أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة {فأمسكوهن} أي بالمراجعة، وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق ما دون البائن لا سيما الثلاث. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يقدر على كمال الإحسان قال منكراً: {بمعروف} أي حسن عشرة لا بقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاب عدة أخرى ولا غير ذلك {أو فارقوهن} أي بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها {بمعروف} بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر عرفه الشرع - أي حسنه - فلا يقصد أذاها بتفريقها من ولدها مثلاً أو منه إن كانت محبة له مثلاً بقصد الأذى فقط من غير مصلحة وكذا ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل أو القول، فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإبهامها اجتناب المنكرات. ولما كان كل من المرافقة والمفارقة أمراً عظيماً، تبنى عليه أحكام فتحرم أضدادها، فيكون الخلاف فيها في غاية الخطر، وكان الإشهاد أليق بالمراد، وأقطع للنزاع، قال تعالى حاثاً على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة: {وأشهدوا} أي على المراجعة أو المفارقة {ذوي عدل} أي مكلفين حرين ثقتين يقظين {منكم} أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه وجوبه في الرجعية والصحيح الأول، ومن فوائده أن لا يموت أحدهما فيدعي الآخر الزوجية ببقاء علقة العدة ليرث. ولما كان أداء الشهادة يعسر على الشاهد لترك مهماته وعسر لقاء الحكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للعدل في الأداء عوائق أيضاً، وكان الشهود من المأمورين بالإشهاد، حث على الأداء على وجه العدل بقوله: {وأقيموا} أي أيها المأمورون حيث كنتم شهوداً {الشهادة} أي التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير واقفاً بنفسه غير محتاج إلى ما يدعمه. ولما كان ربما ميل أحد من المشهود عليهما الشاهد بشيء من المرغبات فأداها على وجهها لذلك الشيء لا لكونه الحق، قال مرغباً مرهباً {لله} أي مخلصين لوجه الملك الأعلى المحيط بكل شيء علماً وقدرة وهو ذو الجلال والإكرام في أدائها على وجه الحق ظاهراً وباطناً، لا لأجل المشهود له ولا المشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله. ولما كانت أحكامه سبحانه وتعالى لا سيما في الكتاب المعجز مقرونة بعللها وفيها عند التأمل رقائق ودقائق تخشع لها القلوب وتجب الأفئدة في داخل الصدور قال {ذٰلكم} أي الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام، وأولاها بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة. ولما كانت أوامر الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصاً من بين كلام الناس بأنه يرقق القلوب ويلين الشكائم لكونه روحاً لما فيه العدل الذي تهواه النفوس، وتعشقه الألباب، وتميل إليه الطبائع، وقامت به السماوات والأرض، ولما فيه أيضاً من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع أهل الخير من الأنبياء والملائكة والأولياء، مع تشريف الكل بذكر الله، سمي وعظاً، وبني للمجهول إشارة إلى أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف قائله، وإلى أن الفاعل معروف أنه الله لكونه سمي وعظاً مع كونه أحكاماً فقال: {يوعظ به} أي يلين ويرقق {من كان} أي كوناً راسخاً، من جميع الناس {يؤمن بالله} أي يوقع ويجدد منكم ومن غيركم على سبيل الاستمرار من صميم قلبه الإيمان بالملك الذي له الكمال كله. ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يكون زرع بغير حصاد، كان خلو الإيمان عنه معدماً للإيمان فقال: {واليوم الآخر} فإنه المحط الأعظم للترقيق، أما من لم يكن متصفاً بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به لأنه لم ينتفع به أبداً. ولما كانت العبادة لا تكون إلا بالإعانة، وكان التقدير: فمن اتعظ بذلك كان اتعاظه شاهداً له بإيمانه بذلك، وكان متقياً، عطف عليه قوله اعتراضاً بين هذه الأحكام تأكيداً للترغيب في الإعانة المترتبة على التقوى: {ومن يتق الله} أي يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية مما يرضيه، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من الطلاق وغيره ظاهراً وباطناً، وذلك صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل بفعل المأمور به وترك المنهي عنه لأنه تقدم أن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإذا قرنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي: {يجعل} أي الله سبحانه بسبب التقوى {له مخرجاً *} بدفع المضار من كل ضيق أحاط به في نظير ما اجتنب من المناهي {ويرزقه} بحوله وقوته بجلب المسار في الدين والدنيا والآخرة في نظير ما اجتلب من فعل الأوامر. ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال: {من حيث لا يحتسب} أي لا يقوى رجاؤه له، ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن كان عاماً لكل متق فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر، والمضايقة فيها أشد، والدواعي إليها أبلغ، فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في الحيض والإضرار بالمرأة بتطويل العدة أو الإخراج من المسكن وكتمان الشهادة والعسر في أدائها والإخلال بشيء منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد لأجل ما جبل عليه الإنسان من القلق في أموره، عطف على ذلك قوله: {ومن يتوكل} أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمداً فيها {على الله} أي الملك الذي بيده كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان الثلاثة التي لا يصلح التوكيل إلا بها، وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه، والقدرة التامة لئلا يعجز، والرحمة بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه، والتوكل يكون مع مباشرة الأسباب وهو من المقامات العظيمة وإلا كان اتكالاً، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة، لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب - قاله الملوي {فهو} أي الله في غيب غيبه فضلاً عن الشهادة بسبب توكله {حسبه} أي كافيه، وحذف المتعلق للتعميم، وحرف الاستعلاء للاشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار، إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له في عالم الشهادة شيء يشقيه لا من الغيب ولا من غيب الغيب، وفي الحديث"حديث : لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ". تفسير : ولما كان ذلك أمراً لا يكاد يحيط به الوهم،علله بقوله مهولاً له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار: {إن الله} أي المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص {بالغ أمره} أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا، وسماه أمراً إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به وإلى أنه في سرعة الكون إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير للملك الجليل الكبير. ولما كان ضرب المقادير من القادر موجباً لعدم الإخلال بشيء منها، علل ذلك بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال: {قد جعل الله} أي الملك الذي لا كفوء له ولا معقب لحكمه جعلاً مطلقاً من غير تقيد بجهة ولا حيثية {لكل شيء قدراً *} أي تقديراً لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه، فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص منها شيء، ويحكى أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه فقال: أولني مما أولاك الله فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه، فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا! أهجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين! لست ممن يهجر؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال: أي آية أغنتك؟ قال: قوله تعالى: {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب}تفسير : [الطلاق: 2 و 3] انتهى. ومن توكل على غيره سبحانه وتعالى ضاع لأنه لا يعلم المصالح وإن علمها لم يعلم أين هي، وإن علم لم يعلم متى يستعملها وإن علم لم يعلم كم المقدار المستعمل، وإن علم لم يعلم كيف يستعملها وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله وما لا يعلمه حق علمه غيره، والآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"تفسير : وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئاً من الأشياء.

