Verse. 522 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَاْكُلُوْۗا اَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ اِلَّاۗ اَنْ تَكُوْنَ تِجَارَۃً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ۝۰ۣ وَلَا تَقْتُلُوْۗا اَنْفُسَكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْمًا۝۲۹
Ya ayyuha allatheena amanoo la takuloo amwalakum baynakum bialbatili illa an takoona tijaratan AAan taradin minkum wala taqtuloo anfusakum inna Allaha kana bikum raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» بالحرام في الشرع كالربا والغصب «إلا» لكن «أن تكون» تقع «تجارة» وفي قراءة بالنصب أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة «عن تراضى منكم» وطيب نفس فلكم أن تأكلوها «ولا تقتلوا أنفسكم» بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها أيّا كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة «إن الله كان بكم رحيما» في منعه لكم من ذلك.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجيهن: الأول: أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال. والثاني: قال القاضي: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال: { يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10]. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الباطل وجهين: الأول: أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق. وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة، لأنه يصير تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة. والثاني: ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم: أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الانسان بغير عوض، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم: إنها منسوخة، قالوا: لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا، وشق ذلك على الخلق، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلاْعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلاْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } تفسير : [النور: 61] الآية. وأيضا: ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصدقات والهبات، ويمكن أن يقال: هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله: {أَمْوٰلَكُمْ } يدخل فيه القسمان معا، كقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل. أما أكل مال نفسه بالباطل. فهو إنفاقه في معاصي الله، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه. ثم قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {تِجَـٰرَةً } بالنصب، والباقون بالرفع. أما من نصب فعلى «كان» الناقصة، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، وأما من رفع فعلى «كان» التامة، والتقدير: إلا أن توجد وتحصل تجارة. وقال الواحدي: والاختيار الرفع، لأن من نصب أضمر التجارة فقال: تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا. المسألة الثانية: قوله: {إِلا } فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان «إلا» ههنا بمعنى «بل» والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض. الثاني: ان من الناس من قال: الاستثناء متصل وأضمر شيئاً، فقال التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض. واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة. فان قلنا: إن الاستثناء منقطع فلا إشكال، فانه تعالى ذكر ههنا سبباً واحد، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها، لا بالنفي ولا باثبات. وإن قلنا: الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل، وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمة الله عليه: النهي في المعاملات يدل على البطلان، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يدل عليه، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه: الأول: أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فاذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الانسان وكيلا في بعض التصرفات، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع، فاذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى. وثانيها: أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود، وإما أن لا تكون فان كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة. والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها، قياسا على التصرفات الصحيحة، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد، فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين. فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال، وثالثها: أن قوله: لا تبيعوا الدرهم بدرهمين، كقوله: لا تبيعوا الحر بالعبد، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيداً للحكم،والله أعلم. المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمة الله عليه، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة، وقال الشافعي رحمة الله عليه: ثابت، احتج أبو حنيفة بالنصوص: أولها: هذه الآية، فان قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي، سواء حصل التفرق أو لم يحصل. وثانيها: قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه. وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه» تفسير : وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع، فوجب أن يحصل الحل. ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه» تفسير : جوز بيعه بعد القبض، وخامسها: ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان، ولم يشترط فيه الافتراق. وسادسها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» تفسير : واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد. واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص، لكنه يقول: أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه، فنحن أيضاً نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا»تفسير : وتأويلات أصحاب أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات،والله أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا وإنما قال: {أَنفُسَكُـمْ } لقوله عليه السلام: «حديث : المؤمنون كنفس واحدة» تفسير : ولأن العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم. واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فانكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند، وذلك لا يتأتى من المؤمن، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة، وأيضا ففيه احتمال آخر، كأنه قيل: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل: من القتل والردة والزنا بعد الاحصان، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل: إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. ثم قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً }. واعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } إلى ماذا يعود؟ على وجوه: الأول: قال عطاء: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. الثاني: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة. والثالث: قال ابن عباس: إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع. المسألة الثانية: إنما قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً } لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض، وقد يكون ذلك حقا كالقود، وفي جملة ما تقدم أخذ المال، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة. قالوا: وقوله: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال: بتخليدهم، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، لأنه لا قائل بالفرق. والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع، إلا أن الذي نقوله ههنا: ان هذا مختص بالكفار، لأنه قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً } ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله، ولا شك أن من كان كذلك كان كافراً لا يقال: أليس أنه وصفهم بالايمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا} فكيف يمكن أن يقال: المراد بهم الكفار؟ لأنا نقول: مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا: أنهم كانوا مؤمنين، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان، فاذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام. فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه؟ والله أعلم. ثم أنه تعالى ختم الآية فقال: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً }. واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية، وحينئذ يمتنع أن يقال: ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }تفسير : [الروم:27] أو يكون معناه المبالغة في التهديد، وهو أن أحداً لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه.

القرطبي

تفسير : فيه تسع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {بِٱلْبَاطِلِ} أي بغير حق. ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه؛ وقد قدّمنا معناه في البقرة. ومِن أكل المال بالباطل بَيْعُ العُربَان؛ وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتَري منك الدابة ويعطيك درهماً فما فوقه، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كِراء الدابة؛ وإن ترك ابتياع السلعة أو كِراء الدابة فما أعطاك فهو لك. فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين، لأنه من باب بيع القِمار والغَرَر والمخاطرة، وأكلِ المال بالباطل بغير عِوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع. وبيع العُرْبان مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وتردّ السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت ردّ قيمتها يوم قبضها. وقد رُوي عن قوم منهم ابن سِيرين ومجاهد ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا. وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: هذا لا يُعرف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه يصحّ، وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مُرْسَلاً؛ وهذا ومثله ليس حجة. ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوّله مالك والفقهاء معه؛ وذلك أن يُعَرْبِنه ثم يحسب عُرْبانه من الثمن إذا ٱختار تمام البيع. وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره؛ وفي موطّأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّهحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع العربان» تفسير : . قال أبو عمر: قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه: أنه أخذه عن ابن لَهِيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة؛ لأن ٱبن لَهِيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه. حدّث به عن ابن لهيعة ٱبنُ وهب وغيره، وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال: إنه احترقت كتبه فكان إذا حدّث بعد ذلك من حفظه غَلِط. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح. ومنهم من يضعّفَ حديثه كلّه، وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث، إلا أن حاله عندهم كما وصفنا. الثانية ـ قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} هذا استثناء منقطع، أي ولكن تجارة عن تراض. والتجارة هي البيع والشراء؛ وهذا مثل قوله تعالى: { أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا } تفسير : [البقرة: 275] على ما تقدّم. وقرىء «تجارةٌ»، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة؛ وعليه أنشد سيبويه: شعر : فِدًى لِبنِي ذُهْلِ بنِ شَيبانَ ناقتِي إذا كان يومٌ ذو كواكِبَ أشهبُ تفسير : وتسمى هذه كان التامة؛ لأنها تمت بفاعلها ولم تحتجْ إلى مفعول. وقرىء «تِجارةً» بالنصب؛ فتكون كان ناقصة؛ لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها مضمر فيها، وإن شئت قدرته، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تقدّم هذا؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } تفسير : [البقرة: 280]. الثالثة ـ قوله تعالى: {تِجَارَةً} التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة؛ ومنه الأجر الذي يعطيه البارىء سبحانه العبد عِوضاً عن الأعمال الصالحة التي هي بعض مِن فعله؛ قال الله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الصف: 10]. وقال تعالى: { أية : يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ } تفسير : [فاطر: 29]. وقال تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] الآية. فسمى ذلك كله بيعاً وشراء على وجه المجاز، تشبيهاً بعقود الأشِرية والبِياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان: تقلُّب في الحضر من غير نُقلة ولا سفر، وهذا تربُّص وٱحتكار قد رغِب عنه أولو الأقدار، وزهِد فيه ذوو الأخطار. والثاني تقلّب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعمّ جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطراً وأعظم غرراً. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن المسافر وماله لعلَى قَلَتٍ إلاّ مَا وَقَى الله » تفسير : . يعني على خطر. وقيل: في التوراة يابن آدم، أحدِث سفراً أحدِث لك رزقاً. الطبري: وهذه الآية أدل دليل على فساد قول.. الرابعة ـ ٱعلم أن كلّ معاوضة تجارةٌ على أيّ وجه كان العِوَض، إلا أن قوله {بِٱلْبَاطِلِ} أخرج منها كل عوضٍ لا يجوز شرعاً من رِباً أو جهالة أو تقدير عِوَض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضاً كلّ عقد جائز لا عِوَض فيه؛ كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب. وجازت عقود التبرّعات بأدلة أُخرى مذكورةٍ في مواضعها. فهذان طرفان متفّق عليهما. وخرج منها أيضاً دعاء أخِيك إياك إلى طعامه. روى أبو داود عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} فكان الرجل يَحْرَج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية؛ فنسخ ذلك بالآية الأُخرى التي في «النور»؛ فقال: { أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } تفسير : [النور: 61] إلى قوله { أية : أَشْتَاتاً } تفسير : [النور: 99]؛ فكان الرجل الغنيّ يدعو الرجلَ من أهله إلى طعامه فيقول: إنّي لأجْنَح أن آكل منه ـ والتجَنُّح الحَرَج ـ ويقول: المسكين أحقّ به مِنّي. فأحلّ في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحلّ طعام أهل الكتاب. الخامسة ـ لو ٱشتريتَ من السوق شيئاً؛ فقال لك صاحبه قبل الشراء: ذقْه وأنت في حل؛ فلا تأكل منه؛ لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء؛ فرُبّما لا يقع بينكما شراء فيكون ذلك الأكل شبهة، ولكن لو وصف لك صفة فٱشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار. السادسة ـ والجمهور على جواز الغَبْن في التجارة؛ مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرِف قدر ذلك؛ فقال قوم: عرف قدر ذلك أو لم يعرِف فهو جائز إذا كان رشيداً حُرّاً بالغاً. وقالت فرقة: الغَبْن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أُبيح منه المتقاربُ المتعارَف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا؛ وقاله ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله والأوّل أصح؛حديث : لقوله عليه السلام في حديث الأَمَة الزانية: «فلْيبعها ولو بضفِير»تفسير : وقوله عليه السلام لعمر: « حديث : لا تبتعه ـ يعني الفرس ـ ولو أعطاكه بدرهم واحد » تفسير : وقوله عليه السلام: « حديث : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض » تفسير : وقوله عليه السلام: « حديث : لا يَبِعْ حاضرٌ لِبادٍ » تفسير : وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره. السابعة ـ قوله تعالى: {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} أي عن رِضًى، إلا أنها جاءت من المفاعلة إذ التجارة من ٱثنين. وٱختلف العلماء في التراضي؛ فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر؛ فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضاً فينجزم أيضاً وإن لم يتفرّقا؛ قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعيّ والثَّوْريّ والأُوزاعي والليث وٱبن عُيَيْنة وإسحاق وغيرهم. قال الأُوزاعيّ: هما بالخيار ما لم يتفرّقا؛ إلاّ بيوعاً ثلاثة: بيع السلطان المغانم، والشركةُ في الميراث، والشركة في التجارة؛ فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار. وقال: وحّد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه؛ وهو قول أهل الشام. وقال الليث: التفرّق أن يقوم أحدهما. و كان أحمد بن حنبل يقول: هما بالخيار أبداً ما لم يتفرقا بأبدانهما، وسواء قالا: اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما؛ وقاله الشافعيّ أيضاً. وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك. وهو مرويّ عن ابن عمر وأبي بَرْزة وجماعة من العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار. قال محمد بن الحسن: معنى قوله في الحديث: « حديث : البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا » تفسير : أن البائع إذا قال: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت. وهو قول أبي حنيفة، ونصّ مذهب مالك أيضاً، حكاه ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد. وقيل: ليس له أن يرجع. وقد مضى في «البقرة». واحتج الأوّلون بما ثبت من حديث سَمُرة بن جُنْدب وأبي بَرْزَة وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحَكيم بن حِزام وغيرهم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : البَيِّعان بالخيار مالم يتفرّقا أو يقول أحدهما لصاحبه ٱخْتَرْ » تفسير : . رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر؛ فقوله عليه السلام في هذه الرواية: « حديث : أو يقول أحدهما لصاحبه ٱختر » تفسير : هو معنى الرواية الأُخرى « حديث : إلا بيع الخيار » تفسير : وقوله: « حديث : إلا أن يكون بيعهما عن خيار » تفسير : ونحوه. أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه: اختر إنفاذ البيع أو فسخه؛ فإن اختار إمضاء البيع تمّ البيع بينهما وإن لم يتفرّقا. وكان ابن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحداً وأحبّ أن يُنفذ البيع مشى قليلاً ثم رجع. وفي الأُصول: إن من روى حديثاً فهو أعلم بتأويله، لا سيما الصحابة إذْ هم أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وروى أبو داود والدّارَقُطْنِي عن أبي الوَضِيء قال: كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا: أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام؟ قال نعم؛ فباعه ثم بات معنا، فلما أصبح قام إلى فرسه، فقال له صاحبنا: ما لكَ والفرس ٰ أليس قد بِعتنيها؟ فقال: ما لي في هذا البيع من حاجة. فقال: ما لَك ذلك، لقد بعتني. فقال لهما القوم: هذا أبو برزة صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه؛ فقال لهما: أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالا: نعم. فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : البيِّعان بالخيار ما لم يتفرّقا » تفسير : وإني لا أراكما افترقتما. فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه، بل هذا كان عمل الصحابة. قال سالم قال ابن عمر: كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان. قال: فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمالٍ له بخَيْبر؛ قال: فلما بعته طفِقْت أنكُص القَهْقَرَى، خشية أن يُرادّني عثمان البيع قبل أن أُفارقه. أخرجه الدَّارَقُطني ثم قال: إن أهل اللغة فَرقوا بين فَرَقْت مخففاً وفرّقت مثقلاً؛ فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان. قال أحمد بن يحيى ثعلب: أخبرني ٱبن الأعرابي عن المفضّل قال: يقال فرَقت بين الكلامين مخفّفاً فافترقا وفرّقت بين اثنين مشدّداً فتفرّقا؛ فجعل الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان. احتجّت المالكية بما تقدّم بيانه في آية الدَّين، وبقوله تعالى: { أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وهذان قد تعاقدا. وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود. قالوا: وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا؛ قال الله تعالى: { أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] وقال تعالى: { أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } تفسير : [آل عمران: 105] وقال عليه السلام: « حديث : تَفترق أُمّتي » تفسير : ولم يقل بأبدانها. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ وغيره عن عمرو بن شعيب قال سمعت شعيباً يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : أيُّما رجل ٱبتاع من رجل بيعة فإنّ كلّ واحد منهما بالخيار حتى يتفرّقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحلّ لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يُقيله » تفسير : . قالوا: فهذا يدل على أنه قد تمّ البيع بينهما قبل الافتراق؛ لأن الإقالة لا تصح إلا فيما قد تمّ من البيوع. قالوا: ومعنى قوله « حديث : المتبايعان بالخيار » تفسير : أي المتساومان بالخيار ما لم يعقِدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه. والجواب ـ أمّا ما ٱعتلّوا به من الافتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في «آل عمران»، وإن كان صحيحاً في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح. وبيانه أن يقال: خبِّرونا عن الكلام الذي وقع به الإجتماع وتمّ به البيع، أهو الكلام الذي أُريد به الإفتراق أم غيره؟ فإن قالوا: هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل؛ لأنه ليس ثَمّ كلام غير ذلك، وإن قالوا: هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتمّ به بيعهما، به افترقا، هذا عين المحال والفاسد من القول. وأما قوله: « حديث : ولا يحل له أن يفارق صاحبه مخافة أن يُقيله » تفسير : فمعناه ـ إن صح ـ على النّدب؛ بدليل قوله عليه السلام: « حديث : من أقال مسلماً أقاله الله عَثْرته » تفسير : وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث، ولإجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء. وفيما أجمعوا عليه من ذلك رَدٌّ لرواية من روى «لا يحل» فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب، وإلا فهو باطل بالإجماع. وأما تأويل «المتبايعان» بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ، وإنما معناه المتبايعان بعد عقدهما مخيّران ما داما في مجلسهما، إلا بيعا يقول أحدهما لصاحبه فيه: اخْتَر فيختار؛ فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا؛ فإن فُرِض خيارٌ فالمعنى: إلا بيع الخيارِ فإنه يبقى الخيار بعد التفرق بالأبدان. وتتميم هذا الباب في كتب الخلاف. وفي قول عمرو بن شعيب «سمعت أبي يقول» دليل على صحة حديثه؛ فإن الدّارَقُطْنِيّ قال حدّثنا أبو بكر النيسابُوريّ حدّثنا محمد بن عليّ الورّاق قال قلت لأحمد بن حنبل: شعيبٌ سمع من أبيه شيئاً؟ قال: يقول حدّثني أبي. قال فقلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه. قال الدّارَقُطْنِيّ سمعت أبا بكر النيسابُوريّ يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب وسماعُ شعيب من جدّه عبد الله بن عمرو. الثامنة ـ روى الدّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيّين والصدِّيقين والشهداء يوم القيامة » تفسير : . ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها، أو يصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم في عرضِ سلعته؛ وهو أن يقول: صلى الله على محمد! ما أجود هذا. ويستحبّ للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض؛ فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية: { أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 37] وسيأتي. التاسعة ـ وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يردّ قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوّفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرّم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة، وهذا بيّن. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} فيه مسألة واحدة ـ قرأ الحسن «تُقَتِّلوا» على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصدٍ منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال؛ بأن يحمل نفسه على الغرر المُؤدِّي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} في حال ضجر أو غضب؛ فهذا كله يتناوله النهي. وقد ٱحتجّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين ٱمتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السّلاسِل خوفاً على نفسه منه؛ فقرّر النبيّ صلى الله عليه وسلم احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئاً. خرّجه أبو داود وغيره، وسيأتي.

