٦٥ - ٱلطَّلَاق
65 - At-Talaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله: {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } الآية، ذكر الله تعالى في سورة البقرة عدة ذوات الأقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة، وروي أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض، فما عدة التي لم تحض فنزل: {وَٱللآئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } وقوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي إن أشكل عليكم حكمهن في عدة التي لا تحيض، فهذا حكمهن، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الإياس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } فلما نزل قوله تعالى: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } قام رجل فقال: يا رسول الله فما عدة الصغيرة التي لم تحض؟ فنزل: {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر، فقام آخر وقال، وما عدة الحوامل يا رسول الله؟ فنزل: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } معناه أجلهن في انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل، وهذا عام في كل حامل، وكان علي عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين، ويقول: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } تفسير : [البقرة: 234] لا يجوز أن يدخل في قوله: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ } وذلك لأن أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق، وهي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين. وأما ابن مسعود فقال: يجوز أن يكون قوله: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ } مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ } ولما كان مبتدأ يتناول العدد كلها، ومما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوماً، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، فدل على إباحة النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر، على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال. وقال الحسن: إن وضعت أحد الولدين انقضت عدتها، واحتج بقوله تعالى: {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ولم يقل: أحمالهن، لكن لا يصح، وقرىء (أحمالهن)، وقوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } أي ييسر الله عليه في أمره، ويوفقه للعمل الصالح. وقال عطاء: يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة، وقوله: {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } يعني الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم، ومن يتق الله بطاعته، ويعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ويعظم له في الآخرة أجراً، قاله ابن عباس. فإن قيل قال تعالى: {أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ولم يقل: أن يلدن، نقول: الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكانت عدتهن بوضع بعض حملهن، وليس كذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ}. فيه سبع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} لما بين أمر الطلاق والرّجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عِدّة ذوات الأقراء، عرفهم في هذه السورة عدّة التي لا ترى الدم. وقال أبو عثمان عمر بن سالم: لما نزلت عدّة النساء في سورة «البقرة» في المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال أبَّي بن كعب: يا رسول الله، إن ناساً يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء: الصغار وذوات الحمل، فنزلت: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ} الآية. وقال مقاتَل: لما ذكر قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : قال خَلاّد بن النعمان: يا رسول الله، فما عِدّة التي لم تَحِض، وعِدّة التي انقطع حَيْضُها، وعدّة الحبلى؟ فنزلت: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} يعني قَعدن عن المحيض. وقيل: إن معاذ بن جَبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست؛ فنزلت الآية. والله أعلم. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تَدري دَمَ حَيْض هو أو دم عِلة. الثانية ـ: قوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي شككتم، وقيل تَيَقَّنتم. وهو من الأضداد؛ يكون شكّاً ويقيناً كالظنّ. واختيار الطبري أن يكون المعنى: إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهنّ. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. القشيريّ: وفي هذا نظر؛ لأنّا إذا شككنا هل بلغت سِن اليأس لم نقل عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في سن اليأس في قول: أقصى عادة امرأة في العالم، وفي قولٍ: غالب نساء عشيرة المرأة. وقال مجاهد: قوله {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} للمخاطبين؛ يعني إن لم تعلموا كم عدّة اليائسة والتي لم تحض فالعِدّة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كِبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الرِّيبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض؛ تحيض في أوّل الشهر مراراً وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة. والمعنى: لا تُخرجوهن من بيُوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدّة. وهو أصح ما قيل فيه. الثالثة ـ: المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرىء نفسها من رِيبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة. وقد قيل في المرتابة التي ترفعها حيضتها وهي لا تدري ما ترفعها: إنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها؛ منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة. فإن طلقها فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع عنها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حَلّت للأزواج. وهذا قاله الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحُرّة المُتَوَفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر أربعة أشهر وعشراً، والأمةُ شهرين وخمس ليال بعد التسعة الأشهر. وروي عن الشافعي أيضاً أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات. وهو قول النَّخَعِي والثَّوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق. فإن كانت المرأة شابة وهي: المسألة الرابعة ـ: اسْتُؤْني بها هل هي حامل أم لا؛ فإن استبان حملها فإن أجَلها وَضْعه. وإن لم يَسْتَبِن فقال مالك: عِدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سَنَةٌ. وبه قال أحمد وإسحاق ورَووْه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره. وأهل العراق يَرَوْن أن عدتها ثلاثُ حِيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها، وإن مكثت عشرين سنة، إلا أن تبلغ من الكبر مبلغاً تيأس فيه من الحيض فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثةَ أشهر. قال الثعلبيّ: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء. وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه. قال الكِيا: وهو الحق؛ لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ والمرتابة ليست آيسة. الخامسة ـ: وأمّا من تأخّر حَيْضها لمرض؛ فقال مالك وابن القاسم وعبد الله بن أصْبَغ: تعتدّ تسعة أشهر ثم ثلاثة. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسَّنة. وقد طلّق حَبّان بن مُنقِذ امرأته وهي تُرْضع؛ فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ثم مرِض حَبّان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ وزيد، فقالا: نرى أن تَرِثه؛ لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار؛ فمات حَبّان فورِثته واعتدّت عِدة الوفاة. السادسة ـ: ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حَيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة؛ على ما ذكرناه. فتحِلّ ما لم تَرْتَب بحَمْل؛ فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام، أو خمسة، أو سبعة؛ على اختلاف الروايات عن علمائنا. ومشهورها خمسة أعوام؛ فإن تجاوزتها حَلَّت. وقال أشهب: لا تحلّ أبداً حتى تنقطع عنها الرِّيبة. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأنه إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة وأكثر من ذلك. وقد رُوي عن مالك مثله. السابعة ـ: وأما التي جُهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال: قال ابن المسيب: تعتدّ سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عِدّة المطلّقة وعدّة المتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة سَنةٌ. وهو مشهور قول علمائنا؛ سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها، وَميّزت ذلك أو لم تميّزه، عدّتها في ذلك كلّه عند مالك في تحصيل مذهبه سنَة؛ منها تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدّة. وقال الشافعي في أحد أقواله: عدّتها ثلاثة أشهر. وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من القرويّين. ابن العربيّ: وهو الصحيح عندي. وقال أبو عمر: المستحاضة إذا كان دمها ينفصل فعلِمت إقبال حيضتها أو إدبارها اعتدّت ثلاثة قُرُوء. وهذا أصحّ في النظر، وأثبت في القياس والأثر. قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} ـ يعني الصغيرة ـ فعدّتهن ثلاثة أشهر؛ فأضمر الخبر. وإنما كانت عدّتها بالأشهر لعدم الأقراء فيها عادة، والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات؛ فهي تعتدّ بالأشهر. فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم؛ كما أن المُسِنّة إذا اعتدّت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر. وهذا إجماع. قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيه مسألتان: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} وَضْعُ الحمل، وإن كان ظاهراً في المطلقة لأنه عليها عُطف وإليها رجع عقب الكلام؛ فإنه في المتوفَّى عنها زوجها كذلك؛ لعموم الآية وحديث سُبَيْعة. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. الثانية ـ: إذا وضعت المرأة ما وضعت من عَلَقة أو مُضْغَة حَلّت. وقال الشافعيّ وأبو حنيفة: لا تحلُّ إلا بما يكون ولدا. وقد مضى القول فيه في سورة «البقرة» وسورة «الرعد» والحمد لله. قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} قال الضحاك؛ أي من يَتّقه في طلاق السُّنة يجعل له من أمره يسراً في الرجعة. مقاتل: ومن يَتّق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يُسْراً في توفيقه للطاعة. {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي الذي ذُكر من الأحكام أمْرُ الله أنزله إليكم وبَيَّنه لكم. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} أي يعمل بطاعته. {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة. {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} أي في الآخرة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مبيناً لعدة الآيسة، وهي التي انقطع عنها المحيض لكبرها، أنها ثلاثة أشهر عوضاً عن الثلاثة قروء في حق من تحيض كما دلت على ذلك آية البقرة، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض أن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ}، وقوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} فيه قولان: [أحدهما]: وهو قول طائفة من السلف؛ كمجاهد والزهري وابن زيد، أي إن رأين دماً، وشككتم في كونه حيضاً أو استحاضة، وارتبتم فيه. [والقول الثاني]: إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر، وهذا مروي عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، واحتجّ عليه بما رواه عن أبي كريب وأبي السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا مطرف عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن عدداً من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال، قال: فأنزل الله عز وجل: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة حدثنا جرير عن مطرف عن عمر بن سالم عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن ناساً من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء، قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكرن في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع منهن الحيض، وذوات الحمل، قال: فأنزلت التي في النساء القصرى: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ}. وقوله تعالى: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} يقول تعالى: ومن كانت حاملاً فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق ناقة، في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، وكما وردت به السنة النبوية، وقد روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم: أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع والأشهر، عملاً بهذه الآية والتي في سورة البقرة. قال البخاري: حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني: أبا سلمة - فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو السنابل فيمن خطبها. هكذا أورد البخاري هذا الحديث ههنا مختصراً، وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولاً من وجوه أخر. وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسور بن مَخرمة: أن سُبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلّت من نفاسها خطبت، فأستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح، فأذن لها أن تنكح، فنكحت، ورواه البخاري في صحيحه ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج: حدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استفتته، فكتب عمر ابن عبد الله يخبره: أن سبيعة أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك: جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي، هذا لفظ مسلم. ورواه البخاري مختصراً، ثم قال البخاري بعد روايته الحديث الأول عند هذه الآية: وقال أبو سليمان بن حرب وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد، هو ابن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة قال: فضمر لي بعض أصحابه. وقال محمد: ففطنت له، فقلت له: إني لجريء أن أكذب على عبد الله، وهو في ناحية الكوفة، قال: فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئاً؟ فقال: كنّا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ فنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. ورواه ابن جرير، من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل ابن عُلية عن أيوب به مختصراً، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن ابن عون عن محمد بن سيرين فذكره. وقال ابن جرير: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شبرمة الكوفي عن إبراهيم عن علقمة بن قيس: أن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته ما نزلت: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت، يريد بآية المتوفى عنها زوجها: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} تفسير : [البقرة: 234] وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم به. ثم قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ذكر عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء، قاسمته بالله إن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر والعشر، ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: بلغ ابن مسعود: أن علياً رضي الله عنه يقول: آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته إن التي في النساء القصرى نزلت بعد البقرة: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، أنبأنا عبد الوهاب الثقفي، حدثني المثنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} المطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها زوجها؟ فقال: «حديث : هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها» تفسير : هذا حديث غريب جداً، بل منكر؛ لأن في إسناده المثنى بن الصباح، وهو متروك الحديث بمرة، ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر فقال: حدثنا محمد بن داود السِّمناني، حدثنا عمرو بن خالد، يعني: الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب: أنه لما نزلت هذه الآية، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدري أمشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : أية آية؟» تفسير : قال: {أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} المتوفى عنها والمطلقة، قال: «حديث : نعم» تفسير : وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن موسى بن داود عن ابن لهيعة به. ثم رواه عن أبي كريب أيضاً عن مالك بن إسماعيل عن ابن عيينة عن عبد الكريم بن أبي المخارق: أنه حدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال: «حديث : أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها» تفسير : عبد الكريم هذا ضعيف، ولم يدرك أبياً. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} أي يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجاً قريباً، ومخرجاً عاجلاً. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَـٰتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّٰئِى } بهمزة وياء، وبلا ياء في الموضعين {يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } بمعنى الحيض {مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } شككتم في عدّتهنّ {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱلَّٰئِى لَمْ يَحِضْنَ } لصغرهنّ فعدّتهنّ ثلاثة أشهر، والمسألتان في غير المتوفى عنهنّ أزواجهنّ، أما هنّ فعدّتهنّ ما في آية (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) {وَأُوْلَٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } انقضاء عدّتهنّ مطلقات أو متوفى عنهنّ أزواجهنّ {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } في الدنيا والآخرة.
الماوردي
تفسير : {واللائي يَئِسْنَ مِن المحيْض مِن نِسائِكُمْ إن ارْتَبْتُمْ فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أَشْهُرٍ} في الريبة ها هنا قولان: أحدهما: إن ارتبتم فيهن بالدم الذي يظهر منهن لكبرهن فلم تعرفوا أحيض هو أم استحاضة، فعدتهن ثلاثة أشهر، قاله مجاهد والزهري. الثاني: إن ارتبتم بحكم عِددهن فلم تعلموا بماذا يعتددن، فعدتهن ثلاثة أشهر. روى عمر بن سالم عن أبيّ بن كعب قال: قلت: يا رسول اللَّه إنّ ناساً من أهل المدينة لما نزلت الآيات التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكرن في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل، فأنزل اللَّه: {اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}. {واللائي لم يَحِضْنَ} يعني كذلك عدتهن ثلاثة أشهر، فجعل لكل قرء شهراً، لأنها تجمع في الأغلب حيضاً وطهراً. {وأُولاتُ الأحْمالِ أَجلُهنَّ أَن يَضَعْنَ حَملَهُنَّ} فكانت عدة الحامل وضع حملها في الطلاق والوفاة. {ومَن يتّقِ اللَّهَ يَجْعَل له مِنْ أمْرِه يُسْراً} فيه وجهان: أحدهما: من يتقه في طلاق السنة يجعل له من أمره يسراً في الرجعة، قاله الضحاك. الثاني: من يتق اللَّه في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة، وهذا معنى قول مقاتل.