ابو السعود

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} شارفنَ آخرَ عدتِهِنَّ {فَأَمْسِكُوهُنَّ} فراجعوهنَّ {بِمَعْرُوفٍ} بحسنِ معاشرةٍ وإنفاقٍ لائقٍ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} بإيفاءِ الحقِّ واتقاءِ الضررِ بأنْ يراجعَهَا ثم يُطلقهَا تطويلاً للعدةِ {وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ} عند الرجعةِ والفرقةِ قطعاً للتنازعِ، وهذا أمرُ ندبٍ كما في قولِهِ تعالَى: { أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 282] ويُروَى عن الشافعي أنه للوجوبِ في الرَّجعَةِ {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ} أيُّها الشهودُ عندَ الحاجةِ خالصاً لوجِههِ تعالَى: {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى الحثِّ على الإشهادِ والإقامةِ أو على جميعِ ما في الآيةِ {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إذْ هو المنتفعُ بهِ والمقصودُ تذكيرُهُ وقولُهُ تعالَى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} الخ جملةٌ اعتراضيةٌ مؤكدةٌ لما سبقَ منْ وجوبِ مراعاةِ حدودِ الله تعالى بالوعدِ على الاتقاءِ عن تعدِّيها كَما أن ما تقدمَ من قولِهِ تعالَى: { أية : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} تفسير : [سورة الطلاق، الآية 1] مؤكدٌ لهُ بالوعيدِ على تعدِّيها فالمعنَى ومنْ يتقَ الله فطلقَ للسنةِ ولم يُضارَّ المعتدةَ ولم يُخرجها من مسكنِهَا واحتاطَ في الإشهادِ وغيرِهِ من الأمورِ {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} مما عَسَى يقعُ في شأنِ الأزواجِ من الغُمومِ والوقوعِ في المضايقِ ويفرجْ عنه ما يعتريهِ من الكُروبِ {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي من وجهٍ لا يخطرُ ببالِهِ ولا يحتسبُهُ ويجوزُ أن يكونَ كلاماً جيءَ بهِ على نهجِ الاستطرادِ عند ذكرِ قولِهِ تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} [سورة الطلاق، الآية 2] إلى آخرِهِ فالمَعْنَى ومن يتقِ الله في كلِّ ما يأتي وما يذرُ يجعلْ لهُ مخرجاً ومخلصاً من غمومِ الدُّنيا والآخرةِ فيندرجُ فيهِ ما نحنُ فيهِ اندراجاً أولياً. عن النبـيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنه قرأَها فقالَ: « حديث : مخرجاً من شبهاتِ الدُّنيا ومن غمراتِ الموتِ ومن شدائدِ يومِ القيامةِ » تفسير : وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « حديث : إني لأعلمُ آيةً لو أخذَ الناسُ بها لكفتْهُم » تفسير : {ومن يتقِ الله} فما زال يقرؤها ويعيدُهَا. ورُوِيَ « حديث : أن عوفَ بنَ مالكٍ الأشجعيَّ أسرَ المشركونَ ابنَهُ سالماً فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أسرَ ابنِي وشكَا إليهِ الفاقةَ" فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "اتقِ الله وأكثِرْ قولَ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيمِ" » تفسير : ففعلَ فبـينَا هُو في بـيتِهِ إذ قرعَ ابنُهُ البابَ ومعهُ مائةٌ من الإبلِ غفلَ عنها العدوُّ فاستاقَهَا فنزلتْ. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أيْ كافيهِ في جميعِ أمورِهِ {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ} بالإضافةِ أي منفذُ أمرِهِ وقُرِىءَ بتنوينِ بالغُ ونصبِ أمرِهِ أيْ يبلغُ ما يريدُهُ لا يفوتُهُ مرادٌ ولا يُعجزُه مطلوبٌ، وقُرِىءَ برفعِ أمرِهِ على أنَّه مبتدأٌ وبالغٌ خبرٌ مقدمٌ، والجملةُ خبرُ إنَّ أو بالغٌ خبر إنَّ، وأمرُهُ مرتفعٌ بهِ على الفاعليةِ أي نافذ أمرُهُ. وقُرِىءَ بالغاً أمرَهُ على أنَّه حالٌ وخبرُ إنَّ قولُهُ تعالَى: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً} أي تقديراً وتوقيتاً أو مقداراً وهُو بـيانٌ لوجوبِ التوكلِ عليهِ تعالَى، وتفويضُ الأمرِ إليهِ لأنَّه إذا علمَ أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزقِ وغيرِه لا يكونُ إلا بتقديرِه تعالَى لا يبقى إلا التسليمُ للقدرِ والتوكلُ على الله تعالى.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}[2] قال: لا يقبل الموعظة إلا مؤمن، والموعظة ما خرجت إلا من قلب سليم، لا يكون فيه غل ولا حقد ولا حسد، ولا يكون فيه حظ. قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}[2-3] قال: التقوى التبري من الحول والقوة، والأسباب كلها دونه بالرجوع إليه يجعل له مخرجاً مما كلفه بالمعونة والعصمة من الطواف فيها. ولا يصح التوكل إلا للمتقين، ولا تصح التقوى إلا بالتوكل، لذلك قال الله تعالى: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}[3]. قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[3] قال: يعني من يكل أموره إلى ربه فإن الله تعالى يكفيه مهم الدارين أجمع. وقال أبو الحسن عمر بن واصل العنبري: سمعت سهلاً يقول: دخلت البادية سبعة عشرة مرة بلا زاد من طعام ولا شراب ولا هميان ولا ركوة ولا عصي فلم أحتج إلى شيء آكله إلا وهو معدّ لي، فقربت من البادية ذات كرة، فدفع إلي رجل درهمين صحيحين، فوضعتهما في جيبي ومضيت، فسرت مدة فلم أجد شيئاً، فضعفت وجعلت أقول في نفسي: ما الذي أحدثت حتى حبس عنك معلومك؟ فسمعت صوتاً من الهوى يقول: اطرح ما في الجيب يأتك ما في الغيب. فتذكرت أن في جيبي درهمين، فأخرجتهما ورميت بهما، فلم أسر هنيهة حتى أبصرت رغيفين بينهما عسل، كأنهما أخرجا من التنور ساعة، وعدت إلى ما كنت عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [الآية: 2]. قال سهل: لا يقبل الموعظة إلا مؤمن والموعظة هى ما خرج من قلب سليم لا يكون فيه غل ولا حسد ولا حقد ولا يكون فيه حظ لنفسه. وقال محمد بن حامد: لا تصح الموعظة إلا للمؤمنين ولا يتعظ بالموعظة إلاَّ التائبون. قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} [الآية: 2]. قال سهل: أى التبرى من الحول والقوة والأسباب وكل ما دونه والرجوع إليه يجعل له مخرجًا مما كلفه بالمعونة عليه والعصمة من الطوارق فيها. وقال: لا يصح التوكل إلاَّ للمتقين ولا يتم التقوى إلا بالتوكل كذلك قرن الله بينهما فقال: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. قال عطاء: من فارق ما يشغله عن الله أقبل الله عليه وشغل جوارحه بخدمته وآنس قلبه بالتوكل وزين سره بالتقوى وأيد روحه بالقين. قال حمدون: ما يحتاج إليه ابن آدم الضعيف فإنما ينساق إليه باليسير وإنما زيادة حركاته للفضول قال الله تعالى: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. وقال أيضاً: إن السلف وجدوا بركات أعمالهم وصفاء أسرارهم فى ملازمة التقوى لا غير. وقال ذو النون: التقوى فى أشياء كثيرة فمن تلبس بالتقوى وكملت له المعرفة لا يحوج إلى أن يتعب فى طلب الرزق. قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. قال بعضهم: من تحقق فى التقوى هوّن الله على قلبه الإعراض عن الدنيا ويسّر له أمره فى الإقبال عليه والتزيين بخدمته وجعله إمامًا لخلقه يقتدى به أهل الإرادة فيحملهم على أوضح السنن وأوضح المناهج وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الله عز وجل وذلك منزلة المتقين. وقال بعضهم: التقوى هو أخذ الرزق من الرزاق وقطع الأسباب عن القلب بالاعتماد على المسبب. وقال بشر بن الحارث: التقوى هو طريق الجادة إلى الله من ركب ذلك الطريق أوصله إلى ربه ومن لم يركب طريق التقوى فقد أخطأ فى طلب النجاة والوصول إلى الله عز وجل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}. إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تُخْرَجُ من بين العجِين لا يَعْلَقُ بها شيءٌ. ويضربُ الله تعالى على المُتَّقِي سرادقاتِ عنايته، ويُدْخِلُه في كنف الإيواء، ويَصْرِفُ الأشغال عن قلبه، ويُخْرِجُه من ظلمات تدبيره، ويُجَرِّدُه من كل أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره. قوله جلّ ذكره: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. لم يقل: ومَنْ يتوكل على الله فتوكُّلُه حَسْبُه، بل قال: {فَهُوَ حَسْبُهُ}؛ أي فاللَّهُ حَسْبُه أي كافيه. {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}. إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير فلا محالةَ يكون، وبتَوَكُّله لا يتغير المقدور ولا يستأخر، ولكنَّ التوكَّل بنيانه على أنْ يكون العبدُ مُرَوَّحَ القلب غيرَ كارهٍ... وهذا من أَجَلِّ النِّعم. قوله: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ}... إلى قوله: {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} التوكلُ: شهود نَفْسِك خارجاً عن المُنَّة تجري عليكَ أحكامُ التقديرِ من غير تدبيرٍ منك ولا اطّلاعٍ لكَ على حُكمِه، وسبيلُ العبدِ الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر، وفي الخبر: "حديث : أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع"تفسير : : ومن العلم الذي لا ينفع - ويجب أَنْ تستعيذَ منه - أن يكون لك شُغْلٌ أو يستقبلك مُهِمٌّ من الأمر ويشتبه عليك وجهُ التدبيرِ فيه، وتكون مُطَالَباً بالتفويض - فَطَلبُكَ العلم وتمنِّيكَ أَنْ تعرفَ متى يصلح هذا الأمرُ؟ ولأي سبَبٍ؟ ومِنْ أيِّ وجهٍ؟ وعلى يد مَنْ؟... كل هذا تخليطٌ، وغيرُ مُسَلَّمٍ شيءٌ منه للأكابر. فيجب عليك السكونُ، وحُسْنُ الرضا. حتى إذا جاء وقتُ الكَشْف فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينتظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام أو ينظر في (...) من الجامع، أو يرجو بيان حاله بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت... كلُّ هذا ترْكٌ للأدب، واللَّهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكونُ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسيره بلسان الاشارة ان العارف الصادق الشاهد جلال الحق تبقى منه بان لا يصل اليه لان نعوته الازلية ممتنعة من مطالعة الخليقة فيتقيه من فقدانه فهو تعالى اذا رأه فى ياس من الوصول الى القدم البسه نعوته واوصله اليه به وذلك ما جعل له مخرجا مما فيه من خوف الفقدان ويرزقه ذوق الدنو من حيث لا يحتسب انه يستحق لذلك فهو تعالى محمود الكرم لا يخيب رجاء القاصدين اليه ثم بين ان من التقى زمام الارادة لارادته فى طلبه ويطرح من بين يديه ويعتمد بقوله عليه فهو تعالى يكفى له ماموله منه ويرضيه بنفسه من نفسه بحيث يستكمل العبد مراده من وذلك قوله {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ومن ادق الاشارة ان الله سبحانه يقول ومن يتق الله ولم يقل ومن يتق من عذابه او يتقى من شئ دون نفسه نخص التقوى ان يكون من نفسه خاصة وذلك اذا كان يتجلى بجلاله وهيبته وعظمته وكبريائه من الالوهية القدسية والابدية الباقية لقلب عارف من عرفانه ويستولى على قلبه سطوات عظمته يتق العارف من صدمات القدوسية وطوارقات العزة ضعفاء وخوفا من ان لا يحترق فيها فيقر منه لانه علم ان الحادث يتلاشى فى القدم ولا يطيق ان يستقيم بازاء الوحدانية وتطلب الفرار منه مع ما فى قلبه من محبة جماله والشوق الى لقائه فاذا راى الحق سبحانه ذلك من يتجلى لقلبه من عين الجمال جمالا فيجر قلبه بحسنه وجماله اليد ويعصمه من نفسه بنفسه وذلك هو المخرج الذى قال ويجعل له مخرجا يخرج من رؤية العظمة الى رؤية العظمة الى رؤية الجمال ويستقيم لرؤية الجلال فيحتمل الحق بالحق ثم همته همة العجز عن البلوغ الى دنوه يتبين فى نفسه من نفسه انوار النعوت اللازلية فيتصف صفاته بصفاته فلا يرى هناك الا عينا واحدا وذلك قوله ويرزقه من حيث لا يحتسب هو ان يكون منعوتا بنعت الحق فى رؤية الحق لكن يرزقه من حيث لا يحتسب انه يصل اليه بنعت البقاء يبقى ببقاء ويخرج من فنائه فبان بعد ذلك فى سرسره نور وعرفان خاص يبينه بانه مخدوع بما وجد محجوب منه به فيسقط عنه قيمته وايس ايضا من الوصول الى الكل فيعرفه الحق نعتا من نعوته ويعلمه انه لا يصل الى الكنه فيرضيه بنعت من جميع النعوت وباسم من جميع الاسماء وبصفة من جميع صفاته ويكشف من ذاته من جميع فانه حتى لا يبقى له طلب ولا قصد بل يسكن بالحق من الحق فى الحق وذلك قوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه اى من يتوكل عليه حين يبقى من الفناء فيه فهو حسبه بان يبقيه ببقائه فيبقى الحق له وان هو فنى فيه فبقاء الحق له من بقائه وعلى لسان المعاملة يبقى الله بان يشغله شئ من دونه عن من الاسباب والنظر الى غيره من الرسومات يجعل الله له مخرجا مما يخاف منه ويرزقه الرضاء من نفسه ويرزقه رزق المقدر فى الازل من حيث لا مشقة عليه فى وصوله اليد وياكل ويلبس بغير انتظار ولا استشراق ونفس ولا تعب فيخرج له من الغيب بالبدية ما يكفيه من السوال والكسب من عرف الله عرفه بكمال قدرته واحاطة علمه بكل ذرة فيبقى زمام الاختيار اليه فهو تعالى يكفى له كل مؤنة فى الدنيا والأخرة وهو ساكن راض وهذا معنى قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا الخ قال سهل فى قوله ومن يتق الله يجعل الخ مخرجا اى يتبرئ من الحول والقوة والاسباب كلها دون والرجوع اليه يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة عليه والعصمة من الطوارق فيها وقال سهل لا يصلح التوكل الا للمتقين ولا يتم التقوى الا بالتوكل لذلك قرن الله بينهما فقال ومن يتق الله الاية وقال بعضهم من يحقق فى التقوى هو ان الله على قلبه الاعراض عن الدنيا ويسر له امره فى الاقبال عليه والتزين بخدمته وجعله اماما لخلقه تقتدى به اهل الارادة فيحملهم على اوضح السنن واضح المناهج وهو الاعراض عن الدنيا والاقبال على الله تعالى وذلك منزلة المتقين قال الله تعالى ومن يتق الله الاية وقال من يكل اموره الى ربه فان الله بكفيه همم الدارين اجمع قال شاه الكرما فى التوكل سكون القلب فى الموجود والمفقود.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذا بلغن} بس جون برسدزنان {اجلهن} اى شارفن آخر عدتهن وهى مضى ثلاث حيض ولو لم تغتسل من الحيضة الثالثة وذلك لانه لا يمكن الرجعة بعد بلوغهن آخر العدة فحمل البلوغ على المشارفة كما قال فى المفردات البلوغ والبلاغ الانتهاء الى اقصى القصد والمبتغى مكانا كان او زمانا او أمرا من الامور المقدرة وربما يعبر به عن المشارفة عليه وان لم ينته اليه مثل فاذا بلغن الخ فانه للمشارفة فانها اذا انتهت الى اقصى الاجل لا يصح للزوج مراجعتها وامساكها والاجل المدة المضروبة للشئ {فأمسكوهن} اى فأنتم بالخيار فان شئتم فراجعوهن والرجعة عند ابى حنيفة تحصل بالقول وكذا بالوطئ واللمس والنظر الى الفرج بشهودة فيهما {بمعروف} بحسن معاشرة وانفاق لائق وفى الحديث "حديث : اكمل المؤمنين احسنهم خلقا وألطفهم بأهله"{أية : او فارقوهن}تفسير : يا جدا شويد از ايشان وبكذاريد {بمعروف} بايفاء الحق واتقاء الضرار بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة {وأشهدوا} كواه كيريد. اى عند الرجعة والفرقة قطعا للتنازع اذ قد تنكر المرأة بعد انقضاء العدة رجعته فيها وربما يموت احدهما بعد الفرقة فيدعى الباقى منهما ثبوت الزوجية لاخذ الميراث وهذا امر ندب لا وجوب {ذوى عدل} تثنية ذا منصوب ذو بمعنى الصاحب اى أشهدوا اثنين {منكم} اى من المسلمين كما قال الحسن او من احراركم كما قاله قتادة يكونان عادلين لا ظالمين ولا فاسقين والعدالة هى الاجتناب عن الكبائر كلها وعدم الاصرار على الصغائر وغلبة الحسنات على السيئات والالمام من غير اصرار لا يقدح فى العدالة اذ لا يوجد من البشر من هو معصوم سوى الانبياء عليهم السلام كذا فى الفروع {واقيموا الشهادة} ايها الشهود عند الحاجة خالصة {لله} تعالى وذلك ان يقيموها للمشهود له وعليه لا لغرض من الاغراض سوى اقامة الحق ودفع الظلم فلو شهد لغرض لا لله برئ بها من وبال كتم الشهادة لكن لا يثاب عليها لان الاعمال بالنيات والحاصل ان الشهادة امانة فلا بد من تأدية الامانة كما قال تعالى {أية : ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات الى اهلها}تفسير : فلو كتمها فقد خان والخيانة من الكبائر دل عليه قوله تعالى {أية : ومن يكتمها فانه آثم قلبه}تفسير : {ذلكم} اشارة الى الحث على الشهادة والاقامة او على جميع ما فى الآية من ايقاع الطلاق على وجه السنة واحصاء العدة والكف عن الاخراج والخروج والاشهاد واقامة الشهادة بادآئها على وجهها من غير تبديل وتغيير {يوعظ به} الوعظ زجر يقترن بتخويف {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} اذ هو المنتفع به والمقصود تذكيره ولم يقل ذلكم توعظون به كما فى سورة المجادلة لتهييج المؤمنين على الغيرة فان من لا غيرة له لا دين له ومن مقتضى الايمان بالله مراعاة حقوق المعبودية والربوبية وباليوم الآخر الخوف من الحساب والعذاب والرجاء للفضل والثواب فالمؤمن بهما يستحيى من الخالق والخلق فلا يترك العمل بما وعظ به ودلت الآية على ان للانسان يومين اليوم الاول هو يوم الدنيا واليوم الآخر هو يوم الآخرة واليوم عرفا زمان طلوع الشمس الى غروبها وشرعا زمان طلوع الفجر الثانى الى غروب الشمس وهذان المعنيان ليسا بمرادين هنا وهو ظاهر فيكون المراد مطلق الزمان ليلا او نهارا طويلا كان او قصيرا وذلك الزمان اما محدود وهو زمان الدنيا المراد باليوم الاول او غير محدود وهو زمان الآخرة المراد باليوم الآخر الذى لا آخر له لتأخيره عن يوم الدنيا وجوزوا ان يكون المراد من اليوم الآخر ما يكون محدود ايضا من وقت النشور الى ان يستقر الفريقان مقرهما من الجنة والنار فعلى هذا يمكن ان يكونا مستعارين من اليومين المحدودين بالطلوع والغروب اللذين بينهما زمان نوم ورقدة ويراد بما بين ذينك الزمانين زمان القرار فى القبول قبل النشور كما قال تعالى حكاية {أية : من بعثنا من مرقدنا}تفسير : وعلى هذا يقال ليوم الآخرة غد كما مر فى اواخر سورة الحشر قال بعض الكبارعلمك باليقظة بعد النوم وعلمك بالبعث بعد الموت والبرزخ واحد غير ان للبرزخ بالجسم تعلقا فى النوم لا يكون بالموت وكما تستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه فهو امر مستقر فالعاقل يسعى فى اليوم المنقطع اليوم لا ينقطع ويحيى على الايمان والعمل ليكون موته ونشره عليهما {ومن يتق الله} فى طلاق البدعة فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فى الاشهاد وغيره من الامور {يجعل له مخرجا} مصدر ميمى اى خروجا وخلاصا مما عسى يقع فى شأن الازواج من الغموم والوقوع فى المضايق ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب وبالفارسية بيرون شدن. وقال بعضهم هو عام اى ومن يتق الله فى كل ما يأتى وما يذر يجعل له خروجا من كل ضيق يشوش البال ويكدر الحال وخلاصا من غموم الدنيا والآخرة فيندرج فيه ما نحن فيه اندراجا أوليا وعن النبى عليه السلام انه قرأها فقال حديث : مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامةتفسير : وفى الجلالين حديث : من الشدة الى الرخاء ومن الحرام الى الحلال ومن النار الى الجنةتفسير : او اسم مكان بمعنى يخرجه الى مكان يستريح فيه وفى فتح الرحمن يجعل له مخرجا الى الرجعة وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه سئل عمن طلق امرأته ثلاثا او ألفا هل له من مخرج فقال لم يتق الله فلم يجعل له مخرجا بانت منه بثلاث والزيادة اثم فى عنقه ويقال المخرج على وجهين احدهما ان يخرجه من تلك الشدة والثانى ان يكرمه بالرضى والصبر فانه من قبيل العافية ايضا كما قال عليه السلام حديث : واسأل الله العافية من كل بليةتفسير : فالعافية على وجهين احدهما ان يسأله أن يعافيه من كل شئ فيه شدة فان الشدة انما يحل اكثرها من اجل الذنوب فكأنه سأل ان يعافيه من البلاء ويعفو عنه الذنوب التى من اجلها تخل الشدة بالنفس والثانى انه اذا حل به بلاء ان لا يكله الى نفسه ولا يخذله وان يكلأه ويرعاه وفى هذه المرتبة يصير البلاء ولاء والمحنة منحة والمقت مقة والألم لذة والصبر شكرا ولا يتحقق بها الا الكمل.