البيضاوي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} بما لم يبحه الشرع كالغصب والربا والقمار. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} استثناء منقطع أي، ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه، أو اقصدوا كون تجارة. وعن تراض صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين، وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول مال الغير، لأنها أغلب وأرفق لذوي المروءات، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقاً. وقيل: المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله. وبالتجارة صرفه فيما يرضاه. وقرأ الكوفيون {تِجَـٰرَةً} بالنصب على كان الناقصة وإضمار الإسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة. {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} بالبخع كما تفعله جهلة الهند، أو بإلقاء النفس إلى التهلكة. ويؤيده ما روي: أن عمرو بن العاص تأوله التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها. أو باقتراف ما يذلها ويرديها فإنه القتل الحقيقي للنفس. وقيل المراد بالأنفس من كان من أهل دينهم، فإن المؤمنين كنفس واحدة. جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس، وتستوفي فضائلها رأفة بهم ورحمة كمال أشار إليه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} أي أمر ما أمر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم. وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.

ابن كثير

تفسير : ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل، أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية؛ كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهماً، قال: هو الذي قال الله عز وجل فيه: لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة، ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما أنزل الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} تفسير : [النور: 61] الآية، وكذا قال قتادة، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} قرىء تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها، وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، وكقوله {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول، لأنه يدل على التراضي نصاً، بخلاف المعاطاة؛ فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بد، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعاً، فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، ومنهم من قال: يصح في المحقرات، وفيما يعده الناس بيعاً، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم. وقال مجاهد: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} بيعاً أو عطاء يعطيه أحد أحداً، ورواه ابن جرير، قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً» تفسير : هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس؛ كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : البيعان بالخيار مالم يتفرقا» تفسير : وفي لفظ البخاري: «حديث : إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا»تفسير : ، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع، ولو إلى سنة، في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك رحمه الله، وصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعاً، وهو اختيار طائفة من الأصحاب، كما هو متفق عليه، وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له، فقال: «حديث : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً، وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به. ورواه أيضاً عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه، فذكر نحوه، وهذا ـ والله أعلم ـ أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالداً فيها أبداً» تفسير : وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وعن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة» تفسير : وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكيناً نحر بها يده، فمارقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» تفسير : ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَٰناً وَظُلْماً} أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه، معتدياً فيه، ظالماً في تعاطيه، أي: عالماً بتحريمه، متجاسراً على انتهاكه {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. وقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} الآية، أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل ابن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد بن أيوب عن معاوية بن قرة، عن أنس رفعه، قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا عز وجل، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} الآية، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن مغيرة عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قَرْثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أتدري ما يوم الجمعة؟»تفسير : قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم، قال: «حديث : لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة، فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة»تفسير : ، وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتْواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: «حديث : والذي نفسي بيده» تفسير : ثلاث مرات، ثم أكب، فأكب كل رجل منا يبكي، لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه، وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: «حديث : ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام»تفسير : ، وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضاً وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (تفسير هذه السبع) وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات»تفسير : . قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «حديث : الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».تفسير : (طريق أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فهد بن عوف، حدثنا أبو عوانة عن عمرو ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكبائر سبع: أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة»تفسير : ، فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانىء، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، يعني: عمير بن قتادة رضي الله عنه: أنه حدثه، وكانت له صحبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «حديث : ألا إن أولياء الله المصلون، من يقيم الصلوات الخمس التي كتبت عليه، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، يرى أنه عليه حق، ويعطي زكاة ماله، يحتسبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها»تفسير : ، ثم إن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال «حديث : تسع: الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» تفسير : ثم قال: «حديث : لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار مصاريعها من ذهب»تفسير : . هكذا رواه الحاكم مطولاً، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصراً من حديث معاذ بن هانىء به. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطاً، ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين، إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت): وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". وقال البخاري: في حديثه نظر، وقد رواه ابن جرير عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم ابن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، فذكره، ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان، والله أعلم. (حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن عبد الله بن عمرو، قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، فقال: «حديث : لا أقسم، لا أقسم»تفسير : ، ثم نزل، فقال: «حديث : أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة: ادخل»تفسير : . قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: «حديث : بسلام»تفسير : . وقال المطلب: سمعت من سأل عبدالله بن عمر: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال: نعم «حديث : عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا».تفسير : (حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس، قال: كنت مع النجدات، فأصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له: إني أصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال ليس من الكبائر. قال: بشيء لم يسمه طيسلة؟ قال: هي تسع، وسأعدهن عليك: «حديث : الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلماً، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسخر، وبكاء الوالدين من العقوق»تفسير : . قال زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي، قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة عن طيسلة بن علي النهدي، قال: أتيت ابن عمر، وهو في ظل أراك، يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه، قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع، قلت: ما هي؟ قال: «حديث : الإشراك بالله، وقذف المحصنة» تفسير : قال: قلت: قبل القتل؟ قال: نعم ورغماً، «حديث : وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً»تفسير : هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفاً. وقد رواه علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : هن سبع» تفسير : قال: قلت: وما هن؟ قال: «حديث : الإشراك بالله، وقذف المحصنة»تفسير : قال: قلت: قبل الدم؟ قال: نعم، ورغماً، «حديث : وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً»تفسير : . وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب عن أيوب بن عتبة اليماني، وفيه ضعف، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان: أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة ـ أو دخل الجنة ـ» تفسير : فسأله رجل: ما الكبائر؟ فقال: «حديث : الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف»تفسير : ورواه أحمد أيضاً، والنسائي من غير وجه عن بقية. (حديث آخر) روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني ـ وهو ضعيف ـ عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب: «حديث : إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم».تفسير : (حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عُبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك: قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: «حديث : الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين»تفسير : ، وقال: «حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى قال: الإشراك بالله، وقول الزور ـ أو شهادة الزور ـ» تفسير : . قال شعبة: أكبر ظني أنه قال: شهادة الزور. أخرجاه من حديث شعبة به. وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه. (حديث آخر) أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» تفسير : قلنا: بلى يارسول الله، قال: «حديث : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» تفسير : وكان متكئاً، فجلس، فقال: «حديث : ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور» تفسير : فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. (حديث آخر فيه ذكر قتل الولد) وهو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ وفي رواية: أكبر، قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تزاني حليلة جارك»تفسير : ثم قرأ: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ}تفسير : ـ إلى قوله ـ {إِلاَّ مَن تَابَ} [الفرقان: 68 ـ 70]. (حديث آخر فيه ذكر شرب الخمر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن صخر: أن رجلاً حدثه عن عمارة ابن حزم: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو بالحجر بمكة، وسأله رجل عن الخمر، فقال: والله إن عظيماً عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر، فقال: «حديث : هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته» تفسير : غريب من هذا الوجه. (طريق أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب، وأناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين، جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر: شرب الخمر، فأتيتهم، فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً، فخيره بين أن يشرب خمراً، أو يقتل نفساً، أو يُزاني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله، فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيباً: «حديث : ما من أحد يشرب خمراً، إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد وفي مثانته منها شيء، إلا حرم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة، مات ميتة جاهلية» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار، قال الإمام أحمد: لا أرى به بأساً. وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أر أحداً جرحه. (حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو، وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس ـ شعبة الشاك ـ واليمين الغموس» تفسير : ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما: عن فراس، به. (حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح البعوضة، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة»تفسير : ، وهكذا رواه أحمد في مسنده، وعبد بن حميد في تفسيره، كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث بن سعد، به، وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد، به، وقال: حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة، ولا يعرف اسمه، وقد روى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن محمد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس، فزاد: عبد الله بن أبي أمامة. (قلت): هكذا وقع في تفسير ابن مردويه، وصحيح ابن حبان، من طريق عبدالرحمن بن إسحاق؛ كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله. (حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبدالله بن عمرو، رفعه سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو، قال: «حديث : من الكبائر أن يشتم الرجل والديه» تفسير : قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: «حديث : يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» تفسير : أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» تفسير : قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «حديث : يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» تفسير : وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد، ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم به مرفوعاً بنحوه، وقال الترمذي: صحيح، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».تفسير : (حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم، والسبَّتان بالسبَّة» تفسير : هكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة» تفسير : وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله. (حديث آخر في الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من جمع بين صلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» تفسير : وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان، به، ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة، يعني: العدوي، قال: قُرىء علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين ـ يعني بغير عذر ـ والفرار من الزحف، والنهبة، وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر، تقديماً أو تأخيراً، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة، فما ظنك بترك الصلاة بالكلية، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة»تفسير : . وفي السنن مرفوعاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر»تفسير : ، وقال: «حديث : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»تفسير : ، وقال: «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».تفسير : (حديث آخر) فيه اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئاً، فدخل عليه رجل، فقال: ما الكبائر؟ فقال: «حديث : الشرك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر»تفسير : . وقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «حديث : الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله عز وجل» تفسير : وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا مطرف عن وبرة بن عبد الرحمن عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل عن عبد الله به، ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل عن ابن مسعود، وهو صحيح إليه بلا شك. (حديث آخر) فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار، حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثنا أبو حذيفة البخاري عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله عز وجل، حديث غريب جداً. (حديث آخر) فيه التعرب بعد الهجرة. قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً. قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة»تفسير : ، وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر، حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي خيثمة، عن أبيه، قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس، الكبائر سبع، فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبت، التعرب بعد الهجرة، كيف لحق ههنا؟ قال: يا بني وما أعظم من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سهمه في الفيء، ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع أعرابياً كما كان. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو معاوية، يعني: شيبان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «حديث : ألا إنما هن أربع: أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا» تفسير : قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رواه أحمد أيضاً والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله. (حديث آخر) تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الإضرار في الوصية من الكبائر» تفسير : والصحيح ما رواه غيره عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله. (حديث آخر في ذلك) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم عن أبي أمامة، أن أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر، وهو متكىء، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً »تفسير : إلى آخر الآية. في إسناده ضعف، وهو حسن. (ذكر أقوال السلف في ذلك) قد تقدم ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في ضمن الأحاديث المذكورة، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، عن الحسن، أن أناساً سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال: فجمعتهم له. قال ابن عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلاً، فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا. قال: ولو قال: نعم، لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أمرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، قال: فثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات، قال: وتلا {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} الآية. ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم، إسناد حسن ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع، إلا أن مثل هذا اشتهر، فتكفي شهرته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو أحمد، يعني: الزبيري، حدثنا علي ابن صالح عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جوين، عن علي رضي الله عنه، قال: الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله عز وجل. وروى ابن جرير من حديث الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ومن حديث سفيان الثوري وشعبة عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ثم تلا: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا صالح بن حيان عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»تفسير : ، وفيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل» تفسير : وذكر تمام الحديث. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً: «حديث : من منع فضل الماء وفضل الكلأ، منعه الله فضله يوم القيامة»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر، قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ} تفسير : [الممتحنة: 12] الآية. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك، فكان فيما حدثنا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت هُنيَّة ثم قال: والله لما كلفنا ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، وتلا: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} الآية. أقوال ابن عباس في ذلك روى ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن طاوس، قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر، فقالوا: هي سبع، فقال: هي أكثر من سبع وسبع، قال: فلا أدري كم قالها من مرة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ليث عن طاوس، قال: قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. ورواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله، ما هن؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن طاوس عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب، وكذا قال أبو العالية الرياحي رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير: أن رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر؟ سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شبل به. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا شبيب عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله عليه بنار، وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة، وقد ذكرت الطرفة، قال: هي النظرة، وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبدالله بن معدان عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عباس عن الكبائر، فقال كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة. (أقوال التابعين) قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن ابن عون، عن محمد، قال: سألت عبيدة عن الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة، قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شراً كثيراً. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك بالله منهن: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ} تفسير : [الحج: 31] الآية، و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10] الآية، و {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ} تفسير : [البقرة: 275] {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ} تفسير : [النور: 23]، والفرار من الزحف {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} تفسير : [الأنفال: 10] الآية، والتعرب بعد الهجرة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} تفسير : [محمد: 25]، وقتل المؤمن {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء: 93] الآية، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضاً في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، يعني: ابن أبي رباح، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن مغيرة، قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر. قلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس رحمه الله. وقال محمد بن سيرين: ما ظن أحداً يبغض أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الترمذي. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبدالله بن عياش، قال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ}: من الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولداً أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل، فإن الله يغفر السيئات بالحسنات. وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر؛ وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا» تفسير : وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعاً: «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»تفسير : ، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» تفسير : فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفرداً به من هذا الوجه عن عباس العنبري، عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الصحيح شاهد لمعناه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة: «حديث : أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للخاطئين المتلوثين» تفسير : وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه "الشرح الكبير" الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة رضي الله عنهم، فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه (أحدها): أنها المعصية الموجبة للحد. (والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر. (والثالث): قال إمام الحرمين في "الإرشاد" وغيره: كل جريمة تنبىء بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة. (والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصباً، والقذف، وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور، وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن، ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة، ثم قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحواً من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها، كما قال ابن عباس وغيره، وما يتبع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه، فكثير جداً، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ } بالحرام في الشرع كالربا والغصب {إِلآَّ } لكن {أَن تَكُونَ } تقع {تِجَٰرَةً } وفي قراءة بالنصب، أي تكون الأموال أموال تجارة صادرة {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ } وطيب نفس فلكم أن تأكلوها {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } بارتكاب ما يؤدِّي إلى هلاكها أياً كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } في منعه لكم من ذلك.