ابن عطية
تفسير : {اللائي}: هو جمع ذات في ما حكى أبو عبيدة وهو ضعيف، والذي عليه الناس أنه: جمع التي، وقد يجيء جمعاً للذي، واليائسات من المحيض على مراتب، فيائسة هو أول يأسها، فهذه ترفع إلى السنة، ويبقيها الاحتياط على حكم من ليست بيائسة، لأنَّا لا ندري لعل الدم يعود، ويائسة قد انقطع عنها الدم لأنها طعنت في السن ثم طلقت، وقد مرت عادتها بانقطاع الدم، إلا أنها مما يخاف أن تحمل نادراً فهذه التي في الآية على أحد التأولين في قوله: {إن ارتبتم} وهو قول من يجعل الارتياب بأمر الحمل وهو الأظهر، ويائسة قد هرمت حتى تتيقن أنها لا تحمل، فهذه ليست في الآية، لأنها لا يرتاب بحملها، لكنها في حكم الأشهر الثلاثة إجماعاً فيما علمت، وهي في الآية على تأويل من يرى قوله: {إن ارتبتم}، معناه في حكم اليائسات، وذلك أنه روى إسماعيل بن أبي خالد أن قوماً منهم أبي بن كعب وخلاد بن النعمان لما سمعوا قول الله عز وجل: {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} تفسير : [البقرة: 228] قالوا يا رسول الله: فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر؟ فنزلت الآية، فقال قائل منهم: فما عدة الحامل؟ فنزلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، وقد تقدم ذكر الخلاف في تأويل: {إن ارتبتم}، {وأولات} جمع ذات، وأكثر أهل العلم على أن هذه الآية تعم الحوامل المطلقات والمعتدات من الوفاة والحجة حديثحديث : سبيعة الأسلمية قالت: كنت تحت سعد بن خولة فتوفي في حجة الوداع، ووضعت حملها قبل أربعة أشهر، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "قد حللت" وأمرها أن تتزوجتفسير : ، وقال ابن مسعود: نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى، يعني أن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} نزلت بعد قوله تعالى {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} تفسير : [البقرة: 234]، وقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب: إنما هذه في المطلقات، وأما في الوفاة فعدة الحامل آخر الأجلين إن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر تمادت إلى آخرها، والقول الأول أشهر، وعليه الفقهاء، وقرأ الضحاك: "أحمالهن" على الجمع، وأمر الله تعالى بإسكان المطلقات ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت. وأما المبتوتة، فمالك رحمه الله يرى لها السكنى لمكان حفظ النسب، ولا يرى لها نفقة، لأن النفقة بإزاء الاستمتاع، وهو قول الأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى وابن عبيد وابن المسيب والحسن وعطاء والشعبي وسليمان بن يسار، وقال أصحاب الرأي والثوري: لها السكنى والنفقة، وقال جماعة من العلماء: ليس لها السكنى ولا نفقة. والوجد: السعة في المال، وضم الواو وفتحها وكسرها، هي كلها بمعنى واحد، وقرأ الجمهور: "وُجدكم" بضم الواو بمعنى سعة الحال، وقرأ الأعرج فيما ذكر عصمة "وَجدكم" بفتح الواو، وذكرها أبو عمرو عن الحسن وأبي حيوة، وقرأ الفياض بن غزوان ويعقوب: بكسر الواو وذكرها المهدوي عن الأعرج وعمرو بن ميمون، وأما الحامل فلا خلاف في وجوب سكناها ونفقتها بتت أو لم تبت لأنها مبينة في الآية، واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها على قولين لعلماء الأمة، فمنعها قوم وأوجبها في التركة قوم، وكذلك النفقة على المرضع واجبة وهي الأجر مع الكسوة وسائر المؤن التي بسطها في كتب الفقه، وقوله تعالى: {وائتمروا بينكم بمعروف} أي ليأمر كل واحد صاحبه بخير، ولا شك أن من أمر بخير فهو أسرع إلى فعل ذلك الخير وليقبل كل واحد ما أمر به من المعروف، والقبول والامتثال هو الائتمار، وقال الكسائي: {ائتمروا} معناه: تشاوروا، ومنه قوله تعالى: {أية : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} تفسير : [القصص: 20]، ومنه قول امرئ القيس: شعر : ويعدو على المرء ما يأتمر تفسير : وقوله تعالى: {وإن تعاسرتم} أي تشططت المرأة في الحد الذي يكون أجرة على الرضاع، فللزوج أن يسترضع أخرى بما فيه رفقه إلا أن لا يقبل المولود غير أمه فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج في حالهما وغناهما، ثم حض تعالى أهل الجدة على الإنفاق وأهل الإقتار على التوسط بقدر حاله. وهذا هو العدل بينهم لئلا تضيع هي ولا يكلف هو ما لا يطيق. واختلف العلماء في الذي يعجز عن نفقة امرأته، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو هريرة وابن المسيب والحسن: يفرق بينهما، وقال أصحاب الرأي وعمر بن عبد العزيز وجماعة: لا يفرق بينهما، ثم رجى تعالى باليسر تسهيلاً على النفوس وتطييباً لها، وقرأ الجمهور: "يعظم" بالياء، وقرأ الأعمش: "نعظم" بالنون واختلف عنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنِ ارْتَبْتُمْ} بدمها هل هو حيض أو استحاضة أو بحكم عدتها فلم تعلموا بماذا يعتدون. قالوا قد بقي من عدد النساء عِدد لم يذكرن الصغار والكبار المنقطع حيضهن وذوات الحمل فنزلت {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ} بطلاق السنة ييسر أمره بالرجعة أو باجتناب المعصية يَسَّر أمره بالتوفيق للطاعة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} قيل لما نزلت {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} تفسير : [البقرة: 228] قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري يا رسول الله فما عدة من تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى فأنزل الله عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} يعني القواعد اللاتي قعدن عن الحيض فلا يرجى أن يحضن وهن العجائز الآيسات من الحيض {إن ارتبتم} أي شككتم في حكمهن ولم تدروا ما عدتهن {فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} يعني الصغائر اللاتي لم يحضن بعد فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر أما الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغ سن الآيسات فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة أقراء وتبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر وهذا قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن عمر أنها تتربص تسعة أشهر فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهو قول مالك وقال الحسن تتربص سنة فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهذا كله في عدة الطلاق وأما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشر سواء كانت ممن تحيض أو لا تحيض وأما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها وهو قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (ق) "عن سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال لها ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح وأنت والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حتى أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي" لفظ البخاري ولمسلم نحوه وزاد قال ابن شهاب ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنها لا يقربها زوجها حتى تطهر {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً} أي يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة {ذلك} أي ذلك ذكر من الأحكام {أمر الله أنزله إليكم} أي لتعلموا به {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ...} الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ؛ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وَرَوَىٰ إسماعيلُ بْنُ خالدٍ؛ أنَّ قَوْماً منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ }تفسير : [البقرة:228] قَالُوا: يا رسولَ اللَّه؛ فما عِدَّةُ مَنْ لاَ قَرْءَ لَهَا؛ مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ، فنزلَتْ هذه الآية، فقالَ قائلٌ منهم: فَمَا عِدَّةُ الحَامِلِ فنزلَتْ: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وهُو لفظٌ يَعُمُّ الحواملَ المطلقاتِ والمعْتَدَّاتِ من الوَفَاةِ، والارتيابُ المذكورُ قيلَ: هو بأمر الحَمْلِ. وقوله سبحانه: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم...} الآية، أمْرٌ بإسكانِ المطلقاتِ ولاَ خِلاَفَ في ذلك؛ في التي لَمْ تُبَتَّ وأمَّا المَبْتُوتَةُ؛فَمَالكٌ يَرَى لَها السُّكْنَى لمكانِ حِفْظِ النسب، ولا يَرَى لها نَفَقَةً؛ لأنَّ النفقةَ بإزَاء الاسْتِمْتَاعِ، وقال الثعلبيُّ: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} أي: في مساكِنِكم التي طلقتموهنَّ فِيها، انتهى، والوُجْدُ السِّعَةُ في المالِ، وأما الحَامِلُ فَلا خِلاَفَ في وُجُوبِ سُكْنَاها ونفقتِها؛ بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ؛ لأَنَّها مُبَيَّنة في الآيةِ، وأَنما اخْتَلَفُوا في نفقةِ الحامِل المُتَوفَّى عَنْهَا زوجُها، هَلْ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ التِّرْكَةِ، أمْ لاَ، وكذلكَ النَّفَقَةُ على المُرْضِعِ المطلقةِ وَاجِبَةٌ، وبَسْطُ ذلك في كتبِ الفقه. وقوله سبحانه: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي ليأمُرْ كلُّ واحدٍ صاحبَه بخيرٍ، ولْيَقْبَلْ كلُّ أحَدٍ مَا أُمِرَ بهِ من المعروف. وقوله سبحانه: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي: تَشَطَّطت المرأة في الحدِّ الذي يكونُ أُجْرَةً على الرِّضَاعِ، فللزَّوْجِ أن يسترضِع بما فيه رِفْقُه إلا أَلاَّ يقبلَ المولودُ غَيْرَ أمِّه، فَتُجْبَرُ هِي حِينَئِذٍ عَلى رَضَاعِه بأجْرَةِ مثلها ومثل الزوجِ في حالهما وغناهما. * ت *: وهذا كله في المطلقة البائِنِ، قال ابن عبد السلام من أصحابنا: الضميرُ في قوله تعالى: {أَفَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} عائِدٌ على المطلقاتِ وكَذَلِكَ قوله تعالى: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ }تفسير : [البقرة:233] وأمَّا ذَاتُ الزوج أو الرَّجْعِية، فَيَجِبُ عليها أنْ ترضِعَ مِنْ غَيْر أجْرٍ إلا أنْ تَكونَ شريفَةً فلا يلزمُها ذلك، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ}. تقدم الخلاف فيه. وأبو عمرو يقرأ هنا: "واللاّئي يئسن" بالإظهار. وقاعدته في [مثله] الإدغام، إلا أن الياء لما كانت عنده عارضة لكونها بدلاً من همزة، فكأنه لم يجتمع مثلان، وأيضاً فإن سكونها عارض، فكأن ياء "اللائي" متحركة، والحرف ما دام متحركاً لا يدغم في غيره، وقرىء: "يَئِسْنَ" فعلاً ماضياً. وقرىء: "يَيْئَسْنَ" مضارع. و {مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ}. "من" الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بالفعل قبلها، والثانية للبيان متعلقة بمحذوف. و"اللاَّئِي" مبتدأ، و"فَعدَّتُهُنَّ" مبتدأ ثانٍ، و"ثَلاثةُ أشْهُرٍ" خبره، والجملة خبر الأول، والشرط معترض، وجوابه محذوف. ويجوز أن يكون "إن ارْتَبْتُمْ" جوابه {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ}، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ومتعلق الارتياب محذوف، تقديره: إن ارتبتم في أنها يئست أم لا لإمكان ظهور حمل وإن كان انقطع دمها. وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض، أو استحاضة، وإذا كان هذا عدة المرتاب فيها فغير المُرتَاب فيها أولى. وأغرب ما قيل: إن "إنِ ارتَبْتُمْ" بمعنى: تَيَقَّنْتُمْ، فهو من الأضداد. قوله: {وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ}. مبتدأ، خبره محذوف، فقدره جملة كالأولى، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، والأولى أن يقدر مفرداً، أي: فكذلك أو مثلهن. ولو قيل: بأنه معطوف على "اللاَّئِي يَئِسْنَ" عطف المفردات، وأخبر عن الجمع بقوله: "فعدَّتُهُنَّ" لكان وجهاً حسناً، وأكثر ما فيه توسُّطُ الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه. وهذا ظاهر قول أبي حيان: و{وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} معطوف على قوله "واللاَّئِي يَئِسْنَ"، فإعرابه مبتدأ كإعراب "واللائي". قوله: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} مبتدأ، و"أجَلُهُنَّ" مبتدأ ثانٍ، و"أن يَضَعْنَ" خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر الأول. والعامَّة: على إفراد "حَمْلَهُنَّ". والضحاك: "أحْمَالهُنَّ". فصل في عدة التي لا ترى الدم لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمير بن سليمان: لما نزل عدة النِّساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبيُّ بن كعب: يا رسول الله، إن ناساً يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء، الصغار والكبار وذوات الحَمْل، فنزلت: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ} الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228] قال خلاّد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدّة التي لم تَحِضْ، وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحُبْلى؟ فنزلت: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ}، يعني: قعدن عن الحيض. وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة؟. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ}، فلا يرجون أن يحضن "إن ارتبْتُمْ" أي: شككتم. وقيل: تيقنتم، وهو من الأضداد، يكون شكًّا ويقيناً كالظَّن. واختيار الطَّبري: أن يكون المعنى إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. قال القشيري: وفي هذا نظر، لأنا إذا شككنا، هل بلغت سن اليأس لم نقل: عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في سن اليأس أقصى عادة امرأة في العالم. وقيل: غالب نساء عشيرة المرأة. وقال مجاهد: قوله: "إن ارْتَبْتُمْ" للمخاطبين، يعني إن لم تعلموا كم عدة الآيسة، والتي لم تحضْ فالعدّة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة. قال القرطبي: "وهو أصح ما قيل فيه". فصل في المرتابة في عدتها المرتابة في عدتها لم تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الرِّيبة، وقد قيل في المرتابة التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه إنها تنتظر سنة من يوم طلَّقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضها ثم حلت [للأزواج]. وهذا قول الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر [أربعة أشهر وعشراً، والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة أشهر]. وروي عن الشافعي أيضاً: أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سنَّ اليائسات. وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيدة عن أهل العراق. فصل في ارتياب المرأة الشابة إذا ارتابت المرأة الشابة هل هي حامل أم لا؟. فإن استبان حملها فأجلها وضعه، وإن لم يستبن، فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة، وبه قال أحمد وإسحاق وروي عن عمر بن الخطَّاب وغيره. وأهل "العراق" يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين سنةً، إلا أن تبلغ من الكبر سنًّا تيأس فيه من الحيضِ فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه. قال إلكيا: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر. والمرتابة ليست آيسة. فصل فيمن تأخر حيضها لمرض فأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وبعض أصحابه: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة كما تقدم. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده عليّ وزيد فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار، فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. فصل لو تأخّر الحيض بغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما تقدم، فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على الاختلاف. قال القرطبي: "وأشهر الأقوال خمسة أعوام، فإن تجاوزتها حلت". وقال أشهب: لا تحل أبداً حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: "وهو الصحيح، إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة أو أكثر من ذلك"، وروي مثله عن مالك. فصل فيمن جهل حيضها بالاستحاضة وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها أقوال: قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول الليث. قال الليث: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة "سنة". قال القرطبي: "وهو مشهور قول علمائنا، سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدّتها في مذهب مالك سنة، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدّة". وقال الشَّافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين. قال ابن العربي: "وهو الصحيح عندي". وقال أبو عمر: المستحاضة إذا علمت إقبال حيضتها وإدبارها اعتدت بثلاثة قُرُوءٍ. قال القرطبي: "وهذا أصحّ في النظر، وأثبت في القياس والأثر". قوله: {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ}. يعني: الصغيرة، فعدتهن ثلاثة، فأضمر الخبر، وإنما كانت عدتها الأشهر لعدم الأقراء في حقِّها عادة، والأحكام إنما أجراها اللَّه تعالى على العادات، فتعتد بالأشهر، فإن رأت الدَّم في زمن احتماله عند النِّساء انتقلت إلى الدَّم لوجود الأصل، فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المُسِنَّة إذا اعتدت بالدم، ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع. فصل قوله: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} وضع الحمل، وإن كان ظاهراً في المطلقة؛ لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام، فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك، لعموم الآية، وحديث سبيعة، كما مضى في سورة "البقرة". فإذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملاً بتوءمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما. قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}. أي: من يتقه في طلاق السنة {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} في الرجعة. وقال مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة. {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبيَّنَهُ لَكُمْ، {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} أي: يعمل بطاعته {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} أي: في الآخرة. قوله: {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}. هذه قراءة العامة مضارع "أعظم". وابن مقسم: "يعظم" بالتشديد، مضارع عظم مشدداً. والأعمش: "نعظم" بالنون، مضارع "أعظم" وهو التفات من غيبة إلى تكلم.
البقاعي
تفسير : ولما وسط بين العدد هذه الجمل الواعظة دلالة على عظمتها حثاً على امتثالها والمبادرة إليها، وختم بالتقدير، أتبع ذلك بيان مقادير العدد على وجه أبان أن الكلام الماضي كان في الحوائض الرجعيات فقال: {واللائي يئسن} أي من المطلقات {من المحيض} أي الحيض وزمانه لوصولها إلى سن يجاوز القدر الذي ترجو فيه النساء الحيض فصارت بحيث لا ترجوه، وذلك السن خمس وخمسون سنة أو ستون سنة، وقيل: سبعون وهن القواعد، وأما من انقطع حيضها في زمن ترجو فيه الحيض فإنها تنتظر سن اليأس. ولما كان هذا الحكم خاصاً بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال: {من نسائكم} أي أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب، ولما كان الموجب للعدة إنما هو الدخول لا مجرد الطلاق قال: {إن ارتبتم} بأن أجلتم النظر في أمرهن، فأداكم إلى ريب في هل هن حاملات أم لا، وذلك بالدخول عليهن الذي هو سبب الريب بالحمل في الجملة {فعدتهن ثلاثة أشهر} كل شهر يقوم مقام حيضة لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر. ولما أتم قسمي ذوات الحيض إشارة وعبارة قال: {واللائي لم يحضن} أي لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن أصلاً وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، وهذا مشير إلى أن أولات الحيض بائنات كن أو لا عدتهن ثلاثة قروء كما تقدم في البقرة لأن هذه الأشهر عوض عنها، فأما أن يكون القرء - وهو الطهر - بين حيضتين، أو بين الطلاق والحيض، وهذا كله في المطلقة، وأما المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشراً كما في البقرة. ولما فرغ من آئسات الحوامل أتبعه ذكر الحوامل فقال: {وأولات الأحمال} أي من جميع الزوجات المسلمات والكفار المطلقات على كل حال والمتوفى عنهن إذا كان حملهن من الزوج مسلماً كان أو لا {أجلهن} أي لمنتهى العدة سواء كان لهن مع الحمل حيض أم لا {أن يضعن} ولما كان توحيد الحمل لا ينشأ عنه لبس، وكان الجمع ربما أوهم أنه لا تحل واحدة منهن حتى يضع جمعاً قال: {حملهن} وهذا على عمومه مخصص لآية {أية : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}تفسير : [البقرة: 234] لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذلك في قوله: {أزواجاً} لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم، وعموم {أزواجاً} بالعرض لأنه بدلي لا يصلح لتناول جميع الأزواج في حال واحد، والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة، فتقديمها على تلك تخصيص، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ والأول هو الراجح للوفاق عليه، فإن كان الحمل من زنا أو شبهة فلا حرمة له، والعدة بالحيض. ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة والمياسرة في غاية المشقة، فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله، كرر تلميعاً بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيباً في لزوم ما حده سبحانه، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله عليه أموره: {ومن يتق الله} أي يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجاداً مستمراً ليجعل بينه وبين سخطه وقاية من طاعاته اجتلاباً للمأمور واجتناباً للمنهي {يجعل له} أي يوجد إيجاداً مستمراً باستمرار التقوى "إن الله لا يمل حتى تملوا" {من أمره} أي كله في النكاح وغيره {يسراً *} أي سهولة وفرجاً وخيراً في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق المخرج المتقدم في الآية الأولى. ولما كان تكرير الحث على التقوى للسؤال عن سببه، استأنف قوله كالتعليل له: {ذلك} أي الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب {أمر الله} أي الملك الأعلى الذي له الكمال كله، ونبه على علو رتبة الأمر بقوله: {أنزله إليكم} ولما كان التقدير: فمن أباه هوى في مهاوي المهلكات إلى أسفل سافلين، عطف عليه قوله: {ومن يتق الله} أي الذي لا أمر لأحد معه بالاجتلاب والاجتناب، ولما كان الإنسان محل العجز والنقصان، أنسه بأنه إذا وقع منه زلل فراجعه بالتقوى لطف به فيه جزاء على تقواه بالدفع والنفع فقال: {يكفر} أي يغطي تغطية عظيمة ويستر ويغيب ويسقط {عنه} جميع {سيئاته} ليتخلى عن المبعدات فإن الحسنات يذهبن السيئات. ولما كان الكريم لا يرضى لمن أقبل إليه بالعفو فقط قال: {ويعظم له أجراً *} بأن يبدل سيئاته حسنات ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفاً فيتحلى بالمقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم. ولما قدم التكفير وأتبعه الأجر الكبير، وكان قد تقدم إيجاب ترك المطلقة في منزل الطلاق وأذن في إخراجها عند الفاحشة المبينة، وكان ربما كان منزل الطلاق مستعاراً، وكان مما لا يليق بالزوج، وكان ربما نزل الكلام السابق عليه، استأنف البيان له بما لا يحتمل لبساً فقال آمراً بعد ذلك النهي على وجه مشير بسابقه ولاحقه إلى الحلم عنهن فيما يمكن الحلم فيه حفظاً للقلوب وإبعاداً للشقاق بعد الإيحاش بالطلاق لئلا يعظم الكسر والوحشة: {أسكنوهن} أي هؤلاء المفارقات في العدة إن كن مطلقات حاملات كن أو لا مبتوتات كن أو رجعيات بخلاف ما كان من العدة عن وفاة بغير حمل أو كان عن شبهة أو فسخ. ولما كان المراد مسكناً يليق بها وإن كان بعض مسكن الرجل، إدخل أداة التبعيض فقال: {من حيث سكنتم} أي من أماكن سكناكم لتكون قريبة منكم ليسهل تفقدكم لها للحفظ وقضاء الحاجات. ولما كان الإنسان ربما سكن في ماضي الزمان ما لا يقدر عليه الآن قال مبيناً للمسكن المأمور به مبقياً للمواددة بعدم التكليف بما يشق: {من وجدكم} أي سعتكم وطاقتكم بإجارة أو ملك أو إعارة حتى تنقضي العدة بحمل كانت أو غيره. ولما كان الإسكان قد يكون مع الشنآن قال: {ولا تضاروهن} أي حال السكنى في المسكن ولا في غيره. ولما كانت المضارة قد يكون لمقصد حسن بأن يكون تأديباً لأمر بمعروف ليتوصل بصورة شر قليل ظاهر إلى خير كثير قال: {لتضيقوا} أي تضييقاً بالغاً لا شبهة في كونه كذلك مستعلياً {عليهن} حتى يلجئهن ذلك إلى الخروج. ولما كانت النفقة واجبة للرجعية، وكانت عدتها تارة بالأقراء وتارة بالأشهر وتارة بالحمل، وكان ربما توهم أن ما بعد الثلاثة الأشهر من مدة الحمل للرجعية وجميع المدة لغيرها لا يجب الإنفاق فيه قال: {وإن كن} أي المعتدات {أولات حمل} أي من الأزواج كيف ما كانت العدة من موت أو طلاق بائن أو رجعي {فأنفقوا عليهن} وإن مضت الأشهر {حتى يضعن حملهن} فإن العلة الاعتداد بالحمل، وهذه الشرطية تدل على اختصاص الحوامل من بين المعتدات البوائن بوجوب النفقة. ولما غيى سبحانه وجوب الإنفاق بالوضع، وكانت قد تريد إرضاع ولدها، وكان اشتغالها بإرضاعه يفوت عليها كثيراً من مقاصدها ويكسرها، جبرها بأن قال حاثاً على مكافأة الأخوان على الإحسان مشيراً بأداة الشك إلى أنه لا يجيب عليها الإرضاع: {فإن أرضعن} وبين أن النسب للرجال بقوله تعالى: {لكم} أي بأجرة بعد انقطاع علقة النكاح {فآتوهن أجورهن} على ذلك الإرضاع. ولما كان ما يتعلق بالنساء من مثل ذلك موضع المشاجرة لا سيما أمر الرضاع، وكان الخطر في أمره شديداً، وكان الله تعالى قد رحم هذه الأمة بأنه يحرك لكل متشاححين من يأمرهما بخير لا سيما في أمر الولد رحمة له قال مشيراً إلى ذلك: {وأتمروا} أي ليأمر بعضكم بعضاً في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك وليقبل بعضكم أمر بعض، وزادهم رغبة في ذلك بقوله: {بينكم} أي إن هذا الخير لا يعدوكم، وأكد ذلك بقوله: {بمعروف} ونكره سبحانه تحقيقاً على الأمة بالرضى بالمستطاع، وهو يكون مع الخلق بالإنصاف، ومع النفس بالخلاف، ومع الحق بالاعتراف. ولما كان ذلك موجباً للمياسرة، وكان قد يوجد في الناس من الغالب عليه الشر، قال مشيراً بالتعبير بأداة الشك إلى أن ذلك وإن وجد فهو قليل عاطفاً على ما تقديره فإن تياسرتم فهو حظكم وأنتم جديرون بسماع هذا الوعد بذلك: {وإن تعاسرتم} أي طلب كل منكم ما يعسر على الآخر بأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجاناً فليس له أن يكرهها. ولما كان سبحانه قد تكفل بأرزاق عباده وقدرها قبل إيجادهم. قال مخبراً جبراً للأب بما يصلح عتاباً للأم: {فسترضع} أي بوعد لا خلف فيه، وصرف الخطاب إلى الغيبة إيذاناً بأن الأب ترك الأولى فيما هو جدير به من المياسرة لكونه حقيقاً بأن يكون أوسع بطاناً وأعظم شأناً من أن يضيق عما ترضى به المرأة استناناً به صلى الله عليه وسلم في أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطعية رحم فقال: {له} أي الأب {أخرى *} أي مرضعة غير الأم ويغني الله عنها وليس له إكرهها إلا إذا لم يقبل ثدي غيرها، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج اسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء مدة لم تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل، فأنزل الله التي في سورة النساء القصرى {واللائي يئسن من المحيض} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من وجه آخر عن أبيّ بن كعب قال: لما نزلت عدة المتوفى والمطلقة قلت يا رسول الله: بقي نساء الصغيرة والكبيرة والحامل فنزلت {واللائي يئسن من المحيض} الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الثوري عن إسماعيل قال: لما نزلت هذه الآية {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}تفسير : [البقرة: 228] سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أرأيت التي لم تحض، والتي قد يئست من المحيض فاختلفوا فيهما، فأنزل الله {إن اربتتم} يعني، إن شككتم {فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} بمنزلتهن {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} قال: هن اللاتي قعدن عن المحيض {واللائي لم يحضن} فهن الأبكار الجواري اللاتي لم يبلغن المحيض {فعدتهن ثلاثة أشهر وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فإذا نفضت الرحم ما فيها فقد انقضت عدتها، قال: وذكر لنا أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أن تزوّج، قال: وكان عمر يقول: لو وضعت ما في بطنها وهو موضوع على سريره من قبل أن يقبر لحلت. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} قال: العجوز الكبيرة التي قد يئست من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد {إن ارتبتم} قال: إن لم تعلموا أتحيض أم لا، فالتي قعدت عن المحيض، والتي لم تحض بعد {فعدتهن ثلاثة أشهر} . وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي {إن ارتبتم} قال: في المحيض أتحيض أم لا؟ وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن زيد قال: فسر أيوب هذه الآية {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} قال: تعتد تسعة أشهر، فإن لم تر حملاً فتلك الريبة، قال: اعتدت الآن بثلاثة أشهر. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: تعتد المرأة بالحيض، وإن كان كل سنة مرة، فإن كانت لا تحيض اعتدت بالأشهر، وإن حاضت قبل أن توفي اشهر اعتدت بالحيض من ذي قبل. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: تعتد بالحيض، وإن لم تحض إلا في كل سنة مرة. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة أنه سئل عن المرأة تحيض فكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها قال: تعتد ثلاثة أشهر،قال: وهي الريبة التي قال الله: {إن ارتبتم} قضى بذلك ابن عباس وزيد بن ثابت. وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد في المرأة الشابة تطلق فيرتفع حيضها، فما تدري ما رفعها، قال: تعتد بالحيض، وقال طاووس: تعتد بثلاثة أشهر. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر في المرأة التي يطلقها زوجها تطليقة، ثم تحيض حيضة وحيضتين، ثم ترتفع حيضتها لا تدري ما الذي رفعها أنها تربص بنفسها ما بينها وبين تسعة أشهر، فإن استبان حمل فهي حامل، وإن مر تسعة أشهر ولا حمل بها اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك ثم قد حلت. وأخرج عبد الله في زوائد المسند وابن مردويه حديث : عن أبيّ بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} أهي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها؟ قال: هي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني من وجه آخر حديث : عن أبيّ بن كعب قال: لما نزلت هذه الآية قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: هذه الآية مشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أية آية؟ قلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} المطلقة والمتوفي عنها زوجها؟ قال: نعم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول: تعتد آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته، إن الآية التي نزلت في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} بكذا وكذا شهراً فكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من شاء حالفته أن سورة النساء الصغرى أنزلت بعد الأربعة أشهر وعشراً {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} . وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته، إن الآية التي في سورة النساء القصرى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} نسخت ما في البقرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نسخت سورة النساء القصرى كل عدة {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها. وأخرجه الحاكم في التاريخ والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد والبخاري والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: اتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} إذا وضعت فقد انقضت العدة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين. وأخرج عبد الرزاق حديث : عن أبيّ بن كعب قال: قلت يا رسول الله إني أسمع الله يذكر {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فالحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: افتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة أحلت؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: تعتد آخر الأجلين. قلت أنا {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذلك في الطلاق قال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة أخر حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة رضي الله عنه: أنا مع أخي أبي سلمة. فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فقالت: قتل زوجها سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي السنابل بن بعكك حديث : أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوماً فتشوّفت للنكاح، فأنكر ذلك عليها أو عيب، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إن تفعل فقد خلا أجلها" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : مكثت امرأة ثلاثاً وعشرين ليلة ثم وضعت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: "استفحلي لأمرك" يقول: تزوجي . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه حديث : عن سبيعة الأسلمية أنها توفي زوجها، فوضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، فتهيأت فقال لها أبو السنابل بن بعكك: قد أسرعت، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشراً، قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فقال: "إن وجدت زوجاً صالحاً فتزوجي" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن المسور بن مخرمة أن زوج سبيعة الأسلمية توفي وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي يسيرة حتى نفست، فلما تعلت من نفاسها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها فنكحت. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن حديث : أن امرأة توفي عنها زوجها فولدت بعد أيام فاختضبت وتزينت فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: كذبت إنما هو آخر الأجلين، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال: "كذب أبو السنابل تزوجي" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه تمارى هو وابن عباس في المتوفى عنها زوجها وهي حبلى فقال ابن عباس: آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: إذا ولدت فقد حلت، فجاء أبو هريرة فقال: أنا مع ابن أخي، لأبي سلمة، ثم أرسلوا إلى عائشة فسألوها فقالت: ولدت سبيعة بعد موت زوجها بليال، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها فنكحت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عبد الله قال: حديث : أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحارث ليسألها عما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها كانت عند سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدرياً، فوضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فتلقاها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت وتزينت فقال: لعلك تريدين النكاح، إنها أربعة أشهر وعشراً من وفاة زوجك. قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، وذكرت له، ما قال أبو السنابل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اربعي بنفسك فقد حل أجلك إذا وضعت حملك" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة عن عليّ في الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها قال: تعتد أربعة أشهر وعشراً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقول في الحامل المتوفى عنها زوجها: تنتظر آخر الأجلين. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن عمر استشار عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت، قال زيد: قد حلت، وقال عليّ: أربعة أشهر وعشراً. قال زيد: أرأيت إن كانت آيساً؟ قال عليّ: فآخر الأجلين. قال عمر: لو وضعت ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت. وأخرج ابن المنذر عن مغيرة قال: قلت للشعبي: ما أصدق أن عليّ بن أبي طالب، كان يقول: عدة المتوفي عنها زوجها آخر الأجلين، قال: بلى، فصدق به كأشد ما صدقت بشيء، كان عليّ يقول: إنما قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} في المطلقة. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل، فقال: إذا وضعت حملها فقد حلت، فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: إذا ألقت المرأة شيئاً يعلم أنه من حمل فقد انقضت به العدة وأعتقت أم الولد. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ومحمد قالا: إذا سقطت المرأة فقد انقضت عدتها. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: إذا نكس في الخلق الرابع، وكان مخلقاً اعتقت به الأمة وانقضت به العدة. وأخرج أبي شيبة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل اشترى جارية وهي حامل أيطؤها؟ قال: لا وقرأ {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} .
ابو السعود
تفسير : {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ} لِكبرهنَّ وقد قدَّرُوه بستينَ سنة وبخمسٍ وخمسينَ {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي شككتُم وجهِلْتُم كيفَ عدّتُهُن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ} بعدُ لصغرِهِنَّ أي فعدَّتهنَّ أيضاً كذلكَ فحذفَ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليهِ {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} أي مُنْتهى عدتِّهِنَّ {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} سواءً كُنَّ مطلقاتٍ أو مُتوفيًّ عنهُنَّ أزواجُهُنَّ وقد نُسخَ بهِ عمومُ قولِه تعالَى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [سورة البقرة، الآية 234] لتراخِي نزولِهِ عن ذلكَ لما هُو المشهورُ من قولِ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ: من شاءَ باهلتُه أنَّ سورةَ النساءِ القُصْرى نزلتْ بعدَ التي في سورةِ البقرةِ، وقد صحَّ أن سُبـيعَة بنتَ الحارثَ الأسلميةَ ولدتْ بعدَ وفاةِ زوجِهَا بليالٍ فذكرتْ ذلكَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهَا قدْ حللتِ فتزوَّجِي {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في شأنِ أحكامِهِ ومراعاةِ حقوقِهَا {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} أي يُسْهلْ عليهِ أمرَهُ ويوفِّقْهُ للخيرِ. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ منَ الأحكامِ، وما فيهِ من مَعْنَى البُعدِ مع قُرب العهدِ بالمُشارِ إليهِ للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهِ في الفضلِ. وإفرادُ الكافِ معَ أن الخطابَ للجمعِ كما يفصحُ عنه قولُه تعالى: {أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} لِما أنها لمجردِ الفرقِ بـين الحاضرِ والمنقضِي لا لتعيـينِ خصوصيةِ المخاطبـينَ وقد مرَّ في قولِه تعالَى: { أية : ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 232] من سورةِ البقرةِ {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} بالمحافظةِ على أحكامِهِ {يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـٰتِهِ} فإنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئاتِ {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} بالمضاعفةِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {واللائى} من الموصولات جمع التى يعنى آن زنان كه {يئسن من المحيض من نسائكم} اللاتى دخلتم بهن لكبرهن ويبسهن وقدروه بستين سنة وبخمس وخمسين فلو رأته بعد ذلك لا يكون حيضا قوله يئسن فعل ماض واليأس القنوط ضد الرجاء يقال يئس من مراده ييأس يأسا وفى معناه أيس يأيس يأسا واياسا لا ايساً وفاعلهما آيس لا يائس يقال امرأة آيس اذا كان يأسها من الحيض دون آيسة لان التاء انما زيدت فى المؤنث اذا استعلمت الكلمة للمذكر ايضا فرقا بينهما واذا لم تستعمل له فأى حاجة الى الزيادة ومن ذلك يقال امرأة حائض وطالق وحامل بلا تاء اذا كان حملها من الولد واما اذا كان يأسها وحملها من غير الحيض وحمل الولد يقال آيسة وحاملة وفى المغرب اليأس انقطاع الرجاء واما الا ياس فى مصدر الآيسة من الحيض فهو فى الاصل ايئاس على افعال حذفت منه الهمزة التى هى عين الكلمة تخفيفا والمحيض الحيض وهو فى اللغة مصدر حاضت الانثى فهى حائض وحائضة اى خرج الدم من قبلها ويكون للأرنب والضبع والخفاش كما ذكره الجاحظ وفى القاموس حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهى حائض وحائضا من حوآئض وحيض سال دمها والمحيض اسم ومصدر قيل ومنه الحوض لان الماء يسيل اليه والحيضة المرة انتهى وفى الشرع دم ينفضه رحم امرأة بالغة لاداء بها ولا اياس لها اى يجعلها الشارع منقطعة الرجاء عن رؤية الدم ومن الاولى لابتدآء الغاية ومتعلقة بالفعل قبلها والثانية للتبيين ومتعلقة بمحذوف {ان ارتبتم} من الارتياب بالفارسية بشك شدن. اى شككتم واشكل عليكم حكمهن لانقطاع دمهن بكبر السن وجهلتم كيف عدتهن {فعدتهن ثلاثة اشهر} فقوله واللائى يئسن الخ مبتدأ خبره فعدتهن وقوله ان ارتبتم اعتراض وجواب الشرط محذوف اى ارتبتم فيه فاعلموا انها ثلاثة أشهر كذا قالوا والأشهر جمع شهر وهو مدة معروفة مشهورة باهلال الهلاك او باعتبار جزء من اثنى عشر جزأ من دوران الشمس من نقطة الى تلك النقطة قال فى القاموس الشهر العدد المعروف من الايام لانه يشهر بالقمر {واللآئى} وآن زنان كه {لم يحضن} اى ما رأين الدم لصغرهن اى فعدتهن ايضا كذلك فحذف ثقة بدلالة ما قبله عليه والشابة التى كانت تحيض فارتفع حيضها بعذر من الاعذار قبل بلوغها سن الآيسات فعند أبى حنيفة والشافعى لا تنقضى عدتها حتى يعادوها الدم فتعتد بثلاثة اقرآء او تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة اشهر وضع السجاوندى الطاء الدالة على الوقف الملطق على وضعه وقانونه فى لم يحضن لانقطاعه عما بعده وكان الظاهر أن يضع الميم الدالة على اللازم لان المتبادر الاتصال الموهم معنى فاسدا العله نظر الى ظهور عدم حمل التى لم تحض لصغرها {وأولات الاحمال} واحدتها ذات بمعنى صاحبة والاحمال جمع حمل بالفتح بالفارسية بار. والمراد الحبل اى الثقل المحمول فى الباطن وهو الولد فى البطن والمعنى وذوات الاحمال من النساء والحبالى منهن {اجلهن} اى منتهى عدتهن {أن يضعن حملهن} سوآء كن مطلقات او متوفى عنهن ازواجهن فلو وضعت المرأة حملها اى ولدت وحطت ما فى بطنها يعنى ازبالا بزير آورد. بعد طلاق الزوج او وفاته بلحظة انقضت عدتها وحلت للازواج فكيف بعد ساعة او يوم او شهر وقد نسخ به عموم قوله تعالى {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بأنفسهن اربعة اشهر وعشرا}تفسير : لتراخى نزوله عن ذلك وقد صح ان سبيعة بنت الحارث الاسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام فقال حديث : قد حللت فتزوجىتفسير : {ومن يتق الله} فى شأن احكامه وحقوقه {يجعل له من امره يسرا} اى يسهل عليه امره ويوفقه للخير ويعصمه من لمعاصى والشر بسبب التقوى فمن للبيان قدم على المبين للفواصل او بمعنى فى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واللائي يَئِسْنَ من المحيض من نسائكم} لكبرهن، وقدّروه بستين، أو: بخمس وخمسين. رُوي أنَّ ناساً قالوا: قد عرفنا عِدة الأقراء، فما عدة التي لم تحض؟ فنزلت. وقوله: {إِن ارتبتمْ} أي: إن أشكل عليكم حكمهنّ كيف يعتددن، {فعِدَّتهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ} أو: إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعِدَّتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتُها، وهي في سن مَن يحيض، واختلف فيها، فقيل: ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل: تسعة، وتستبرىء بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك, وقدوته في ذلك عُمر بن الخطاب، لأنّ مذهبه عُمري، وقيل: تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن مَن لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. {واللائي لم يَحِضْنَ} من صغر، فعدتهنّ ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، {وأُولات الأحمالِ أجَلُهُنَّ} أي: عِدّتهن {أن يضعن حَملَهن} سواء كن مطلقات، أو متوفًّى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال عليّ وابن عباس رضي الله عنهما: إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوقَّى عنهن فعدّتهنَ أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحُجة الجمهور: حديث سُبَيْعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أَمَرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالتزوُّج، وقد رُوي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليًّا لرجع، فهذه الآية مخصَّصة لِما في سورة البقرة من قوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ...} تفسير : [البقرة:234]. تنبيه: وَضْعُ الحمل إنما يُبرىء الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأمّا من الزنى فلا يُبرئ، باتفاقٍ، فمَن حملت مِن زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طُلّقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نَعَم مَن لا زوج لها من حُرةٍ أو أَمةٍ إذا حملت من زنى تمَّ استبراؤها بوضع حملها. {ومَن يتقِ اللهَ} في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها {يجعل له من أمره يُسراً} أي: يُسهل عليه أمره. ويتحلّل عليه ما تعقّد ببركة التقوى، {ذلك} أي: ما علَّمكم من الأحكام {أمرُ الله أَنزله إِليكم} لتعملوا به. وإفراد الكاف مع أنّ المُشار إليهم جماعة؛ لأنها لتعيين الفرق بين البُعد والقرب، لا لتعيين خصوصية المخاطبين {ومَن يتق الله} بالمحافظة على أحكامه {يُكفِّر عنه سيئاتِه} فإنَّ الحسنات يُذهبن السيئات، {ويُعْظِمْ له أجراً} بالمضاعفة والتكثير. الإشارة: والنفوس التي يئسن من المساوىء والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة, التي لم يظهر منها خَلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عِدَّة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: إن شئتم أن أُقسم لكم؛ إنه لا يدخل أحد عالَم الملكوت وفي قلبه علقة. هـ. {ومَن يتق الله} أي: يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يُسراً، يُسهّل عليه طريق السلوك، ويكفيه كلَّ ما يُثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومَن يتق الله بالفعل يُكَفِّر عنه سيئاتِه، أي: يُغطّي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويُعظم له أجراً بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكم السُكنى والنفقة، فقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} بانقطاع الحيض عنهنّ لمرضٍ او حملٍ او لكبرٍ لكن لم يبلغ كبرهنّ الى خمسين او ستّين، او كان بلوغهنّ مشكوكاً فيه، وامّا اللاّئى يئسن من المحيض بسبب البلوغ الى الخمسين او السّتّين فلا يصبرن بعد التّفريق ثلاثة اشهر ولا يعتددن من الطّلاق اصلاً ولذلك قال {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} فى كبرهنّ وبلوغهنّ الى سنّ من لا تحيض {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} بعد ولكنّهنّ بلغن سنّ من تحيض فعدتهنّ ثلاثة اشهرٍ مثل من قطع حيضهنّ ولم يبلغن خمسين او ستّين {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} اى مدّة عدّتهنّ او آخر عدّتهنّ {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وبيان الطّلاق وكيفيّته واقسامه مذكورة فى الكتب الفقهيّة {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} فى امر النّساء، او فى احكام الطّلاق، او فى الرّفق بهنّ وعدم الاقدام على الطّلاق، او فى مطلق احكام الله {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} فى الدّنيا او فى الدّنيا والآخرة.