الجنابذي

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} اى قاربن من آخر مدّتهنّ {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} اى راجعوهنّ وأمسكوهنّ فى بيوتكم مع ان تحسنوا صحبتهنّ وقسامتهنّ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} بنحو يعدّه العقل والعرف حسناً بان تدعوهنّ يخرجن من بيوتكم ويتزوّجن بغيركم {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} على الطّلاق او على الطّلاق وعلى الامساك يعنى الرّجوع اليهنّ {وَأَقِيمُواْ} ايّها الشّهود {ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} لابتغاء مرضاة الله لا لرضا المشهود له، او للاعراض والاغراض الدّنيويّة {ذَلِكُمْ} الامر بالطّلاق فى الطّهر واحصاء العدّة وعدم اخراج المطلّقات والامساك بالمعروف او المفارقة بالمعروف {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فانّه الملتفت لحكمه ومصالحه والطّالب لان يأتمر بأوامر الله {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} فى خلاف اوامره ونواهيه والتّجاوز عن حدوده {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} من شبهات الدّنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة ومن كلّ فتنة ومن كلّ بليّة فى الدّنيا او الآخرة وقد اشير الى كلّ فى الاخبار، ولعلّ اطلاق المخرج كان لتعميمه لكلّ ما يمكن ان يصدق عليه، وعن الصّادق (ع) عن آبائه عن علىٍّ (ع): من آتاه الله برزق لم يخط اليه برجله، ولم يمدّ اليه يده، ولم يتكلّم فيه بلسانه، ولم يشدّ اليه ثيابه، ولم يتعرّض له كان ممّن ذكره الله عزّ وجلّ فى كتابه: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} (الآية)، وعنه (ع) انّ قوماً من اصحاب رسول الله (ص) لمّا نزلت هذه الآية اغلقوا الباب واقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا فبلغ ذلك النّبىّ (ص) فأرسل اليهم فقال: "حديث : ما حملكم على ما صنعتم؟ - فقالوا: يا رسول الله (ص) تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: انّه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطّلب ".

الأعقم

تفسير : {فإذا بلغن أجلهن} أي أشرفن على انقضاء عدتهن ولم يرد انقضائها {فأمسكوهن بمعروف} أي راجعوهن بمعروف، قيل: النفقة والسكنى وحسن الصحبة {أو فارقوهن بمعروف} أي أتركوهن حتى تنقضي عدتهن {واشهدوا ذوي عدلٍ منكم} على الرجعة، وقيل: على الطلاق وليس لشيء لأن الاجماع يقع من غير اشهاد، وأما الرجعة فقيل الاشهاد مستحب وليس بواجب وهو قول أهل السنة (عليهم السلام) وأبي حنيفة، وقيل: هو واجب وهو قول ش: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله} أي اتقاء معاصيه {يجعل له مخرجاً}، قيل: فرجاً {ويرزقه من حيث لا يحتسب}، قيل: هو عام من يتق الله يلطف به ويوسع عليه ويرزقه ويخلصه من محن الدنيا، وقيل: {من يتق الله يجعل له مخرجاً} من عذاب الآخرة وهموم الدنيا {ويرزقه} الجنة {من حيث لا يحتسب} وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قرأها فقال: "حديث : مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة"تفسير : ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم {ومن يتق الله} فما زال يقرؤها ويعيدها"تفسير : ، وقيل: "حديث : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى مالكاً فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال: "ما عند آل محمد إلا مداً فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الابل تغفل عنها العدو فساقها" تفسير : فنزلت، روي ذلك في الحاكم والكشاف، وروي في السيرة أيضاً، ونزول الآي مثل ذلك، وروي أيضاً في النزول وفي بعض السير أنها نزلت في الكلبي "حديث : وذلك أن أهل المدينة أصابتهم أزمة شديدة فأرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليمتار للمسلمين طعاماً فقصد مدينة من مدن النصارى وكان دحية من أصبح الناس وهو شبيه برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان في تلك المدينة بنت لملك النصارى فأخبرت عنه فاشتقات إليه وأرسلت إليه من أحضره، فلما دخلت عليه وقد تهيّأت له وتزينت راودته عن نفسه وبذلت له أن يوقر إبله فاستعصم، فلم تعذره من ذلك وإلا أهلكته فاستدعى حديدة واستدل موضعاً ليتنضف نفسه فأخذ الحديدة يجب نفسه فارتد الحرق موضع في جدار ذلك البيت وأحماله موقرات براً فحمد الله تعالى وصلى على نبيه وركب بعيره، ووصل المدينة لثلاثة أيام طوى الله له المراحل، وكان مسيره إليها اثني عشر يوماً، فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: "يا دحية أخبر بقصتك أو نخبرك" فقال: بل من لسانك أحلى يا رسول الله، فأخبره رسول الله بما كان فيه وكان ذلك معجزة لنبيه (عليه السلام) على يد دحيَّة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الحمد لله الذي جعل من أمتي نظيراً ليوسف"، ثم قال دحية: مر يا رسول الله من يفرق هذا الطعام فأمر رسول الله من فرقه على المسلمين وأخذ دحية مثل نصيب واحد منهم"تفسير : ، وقيل: إن الآية نزلت في رجل من الأنصار {إن الله بالغ أمره} أي بلغ ما يريد من قضائه وتدابيره فيهم على ما أراد {قد جعل الله لكل شيء قدراً} أي أجلاً وحدّاً ينتهي إليه.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [أي: منتهى العدة] {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة فيتركها حتى تشرف على انتهاء عدتها، ثم يراجعها. ثم يطلقها، فتقضي المرأة تسع حيضات، فنهى الله عن ذلك في هاتين الآيتين. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} والآية التي في سورة البقرة. (أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ) تفسير : [البقرة:231] يعني ما كانوا يعتدون فتصير تسع حيضات، فنهى الله عن ذلك، وهو قوله: (أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)تفسير : [البقرة:229]، وهو قوله: (أية : وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) تفسير : [النساء:21] وذلك من حين يملكها. قوله عز وجل: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} فإن هو أراد أن يراجعها قبل أن تنقضي العدة [وغشيها قبل أن يشهد] فقد حرمت عليه في قول جابر بن زيد وأبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وكان إبراهيم يقول: غشيانه لها مراجعة، ويشهد بعد ذلك بالمراجعة. وإن هو لم يراجعها حتى تنقضي العدة فهي الفرقة التي قال الله عز وجل: {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. فإذا انقضت العدة بانت عنه بواحدة إن كان طلقها واحدة: أو اثنتين، ما لم يطلقها ثلاثاً. ذكروا عن الأسود بن يزيد أن امرأة طلقها زوجها وتركها حتى وضعت ماءها لتغتسل من الحيضة الثالثة فراجعها. فردها عليه عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وهو قول علي وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وابن عباس. ذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت عنه. وحدثني الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت عنه. وكذلك حدثني عثمان عن نافع عن ابن عمر. وأهل العراق يقولون: الأَقراء: الحيض، وأهل المدينة يقولون: الأقراء: الطهر. وقد بيّنا قولهم في سورة البقرة. وقوله عز وجل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} أي: على الطلاق والمراجعة. وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، فتزوجت رجلاً غيره، فطلقها أو مات عنها، فراجعها الأول، فإن عثمان حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ في ذلك فقضى على ما بقي من طلاقها. ذكر الحسن عن أبي هريرة قال: شهد عندي نفر فيهم عمر، وعمر أصدقهم، أنها عنده على ما بقي من طلاقها. ذكروا عن الحسن عن أبيّ بن كعب قال: هي عنده على ما بقي من طلاقها، وهو قول علي وعمران بن حصين. قوله عز وجل: {وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي: يقوم من كانت عنده فليُؤَدِّها ولا يكتُمْها (أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) تفسير : [البقرة:283]. قال عز وجل: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. تفسير الحسن: يجعل له مخرجاً من الشرك إذا تاب، ويغفر له ما مضى. ذكروا عن الأعمش قال: إن المخرج أنه مِن قِبَل الله، وأنه هو الذي يعطيه ويمنعه. قال عز وجل: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي: من حيث لا يرجو. قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: قاض أمره على من توكل عليه وعلى من لم يتوكل عليه. {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} أي: منتهى ينتهي إليه.