الشوكاني

تفسير : الباطل: ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع. والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، وهذا الاستثناء منقطع، أي: لكن تجارة عن تراض منكم جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالاً لكم. وقوله: {عَن تَرَاضٍ } صفة لتجارة، أي: كائنة عن تراض، وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها، وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز، ومنه قوله تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الصف: 10]. وقوله: {أية : يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ }تفسير : [فاطر: 29]. واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر كما في الحديث الصحيح: «حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»تفسير : . وإليه ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، وإسحاق وغيرهم. وقال مالك، وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة، فيرتفع بذلك الخيار، وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرىء "تجارة" بالرفع على أن كان تامة، وتجارة بالنصب على أنها ناقصة. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي: لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضاً إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرّر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد، وسنن أبي داود وغيرهما. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي: القتل خاصة، أو أكل أموال الناس ظلماً، والقتل عدواناً وظلماً، وقيل: هو إشارة إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة. وقال ابن جرير: إنه عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وهو قوله تعالى: {أية : أَلِيماً يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } تفسير : [النساء: 19] لأن كل ما نهى عنه من أوّل السورة قرن به وعيد إلا من قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً } والعدوان: تجاوز الحدّ. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. وقيل: إن معنى العدوان، والظلم واحد، وتكريره لقصد التأكيد، كما في قول الشاعر:شعر : وألفى قولها كذباً ومينا تفسير : وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق كالقصاص، وقتل المرتد، وسائر الحدود الشرعية، وكذلك قتل الخطأ. قوله: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً} جواب الشرط، أي: ندخله ناراً عظيمة: {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي: إصلاؤه النار {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } لأنه لا يعجزه بشيء. وقرىء: «نصليه» بفتح النون، روي ذلك عن الأعمش، والنخعي، وهو: على هذه القراءة منقول من صلى، ومنه شاة مصلية. قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } أي: إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها: {نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } أي: ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها، وجعل اجتنابها شرطاً لتكفير السيئات. وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر، ثم في عددها، فأما في تحقيقها، فقيل: إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة المحرّمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روي نحو هذا عن الإسفراييني، والجويني، والقشيري، وغيرهم قالوا: والمراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سبباً لتكفير السيئات هي: الشرك، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ: {إِن تَجْتَنِبُواْ كبائر مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } وعلى قراءة الجمع، فالمراد أجناس الكفر، واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] قالوا: فهذه الآية مقيدة لقوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية. وقال سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة. وقال جماعة من أهل الأصول: الكبائر كل ذنب رتب الله عليه الحدّ، أو صرح بالوعيد فيه. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. وأما الاختلاف في عددها، فقيل: إنها سبع، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة، وقيل: غير منحصرة، ولكن بعضها أكبر من بعض، وسيأتي ما ورد في ذلك إن شاء الله. قوله: {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً } أي: مكان دخول، وهو الجنة: {كَرِيماً } أي: حسناً مرضياً، وقد قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، والكوفيون {مُّدْخَلاً } بضم الميم. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، وكلاهما اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدراً. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } قال: إنها محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، والحسن في الآية قال: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور: {أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } تفسير : [النور: 61] الآية. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما البيع عن تراض» تفسير : وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صالح، وعكرمة في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } قالا: نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } قال: أهل دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً } يعني: متعمداً اعتداء بغير حق: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } يقول: كان عذابه على الله هيناً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } في كل ذلك أم في قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}؟ قال: بل في قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }. وأخرج عبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال: هان ما سألكم ربكم: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: كل ما نهى الله عنه، فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة: يعني النظرة. وأخرج ابن جرير، عنه قال: كل شيء عصى الله فيه، فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير ما قدّمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس: أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه: أن رجلاً سأله كم الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب عنه: كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات، تفسير : قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: حديث : الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"تفسير : وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ تفسير : قلنا: بلى يا رسول الله، قال: حديث : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً، فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، تفسير : فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس «شك شعبة» واليمين الغموس»تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، تفسير : قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: حديث : يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه، فيسبّ أمه"تفسير : . والأحاديث في تعداد الكبائر، وتعيينها كثيرة جداً، فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك، فعليه بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد جمع، فأوعى. واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ثم قال: «حديث : والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ }»تفسير : . وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال: إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مرّوا بها يعرفونها: قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 48، 116] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ } تفسير : [النساء: 64] الآية، وقوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ }تفسير : [النساء: 110] الآية.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تِأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الزنى، والقمار، والبخس، والظلم، وهو قول السدي. والثاني: العقود الفاسدة، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه نهى أن يأكل الرجل طعام قِرى وأَمَر أن يأكله شِرى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور: {أية : وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} تفسير : [النور:61] إلى قوله: {أَوْ أَشْتَاتاً} وهو قول الحسن، وعكرمة. {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. والثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق، وهو قول شريح، وابن سيرين، والشعبي. وقد روى القاسم بن سليمان الحنفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ وَالخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلمٍ أَنْ يَغِشَّ مٌسْلِماً ". تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} فيه قولان: أحدهما: يعني لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول عطاء، والسدي، وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} تفسير : [النور:61]. والثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر. قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} فيما توجه إليه هذا الوعيد بقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق. والثاني: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء. والثالث: أنه متوجه إلى قوله تعالى: {أية : لاَ َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً} تفسير : [النساء: 19]. {عُدْوَاناً وَظُلْماً} فيه قولان: أحدهما: يعني تعدياً واستحلالاً. والثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيداً. {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} في الكبائر سبعة أقاويل: أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها، وهذا قول ابن مسعود في رواية مسروق، وعلقمة، وإبراهيم. والثاني: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وهذا قول عليّ، وعمرو بن عبيد. والثالث: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام، وهذا قول ابن عمر. والرابع: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه. والخامس: أنها كل ما أوعد الله عليه النار، وهذا قول سعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والضحاك. والسادس: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها الزنى، والعقوق، والسرقة، وسب أبي بكر وعمر. والسابع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال، وهذا قول زيد بن أسلم. {نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} يعني من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر.

ابن عطية

تفسير : هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن إن كانت تجارة فكلوها، وقرأ المدنيون وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: " تجارةٌ " بالرفع على تمام "كان" وأنها بمعنى: وقع، وقرأت فرقة، هي الكوفيون حمزة وعاصم والكسائي: "تجارةً" بالنصب على نقصان "كان"، وهو اختيار أبي عبيد. قال القاضي أبو محمد: وهما قولان قويان، إلا أن تمام "كان" يترجح عند بعض، لأنها صلة "أن" فهي محطوطة عن درجتها إذا كانت سليمة من صلة وغيرها، وهذا ترجيح ليس بالقوي ولكنه حسن، و {أن} في موضع نصب، ومن نصب "تجارة" جعل اسم كان مضمراً، تقديره الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، ومثل ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : إذا كان يوماً ذا كواكبَ أشنعا تفسير : أي: إذا كان اليوم يوماً، والاستثناء منقطع في كل تقدير وفي قراءة الرفع. فأكل الأموال بالتجارة جائز بإجماع الأمّة، والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثال ذلك: أن يبيع الرجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة، فذلك جائز، ويعضده حديث النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبع حاضر لبادٍ"تفسير : لأنه إنما أراد بذلك أن يبيع البادي باجتهاده، ولا يمنع الحاضر الحاضر من رزق الله في غبنه، وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، وقاله ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله. و {عن تراض} معناه عن رضا، إلا أنها جاءت من المفاعلة، إذ التجارة من اثنين، واختلف أهل العلم في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضاً، فينجزم حينئذ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة، وحجته حديث النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" تفسير : وهو حديث ابن عمر وأبي برزة، ورأيهما - وهما الراويان - أنه افتراق الأبدان. قال القاضي أبو محمد: والتفرق لا يكون حقيقة إلا بالأبدان، لأنه من صفات الجواهر، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: تمام التراضي أن يعقد البيع بالألسنة فتنجزم العقدة بذلك ويرتفع الخيار، وقالا في الحديث المتقدم: إنه التفرق بالقول، واحتج بعضهم بقوله تعالى: {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته} تفسير : [النساء:130] فهذه فرقة بالقول لأنها بالطلاق، قال من احتج للشافعي: بل هي فرقة بالأبدان، بدليل تثنية الضمير والطلاق لا حظّ للمرأة فيه، وإنما حظها في فرقة البدن التي هي ثمرة الطلاق، قال الشافعي: ولو كان معنى قوله: يتفرقا بالقول الذي هو العقد لبطلت الفائدة في قوله: البيعان بالخيار، لأنه لا يشك في أن كل ذي سلعة مخير ما لم يعقد، فجاء الإخبار لا طائل فيه، قال من احتجّ لمالك: إنما القصد في الحديث الإخبار عن وجوب ثبوت العقد، فجاء قوله: البيعان بالخيار توطئة لذلك، وإن كانت التوطئة معلومة، فإنها تهيىء النفس لاستشعار ثبوت العقد ولزومها، واستدل الشافعي بقوله عليه السلام: "حديث : لا يسم الرجل على سوم أخيه، ولا يبع الرجل على بيع أخيه" تفسير : فجعلها مرتبتين لأن حالة البيعين بعد العقد قبل التفرق تقتضي أن يفسد مفسد بزيادة في السلعة فيختار بها حل الصفقة الأولى، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الإفساد، ألا ترى أنه عليه السلام قال: "حديث : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" تفسير : فهي في درجة؛ لا يسم، ولم يقل: لا ينكح على نكاح أخيه لأنه لا درجة بعد عقد النكاح تقتضي تخييراً بإجماع من الأمة، قال من يحتج لمالك رحمه الله: قوله عليه السلام: لا يسم ولا يبع، هي درجة واحدة كلها قبل العقد، وقال: لا بيع تجوزاً في لا يسم، إذ مآله إلى البيع، فهي جميعاً بمنزلة قوله: لا يخطب، والعقد جازم فيهما جميعاً. قال القاضي أبو محمد: وقوله في الحديث "إلا بيع الخيار" معناه عند المالكين: المتساومان بالخيار ما لم يعقدا، فإذا عقدا بطل الخيار إلا في بيع الخيار الذي عقد من أوله على خيار مدة ما، فإنه لا يبطل الخيار فيه، ومعناه عند الشافعيين: المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما، إلا بيعاً يقول فيه أحدهما لصاحبه اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا، فإن فرض بيع خيار فالمعنى إلا بيع الخيار فإنه يبقي الخيار بعد التفرق بالأبدان، وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} قرأ الحسن "ولا تقتّلوا" على التكثير، فأجمع المتأولون أن المقصد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضها، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، أو بأن يحملها على غرر ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد خوفاً على نفسه منه، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه. وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً} اختلف المتأولون في المشار إليه بذلك، فقال عطاء: ذلك عائد على القتل لأنه أقرب مذكور، وقالت فرقة: ذلك عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس, لأن النهي عنهما جاء متسقاً مسروداً, ثم ورد الوعيد حسب النهي, وقالت فرقة ذلك عائد على كل ما نهى عنه من القضايا من أول السورة إلى قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك} وقال الطبري: ذلك عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} تفسير : [النساء:19] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} فإنه والنواهي بعده لا وعيد معها، إلا قوله: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً} والعدوان: تجاوز الحد، و {نصليه} معناه: نمسه حرها، كما تعرض الشاة المصلية، أي نحرقه بها، وقرأ الأعمش والنخعي، " نَصليه" بفتح النون، وقراءة الجمهور بضم النون على نقل صلى بالهمز، وقراءة هذين على لغة من يقول: صليته ناراً، بمعنى أصليته، وحكى الزجّاج أنها قد قرئت "نصَلِّيه" بفتح الصاد وشد اللام المكسورة ويسير ذلك على الله عز وجل، لأن حجته بالغة، وحكمه لا معقب له.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْبَاطِلِ} القمار والربا والبخس والظلم، أو العقود الفاسدة، أو نُهوا عن أكل الطعام قِرىً وأُمروا بأكله شراء ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ}تفسير : الآية [النور: 61] {تَرَاضٍ} تخاير للعقد، أو تخاير بعد العقد. {أَنفُسَكُمْ} بعضكم بعضاً، جُعلوا كنفس واحدة لاتحاد دينهم، أو نُهوا عن قتل أنفسهم في حال الضجر والغضب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً...} الآية: الاستثناءُ منقطعٌ، المعنَىٰ: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه»تفسير : . انتهى. وقوله تعالَىٰ: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، أجمع المتأوِّلون علَىٰ أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها علَىٰ غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد ٱحتجَّ عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين ٱمْتَنَعَ مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ؛ خَوْفاً على نَفْسِهِ منه، فقرَّر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احتجاجَهُ. وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَٰناً وَظُلْماً...} الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه بـ «ذَلِكَ». فقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل؛ لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ علَىٰ أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ»: عائدٌ علَىٰ كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ: «ذَلِكَ» عائدٌ علَىٰ ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قولُهُ تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ ٱلنِّسَاءَ كَرْهاً} تفسير : [النساء:19]؛ لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ. قال ابنُ العَرَبيِّ في «أحكامه» والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ. انتهى. والعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ. قال * ص *: {عُدْوَاناً وظُلْماً}: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، أي: معتدِّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله. انتهى. واختلف العلماءُ في الكبائِرِ. فقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو ما أشبه ذلك. وقال ابن عبَّاس أيضاً: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ؛ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما؛ قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ؛ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ؛ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48 و116]. و {كَرِيماً}: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب؛ كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ حديث : أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ...} الآية»"تفسير : . انتهى من "التذكرة" للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ"تفسير : ؛ قال القرطبيُّ: وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ؛ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا. انتهى. قلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هريرة (رضي اللَّه عنه)؛ أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ"تفسير : . انتهى.