الأعقم
تفسير : {واللائي يئسن من المحيض}، قيل: لما نزلت في سورة البقرة عدة النساء في ذات الاقراء والمتوفى عنها زوجها قال أُبي بن كعب: يا رسول الله إن ناساً يقولون: ما لم يذكر الصغار والكبار فنزلت، وقيل: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدة الآيسة من الحيض والحبلى فنزلت {إن ارتبتم} أي شككتم ولم تدروا أدمها دم حيض أو دم استحاضة {فعدتهن ثلاثة أشهر}، وقيل: ارتبتم انها تحيض أم لا لصغرها فعدتها الشهور فإذا حاضت فعدتها الحيض، وقيل: ارتبتم في حكمهن فلم تدروا ما عدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر، وقيل: ارتبتم تبيَّنتم وهو من الأضداد {واللائي لم يحضن} لصغر فعدتهن ثلاثة أشهر {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وقال الهادي (عليه السلام): يعتدنا بعد الأجلين {اسكنوهن} أي اسكني المطلقة بعد الطلاق وما دامت في تسمية العدَّة {من حيث سكنتم} من المساكن {من وجدكم} أي في سكن تجدونه، وقيل: من سعيكم {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} قيل: في السكن والنفقة {وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهنّ فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف} خطاب للرجل والمرأة معناه: ليقبل بعضكم من بعض {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق {فلينفق مما آتاه الله} أي مما أعطاه {لا يكلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً} قيل: يجعل غنى بعد فقر وسعة بعد ضيق، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ينادي كل يوم منادي صباحاً ومساء اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً" تفسير : {وكأين من قرية} أي كم من أهل قرية وكأين للتنكير {عتت عن أمر ربها} أي جاوزت الحد بالعصيان {فحاسبناها حساباً شديداً} بالمناقشة والاستقصاء، قيل: هو في الدنيا بالنكاية، وقيل: هو في الآخرة بالمجازاة {وعذّبناها عذاباً نكراً}، قيل: هو عذاب الاستئصال، وقيل: عذاب الآخرة {فذاقت وبال أمرها} أي جزاء معاصيه {وكان عاقبة أمرها خسراً} أي الخاسر بالهلاك {أعد الله لهم عذاباً شديداً} وهو عذاب النار {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي أصحاب العقول، قيل: خصّهم لأنهم ينتفعون به {الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً}.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} [أي: إن شككتم] يعني بقوله: (إِنِ ارْتَبْتُمْ) الأزواج، وبقوله: (يَئِسْنَ) النساء عند أنفسهن (مِنَ الْمَحِيضِ) {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} أي: هي مأمونة في ذلك. وقال في آية أخرى: {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} فالمرأة مأمونة على عدتها. قال عز وجل: (أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) تفسير : [البقرة:228] أي: لا تقول: أنا حامل وليست بحامل، ولا تقول: إني لست بحامل وهي حامل، ولا تقول: إني لست بحائض، وهي حائض، ولا تقول: إني حائض وليست بحائض. وقال الحسن: إذا كانت المرأة لا تحيض إلا كل سنة اعتدت به إذا علم أنه حيضها. غير واحد من العلماء قال: تعتد بالحَيْضِ ما كان إلا أن يعلم أنه قطع. ذكروا عن عكرمة أنه قال: من الريبة المستحاضة والتي لا يستقيم لها حيض؛ تحيض في الشهر مرتين وفي الشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر. والعامة أن حيضها إذا كان في الشهر مرتين اعتدت به، ولا يكون دون ذلك. ذكر الزهري عن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة. ذكروا عن الحسن وعطاء والحكم بن عيينة أنهم قالوا في المستحاضة إذا طلقت أنها تعتد أيام أقرائها. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال في التي تطلق ثم تحيض حيضة أو حيضتين، ثم ترتفع حيضتها أنها تعتد تسعة أشهر. فإن تبين حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر. ذكروا عن حماد بن إبراهيم عن علقمة أنه طلق امرأته فحاضت حيضتين، ثم لبثت في الحيضة الأخرى، قال بعضهم: ثمانية عشر شهراً، وقال بعضهم: ستة عشر شهراً، ثم ماتت. فقال عبد الله بن مسعود: حبس الله عليك ميراثها بكلها. وقول أصحابنا في هذا أنها تعتد بالحيض ما كانت إلا أن تكون قعدت عن المحيض فتعتد ثلاثة أشهر. قوله عز وجل: {وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} وهذه التي لم تبلغ الحلم، هي مع اللائي يئسن من المحيض، وكذلك الضهياء التي لا تحيض، عدتها ثلاثة أشهر. قوله عز وجل: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} هذه نسخت التي في سورة البقرة: (أية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) تفسير : [البقرة:234]. وإن كانت حاملاً فأجلها أبعد الأجلين في قول علي بن أبي طالب وابن عباس. وهو قول جابر بن زيد وأبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وفيها اختلاف. وقول العامة إنها نسخ منها الحامل فجعل أجلها أن تضع حملها. وهو قول أهل الخلاف، ورووه عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود.
اطفيش
تفسير : {واللائي} قد سبقت كنايته عندنا معشر المغاربة هو يقرأ بهمزة وياء وباحداهما في الموضعين {يَئِسْنَ} لكبرهن {مِنَ المَحِيضِ} مصدر ميمي على غير قياس على ما قررته في شرح اللامية ومن للابتداء. {مِن} للتبعيض {نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُم} شككتم في عدتهن وجهلتهم وقيل: ان ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس وقد قدرته بستين سنة وبخمس وخمسين وبغير ذلك كما بينته في شرح النيل أو هو دم حيض أو استحاضته وإذا كان ثلاثة اشهر عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها اولى بالثلاثة. وقال الثعلبي: قيل الارتياب بأمر الحمل {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُر} الفاء زائدة في خبر الموصول لشبه اسم الشرط أو التقدير اما وجواب ان محذوف أو الفاء فاء الجواب والجملة جواب ان والمجموع خبر الموصول وهو اولى لعدم الحذف. {واللائي لَمْ يَحِضْنَ} لصغرهن مبتدأ محذوف الخبر أي كذلك او عدتهن ثلاثة اشهر ويضعف كونه معطوفا على اللائي وعن الحسن اذا كانت المرأة لا تحيض إلا كل سنة اعتدت به اذا علم انه حيضها وقيل تعتد بالحيض ما كان وعن عكرمة من الريبة الاستحاضة والتي لا يقيم حيض تحيض في الشهر مرتين أو مرة فعدتهن ثلاثة اشهر وقالت العامة: ان حيضها إذا كان في الشهر مرتين اعتدت به ولا تكن الثلاثة دون ذلك وعن ابن المسيب عنده المستحاضة سنة وعن الحسن وعطاء والحكم بن عيينه أن المستحاضة تعتد ايام صلاتها وان حاضت بعد الطلاق حيضة او حيضتين وارتفع اعتدت تسعة اشهر فإن تبين حملها وإلا اعتدت بعد ذلك ثلاثة اشهر وهذا عند عمر بن الخطاب. وطلق علقمة امرأته فحاضت حيضتين وبقيت ثمانية عشر شهرا وقيل ستة عشر شهرا ثم ماتت فقال عبد الله بن مسعود: حبس الله عليك ميراثها وروي عن عمر ان الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها وطلقت لم تحض تتربص سعة اشهر فإن لم تحض اعتدت بثلاثة اشهر وهو قول مالك وقال الحسن في رواية تتربص سنة فإن لم تحض اعتدت بثلاثة أشهر وقال اكثر اصحابنا وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعطاء والشافعي واصحاب الرأي واكثر العلماء لا تنقضي عدتها إلا ان جاءت بثلاث حيضات او تبلغ سن اليأس فتعتد بثلاثة أشهر وقيل ثلاثة أشهر عدة التي لا تحيض بعد ما كانت تحيض كما انها عدة كبيرة لم تحض واترابها يحضن واما المتوفى عنها فعدتها أربعة أشهر وعشر ولو كانت تحيض وقيل ان كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر لظاهر الآية وعليه ابن مسعود وأبي وأبو هريرة وغيرهم. {وَأُوْلَتُ} صاحبات {الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} وان منتهى اجلهن {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وان كن متوفى عنهن وقيل الحامل الموتفى عنها أجلها أبعد الأجلين وهو قول علي وابن عباس ونسب لجابر بن زيد وأبي عبيدة والعامة من فقهائنا والصحيح الاول وعليه ابي وعمر وابن مسعود تتزوج اذا ولدت بعد موت زوجها ولو بيوم أو اقل ولو لم تطهر لكن لا يقربها زوجها إلا اذا طهرت واغتسلت لانه حديث : روي ان سبيعة الاسلمية بنت الحارث ولدت بعد موت زوجها بليال وهو سعد بن خولة من بني عامر ابن لوي وهو ممن شهد بدرا مات في حجة الوداع ولما تم نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها رجل من بني عبد الدار فقال لها: مالي اراك تجملت للخطاب ما انت والله بناكح حتى يمر عليك اربعة اشهر وعشر فجمعت ثيابها عليها حتى امست فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فافتاها ان تتزوج حين ولدت ان شاءت . تفسير : وعن ابن مسعود من شاء لاعنته ان سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة أي ان هذا اللفظ مطلق في الحوامل ولو توفي عنهن قال القاضي والمحافظة على عموم هذه الآية أولى من محافظة عموم {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا}تفسير : لأن عموم أولات الاحمال بالذات وعموم (أزواجا) بالعرض والحكم معلل هنا بحذفه ثم ولأنه متأخر النزول فتقدمه تخصيص وتقديم الآخر بناء للعام على الخاص وقيل: لما علموا عدة المطلقة قالوا فما عدة من لا قروء لها صغر أو كبر فنزل {واللائي يئسن) إلى آخره. ثم قال قائل فما عدة الحامل {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فائدة مستطردة من قال لزوجته: أن طالق ثلاثا طلقت ثلاثا وفي كتاب الحضرمي من أصحابنا انها طلقت واحدة ولا يلحقها قوله ثلاثا وله ان يراجعها بنكاح جديد وتكون في تطليقتين انتهى بلفظه وفي الحاشية الصغيرة على النكاح الذي هو تأليف الشيخ يحيى انه طلاق واحد عند غيرنا ويراجعها أي بلا تجديد ومن طلق زوجته وزادها تطليقة أو تطليقتين قيل انقضاء العدة لحقتها مع انه لم يراجعها. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ} بالوقوف عند احكامه {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} سهولة في الدنيا والآخرة.