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي قاربن آخر عدتهن {فَأمْسِكُوهُنَّ} راجعوهن {بِمَعْرُوفٍ} هو حسن العشرة وأداء الحقوق {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} بايفاء الحق واتقاء الضرر ولا يجوز لهم ان يطلقوهن فإذا قرب انقضاء العدة راجعوهن وهكذا الى التطليقة الثالثة اضرارا فتنقضي العدة بتسع حيضات تعذيباً لهن. {وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} أيها الاحرار عند قتادة وايها المسلمون عند الحسرة عند الرجعة والفرقة وجوبا عنده وندبا عند أبي حنيفة ووجوبا في الرجعة وندبا في الفرقة عند الشافعي والاول عليه ابن عباس وتمنح نفسها منه حتى يشهد على الرجعة وان جامعها قبل الاشهاد حرمت عليه على الصحيح وقال النخعي: جماعها مراجعة ويشهد بعد المراجعة ومعنى وجود الاشهاد عندنا على الفرقة انها لا تصح ولا يحكم بها إلا بالاشهاد اما لو طلقها بلا شهادة فقد وقع الطلاق في نفس الامر ولكن لا يحكم به إلا ان اقرت ولم ينكر. وسئل عمران بن حصين عمن طلق وجامع ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت بغير سنة وروجعت بغير سنة فليشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا يعود أي الى مثل هذا والصحيح مذهب الشافعي وفائدة الاشهاد عدم التجاحد وان لا يتهم في امساكها والارث ويراجعها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ما لم تجز الماء على باطن قدميها ومن قال الاقراء الحيضات قال: ما لم تدخل في الحيضة الثالثة وقيل: غير ذلك وذو العدل هو من ظهر منه الوفاء بدين الله. وعن النخعي هو من لم تظهر منه ريبة وعن بعض ذو العدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله. {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ} أدوها صحيحة عند الحاجة إليها أيها الشهود طلبا لرضى الله وقياما بوصيته وإقامة للحق ودفعا للظلم لا لأجل المشهود له أو المشهود عليه ولا لغرض من الاغراض وإذا طلقها مرة أو مرتين وتزوجت غيره ثم طلقت فهي عنده على ما بقي عند أُبي بن كعب وعلي وعمران بن حصين وعمر بن الخطاب وغيره وقيل على ثلاث. {ذَلِكُمْ} المذكور من الحث على الاشهاد والاقامة أو من جميع ما ذكر في الآية. {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ} أما غيره فإنه ولو وعظ به فكأنه غير موعوظ لعدم تأثير الوعظ فيه والذي ينتفع بالوعظ هو المقصود تذكيره. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} هذه الجملة والجمل بعدها تبع لقوله يوعظ به أو معترضات بين الكلام على الطلاق والعدة مؤكدات لما سبق من اجزاء امر الطلاق على السنة والنهي عن الاضرار بالمعتدة واخراجها عن المسكن وتعدي حدود الله وكتمان بر الشهادة أي ومن يتق الله في امر الازواج وغيرهن ويؤدي الحق والمهر والنفقة يجعل له مخرجا مما في شأن الازواج من الغموم فيه والمضائق ومن غير ذلك من كرب الدنيا والاخرة ومخرجا اسم مكان وقيل يجعل مخرجا من الركوب عما نهاه عنه ويغفر له ما مضى ان اتقى أي تاب.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} بلغن آخر مدة العدة {فَأَمْسِكُوهُنَّ} بالمراجعة بلا صداقٍ أو بعقد نكاح جديد بصداق. {بِمَعْرُوفٍ} مع معروف أو متلبسين بمعروف منكم كترك الحقد، وعدم التعيير وعدم التهديد بطلاق آخر، وحسن عشرة، وإِنفاق حسن، وكذلك من جانبهن، إِلا أن الآية سيقت لمعروف منهم، وعدم قصد التطويل عليها بتطليق آخر فى آخر مدة العدة. {أوْ فِارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} لا بشتم وحقد وإِفشاء مساوئها وذمها وبهتها {وَأشْهِدُوا} أيها المطلقون. {ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ} لا عدلا وامرأتين عدلين وأجازه بعض. والإِشهاد يكون عند المراجعة ولا تصح بدونه، كما لا يصح النكاح إِلا به. وكذا إِن أراد عقد النكاح عليها فى العدة بدل الرجعة لا بد من الإِشهاد من باب أولى، وذلك مذهبنا، وقديم الشافعى، وإِن راجع بلا شهود أو بشاهد واحد ومس حرمت، وفى الجديد، ومذهب الحنفية، والمالكية جواز الرجعة بلا شهود وصح الطلاق بلا إِشهاد، وإِنما يحتاج إِلى الإِشهاد عليه لما يترتب عليه من الأَحكام كدفع أن تدعى هى أو هو ثبوت الزوجية ليرث، وكدفع أن تنكر الرجعة لتتزوج، وزعم بعض عن أئمة من أهل البيت أنه لا يصح الطلاق إِلا بالإِشهاد، ولا يصح ذلك عنهم. {وَأقِيمُوا} أيها الشهود {الشَّهَادَةَ للهِ} أخلصوها لله تعالى لا تكتموها ولا تنقصوا منها ولا تزيدوا فيها، بل أدوها كما أخذتموها، وفى الآية دليل على أن لا قبح فى ترك النداء مع عطف أمرين لمأمورين مع ظهور المراد كما هنا فإِن الأَمر فى {أشهدوا} للمطلقين وفى "أقيموا" للشهود، وكما فى قوله عز وجل: "أية : يوسف أعرض.." تفسير : [يوسف: 29] الخ، ولا سيما مع التخالف كما فى الآيتين فإِن أشهدوا وأقيموا ولو توافقا فى الأَمر والجمعية لكن قد ظهر أن الأَول لغير الشهود والثانى للشهود ولو اتفقا بلا ظهور منع أو قبح نحو اضرب واخرج تريد أمر زيد بالضرب وعمرو بالخروج فلا بد أن تقول اضرب يا زيد واخرج يا عمرو. {ذَلِكُمُ} إِشارة إِلى ما ذكر من الإِمساك بمعروف أو الفراق بمعروف، وإِقامة الشهادة أو إِلى التطليق للعدة وما بعد ذلك إِلى إِقامة الشهادة، وقيل الإِشارة إِلى إِقامة الشهادة والتعميم أولى لعدم دليل للتخصيص ولأَنه أكثر فائدة وأنسب بقوله "ومن يتق الله" ولعل وجه تخصيصها صعوبة المشى إِلى تأديتها، وهى لازمة الأَداء عليهم فى الفرسخين ولهم الأجرة فيما بعدهما ولو أَغنياء، وفيهما إِن كان أداؤها يشغلها عن الكسب وهم فقراء محتاجون. {يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِر} أى يؤثر الوعظ فيه، وأما المشرك فكذلك أمر لأَنه مخاطب بالفروع إِلا أنه لا يتأَثر بالوعظ بذلك إِلا أن يشاء الله. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ} يأتمر بأَوامره وينتهى بنواهيه المذكورة فى هذه السورة وفى غيرها. {يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا} موضع خروج أو زمانه أو نفس الخروج، والأَول أظهر، والخروج فى الوجوه كلها هو من الغموم والمضايق من جهة الأَزواج وغيرها من أُمور الدين والدنيا والآخرة، وعن ابن عباس قرأها النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال "حديث : مخرجاً من شبهات الدنيا وغمرات الموت وشدائد الآخرة"تفسير : . وقيل من يتق الحرام يجعل له مخرجا إِلى الحلال، وقيل من الشدة إِلى الرخاء، وقيل من النَّار إِلى الجنة، وقيل من العقوبة ويرزقه الثواب، وقيل من يتق الله عند المصيبة يجعل له مخرجاً إِلى الجنة والعموم أولى. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} لا يعتقد فى قلبه، والإِنسان تارة يفعل ما يظن أنه يرزق به فيرزقه الله أولا يرزقه، وقد يفعل ما لا يظن فيه رزقا فيرزق به، ومن ذلك أن يستدين بلا قصد أو بقصد أن يرزق، وعن محمد بن على أنه كان يستدين فقيل له أتستدين ولك كذا وكذا من المال؟ فقال لأَن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إِنَّ الله تعالى مع المديون حتى يقضي دينه فأحب أن يكون الله معي"تفسير : . وكذا روى عن عائشة أنها كانت تستدين فقيل لها مالك وللدين؟ فقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول "حديث : من كان عليه دين ينوي قضاءه كان معه من الله تعالى عون فأَنا ألتمس من الله تعالى عوناً" تفسير : ، وكذا روى أنه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : تعرضوا للرزق فإِن غلب أحدكم فليستدن على الله تعالى ورسوله"تفسير : ، ولا يخفى أن من استدان على عدم قضاء الدين آكلٌ للسحت، ففى الحديث"حديث : من تزوج على نية أن يذهب بالصداق بُعث زانياً، ومن اشترى على نية أن يذهب بالثمن بعث سارقاً"تفسير : . قال أبو ذر جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو هذه الآية "أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب" تفسير : فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال حديث : يا أبا ذر لو أن الناس كلهم عملوا بهذه الآية لكفتهم تفسير : رواه أحمد والبيهقى. وعن أبى صالح عن ابن عباس قال عوف بن مالك يا رسول الله ابنى سالم أسره العدو وجزعت أُمه وإِنى محتاج فما تأمرنى قال:"حديث : ما أمسى عند آل محمد إِلا مد آمرك وإِياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إِلا بالله"تفسير : ، فقالت: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل العدو فاستاق غنمهم، وعن ابن عباس أربعة آلاف شاة فجاء بها إِلى أبيه، وقيل إِبلاً وقيل مائة من الإِبل غفل العدو عنها فنزلت "ومن يتق الله"... الآية. وقد كانوا شدوه بالقيد فسقط القيد عنه أى ببركة مقولة أبويه، فوجد ناقة لهم فركبها ووجد سرحا لهم أى غنما، وفى بعض الروايات ساق أعنزاً لهم فصاح بها فسارت كلها فساق ذلك حتى نادى أبويه بالباب ومعه الناقة والغنم فنزلت الآية، وقال لك ما جئت به. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} فى الحديث القدسى حديث : إِني أجعل المخرج للمتوكل ولو كادته السماوات والأَرض تفسير : ويعجبنى قول بعض: شعر : هواى له فرض تعطف أو جفا ومنهله عذب تكدر أم صفا وكلت إِلى المعشوق أمرى كله فإِن شاء أحيانى وإِن شاء أتلفا تفسير : وقول بعض من رضى بالله تعالى وكيلا وجد إِلى كل خير سبيلا. {إِنَّ اللهَ بَالِغُ أمْرِهِ} ما أراده، ولا يفوته. {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا} أى تقديراً قبل وجوده فهو اسم مصدر، وقيل مقداراً من الزمان والقلة والكثرة وسائر الأَحوال، وهذا بيان لوجود التوكل لأنه إِذا كان لكل شئ من الرزق وغيره مقدار أو تقدير لا يتخلف لم يبق إِلا التسليم له، قلت: شعر : كم عاقل عاقـل يجــدّ مفتقــر ومرغدِ العيش أبله به الكسل هو الذى صير الأَلباب موقنة بقـدر الله إِذ لــم تُفِــدِ الحيــل تفسير : ومعنى به الكسل فيه الكسل أو معه الكسل، وقال العضد: شعر : كم عاقل عاقل قــد كــان ذا عســر وجاهل جاهل قد كان ذا يســر تحير الناس فى هذا فقلت لهم هذا الذى أوجب الإِيمان بالقدر تفسير : وقال بعض: شعر : كم من أديــب منهــم عقلــــه مستكمل العقــل مقــل عــديـــم ومن جهــول مكثــر مالـــه ذلـك تقــديــر العـزيـــز العليــم تفسير : ولا يُقرأ الشطر الأَخير قراءة الشعر لأَنه من القرآن العزيز.