ابن عادل

تفسير : في كيفية النظم وجهان: أحدهما: أنه تعالى لما ذكر كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر كيفية التصرف في الأموال. الثاني: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإبقاء المهور بيَّن بعد ذلك كيفية التصرف في الأموال، وخص الأكل بالذكر دون غيره من التصرفات لأنه المقصود الأعظم من الأموال؛ لقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10]، واختلفوا في تفسير الباطل فقيل هو الربا والغصب والقمار والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة، وعلى هذا تكون الآية مجملة لأنه يصير التقدير: لا تأكلوا أموالكم التي حصلتموها بطريق غير مشروع، ولم يذكر ههنا الطريقة المشروعة على التفصيل فصارت الآية مجملة. وروي عن ابن عباس والحسن أن الباطل هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض وعلى هذا لا تكون الآية مجملة لكن قال بعضهم: إنها منسوخة: قال لما نزلت هذه الآية تحرّج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئاً وشق ذلك على الخلق. فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في سورة النور {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النور: 61] وأيضاً إنما هو تخصيص ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بالباطل [هو] العقود الفاسدة، وقوله {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} [يدخل فيه أكل مال الغير بالباطل] وأكل مال نفسه بالباطل فيدخل فيه القسمان معاً كقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُم} يدل على النهي عن قتل غيره وقتل نفسه أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله تعالى، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه. قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} في هذا الاستثناء قولان: أصحهما: أنه استثناء منقطع لوجهين: أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها سواء فسرنا الباطل بغير عوض، أو بغير طريق شرعيّ. والثاني: أن المستثنى كون، والكون ليس مالاً من الأموال. الثالث: أنه متصل قيل: لأن المعنى لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة. قال أبو البقاء: وهو ضعيف؛ لأنه قال: بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف تقديره؛ إلا في حال كونها تجارة، أو في وقت كونها تجارة انتهى. فـ "أن" تكون في محل نصب على الاستثناء وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الكوفيون تجارة نصباً على أن كان ناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من "تجارة" تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ويجوز أن يفسر الضمير بالتجارة بعدها أي: إلا أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله: [الطويل] شعر : 1790-..................... إذَا كَانَ يَوْمَاً ذَا كَواكِبَ أشْنَعَا تفسير : أي إذا كان اليوم يوماً، واختار أبو عبيدةَ قراءة الكوفيين، وقرأ الباقون "تجارةٌ" رفعاً على أنها "كان" التامة قال مكي: وأكثر كلام العرب أن قولهم "إلا أن تكون" في هذا الاستثناء بغير ضمير فيها يعود على معنى: يحدث ويقع، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة. وقوله: {عَن تَرَاضٍ} متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ "تجارة" فموضعه رفع أو نصب على حسب القراءتين، وأصل "تراض" "تراضِوٌ" بالواو؛ [لأنه مصدر تراضي تَفَاعَلَ من رَضِيَ، ورَضِيَ من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرفت الواو بعد كسرة] فقلبت ياء فقلت: تراضياً، و "منكم" صفة لتراضٍ، فهو محل جر و "من" لابتداء الغاية. فصل والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه الله تعالى للعبد عوضاً من الأعمال الصالحة. قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الصف: 10] وقال {أية : يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} تفسير : [فاطر: 29] وقال {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} تفسير : [التوبة: 111]، فسمَّى ذلك كُلَّهُ بيعاً وشراءً على وَجْهِ المَجَازِ، تشبيهاً بِعُقُود المبيعَاتِ الّتي تحصلُ بها الأغْرَارُ. فصل: كل معاوضة تجارة اعلم أنَّ كُلَّ مُعَاوَضَةٍ تجارةٌ على أيّ وجْهٍ كان العوض، إلا أنَّ قوله تعالى {بِٱلْبَاطِلِ} أخرج منها كُلَّ عوضٍ لا يجوزُ شَرْعَاً من رباً وغيره أو عوض فَاسِدٍ كالخمرِ، والخَنْزِيرِ، وغير ذلِكَ، ويخرج أيضاً كُلُّ عقدٍ جائزٍ لا عوض فيه كالقرض والصَّدَقَةِ، والهِبَةِ، لا للثَّوابِ، وجازت عُقُودُ التَّبرُّعاتِ بأدلَّةٍ أخَر، وخَرَجَ منها دٌعَاءُ أخيكَ إيَّاكَ إلى طَعَامِهِ، بآيةِ النُّورِ، على ما سيأتي إن شاء اللَّه - تعالى -. فصل قال القرطبيُّ: لَوِ اشْتَرَيْتَ فِي السُّوقِ شَيْئاً فقالَ لَكَ صًاحِبُهُ قبل الشِّرَاءِ ذُقْهُ، وأنت في حلٍّ، فلا تَأكُلْ منه؛ لأن إذْنهُ في الأكْلِ لأجْلِ الشِّراءِ، فربما لا يقعُ بينكم بيعٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَة، لكن لو وصف لَكَ صفة فاشْتَرَيْتَ، فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيَار. فصل قوله {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} أي: بطيبة نَفْسِ كُلِّ وَاحدٍ منكم على الوَجْه المَشْرُوعِ. وقيل هو أن يخير كُلُّ وَاحدٍ من المُتابِعيْنِ صاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْع، فيلزمُ وإلا فلهما الخِيَارُ ما لم يَتَفَرَّقَا لقوله عليه السلامُ: "حديث : الْبَيِّعانِ بالخيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" تفسير : أو يخير كُلّ واحد منهما صاحبَهُ متبايعاً على ذلك، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، واعلم: أنَّهُ كَمَا يحلُّ المستفاد منَ التِّجارَة، فقد يَحِلُّ أيضاً المالُ المستفاد مِنَ الهِبَةِ، والوصيَّةِ والإرث، والصَّدَقَةِ، والمهر،ِ وأرُوشِ الجنايَاتِ، فإنَّ أسْباب المالِ كثيرةٌ سوى التِّجارة. فإن قُلْنَا: الاستثناءُ مُنقطِعٌ، فلا إشْكالَ؛ لأنَّهُ تعالى ذَكَرَ هَاهُنا شيئاً واحداً، من أسْبَابِ المِلْكِ، ولم يذكره غيرهُ بنفي، ولا إثْبَاتٍ. وإن قلنا: الاسْتثناءُ مُتَّصِلٌ كان ذلك حكماً بأنَّ غيرَ التِّجَارةِ لا يفيد الحلّ، وعلى هذا لا بُدّ مِنَ النَّسْخِ، والتَّخْصيصِ. فصل ذهب بعضُ الْعُلَمَاءِ إلى أنَّ النَّهْيَ في المعاملات يَقْتَضِي البُطْلاَنَ، وقال أبُو حنيفَةَ: لا يَدُلُّ عليه واحتجّ الأوَّلُونَ بوجوهٍ: أحدُهَا: أنَّ جميعَ الأمْوالِ مملوكةٌ للَّهِ تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التَّصَرُّفَاتِ، كان ذلك جَارياً مَجْرَى ما إذا وكل الإنسان وكيلاً في بَعْضِ التَّصرفات، ثم إنَّ الوكِيلَ تَصَرَّفَ على خِلافِ قَولِ الموكل، فذلك غير مُنعقدٍ، فإذا كان التَّصرفُ الواقع على خلاف قول المِالِكِ المجازي لا يَنْعَقدُ، فالتصرفُ الواقِعُ على خِلاَفِ قَوْلِ المالِكِ الحقيقيّ غير مُنْعَقِدٍ بِطَرِيقِ الأوْلَى. وثانيها: أنَّ التصرُّفات الفَاسِدَة؛ إمَّا أن تكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِدُخُولِ المُحرَّم المنهيّ في الوُجُودِ أو لا، فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياساً على التصرفات الفاسدة، والجامِعُ السعي في ألا يَدخُلَ منشأ النَّهي في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثَّانِي؛ وَجَبَ القَوْلُ بصحَّتها قياساً على التصرُّفَاتِ الصَّحيحةِ، والجامعُ كونُهَا تَصرُّفَاتٍ خالية عن المفْسَدَة، فثبت أنَّهُ لا بُدَّ من وُقُوعِ التَّصرُّفِ على هذين الوجْهَيْنِ، فأمَّا القَوْلُ بتصرف لا يكُونُ صحيحاً، ولا باطلاً، فهو محال. وثالثها: أنَّ قوله: "حديث : لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْن" تفسير : كقوله: "لا تبيعوا الحر بالعبد" فكما أن هذا نهي في اللفْظِ، لكنَّهُ نَسْخٌ للشَّرعيةِ [فكذا الأوَّلُ، وإذا كان نَسْخاً للشَّرْعيَّةِ]، بطل كوْنُهُ مُفيداً للحكم. قوله {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} قرأ عَلِي - رضي اللَّهُ عنه -: "تُقْتَّلُوا" بالتَّشْديدِ على التكثير، والمعنى لا يَقْتلُ بَعضُكُم بعضاً، وإنَّما قَالَ {أَنْفُسَكُمْ} لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام: "حديث : المُؤْمِنُونَ كنَفْسٍ وَاحِدَةٍ" تفسير : ولأن العَرَبَ يَقُولُونَ "قُتلْنَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ" إذا قتل بعضهم؛ لأنَّ قتل بعضِهِم، يجري مَجْرَى قَتْلِهِمْ. فإن قيل: المُؤمِنُ مع إيمانِهِ لا يجُوزُ أن ينهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، لأنه ملجأ إلى ألاَّ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لأنَّ الصَّارِفَ عنه قائمٌ، وهو الألَمُ الشَّديدُ، والذَّمُّ العَظِيم، والصَّارف عنه في الآخرة قَائِمٌ وهو استحقاقُ العَذَابِ العَظِيمِ. إذا كان كذلك، لم يَكُنْ للنَّهْيِ عَنْهُ فائدة، وإنَّمَا يُمْكِنُ هَذَا النهي، فِيمَنْ يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يعتقدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتَّى مِنَ المُؤْمِنِ. فَالجَوَابُ: أنَّ المُؤْمِنَ مع إيمانِهِ، قد يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ، والأذِيَّةِ ما يكُونُ القَتْلُ عليه أسْهَل مِنْ ذلك، ولذلك نَرَى كَثيراً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَلُونَ أنْفُسَهُم، بمثل السَّبَبِ الذي ذَكَرْنَاهُ، ويحتمل أنَّ مَعْنَاهُ لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ به القتل كالزِّنَا بعد الإحْصَانِ والرِّدَّةِ، وقتلِ النَّفْسِ المعصومة، ثمَّ بيَّنَ تعالى أنَّهُ رحيمٌ بعباده، ولأجْلِ رحمته نهاهم هم كُلِّ ما يستوجبون به مَشَقَّة، أو مِحْنَة حَيْثُ لم يأمرهم بقتلهم أنفسَهُم كما أمَرَ به بني إسرائيل ليَكُونَ تَوْبَةً لهم وكان بكُم يَا أمَّة محمَّد رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التَّكاليف الصَّعْبَة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏} ‏ قال‏:‏ إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فالزنا والقمار والبخس والظلم ‏ {‏إلا أن تكون تجارة‏} ‏ فليرب الدرهم ألفاً إن استطاع‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن في الآية قال‏:‏ كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في النور ‏{أية : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم‏.‏‏.‏‏} ‏تفسير : [‏النور: 61‏]‏ الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم‏}‏ قال‏:‏ عن تراض في تجارة، بيع أو عطاء يعطيه أحد أحداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن قتادة في الآية قال‏:‏ التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة‏.‏ وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم‏ ‏"حديث : ‏قال ‏التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً ‏قال "‏‏حديث : التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة‏ "‏‏تفسير : .‏ وأخرج الحاكم عن رافع بن خديج قال‏:‏ "حديث : قيل‏:‏ يا رسول الله أي الكسب أطيب‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بردة قال‏:‏ ‏ "حديث : ‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب أو أفضل‏؟‏ قال‏: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏ ‏"حديث : ‏تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن صفوان بن أمية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أعلم أن عون الله مع صالحي التجار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعاً ‏"حديث : ‏أن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه‏:‏ إذا اشترى لم يذم، وإذا باع لم يمدح، ولم يدلس في البيع، ولم يحلف فيما بين ذلك‏ "تفسير : ‏‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله، وبرَّ، وصدق ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل قال‏:‏ ‏‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏ "حديث : إن التجار هم الفجار‏. قالوا‏:‏ يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع‏؟‏ قال‏: بلى. ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن تغلب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة‏ "‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن ماجه وابن المنذر عن ابن سعيد في قوله تعالى ‏ {‏عن تراضٍ منكم‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏"حديث : ‏إنما البيع عن تراض ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة. أنه باع فرساً له فقال لصاحبه‏:‏ اختر فخيره ثلاثاً ثم قال له‏:‏ خيرني‏.‏ فخيره ثلاثاً، ثم قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ هذا البيع عن تراض‏.‏ وأخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏‏ "حديث : ‏اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل من الأعراب حمل خبط، فلما وجب البيع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: اختر‏.‏‏.‏‏.‏ فقال الأعرابي‏:‏ عمرك الله بيعاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس‏ "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم باع رجلاً ثم قال له‏: اختر..‏.‏ فقال‏:‏ قد اخترت‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏: هكذا البيع ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي زرعة أنه كان إذا بايع رجلاً يقول له‏:‏ خيرني‏.‏‏.‏‏.‏ ثم يقول‏:‏ قال أبو هريرة‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يفترق بيعان إلا عن رضا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أهل البقيع لا يتفرقن بيعان إلا عن رضا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر‏:‏ اختر‏.‏‏.‏‏. ‏‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح وعكرمة ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم‏} ‏ قالا‏:‏ نهاهم عن قتل بعضهم بعضا‏ً.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم‏} ‏ لا يقتل بعضكم قال‏:‏ بعضا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ أهل دينكم‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم‏ ‏ ‏"حديث : عن عمرو بن العاص قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت به ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له فقال‏: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب‏؟‏ قلت‏:‏ نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم‏} ‏ فتيممت ثم صليت‏.‏ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال‏:‏ يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً‏} ‏ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏تفسير : .‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن عاصم بن بهدلة. أن مسروقاً أتى صفين فقام بين الصفين فقال‏:‏ يا أيها الناس أنصتوا، أرأيتم لو أن منادياً ناداكم من السماء فرأيتموه وسمعتم كلامه، فقال‏:‏ إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم منتهين‏؟‏ قالوا‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏!‏ قال‏:‏ فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد، وما ذاك بأبين عندي منه، إن الله قال ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما‏ً} ‏ ثم رجع إلى الكوفة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏ومن يفعل ذلك‏}‏ يعني الأموال والدماء جميعاً ‏ {‏عدواناً وظلماً‏} ‏ يعني متعمداً إعتداء بغير حق ‏ {‏وكان ذلك على الله يسيراً‏} ‏ يقول‏:‏ كان عذابه على الله هيناً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أرأيت قوله تعالى ‏ {‏ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه نارا‏ً} ‏ في كل ذلك أم في قوله ‏ ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم‏} ‏‏؟‏ قال‏:‏ بل في قوله ‏ {‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏‏ .‏

التستري

تفسير : قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}[29] يعني لا تهلكوا أنفسكم بالمعاصي والإصرار، وترك التوبة عند الرجوع إلى الاستقامة، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[29] حيث حرم عليكم المعصية، كي لا تهلكوا.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [الآية: 29]. بارتكاب المخالفات واستكبار الطاعات. وقال سهل رحمه الله: ولا تقتلوا أنفسكم بالمعاصى والذنوب والإصرار وترك التوبة والرجوع إلى الاستقامة. وقال محمد بن الفضل رحمه الله: لا تقتلوا أنفسكم باتباع هواها. وقال بعضهم رحمه الله: بالحرص على الدنيا. وقال بعضهم رحمه الله: ولا تقتلوا أنفسكم بالرضا عنها.

القشيري

تفسير : كل نفقة كانت لغير الله فهي أكل مالٍ بالباطل. ويقال القبض إذا كان على غفلةٍ، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة، فكل ذلك باطل، {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}: يعني بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه. ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها. ويقال باستحسانكم شيئاً منها بإيثارها دون رضاء الحق. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فإنَّا لا نُخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نَكِلَها إلى صاحبها، ونلقي حبْلَها على غاربها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} هذا خطاب اهل الرفاهية والانس والبسط اى لا يقتلوا انفسكم المطمئنة بالمجاهدات والرياضات ولا تحلموا مشقة الجهل فى العبودية قلوبكم الروحانية ولاتوذوا ارواحكم القدسية بشروعكم فما يليق بالبداية فان هذه الاشياء يمنع الارواح العاشقة من طيرانها فى عالم المشهدات وتغم عليها انوار المكاشفات وتصديق ذلك قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} اى كان فى الازل رحيما باوليائه فى وضع اثقال العبودية الشاقة عنهم فى مقام مشاهدتهم وروح قلوبهم بالله الا ترى كيف سهل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه امراً لعبودية بقوله طه ما انزلنا عليك القرأن لتشقى وبين ان قربته ووصله يتعلق برحمته السابقة لابامانة النفوس وكثرت المجاهدات وايضا لا يقتلوا انفسكم الروحانية الملكوتية بمتابعة هوى النفوس الامارة الشيطانية فان النفس الروحانية يتاذى فى جوار النفس الامارة اذا علت بهواها على النسف الروحانية واظلمها بغيم المعصية قال بعضهم لا تهلكوا انفسكم بارتكاب الخالفات واستكثار الطاعات قال محمد بن الفصل لا تقتلوا انفكسم باتباع هواها قال فضيل الا تغفلوا عن حظ انفسكم فمن غفل عن حظ نفسه فكانه قتلها ان الله بكم رحيما ويقال يطركم ايها وملاحظتكم اليها وقال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر رضى الله عنه معناه لا تغفلوا عن انفسكم فان من غفل عن نفسه غفل عن ربه ومن غفل عن ربه قتل نفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا} اى لا تأخذوا عبر عن الاخذ بالاكل لان المقصود الاعظم من الاموال الاكل فكما ان كل محرم فكذلك سائر وجوه التصرفات {اموالكم بينكم بالباطل} اى بوجه غير شرعى كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا والرشوة واليمين الكاذبة وشهادة الزور والعقود الفاسدة ونحوها {الا ان تكون تجارة عن تراض منكم} استثناء منقطع وعن متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة اى الا ان تكون التجارة تجارة عن تراض او الا ان تكون الاموال اموال تجارة وتلحق بها اسباب الملك المشروعة كالهبة والصدقة والارث والعقود الجائزة لخروجها عن الباطل وانما خص التجارة بالذكر لكونها اغلب اسباب المكاسب وقوعا واوفقها لذوى المروآت والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه فى حال المبايعة وقت الايجاب والقبول عندنا وعند الشافعى حالة الافتراق عن مجلس العقد {ولا تقتلوا انفسكم} بالبخع كما يفعله جهلة الهند او بالقاء النفس الى التهلكة. ويؤيده ما روى ان عمرا بن العاص رضى الله عنه تأوله فى التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبى صلى الله عليه وسلم او بارتكاب المعاصى المؤدية الى هلاكها فى الدنيا والآخرة او باقتراف ما يذللها ويرديها فانه القتل الحقيقى للنفس وقيل المراد بالنفس من كان من جنسهم من المؤمنين فان كلهم كنفس واحدة {ان الله كان بكم رحيما} اى امر بما امر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم معناه ان كان بكم يا امة محمد رحيما حيث امر بنى اسرائيل بقتل الانفس ونهاكم عنه.