اطفيش
تفسير : {وَاللآَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} من الحيض ومن للابتداء. {مِن نِّسَائِكُمْ} من للبيان متعلق بمحذوف حال من النون، وإِياسهن لكبرهن ببلوغهن ستين سنة أو خمساً وخمسين أو خمسين أو تسعين أو غير ذلك، وقيل غالب يأس عشيرة المرأة، وقيل غالب سن يأس بلدتها التى هى فيها، فبطيب الهواء والماء يبعد اليأس، وقد قيل أبعد اليأس يأس نساء أندلس لذلك، والحكم لله وكل شئ بمشيئة الله ولا إِله إِلا الله. وقيل أقصى عادة امرأة فى نساء الدنيا، وهو قول يحرم به الفتيا لعدم وثوق حصوله. {إِنِ ارْتَبْتُمْ} ترددتم فى عدتهن للجهل. {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أشْهُرٍ} جواب الشرط والشرط وجوابه خبر المبتدأ باعتبار الإِخبار والإِعلام، كأَنه قيل: إِن ارتبتم فإِنى أقول لكم عدتهن ثلاثة أشهر، وقيل الجملة هذه خبر المبتدأ والفاء فيه صلة وجواب الشرط محذوف وهما فى نية التأخير فعدتهن ثلاثة أشهر إِن ارتبتم فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، ولا يخفى ما فيه من دعوى الحذف والتقديم والتأخير والتكرير، يبقى أن يقال كيف يقال {إِن ارتبتم} بإِن الشكية، وقد علم الله أنهم شكوا فقيل (إِن) فى مثل ذلك للتحقيق، وقيل مجاز مع ما فى حيزها واستعارة تمثيلية، وقيل المعنى إِن ارتبتم فى دم البالغات مبلغ اليأس، أدم حيض أو استحاضة، فإِذا كانت هذه المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بهذه العدة، وقال الزجاج إِن ارتبتم فى حيضهن وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن ولم يحِضْن أو قد حِضْن قبل وانقطع الدم قبل الإِعتداد أو فيه فعدتهن ثلاثة أشهر كالتى لم تبلغ وهذا أسهل لها، وقيل فى التى بلغت ولم تحض تعتد ثلاثة أشهر كالتى لم تلبغ، وقيل تعتد سنة، وقيل تعتد إِن حاضت فى الإِعتداد حيضتين وانقطع عنها أتمت سنة بهما، وقيل هكذا ولو حاضت مرة واحدة فيه، وقيل سنة ولو لم تحض فيه. وهذه أقوال تذكر فى الفروع وقيل الآية واردة فى التى دام بها الدم ولا تدرى أهو دم حيض أم استحاضة كان قبل الاعتداد ودام فيه أو حدث فيه واستمر، وقيل "إِنِ ارْتَبْتُمْ" إِن تيقنتم إِياسهن وهذا من الأَضداد، وروى أنه لما نزل الاعتداد بثلاث حيض فى سورة البقرة، قال أهل المدينة لقد بقى عدة الصغار والآيسات والحوامل فنزلت فى هذه السورة {واللائي يئسن...} الخ ونزل{وأُولاَتُ الأَحْمَالِ}، وفى رواية قالوا بعد نزول الأَقراء الثلاثة فما عدة الصغار والكبار فنزل {واللائي يئسن..} الخ فقال قائل فما عدة الحامل فنزل{وأُولات الأَحمال}. {وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} عطف على {اللائي يئسن من المحيض من نسائكم} فهاء عدتهن عائدة إِلى اللائى يئسن وإِلى اللائى لم يحضن لأَنه فى نية التقديم وهذا أولى من الحذف، ومعنى لم يحضن لم يبلغن الحلم فعدتهن ثلاثة أشهر، وأما التى بلغت فما لها إِلا ثلاث حيض أو تبلغ الإِياس فتعتد ثلاثة أشهر، قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مروا الحائض أن تختمر أى البالغة ولو لم تحض"تفسير : ، فالحيض بلوغ سن الحيض، وهنا تأتى الأَقوال المذكورة مع قول الزجاج آنفاً، وقال الإِمام الأَندلسى أبى حيان فى بحره ونهره إِن قوله تعالى: {واللائي لم يحضن} يشمل من لم يحض لصغر ومن لا يكون لهن الحيض البتة كبعض النساء يعشن إِلى أن يمتن ولا يحضن، ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به ولم تحض، قال وقيل هذه تعتد سنة، وجمهور العلماء على أن البالغة التى كانت تحيض وانقطع عنها الحيض أن تنتظر ثلاث حيض أو تبلغ الإِياس فتعتد ثلاثة أشهر وهو قول عثمان وعلى وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعطاء والشافعى وأصحاب الرأى، وعن عمر تتربص تسعة أشهر فإِن لم تحض اعتدت ثلاثة أشهر وهو قول مالك، وقال الحسن تتربص سنة فإِن لم تحض اعتدت ثلاثة أشهر، والتى بلغت ولم تحض تعتد ثلاثة أشهر {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أجَلُهُنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تمام عدتهن وضعهن حملهن ولو علقة أو مضغة، مطلقات أو متوفى عنهن أو مفاديات أو نحو ذلك أو حرمن أو طلقن أنفسهن إِن كان الطلاق بأَيديهن معلقا لمعلوم أو غير معلق. سئل ابن عمر عن امرأة يتوفى عنها زوجها وهى حامل، قال لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت ويدخل عليها فى غير فرجها رواه مالك والشافعى وعبد الرزاق، قال ابن مسعود من شاء لآَعنته، إِن الآية التى نزلت فى سورة النساء القصرى. {وأُولاَتُ الأَحمَالِ} نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهراً، وكل مطلقة ومتوفى عنها أجلها أن تضع حملها رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه، وروى ابن مردويه بسبع سنين، قيل ولعله لا يصح وكذلك قال أبو هريرة وأبو مسعود الأَنصارى وعائشة وفقهاء الأَمصار إِن عدة الحامل المطلقة والمتوفى عنها وضع الحمل، وقيل أربعة أشهر وعشر، قال أبى بن كعب قلت للنبى - صلى الله عليه وسلم - {وأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَملَهُنّ} أهى المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها؟ قال "حديث : هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها"تفسير : . وتسمية ابن مسعود سورة الطلاق سورة النساء القصرى، رواها البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه، فإِنكار الداودى لها على ابن مسعود باطل إِذ لا مستند له فى الرد على صحابى فى أمر أثبته الصحابى، وزعم أنه لا يقال لشئ من سور القرآن الصغرى ولا الكبرى، قلنا لا بأس لأَن الصغر والكبر فى ذلك غير ذاتى بل بالنسبة، فقد أخرج البخارى عن زيد بن ثابت أنه قال طولى الطويليين يعنى سورة الأَعراف. وروى أنه توفى سعد بن خولة فى حجة الوداع عن سبيعة بنت الحارث الأَسلمية فوضعت بعده بثلاثة وعشرين يوماً أو بخمسة وعشرين أو بأَربعين روايات فاختضبت وتكحلت وتزينت للنكاح، فقال لها أبو السنابل ما لك نكاح حتى تكمل أربعة أشهر وعشر، فسئل - صلى الله عليه وسلم - فقال "حديث : إِنَّ لها ذلك لأَن أجلها قد خلى"تفسير : ، وقيل سأَلته هى كما فى البخارى ومسلم. وفى ذلك نسخ عموم آية أربعة الأَشهر والعشر بهذه الآية أو تخصيصها، وقال على وابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأَجلين وهو عندى أولى من حيث القاعدة إِلا أن الحديث حجة وذلك لأَن آية هذه السورة فى الطلاق، والكلام فيه قبل وبعد ولأَن فى ذلك عملاً بالآيتين معاً بلا نسخ لإِحداهما "أية : والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجًا.." تفسير : [البقرة: 234، 240] الخ {وأُوْلاَتُ الأَحمالِ أجَلُهُنَّ..} الخ. فإِن زادت مدة الحمل فقد تربصت أربعة أشهر وعشراً، وإِن قصرت وتربصت فقد جمعنا بين النصين ولم نلغ أحدهما، والعدتان معتبرتان بالحكم المنسوب إِليهما لا لذاتهما فافهم، والإِضافة فى حَملهن للجنس فقام مقام الجمع كما قال{وأُولاَتُ الأَحْمَالِ}، وقرأ الضحاك أحمالهن وناسب الإِفراد راحة الوضع والله أعلم. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ} فى أحكامه عز وجل ومراعاة حقوقها وفهمها. {يَجْعَل لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْرًا} يسهل له ما عسر، ومن للبيان يتعلق بمحذوف حال من يُسرًا قُدِّم على طريق الاهتمام وللفاصلة أو بمعنى فى أو للتعليل فيعلق بيجعل {ذَلِكَ} المذكور العالى الشأْن من الأَحكام. {أمْرُ اللهِ أنزَلَهُ إِلَيكُمْ} لتعلموا به فلا تضيعوه، وليس حكماً من غيره تعالى وكاف ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - والخطاب بالجمع له ولأُمته أو لهم أو له تعظيماً كما فى أول السورة، والقول بأَنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضى غفلة إِذ فيه استعمالها فى غير ما وضعت له بلا تجوز وقرينة وعلاقة. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ} فى العمل بأَحكامه والمحافظة عليها، ويجوز أن يكون الاتقاء فى الموضعين لمعنى واحد كرر للتأكيد كقوله "مَن يَتَّقِ اللهَ يَنجُ وَمَن يتَّقِ اللهَ يُدْخَلُ الجَنَّة". {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}اجتناب الكبائر يمحو الصغائر. {وَيُعْظِمْ لَهُ أجْراً} نية العمل بلا عمل بأَجر عمله بلا مضاعفة وعمله بعشر إِلى ما فوق سبعمائة، وكأَنه قيل ما التقوى فى شأن المعتدات فقال {أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم} من للتبعيض أى أسكنوهن بعض مكان سكناكم بأَن تسكنوا فى جهة من بيت وتسكن فى جهة منه أُخرى أو للابتداء أى خذوا لهن مسكنا من مسكنكم. {مِنْ وُجْدِكُمْ} من موجودكم مما تطيقونه، والجار والمجرور بدل كل من قوله من حيث، وبعض أجاز عطف البيان فى الجمل والمفردات والجار والمجرور والمعارف والنكرات نظراً للمعنى وهو خروج عما اصطلح عليه. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} فى السكنى بما يمنع النوم أو الطهارة أو الصلاة أو شغل المكان أو إِسكان من لا يليق بهن معهن أو غير ذلك. {لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} ليحصل التضييق المؤثر فيهن حتى يلجأن إِلى الخروج، ومن البدع المحرمات أن يطلقها ويرسل إِليها من يحمل متاعها ويخرجها من بيتها فى داره ومن داره، وكان الواجب أن يقول لها لك على السكنى والنفقة إِذا وجبت فإِن أبت إِلا الخروج وقلنا السكنى حقاً لها لا لله تعالى أباحه الزوج لها. {وَإِنْ كُنَّ} أى المطلقات {أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرجن سواء الطلاق الرجعى والبائن والثلاث والفداء كالطلاق وكذا سائر الفرقة للحامل ولو ملاعنة إِلا المتوفى عنها فلا نفقة لها عند الجمهور ولو حاملا، وعن على وابن مسعود نفقة المتوفى عنهن الحوامل فى التركة، ولا خلاف فى سكنى المطلقات الحوامل ونفقتهن ولا نفقة للمطلقة البائن ولا سكنى، قالت فاطمة بنت قيس طلقنى زوجى أبو عمرو ابن حفص ابن المغيرة المخزومى البتة فخاصمته فى السكنى والنفقة فلم يجمعهما لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرنى أن أعتد فى بيت أُم كلثوم ثم أنكحنى أُسامة ابن زيد، وقال الحسن ومالك والشافعى لها السكنى فقط، وقال أبو حنيفة لها السكنى والنفقة فعن عمر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول للمبتوتة النفقة والسكنى، ونسب لأَكثر أهل العلم أن للبائنة بخلع أو طلاق الثلاث أو بلعان السكنى ولو غير حامل، وعن ابن عباس لا سكنى لهن إِلا إِن كن حوامل، ونسب للحسن والشعبى: ولا نفقة لهن إِلا إِن كن حوامل، ونسب لإِبن عباس والحسن والشعبى والشافعى وأحمد وعن ابن مسعود لهن النفقة ولو غير حوامل وبه قال النخعى والثورى وأصحاب الرأى، والصحيح أن لا نفقة ولا سكنى للتى اختارت نفسها لعتق أو بلوغ أو وقوع شئ شرطته أو فسخ نكاح بعيب والمعتدة من وطء شبهة أو لحرمة إِلا إِن كانت حاملا فلها النفقة، وقال الشعبى والثورى والنخعى بقول على المتقدم، ولا سكنى للمتوفى عنها عند ابن عباس وعائشة وعطاء والحسن وأبى حنيفة، وقال عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عمر ومالك والثورى وإِسحاق وأحمد لها السكنى {فَإِنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ} ما ولدن {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الإِرضاع {وَاتَمِرُوا} أيها الآباء والأُمهات. {بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} أى ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف وتشاوروا، واللام فى قولى ليأمر لام الأَمر فإِتمروا افتعلوا بكسر العين من الأمر بمعنى تآمروا بوزن تفاعلوا بفتح التاء والعين فعل أمر، فالافتعال فى الآية بمعنى التفاعل، والمعروف الأَمر الجميل فى الأُجرة والإِرضاع والكسوة والفراش والغطاء والدهن وغير ذلك مما يحتاج إِليه الولد بلا مشاحة أو معاسرة من أحد الأَبوين. {وإِنْ تَعَاسَرْتُمْ} خطاب للآباء والأُمهات، أى تضايقتم فى الأُجرة وطلب الزيادة ونحو ذلك وامتنعت من الإِرضاع بدليل قوله تعالى {فَسَتُرْضِعُ لَهُ} أى للأَب بالأُجرة أو دونها. {أُخْرَى} أى امرأة أُخرى أو مرضعة أُخرى باعتبار أن الأُم من شأْنها أن تكون مرضعة لولدها، ومرضعة أُخرى بمعنى تأَهلت للرضاع سواء كانت ترضع غير هذا الولد من قبل أم لا، وفى الآية عتاب للأُم كما إِذا سأَلت أحدًا فمنعك فقلت يعطينى الله أو فلان بإِذن الله فيبقى العيب فيك، ووجه عتاب الأُم على ترك الإِرضاع أنها بصورة قطع الرحم وأنها شحت على ولدها وهو ثمرة فؤادها وأن لبنها غير متمول ولا مبخول به فى العرف وأن اللبن للفحل فهو للأَب أصالة، إِلا أنها لو باعته لجاز وكذا إِن سقت به من خرج عن حد الرضاع جاز، وذلك بخلاف الأَب فإِن اللوم عليه دون اللوم عليها لأَنه يعطى ما يتمول، ويجوز دخوله فى العتاب، كيف يضايق الأُم فى الأُجرة وهى أحق بولدها وأشفق عليه، وكيف لا يرغب فيها ولو بزيادة على غيرها أو كيف يقدر وإِن تعاسرتم لم يمت جوعاً لأَنه سترضع له أُخرى، أو اللفظ إِخبار. والمعنى أمر أى فليسترضع له الأَب أخرى أو فلترضعه أخرى على فرض الكفاية، وإِن لم يقبل إِلا عن أُمه أجبرت ولها الأُجرة، وكذا إِن لم يقبل إِلا عن إِمرأة أُخرى تجبر هذه الأُخرى ولها الأُجرة.
الالوسي
تفسير : {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } أي المحيض وقرىء ـ ييأسن ـ مضارعاً {مّن نِّسَائِكُمْ } لكبرهن، وقد قدر بعضهم سن اليأس بستين سنة، وبعضهم بخمس وخمسين، وقيل: هو غالب سن يأس عشيرة المرأة، وقيل غالب سن يأس النساء في مكانها التي هي فيه فإن المكان إذا كان طيب الهواء والماء ـ كبعض الصحاري ـ يبطىء فيه سن اليأس، وقيل: أقصى عادة امرأة في العالم، وهذا القول بالغ درجة اليأس من أن يقبل. {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي إن شككتم وترددتم في عدتهن، أو إن جهلتم عدتهن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» وجماعة عن أبـي بن كعب / أن ناساً من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل، فأنزل الله تعالى في سورة النساء القصرى {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ } الآية، وفي رواية أن قوماً منهم أبـي بن كعب وخلاد بن النعمان لما سمعوا قوله تعالى: { أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } تفسير : [البقرة: 228] قالوا: يا رسول الله فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر؟ فنزل {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ } الخ، فقال قائل: فما عدة الحامل؟ فنزل {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ } الخ. ويعلم مما ذكر أن الشرط هنا لا مفهوم له عند القائلين بالمفهوم، لأنه بيان للواقعة التي نزل فيها من غير قصد للتقييد، وتقدير متعلق الارتياب ما سمعت هو ما أشار إليه الطبري وغيره، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن الخ، وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك، وقال الزجاج: المعنى إن ارتبتم في حيضهن وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن، وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري أهو دم حيض أو دم علة، وقيل: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي إن تيقنتم إياسهن، والارتياب من الأضداد والكل كما ترى. والموصول قالوا: إنه مبتدأ خبره جملة {فَعِدَّتُهُنَّ } الخ، {وَإِنْ ٱرْتَبْتُمْ } شرط جوابه محذوف تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه جملة معترضة، وجوز كون {فَعِدَّتُهُنَّ } الخ جواب الشرط باعتبار الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير. وقوله تعالى: {وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ } مبتدأ خبره محذوف أي واللائي لم يحضن كذلك أو عدتهن ثلاثة أشهر، والجملة معطوفة على ما قبلها، وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق وجعل الخبر لهما من غير تقدير، والمراد ـ باللائي لم يحضن ـ الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض. واستظهر أبو حيان شموله من لم يحضن لصغر ومن لا يكون لهن حيض البتة كبعض النساء يعشن إلى أن يمتن ولا يحضن، ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به ولم تحض، ثم قال: وقيل: هذه تعتدّ سنة. {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } أي منتهى عدتهن {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ولو نحو مضغة وعلقة، ولا فرق في ذلك بين أن يكن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن كما روي عن عمر وابنه، فقد أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن أبـي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل فقال: إذا وضعت حملها فقد حلت فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت، وعن ابن مسعود فقد أخرج عنه أبو داود والنسائي وابن ماجه أنه قال: من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء القصرى {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ } الخ نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهراً وكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها، وفي رواية ابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري بسبع سنين ولعله لا يصح، وعن أبـي هريرة وأبـي مسعود البدري وعائشة وإليه ذهب فقهاء الأمصار وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عبد بن حميد في «زوائد المسند» وأبو يعلى والضياء في «المختارة» وابن مردويه عن أبـيّ بن كعب قال: قلت للنبـي صلى الله عليه وسلم: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } أهي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها؟ قال: « حديث : هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها » تفسير : وروى جماعة نحوه / عنه من وجه آخر، وصح أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل فوضعت بعد وفاته بثلاثة وعشرين يوماً، وفي رواية بخمس وعشرين ليلة، وفي أخرى بأربعين ليلة فاختضبت وتكحلت وتزينت تريد النكاح فأنكر ذلك عليها فسئل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : إن تفعل فقد خلا أجلها » تفسير : وذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أن الآية في المطلقات، وأما المتوفى عنها زوجها فعدتها آخر الأجلين، وهو مذهب الإمامية كما في «مجمع البيان». وعلى ما تقدم فالآية ناسخة لقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ } تفسير : [البقرة: 234] الآية على رأي أصحاب أبـي حنيفة ومن وافقهم من الشافعية لأن العام المطلق المتأخر ناسخ عندهم فأولى أن يكون العام من وجه كذلك، وأما من لم يذهب إليه فمن لم يجوز تأخير بيان العام قال بالنسخ أيضاً لأن العام الأول حينئذ مراد تناوله لأفراده، وفي مثله لا خلاف في أن الخاص المتراخي ناسخ بقدره لا مخصص، ومن جوز ذهب إلى التخصيص بناءاً على أن التي في القصرى أخص مطلقاً، ووجهه أنه ذكر في البقرة حكم المطلقات من النساء وحكم المتوفى عنهن الأزواج على التفريق، ثم وردت هذه مخصصة في البابين لشمول لفظ الأجل العدتين، وخصوص ـ أولات الأحمال ـ مطلقاً بالنسبة إلى الأزواج، وهذا كما يقول القائل: هندية الموالي لهم كذا وتركيتهم لهم كذا لجنس آخر، ثم يقول: والكهول منهم لهم دون ذلك أو فوقه أو كذا مريداً صنفاً آخر يكون الأخير مخصصاً للحكمين، ولا نظر إلى اختلاف العطايا لشمول اللفظ الدال على الاختصاص وخصوص الكهول من الموالي مطلقاً كذلك فيما نحن فيه لا نظر إلى اختلاف العدتين لشمول لفظ الأجل، وخصوص ـ أولات الأحمال ـ بالنسبة إلى الأزواج مطلقاً، وإن شئت فقل: بالنسبة إلى المطلقات والمتوفى عنهن رجالهن مطلقاً فلا فرق ـ قاله في «الكشف» ـ ثم قال: ومن ذهب إلى أبعد الأجلين احتج بأن النصين متعاضدان لأن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه ولا وجه للإلغاء فيلزم الجمع، وفي القول بذلك يحصل الجمع لأن مدة الحمل إذا زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشراً مع الزيادة وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت فيحصل العمل بمقتضى الآيتين، والجواب أنه إلغاء للنصين لا جمع إذ المعتبر الجمع بين النصين لا بين المدتين وذلك لفوات الحصر والتوقيت الذي هو مقتضى الآيتين اهـ فتدبر. وقرأ الضحاك ـ أحمالهن ـ جمعاً. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } في شأن أحكامه تعالى ومراعاة حقوقها {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } بأن يسهل عز وجل أمره عليه، وقيل: اليسر الثواب {وَمِنْ } قيل: للبيان قدم على المبين للفاصلة، وقيل: بمعنى في، وقيل: تعليلية.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللَّـٰتِي لَمْ يَحِضْنَ}. عطف على قوله: {أية : فطلقوهن لعدتهن}تفسير : [الطلاق: 1] فإن العدة هنالك أريد بها الأقراء فأشعر ذلك أن تلك المعتدة ممن لها أقراء، فبقي بيان اعتداد المرأة التي تجاوزت سن المحيض أو التي لم تبلغ سن من تحيض وهي الصغيرة. وكلتاهما يصدق عليها أنها آيسة من المحيض، أي في ذلك الوقت. والوقف على قوله: {واللائي لم يحضن}، أي هن معطوفات على الآيسين. واليأس: عدم الأمل. والمأيوس منه في الآية يعلم من السياق من قوله: {أية : فطلقوهن لعدتهن}تفسير : [الطلاق: 1]، أي يئسن من المحيض سواء كان اليأس منه بعد تعدده أو كان بعدم ظهوره، أي لم يكن انقطاعه لمرض أو إرضاع. وهذا السنّ يختلف تحديده باختلاف الذوات والأقطار كما يختلف سن ابتداء الحيض كذلك. وقد اختُلف في تحديد هذا السنّ بعدد السنين فقيل: ستون سنة، وقيل: خمس وخمسون، وترك الضبط بالسنين أولى وإنما هذا تقريب لإبّان اليأس. والمقصود من الآية بيِّن وهي مخصصة لعموم قوله: {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }تفسير : من سورة [البقرة: 228]. وقد نزلت سورة الطلاق بعد سورة البقرة. وقد خفي مفاد الشرط من قوله: {إن ارتبتم} وما هو متصل به. وجمهور أهل التفسير جعلوا هذا الشرط متصلاً بالكلام الذي وقع هو في أثنائه، وإنه ليس متصلاً بقوله: {أية : لا تُخرجوهن من بيوتهن}تفسير : [الطلاق: 1] في أول هذه السورة خلافاً لشذوذ تأويل بعيد وتشتيت لشمل الكلام، ثم خفيَ المراد من هذا الشرط بقوله: {إن ارتبتم}. وللعلماء فيه طريقتان: الطريقة الأولى: مشَى أصحابها إلى أن مرجع اليأس غير مرجع الارتياب باختلاف المتعلق، فروى أشهب عن مالك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات القُروء وذوات الحمل، أي في سورة البقرة، وبقيت اليائسة والتي لم تحض ارتاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أمرهما فنزلت هذه الآية، ومثله مروي عن مجاهد، وروى الطبري خبراً عن أبيّ بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اعتداد هاتين اللتين لم تذكرا في سورة البقرة، فنزلت هذه الآية. فجعلوا حرف {إنْ} بمعنى (إذْ) وأن الارتياب وقع في حكم العدة قبل نزول الآية، أي إذ ارتبتم في حكم ذلك فبيّنّاه بهذه الآية قال ابن العربي: حديث أُبّي غير صحيح. وأنا أقول: رواه البيهقي في «سننه» والحاكم في «المستدرك» وصَحّحه. والطبراني بسنده عن عَمرو ابن سالم أن أبَيَّا قال: وليس في رواية الطبري ما يدل على إسناد الحديث. وهو في رواية البيهقي بسنده إلى أبي عثمان عُمر بن سالم الأنصاري عن أُبي بن كعب وهو منقطع، لأن أبا عثمان لم يلق أُبي بن كعب وأحسب أنه في «مستدرك الحاكم» كذلك لأن البيهقي رواه عن الحاكم فلا وجه لقول ابن العربي: هو غير صحيح. فإن رجال سنده ثقات. وفي «أسباب النزول» للواحدي عن قتادة أن خلاد بن النعمان وأبيَّا سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل: إن السائل معاذ بن جبل سأل عن عدة الآيسة. فالريبة على هذه الطريقة تكون مراداً بها ما حصل من التردد في حكم هؤلاء المطلقات فتكون جملة الشرط معترضة بين المبتدأ وهو الموصول وبين خبره وهو جملة {فعدتهن ثلاثة أشهر}. والفاء في {فعدتهن} داخلة على جملة الخبر لما في الموصول من معنى الشرط مثل قوله تعالى: {أية : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما}تفسير : [النساء: 16] ومثله كثير في الكلام. والارتياب على هذا قد وقع فيما مضى فتكون {إنْ} مستعملة في معنى اليقين بلا نكتة. والطريقة الثانية: مشى أصحابها إلى أن مرجع اليأس ومرجع الارتياب واحد، وهو حالة المطلقة من المحيض، وهو عن عكرمة وقتادة وابن زيد وبه فسر يحيى بن بكير وإسماعيل ابن هاد مِن المالكية ونسبه ابن لبابة من المالكية إلى داود الظاهري. وهذا التفسير يمحض أن يكون المراد من الارتياب حصول الريب في حال المرأة. وعلى هذا فجملة الشرط وجوابه خَبر عن {اللاء يئسن}، أي إن ارتبن هُن وارتبتُم أنتم لأجل ارتيابهن، فيكون ضمير جمع الذكور المخاطبين تغليباً ويبقى الشرط على شرطيته. والارتياب مستقبل والفاء رابطة للجواب. وهذا التفسير يقتضي أن يكون الاعتداد بثلاثة أشهر مشروطاً بأن تحصل الريبة في يأسها من المحيض فاصطَدم أصحابُه بمفهوم الشرط الذي يقتضي أنه إن لم تحصل الريبة في يأسهن أنهن لا يعتددن بذلك أو لا يعتددن أصلاً فنسب ابنُ لبابة (من فقهاء المالكية) إلى داود الظاهري أنه ذهب إلى سقوط العدة عن المرأة التي يُوقَن أنها يائسة. قلت ولا تُعرف نسبة هذا إلى داود. فإن ابن حزم لم يحكه عنه ولا حكاه أحد ممن تعرضوا لاختلاف الفقهاء، قال ابن لبابة: وهو شذوذ، وقال ابن لبابة: وأمّا ابن بكير وإسماعيلُ بن حمَّاد، أي من فقهاء المالكية فجعلا المرأة المتيقّن يأسها ملحقةً بالمرتابة في العدة بطريق القياس يريد أن العدة لها حكمتان براءة الرحم، وانتظار المراجعة، وأما الذين لا يعتبرون مفهوم المخالفة فهم في سعة مما لزم الذين يعتبرونه. وأصحاب هذا الطريق مختلفون في الوجهة وفي محمل الآية بحسبها: فقال عكرمة وابن زيد وقتادة: ليس على المرأة المرتاب في معاودة الحيض إليها عدّة أكثر من ثلاثة أشهر تعلقاً بظاهر الآية (ولعل علة ذلك عندهم أن ثلاثة الأشهر يتبيّن فيها أمر الحمل فإن لم يظهر حمل بعد انقضائها تمت عدة المرأة)، لأن الحمل بعد سنّ اليأس نادر فإذا اعترتها ريبة الحمل انتَقل النظر إلى حكم الشك في الحمل وتلك مسألة غير التي نزلت في شأنها الآية. وقال الأكثرون من أهل العلم: إن المرتاب في يأسها تمكث تسعة أشهر (أي أمدَ الحملِ المعتادِ) فإن لم يظهر بها حمل ابتْدأت الاعتداد بثلاثة أشهر فتكمل لها سنةٌ كاملة. وأصل ذلك ما رواه سعيد بن المسيب من قضاء عمر بن الخطاب ولم يخالفه أحد من الصحابة، وأخذ به مالك. وعن مالك في «المدونة»: تسعة أشهر للريبة والثلاثة الأشهر هي العدة. ولعلهم رأوا أن العدة بعد مضي التسعة الأشهر تعبُّد لأن ذلك هو الذي في القرآن وأما التسعة الأشهر فأوجبها عمر بن الخطاب لعله بالاجتهاد، وهو تقييد للإِطلاق الذي في الآية. وقال النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي: تعتد المرتاب في يأسها بالأقراء (أي تنتظر الدم إلى أن تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض ولو زادت مدة انتظارها على تسعة أشهر). فإذا بلغت سن اليأس دون ريبة اعتدّت بثلاثة أشهر من يومئذٍ. ونحن نتأول له بأن تقدير الكلام: فعدتهن ثلاثة أشهر، أي بعد زوال الارتياب كما سنذكره، وهو مع ذلك يقتضي أن هذه الثلاثة الأشهر بعد مضي تسعة أشهر أو بعد مضي مدة تبلغ بها سن من لا يشبه أن تحيض تعبدٌ، لأن انتفاء الحمل قد اتضح وانتظار المراجعة قد امتدّ. إلا أن نعتذر لهم بأن مدة الانتظار لا يتحفز في خِلالها المطلِّق للرأي في أمر المراجعة لأنه في سعة الانتظار فيُزاد في المدة لأجل ذلك، وفي «تفسير القرطبي»: «قال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة (أي بدون انضباط)» اهـ. ونقل الطبري مثل هذا الكلام عن الزهري وابن زيد، فيجب أن يصار إلى هذا الوجه في تفسير الآية. والمرأة إذا قاربت وقت اليأس لا ينقطع عنها المحيض دفعة واحدة بل تبقى عدة أشهر ينتابها الحيض غِبًّا بدون انتظام ثم ينقطع تماماً. وقوله تعالى: {واللائي لم يحضن} عطف على {واللائي يئسن} والتقدير: عدتهن ثلاثة أشهر. ويحسن الوقف على قوله: {فعدتهن ثلاثة أشهر}. {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. معطوفة على جملة {واللائي لم يحضن} فهي إتمام لأحوال العدة المجمل في قوله تعالى: {أية : وأحصوا العدة}تفسير : [الطلاق: 1] وتقدير الكلام: وأولات الأحمال منهن، أي من المطلقات أجلهن أن يضعن حملهن. فحصل بهذه الآية مع التي قبلها تفصيل لأحوال المطلقات وحصل أيضاً منها بيان لإِجمال الآية التي في سورة البقرة. {وأولات} اسم جَمع لذاتٍ بمعنى: صاحبة. وذات: مؤنث ذو، بمعنى: صاحب. ولا مفرد لـ{أولات} من لفظه كما لا مفرد للفظ (أولو) و{أولات} مثل ذوات كما أن أولو مثل ذَوُو. ويكتب {أولات} بواو بعد الهمزة في الرسم تبعاً لكتابة لفظ (أولو) بواو بعد الهمزة لقصد التفرقة في الرسم بين أولي في حالة النصب والجر وبين حرف (إلى). وليتهم قصروا كتابته بواو بعد الهمزة على لفظ أولي المذكر المنصوب أو المجرور وتركوا التكلف في غيرهما. وجعلت عدة المطلقة الحامل منهَّاة بوضع الحمل لأنه لا أدل على براءة الرحم منه، إذ الغرض الأول من العدة تحقق براءة الرحم من ولدٍ للمطلِّق أو ظهور اشتغال الرحم بجنين له. وضمّ إلى ذلك غرض آخر هو ترقب ندم المطلق وتمكينه من تدارك أمره بالمراجعة، فلما حصل الأهم أُلغي ما عداه رعْياً لحق المرأة في الانطلاق من حرج الانتظار، على أن وضع الحمل قد يحصل بالقرب من الطلاق فألغي قصد الانتظار تعليلاً بالغالب دون النادر، خلافاً لمن قال في المتوفى عنها: عليها أقصى الأجلين وهو منسوب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس. وبهذا التفسير لا تتعارض هذه الآية مع آية عدة المتوفى عنها التي في سورة [البقرة: 234] {أية : والذين يُتَوَفَّون منكم ويذَرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً }تفسير : لأن تلك في وادٍ وهذه في وادٍ، تلك في شأن المتوفى عنهن وهذه في شأن المطلقات. ولكن لما كان أجل أربعة أشهر وعشر للمتوفى عنها منحصرةً حكمتُه في تحقق براءة رحم امرأة المتوفى من ولدٍ له إذ له فائدة فيه غيرَ ذلك (ولا يتوهم أن الشريعة جعلت ذلك لغرض الحزن على الزوج المتوفى للقطع بأن هذا مقصد جاهلي)، وقد دلت الشريعة في مواضع على إبطاله والنهي عنه في تصاريف كثيرة كما بينّاه في تفسير قوله تعالى: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن}تفسير : الخ في سورة [البقرة: 234]. وقد علمنا أن وضع الحمل غاية لحصول هذا المقصد نجم من جهة المعنى أن المتوفى عنها الحاملَ إذا وضعت حملها تخرج من عدة وفاة زوجها ولا تقضِّي أربعة أشهر وعشراً كما أنها لو كان أمد حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر لا تقتصر على الأربعة الأشهر وعشر إذ لا حكمة في ذلك. من أجْل ذلك كانت الآية دالة على أن عدة الحامل وضع حملها سواء كانت معتدة من طلاق أم كانت معتدة من وفاة. ومن أجل ذلك قال جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم: إن عدة الحامل المتوفّى عنها كعدتها من الطلاق وضع حملها غير أن أقوالهم تدل على أن بينهم من كانوا يرون في تعارض العمومين أن العامّ المتأخر منهما ينسخ العامّ الآخر وهي طريقة المتقدمين. روى أهل الصحيح أن عبد الله بن مسعود لما بلغه أن عليّ بن أبي طالب قال في عدة الحامل المتوفّي عنها: إن عليها أقصَى الأجلين أي أجل وضع الحمل وأجل الأربعة الأشهر والعشر قال ابن مسعود: لَنَزَلَتْ سورة النساء القُصرى (أي سورة الطلاق) بعد الطولى (أي بعد طولى السور وهي البقرة)، أي ليست آية سورة البقرة بناسخة لما في آية سورة الطلاق. ويعضدهم خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية توفي زوجها سعدُ بن خولة في حجة الوداع بمكة وتركها حاملاً فوضعت بعد وفاته بخمس عشرة ليلة وقيل بأربعين ليلة. فاستأذنت رسولَ الله في التزوج فقال لها: قد حَلَلْتِ فانكحي إن شئتِ. روته أم سلمة أم المؤمنين وقبله معظم الصحابة الذين بلغهم. وتلقاه الفقهاء بعدهم بالقبول ويشهد له بالمعنى والحكمة كما تقدم آنفاً. واختلف المتأخرون من أهل الأصول في وجه العمل في تعارض عمومين كل واحد منهما عام من وجه مثل هاتين الآيتين فالجمهور درجوا على ترجيح أحدهما بمُرجح والحنفية