الالوسي

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } شارفن آخر عدتهن. {فَأَمْسِكُوهُنَّ } فراجعوهن {بِمَعْرُوفٍ } بحسن معاشرة وإنفاق مناسب للحال من الجانبين. {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً للعدة. {وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ } عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبرياً عن الريبة وقطعاً للنزاع، وهذا أمر ندب كما في قوله تعالى: { أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة: 282]، وقال الشافعي في القديم: إنه للوجوب في الرجعة، وزعم الطبرسي أن الظاهر أنه أمر بالإشهاد على الطلاق وأنه مروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } أي أيها الشهود عند الحاجة {لِلَّهِ } خالصاً لوجهه تعالى. وفي الآية دليل على بطلان قول من قال: إنه إذا تعاطف أمران لمأمورين يلزم ذكر النداء أو يقبح تركه نحو اضرب يا زيد وقم يا عمرو، ومن خص جواز الترك بلا قبح باختلافهما كما في قوله تعالى: { أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ } تفسير : [يوسف: 29] فإن المأمور بقوله تعالى: / {ٱشْهَدُواْ } للمطلقين؛ وبقوله سبحانه: {أَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } كما أشرنا إليه، وقد تعاطف من غير اختلاف في أفصح الكلام. {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } أي لأنه المنتفع بذلك، والإشارة على ما اختاره صاحب «الكشاف» إلى الحث على إقامة الشهادة لله تعالى، والأولى كما في «الكشف» أن يكون إشارة إلى جميع ما مر من إيقاع الطلاق على وجه السنة وإحصاء العدة والكف عن الإخراج والخروج وإقامة الشهادة للرجعة أو المفارقة ليكون أشد ملاءمة لقوله عز وجل: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً }.

ابن عاشور

تفسير : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. تفريع على جميع ما تقدم من أحكام العدة معطوف على جملة {أية : وأحصوا العدة}تفسير : [الطلاق: 1] لأن إحصاءها بحفظ مدتها واستيعاب أيامها فإذا انتهت المدة فقد أعذر الله لهما والزيادة عليها إضرار بأحدهما أو بكليهما وفائدة الآجال الوقوف عند انتهائها. وبلوغ الأجل أصله انتهاء المُدة المقدرة له كما يؤذن به معنى البلوغ الذي هو الوصول إلى المطلوب على تشبيه الأجل المعين بالمكان المسير إليه وشاع ذلك في الاستعمال فالمجاز في لفظ الأجل وتبعه المجاز في البلوغ وقد استعمل البلوغ في هذه الآية في مقاربة ذلك الإِنتهاء مبالغة في عدم التسامح فيه وهذا الاستعمال مجاز آخر لمشابهة مقاربة الشيء بالحصول فيه والتلبس به. وقرينة المجاز هنا هو لفظ الأجل لأنه لا تتصور المراجعة بعد بلوغ الأجل لأن في ذلك رفع معنى التأجيل. ومنه قوله تعالى: {أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}تفسير : في سورة [البقرة: 231]. والإمساك: اعتزام المراجعة عبر عنه بالإمساك للإيماء إلى أن المطلقة الرجعية لها حكم الزوجة فيما عدا الاستمتاع فكأنه لما راجعها قد أمسكها أن لا تفارقه فكأنه لم يفارقها لأن الإِمساك هو الضن بالشيء وعدم التفريط فيه ومنه قوله تعالى: {أية : أمسك عليك زوجك}تفسير : [الأحزاب: 37] وأنه إذا لم يراجعها فكأنه قد أعاد فراقها وقسا قلبه. ومن أجل هذه النكتة جعل عدم الإمساك فراقاً جديداً في قوله: {أو فارقوهن بمعروف}. والأمر في {فأمسكوهن} {أو فارقوهن} للإِباحة، و{أو} فيه للتخيير. والباء في {بمعروف} للملابسة أي ملابسة كل من الإِمساك والفراق للمعروف. والمعروف: هو ما تعارفه الأزواج من حسن المعاملة في المعاشرة وفي الفراق. فالمعروف في الإِمساك: حسن اللقاء والاعتذارُ لها عما فرط والعودُ إلى حسن المعاشرة. والمعروف في الفراق: كف اللسان عن غِيبتها وإظهارِ الاستراحة منها. والمعروف في الحالين من عمل الرَّجل لأنه هو المخاطب بالإِمساك أو الفراق. وأما المعروف الذي هو من عمل المرأة فمقرر من أدلة أخرى كقوله تعالى: {أية : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}تفسير : [البقرة: 228]. وتقديم الإِمساك أعني المراجعة على إمضاء المفارقة، إيماء إلى أنه أرضى لله تعالى وأَوفَقُ بمقاصد الشريعة مع ما تقدم من التعبير عن المراجعة بالإمساك، ففهم أن المراجعة مندوب إليها لأن أبْغض الحلال إلى الله الطلاق. ولمَّا قيد أمر الإباحة من قوله: {فأمسكوهن} {أو فارقوهن}، بقيد بالمعروف، فُهم منه أنّه إن كان إمساك دون المعروف فهو غير مأذون فيه وهو الإمساك الذي كان يفعله أهل الجاهلية أن يطلق الرجل امرأته فإذا قاربت انتهاء عدتها راجعها أياماً ثم طلقها يفعل ذلك ثلاثاً ليطيل عليها من العدة فلا تتزوج عدة أشهر إضراراً بها. وقد تقدم هذا عند قوله تعالى: {أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن}،تفسير : [البقرة: 231] إلى قوله: {أية : ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا }تفسير : في سورة [البقرة: 231]. {وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ}. ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإِمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما لأن الإِشهاد جُعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإِمساك أو الفراق لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيداً وشأن الشروط الواردةِ بعد جمل أن تعود إلى جميعها. وظاهر صيغة الأمر الدلالة على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإِشهاد على المراجعة وعلى بتّ الطلاق واجباً على الأزواج لأن الإِشهاد يرفع أشكالاً من النوازل وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بُكير من المالكية والشافعي في أحد قوليه وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين وطَاوس وإبراهيم وأبي قلابة وعطاء. وقال الجمهور: الإِشهاد المأمور به الإِشهاد على المراجعة دون بتّ الطلاق. أما مقتضى صيغة الأمر في قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل} فقيل هو مستحب وهو قول أبي حنيفة والمشهورُ عن مالك فيما حكاه ابن القصار ولعل مستند هذا القول عدمُ جريان العمل بالتزامه بين المسلمين في عصر الصحابة وعصور أهل العلم، وقياسه على الإِشهاد بالبيع فإنهم اتفقوا على عدم وجوبه وكلا هذين مدخول لأن دعوى العمل بترك الإِشهاد دونها مَنع، ولأن قياس الطلاق والرجعة على البيع قد يقدح فيه بوجود فارق معتبر وهو خطر الطلاق والمراجعة وأهمية ما يترتب عليهما من الخصومات بين الأنساب، وما في البيوعات مما يغني عن الإِشهاد وهو التقايض في الأعواض. وقيل الأمر للوجوب المراجعة دون الفرقة وهو أحد قولي الشافعي وأحمد ونسبه إسماعيل بن حماد من فقهاء المالكية ببغداد إلى مالك وهو ظاهر مذهب ابنِ بكير. واتفق الجميع على أن هذا الإِشهاد ليس شرطاً في صحة المراجعة أو المفارقة لأنه إنما شرع احتياطاً لحقهما وتجنباً لنوازل الخصومات خوفاً من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو أن تموت هي فيدعي هو ذلك، وكأنهم بنوه على أن الأمر لا يقتضي الفور، على أن جعل الشيء شرطاً لغيره يحتاج إلى دليل خاص غير دليل الوجوب لأنه قد يتحقق الإثم بتركه ولا يبطل بتركه ما أمر بإيقاعه معه مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وبالثوب المغصوب. قال الموجبون للإِشهاد: لو راجع ولم يشهد أو بتّ الفراق ولم يشهد صحت مراجعته ومفارقته وعليه أن يشهد بعد ذلك. قال يحيى بن بكير: معنى الإشهاد على المراجعة والمفارقة أن يشهد عند مراجعتها إنْ راجعها، وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه قد كان طلقها وأن عدتها قد انقضت. ولفقهاء الأمصار في صفة ما تقع المراجعة من صيغة بالقول ومن فعل ما هو من أفعال الأزواج، تفاصيل محلها كتب الفروع ولا يتعلق بالآية إلا ما جعله أهل العلم دليلاً على المراجعة عند من جعله كذلك. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ}. عطف على {وأشهدوا ذوي عدل منكم}. والخطاب موجه لكل من تتعلق به الشهادة من المشهود عليهم والشهود كلٌ يأخذ بما هو حظه من هذين الخطابين. وليس هو من قبيل {أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبكِ}تفسير : [يوسف: 29] لظهور التوزيع هناك باللفظ دون ما هنا فإنه بالمعنى فالكل مأمورون بإقامة الشهادة. فتعريف الشهادة للاستغراق، أي كل شهادة وهو استغراق عرفي لأن المأمور به الشهادة الشرعية. ومعنى إقامة الشهادة: إيقاعها مستقيمة لا عوج فيها فالإقامة مستعارة لإيقاع الشهادة على مستوفيها ما يجب فيها شرعاً مما دلت عليه أدلة الشريعة وهذه استعارة شائعة وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وأقوم للشهادة}تفسير : في سورة [البقرة: 282]. وقوله: {لله}، أي لأجل الله وامتثال أمره لا لأجل المشهود له ولا لأجل المشهود عليه ولا لأجل منفعة الشاهد والإبقاء على راحته. وتقدم بعض هذا عند قوله تعالى: {أية : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}تفسير : في سورة [البقرة: 282]. {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. الإِشارة إلى جميع ما تقدم من الأحكام التي فيها موعظة للمسلمين من قوله: {أية : وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم}تفسير : [الطلاق: 1]، إلى قوله: {وأقيموا الشهادة لله}. والوعظ: التحذير مما يضر والتذكير المليّن للقلوب وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله}تفسير : في سورة [البقرة: 232] وعند قوله تعالى: {أية : يعظكم الله أن تعودوا لمثله }تفسير : في سورة [النور: 17]. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً}. اعتراض بين جملة {وأقيموا الشهادة} وجملة {أية : واللائي يئسن من المحيض}تفسير : [الطلاق: 4] الآية، فإن تلك الأحكام لما اعتبرت موعظة بقوله: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} أعقب ذلك بقضيّة عامة، وهي أن تلك من تقوى الله تعالى وبما لتقوى الله من خير في الدنيا والآخرة على عادة القرآن من تعقيب الموعظة والترهيب بالبشارة والترغيب. ولمّا كان أمر الطلاق غير خال من حرج وغم يعرض للزوجين وأمر المراجعة لا يخلو في بعض أحواله من تحمل أحدهما لبعض الكره من الأحوال التي سببت الطلاق، أعلمهما الله بأنه وعد المتقين الواقفين عند حدوده بأن يجعل لهم مخرجاً من الضائقات، شبه ما هم فيه من الحرج بالمكان المغلق على الحالّ فيه وشبه ما يمنحهم الله به من اللطف وإجراء الأمور على ما يلائم أحوالهم بجعلِ منفذ في المكان المغلق يتخلص منه المتضائق فيه. ففي الكلام استعارة أن إحداهما ضمنية مطوية والأخرى صريحة وشمل المَخْرَج ما يحف من اللطف بالمتقين في الآخرة أيضاً بتخليصهم من أهوال الحساب والانتظار فالمخرج لهم في الآخرة هو الإِسراع بهم إلى النعيم. ولما كان من دواعي الفراق والخلاف بين الزوجين ما هو من التقتير في الإِنفاق لضيق ذات اليد فكان الإحجام عن المراجعة عارضاً كثيراً للناس بعد التطليق، أُتبع الوعد بجعل المخرَج للمتقين بالوعد بمخرج خاص وهو مخرج التوسعة في الرزق. وقوله: {من حيث لا يحتسب} احتراس لئلا يتوهَّم أحد أن طرق الرزق معطلة عليه فيستبعد ذلك فيمسك عن مراجعة المطلقة لأنه لا يستقبل مالاً ينفق منه، فأعلمه الله أن هذا الرزق لطف من الله والله أعلم كيف يهيىء له أسباباً غير مرتقبة. فمعنى {من حيث لا يحتسب}: من مكان لا يحتسب منه الرزق أي لا يظن أنه يرزق منه. و{حيثُ} مستعملة مجازاً في الأحوال والوجوه تشبيهاً للأحوال بالجهات لأنها لما جعلت مقارنة للرزق أشبهت المكان الذي يَرِد منه الوارد ولذلك كانت {مِن} هنا للابتداء المجازي تبعاً لاستعارة {حيث}. ففي حرف {مِن} استعارة تبعية. وذكر الواحدي في «أسباب النزول» أنها نزلت في شأن عوف بن مالك الأشجعي إذْ أسَرَ المشركون ابنه سالماً فأتى عوف النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه ذلك وأن أمه جزعت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتق الله واصبر» وأمره وزوجَه أن يكثرا قولاً: لا حول ولا قوة إلا بالله فغفل المشركون عن الابن فَسَاقَ عنزاً كثيرة من عنز المشركين وجاء بها المدينة فنزلت الآية، فيجوز أن يكون نزولها في أثناء نزول هذه السورة فصادفت الغرضين، ويكون ذلك من قبيل معجزات القرآن. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ}. تكملة للتي قبلها فإن تقوى الله سبب تفريج الكُرَب والخَلاص من المضائق، وملاحظةُ المسلم ذلك ويقينُه بأن الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر الشيطانية التي تثبطه عن التقوى يحقق وعد الله إياه بأن يجعل له مخرجاً ويرزقَه من حيث لا يحتسب. وَحَسْب: وصف بمعنى كافٍ. وأصله اسم مصدر أو مصدر. وجملة {إن الله بالغ أمره} في موضع العلة لجملة {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة فإن الله إذا وعد وعداً فقد أراده وإذا أراد الله أمراً يسَّر أسبابه. ولعل قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدراً} إشارة إلى هذا المعنى، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمّة فقدّر لذلك أسبابه كما قدّر أسباب الأشياء كلها فلا تشُكّوا في إنجاز وَعده فإنه إذا أراد أمراً يسّر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة. ومعنى {بالغٌ أمره}: واصلٌ إلى مراده. والبلوغ مجاز مشهور في الحصول على المراد. والأمر هنا بمعنى الشأن. وعن عبد الله بن رافع لما نزل قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أي بعضهم): فنحن إذا توكلنا نرسل ما كان لنا ولا نحفظه فنزلت {إن الله بالغ أمره}، أي فيكم وعليكم اهـ. وقرأ الجمهور {بالغٌ} بالتنوين و {أمرَه} بالنصب. وقرأه حفص عن عاصم "بالغُ أمرهِ" بإضافة "بالغ" إلى {أمره}. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً}. لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض كما نبهت عليه في مواقع سلفت. فهذه الجملة لها موْقع الاستئناف البياني ناشىء عما اشتملت عليه جمل {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً}، إلى قوله: {إن الله بالغ أمره} لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله بما تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحْواله، أو يتردد يقينه فيقول: أين أنا من تحصيل هذا، حين يُتبع نظره فيرى بَوْنا عن حصول الموعود بسبب انعدام وسائله لديه فيتملكه اليأس. فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد تذكيراً بأن الله علم مواعيده وهيأ لها مقادير حصولها لأنه جعل لكل شيء قدراً. ولها موقع التعليل لجملة {أية : وأحصوا العدة}تفسير : [الطلاق: 1] فإن العِدة من الأشياء فلما أمر الله بإحصاء أمرها عَلّل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله، فلا يسوغ التهاون فيه. ولهذا موقع التذييل لجملة {أية : وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}تفسير : [الطلاق: 1]، أي الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكل شيء قدراً لا يعدوه كما جعل الحدود. ولها موقع التعليل لجملة {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}، لأن المعنى إذا بلغن القَدْر الذي جعله الله لمدة العدة فقد حصل المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى: {أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}تفسير : [الطلاق: 1] فالمعنى: فإن لم يُحدث الله أمر المراجعة فقد رفق بكم وحطّ عنكم امتداد العدة. ولها موقع التعليل لجملة {وأقيموا الشهادة لله} فإن الله جعل الشهادة قدراً لرفع النزاع. فهذه الجملة جُزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة. ومعنى {لكل شيء} لكل موجود، أي لكل حادث فالشيء الموجود سواء كان ذاتاً أو معنى من المعاني قال تعالى: {أية : وكلُّ شيء فعلوه في الزبر}تفسير : [القمر: 52]. فعموم قوله: {لكل شيء} صريح في أن ما وعد الله به يَجعل له حين تكوينه قَدْراً. قال الراغب في «مفرداته»: وذلك أن فعل الله ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملاً دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يغنيه أو يبدله كالسماوات وما فيها. ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءَه بالصلاحية وقدَّره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون أن ينبت منها تفاح أو زيتون. وتقديره نطفة الإِنسان لأن يكون منها إنسان دون حيوان آخر. فتقدير الله على وجهين: أحدهما بالحُكم منه أن يَكون كذا أو لا يكون، كذا إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الإِمكان. وعلى ذلك قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدراً}. والثاني بإعطاء القدرة عليه، وعلى ذلك قوله: {أية : فقدرنا فنعم القادرون}تفسير : [المرسلات: 23] أو يكون من قبيل قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدراً} اهـ. والقَدْر: مصدر قَدَره المتعدي إلى مفعول ـــ بتخفيف الدال ـــ الذي معناه وَضع فيه بمقدار كمية ذاتيةً أو معنوية تُجعل على حسب ما يتحمله المفعول. فقَدر كلّ مفعولٍ لفعل قَدَرَ ما تتحمله طاقته واستطاعتُه من أعمال، أو تتحمله مساحته من أشياء أو يتحمله وَعْيه لما يَكُدُّ به ذهنه من مدارك وأفهام. ومن فروع هذا المعنى ما في قوله تعالى: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}تفسير : في سورة [البقرة: 286]. وقوله هنا: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها}تفسير : [الطلاق: 7]. ومن جزئيات معنى القَدْر ما يسمى التقدير: مصدر قَدَّر المضاعف إذا جَعَل شيئاً أو أشياء على مقدار معين مناسب لما جُعل لأجله كقوله تعالى: {أية : وقدر في السرد}تفسير : في سورة [سبأ: 11]