ابن عجيبة

تفسير : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ...} قلت: الاستثناء منقطع، وكان تامة لمن رفَع، وناقصه لمن نصب، واسمها: ضمير الأموال، على حذف مضاف، إلاَّ أن تكون الأموال أموالَ تجارة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} الذي لا تُجوزه الشريعة، كالربا والقمار، والغصب والسرقة، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك {إلا أن تكون}، أي: لكن إن وجدت {تجارة} صحيحة {عن تراضٍ منكم} أي: اتفاق منكم على البيع، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان. وقال الشافعي: إنما يتم بالتفرق بالأبدان، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : البَيِّعَان بالخِيَار مَا لَمْ يتَفَرَّقَا" تفسير : . وحمله مالك على التفرق بالكلام، وقال أكثر المفسرين: التخيير، هو أن يُخير كلُ واحد منهما صاحبة بعد عقد البيع، وقد ابتاع عمرو بن جرير فرسًا، ثم خَيَّر صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: البيع عن تراض. قال البيضاوي: وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات، ويجوز أن يُراد بها الانتقال مطلقًا. وقيل: المقصود بالنهي: صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة: صرفه فيما يرضى. هـ. الإشارة: لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يُقربكم إلى الحق؛ فإن ما سوى الحق كله باطل، كما قال الشاعر: شعر : ألا كُلُّ شيء مَا خَلآ اللهَ باطلُ وكُلٌّ نَعِيمٍ لا مَحَالةَ زائل تفسير : إلا أن يكون صرفه في تجارة رابحة، تقربكم من الحبيب، وتجلبُكم إلى حضرة القريب، فتلك تجارة رابحة وصفقة نافعة. والله تعالى أعلم. ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان، وسيأتي تمامه في قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ...} تفسير : [النساء:92] إلى آخر الآيات، فقال: {...وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تقتلوا أنفسكم}، بالخنق أو بالنخع أو بالجرح، الذي يؤدي إلى الموت، أو بالإلقاء إلى التهلكة. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزوة ذَات السَّلاَسِلِ، فأجنَبتُ في لَيْلَة بَارِدَة، فَأشْفَقْتُ على نفسي وصَليْتُ بأصحَابِي صَلاة الصُبح بالتيمم. فلَمّا قَدِمتُ ذَكَرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " حديث : يا عَمرُو صلَّيتَ بأصحَابِكَ وأنت جُنُب؟" تفسير : قلت: نعم يا رسول الله، أشفيتُ إن اغتسلتُ أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: {لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا}، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئاً). أو: ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام، فإن المؤمنين كنفس واحدة. قال البيضاوي: جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال ـ الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها ـ استبقاء لهم. هـ. وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة، ورحمة بكم، {إن الله كان بكم رحيمًا}، فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم، وأنتم نهاكم عنه. {ومن يفعل ذلك} القتل. أو جميع ما سبق من المحرمات {عدوانًا وظلمًا}، أي: إفراطًا في التجاوز عن الحد، وإتيانًا بما لا يستحق، أو تعديًا على الغير وظلمًا على النفس، بتعريضها للعقاب، {فسوف نصليه نارًا} أي: نحرقه ونشويه فيها. {وكان ذلك على الله يسيرًا}. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قَتَل نفسَهُ بِشَيءٍ عُذِبَ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا" تفسير : وهو تغليظ، أو لمن استحل ذلك. وهذا الوعيد الذي ذكره الحق هنا في قتل الإنسان بيده، أهون مما ذكره في قتل الغير، الذي يأتي، لأنه زاد هناك الغصب واللعنة والعذاب العظيم، أما قول ابن عطية: إنه أجمع المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضًا، فليس بصحيح، والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات، فإنه يفوتها الحياة الحقيقية، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: ( لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه، فكأنما قتلها). وحظ النفس هو تزكيتها وتحليتها بالكمالات، أو قُوتها من العلم اليقين، والمعرفة وصحة التمكين، والمراد بالنفس هذا الروح، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب قتلها، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة، فإن الروح ما دامت مُظلمة بالمعاصي والهوى سميت نفسًا، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحًا. وهو المراد هنا. سماها نفسًا باعتبار ما كانت عليه. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والاعراب: قرأ أهل الكوفة: {تجارة} نصباً، الباقون: بالرفع، فمن رفع ذهب إلى أن معناه: إلا أن تقع تجارة، ومن نصب فمعناه: إلا أن تكون الأموال تجارة، أو أموال تجارة، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاستثناء منقطعاً، ويجوز أن يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، كما قال الشاعر: شعر : إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا تفسير : وتقديره: إذا كان اليوم يوماً ذا كواكب، ذكره أبو علي النحوي. وقال الرماني التقدير: إلا أن تكون الاموال تجارة، ولم يبين. والقول ما قال أبو علي، لأن الأموال ليست تجارة. ومن شأن خبر كان أن يكون هو إسمها في المعنى. وقيل: الرفع إقوى، لأنه أدل في الاستثناء على الانقطاع، فان التحريم لأكل المال بالباطل على الاطلاق. وفي الناس من زعم أن نصبه على قول الشاعر: شعر : إذا كان طعناً بينهم وعناقا تفسير : أي إذا كان الطعن طعناً. قال الرماني: وهذا ليس بقوي، لأن الاضمار قبل الذكر ليس يكثر في مثل هذا، وإن كان جائزاً، فالرفع يغني عن الاضمار فيه. المعنى: وفي معنى قوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قولان: أحدهما - قال السدي: بالربا، والقمار، والبخس، والظلم، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). الثاني - قال الحسن: بغير استحقاق من طريق الأعواض. وكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية، إلى أن نسخ ذلك بقوله في سورة النور: {أية : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم.. }تفسير : إلى قوله: {أية : جميعاً أو أشتاتاً } تفسير : والأول أقوى، لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فليس هو أكل بالباطل. وقيل: معناه التخاون، ولذلك قال: {بينكم}. وقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} فيه دلالة على بطلان قول من حرم المكاسب، لأنه تعالى حرم أكل الأموال بالباطل، وأحله بالتجارة على طريق المكاسب. ومثل قوله: {أية : وأحل الله البيع وحرم الربا } تفسير : وقيل في معنى التراضي بالتجارة قولان: أحدهما - إمضاء البيع بالتفرق، أو بالتخاير بعد العقد في قول شريح، وابن سيرين، والشعبي، لقوله (صلى الله عليه وسلم):حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيع خيار تفسير : . وربما قالوا: أو يقول أحدهما للآخر اختر، وهو مذهبنا. الثاني - إمضاء البيع بالعقد - على قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد - بعلة رده إلى عقد النكاح، ولا خلاف أنه لا خيار فيه بعد الافتراق، وقيل: معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فانه جائز. وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال عطاء، والسدي، وأبو علي الجبائي، والزجاج: لا يقتل بعضهم بعضاً من حيث كانوا أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، كما يقول القائل: قتلنا ورب الكعبة، ومعناه قتل بعضنا، لأنه صار كالقتل لهم، ومثله قوله: {أية : فاذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم }. تفسير : الثاني - قال البلخي: فيه نهي عن قتل نفسه في حال غضب، أو زجر، والأول أقوى، لأنه أكثر وأغلب، وأيضاً فانه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه، لأنه بمنزلة قتل نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه. الثالث - قال قوم: معناه: لا تقتلوا أنفسكم، بأن تهلكوها بارتكاب الآثام، والعدوان في أكل المال بالباطل، وغيره من ارتكاب المعاصي، التي تستحقون بها العقاب. وروي عن أبي عبد الله (ع): أن معناه لا تخاطروا بنفوسكم في القتال، فتقاتلون من لا تطيقونه. وقوله: {إن الله كان بكم رحيماً} قال ابن عباس: كان صلة، والمعنى إن الله غفور رحيم، ويحتمل أن يكون المراد: {إن الله كان بكم رحيماً} حيث كلفكم الامتناع من أكل المال بالباطل الذي يؤدي إلى العقاب، وحرم عليكم قتل نفوسكم التي حرمها عليكم، ويعلم انه رحيم فيما بعد بدليل آخر.

الجنابذي

تفسير : تحقيق تعميم الاكل والبطلان {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تأديب فى الاموال والانفس. اعلم انّ الالفاظ كما سبق موضوعة للحقائق باعتبار عناوينها المرسلة من غير اعتبار خصوصيّة من خصوصيّات المصاديق فيها كلّيّة كانت ام جزئيّة، فانّ لفظة زيد مثلاً موضوعة للذّات المخصوصة من غير اعتبار حالة وخصوصيّة من حالاتها وخصوصيّاتها، فانّه فى حال الصّبا زيدٌ وفى حال الشّيخوخة ايضاً زيدٌ وكذا بحسب تجسّمه وتجرّده فانّه فى حال كونه مع المادّة زيدٌ وفى حال كونه فارغاً من المادّة زيدٌ متقدّراً زيدٌ ومجرّداً عن التقدّر زيدٌ، فلا شيء من خصوصيّات الاحوال ولا من خصوصيّات النّشئات معتبراً فى وضعه ولا فى اطلاقه، واستغراب من لا يتجاوز ادراكه عن عوالم الحسّ وحصرهم المفاهيم على المصاديق الحسيّة حجّة لهم لا لنا، فانّهم بحسب نشأتهم لا يدركون مصاديق سائر النّشئات فلا يمكنهم تعميم المفاهيم وفى الاخبار نصوص واشارات الى ما ذكرنا، بصّرنا الله تعالى بها. فالاكل غير معتبر فيه خصوصيّات الاكل الحيوانىّ من ادخال شيء فى الفم الحسّىّ ومضغه بالاسنان وبلعه وادخاله فى البطن ولا خصوصيّات الاكل ولا خصوصيّات المأكول ولا خصوصيّات شيء من النّشئات فهو اسم لفعل ما به قوام الفاعل وقوّته وازدياده باىّ نحوٍ كان وفى اىّ نشأة وقع فلعب الاطفال أكل لهم بحسب اكل هو الخيال الحيوانىّ اللّعبى، وتجارة التجّار وزراعة الزرّاع ونكاح النّكّاح أكل لهم بحسب قوّة من قواهم بل فعل كلّ فاعل فى اىّ نشأة كان أكل له، والمال اسم للمملوك فكلّما كان الملك فيه اقوى كان بصدق اسم المال اولى، فالاعراض الدّنيويّة الّتى لا حيثية مملوكيّة لها الاّ ما اعتبره الشّارع او ما اعتبره العرف حيث يعدّون ما تحت يد الرّجل ماله ومملوكه مال والقوى النّفسانيّة الّتى تحت تصرّف النّفس ولا حيثيّة لها الا حيثيّة المملوكية للنّفس اولى بصدق المال، وكذا العلوم والصّنائع الّتى صارت ملكة او غير ملكة لكن كانت ثابتة فى خزانة العقل مال، والخطاب فى بينكم لجماعة الّذكور سواء كانوا فى العالم الكبير او فى العالم الصّغير الانسانىّ فى نشأة الطّبع او فى غيرها والنّساء مرادة ايضاً تغليباً، والباطل يقال لفعل لا غاية له او لا غاية عقلانيّة او عرفيّة له، ولفعل لم يصل الى غايته، ولسنّة وطريقة لم تبتن على اساسٍ مستحكم، ولسنّة لم تبتن على اساس آلهىّ، ويقال لما لا حقيقة له اصلاً كالاعدام، ولما لا حقيقة له فى نفس الامر كالسّراب، ولما لا تحقّق له بالذّات بل بالعرض كالماهيّات، ولما لا تحقّق له بنفسه بل بالعلّة كالوجودات الامكانيّة، ولما اختفى تحقّقه بحيث يكون الغالب عليه الاعدام كالملكوت السّفلى فانّها باطلة لغلبة الاعدام عليها وان كان يصدق عليها ايضاً بسائر معانيه، فالآية الشّريفة بحسب مصاديقها لها وجوه عديدة بعضها فوق بعضٍ: فاوّل مصاديقها ما هو اقرب الى فهم العوام من الاكل المعروف بالمضغ والبلع ومعناها لا تأكلوا بالمضغ اعراضكم الدّنيويّة بينكم بالطّريق الباطل الّذى لم يسنّه الشّارع ولم يبحه، او بالمبدء الباطل الّذى هو النّفس والشّيطان فانّ الحاكم والمحرّك للفعل امّا النّفس والشّيطان او العقل والرّحمن وقد علمت انّ الشّيطان باطل لغلبة الاعدام عليه، وثانيها لا تصرفوا اموالكم الدّنيويّة بينكم بالباطل بمعنييه وهو ايضاً قريبٌ من فهم العامّة، وثالثها لا تفعلوا افعالكم بينكم بالباطل بمعنييه، ورابعها لا تفعلوا افعالكم التّكليفيّة القالبيّة النّبويّة بالمبدء الباطل او بالغرض الباطل، وخامسها لا تفعلوا افعالكم التّكليفيّة القلبيّة الولويّة بينكم بالباطل بمعنييه، وسادسها لا تصرفوا قواكم بينكم بالباطل، وسابعها لا تصرفوا ولا تأخذوا علومكم، وثامنها لا تصرفوا مدد حياتكم ومادّة حيوتكم، وتاسعها لا تأخذوا مشاهداتكم ومشهوداتكم {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} بما سبق يمكن التّعميم {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} امّا مربوط بالمعطوف عليه لانّ صرف الاموال من غير معيارٍ مورث لقتل الانفس والنّهى عنه كالعلّة للنّهى عنه او حكم مستقلّ وتعميمه لا يخفى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} علّة لنهيه تعالى عن صرف الاموال بالباطل وقتل الانفس فانّ رحمته داعية الى هذا النّهى كسائر التّكاليف.

فرات الكوفي

تفسير : {وَلا تَقْتُلوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً29} فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن جعفر بن محمد عليه السلام في قول الله تعالى: {لا تقتلوا أنفسكم} قال: أهل بيت نبيكم [عليهم السلام. ر].

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والقمار وعقود الربا، قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} يعني إلا أن يقع تجارة وخصَّ التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها والتراضي رضى المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الايجاب والقبول وهو مذهب أَبو حنيفة، وعند الشافعي بفرقهما عن مجلس العقد متراضيين {ولا تقتلوا أنفسكم} يعني من كان من جنسكم من المؤمنين، وعن الحسن: لا تقتلوا إخوانكم ولا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض أهل الجاهليَّة، وعن عمرو بن العاص أنه تأوّله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقرأ علي (عليه السلام) ولا تقتلوا أنفسكم بالتشديد، قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عُدوانا} إشارة إلى القتل ومن يقدم على قتل النفس ظلماً وعدواناً لا خطأً ولا اقتصاصاً {وكان ذلك على الله يسيراً} لأن الحكمة تدعو إليه، قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} وقرئ كثير ما تنهون عنه أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله والرسول عنها، {نكفر عنكم سيئاتكم} أي ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم ونجعلها كأن لم تكن، وقال علي (عليه السلام): "الكبائر سبع: الشرك بالله، والقتل، والقذف، والزنا، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة" وزاد عمر: السحر، واستحلال البيت الحرام، وعن ابن عباس: أن رجلاً قال: الكبائر سبع قال: هي إلى سبعمائة، وروي إلى سبعين، وروي: "لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار" قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} يعني من الجاه والمال لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حسن وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسومُ له من بسط الرزق أو قبضه، ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض فعلى كل أحد أن يرضى بما قُسِمَ له، وروي أنها أتت وافدة النساء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: رب الرجال والنساء واحدٌ وأنت رسول الله إلينا وإليهم وأبونا آدم وأمُّنا حوَّى فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء فنزلت، وروي أنها قالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فإذا ضربها الطلق لم يدرِ أحدٌ ما لها من الأجر فإن أرضعت كان لها بكل مضغة أجر نفسٍ تحيها" تفسير : قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا} جعل ما قسَّم لكل واحد من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله المُوجبة للبسط والقبض، قوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد، وقيل: كان الرجال قالوا: إن الله فضَّلنا على النساء في الدنيا لنا سهمان ولهنَّ سهمٌ واحدٌ فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال فلهنَّ أجرٌ، قالت أمُّ سلَمة ونسوة معها: ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم، قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} جعلنا موالي وراثاً يلونه ويُحرزونه {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} الآية نزلت في الذين آخا بينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين حين قدم المدينة وكانوا يتوارثون بالمؤاخاة ثم نسخ ذلك بالفرائض.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ}: متعلق بمحذوف حال من أموال، أى دائرة أو متناولة بينكم. {بِالْبَاطِلِ}: متعلق بتأكلوا بالحرام كالغصب والربا والميسر والسرقة والغش والخيانة، وشهادة الزور، والزنى واليمين الكاذبة، والعقود الفاسدة، وكل إفساد فى مال الغير، وتضييعه، فإن المراد بالأكل مطلقاً الإتلاف ولو بلا انتفاع أو بنفع غير متلفه أو بمنع صاحبه عن الانتفاع به فقط دون أن ينتفع به المانع أو غيره. {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}: الاستثناء منقطع لأن حصول التجارة بالتراضى ليس من جنس أكل مال النس بالباطل، بقى أن الأكل بالباطل منهى عنه، والتجارة بتراض مباحة، والأكل بالهبة والإهداء، والإرث والإرش والدية والقرض والوصية والصداق، وإجابة الدعوة ونحو ذلك غير مذكور فى الآية، والجواب: أنها حلال من الآيات الأخر. والأحاديث كما لا يخفى، كما أن التجارة حلال، لكن خصت التجارة بالذكر لأنها أغلب وأكثر مما ذكر، على أنها تكون بين كل ملتين ولأنها أوفق بذوى المروءة، فإنهم قد يستحيون من الاستقراض، ولا يسألون وليس الإرث والصدقة والهدية باختيارهم، ويجوز أن يراد بالتجارة مطلق انتقال المال، وقبضه من انتقل إليه إياه استعمالا للمقيد، وهو التجارة، لأن لفظها موضوع للانتقال، بعوض فى المعنى المطلق، وهو انتقال المال، سواء كان بعوض أم بدونه، ويجوز أن يراد محذوف أى: إلا أن تكون تجارة عن تراض، أو نحوها من مباح، فحذف العطف، وقيل: المراد لا تصرفوا أموالكم بينكم فيما لا يرضى الله، وبالتجارة صرفه فيما يرضى الله به من أنواع العبادات، وتجارة فاعل تكون ولا خير للكون هنا، وعن تراض: متعلق بمحذوف نعت لتجارة، أى صادرة عن تراض، وقرأ الكسائى وحمزة وغيرهما من الكوفيين بنصب تجارة على أنه خبر ليكون، واسم تكون مستتر يعود إلى التجارة المدلول عليها بالمقام، أى إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض، أو جهة الأكل المدلول عليها، كذلك أى إلا أن تكون جهة الأكل تجارة، وعلامة الجر فى تراض الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة بالتقاء الساكنين، أحدهما الياء والآخر التنوين، وأصل تلك الياء واو قبلها ضمة، قلبت الضمة كسرة، والواو ياءاً، لكونها فى آخر اسم معرب، عربى قبلها ضمة لازمة، والمراد تراضى المتبايعين المخاطبين، بقوله تعالى، مقكم والآية دلت على أن التجارة تمت برضى المتبايعين حتى أنهما لا خيار لأحدهما ولو لم يفترقا من المجلس فى الافتراق بالصفقة، كما هو مذهبنا الحق، وبسطه فى الفروع وشرح الحديث. {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ}: أى يقتل بعضكم بعضاً، وقال {أَنْفُسَكُمْ} لأن المؤمنين كجسد واحد، فمن قتل أخاه، كمن قتل نفسه، هذا قول الجمهور، قال الحسن: لا تقتلوا إخوانكم فالآية من الاستعارة إذ شبه نفس أخيك بنفسك تشبيهاً بليغاً حتى أنه سماه نفسك، أو من حذف الإضافة، أى ولا يقتل بعضكم أنفس بعض، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلا لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"تفسير : وقيل المراد نهى الإنسان أن يقتل نفسه بالموسى أو السيف أو غير ذلك من السلاح وغيره أو بالتردى من عال أو بترك الأكل أو الشرب أو اللباس أو أكل ما يقتل، أو شرب ما يقتل، كالسم أو باستعمال ماء شديد البرودة، أو باستعمال ماء مع المرض، أو غير ذلك، ومن ذلك أن يفعل ما يقتل به مثل الزنى من المحصن، وقتل النفس التى يقتل بها، وقد يموت الإنسان بالجلد أو القطع، وقد فسر بعضهم الآية بفعل ما يقتل به الفاعل، والتعميم أولى. قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فى يده يتوحى بها فى بطنه خالداً مخلداً فيها أبداً"تفسير : وكذا قصة الصحابى المشهور الذى اشتد قتاله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه فى النار فتعجبوا من ذلك، فاتبعه رجل حيث رجل مشى حتى أصيب بجرح، جزع منه فأدخل سيفه فى بطنه، فجاء الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى، وقال: صدقت يا رسول الله. وعن أبى ذر الغفارى حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله تبارك وتعالى: "بادرنى عبدى بنفسه، وحرمت عليه الجنة"تفسير : وفى رواية: حديث : كان فى من قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقى الدم حتى مات فقال الله تعالى "بادرنى عبدى بنفسه، حرمت عليه الجنة"تفسير : أى فعل فعل المبادر، وإلا فلا موت إلا بالله للأجل الذى قدر الله تعالى، ومن ذلك ما يفعله جهلة الهند من حبس النفس أياماً كثيرة على قصد الرياضة ومخالفة الهوى، بحيث يؤدى ذلك إلى هلاكهم بلا فائدة، ومن ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه قال: حديث : احتلمت فى ليلة باردة وأنا فى غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابى الصبح وذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال لى: "يا عمر وصليت بأصحابك وأنت جنب"، فأخبرته بالذى منعنى من الإغتسال، فقلت: إنى سمعت الله يقول {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاًتفسير : ، فهذا تقرير منه صلى الله عليه وسلم لعمرو على ذلك، لأنه أنكره فأخبره بالسبب، وفسر الآية على ذلك ولم ينكر عليه، وقيل: ليس المراد بالقتل، القتل الحسى، بل الإهلاك الأخروى بالمعصية، كأكل المال بالباطل لا بتجارة عن تراض، وكالزنى والتزوج الحرام، وقرأ على بضم التاء وفتح القاف وتشديد التاء مكسورة. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}: يا أمة محمد فما أمركم به أو نهاكم عنه ومن ذلك أنه أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم توبةً، ونهاكم عن قتل أنفسكم. ولفظ الشيخ هود أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث رجلا فى سرية فأصابه كلم فأصابته جنابة، فصلى ولم يغتسل، فعاب ذلك أصحابه، فلما قدم على النبى صلى الله عليه وسلم ذكر له ذلك، فبعث إليه فجاءه فأخبره فأنزل الله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما}.