جعلوا المتأخِر من العمومين ناسخاً للمتقدم. فقوله: {وأولات الأحمال} لأن الموصول من صيغ العموم فيعم كل حامل معتدة سواء كانت في عدة طلاق أو في عدة وفاة، وقوله: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}تفسير : [البقرة: 234] تَعمّ كلّ امرأة تركها الميت سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأن {أزواجاً} نكرة وقعت مفعولَ الصلة وهي {يَذرون} المشتملة على ضمير المَوصول الذي هو عام فمفعوله تبع له في عمومه فيشمل المتوفى عنهن الحوامل وهن ممن شملهن عموم {أولات الأحمال} فتعارض العمومان كل من وجه، فآية {وأولات الأحمال} اقتضت أن الحوامل كلهن تنتهي عدتهن بالوضع وقد يكون الوضع قبل الأربعة الأشهر والعشر، وآية البقرة يقتضي عمومها أن المتوفّى عنهن يتربصن أربعة أشهر وعشراً. وقد يتأخر هذا الأجل عن وضع الحمل. فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم {وأولات الأحمال} على عموم {أية : ويَذرون أزواجاً}تفسير : [البقرة: 234] من وجوه. أحدها: أن عموم {وأولات الأحمال} حاصل بذات اللفظ لأن الموصول مع صلته من صيغ العموم، وأما قوله: {ويذرون أزواجاً} فإن {أزواجاً} نكرة في سياق الإِثبات فلا عموم لها في لفظها وإنما عرض لها العموم تبعاً لعموم الموصول العامل فيها وما كان عمومه بالذات أرجح مما كان عمومه بالعرض. وثانيها: أن الحكم في عموم {وأولات الأحمال} علق بمدلول صلة الموصول وهي مشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بتعليل ما اشتق منه بخلاف العموم الذي في سورة البقرة، فما كان عمومه معلَّلاً بالوصف أرجح في العمل مما عمومه غير معلل. وثالثها: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدّة سُبَيْعة الأسلمية. وذهب الحنفية إلى أن عموم {وأولات الأحمال} ناسخ لعموم قوله: {أية : ويذرون أزواجاً}تفسير : [البقرة: 234] في مقدار ما تعارضا فيه. ومآل الرأيين واحد هو أن عدة الحامل وضعُ حملها سواء كانت معتدة من طلاق أم من وفاة زوجها. والصحيح أن آية البقرة لم يرتفع حكمها وشذ القائلون بأن المتوفّى عنها إن لم تكن حاملاً ووضعت حملها يجب عليها عدة أربعة أشهر وعشر. وقال قليل من أهل العلم بالجمع بين الآيتين بما يحقق العمل بهما معاً فأوجبوا على الحامل المتوفّى عنها زوجها الاعتداد بالأقصى من الأجلين أجل الأربعة الأشهر والعشر. وأجل وضع الحمل، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس. وقصدهم من ذلك الاحتياط لأنه قد تأتَّى لهم هنا إذ كان التعارض في مقدار زمنين فأمكن العمل بأوسعهما الذي يتحقق فيه الآخَر وزيادة فيصير معنى هذه الآية {أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ما لم تكن عدة وفاة ويكون معنى آية سورة البقرة وأزواج المتوفَّيْن يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ما لم تكنَّ حوامل فيزدْن تربّصاً إلى وضع الحمل. ولا يجوز تخصيص عموم {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}تفسير : [البقرة: 234] بما في آية {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} من خصوص بالنظر إلى الحوامل المتوفَّى عنهن، إذ لا يجوز أن تنتهي عدة الحامل المتوفّى عنها التي مضت عليها أربعة أشهر وعشر قبل وضع حملها من عِدة زوجها، وهي في حالة حمل لأن ذلك مقرر بطلانه من عدة أدلة في الشريعة لا خلاف فيها وإلى هذا ذهب ابن أبي ليلى. وفي «صحيح البخاري» «عن محمد بن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عُظْم من الأنصار (أي بالكوفة) وفيهم عبد الرحمان بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه فذَكَر آخرَ الأجلين، فحدثتُ حديث عبد الله بن عتبة في شأن سُبيعة بنت الحارث فقال عبد الرحمان لكن عمه (أي عم عتبة وهو عبد الله بن مسعود) كان لا يقول ذلك (أي لم يحدثنا به) فقلت: إني إذن لجَرِيء إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة (وكان عبد الله بن عتبة ساكناً بظاهر الكوفة) فخرجتُ فلقيت عامراً أو مالك بن عوف فقلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفّى عنها زوجها وهي حامل، فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى (أي البقرة). وفي «البخاري» عن أبي سلمة جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس عنده فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة فقال ابن عباس: آخرُ الأجلين: فقلتُ أنا {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (أي مع أبي سلمة) فأرسل ابن عباس كريباً إلى أمّ سلمة يسألها فقالت: قُتل (كذا والتحقيق أنه مات في حجة الوداع) زَوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخُطِبت فأنكحها رسول الله. وقد قال بعضهم: إن ابن عباس رجع عن قوله. ولم يذكر رجوعه في حديث أبي سلمة. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَـٰتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}. تكرير للموعظة وهو اعتراض. والقول فيه كالقول في قوله تعالى: {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}تفسير : [الطلاق: 2، 3]. والمقصود موعظة الرجال والنساء على الأخذ بما في هذه الأحكام مما عسى أن يكون فيه مشقة على أحد بأن على كل أن يصبر لذلك امتثالاً لأمر الله فإن الممتثل وهو مسمى المتقي يجعل الله له يسراً فيما لحقه من عسر. والأمر: الشأن والحال. والمقصود: يجعل له من أمره العسير في نظره يسراً بقرينة جعل اليسر لأمره. و{مِن} للابتداء المجازي المراد به المقارنةُ والملابسة. واليسر: انتفاء الصعوبة، أي انتفاء المشاقّ والمكروهات. والمقصود من هذا تحقيق الوعد باليسر فيما شأنه العسر لحث الأزواج على امتثال ما أمر الله به الزوج من الإِنفاق في مدة العدة ومن المراجعة وترك منزلِه لأجل سكناها إذا كان لا يسعهما وما أمر به المرأة من تربص أمد العدة وعدم الخروج ونحو ذلك. والإِشارة بقوله: {ذلك أمر الله} إلى الأحكام المتقدمة من أول السورة. وهذه الجملة معترضة بين المتعاطفتين. والأمر في قوله: {أمرُ الله}: حكمه وما شرعه لكم كما قال: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى: 52]. وإنزاله: إبلاغه إلى الناس بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه الإِنزال تشبيهاً لشرف معانيه وألفاظه بالشيء الرفيع لأن الشريف يتخيل رفيعاً. وهو استعارة كثيرة في القرآن. ففي قوله: {أنزله} استعارة مكنية. والكلام كناية عن الحث على التهمّم برعايته والعمل به وبعث الناس على التنافس في العلم به إذ قد اعتنى الله بالناس حيث أنزل إليهم ما فيه صلاحهم. وأعيد التحريض على العمل بما أمر الله بالوعد بما هو أعظم من الأرزاق وتفريج الكرب وتيسير الصعوبات في الدنيا. وذلك هو تكفير للسيئات وتوفير للأجور. والجملة معطوفة على الجملة المعترضة فلها حكم الاعتراض. وجيء بالوعد من الشرط لتحقيق تعليق الجواب على شرطه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. فيه إطلاق لوضع الحمل على اي صفة كان هو، وأجمع العلماء على أن يصدق بوضعه حياً أو ميتاً، ولكن اشترط فيه أن يكون قد ظهرت فيه خلقة الإنسان لا مضغة ولا علقة، كما أن فيه إطلاق الأجل سواء للمطلقة أو المتوفى عنها من أنه ينقضي أجل الحوامل بوضع الحمل، وتقدم بيان ذلك مفصلاً للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وهنا مبحث أقل الحمل وأكثره، وتقدم تفصيله للشيخ أيضاً عند قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ}تفسير : [الرعد: 8]. الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واللائي يئسن من المحيض: والنسوة اللائي يئسن من الحيض. إن ارتبتم: أي شككتم في عدتهن. واللائي لم يحضن: أي لكبر سن أو صغر سن. وأولات الأحمال: أي ذوات الأحمال: النساء الحوامل. أجلهن: أي في انقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. ذلك أمر الله: أي ذلك المذكور في العدة وتفاصيلها. أنزله إليكم: أي لتأتمروا به وتعملوا بمقتضاه. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان أحكام الطلاق والرجعة والعدة فقال تعالى: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ} أي لكبر سنهن كمن تجاوزت الخمسين من عمرها إذا طلقت بعد الدخول بها. أن ارتبتم أيها المؤمنون في مدّة عدتهن، فعدتهن ثلاثة أشهر. واللائي لم يحضن أي لصغرهن كذلك، عدتهن ثلاثة أشهر وقوله {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} أي الحوامل إن طُلقن أو مات عنهن أزواجهن أجلهن في انقضاء عدتهن أن يضعن حملهن أي وضع حملهن فمتى ولدت ما في بطنها من جنين فقد انقضت عدتها ولو وضعته قبل استكمال التسعة أشهر، إن لم تتعمد إسقاطه بالإِجهاض المعروف اليوم عند الكوافر والكافرين. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} أي منكم أيها المؤمنون في هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق والرجعة والعدة فلا يخالف أمره في ذلك يكافئه الله تعالى من فضله فيجعل له من أمره يُسرا فيسهل عليه أمره ويرزقه ما تقر به عينه ويصلح به شأنه. وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} أي ذلك المذكور من الأحكام في هذه السورة من الطلاق والرجعة والعدة وتفاصيلها حكم الله أنزله إليكم لتأمروا وتعملوا به فاعملوا به ولا تهملوه طاعة لله وخوفاً من عذابه ومن يتق الله في أوامره ونواهيه فيؤدي الواجبات ويتجنب المحرمات يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً أي يغفر له ذنوبه ويدخله الجنة. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- بيان العدة وهي كالتالي: 1- متوفى عنها زوجها وهي غير حامل عدتها: أربعة أشهر وعشر ليال. 2- متوفى عنها زوجها وهي حامل: عدتها وضع حملها. 3- مطلقة لا تحيض لكبر سنها أو لصغر سنها وقد دخل بها: عدتها ثلاثة أشهر. 4- مطلقة تحيض عدتها ثلاثة قروء أي تحيض تبتدئ بالحيضة التي بعد الطهر الذي طلقت فيه. أو ثلاثة أطهار كذلك الكل واسع ولفظ القرء مشترك دال على الحيض وعلى الطهر. 2- بين أن أحكام الطلاق والرجعة والعدد مما أوحى الله به وأنزله في كتابه فوجب العمل به ولا يحل تبديله أو تغييره باجتهاد أبداً. 3- فضل التقوى وأنها باب كل يسر وخير في الحياة الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱللاَّئِي} {يَئِسْنَ} {نِّسَآئِكُمْ} {ثَلاَثَةُ} {أُوْلاَتُ} (4) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةَ الآيِسَةِ التِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِكِبَرِ سِنِّهَا، وَالصَّغِيرَةِ التِي لَمْ تَحِضْ بَعْدُ، فَقَالَ إِنَّهَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، إِنْ شَكَكْتُمْ، وَجَهلْتُمْ كَيْفَ تَكُونُ عِدَّتُهُنَّ، وَمِقْدَارُهَا؛ وَعِدَّةُ الحَوَامِلِ هِيَ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، طَالَتِ المُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ، سَوَاءٌ كُنَّ مُطَلَّقَاتٍ أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ. وَمَنْ يَخَفِ اللهَ، وَيَرْهَبْهُ، يُسَهِّلِ اللهُ عَلَيهِ أُمُورَهُ، وَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ فَرَجاً، وَيَجْعَلْ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَهْدِيهِ لِحَلِّ عُوَيْصَاتِ الأُمُورِ وَمُشْكِلاَتِهَا. يَئِسْنَ - انْقَطَعَ رَجَاؤُهُنَّ لِكِبَرِ سِنهنَّ. اللائِي لَمْ يَحِضْنَ - لِصِغَرِ سِنِّهِنَّ. يُسْراً - تَيْسِيراً وَفَرَجاً.
الصابوني
تفسير : [2] أحكام العدة التحليل اللفظي {يَئِسْنَ}: اليأس: القنوط، وقيل: اليأس نقيض الرجاء. {ٱلْمَحِيضِ}: أي الحيض، يقال حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً، والمحيض يكون اسماً ويكون مصدراً، والحيض والمحيض: اجتماع الدم في الرحم ومنه الحوض لاجتماع الماء فيه. {ٱرْتَبْتُمْ}: أي أشكل عليكم من الريبة أي الشك، وقيل تردَّدتم أو جهلتم، وقيل: تيقنتم فهو من الأضداد. {يُكَفِّرْ}: أي يستر ويمحو الخطيئة، وأصل الكَفْر: تغطية الشيء تغطيةً تستهلكه. {وُجْدِكُمْ}: الوُجدُ: المقدرة والغنى واليسار والسعة والطاقة، والمقصود من سعتكم وما ملكتم، وعلى قدر طاقتكم، وقيل من مساكنكم. والوَجْد: يستعمل في الحزن والغضب والحب، يقال: وجدت في المال أي صرت ذا مال، ووجدت على الرجل وجداً وموجدة، ووجدت الضالة وُجْداناً، والوُجد بالضم الغنى والقدرة يقال افتقر الرجل بعد وُجدٍ. {وَأْتَمِرُواْ}: افْتعَلُوا - من الأمر - يقال ائتمر القوم وتأمَّروا إذا أمر بعضهم بعضاً. وقال الكسائي: وائْتَمروا أي تشاوروا ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}تفسير : [القصص: 20]. وقول أمرئ القيس: شعر : أحارُ بنَ عمرو فؤادي خَمِرْ ويعدو على المرء ما يأتمر تفسير : وحقيقته ليأمر بعضكم بعضاً بمعروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن معاكسة ولا معاسرة. {تَعَاسَرْتُمْ}: أي تضايقتم، وتشاكستم، ولم يتفق الرجل والمرأة بالمشاحة من الرجل، أو طلب الزيادة من المرأة. {ذُو سَعَةٍ}: السعة نقيض الضيق، والوُسع، والوَسع، والسعة: الجدة والطاقة، وأصل السعة وُسْعة فحذفت الواو ونقصت. المعنى الإجمالي بيّن الله سبحانه وتعالى عدة المرأة المطلّقة في سورة البقرة في قوله: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228] فربط العدة بالحيض، وأما المرأة التي لا تحيض لكبر سنها، أو لصغرها أو لحملها، فقد جاءت هذه الآيات لتقول للمؤمنين: إذا جهلتم عدة التي يئست من المحيض وأشكل عليكم أمرها فعدتها ثلاثة أشهر، وكذلك عدة التي طلقت ولم تر الحيض ثلاثة أشهر، وأما الحامل فتنتهي بولادتها عدتها. ومن يخشى الله في ما يفعل، أو يذر، ييسر الله له أمره، ويوفقه إلى الخير، وتلك الأحكام التي مرت في الطلاق، والعدة فرض الله، وحكمه، فرضه على الناس، ومن يتق الله بالتزام ما شرعه، والبعد عما نهى عنه يمح الله سيئاته، ويعطه في الآخرة أجراً عظيماً، وثواباً كبيراً. وعلى الرجل أن يسكن مطلقته في داره التي يسكنها على قدر طاقته، ووسعه، وليس له أن يضيق عليها، ويضارها في النفقة والسكنى ليلجئها إلى الخروج من داره. وإذا كانت المرأة حاملاً فعليه أن ينفق عليها ولو طالت مدة الحمل بعد الطلاق حتى تضع حملها، فإذا ولدت، ورضيت أن ترضع ابنها، فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، وليأمر كل منهما الآخر بالمعروف في أمر الرضاع، وأجره، والحضانة ووقتها، فإن عسر الاتفاق بين الأم والأب، ولم يتوصلا إلى أمر وسط يرضيهما، فللأب حينئذٍ أن يفتش لابنه عمن يرضعه غير أمه. هذا، والإنفاق على المعتدة بحسب طاقة الرجل، فإن كان غنياً فليعطها ما يلائم غناه، وإن كان فقيراً، ضيِّقَ العيش، فليس عليه أن يدفع إلا بقدر ما يستطيع فإن الله - جلت حكمته - لم يكلف الإنسان إلا بقدر ما أعطاه من الرزق، وليعلم أن حال الدنيا لا يبقى على حال، فإن الله سيجعل بعد عسر يسراً. سبب النزول 1 - أخرج الحاكم وصححه وابن جرير الطبري والبيهقي في سننه وجماعة: أنها لما نزلت عدة المطلَّقة، والمتوفَّى عنها زوجُها في البقرة قال أُبيُّ بن كعب: يا رسول الله إنَّّ نساءً من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل. فنزلت هذه الآية {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ...} الآيات. 2 - وروى الواحدي والبغوي والخازن: أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ...}تفسير : [البقرة: 228] الآية، قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية: {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ...}. وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {يَئِسْنَ}: قرأ الجمهور (يئسن) فعلاً ماضياً. وقرئ (ييئسن) بياءين مضارعاً. 2 - قوله تعالى: {حَمْلَهُنَّ}: قرأ الجمهور (حملهن) مفرداً. وقرأ الضحاك (أحمالهن) جمعاً. 3 - قوله تعالى: {وَيُعْظِمْ}: قرأ الجمهور (يُعْظم) بالياء مضارع أعظم. وقرأ الأعمش (نعظم) بالنون خروجاً من الغيبة للتكلم. وقرأ ابن مقسم (يُعَظّم) بالياء والتشديد مضارع (عَظّم) مشدداً. 4 - قوله تعالى: {مِّن وُجْدِكُمْ}: قرأ الجمهور (من وُجدكم) بضم الواو. وقرأ الحسن وغيره (من وَجدكم) بفتحها. وقرأ يعقوب وغيره (من وِجدكم) بكسرها. وهي لغات ثلاث بمعنى الوسع. 5 - قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ}: قرأ الجمهور (لينفق) بلام الأمر. وحكى أبو معاذ قراءة (لينفقَ) بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره "شرعنا ذلك لينفقَ". 6 - قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}: قرأ الجمهور (قُدِرَ) مخففاً. وقرأ ابن أبي عبلة (قَدّر) مشدد الدال. وقرأ أبي بن كعب (قُدّر) بضم القاف وتشديد الدال. وجوه الإعراب 1 - {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ} مبتدأ، خبره جملة فعدتهن. 2 - {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرط جوابه محذوف، تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه جملة معترضة. وجوز كون (فعدتهن) الخ جواب الشرط باعتبار الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 53] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير. 3 - قوله تعالى: {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ}: قال ابن الأنباري: تقديره واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، إلا أنه حذف خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقولك زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو أبوه منطلق، وهذا كثير في كلامهم. قال أبو حيان: والأولى أن يقدر "مثل أولئك" أو "كذلك" فيكون المقدر مفرداً. وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق، وجعل الخبر لهما من غير تقدير. والجملة معطوفة على ما قبلها فإعرابه مبتدأ كإعراب {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ}. 4 - قوله تعالى: {وَأُوْلَٰتُ ٱلأَحْمَالِ} مبتدأ. وأجلهن: مبتدأ ثان. وأن يضعن حملهن: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ وخبره خبر عن المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون (أجلهن) بدلاً من (أولات) بدل الاشتمال وجملة (أن يضعن) الخبر والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال أبو حيان: لمَّا كان الكلام في أمر المطلقات، وأحكامهن، من العدة وغيرها، وكنَّ لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهنَّ وكراهة، جاء عقيب بعض الجمل (الأمرُ بالتقوى) حيث المعنى مبرزاً في صورة شرط وجزاء في قوله {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ...} إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض ما يشينها، وينفِّر الخُطَّاب عنها، ويوهم أنه فارقها لأمر ظهر له منها، فلذلك تكرَّر قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار، والنفقة على المعتدات... وغير ذلك مما يلزمه يرتب له تكفير السيئات، وإعظام الأجر. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الفضل، وإفرادُ الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه قوله تعالى: {أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} وما بعده استئناف، وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى في قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ}. كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟! فقيل: اسكنوهن مسكناً من حيث سكنتم. اللطيف الرابعة: إذا كانت كل مطلقة يجب لها النفقة فما فائدة الشرط في قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ}؟! نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها بعد الطلاق، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار من مدة الحمل، فنفي ذلك الظن بإثبات النفقة للحامل حتى تلد. اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى "سيقضيها غيرك وأنت ملوم". قال ابن المنير: "وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو غير متموَّل ولا مضمون به في العرف، وخصوصاً من الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب، فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن أجدر باللوم، وأحق بالعتب، والمعنى ليطلب له الأب مرضعة أخرى فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء". الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي عدة المرأة التي لا تحيض؟ المرأة غير الحائض تشمل من بلغت سن اليأس، والصغيرة التي لم تر الحيض بعد، أما من يئست من الحيض فعدتها ثلاثة أشهر بلا خلاف، وكذا الصغيرة التي لم تحض. واختلف في تقدير سن اليأس على أقوال عديدة: فقدره بعض الفقهاء بستين سنة. وقدَّره بعضهم بخمس وخمسين سنة. وقيل: غالب سن يأس عشيرة المرأة. وقيل: أقصى عادة امرأة في العالم. وقيل: غالب سن يأس النساء في مكانها التي هي فيه، فإن المكان إذا كان طيَّب الهواء والماء، يبطئ فيه سن اليأس. وأما المرأة إذا كانت تحيض ثم لم تر الحيض في عدتها ولم يُدْر سببه: فقال الحنفية والشافعية: إن عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر. ونقل عن علي وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. وقال مالك وأحمد: تنتظر تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل فإذا لم يبن الحمل فيها علم براءة الرحم، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. ونقل عن عمر أنه قضى بذلك. الحكم الثاني: ما المراد من قوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشْهُرٍ}؟ قال الجصاص: غير جائز أن يكون المراد به الارتياب في الإياس؛ لأنَّا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدَّتُها ثلاثة أشهر. واختلف أهل العلم في (الريبة) المذكورة في الآية على أقوال: اختار الطبري: أن يكون المعنى "إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن؟ فالحكم أن عدتهن ثلاثة أشهر" وهو قول الجصاص فقد قال: "وذكُر الارتياب في الآية إنما هو على وجه ذكر السبب الذي نزل عليه الحكم فكان بمعنى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر..." ونقل عن مجاهد. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري أهو دم حيض أو دم علة. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض، تحيض في أول الشهر مراراً وفي الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة والمعنى "لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة". قال القرطبي: وهو أصح ما قيل فيه. وقال الزجاج: المعنى إن ارتبتم في حيضهن، وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن. وقيل: إن ارتبتم أي تيقنتم وهو من الأضداد. الحكم الثالث: ما هي عدة الحامل؟ نصت الآية على أن الحامل تنتهي عدتها بولادتها، ودل قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} تفسير : [البقرة: 234] على أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، فإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً فبأي الأجلين تأخذ؟ ولم يختلف السلف والخلف أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها، واختلفوا في المتوفى عنها زوجها. قال الجمهور: عدة المتوفى عنها زوجها الحامل أن تضع حملها. وقال علي وابن عباس: {وَأُوْلَٰتُ ٱلأَحْمَالِ} في المطَّلقات، وأما المتوفى عنها فعدتها أبعد الأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر صبرت إلى آخرها. حجة الجمهور: استدل الجمهور بحديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت (سعد بن خولة) وهو ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعلَّت من نفاسها تجمَّلت للخُطَّاب، فدخل عليها رجل من بني عبد الدار فقال لها: مالي أراك متجملة، لعلك ترتجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشراً. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي. وعن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول: تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته، ما نزلت: {وَأُوْلَٰتُ ٱلأَحْمَالِ} إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. قال أبو بكر الجصاص: أفاد قول ابن مسعود أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مضمنة بما قبلها من ذكر المطلّقة فوجب اعتبار الحمل في الجميع، من المطلقات، والمتوفَّى عنهن أزواجهن". الحكم الرابع: هل للمطلقة ثلاثاً سكنى ونفقة؟ لا خلاف بين العلماء في إسكان المطلقات الرجعيات، واختلفوا في المطلقة ثلاثاً على أقوال: ذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة. وذهب أحمد وغيره إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى. دليل المذهب الأول: قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. وذلك أن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكن مطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها. دليل المذهب الثاني: 1 - قوله تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} وترك النفقة من أكبر الإضرار وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا. 2 - ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية. 3 - ولأنها محبوسة عليه لحقِّه فاستحقَّت النفقة كالزوجة. 4 - أن السكنى لما كانت حقاً في مال، وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذا كانت السكنى حقاً في مال وهي بعض النفقة. دليل المذهب الثالث: 1 - حديث فاطمة بنت قيس: أنه طلَّقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لي نفقة أُخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئاً. قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : لا نفقة لك ولا سكنى ". تفسير : وفي رواية "حديث : إنما السكنى والنفقة على من له عليها رجعة ". تفسير : 2 - إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها. وللعلماء في مناقشة الأدلة كلام طويل ينظر في كتب الفروع. الحكم الخامس: على من يجب الرضاع؟ قال المالكية: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية إلا لشرف الزوجة وموضعها فعلى الأب رضاعه يومئذٍ في ماله، فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها فيلزمها رضاعه. وقال الحنفية: لا يجب الرضاع على الأم بحال. وقيل: يجب الرضاع على الأم في كل حال. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: المرأة اليائسة من الحيض، والصغيرة التي لم تحض، إذا طلقتا فعدتهما ثلاثة أشهر. ثانياً: المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل. ثالثاً: تقوى الله تعالى تيسّر أمور المؤمن في الدنيا، وتكفّر السيئات، وتعظم الأجر في الآخرة. رابعاً: المرأة المعتدة تسكن في منزل زوجها حتى تنقضي عدتها. خامساً: على الرجل أن لا يضيّق على المعتدة في النفقة أو السكنى ليجبرها على الخروج من منزله. سادساً: نفقة الحامل تستمر حتى تضع الحمل، وإن طالت المدة. سابعاً: للمرأة الحق الكامل في أن تأخذ أجرة على إرضاع ولدها من الرجل. ثامناً: الإنفاق يكون بحسب مال الرجل غنىً وفقراً. تاسعاً: التكليف منوط بالقدرة التي مكّن الله بها عبده. حكمة التشريع الزواج هو الأساس في بناء المجتمع الإسلامي، والطلاق هو السبيل لقطع علاقات الزوجين بعضهما من بعض، ولكنَّ للزوجية آثاراً قد يتأخر ظهورها وقتاً، فجعل الله جلّ ثناؤه العدة تمكث المرأة فيها مدة من الزمن ينفق عليها مطلقها، ويسكنها في بيته، ليكون في أمان واطمئنان، وهي تحت نظره، إن ظهر حملها، فالولد ولده، وإن لم يظهر الحمل في مدة العدة، فلم يعد بين الرجل وزوجه أية علاقة تربطهما، هو بالنسبة إليها كسائر الرجال، وهي بالنسبة إليه كسائر النساء، لا تستطيع أن تطالبه بنسب، ولا نفقة، ولا غير ذلك. وبهذا لم يظلم الإسلام المرأة حيث فرض لها النفقة، والسكنى ما دامت محبوسة لصالح الرجل، وأمن الرجل من جهة زوجه حيث مكثت مدة يتبين معها شغل رحمها أو فراغه. وأما الحوامل فقد جعل الله تعالى عدتهن الوضع طال أمد الحمل بعد الطلاق أم قصر، وذلك لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة، فلا حاجة إلى الانتظار. وأمر الله عز وجل الرجال أن يسكنوا النساء مما يجدون هم من سكن، وما يستطيعونه حسب مقدرتهم وغناهم، لا أقل مما هم عليه في سكناهم، ونهاهم أن يعمدوا إلى الإضرار بهن بالتضييق عليهن في فسحة المسكن، أو في المعاملة أثناء إقامتهن. وخصت ذوات الأحمال بذكر النفقة مع وجوب النفقة لكل معتدة، لتوهم أن طول مدة الحمل يحدد زمن الإنفاق ببعضه دون بقيته، أو بزيادة المدة إذا قصرت مدة الحمل، فأوجب النفقة حتى الوضع، وهو موعد انتهاء العدة لزيادة الإيضاح التشريعي. وأما الرضاع، فلم يجعله الله سبحانه واجباً على الأم دون مقابل، وما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما، فمن حقها أن تنال أجراً على رضاعه تستعين به على حياتها، وعلى إدرار اللبن للطفل، وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة. وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد، ويتشاورا في أمره، ورائدهما مصلحته - وهو أمانة بينهما - فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء. والأمر منوط بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر، فأولى لهما أن يعقدا به الأمر كله، ويتجها إليه، ويراقباه في كل أمرهما، وهو المانح المانع، القابض الباسط. والزوجان يتفارقان - في ظل هذه التوجيهات القرآنية - وفي قلب كل منهما بذور للود لم تمت، وربما جاءها ما ينعشها في يوم من الأيام، إلى أدب رفيع يريد الإسلام أن يصبغ به حياة الجماعة المسلمة ويشيع فيها أرجه وشذاه.
الجيلاني
تفسير : هذه المذكورات من الحدود والآداب في طلاق ذوات الأقراء من المعتدات {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ} وقنطن {مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ} لكبرهن {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي: جهلتم وشككتم في تعيين عدتهن {فَعِدَّتُهُنَّ} بعدما طلقتموهن {ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} أي: مضيها. رُوي أنه لمَّا نزلت: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228] قيل: فما عدة النساء اللاتي يئسن؟ فنزلت: {وَ} كذا أيضاً مضي ثلاثة أشهر عدة النساء {ٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} بعد؛ لصغر سنهن أو مرض {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} من المطلقات {أَجَلُهُنَّ} ومنتهى عدتهن: {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} سواء كان الوضع بعد الفرقة بزمان كثير أو قليل. وهذا الحكم متناول للمطلقة، والمتوفي عنها زوجها، وإنما لم يعيَّن لأولات الأحمال حدّ معين من أقراء وشهود؛ لأن المقصود الأصلي من إلزام العدة: حفظ الماء، استبراء الرحم؛ لئلا ينجر إلى خلط النسب، وبالوضع يحصل المقصود على الوجه الأتم؛ ولهذا لم يحدّ لهن سوى الوضع {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} ويحفظ نفسه من سخطه، وطلَّق امرأته على الوجه المسنون، ولم يركن إلى الطلاق البدعي أصلاً {يَجْعَل لَّهُ} سبحانه {مِنْ أَمْرِهِ} الذي هو فراق زوجته {يُسْراً} [الطلاق: 4] يسهل إليه التزويج الآخر، ويحسنها له، ويحبلها له. {ذَلِكَ} المذكور من الأحكام {أَمْرُ ٱللَّهِ} العليم الحكيم {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} أيها المكلَّفون؛ ليصلح مفاسدكم المتعلقة بحكم الطلاق {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور، ولم يتجاوز عن مقتضى أمره المبرم، وحكمه المحكم {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} يتغليب حسناته عليها {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} [الطلاق: 5] بتضعيف حسناته أضعافاً كثيرة. {أَسْكِنُوهُنَّ} أي: المطلقات {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} أيها المطلقون {مِّن وُجْدِكُمْ} أي: من وسعكم، ومقتضى طاقتكم من ملك، وإجارة وإعارة {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} في السكنى {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} حتى يضطررن إلى الخروج {وَإِن كُنَّ} أي: المطلقات {أُوْلاَتِ حَمْلٍ} منكم أيها المطلِّقون {فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرجن من العدة، وهذا الحكم؛ أي: الإنفاق على المعتدة مخصوص بأولات الأحمال من المعتدات؛ إذ الإنفاق حقيقةً إنما هي لأولات الأولاد دون غيرهن من المعتدات؛ إذ لا سبب توجبها. وإذا وضعن {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أولادكم بعد رفع رابطة النكاح {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الإرضاع، مثل سائر المرضعات الأجنبيات، ولا تعللوا بكونهن أمهات للرضيع {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ} أي: ليأمر بعضكم بعضاً أيها المؤمنون في إرضاع المطلقة ولدها من المطلق {بِمَعْرُوفٍ} مستحسن، مقبول شرعاً من إعطاء الأجرة الكاملة، والزيادة عليها مراعاةً للمروءة {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} وتضايقتم في الأجرة عليها {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} [الطلاق: 6] غيرها، إلاَّ أن المروءة تأبى عن أن تعرض الأم من إرضاع ولدها؛ إذ هي أولى به من غيرها. {لِيُنفِقْ} على المعتدة الحاملة {ذُو سَعَةٍ} ويسر {مِّن سَعَتِهِ} ومقدار وسعه وطاقته على مقتضى نفقتها قبل الفرقة {وَمَن قُدِرَ} وضُيِّق {عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} من الرزق بلا جبر وتحميل، إنه {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ} المنعم الحكيم {نَفْساً إِلاَّ} مقدار {مَآ آتَاهَا} وساق لها من الرزق الصوري؛ إذ {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ} المنعم المفضل {بَعْدَ عُسْرٍ} دنيوي {يُسْراً} [الطلاق: 7] حقيقياً أخروياً، فاليسر في الآخرة أولى من الدنيا وما فيها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى أن الطلاق المأمور به يكون لعدة النساء، ذكر تعالى العدة، فقال: { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } بأن كن يحضن، ثم ارتفع حيضهن، لكبر أو غيره، ولم يرج رجوعه، فإن عدتها ثلاثة أشهر، جعل لكل شهر، مقابلة حيضة. { وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ } أي: الصغار، اللائي لم يأتهن الحيض بعد، و البالغات اللاتي لم يأتهن حيض بالكلية، فإنهن كالآيسات، عدتهن ثلاثة أشهر، وأما اللائي يحضن، فذكر الله عدتهن في قوله: {أية : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } تفسير : [وقوله:] { وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } أي: عدتهن { أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } أي: جميع ما في بطونهن، من واحد، ومتعدد، ولا عبرة حينئذ، بالأشهر ولا غيرها، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } أي: من اتقى الله تعالى، يسر له الأمور، وسهل عليه كل عسير. { ذَلِكَ } [أي:] الحكم الذي بينه الله لكم { أَمْرُ اللَّهِ أَنزلَهُ إِلَيْكُمْ } لتمشوا عليه، [وتأتموا] وتقوموا به وتعظموه. { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } أي: يندفع عنه المحذور، ويحصل له المطلوب.
النسائي
تفسير : قولهُ: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [4] 624 - أنا أبو داود سُليمان بن سيفٍ، نا الحسن - يعني ابن محمد بن أعين، [قال: حدثنا زُهيرٌ] نا أبو إسحاق، عن الأسودِ ومسروقٍ وعبيدة، عن عبد اللهِ، أن سورة النساء القصرى نزلت بعد البقرة. 625 - أنا أحمد بن سليمان، نا عمرو بن عونٍ، أنا شريكٌ، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد أن ابن مسعودٍ قال: القصرى نزلت بعد سورة البقرة {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. 636 - أنا محمد بن عبد الله بن بزيعٍ، نا يزيد يعني: ابن زُريعٍ - حدثنا حجاجٌ - وهو: الصَّوَّافُ نا يحيى بن أبي كثيرٍ، نا أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: قيل لابن عباسٍ في امرأةٍ وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلةً، أيصلحُ لها أن تتزوج؟ قال: [لا، إلا آخر الأجلين: قال: قلتُ] قال الله تبارك وتعالى: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال: إنما ذلك في الطلاقِ، قال أبو هريرة، أنا مع ابن أخي - يعني: أبا سلمة - فأرسل غُلامهُ كُريباً فقال: ائت أم سلمة فسلها: هل كان هذا سُنةً من رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فجاءهُ فقال: قالت: نعم، سُبيعةُ الأسلميةُ وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلةً، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج وكان أبو السنابلِ فيمن خطبها.
همام الصنعاني
تفسير : 3239- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، في قوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ}: [الآية: 4]، قال: في كبرهن، أن يكون ذلِك كَانَ مِنَ الكِبْرِ فإنها تعتد حين ترتاب ثلاثة أشْهُرٍ، فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهِيَ شابة، فإنها تتأنى بها حتى يُنظر: أحامِلٌ هيَ، أم لاَ؟ فإنِ استبانَ حَمْلُها فأَجَلها أن تضع حملها، فإن لم يَسْتَبِنْ حَمْلَها استوفي بها، وأقصى ذلك سنة. 3240- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: لما نزلت هذه الآية: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : : [البقرة: 228]، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت التي لم تحضْ؟ والتي يئست من المحيض؟ فاختلفوا فيه فأنزل الله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ}: [الآية: 4]، يَقُولُ: إنْ سألْتُمْ فعدتُهُنَّ ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن بملنزتهن: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ}: [الآية: 4].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):