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. ظاهره أن الإمساك بمعروف إذا بلغن أجلهن، مع أنهنَّ إذا بلغنَ إلى ذلك الحد خرجن من العدة وانتهى وجه المراجعة. ولكن المراد هنا إذا قاربن أجلهن ولم يتجاوزنه أو يصلن إليه بالفعل، والقاعدة أن ما قارب الشيء يعطي حكمه كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}تفسير : [النحل: 98]. ومثل الآية الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"تفسير : مع أنه عند الإتيان أو أثناءه لا يحق له أن يقول ذلك، وإنما يقوله إذاقارب دخوله، فكذلك هنا. أما المطلقة ثلاثاً فقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثاً وافياً عند قوله تعالى:{أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}تفسير : [البقرة: 229] مما لا مزيد عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فإذا بلغن أجلهن: أي قاربن انقضاء عدتهن. فأمسكوهن بمعروف: أي بأن تراجعوهن بمعروف من غير ضرر. أو فارقوهن بمعروف: أي أتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة. وأشهدوا ذوي عدل منكم: أي اشهدوا على الطلاق وعلى الرجعة رجلين عدلين منكم أي من المسلمين فلا يشهد كافر. وأقيموا الشهادة لله: أي لا للمشهود عليه أوله بل لله تعالى وجده. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الأخر: أي ذلكم المذكور من أول السورة من أحكام يؤمر به وينفذه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن يتق الله: أي في أمره ونهيه فلا يعصه فيهما. يجعل له مخرجاً: أي من كرب الدنيا والآخرة. ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي من حيث لا يرجو ولا يؤمل. فهو حسبه: أي كافيه ما يهمه من أمر دينه ودنياه. قد جعل الله لكل شيء قدراً: أي من الطلاق والعدة وغير ذلك حداً وأجلاً وقدراً ينتهي إليه. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان العِدَدِ وأحكام الطلاق والرجعة. قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ} أي المطلقات أجلهن أي قاربن انقضاء العدة فأمسكوهن بمعروف أي راجعوهن على أساس حسن العشرة والمصاحبة الكريمة لا للإِضرار بهن كأن يراجعها ثم يطلقها يطول عليها العدة فهذا لا يجوز لحرمة الإِضرار بالناس وفي الحديث: حديث : لا ضرر ولا ضرارتفسير : . وقوله {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وذلك بأن يعطيها ما بقي لها من مهرها ويُمتّعها بحسب حاله غنىً وفقراً. وقوله تعالى {وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} أي أشهدوا على النكاح والطلاق والرجعة أما الإِشهاد على النكاح فركن ولا يصح النكاح بدونه، وأما في الطلاق والرجعة فهو مندوب، وقد يصح الطلاق والرجعة بدونه، ويشترط في الشهود أن يكونوا عدولاً، وأن يكونوا مسلمين لا كافرين. وقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي أدوها على وجهها ولا تراعوا فيها إلا وجه الله عز وجل، وقوله: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ذلكم المأمور به من أول السورة كالطلاق في طهر لم يجامعها فيه وكإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها والإِمساك بالمعروف والفراق بالمعروف والإِشهاد في النكاح والطلاق والرجعة والإِقساط في الشهادة كل ذلك يوعظ به أي يؤمر به وينفذه المؤمن بالله واليوم الآخر إذ هو الذي يخاف عقوبة الله وعذابه فلا يقدم على معصيته. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت أمُّهُ فبم تأمرني؟ قال آمرك وإياها أن تكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت المرأة نعم ما أمرك به فجعلا يكثران منها فغفل العدو عن ابنهما فاستاق غنمهم وجاء بها إلى أبويه فنزلت هذه الآية، وهي عامة في كل من يتق الله تعالى فإنه يجعل له من كل ضيق مخرجاً ومن كل كرب فرجا، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يؤمل، ولا يخطر له على بال، ومن يتوكل على الله تعالى في أمره فلا يفرط في أمر الله، ولا يضيع حقوقه فإن الله تعالى يكفيه ما يهمه من أمر دينه ودنياه، وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي منفذ أمره في عباده لا يعجزونه أبداً، وقد جعل لكل شيء قدراً أي مقداراً وزماناً ومكاناً فلا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ولا يقع في ملك الله إلا ما يريد الله. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- لا تصح الرجعة إلا في العدة فإن انقضت العدة فلا رجعة للمطلقة أن تتزوج من شاءت هو أو غيره من ساعة انقضاء عدتها. 2- لا تحل المراجعة للإِضرار، ولكن للفضل والإِحسان وطيب العشرة. 3- مشروعية الإِشهاد على الطلاق والرجعة معاً. 4- يشترط في الشهود العدالة، فإذا خفت العدالة في الناس استُكْثِرَ من الشهود. 5- وعد الله الصادق بالفرج القريب لكل من يتقه سبحانه وتعالى، والرزق من حيث لا يرجو. 6- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 7- كفاية الله لمن توكل عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّهَادَةَ} (2) فَإِذَا بَلَغَتِ المُعْتَدَّاتُ أَجَلَهُنَّ وَشَارَفَتْ عِدَّتُهُنَّ عَلَى الانْقِضَاءِ (وَلَكِنْ لَمْ تَنْتَهِ العِدَّةُ تَمَاماً)، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَعْزِمَ إِمَّا عَلَى إِمْسَاكِهَا، وَإِعَادَتِهَا إِلَى عِصْمَتِهِ، وَمُعَامَلَتِهَا بِالمَعْرُوفِ، أَيْ مُحْسِناً صُحْبَتَهَا، وَإِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى مُفَارَقَتِهَا بِمَعْرُوفٍ، دُونَ مُشَاتَمَةٍ وَلاَ تَعْنِيفٍ، بَلْ يُطَلِّقُهَا عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَيُؤَدِّي إِلَيهَا حُقُوقَهَا كَامِلَةً مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ حَسَنَةٍ، وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِشْهَادِ رَجُلَينِ مِنْ ذَوِي العَدْلِ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي حَالَتي الطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ، حَسْماً لِلنِّزَاعِ، فَقَدْ يَمُوتُ الزَّوْجُ فَيَدَّعِي الوَرَثَةُ أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا، فَيَحْرِمُوهَا مِيرَاثَهَا، وَمَخَافَةَ أَنْ تُنْكِرَ المَرْأَةُ عِدَّتَهَا فَتَقْضِي عِدَّتَهَا وَتَنْكِحَ زَوْجاً آخَرَ. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الحَقِّ إِذَا اسْتُشْهِدُوا، وَبِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ إِذَا دُعُوا لأَِدَائِهَا. وَهَذَا الذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ هوَ عِظَةٌ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ لِيَعْمَلَ بِهَا، وَيَسيرَ عَلى نَهْجِها. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمنينَ أَنَّهُ مَنِ اتَّقَى مِنْهُمُ اللهَ بِمُراعاةِ ما فُرِضَ عَليهِ في أَمْرِ المُطلَّقَاتِ والمُعْتَدَّاتِ، جَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ الغَمِّ، وَيُفَرِّجُ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الهَمِّ والكَرْبِ. بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - قَارَبَتْ عِدَّتُهُنَّ عَلَى الانْقِضَاءِ. مَخرجاً - مِنْ كُلِّ شِدةٍ وَضِيقٍ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} [2] 363 - أنا محمد بن عبد الأعلى، نا المُعتمر، قال: سمعتُ كهمساً يُحدث عن أبي السلسبيل. عن أبي ذرٍّ قال: حديث : جعل نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} حتى ختم الآية ثم قال: "يا أبا ذرٍّ، لو أن الناس كُلهم أخذوا بها لكفتهم .