الالوسي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، وفيه إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور، والمراد من الأكل سائر التصرفات، وعبر به لأنه معظم المنافع، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم ـ قاله السدي ـ وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابنُ جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور [61] {أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} تفسير : الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل، وقد أخرج ابن أبـي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، و {بَيْنَكُمْ} نصب على الظرفية، أو الحالية من (أموالكم) {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} استثناء منقطع، ونقل أبو البقاء القول بالاتصال وضعفه، و {عَنْ} متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة، و {مّنكُمْ} صفة {تَرَاضٍ} أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة {عَن تَرَاضٍ} كائن {مّنكُمْ} أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والنصب قراءة أهل الكوفة، وقرأ الباقون بالرفع على أن ـ كان ـ تامة. وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعاً وأوفق لذوي المروءات، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي تفسير : . وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو إرثاً أو هبة أو غير ذلك من / استعمال الخاص وإرادة العام، وقيل: المقصود بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد، وقيل: التراضي التخيير بعد البيع، أخرج عبد بن حميد عن أبـي زرعة أنه باع فرساً له فقال لصاحبه: اختر فخيره ثلاثاً، ثم قال له: خيرني فخيره ثلاثاً، ثم قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: هذا البيع عن تراض. {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضاً، وعبر عن البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر، وقد ورد في الحديث «حديث : المؤمنون كالنفس الواحدة»تفسير : وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي والجبائي؛ وقيل: المعنى لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العقاب، وقيل: المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر، وحكي ذلك عن البلخي. وقيل: المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه، وروي ذلك عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقيل: المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم، وبه استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب، وقيل: المعنى لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود حديث : عن عمرو بن العاص قال: «لما بعثني النبـي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابـي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} الآية فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً»تفسير : ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ} بالتشديد والتكثير، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها، والملائمة بين النهيين على قول مالك أتم، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تعليل للنهي، والمعنى أنه تعالى لم يزل مبالغاً في الرحمة، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك..

ابن عاشور

تفسير : استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة. وعلامة الاستئناف افتتاحه بــــ {يا أيّها الذين آمنوا}، ومناسبته لما قبله أنّ أحكام المواريث والنكاح اشتملت على أوامر بإيتاء ذي الحقّ في المال حقّه، كقوله: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] وقوله: {أية : فآتوهن أجورهن فريضة}تفسير : [النساء: 24] وقوله: {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً}تفسير : [النساء: 4] الآية، فانتقل من ذلك إلى تشريع عامّ في الأموال والأنفس. وقد تقدّم أنّ الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعاً تامّا، لا يعود معه إلى الغير، فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها بنية عدم إرجاعها لأربابها، وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم، وهو مجاز صار كالحقيقة. وقد يطلق على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى: {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً}تفسير : [النساء: 4] وقوله: {أية : ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}تفسير : [النساء: 6]، ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد {بالباطل} ونحوه. والضمير المرفوع بــــ (تأكلوا)، والضمير المضاف إليه أموال: راجعان إلى {الذين آمنوا}، وظاهر أنّ المرء لا يُنهى عن أكل مال نفسه، ولا يسمّى انتفاعه بماله أكلاً، فالمعنى: لا يأكل بعضهم مال بعض. والباطل ضدّ الحق، وهو ما لم يشرعه الله ولا كان عن إذن ربّه، والباء فيه للملابسة. والاستثناء في قوله: {إلا أن تكون تجارة} منقطع، لأنّ التجارة ليست من أكل الأموال بالباطل، فالمعنى: لكنْ كونُ التجارة غيرُ منهي عنه. وموقع المنقطع هنا بَيِّن جار على الطريقة العربية، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمولُ الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيدُ الاستدراكُ حصراً، ولذلك فهو مقتضى الحال. ويجوز أن يجعل قيد {الباطل} في حالة الاستثناء مُلغى، فيكون استثناء من أكل الأموال ويكون متّصلاً، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة أكل الأموال في التجارة، وليس كذلك، وأياماً كان الاستثناء فتخصيص التجارة بالاستدراك أو بالاستثناء لأنّها أشدُّ أنواع أكل الأموال شَبَها بالباطل، إذ التبرّعات كلّها أكل أموال عن طيب نفس، والمعاوضات غير التجارات كذلك لأنّ أخذ كلا المتعاوِضين عوضاً عمّا بذَله للآخر مساوياً لقيمته في نظره يُطيَّب نفسَه. وأمّا التجارة فلأجْل ما فيها من أخذ المتصدّي للتجر ما لا زائداً على قيمة ما بذله للمشتري قد تُشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصّت بالاستدراك أو الاستثناء. وحكمة إباحة أكل المال الزائد فيها أنّ عليها مدار رواج السلع الحاجية والتحسينية، ولولا تصدّي التجّار وجلبُهم السلعَ لما وَجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج. ويشير إلى هذا ما في «الموطأ» عن عمر بن الخطاب أنّه قال: في احتكار الطعام «ولكنْ أيُّما جالب جلب على عَمُود كَبِدِه في الشتاء والصيف فذلك ضيفُ عُمَر فليبع كيف شاء ويمسك كيف شاء». وقرأ الجمهور: {إلا أن تكون تجارة} ــــ برفع تجارة ــــ على أنّه فاعل لكانَ مِن كان التامّة، أي تَقَعَ. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلَف ــــ بنصب تجارة ــــ على أنّه خبر كان الناقصة، وتقدير اسمها: إلاّ أن تكون الأموال تجارة، أي أموال تجارة. وقوله: {عن تراض منكم} صفة لــــ (تجارة)، و(عن) فيه للمجاوزة، أي صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدلّ عليه من لفظ أو عرف. وفي الآية ما يصلح أن يكون مستنداً لقول مالك من نفي خِيار المجلس: لأنّ الله جعل مناط الانعقاد هو التراضي، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول. وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يحلّ مالُ امرىء مسلم إلاّ عن طيب نَفس»تفسير : . وفي خطبة حجّة الوداع «حديث : إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام»تفسير : . وتقديم النهي عن أكل الأموال على النهي عن قتل الأنفس، مع أنّ الثاني أخطر، إمّا لأنّ مناسبة ما قبله أفْضت إلى النهي عن أكل الأموال فاستحقّ التقديم لذلك، وإمّا لأنّ المخاطبين كانوا قريبي عهد بالجاهلية، وكان أكل الأموال أسهل عليهم، وهم أشدّ استخفافاً به منهم بقتلِ الأنفس، لأنّه كان يقع في مواقع الضعف حيث لا يَدفع صاحبه عن نفسه كاليتيم والمرأةِ والزوجة. فآكِل أموال هؤلاء في مأمَن من التبِعات بخلاف قتل النفس، فإنّ تبعاته لا يسلم منها أحد، وإن بلغ من الشجاعة والعزّة في قومه كلّ مبلغ، ولا أمنع من كُلَيْب وائل، لأنّ القبائل ما كانت تهدر دماء قتلاها. قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} نهي عن أن يقتل الرجل غيرَه، فالضميرانِ فيه على التوزيع، إذ قد عُلم أنّ أحداً لا يقتل نفسَه فيُنهى عن ذلك، وقَتْل الرجل نفسه داخل في النهي، لأنّ الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله، أمّا أن يكون المراد هنا خصوص النهي عن قتل المرء نفسَه فلا. وأمّا ما في «مسند أبي داود»: أنّ عَمرو بن العاص رضي الله عنه تيمّم في يوم شديد البَرْد ولم يغتسل، وذلك في غزوة ذات السلاسل وصلّى بالناس، وبلَغ ذلك رسولَ الله، فسأله وقال: يا رسول الله إنّ الله يقولُ: {ولا تقتلوا أنفسكم}، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فذلك من الاحتجاج بعموم ضمير (تقتلوا) دون خصوص السبب. وقوله: {ومن يفعل ذلك} أي المذكورَ: من أكل المال بالباطل والقتل. وقيل: الإشارة إلى مَا ذكر من قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}تفسير : [النساء: 19] لأنّ ذلك كلّه لم يرد بعده وعيد، وورد وعيد قبله، قاله الطبري. وإنّما قيّده بالعدوان والظلم ليخرج أكل المال بوجه الحقّ، وقتلُ النفس كذلك، كقتل القاتل، وفي الحديث: «حديث : فإذا قالوها عصَمُوا منّي دماءَهم وأموالَهم إلاّ بحقِّها»تفسير : . والعدوان ــــ بضَمّ العين ــــ مصدر بوزن كفران، ويقال ــــ بكسر العين ــــ وهو التسلّط بشدّة، فقد يكون بظلم غالباً، ويكون بحقّ، قال تعالى: {أية : فلا عدوان إلا على الظالمين}تفسير : [البقرة: 193] وعطف قوله: {وظلماً} على {عدواناً} من عطف الخاصّ على العامّ. و(سوف) حرف يدخل على المضارع فيمحّضه للزمن المستقبل، وهو مرادف للسين على الأصحّ، وقال بعض النحاة: (سوف) تدل على مستقبل بعيد وسمّاه: التسويف، وليس في الاستعمال ما يشهد لهذا، وقد تقدّم عند قوله: {أية : وسيصلون سعيراً} تفسير : في هذه السورة [النساء: 10]. و(نُصليه) نجعلُه صاليا أو محترقا، وقد مضى فعل صَلِي أيضاً، ووجهُ نصب (نارا) هنالك، والآية دلّت على كُلِّيَتَيْن من كليّات الشريعة: وهما حفظ الأموال، وحفظ الأنفس، من قسم المناسب الضروري.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 29- يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير الحق. ولكن تجوز لكم التجارة بالتراضى منكم، ولا تهلكوا أنفسكم بمخالفة أوامر ربكم، ولا يجنى أحدكم على أخيه فإنما هى نفس واحدة، إن الله دائم الرحمة بكم. 30- ومن يُقْدِمُ على فعل ما حرَّم الله اعتداءً وتجاوزاً لحقِّه فسوف ندخله ناراً يحترق فيها، وكان ذلك على الله هيِّناً ميسوراً. 31- إن تبتعدوا عن الذنوب العظيمة التى ينهاكم الله عنها نمنع عنكم ما دونها من السيئات والصغائر ما دمتم باذلين جهدكم فى الاستقامة، وننزلكم فى الدنيا والآخرة منزلاً فيه إحسان لكم وتكريم. 32- ولا يتطلع الرجال إلى ما مَيَّز الله به النساء، ولا النساء إلى ما ميز الله به الرجال، فإن لكل فريق حظاً ملائماً لما طبع عليه من العمل وما أضيف إليه من الحقوق، فليتجه كل إلى رجاء الاستزادة من فضل الله بتنمية مواهبه والاستعانة على ما نيط به. إن الله كان عالماً أتم العلم بكل شئ، وقد أعطى كل نوع ما يصلح له. 33- ولكلٍّ من الرجال والنساء جعلنا مستحقين لتركتهم يكونون خلفاء لهم، وهم الوالدان والأقربون والذين عقد المتوفى لهم عقداً مقتضاه أن يرثوه إذا مات من غير قرابة، وينصروه إذا احتاج إلى نصرتهم فى مقابل ذلك، فآتوا كل ذى حق حقه ولا تنقصوه شيئاً، إن الله كان رقيباً على كل شئ، حاضراً معكم، يشهد ما تتصرفون به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا الله والرسول. بالباطل: بغير حق يبيح أكلها. تجارة: بيعاً وشراءً فيحل لصاحب البضاعة أن يأخذ النقود ويحل لصاحب النقود أخذ البضاعة، إذاً لا باطل. تقتلوا أنفسكم: أي تزهقوا أرواح بعضكم بعضاً. عدواناً وظلماً: اعتداء يكون فيه ظالماً. نصليه ناراً: ندخله نار جهنم يحترق فيها. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان ما يحل وما يحرم من الأموال والأعراض والأنفس ففي هذه الآية [29] ينادي الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الإِيمان فيقول: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل بالسرقة أو الغش أو القمار أو الربا وما إلى ذلك من وجوه التحريم العديدة فيقول: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ}، أي بغير عوض مباح، أو طيب نفس، ثم يستثنى ما كان حاصلا عن تجارة قائمة على مبدأ التراضي بين البيعين لحديث "حديث : إنما البيع عن تراض" تفسير : و "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" تفسير : فقال تعالى: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} فلا بأس بأكله فإنه حلال لكم. هذا ما تضمنته هذه الآية كما قد تضمنت حرمة قتل المؤمنين لبعضهم بعضاً فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} والنهي شامل لقتل الإِنسان نفسه وقتله أخاه المسلم لأن المسلمين كجسم واحد فالذي يقتل مسلماً منهم كأنما قتل نفسه. وعلل تعالى هذا التحريم لنا فقال إن الله كان بكم رحيماً، فلذا حرَّم عليكم قتل بعضكم بعضاً. هذا ما تضمنته الآية الأولى [29] أما الآية الثانية [30] فقد تضمنت وعيداً شديداً بالإِصلاء بالنار والإِحراق فيها كل من يقتل مؤمناً عدواناً وظلماً أي بالعمد والإِصرار والظلم المحض، فقال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي القتل {عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ} أي الإِصلاء والإحراق في النار {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} لكمال قدرته تعالى فالمتوعد بهذا العذاب إذا لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه بحال من الأحوال. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا. 2- إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل. 3- تقرير مبدأ "إنما البيع عن تراض، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا". 4- حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين لأنهم أمة واحدة. 5- الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإِصلاء بالنار. 6- إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده أو ابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد.

القطان

تفسير : اعتنى القرآن الكريم بالمال، والمحافظة عليه، والحث على تحصيله بطرق مشروعة، في كثير من الآيات. وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم، ثم حذّرت من اعطاء السفهاء أموالهم. وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها، وذلك لأن الأموال عنصر لا بد منه في الحياة، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها، من علمٍ، وصحة، واتساع عمران، لا سبيل للحصول عليها الا بالمال. ولا ريب ان الأموال هنا تشمل أموال الافراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ} بمعنى انه يحرم على الافراد ان يأكل بعضهم مال بعض بالباطل. ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو وضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية. لذلك يجب ان نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الافراد. يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق، وقال (أموالكم) فأضافها الى جميع الأمة ـ تنبيهاً الى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا. فاذا استباح أحدهم ان يأكل مال الآخر بالباطل: كالربا والقمار، والرشوة والسرقة، والغش والتسول، وغير ذلك فقد اباح لغيره ان يأكل ماله. لقد اباح الله لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال. ثم لما كان المال شقيق الروح، فقد نُهينا عن اتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}. وهذه اشارة بليغة جداً تُبيّن انه: لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل ان يغرس الحقد في القلوب، وكثيرا ما يؤدي ذلك الى القتل والشر ـ فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم. ولا ريب في ان من سلب مال انسان إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل أنفسكم فتهلكون. اما من يُقدم على فعل ما حرم الله ونها عنه، اعتداءً وتجاوزاً لحقه، فسوف يكون جزاؤه يوم القيامة ناراً حامية وعذابا أليما. وعقابه هذا أمرٌ يسير على الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَمْوَالَكُمْ} {بِٱلْبَاطِلِ} {تِجَارَةً} (29) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى النَّاسَ عَنْ أنْ يَأكُلَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالبَاطِلِ، أيْ أنْ يَأخُذَهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعيٍّ: كَالقِمَارِ وَالرِّبَا وَالحِيَلِ وَغَيْرِها.. وَإنْ ظَهَرَتْ فِي قَالَبِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، مِمّا يَعْلَمُ اللهُ أنَّ مَتَعَاطِيَهَا إنَّمَا يُرِيدُ الحِيلَةَ لأكْلِ الرِّبا. فَاللهُ تَعَالَى يُحَرِّمُ عَلى النَّاسِ تَعَاطِيَ الأسْبَابِ المُحَرَّمَةِ فِي اكْتِسَابِ الأَمْوَالِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ المُتَاجَرَةَ المَشْرُوعَةَ التِي تَتِمُّ عَنْ تَرَاضٍ بَينَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي، فَسَمَحَ اللهُ لِلمُؤْمِنِينَ بِتَعَاطِيهَا، وَالتَّسَبُّبِ فِي كَسْبِ الأَمْوَالِ بِهَا. وَيَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ بِارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ، وَأكْلِ الأمْوَالِ بِالبَاطِلِ، فَإِنَّ اللهَ كَانَ رَحِيماً بِهِمْ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، لأنّ فِيهِ صَلاَحَهُمْ. وَهذِهِ الآيَةُ تَشْمَلُ أيْضاً مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ قَتْلاً حَقِيقِيّاً وَأعْدَمَها الحَيَاةَ بِحَديدٍ أَوْ بِسُمٍّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ قَتَلَ غَيْرَهُ. وَجَعَلَ اللهُ جِنَايَةَ الإِنسَانِ عَلى غَيْرِهِ جِنَايَةً عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى البَشَرِيَّةِ جَمَعَاءَ. أكَلُ المَالِ بِالبَاطِلِ - أخْذُهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة. وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلاّ رددته ورددت معه درهماً، ثم قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل. قرأ أهل الكوفة: (تجارة) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلاّ أن تكون الأموال تجارة. كقول الشاعر: شعر : إذا كان طاعناً بينهم وعناقاً تفسير : ومن رفع فعلى معنى إلاّ أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر: شعر : فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب تفسير : ثم وصف التجارة فقال: {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} يرضى كل واحد منهما بما في يديه. قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلماً ". تفسير : وروى حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ". تفسير : وابتاع عمر بن جرير فرساً ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضاً. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}. عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: حديث : لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟". قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً . تفسير : وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة مل كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة ". تفسير : سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم. حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقاً بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ منادياً ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فوالله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ} الآية ثم انساب في الناس فذهب. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} الذي ذكرت من المحرمات {عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ} ندخله في الآخرة ناراً {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} هيّناً {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية. اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيراً للصغائر. فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: حديث : يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك" قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك" تفسير : هذا الحديث من قول الله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] الآية. صالح بن حيان عن أبي بُريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري ". تفسير : الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرّم الله، وقول الزور أو قال شهادة الزور ". تفسير : سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أُمّه فيسب أُمّه. أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمداً، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، وإستحلال الميتة قبلكم أحياءً وأمواتاً. وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك. وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أُمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (عليه السلام)، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل. عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بداراً أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والإنقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع ". تفسير : سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلاّ أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين. السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية. وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة. سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذباً بقدر. علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة. الحسن: الموجبات للحدود. الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّاً في الدنيا وعذاباً في الآخرة. الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيراً أو عظيماً، نحو قوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]، {أية : إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 31]، {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]، {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]، {أية : إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 53]. مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشيّنة. وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة. سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أُمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي ". تفسير : المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ". تفسير : وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعاً وسمعاً. وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة. وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته. وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعّدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر. وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]. فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عددالكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [المائدة: 72]. الثاني: الأياس من روح الله لقوله: {أية : وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 87] الآية. والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: {أية : وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} تفسير : [الحجر: 56]. والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 99]. والخامس: عقوق الوالدين لقوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23]. والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] الآية. والسابع: قذف المحصنة لقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ} تفسير : [النور: 23] الآية. والثامن: الفرار من الزحف لقوله: {أية : يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} تفسير : [الأنفال: 15] الآية. التاسع: أكل الربا لقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 275] الآية. والعاشر: السحر لقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} تفسير : [البقرة: 102]. والحادي عشر: الزنا: {أية : وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68]. والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [آل عمران: 77] الآيتين. والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} تفسير : [التوبة: 34] الآيتين. والرابع عشر: الغلول لقوله: {أية : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [آل عمران: 161]. والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: {أية : وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ} تفسير : [البقرة: 283] الآية. والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: {أية : وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ} تفسير : [المائدة: 90]. والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} تفسير : [المائدة: 90] الآية. والثامن عشر: ترك الصلاة متعمداً لقوله: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ} تفسير : [البقرة: 238] الآية. والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} [النساء: 1] وقوله: {أية : وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [محمد: 22]. والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} تفسير : [البقرة: 182] الآية. والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] الآية. والثاني والعشرون: التغرب بعد الهجرة لقوله: {أية : وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} تفسير : [آل عمران: 144]. والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: {أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 2]، وقوله: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} تفسير : [الحج: 25]. والرابع والعشرون: الإرتداد لقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} تفسير : [محمد: 25] الآية. والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} تفسير : [الرعد: 25]. فذلك قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كبائر} . وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر ". تفسير : {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} وهي الجنة. وقرأ عاصم وأهل المدينة: (مدخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الأدخال. وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: "والذي نفسي بيده" ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزناً ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلاّ فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق" تفسير : ثم تلا {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية. {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} الآية. يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعاً، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] الآية، وقوله: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [النحل: 97]. وقيل: لمّا جعل الله للذكر مثل حظ الأُنثيين في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزوا ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، قال الرجال: إنا لنرجوا أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجوا أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} من الثواب والعقاب {وَلِلنِّسَآءِ} كذلك، قاله قتادة، وقال أيضاً: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشراً. وقال ابن عباس: للرجال نصيب ممّا اكتسبوا من الميراث، وللنساء نصيب منه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، والإكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد. قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: {أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} تفسير : [القصص: 79] إلى أن قال {أية : وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ} تفسير : [القصص: 82] حين خسف بداره وأمواله يقولون: {أية : لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} تفسير : [القصص: 82]. وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]. قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وَسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين. الباقون: بالهمزة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يُسأل وأن من أفضل العبادة إنتظار الفرج ". تفسير : أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه ". تفسير : هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم يُيسّره الله لم يتيسّر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلاّ ليعطي. {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه {مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: {ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ} في محل الرفع بالإبتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة: عقدت خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم {أَيْمَانُكُمْ} وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان. قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمُك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75]. وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم ". تفسير : ولقوله(عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: "حديث : ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلاّ شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام ". تفسير : وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه"تفسير : ، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُمروا في الإسلام (أن) يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثاً ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيباً في الوصية، فذلك قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} وقال أبو روق: نزل قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} الآية في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافراً، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئاً من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أُمر أن يؤتى نصيبه من المال. {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} الآية قال مقاتل: حديث : نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لتقتصَّ من زوجها"، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ليرجعوا، هذا جبرئيل"، وأُنزلت هذه الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "أردنا أمراً وأراد الله أمراً، فالذي أراد الله خير"، ورُفع القصاص . تفسير : وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أُبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} أي مسلّطون على تأديب النساء {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلاّ التي يقتلها فيُقتل بها، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلاّ في النفس والجرح. والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} تفسير : [البقرة: 282]، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41]، وقال للنساء: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 33]، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.........] عن بعض أشياخه رفعه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج ". فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: "وإن كان لها مال، الرجال قوّامون على النساء" . تفسير : سعيد (عن أبي سعيد المقبري) عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا صلى الله عليه وسلم {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} " . تفسير : {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} مطيعات {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: "احفظ الله يحفظك"، و {مَآ} على القراءتين [مصدريّة]، كقوله: {أية : بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} تفسير : [يس: 27]، أي يغفر لي ربّي. {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن، وأصله من الحركة {فَعِظُوهُنَّ}، فإنْ نزعن عن ذلك وإلاّ {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ}، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلاّ {وَٱضْرِبُوهُنَّ} ضرباً غير مبرح ولا شائن. ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أية : علّق السوط حيث يراه أهل البيت"تفسير : . هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي خلافاً بين الزوجين، {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} يتوسطون، {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} يعني الزوجين وقيل: الحكمين، {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} بالصلاح والإلفة، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}. وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة علياً (عليه السلام)، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليٌّ: "ما شأن هذين؟". قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليٌّ: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} . قال: فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فقال عليٌ للحكمين: "هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إنْ رأيتما أن يُجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يُفرّقا فرقتما"، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليٌ: "كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به". {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود. {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} برّاً بهما وعطفاً عليهما. وقرأ ابن جني: (إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: "حديث : إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه ". تفسير : {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}: قرأ العامة بالخفض عطفاً على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: {وَٱلْجَارِ} وما يليه نصباً. و {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} ذو القرابة {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (والجار الجنب) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جَنْب وجُنُب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريباً، وجمعها أجانب، وقال الاّعشى: شعر : أتيت حريثاً زائراً عن جنابة فكان حريث في عطائي جامدا تفسير : أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلاناً، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبُعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الجار الجُنب هو الكافر، {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق ". تفسير : وقال بعضهم: الجار الجُنب هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريج: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لاستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يُرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره ". تفسير : عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن". قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: "إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عُدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عُدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعلُ عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه، ولا تؤذه بقتار قِدرك إلاّ أن يُغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهدِ له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده ". تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد؛ فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركاً ". تفسير : أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ ". تفسير : {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني المماليك، عن أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى أبي ذّر غلاماً، فقال: "حديث : يا أبا ذّر أطعمه مما تأكل واكسُه مما تلبس"، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراحَ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما شأن ثوبك هذا؟"، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أُطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلاّ هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أُشير عليك بأن تعتقه"، ثم قال رسول الله: "ما فعل فتاك؟ " قال: ليس لي فتًى فقد أعتقته، قال: "آجرك الله يا أبا ذّر ". تفسير : الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه ". تفسير : وعن عليِّ (رضي الله عنه) قال: "كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم". {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت خلقه إلى أن يؤمنوا به يلفتهم إلى الكون، ويلفتهم إلى ما خلق الله من ظواهر ليتأكدوا أن هذه الظواهر لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن قادر عليم حكيم، فإذا ما انتهوا إلى الإيمان به استقبلوا التكليف الذي يتمثل في افعل كذا ولا تفعل كذا، فحين يخاطبهم بالتكليف يجعل لأمر التكليف مقدمة هي أنك ألزمت نفسك في أن تدخل إلى هذا التكليف، ولم يرغمك الله على أن تكون مكلفاً، وإنما أنت دخلت إلى الإيمان بالله باختيارك وطواعيتك، وما دمت قد دخلت على الإيمان باختيارك وطواعيتك فاجعل إيمانك بالله حيثية كل حكم يحكم به الله عليك، من افعل كذا ولا تفعل كذا، ولا تقل: لماذا أفعل كذا يا رب، ولماذا لا أفعل كذا يا رب؟ بل يكفي أن تقول: الذي آمنت به إلهاً حكيماً قادراً هو سبحانه مأمون على أن يأمرني وأن ينهاني. ولذلك يجيء الحق دائماً قبل آيات التكليف بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النساء: 29] فهو لم يكلف مطلق الناس، وإنما كلف مَنْ آمن به. إذن فحين يكلف من آمن به لا يكون قد اشتط وجار عليه لأنه قد آمن به بمحض اختياره. وإذا لفتَّ إنسانا ونبهته وأمرته بأمر تكليفي مثل صَلِّ، أو امتنع عن فعل المنكر فقال لك: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256] هنا يجب أن تقول له: أنت لم تفهم معنى قول الحق: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256] فأصل التدين والإيمان بالله ألاّ يكرهك أحد عليه، بل ادخل إلى الإيمان بالله باختيارك، لكن إذا دخلت إلى الإيمان بالله فالتزم بالسماع من الله في "افعل" و "لا تفعل" فحين يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النساء: 29] فهو يعطينا حيثيات التكليف، أي علة الحكم. فعلّة الحكم أنك آمنت بالله آلهاً حكيماً قادراً. وما دمت آمنت بالله إلهاً حكيماً قادراً فسلم زمام الأوامر والنواهي له سبحانه، فإن وقفت في أمر بشيء أو نهي عن شيء فراجع إيمانك بالله. إذن فقوله: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256] أي أنك حر على أن تدخل في الإيمان بالله أو لا تدخل، لكن إذا ما دخلت فإياك أن تكسر حكماً من أحكام الله الذي آمنت به، وإن كسرت حكماً من أحكام الله تدخل معنا في إشكال ارتكاب السيئات أو الذنوب. والأحكام التي سبقت للذين آمنوا هي أحكام تعلقت بالأعراض وبإنشاء الأسرة على نظام طاهر نقي كي يأتي التكاثر تكاثراً نقياً طاهراً، وتكلمت الآيات عن المحرمات من النساء وكذلك المحللات؛ وها هو ذا سبحانه يتكلم عن المال، وهو الذي يقيم الحياة، والمال كما نعرف ثمرة الجهد والمشقة، وكل ما يتمول يعتبر مالاً، إلا أن المال ينقسم قسمين: مال يمكن أن تنتفع به مباشرة، فهناك مَنْ يملك الطعام، وآخر يملك الشراب، وثالث يملك أثواباً، وهذا نوع من المال ينتفع به مباشرة، وهناك نوع آخر من المال، وهو "النقد" ولا ينتفع به مباشرة، بل يُنتفع به بإيجاد ما ينتفع به مباشرة. وهكذا ينقسم المال إلى رزق مباشر ورزق غير مباشر. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة الحياة، لأنه بحماية حركة الحياة يغري المتحرك بأن يتحرك ويزداد حركة. ولو لم يحم الحق حركة الحياة، وثمرة حركة الحياة فماذا يقع؟ تتعطل حركة الحياة. وإننا نلاحظ أن كل مجتمع لا يؤمن فيه على الغاية والثمرة من عمل الإنسان تقل حركة العمل فيه، ويعمل كل واحد على قدر قوته. ويقول لنفسه: لماذا أعمل؟ لأنه غير آمن. لكن إذا كان آمناً على ثمرة حركته يغريه الأمن على ماله على أن يزيد في حركة العمل، وحين تزيد حركة العمل فالمجتمع ينتفع وإن لم يقصد المتحرك. فليس ضرورياً أن يقصد الإنسان بكل حركته أن ينفع المجتمع. لا، اجعله يعمل لنفع نفسه. لقد ضربنا هذا المثل سابقاً: إنسان مثلاً عنده آلاف الجنيهات وبعد ذلك وضعها في خزانة ثم تساءل: لماذا أضعها في خزانة؟ لماذا لا أبني بها بيتاً آخر وأكري منه شقتين، فسيأتيني منه عائد؟ هل كان المجتمع في بال مثل هذا الإنسان؟ لا، إن باله مشغول بمصلحته؛ لذلك فلنجعل مصلحة كل إنسان في باله، وهنا سيستفيد المجتمع بحركته قصد أو لم يقصد. لأنه ساعة يأتي ليحفر الأساس سيعطي أناساً أجورهم؛ وساعة يأتي بالطوب يشتريه بثمن، وساعة يبني يعطي المهندس والعمال أجورهم؛ لذلك أقول: اعمل لنفسك في ضوء شرع الله، وسينتفع المجتمع قهراً عنك. ومن العجيب أنك تريد أن تنفع نفسك فيُبَيِّن لك ربنا: أنت ستنفع غيرك قبل أن تنتفع بعائد المنزل الذي بنيته، ولا تظن أن أحداً سيأخذ رزق ربنا ولن يجريه على الخلق، لا، إن المجتمع سينتفع بالرغم منك. إذن فمن حظ المجتمع أن نصون حركة الحياة. ونؤمن كل متحرك في الحياة على ماله. لكن إن كنا حاكمين يجب أن تكون أعيننا مبصرة: أيكسب من حلّ أم لا؟ فإذا كان الكسب حلالاً نشكره، أما إذا كان يكسب من حرام، فنحن نسائله، وإن عمل على غير هذا توقفت حركة الحياة، وإن توقفت حركة الحياة فهذا أمر ضار بالذين لا يقدرون على الحركة، لماذا؟ لأن الله قسم المواهب على الناس، فليس كل واحد من الناس يملك الطموح الحركي، ولا يملك كل إنسان فكراً يخطط به، فقد لا يكون في المجتمع إلا قلة تخطط، والباقون هم جوارح تنفعل للفكر المخطط، والفكر يعمل لجوارح كثيرة، فكذلك يكون هناك مفكر واحد هو الذي يضع خطة ينتفع بها الكثير من الناس. إذن فلا بد أن نرعى حركة المتحرك وننميها؛ لأن المجتمع ينتفع منها، وإن لم يقصد المتحرك إلا مصلحة نفسه، صحيح أن الذي ليس في باله إلا نفسه إنما يحبط ثواب عمله، وصحيح أن مَنْ يضع الناس في باله إنما يُعطي ثمرة عمله ويأخذ ثواباً أيضاً من الله. والحق سبحانه وتعالى يأتي في مسائل المال ويوضحها توضيحاً تامّاً ليحمي حركة الحياة ويُغري الناس بالحركة - وبذلك يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29] وساعة تجد أمراً لجماعة في جمع مأمور به فقسّم الأفراد على الأفراد. مثال ذلك: عندما نقول لجماعة: اركبوا سياراتكم أي: ليركب كل واحد منكم سيارته، والمدرس يدخل الفصل ويقول للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي أن كل تلميذ عليه أن يخرج كتابه. فمقابله الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، وقول الحق: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ ..} [النساء: 29] فهذا أمر لجمع. {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29] أيضاً جمع، فيكون معناه: لا يأكل كل واحد ماله، وكيف لا يأكل كل واحد منكم ماله؟ - يوضح الحق: {بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29]. فيكون مطلوباً من كل واحد منكم ألا يأكل ماله بالباطل. والإنسان يأكل الشيء لينتفع به. والحق يوصيك ويأمرك: إياك أن تصرف قرشاً من مالك وتضيعه إلا في حق، هذا إذا كنا سنقابل المفرد، فلا يأكل واحد منكم ماله بالباطل، بل يوجهه إلى الأمر النافع، الذي ليس فيه حرمة، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة. وإذا كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر، فسنوضحه بالمثل الآتي: لنفترض أن تلميذاً قال لمدرسه: يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع. فيقول الأستاذ للتلاميذ: لا تسرقوا أقلامكم، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول: لا يسرق كل واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه، إذن فيكون المعنى الثاني: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]، أي لا يأكل كل واحد منك مال أخيه بالباطل. وكيف يقول: {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]؟ وما دام مالهم فليس عليهم حرج؟ لا؛ لأن معناها المقصود: لا يأكل كل واحد منكم مال أخيه. ولماذا لم يقل ذلك وقال: {أَمْوَالَكُمْ ..} [النساء: 29]؟ لأن عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خُلِقت على أن تكون آكلة، وطائفة خُلِقت على أن تكون مأكولة، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلاً لمال غيره؛ ومرة أخرى يكون ماله مأكولاً. فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف يأكل غيري مالي. فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضاً، فكأنه سبحانه عندما يقول لك: لا تأكل مالك إنما ليحمي لك مالك. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعاً واحداً، ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل. وأنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك. وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترئ المجموع على مالك. وأنت ساعة تأكل مال واحد تجرِّيء آلاف الناس على أن يأكلوا مالك. وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك. {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} وكلمة "أكل" معناها: الأخذ؛ لأنّ الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة؛ لأنها الظاهرة المتكررة، فقد تسكن في بيت واحد طوال عمركن وتلبس جلباباً كل ستة أشهر، لكن أنت تتناول الأكل كل يوم، وحينما نزلت الآية قال المسلمون: نحن لا نأكل أموالنا بالباطل. وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم. وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح أن أكل التكارم ليس بالباطل - أنزل الله قوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ..} تفسير : [النور: 61]. هذه رفعت عنهم الحرج، إنما ساعة سمعوا أكل الباطل قالوا: لا آخذ حاجة من أحد إلا بمقابل. وما هو "الباطل"؟. الباطل هو أن تأخذ الشيء بغير حقه. مثال ذلك الربا، لأن معنى "ربا" أن واحداً عنده فائض وآخر يحتاج، والمحتاج ليس عنده الأصل أنطلب منه أن يرد الأصل وزيادة، ويعطي الزيادة لمَنْ عنده؟ كيف يتأتّى هذا؟ هذا هو الآخذ بالربا، أو الأخذ بالسرقة، بالاختلاس أو بالرشوة أو بالغش في السلع، كل ذلك هو أكل مال بالباطل، وساعة تريد أن تأكل مالاً بالباطل؛ كأنك تريد أن تتمتع بثمرة عمل غيرك، وأنت بذلك تتعود على التمتع بثمرة عمل غيرك، وتضمحل عندك قدرة العمل ويصير أخذك من غيرك. أخذاً لماله كَرْهاً وبغير وجه حق وبذلك تتعطل حركة متحرك في الحياة وهو ذلك العاطل "البلطجي"، ويخاف المتحرك في الحياة وهو مَنْ تُفرض عليه الإتاوة فيقل ويضعف نشاطه في الحياة، كيف يكون شكل هذا المجتمع؟ إن المجتمع في هذه الحالة سيعاني من كرب وصعوبات في الحياة. فقوله سبحانه: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..} [النساء: 29] هو أمر لكل مسلم: لا ترابِ، ولا تسرق، ولا تغش، ولا تدلس، ولا تلعب ميسراً، ولا تختلس، ولا ترتش؛ لأن كل هذه الأمور هي أكل أموال بالباطل. وعندما ندقق في مسألة لعب الميسر نجد أمراً عجيباً؛ فالذين يلعبون الميسر يدعون أنهم أصدقاء، وينتظر بعضهم بعضاً ويأكلون معاً، وكل واحد منهم يجلس أمام الآخر وهو حريص أن يأخذ ما في جيبه، فأي صداقة هذه؟ إذن فساعة يقول الحق: {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ..}، وساعة يأمرك الحق: إياك أن يصعب عليك التكليف؛ لأنه شاق عليك، ولكن قدر ما يأخذه منك التكليف من تضييق حركة تصرفك، وما يعطيك التكليف من تضييق حركة الآخرين، الحق قال لك: لا تأخذ مال غيرك لكي لا يأخذ غيرك مالك، وبذلك تكسب أنت ويكسب كل المجتمع، فحين يصدر أمر لإنسان أن يكف يده عن السرقة فهو أمر للناس جميعاً كي يكفوا عن سرقة هذا الإنسان؛ لذلك فحين تستقبل أي حكم عن الله لا تنظر إلى ما أخذه الحكم من حريتك، ولكن انظر إلى ما أخذه الحكم لصالحك من حرية الآخرين. ومثال ذلك: حين يوضح الحق وينهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية فإياك أن تمد عينك إلى محارم غيرك، هو أمر لا يخصك وحدك، ولكنه أمر لملايين الناس ألا يمدوا عيونهم إلى محارمك، وعندما توازن الأمر فأنت الذي تكون أكثر كسباً. إنني لذلك أقول دائماً: لا تنظر إلى ما في التكليف من مشقة أو إلى ما أُخذ منك، ولكن انظر فيه إلى ما يعطى لك؛ فإن نظرت هذه النظرة وجدت كل تكليف من الحق هو ربح لك أنت. وإلا لو أننا أطلقنا يدك في الناس جميعاً لا بد أن تقدر أننا نطلق أيدي الناس جميعاً فيك. وأنت إذا أطلقت يدك في الناس فلن تؤثر فيهم مثلما يؤثرون فيك لو أطلقوا أيديهم فيك فيما يخصك، فمن مصلحتك ألا تطلق يدك في الناس. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ..} [النساء: 29] وكلمة {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ..} [النساء: 29] أي إلاّ في النفعية المتبادلة تبادل الأعواض، فشيء عوض شيء. وجاءت التجارة؛ لأن التجارة هي الحلقة الجامعة لأعمال الحياة؛ فالتاجر هو وسيط بين مَنْ ينتج سلعة ومَنْ يستهلكها. والسلع في حركتها إنتاج واستهلاك. والإنتاج قد يكون زراعياً أو صناعياً أو خدمياً. إذن فالتجارة جامعة لذلك كله. وكلمة {عَن تَرَاضٍ ..} [النساء: 29] تدل على أن رضا النفس البشرية في الأعواض مشروط، حتى ما أخذ بسيف الحياء يكون حراماً؛ لذلك أقوال: على كل واحد أن يغربل إيمانه، وينظر هل حياته في أعواض الأموال وأعواض التجارة وأعواض المبادلات مستوية أو غير مستوية؟ فإن لم تكن مستوية؛ فعلية أن يفكر فيها قليلاً حتى يُعطي كل ذي حق حقه. وحتى لا يدخل في دائرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ". تفسير : ويتابع الحق: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] وهنا أيضاً مقابلة جمع بجمع، ويعني: لا يقتل كل واحد منكم نفسه، وهذا ما يفعله المنتحر - ولا يقتل نفسه إلا إنسان وجد نفسه في ظرف لا يستطيع في حدود أسبابه أن يخرج منه. ونقول له: أنت نظرت لنفسك كإنسان معزول عن خالق أعلى، لكن المؤمن لا يعزل نفسه عن خالقه؛ فساعة يأتيه ظرف فوق أسبابه ولا يقوى عليه فعليه أن يفكر: وهل أنا في الكون وحدي؟ لا، إن لي ربّاً. وما دام لي رب فأنا لا أقدر وهو - سبحانه - يقدر، وهنا يطرد فكرة الانتحار؛ لأن المنتحر هو إنسان تضيق أسبابه عن مواجهة ظروفه فيقتل نفسه. وإن فائدة الإيمان أنه ساعة يأتي ظرف عليك وتنتهي أسبابك تقول: إن الله لن يخذلني وهو يرزقني من حيث لا أحتسب، ويفتح لي أبواباً ليست في بالي، وضربنا مثلاً كي نقرب المعنى، وقلنا: هب أن إنساناً يسير في الطريق ومعه "جنيه واحد" في جيبه، ثم ضاع الجنيه، وليس في بيته إلا هو؛ لذلك يحزن جداً على ذلك الجنيه. لكن مَنْ يضيع منه "جنيه" وعنده في البيت خمسة "جنيهات" فالمصيبة تكون خفيفة، كذلك مَنْ فقد أسبابه فعليه أن يخفف الأمر على نفسه فلا ييأس، فَلِمَ يقتل نفسه؟ الله يقول في الحديث القدسي: "حديث : بادَرَني عبدي بنفسه حرمت عليه جنتي ". تفسير : وهل أنت مَنْ وهبت الحياة لنفسك؟ لا، ولذلك فواهب الحياة هو الذي يأخذها، ومَنْ ينتحر لا يدخل الجنة، لأنه لم يتذكر أن له إلهاً. ولنذكر هنا موقف قوم موسى عليه السلام عندما خرجوا، وطاردهم قوم فرعون. فماذا قال قوم موسى؟ قالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61]. وهذا كلام صحيح فأمامهم البحر ومن ورائهم فرعون، وهم قد قالوا ذلك بأسبابهم وبشريتهم. لكن ماذا قال سيدنا موسى. {أية : قَالَ كَلاَّ ..} تفسير : [الشعراء: 62]. و "كلا" هذه نفي، وكيف يقول موسى: "كلا" وما رصيدها؟ إنه لم يقل: "كلا" ببشريته، ولكن قالها برصيده من الإيمان بالإله العظيم فقال: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. إذن فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] أي ولا يقتل كل واحد منكم نفسه؛ لأنك لا تقتل نفسك إلا إذا ضاقت أسبابك عن مواجهة ما تعانيه، وهذا يدل على أنك عزلت نفسك عن ربك، ولو ظللت على الإيمان بأن لك خالقاً لانفرجت عنك الكروب، وأي مسألة تأتي تقول: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. إن الإيمان يعطيك صلابة استقبال الصعاب. وقد تأخذ {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] معنى آخر أي، ولا تؤدوا بأنفسكم لأن تقتلوا، أي لا تلق بنفسك إلى التهلكة، أو {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] على أن المؤمنين هم وحدة إيمانية، أو أنّ المشرع لهذه الوحدة قال: الذي يَقْتَل يُقْتَل فإياك أن تقتل نفسك، أي لا تقتل غيرك حتى لا يصير الأمر إلى أنك تَقْتُل نفسك لأنه سيقتص منك. فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] يعني: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى القتل، ويحنن الحق الإنسان على نفسه وليس على الناس فحسب، فلا يقول لك: لا تَقْتُل حتى لا تُقْتَل، لأنه سبق أن قال: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 179]. وعندما يعرف القاتل أنه إن قَتَلَ يُقْتَل، فهو يتجنب ذلك، ونلحظ أن الحق قال في آية أخرى: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [النور: 61]. وهل أنا سأسلم على نفسي أو على الناس الداخل عليهم؟ إن الإنسان يسلم على هؤلاء الناس، وعندما تقول: "السلام عليكم"، يعني الأمان لكم. فسيقولون لك: "وعليكم السلام" فكأنك قد سلمت على نفسك. أو أن الحق قد جعل المؤمنين وحدة واحدة، ومعنى "وحدة" يعني أن ما يحدث لواحد يكون للكل. إذن فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] أي ولا يقتل واحد منكم نفسه، فتصلح {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} [النساء: 29] بمعنى: ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن ينتحر، هذه واحدة، ولا يقتل واحدٌّ منكم نفسه بأن يلقي بها إلى التهلكة، أو لا يقتل واحد منكم نفسه بأن يقتل غيره فيقتل قصاصاً، أو لا تقتلوا أنفسكم يعني: لا يقتل أحد منكم نفس غيره لأنكم وحدة إيمانية وليس واحداً بعينه هو المأمور بل الكل مأمور، فلا يقتل واحد منكم نفس غيره. ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]. وبالله، ساعة ينهاني الحق عن أن أقتل نفسي أو أقتل غيري، أليست هذه منتهى رحمة الصانع بصنعته؟ إنها منتهى الرحمة. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن ما يفسد حاله ونهاه بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ} [النساء: 29]، إشارة في الآية: من خصائص الإيمان {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ} [النساء: 29]؛ أي: في غير طلب الحق بالهوى وتتبع الشهوات واستيفاء اللذات، {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} [النساء: 29]؛ يعني: إلا أن يكون تصرفكم في أموالكم تجارة تنجيكم من عذاب الآخرة، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله {أية : بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [التوبة: 41]، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]؛ أي: بصرف أموالكم في هواها وشهواتها، فإنها سمها القاتل المهلك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]، إذ بين لكم هذه الآفات قبل أن تقعوا فيها، ودلكم على هذه التجارات لتربحوا بها السعادات. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} [النساء: 30]؛ أي: يصرف المال بالهوى، {عُدْوَاناً} [النساء: 30]؛ أي: يعدوا أمر الله تعالى، {وَظُلْماً} [النساء: 30]؛ أي: يظلم على نفسه بمتابعة الهوى، {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} [النساء: 30] القطيعة، {وَكَانَ ذٰلِكَ} [النساء: 30]؛ أي: حرمانه وقطيعته عن الله تعالى، {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [النساء: 30] لا يبالي به.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق. ثم إنه -لما حرم أكلها بالباطل- أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره. { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: { لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ } { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك بعبارة أخصر من قوله: "لا يأكل بعضكم مال بعض" و"لا يقتل بعضكم بعضًا" مع قصور هذه العبارة على مال الغير ونفس الغير فقط. مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية. ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، على الآكل، ومن أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات، وأنواع الحرف والإجارات، فقال: { إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } أي: فإنها مباحة لكم. وشرط التراضي -مع كونها تجارة- لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا لأن الربا ليس من التجارة، بل مخالف لمقصودها، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ويأتي به اختيارًا. ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوما، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يتصور الرضا مقدورًا على تسليمه، لأن غير المقدور عليه شبيه ببيع القمار، فبيع الغرر بجميع أنواعه خال من الرضا فلا ينفذ عقده. وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل، لأن الله شرط الرضا فبأي طريق حصل الرضا انعقد به العقد. ثم ختم الآية بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم وصانها ونهاكم عن انتهاكها. ثم قال: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: أكل الأموال بالباطل وقتل النفوس { عُدْوَانًا وَظُلْمًا } أي: لا جهلا ونسيانا { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } أي: عظيمة كما يفيده التنكير { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } .