Verse. 5223 (AR)

٦٥ - ٱلطَّلَاق

65 - At-Talaq (AR)

اَسْكِنُوْہُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِّنْ وُّجْدِكُمْ وَلَا تُضَاۗرُّوْہُنَّ لِتُضَيِّقُوْا عَلَيْہِنَّ۝۰ۭ وَاِنْ كُنَّ اُولَاتِ حَمْلٍ فَاَنْفِقُوْا عَلَيْہِنَّ حَتّٰى يَضَعْنَ حَمْلَہُنَّ۝۰ۚ فَاِنْ اَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاٰتُوْہُنَّ اُجُوْرَہُنَّ۝۰ۚ وَاْتَمِرُوْا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوْفٍ۝۰ۚ وَاِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَہٗۗ اُخْرٰى۝۶ۭ
Askinoohunna min haythu sakantum min wujdikum wala tudarroohunna litudayyiqoo AAalayhinna wain kunna olati hamlin faanfiqoo AAalayhinna hatta yadaAAna hamlahunna fain ardaAAna lakum faatoohunna ojoorahunna watamiroo baynakum bimaAAroofin wain taAAasartum fasaturdiAAu lahu okhra

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أسكنوهن» أي المطلقات «من حيث سكنتم» أي بعض مساكنكم «من وجدكم» أي سعتكم عطف بيان أو بدل مما قبله بإعادة الجار وتقدير مضاف، أي أمكنة سعتكم لا ما دونها «ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن» المساكن فيحتجن إلى الخروج أو النفقة فيفتدين منكم «وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم» أولادكم منهن «فآتوهن أجورهن» على الإرضاع «وأتمروا بينكم» وبينهن «بمعروف» بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع «وإن تعاسرتم» تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله «فسترضع له» للأب «أخرى» ولا تكره الأم على إرضاعه.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ } وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الطلاق: 4] كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات، فقيل: {أَسْكِنُوهُنَّ } قال صاحب «الكشاف»: (من) صلة، والمعنى أسكنوهن حيث سكنتم. قال أبو عبيدة: {مّن وُجْدِكُمْ } أي وسعكم وسعتكم، وقال الفراء: على قدر طاقتكم، وقال أبو إسحاق: يقال وجدت في المال وجداً، أي صرت ذا مال، وقرىء بفتح الواو أيضاً وبخفضها، والوجد الوسع والطاقة، وقوله: {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } نهي عن مضارتهن بالتضييق عليهن في السكنى والنفقة {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وهذا بيان حكم المطلقة البائنة، لأن الرجعية تستحق النفقة، وإن لم تكن حاملاً، وإن كانت مطلقة ثلاثاً أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً، وعند مالك والشافعي، ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لا سكنى لك ولا نفقة. تفسير : وقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } يعني حق الرضاع وأجرته وقد مر، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر، وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل، وقوله تعالى: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } قال عطاء: يريد بفضل معروفاً منك، وقال مقاتل: بتراضي الأب والأم، وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، والخطاب للأزواج من النساء والرجال، والمعروف ههنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا هي في حق الولد ورضاعه وقد مر تفسير الائتمار، وقيل: الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي، وقوله تعالى: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } أي في الأجرة: {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } غير الأم، ثم بين قدر الإنفاق بقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ } أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك، ونظيره: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } تفسير : [البقرة: 236] وقوله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءَاتَاهَا } أي ما أعطاها من الرزق، قال السدي: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني، وقوله: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة، فأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسراً وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم، ثم في الآية مباحث: الأول: إذا قيل: (من) في قوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } ما هي؟ نقول: هي التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن (لكم) غير بيت واحد فأسكنوها في بعض جوانبه. الثاني: ما موقع {مّن وُجْدِكُمْ }؟ نقول: عطف بيان لقوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } وتفسير له، أي مكاناً من مسكنكم على قدر طاقتكم. الثالث: فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ } نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار مدة الحمل، فنفى ذلك الظن.

القرطبي

تفسير : . فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} قال أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلّقها ويتركها في المنزل؛ لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ}. فلو كان معها ما قال أسكنوهن. وقال ابن نافع: قال مالك في قول الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}. يعني المطلقات الّلاتي بِنَّ من أزواجهن فلا رَجْعَة لهم عليهن وليست حاملا، فلها السُّكْنى ولا نفقة لها ولا كسوة، لأنها بائن منه، لا يتوارثان ولا رجعة له عليها. وإن كانت حاملاً فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضي عِدّتها. فأما من لم تَبِنْ فإنهن نساؤهم يتوارثون، ولا يخرجن إلا أن يأذن لهن أزواجهن ما كُنّ في عِدتهن، ولم يؤمروا بالسكنى لهن لأن ذلك لازم لأزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن، حوامل كن أو غير حوامل. وإنما أمر الله بالسكنى للاّئى بِنّ من أزواجهن مع نفقتهن، قال الله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بِنّ من أزواجهن السكنى والنفقة. قال ابن العربي: وبَسْطُ ذلك وتحقيقه أن الله سبحانه لما ذكر السّكْنَى أطلقها لكل مطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيّدها بالحمل، فدّل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها. وهي مسألة عظيمة قد مَهدنا سُبُلَها قرآنا وسُنَّةً ومعنى في مسائل الخلاف. وهذا مأخذها من القرآن. قلت: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثاً على ثلاثة أقوال، فمذهب مالك والشافعيّ: أن لها السكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أن لها السكنى والنفقة. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثَوْر: أن لا نفقة لها ولا سكنى، على: حديث : حديث فاطمة بنت قيس، قالت: دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي فقلت: إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة؟ قال:«بل لكِ السُّكْنَى ولكِ النفقة». قال: إن زوجها طلّقها ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة». فلما قدمتُ الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقةتفسير : . خرّجه الدَّارَقُطْنِيّ. ولفظ مسلم عنها: حديث : أنه طلّقها زوجها في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان أنفق عليها نفقة دُونٍ، فلما رأت ذلك قالت: والله لأُعْلِمَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئاً. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«لا نفقة لكِ ولا سكْنى»تفسير : . وذكر الدارَقُطْنيّ عن الأسود قال: قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس: لا نجيز في المسلمين قول امرأة. وكان يجعل للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة. وعن الشعبي قال: لَقِيَني الأسود بن يزيد فقال. يا شَعْبي، اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس؛ فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة. قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ما أحسن هذا. وقد قال قتادة وابن أبي لَيْلَى: لا سكنى إلاّ للرجعية؛ لقوله تعالى: {لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}، وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. والله أعلم. ولأن السكنى تابعةٌ للنفقة وجاريةٌ مجراها؛ فلما لم تجِب للْمَبْتُوتَة نفقة لم يجب لها سكنى. وحجة أبي حنيفة أن للمبتوتة النفقة قوله تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} وترك النفقة من أكبر الأضرار. وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبيّن هذا، ولأنها معتدّة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية، ولأنها محبوسة عليه لحقّه فاستحقت النفقة كالزوجة. ودليل مالك قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ} الآية. على ما تقدم بيانه. وقد قيل: إن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أوّل الآية إلى قوله: {ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} ثم ذكر بعد ذلك حُكْما يعم المطلقات كلّهن من تعديد الأشهر وغير ذلك. وهو عام في كل مطلقة؛ فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة. الثانية ـ: قوله تعالى: {مِّن وُجْدِكُمْ} أي من سعَتكم؛ يقال وَجَدْتُ في المال أَجِدُ وُجْداً (ووَجْداً ووِجْداً) وجِدَةً. والوِجْد: الغنى والمقدرة. وقراءة العامة بضم الواو. وقرأ الأعرج والزهري بفتحها، ويعقوب بكسرها. وكلها لغات فيها. الثالثة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} قال مجاهد: في المسكن مُقاتل: في النفقة؛ وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي الضحى: هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدّتها راجعها ثم طلّقها. الرابعة ـ: قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلّقة ثلاثاً أو أقلّ منهن حتى تضع حملها. فأما الحامل الْمُتَوَفىَّ عنها زوجها فقال عليّ وابن عمر وابن مسعود وشُرَيح والنَّخَعيّ والشَّعْبي وحمّاد وابن أبي لَيْلَى وسُفيان والضّحاك: يُنفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم: لا ينفق عليها إلا من نصيبها. وقد مضى في «البقرة» بيانه. قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} فيه أربع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} ـ يعني المطلقات ـ أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهنّ أجرة إرضاعهن. وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهنّ ما لم يَبِن. ويجوز عند الشافعي. وتقدّم القول في الرضاع في «البقرة» و «النساء» مستوفى ولله الحمد. الثانية ـ: قوله تعالى: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} هو خطاب للأزواج والزوجات؛ أي ولْيَقْبَل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل. والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة. والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع. وقيل: ائتمروا في رضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار. وقيل: هو الكسوة والدِّثار. وقيل: معناه لا تضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده. الثالثة ـ: قوله تعالى: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأمّ رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها؛ وليستأجر مرضعة غير أمّه. وقيل: معناه وإن تضايقتم وتشاكستم فلسيترضع لولده غيرها؛ وهو خبر في معنى الأمر. وقال الضحاك: إن أبت الأمّ أن ترضع استأجر لولدها أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمّه على الرضاع بالأجر. وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال: قال علماؤنا: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية؛ إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله. الثاني ـ قال أبو حنيفة: لا يجب على الأمّ بحال. الثالث ـ يجب عليها في كل حال. الرابعة ـ: فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ثَدْي غيرها فيلزمها حينئذ الإرضاع. فإن اختلفا في الأجر فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع الأب إلا تَبَرُّعاً فالأمّ أوْلى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعاً. وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططاً فالأب أوْلى به. فإن أعسر الأب بأجرتها أخذت جبراً برضاع ولدها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده إذا طلق أحدهم المرأة، أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، فقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} أي عندكم {مِّن وُجْدِكُمْ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني: سعتكم، حتى قال قتادة: إن لم تجد إلا جنب بيتك، فأسكنها فيه. وقوله تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} قال مقاتل بن حيان: يعني: يضاجرها لتفتدي منه بمالها، أو تخرج من مسكنه، وقال الثوري عن منصور عن أبي الضحى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} قال: يطلقها، فإذا بقي يومان راجعها. وقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال كثير من العلماء منهم ابن عباس وطائفة من السلف وجماعات من الخلف: هذه في البائن إن كانت حاملاً، أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإنفاق على الحامل، وإن كانت رجعية، لأن الحمل تطول مدته غالباً، فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة، ثم اختلف العلماء هل النفقة لها بواسطة الحمل أم للحمل وحده؟ على قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها مسائل كثيرة مذكورة في علم الفروع. وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أي إذا وضعن حملهن وهن طوالق، فقد بِنَّ بانقضاء عدتهن، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ، وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالباً إلا به، فإن أرضعت، استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليّه على ما يتفقان عليه من أجرة، ولهذا قال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقوله تعالى: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة؛ كما قال تعالى في سورة البقرة: {أية : لاَ تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} تفسير : [البقرة:233] وقوله تعالى: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} أي وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيراً، ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلاً ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها. وقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} أي لينفق على المولود والده أو وليه بحسب قدرته {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا} كقوله تعالى:{أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] روى ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله تعالى، تأول هذه الآية {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ ٱللَّهُ}. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي، أخبرني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري، واسمه الحارث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير فتصدق منها بدينار، وكان لآخر عشر أواقٍ، فتصدق منها بأوقية، وكان لآخر مئة أوقية، فتصدق منها بعشر أواق ــــ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــــ: هم في الأجر سواء، كل قد تصدق بعشر ماله، قال الله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} وعد منه تعالى، ووعده حق لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تفسير : [الشرح: 5 ــــ 6] وقد روى الإمام أحمد حديثاً يحسن أن نذكره ههنا: فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعاً قد أصابته مسغبة شديدة، فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم، أبشر، أتانا رزق الله، فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شيء، قالت: نعم هنيهة، ترجو رحمة الله، حتى إذا طال عليه الطول، قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فائتيني به فإني قد بلغت وجهدت، فقالت: نعم، الآن نفتح التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري، فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم، ورحييها تطحنان، فقامت إلى الرحى فنفضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم، قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة»تفسير : وقال في موضع آخر: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر عن هشام عن محمد، وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة، خرج إلى البَرية، فلما رأت امرأته، قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئاً، قال: فرجع الزوج، فقال: أصبتم بعدي شيئاً؟ قالت امرأته: نعم من ربنا، فأمّ إلى الرحى، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَسْكِنُوهُنَّ } أي المطلقات {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } أي بعض مساكنكم {مِّن وُجْدِكُمْ } أي سعتكم عطف بيان، أو بدل مما قبله بإعادة الجارّ وتقدير مضاف أي أمكنة سعتكم لا ما دونها {وَلاَ تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ } المساكن فيحتجن إلى الخُرُوجِ أو النَّفَقَةِ فيفتدين مِنْكُمْ {وَإنْ كُنَّ أُوْلاَتِ حَملٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } أولادكم منهنّ {فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الرضاع {وَأْتَمِرُواْ بَيْنِكُمْ } وبينهنّ {بِمَعْرُوفٍ } بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم للإِرضاع {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } تضايقتم في الرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله {فَسَتُرْضِعُ لَهُ } للأب {أُخْرَىٰ } ولا تكره الأمّ على إرضاعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان ما يجب للنساء من السكنى، ومن للتبعيض، أي: بعض مكان سكناكم، وقيل: زائدة {مّن وُجْدِكُمْ } أي: من سعتكم وطاقتكم، والوجد القدرة. قال الفرّاء: يقول على ما يجد، فإن كان موسعاً عليه، وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيراً فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلاّ ناحية بيتك فأسكنها فيه. وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثاً، هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك، والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق، وقد قررته في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } نهى سبحانه عن مضارتهنّ بالتضييق عليهنّ في المسكن والنفقة. وقال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: في النفقة. وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدّتها راجعها، ثم طلقها {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } أي: إلى غاية هي وضعهنّ للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة؛ فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال عليّ، وابن عمر، وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلاّ من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } أولادكم بعد ذلك {فآتوهن اجورهنّ} أي: أجور إرضاعهنّ والمعنى: أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج المطلقين لهنّ منهنّ، فلهنّ أجورهنّ على ذلك {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } هو خطاب للأزواج والزوجات، أي: تشاورا بينكم بما هو معروف غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض من المعروف والجميل، وأصل معناه ليأمر بعضكم بعضاً بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم. قال مقاتل: المعنى: ليتراض الأب والأم على أجر مسمى، قيل: والمعروف الجميل من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها: أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من الأجر {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } أي: في أجر الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأمّ الأجر، وأبت الأمّ أن ترضعه إلاّ بما تريد من الأجر {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } أي: يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم ما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر. قال الضحاك: إن أبت الأمّ أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر. {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ } فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أي: كان رزقه بمقدار القوت، أو مضيق ليس بموسع {فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ } أي: مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا } أي: ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } أي: بعد ضيق وشدّة سعة وغنى. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مّن وُجْدِكُمْ } قال: من سعتكم {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } قال في المسكن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ } الآية، قال: فهذه في المرأة يطلقها زوجها، وهي حامل، فأمره الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي عدّتها ولا نفقة لها. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ماذا يصنع بها إذا أخذها؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول، فأخبره، فقال: رحمه الله تأوّل هذه الآية {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ }.

الماوردي

تفسير : {أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِن وُجْدِكم} يعني سكن الزوجة مستحق على زوجها مدة نكاحها وفي عدة طلاقها بائناً كان أو رجعياً. وفي قوله: {من وجدكم} أربعة أوجه: أحدهما: من قوتكم، قاله الأعمش. الثاني: من سعيكم، قاله الأخفش. الثالث: من طاقتكم، قاله قطرب. الرابع: مما تجدون، قاله الفراء، ومعانيها متقاربة. {ولا تُضارُّوهُنّ لِتُضَيِّقُوا عليهنّ} فيه قولان: أحدهما: في المساكن، قاله مجاهد. الثاني: لتضيقوا عليهن في النفقة، قاله مقاتل. مقاتل، فعلى قول مجاهد أنه التضييق في المسكن فهو عام في حال الزوجية وفي كل عدة، لأن السكنى للمعتدة واجبة في كل عدة في طلاق يملك فيه الرجعة أو لا يملك. وفي وجوبه في عدة الوفاة قولان؛ وعلى قول مقاتل أنه التضييق في النفقة فهو خاص في الزوجة وفي المعتدة من طلاق رجعي. وفي استحقاقها للمطلقة البائن قولان: أحدهما: لا نفقة للبائن في العدة، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهما اللَّه. الثاني: لها النفقة، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه. {وإن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فأنفِقوا عليهنّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وهذا في نفقة المطلقة الحامل لأنها واجبة لها مدة حملها في قول الجميع سواء كان طلاقاً بائناً أم رجعياً، وإنما اختلفوا في وجوب النفقة لها هل استحقته بنفسها إن كانت بائناً أو بحملها على قولين. {فإن أَرْضَعْنَ لكم فآتوهُن أُجورَهُنّ} وهذا في المطلقة إذا أرضعت فلها على المطلق أجرة رضيعها لأن نفقته ورضاعه واجب على أبيه دونها، ولا أجرة لها إن كانت على نكاحه. {وائْتَمِروا بَيْنكم بمعْروف} فيه وجهان: أحدهما: قاله السدي. الثاني: تراضوا يعني أبوي الولد يتراضيان بينهما إذا وقعت الفرقة بينهما بمعروف في أجرتها على الأب ورضاعها للولد. {وإن تعاسرتم} فيه وجهان: أحدهما: تضايقتم وتشاكستم، قاله ابن قتيبة. الثاني: اختلفتم. {فسترضعُ له أخرى} واختلافهما نوعان: أحدهما: في الرضاع. الثاني: في الأجر. فإن اختلفا في الرضاع فإن دعت إلى إرضاعه فامتنع الأب مكِّنت منه جبراً، وإن دعاها الأب إلى إرضاعه فامتنعت، فإن كان يقبل ثدي غيرها لم تجبر على إرضاعه ويسترضع له غيرها، وإن كان لا يقبل ثدي غيرها أجبرت على إراضاعه بأجر مثلها. وإن اختلفا في الأجر فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع الأب إلا تبرعاً فالأم أَوْلى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعاً. وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم شططاً فالأب أولى به، فإذا أعسر الأب بأجرتها أخذت جبراً برضاع ولدها. {...لا يُكلِّفُ اللَّه نفساً إلا ما آتاها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يكلف اللَّه الأب نفقة المرضع إلا بحسب المكنة، قاله ابن جبير. الثاني: لا يكلفه اللَّه أن يتصدق ويزكي وليس عنده مال مصدق ولا مزكى، قاله ابن زيد. الثالث: أنه لا يكلفه فريضة إلا بحسب ما أعطاه اللَّه من قدرته، وهذا معنى قول مقاتل. {سيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسراً} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني بعد ضيق سعة. الثاني: بعد عجز قدرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وُجْدِكُمْ} سعتكم أو قوتكم أو طاقتكم أو مما تجدون {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} في المساكن أو النفقة {فَإِنْ أَرْضَعْنَ} أي المطلقات {فَآتُوهُنَّ} أجرة الرضاع لوجوب النفقة على الآباء {وَأْتَمِرُواْ} تشاوروا أو تراضوا في إرضاع الولد إذا وقعت بينكما الفرقة {تَعَاسَرْتُمْ} تضايقتم أو إختلفتم {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} وإن اختلفا فطلبت الأم الإرضاع وامتنع الأب أو طلبه الأب فامتنعت الأم والولد لا يقبل ثدي غيرها أجبر الممتنع وإن أعسر الأب بالأجرة لزمها الإرضاع للولد.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {أسكنوهن} يعني مطلقات نسائكم {من حيث سكنتم من وجدكم} أي من سعتكم وطاقتكم فإن كان موسراً يوسع عليها في المسكن والنفقة وإن كان فقيراً فعلى قدر الطاقة {ولا تضاروهن} أي لا تؤذوهن {لتضيقوا عليهن} يعني في مساكنهن فيخرجن {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} أي فيخرجن من عدتهن. (فصل: في حكم الآية) اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في العدة ونعني بالسكنى مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها الزوج فيها ملك الزوج يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري لها داراً تسكنها وأما المعتدة البائنة بالخلع أو بالطلاق الثلاث أو باللعان فلها السكنى حاملاً كانت أو غير حامل عند أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس أنه قال لا سكنى لها إلا أن تكون حاملاً وهو قول الحسن والشعبي. واختلفوا في نفقتها فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً، يروى ذلك، عن ابن عباس وهو قول الحسن والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد ومنهم من أوجبها بكل حال يروى ذلك عن ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق النفقة إلا أن تكون حاملاً لقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} وأما الدليل على ذلك من السنة فما روي حديث : عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت فآذنيني قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد فكرهته ثم قال انكحي أسامة بن زيد فنكحته فجعل الله فيه خيراً واغتبطت به" تفسير : أخرجه مسلم واحتج بهذا الحديث من لم يجعل لها سكنى وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عبد الله بن أم مكتوم ولا حجة له فيه لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها وقال سعيد بن المسيب إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان في لسانها ذرابة: وأما المعتدة عن وطء الشهبة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملاً وأما المعتدة عن وفاة الزوج فلا نفقة لها عند أكثر أهل العلم وروي عن علي أن لها النفقة إن كانت حاملاً من التركة حتى تضع وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. واختلفوا في سكناها وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء وهو قول علي وابن عباس وعائشة وبه قال عطاء والحسن وهو قول أبي حنيفة. والثاني: أن لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق. واحتج من أوجب لها السكنى بما روي "حديث : عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري "أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً قالت فلما كان عثمان أرسل إليّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به"" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي، فمن قال بهذا القول قال إذنه لفريعة أولاً بالرجوع صار منسوخاً بقوله آخراً "حديث : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" تفسير : ومن لم يوجب السكنى قال أمرها بالمكث في بيتها آخراً استحباباً لا وجوباً. قوله عز وجل: {فإن أرضعن لكم} يعني أولادكم {فآتوهن أجورهن} يعني على إرضاعهن، وفيه دليل على أن اللبن وإن كان قد خلق لمكان الولد فهو ملك للأم وإلا لم يكن لها أن تأخذ عليه أجراً وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد {وأتمروا بينكم بمعروف} أي ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف وقيل يتراضى الأب والأم على أجر مسمى والخطاب للزوجين جميعاً أمرهم أن يأتوا بالمعروف وما هو الأحسن ولا يقصدوا الضرار، وقيل المعروف هاهنا لا أن يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا المرأة في حق الولد ورضاعه {وإن تعاسرتم} أي في حق الولد وأجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه بل يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه وذلك قوله: {فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته} أي على قدر غناه {ومن قدر} أي ضيق {عليه رزقه} فكان بمقدار القوت {فلينفق مما آتاه الله} أي على قدر ما آتاه الله من المال {لا يكلف الله نفساً} أي في النفقة {إلا ما آتاها} يعني من المال والمعنى لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني في النفقة {سيجعل الله بعد عسر يسراً} أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَسْكِنُوهُنَّ}. قال ابن الخطيب: {أَسْكِنُوهُنَّ} وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في جنس المعتدات؟ فقيل: "أسكنوهُنَّ". قوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}. فيه وجهان: أحدهما: أن "من" للتبعيض. قال الزمخشري: "مبعضها محذوف معناه: أسكنوهن مكاناً من حيثُ سكنتم، أي: بعض مكان سُكناكم، كقوله تعالى: { أية : يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ}تفسير : [النور: 30] أي: بعض أبصارهم". قال قتادةُ: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه. قال ابن الخطيب: وقال في الكشاف: "من" صلة، والمعنى أسكنوهن من حيث سكنتم. والثاني: أنها لابتداء الغاية. قاله الحوفي، وأبو البقاء. قال أبو البقاء: والمعنى تسبّبوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم ودلّ عليه قوله "مِن وُجْدِكُم"، والوُجْد: الغِنَى. قوله: "من وجدكم". فيه وجهان: أظهرهما: أنه بدل من قوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} بتكرار العامل، وإليه ذهب أبو البقاء. كأنه قيل: أسكنوهن من سعتكُم. والثاني: أنه عطف بيان لقوله: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}، وإليه ذهب الزمخشري، فإنه قال بعد أن أعرب "مِنْ حَيْثُ" تبعيضية، قال: "فإن قلت: فقوله "مِنْ وُجْدِكُمْ" قلت: هو عطف بيان لقوله {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} ومفسّر له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوُجْد: الوسع والطاقة". وناقشه أبو حيان بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل. إنما عهد هذا في البدل، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. وقرأ العامة: "وجدكم" بضم الواو. والحسن، والأعرج، وأبو حيوة: بفتحها. والفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب: بكسرها. وهي لغات بمعنى واحد. يقال: وجدت في المال أجد وُجْداً وجدة، والوُجْد: الغِنَى والقُدرة، والوَجْد بفتح الواو: الحُزْن أيضاً والحب والغضب. فصل في تفسير الآية قال القرطبي: روى أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ}، فلو كان معها ما قال أسكنوهن. وقال ابن نافع: قال مالك في قوله تعالى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} يعني المطلقات اللاتي بنَّ من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن، وليست حاملاً، فلها السُّكنَى، ولا نفقة لها ولا كُسْوة؛ لأنها بائن منه، ولا يتوارثان ولا رجعة له عليها، وإن كانت حاملاً فلها الكسوة والنفقة والمسكن حتى تنقضي عدتها. قال البغوي: ونعني بالكسوة مؤونة السكن، فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكاً للزوج وجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عاريةً فرجع المعير فيها فعليه أن يكتري لها داراً تسكنها، فأما من لم تَبِنْ منه، فإنها امرأته يتوارثان، ولا تخرج إلا بإذن زوجها ما دامت في العدة ولم يؤمر بالسكن لهما لأن ذلك لازم للزوج مع النفقة والكسوة حاملاً كانت أو غير حامل، وإنما أمر الله بالسكن للبائن، قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فجعل الله - عز وجل - للحوامل البائنات من أزواجهن السكنى والنفقة. قال ابن العربي: "إن الله - تعالى - لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها". قال القرطبي: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثاً على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك والشافعي: أن لها السَّكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: أن لها السكنى والنفقة. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: لا نفقة لها ولا سُكنى، لحديث فاطمة بنت قيس قالت: "حديث : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي، فقلت: إن زوجي طلقني، وإن هذا يزعم أنه ليس لي سُكْنَى ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لك السُّكنى والنفقة، قال: إن زوجها طلَّقها ثلاثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّمَا السُّكْنَى والنَّفقةُ على من لَهُ عليْهَا رَجْعَةٌ، فَلمَّا قدمتُ "الكُوفَة" طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة ". تفسير : وعن الشعبي قال: لقيني الأسود بن يزيد، فقال: يا شعبي، اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيسٍ، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتومٍ. وأجيب عن ذلك بما روت عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش، فخيف على ناحيتها. وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها. وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية، لقوله تعالى: {أية : لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} تفسير : [الطلاق: 1]، وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. فصل في المعتدة عن وطء الشبهة قال البغوي: "وأما المُعتدَّة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بِعيْبٍ أو خيار عتق، فلا سُكْنَى لها ولا نفقة، وإن كانت حاملاً، والمعتدة من وفاة زوج لا نفقة لها حاملاً كانت أو حائلاً عند أكثر العلماء، وروي عن عليٍّ أن لها النفقة إن كانت حاملاً من التركة حتى تضع، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. واختلفوا في سكناها: فللشافعي قولان: أحدهما: لا سكنى لها بل تعتدّ حيث شاءت، وهو قول علي وابن عبَّاس وعائشة، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: لها السكنى، وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وبه قال مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، لما روى كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب أن الفُريعة بنت مالك ابن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - "حديث : أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف "القدوم" لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَعَمْ"، فانصرفت حتى إذا كنت في الحُجْرة أو في المسجد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بي فدعيت له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كَيْفَ قُلْتِ؟" قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: "امْكُثِي حتَّى يبلغ الكِتَابُ أجَلَهُ"، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهُر وعَشْراً، قالت: فلما كان عثمان أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به ". تفسير : فمن قضى بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولاً بالرجوع إلى أهلها صار منسوخاً بقوله: "حديث : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حتَّى يبلغ الكِتَابُ أجَلَهُ"تفسير : ومن لم يوجب السُّكنى قال: أمرها بالمكث آخراً استحباباً لا وجوباً. قوله: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ}. قال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: في النَّفقة. وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي الضحى: أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها، ثم طلقها. قوله: {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. هذا في وجوب النَّفقة والسُّكنى للحامل المطلقة ثلاثاً أو أقل حتى تضع حملها، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي، وابن عمر وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان، وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا ينفق عليها، إلا من نصيبها، وقد مضى في "البقرة". قوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ}. يعني المُطلَّقات، أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهنّ وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يَبِنَّ، ويجوز عند الشافعي. وتقدم القول في الرضاع في "البقرة". قوله: {وَأْتَمِرُواْ}. افتعلوا من الأمر، يقال: ائتمر القوم وتأمّروا، أي: أمر بعضهم بعضاً. وقال الكسائي: "ائتمروا" تشاوروا؛ وتلا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ}تفسير : [القصص: 20] وأنشد قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 4782ب -....................... ويَعْدُو عَلَى المَرْءِ مَا يَأتَمِرْ تفسير : فصل في هذا الخطاب الخطاب في قوله: "وائتمروا" للأزواج والزوجات، أي: وليقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع. وقيل: ائتمروا في إرضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار. وقيل: هو الكسوة والدثار. وقيل: معناه لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده. قوله: {فَسَتُرْضِعُ}. قيل: هو خبر في معنى الأمر، والضمير في "له" للأب، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} والمفعول محذوف للعلم به، أي: فسترضع الولد لوالده امرأة أخرى، والظَّاهر أنه خبر على بابه. فصل في تفسير الآية قوله: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها وليستأجر غير أمه. وقيل: معناه إن تضايقتكم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها. وقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجْرة. واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد. فقال مالك: إرضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية، إلا لشرفها وموضعها، فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله. وقال أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال. وقيل: يجب عليها بكل حال. فإن طلقها فلا يجب عليها إرضاعه إلا أن لا يقبل ثدي غيرها فيلزمها حينئذ الإرضاع، فإن اختلفا في الأجرة، فإن دعت إلى أجرة المثل وامتنع الأب إلا تبرعاً فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعة، وإن دعا الأب إلى أجرِ المثل، وامتنعت الأم لتطلب شططاً، فالأب أولى به، فإن أعسر الأب بأجرتها أجبرت على رضاع ولدها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم‏} ‏ قال‏:‏ إن لم تجد لها إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏من حيث سكنتم من وجدكم‏} ‏ قال‏:‏ من سعتكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏من حيث سكنتم من وجدكم‏} ‏ قال‏:‏ من سعتكم ‏ {‏ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن‏}‏ قال‏:‏ في المسكن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏من وجدكم‏} ‏ مرفوعة الواو. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن‏} ‏ قال‏:‏ فهذه المرأة يطلقها زوجها وهي حامل، فأمر الله أن يسكنها أو ينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعته فحتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها، ولا نفقة لها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏فإن أرضعن لكم‏} ‏ الآية قال‏:‏ هي أحق بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعاً به غيرها‏.‏ أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى‏} ‏ قال‏:‏ إذا قام الرضاع مسترضعاً به غيرها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى‏}‏ قال‏:‏ إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك وقتادة مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لينفق ذو سعته من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله‏}‏ الآية قال عليّ‏:‏ المطلقة إذا أرضعت له‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏ومن قدر عليه رزقه‏} ‏ قال‏:‏ قتر ‏ {‏فلينفق مما آتاه الله‏}‏ قال‏:‏ أعطاه ‏ {‏لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها‏} ‏ قال‏:‏ أعطاها‏. وأخرج ابن جرير عن أبي سنان قال‏:‏ حديث : سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل له‏:‏ إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول‏:‏ أنظر ما يصنع بها إذا هو أخذها‏؟‏ فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره فقال‏:‏ رحمه الله تأول هذه الآية ‏{‏لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله‏} ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، وضعفه، عن طاووس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن المؤمن أخذ من الله أدباً حسناً إذا وسع عليه وسع على نسفه، وإذا أمسك عليه أمسك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال‏:‏ ‏‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان له مائة وقية بعشر أواق، وجاءه رجل كان له مائة دينار بعشر دنانير، وجاءه رجل له عشرة دنانير بدينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "أنتم في الأجر سواء، كل واحد منكم جاء بعشر ماله" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏لينفق ذو سعة من سعته‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير فتصدق منها بدينار، وكان لآخر عشر أواق فتصدق منها بأوقية، وكان لآخر مائة أوقية فتصدق منها بعشرة أواق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"هم في الأجر سواء، كل تصدق بعشر ماله، قال الله‏:‏ ‏{‏لينفق ذو سعة من سعته‏}"‏‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال‏:‏ سألت الزهري عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما‏؟‏ قال‏:‏ يستأني له ولا يفرق بينهما، وتلا ‏ {‏لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا‏ً} ‏ قال معمر‏:‏ وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول الزهري‏.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ نشأَ مما قبلَهُ من الحثِّ عَلى التَّقوى كأنَّه قيلَ كيفَ نعملُ بالتَّقوى في شأنِ المعتداتِ فقيلَ أسكنوهنَّ مسكناً من حيثُ سكنتُم أي بعضَ مكانٍ سكناكم. وقولُه تعالَى: {مّن وُجْدِكُمْ} أي من وُسعِكم أي مما تطيقونَهُ عطفُ بـيانٍ لقولِهِ من حيثُ سكنتُم وتفسيرٌ لهُ. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} أيْ في السُّكنى {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ} وتُلْجئوهنَّ إلى الخروجِ {وَإِن كُنَّ} أي المطلقاتُ {أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرُجنَ من العدةِ، أما المُتوفَّى عنهنَّ أزواجُهنَّ فلا نفقةَ لهُنَّ {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} بعدَ ذلكَ {فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الإرضاعِ {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي تشاورُوا، وحقيقتُه ليأمرْ بعضُكم بعضاً بجميلٍ في الإرضاعِ والأجرِ ولاَ يكُن من الأبِ مماكسة ولا من الأمِّ مُعاسرةٌ {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي تضايقتُم {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} أي فستوجَدُ ولا تُعوزُ مرضعةٌ أُخرى، وفيه معاتبةٌ للأمِّ على المعاسرةِ {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ} وإنْ قلَّ أي لينفقْ كُلُّ واحدٍ من الموسرِ والمعسرِ ما يبلغُه وسعُه {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا} جَلَّ أو قَلَّ فإنَّه تعالَى لا يكلفُ نفساً إلا وُسعَها وفيهِ تطيـيبٌ لقلبِ المُعسرِ وترغيبٌ لهُ في بذلِ مجهودِهِ وقد أُكِّدَ ذلكَ بالوعدِ حيثُ قيلَ {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي عاجلاً أو آجلاً. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} أي كثيرٌ من أهلِ قريةٍ {عَتَتْ} أي أعرضتْ {عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ} بالعُتوِّ والتمردِ والعنادِ {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً} بالاستقصاءِ والتنفيرِ والمناقشةِ في كلِّ نقيرٍ وقِطْميرٍ {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً} أي مُنكراً عظيماً. وقُرِىءَ نكراً، والمرادُ حسابُ الآخرةِ وعذابُها، والتعبـيرُ عنهما بلفظِ الماضِي للدلالةِ على تحققِهِما كما في قولِه تعالَى: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 44] {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} هائلاً لا خُسَر وراءَهُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {أسكنوهن من حيث سكنتم} استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى فى شان المعتدات فقيل اسكنوهن من حيث سكنتم اى بعض مكان سكناكم والخطاب للمؤمنين المطلقين {من وجدكم} اى من وسعكم اى مما تطيقونه يعنى مسكن ايان بقدر طاقت وتواناى خويش سازيد والوجد القدرة والغنى يقال افتقر فلان بعد وجده وهو عطف بيان لقوله من حيث سكنتم وتفسير له وفى عين المعانى ومن لتبيين الجنس لما فى حيث من الابهام انتهى واعترض عليه ابو حيان بأنه لم يعهد فى عطف البيان اعادة العامل انما عهد ذلك فى البدل فالوجه جعله بدلا قال قتادة ان لم يكن الا بيت واحد اسكنها فى بعض جوانبه قال صاحب اللباب ان كانت الدار التى طلبها فيها ملكه يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها وان كانت باجرة فعليه الاجرة وان كانت عارية فرجع المعير فعليه ان يكترى لها دارا تسكنها قال فى كشف الاسرار واما المعتدة من وطئ الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب او خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وان كانت حاملا {ولا تضاروهن} اى ولا تقصدوا عليهن الضرر فى السكنى بأى وجه كان فان المفاعلة قد لا تكون للمشاركة وبالفارسية ورنج مرسانيد مطلقات را {لتضيقوا عليهن} فى المسكن ببعض الاسباب من انزال من لا يوافقهن او يشغل مكانهن او غير ذلك وتلجئوهن الى الخروج وبالفارسية براى آنكه تنك كردانيد برايشان مساكن ايشان. وفيه حث المروءة والمرحمة ودلالة على رعاية الحق السابق حتى يتيسر لها التدارك فى امر المعيشة من تزوج آخر أو غيره {وان كن} اى المطلقات {اولات حمل} ذوات حبل وبالفارسية خدواندبار. يعنى حاملة واولات منسوب بالكسر على قانون جمع المؤنث وتنوين حمل للتعميم يعنى اى حمل كان قريب الوضع او بعيده {فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} فيخرجن من العدة وتتخلصوا من كلفة الاحصاء ويحل لهن زوج غيركم ايا شئن فالبائن بالطلاق اذا كانت حاملا لها النفقة والسكنى بالانفاق واما البائن الحائل اى غير الحامل فتستحق النفقة والسكنى عند أبى حنيفة كالحامل الى أن تنقضى عدتها بالحيض او بالاشهر خلافا للثلاثة واما المتوفى عنهن ازواجهن فلا نفقة لهن من التركة ولا سكنى بل تعتد حيث تشاء وان كن اولات حمل لوقوع الاجماع على ان من اجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة او ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذا المتوفى عنها الحامل وهو قول الاكثرين قال ابو حنيفة تجب النفقة والسكنى لكل مطلقة سوآء كانت مطلقة بثلاث او واحدة رجعية او بائنة ما دامت على العدة اما المطلقة الرجعية فلانها منكوحة كما كانت وانما يزول النكاح بمضى العدة وكونه فى معرض الزوال بمضى العدة لا يسقط نفقتها كما لو آلى وعلق طلاقها بمضى شهر فالمطلقة الرجعية لها النقة والسكنى بالاجماع واما المبتوتة فعندنا لها النفقة والسكنى ما دامت فى العدة لقوله تعالى {اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} اذا المعنى اسكنوا المعتدات مكانا من المواضع التى تسكنونها وأنفقوا عليهن فى العدة من سعتكم لما قرأ ابن مسعود رضى الله عنه اسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم وعند الشافعى لها السكنى لهذه الآية ولا نفقة لها الا أن تكون حاملا لقوله تعالى {وان كن اولات حمل} الخ فان قلت فاذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة فما فائدة الشرط فى قوله {وان كن اولات حمل} الخ قلت فائدته ان مدة الحمل ربما طالت فظن ظان ان النفقة تسقط اذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم كما فى الكشاف {فان أرضعن لكم} الرضاع لغة شرب اللبن من الضرع او الثدى وشريعة شرب الطفل حقيقة او حكما لللبن خالص او مختلط غالبا من آدمية فى وقت مخصوص والارضاع شيردادن يعنى هؤلاء المطلقات ان ارضعن لكم ولدا من غيرهن او منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية وعلاقة النكاح قال لكم ولم يقل اولادكم لما قال تعالى {أية : والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}تفسير : فالاب يجب عليه ارضاع الولد دون الام وعليه أن يتخذ له ظئرالا اذا تطوعت الام بارضاعه وهى مندوبة الى ذلك ولا تجبر عليه ولا يجوز استئجار الام عند أبى حنيفة رحمه الله ما دامت زوجة معتدة من نكاح {فآتوهن اجورهن} على الارضاع ان طلبن او رجون فان حكمهن فى ذلك حكم الاظئآر حينئذ قال فى اللباب فان طلقها فلا يجب عليها الارضاع الا أن لا يقبل الولد ثدى غيرها فيلزمها حينئذ فان اختلفا فى الاجر فان دعت الى اجرة المثل وامتنع الأب الا تبرعا فالام اولى بأجر المثل اذ لا يجد الأب متبرعة وان دعا الأب على اجر المثل وامتنعت الام لتطلب شططا فالأب اولى به فان اعسر الأب بأجرتها اجبرت على ارضاع ولدها انتهى ان قيل ان الولد للأب فلم لا يتبعه فى الحرية والرقية بل يتبع الام لانها اذا كانت ملكا لغير الأب كان الولد ملكا له وان كان الأب حرا واذا كانت حرة كان الولد حرا وان كان الأب رقيقا اجيب أن الفقهاء قالوا فى وجهه رجح ماء الام على ماء الأب فى الملكية لان ماءها مستقر فى موضع وماء الأب غير معلوم أفادت هذه المسألة ان الماليكة تغلب الوالدية والتحقيق ان الاحكام شرعية لا عقلية والعلم عند شارعها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {وائتمروا} ايها الآباء والامهات {بينكم} ميان يكدركر دركار فرزند {بمعروف} اى تشاوروا وحقيقته ليأمر بعضكم بعضا بجميل فى الارضاع والأجر وهو المسامحة ولا يكن من الاب مماكسة ولا من الام معاسرة لانه ولدهما معا وهما شريكان فيه فى وجوب الاشفاق عليه فالائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور يقال ائتمر القوم وتأمروا اذا امر بعضهم بعضا يعنى الافتعال قد يكون بمعنى التفاعل وهذا منه {وان تعاسرتم} يقال تعاسر القوم اذا تحروا تعسير الامر اى تضايقتم وبالفارسية واكر دشوار كنيد ومضايقه نماييد اى بدر ومادر رضاع ومزد دادن يعنى شوهر از اجرا باكند يازن شيرندهد {فسترضع له} اى للأب كما فى الكشاف وهو الموافق لقوله فان ارضعن لكم او للصبى والولد كما فى الجلالين وتفسير الكاشفى ونحوهما وفيه ان الظاهر حينئذ أن يقول فسترضعه {اخرى} اى فستوجد ولا تعوز مرضعة اخرى غير الام ترضعه يعنى مرددايه كيرد براى رضيع خود ومادررا باكراه واجبار نفر مايد. وفيه معاتبة للام على المعاسرة كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى سيقضيها غيرك تريد ان تبقى غير مقضية فأنت ملوم قال سعدى المفتى ولا يخلو عن معاتبة الأب ايضا حيث اسقط فى الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الاشارة الى انه ان ضويقت الام فى الاجر فامتنعت من الارضاع لذلك فلا بد من ارضاع امرأة اخرى وهى ايضا تطلب الأجر فى الأغلب الا كثر والام اشفق واحن فهى به اولى وبما ذكرنا يظهر كمال الارتباط بين الشرط والجزاء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جّل جلاله: {أَسْكِنُوهُنَّ} أي: المطلَقات {من حيثُ سَكَنتم} أي: مكاناً من حيث سكنتم، فـ"من" للتبعيض، أي: بعض مكانِ سكناكم. قال قتادة: لو لم يكن له إلاّ بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. {من وُجْدِكُم} أي: وُسْعِكم، أي: ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان: لا يُعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. هـ. والوجد، يجوز فيه الضم ـ وهو أشهر ـ والفتح والكسر. قال ابن جزي: فأمّا المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السُكُنَى والنفقة اتفاقاً، وأمّا المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها يجب لها السكنى دون الفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سُكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأُبي بن كعب. فحُجة مالك: حديث حديث : فاطمة بنت قيس، وهو أنَّ زوجها طلَّقها البتَّةَ، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لك عليه نفقة "تفسير : ، فيوخذ منه: أنَّ لها السُكْنى، وحُجة مَن أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آيةً من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : لها السُكْنَى والنفقة " تفسير : ، وحجة مَن لم يجعل لها سكنى ولا نفقة: أنَّ في بعض الروايات عنها ـ أي: فاطمة بنت قيس ـ أنها قالت: " لم يجعل لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سُكْنَى". {ولا تُضارُّوهُنَّ} في السُّكْنَى {لِتُضيِّقُوا عليهن} ويُلجأن إلى الخروج، {وإِن كن} أي: المطلقات {أُولات حملٍ فأَنفِقوا عليهن حتى يضعنَ حَملَهن} فيخرجن من العِدّة. قال ابن جزي: اتفق العلماء على وجوب النفقة في العِدّة للمطلقة، عملاً بالآية، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً. واتفقوا أنَّ للمطلقة غير الحامل النفقة والسُكْنى في العِدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم: لها النفقة في التركة. هـ. {فإنْ أرضعنَ لكم} هؤلاء المطلقات أولادَكم {فآتوهن أجورَهُنَّ} أي: أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المُفصل في كتب الفقه. {وأْتَمِرُوا بينكم بمعروفٍ}، خطاب للرجال والنساء، أي: يأمر كلُّ واحد منكم صاحبَه بخيرٍ؛ من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو: تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه: { أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} تفسير : [القصص:20]. {وإِن تعاسَرتمْ}؛ تضايقتم، فلم ترضَ الأمّ بما ترضع به الأجنبية، {فستُرضِعُ له أخرى}؛ فستُوجد مرضعةٌ أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى: إن تشططت الأمّ على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلاّ ألاَّ يَقبل الولدُ غيرها، فتُجبر على رضاعة بأجرة المثل. {ليُنفق ذو سَعَةٍ من سَعته ومَن قُدِرَ عليه رزقُه فليُنفق مما آتاه اللهُ} أي: لِينفق كُلٌّ واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه، يعني: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، {ومن قُدِرَ} أي: ضُيِّق {عليه رزقُه فلينفقْ} عليها {مما آتاه اللهُ} فيَفرض الحاكمُ عليه ما يطيقه، {لا يُكلِّف اللهُ نفساً إِلاَّ ما آتاها}؛ أعطاها من الرزق، وفيه تطييب قلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك بالوعد، حيث قال: {سيجعل اللهُ بعد عُسر يُسراً} أي: بعد ضيق في المعيشة سعة فيها، فإنّ عادته تعالى أن يُعقب العسر باليسر، كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح:5]، وكرره مرتين، فلن يغلب عسر يسريْن. الإشارة: أسكِنوا نفوسَكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يسايس نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديدٍ في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذٍ تَملّ وتكِلّ، فقد قيل: مَن سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومَن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بُعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى: {ولا تُضاروهن لتُضيقوا عليهن} لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا يكن أحدكم كالمُنْبَت، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى "تفسير : ، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا، واجب حتماً لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يُضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول: سُدُّوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، واللهِ إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. هـ. أي: تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضاً يقول: نحن لسنا مع جوعٍ ولا مع شبعة، نحن مع الله. هـ. أي: غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده. وإن كن أُولات حَمل، أي: ثقل من كثرة العلائق، فأّنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بإن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فأتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي: فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل: مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذي استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم. ثم هدّد مَن تعدّى الحدود، فقال: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات فى الكوفي والبصرى والمدني الأخير: وست آيات فى المدني الاول. عدّوا {يا أولي الألباب} رأس آية. قرأ {من وجدكم} بكسر الواو، روح. الباقون بضمها، و هما لغتان. وحكى الفراء - فتح الواو - لغة ولم يحك الكسر. وحكى الزجاج: الكسرة ولم يحك بالفتحة. وقرأ ابن كثير {وكأين} خفيفة على وزن {كاهن} الباقون {كأين} مشددة الياء، والأصل (أى) إلا انه حذف للتضعيف، كما يحذف من رب، وقدمت الياء وأخرت الهمزة نحو شاك وشائك. ثم قلبت الياء ألفاً، لانها فى موضع حركة وقبلها فتحة نحو: رمي، وإنما احتمل هذا التغيير للعدول به عن معنى الاستفهام إلى معنى {كم} فى التكثير على وجه الابهام. وقال قوم: فى {كأين} لغتان {كأين} مشددة الياء و (كاين) على وزن (قايل) وقد قرأ بهما. وحكي ان أهل الحجاز يقولون: بكاين تبيع هذا الثوب. أي بكم تبيعه. يقول: الله تعالى مخاطباً لمن طلق زوجته يأمره أن يسكنها حيث يسكنه، وقد بينا أن السكنى والنفقة يجب للرجعية بلا خلاف. فاما البائنة فلا سكنى لها ولا نفقة - عندنا - وهذا مذهب الحسن. وقد روت فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال:حديث : لا نفقة للمبتوتةتفسير : . وقال الشافعي ومالك لها السكنى والنفقة وهو قول معاوية وابن مسعود وعمر بن الخطاب. وقوله {من وجدكم} قال السدي معناه من ملككم. وقال ابن زيد: هو إذا قال صاحب المسكن لا أترك هذه فى بيتي فليس من وجده. ويجوز له حينئذ أن ينقلها إلى غيره، والوجد ملك ما يجده المالك، وذلك أنه قد يملك المالك ما يغيب عنه. وقد يملك ما هو حاضر له، فذلك وجده، يقال: وجدت فى المال وجداً ووجدة، ووجدت الضالة وجداناً، ووجدت الرجل صالحاً وجوداً. وقوله {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} معناه لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير فى النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة لتضيقوا عليهن فى السكنى والنفقة، وأمر بالسعة. والمضارة المعاملة بما يطلب به ايقاع الضرر والمضارة المعاملة بما يطلب به إيقاع الضرر بصاحبه. وقد تكون المضارة من واحد كما يقال: طارقت النعل، وعافاه الله، ويمكن أن يكون من كل واحد منهما لصاحبه. والتضيق تقليل ما يحتاج إلى التصرف فيه عن مقدار الكفاية. وقد يكون التضييق فى الرزق وفى المكان وفى الأمر. و {إن كنّ} يعني النساء المطلقات {أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} أمر من الله تعالى بالانفاق على الحامل المطلقة سواء كانت رجعية او مبتوتة، ولا خلاف فى ذلك، وإنما يجب ان ينفق عليها بسبب ما فى بطنها، وإنما تسقط نفقتها بالوضع. والحمل - بفتح الحاء - يكون على الظهر وفى البطن، ويقال للعدل - الحمل - بكسر الحاء. وقوله {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} أمر من الله تعالى بأن الأم المطلقة متى ولدت ورغبت فى رضاع ولدها، كان على الأب أجرة الرضاع أجرة المثل، فان رضيت الاجنبية بشيء معلوم لاجرة الرضاع ورضيت بمثله الأم كانت الأم أولى، وإن لم ترض الأم بذلك القدر كان للأب تسليمه الى الاجنبية، وان كان الولد لا يقبل إلا لبن الأم أجبرت عليه. وإلا أدّى الى هلاك الولد. والرضاع سقي المرأة من لبنها للولد. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"تفسير : يعني ان المرضعة تصير بمنزلة الام، وأمها بمنزلة الجدة واختها خالة، وبنتها اختاً وابنها اخاً، وهكذا سائر المحرمات. وقوله {واتمروا بينكم بمعروف} فالائتمار أمر كل واحد لصاحبه بفعل من الافعال كالائتمار بالمعروف الذي يصطلحان عليه. وقوله {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} خطاب للرجل ولزوجته المطلقة أنهما متى اختلفا فى رضاع الصبي واجرته أرضعته امرأة اخرى فالتعاسر التمانع يتعذر من الأمر كالتمانع بما يتعسر به رضاع الام، فمتى كان كذلك فالحكم فيه أن ترضعه امرأة اخرى ثم امر تعالى فقال {لينفق ذو سعة من سعته...} ومعناه ان كل انسان يجب عليه النفقة بحسب حاله فالغنى ينبغي ان يوسع فى النفقة والفقير بحسب حاله. وقوله {ومن قدر عليه زرقه} معناه من ضيق عليه، لأنه أتى على مقدار البلغة التي تضيق عن غيره، فمن هذه صورته {فلينفق مما آتاه الله} على حسب امكانه وطاقته {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} يعني إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة. وفي ذلك دلالة على انه تعالى لا يكلف أحداً ما لا يقدر عليه ولا يطيفه. ثم قال {سيجعل الله بعد عسر يسراً} أي سيفعل الله بعد شدّة سهولة، فاليسر اتيان الأمر من غير مشقة، وهو سهولة الأمر، وضده العسر، وهو صعوبة الأمر. وقوله {وكأين من قرية} معناه و {كم من قرية} على التكثير، لانه يخبر بـ {كم} عن الكثرة {عتت عن أمر ربها} والعتو الخروج إلى فاحش الفساد. والمعنى كم من أهل القرية كفروا بالله وتجبروا عن طاعته وخرجوا بذلك الى افحش الفساد {ورسله} معناه عتوا عن امر الله وامر رسوله {فحاسبناها حساباً شديداً} فالحساب الاعمال مقابلة ما يستحق على الطاعة وبما يستحق على المعصية والحساب الشديد مقابلة ذلك من غير تجاوز عن صغيرة ولا عفو عن ذنب، وذلك أن الكافر يعاقب على كل صغيرة وكبيرة من حيث انه لا طاعة معه تكفر معاصيه. وقوله {وعذبناها عذاباً نكراً} معناه عذبنا أهل تلك القرية العاتية عذاباً نكراً، وهو الذي ينكره الطبع وتأباه النفوس لصعوبته وشدته. والأمر النكر الذي ينكره العقل. وقوله {فذاقت وبال أمرها} فالوبال عاقبة السوء، أسند الفعل الى القرية، فلذلك أنث قوله {فذاقت} ولو قال: {عتوا، عن أمر ربهم، وعذبناهم فذاقوا} على المعنى كان جائزاً. والوبال ثقل العائد من الضر. وقيل: ان معنى نكر أنه متجاوز في الشدة لكل ما عرفوه فى الدنيا من العقوبة {وكان عاقبة أمرها حسراً} أي وكان آخر أمر تلك القرية العاتية خسراً أي هلاك أنفسهم، وأصله هلاك رأس المال. ثم بين ما لهم في الآخرة، فقال {أعد الله لهم عذاباً شديداً} من عذاب النار يعاقبهم به على طريق التأبيد موجعاً شديد الألم {فاتقوا الله} يا معاشر العقلاء {يا أولوا الألباب الذين آمنوا} يعني المؤمنين منهم، وخصهم بالذكر والخطاب، لانهم المنتفعون بذلك دون الكفار. وقوله تعالى {قد أنزل الله إليكم ذكراً} قال قوم: أراد بالذكر القرآن لانه سماه ذكراً في قوله {أية : إنا نحن نزلنا الذكر}تفسير : ذهب اليه السدي وابن زيد، فعلى هذا تقديره انزل الله اليكم ذكراً وارسل اليكم رسولا، وسماه ذكراً لانه يتذكر به ما يجب العمل به والانتهاء عنه. وقيل إن معنى الذكر الشرف كأنه قال: أنزل الله اليكم شرفاً. وقيل: المراد بالذكر الرسول لقوله {أية : فاسألوا أهل الذكر}تفسير : ذهب اليه الحسن، فعلى هذا يكون {رسولا} بدلا منه، وتقديره أنزل الله اليكم ذكراً هو رسوله. قال الزجاج: تقديره فأنزل الله اليك ان ذكر رسولا هو جبرائيل عليه السلام.

الجنابذي

تفسير : {أَسْكِنُوهُنَّ} اى أسكنوا المطلّقات اللاّتى لا يخرجن من بيوتكم {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} يعنى لا تجعلوا مساكنهنّ ادون من مساكنكم {مِّن وُجْدِكُمْ} ممّا تجدون لسكناكم {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} فى السّكنى او لا تضارّوهنّ من جهةٍ اخرى غير السّكنى {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} فتلجئوهنّ الى الخروج من مساكنكم {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} يعنى انّ الرّجعيّات اللاّتى عليهنّ البقاء فى بيت الزّوج لهنّ النّفقة والبائنات لا نفقة لها الاّ ان يكنّ حاملاتٍ فلهنّ النّفقة حتّى يضعن حملهنّ {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} اولادكم بعد وضع الحمل وانقطاع علاقة النّكاح {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الارضاع لكم {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} يعنى ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف فى الارضاع وفى ايتاء الاجر {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} اى تضايقتم ايّها الآباء عن اتمام الاجرة وايفاء ما هو حقّ الامّهات من الاجور، وايّتها الامّهات من المساهلة فى مقدار الاجرة {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} مرضعةٌ اخرى وهو عتابٌ للآباء على المضائقة فى الاجرة ومقدارها، وللامّهات على المضائقة المزبورة.

اطفيش

تفسير : {أَسْكِنُوهُنَّ} أي المطلقات {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} أي اسكنوهن مكانا من موضع سكونكم فمن للتبعيض كما قال قتادة إن لم يكن إلا بيت واحد فاسكنها في بعض جوانبه وهذا الاسكان واجب باجماع إلا المبتوتة فمالك يرى لها السكنى حفظا للنسب ولا يرى لها النفقة وكذا الشافعي وعلى السكنى اكثر العلماء بانت بالخلع أو الثلاث أو اللعان وقال ابن عباس: لا سكنى لها إلا ان كانت حاملا وعليه الحسن والشعبي وعن ابن عباس والحسن والشعبي والشافعي واحمد انه لا نفقة لها ايضا وعن بان مسعود والنخعي والثوري واصحاب الرأي تجب لها النفقة وعن ابن المسيب وابن عمر المطلقة ثلاثاً وليست حبلى لها السكنى ولا نفقة لها وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى. وكذا كل مبتوتة حديث : لحديث فاطمة بن قيس ان زوجها ابت طلاقها فقال صلى الله عليه وسلم لا سكنى ولا نفقة لك وقال عمر سمعته صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة تفسير : واسم زوجها عمرو بن حفص حديث : روي انه طلقها وهو غائب فارسل وكيله اليها شعيرا فسخطته فقال: والله مالك علينا من شيء فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة لك وامرها ان تعتد في بيت ام شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها اصحابي فاعتدي عند ابن ام مكتوم فانه اعمى تضعين ثيابك تفسير : وهذا دليل على انه لا سكنى وأجيب بأنه امرها بالعدة عند ابن مكتوم لان منزلها وحش يخاف عليها فيه كما روي عن عائشة وقال ابن المسيب: نقلت لطول لسانها على أحمائها وقال لها إذا حللت فاعلميني. فلما حلت قالت ان معاوية ابن ابي سفيان وابا جهم خطابي فقال ابو جهم: فلا يضع عصاه عن عاتقة أي يلازم السفر واما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي اسامة بن زيد فكرهته ثم قال: انكحي اسامة بن زيد فنكحته فجعل الله فيه خيرا فاغتبطته والمتوفى عنها لها السكنى بدليل حديث : أن اخت أبي سعيد الخدري جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله ان ترجع الى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب عبيد له ابقوا فلحقهم فقتلوه وقالت انه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فأذن لها ودخلت في حجرتها وناداها ونوديت فجاءت فقال امكثي حتى يبلغ الكتاب اجله فاعتدت في البيت اربعة اشهر وعشرا تفسير : فنسخ اذنه لها بقوله امكثي وبه قال عمر وابن مسعود وعثمان وعبد الله بن عمر ومالك والثوري واحمد واسحاق لها السكنى والشافعي في احد قوليه. وقال علي وابن عباس وعائشة الحسن وعطاء وابو حنيفة والشافعي في احد قوليه لا سكنى لها وان قوله امكثي استحباب واما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخة النكاح بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وان كانت حاملا. {مِّن وُجْدِكُمْ} مما وجدتم على قدر المال وكذا في النفقة وهو بيان وتفسير لقوله من حيث سكنتم بناء على ان الوجد بمعنى الموجود او بقدر مضاف أي امكنه وجدكم وقرىء بضم الواو وكسرها ومعنى قولي انه بيان ان من البيان لا عطف بيان لاختصاصه بالاسماء على الصحيح ولا يكون في الجملة وشبهها. {وَلا تُضَآرُّوهُنَّ} في السكنى بانزال من لا يوافقهن معهن أو يشغل مكانتهن. {لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} في المساكن فيخرجن وقيل: المراد ان يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها وقيل: يلجئها أن تفتدي منه. {وَإِن كُنَّ} أي المطلقات {أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرجن من عدتهن وتنفق الحامل المتوفى عنها زوجها من التركة عند ابن مسعود وشريح والشعبي والنخعي والثوري ونسب لعلي وعن ابن عباس وابن الزبير وتنفق من نصيبها قيل وبه اخذ اصحابنا ابو عبيدة والعامة من فقهائنا وعن جابر بن عبد الله والحسن وابن المسيب وعطاء لا نفقة لها ونسب لاكثر العلماء ويدل له انه لا ينفق الولي من مال وليه بعد موت صاحب المال وعن علي ايما رجل طلق امرأته فلينفق عليها حتى يتبين اهي حامل ام لا فان كان حمل انفق حتى تضع وإلا فلا نفقة ومن قال كل مطلقة تجب نفقتها قال فائدة الشرط ان مدة الحمل ربما طالت فيظن ظان ان النفقة تسقط اذا مضى مقدار العدة بالحيض فنفي هذا الوهم وللمرضعة نفقة. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُم} اولادكم منهن أو من غيرهن بعد الفراق وانقطاع علاقة النكاح وضمير الاناث للمطلقات.{فَأتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي على الارضاع وتؤجر على ولدها ولو لم يبن عند الشافعي وقال ابو حنيفة لا اجرة لها إلا بعد ان يبين وفيه دليل على ان اللبن للام ولو خلق للولد. {وَأتَمِرُوا} بالالف بعد الواو والاولى في نسخها وهو امر من ائتمر فالاصل وأتمروا بياء ساكنة سكونا حيا بعد صورة الف كما يكتبه بعض المشارقة والائتمار قبول الامر. {بَيْنَكُم بِمَعْروفٍ} بجميل في الارضاع والاجرة وغيرهما يتراضون على اجر معلوم بلا اضرار على احدهم ولا يقصر في حقها ولاتقصر في حق الولد والخطاب للآباء والامهات ويجوز ان يكون الائتمار بمعنى التأمر بهمزة قبل الالف كالاشتوا بمعنى التشاور أي وليأمر بعضكم بعضا. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} تضايقتم في امر الرضاع بأن امتنع الأب عن الاجرة والام عن الارضاع فلا اجرة أو امتنعت ولو مع الاجرة أو شطت في الاجرة {فَسَتُرْضِعُ لَهُ} أي للزوج {أُخْرَى} ولا تكره على الارضاع إلا إن لم يقبل الولد إلا منها فإنها تجبر على إرضاعه باجرة المثل ومثل الزوج في الغنى والفقر وفي ذلك عتاب للام واظهار غني عنها أي سيرضعه غيرك وانت ملومة قال بعضهم: ذلك في البائن واما الرجعية والباقية على الزوجية فيجب عليهما ان يرضعا بلا اجرة إلا ان تكون شريفة وقيل لهما الاجرة ان اردن ولا يجبرن على الرضاع.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ / مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: {أَسْكِنُوهُنَّ } الخ. و {مِنْ } للتبعيض أي أسكنوهن بعض مكان سكناكم، ولتسكن إذا لم يكن إلا بيت واحد في بعض نواحيه كما روي عن قتادة، وقال الحوفي وأبو البقاء: هي لابتداء الغاية. وقوله تعالى: {مّن وُجْدِكُمْ } أي من وسعكم أي مما تطيقونه عطف بيان لقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } على ما قاله الزمخشري، ورده أبو حيان بأن لا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. وتعقب بأن المراد أن الجار والمجرور عطف بيان للجار والمجرور لا المجرور فقط حتى يقال ذلك مع أنه لا يبرد له بسلامة الأمير وأنه لا فرق بين عطف البيان والبدل إلا في أمر يسير، ولا يخفى قوة كلام أبـي حيان. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبـي عبلة وأبو حيوة {من وجدكم } بفتح الواو، وقرأ الفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب بكسرها ـ وذكرها المهدوي عن الأعرج ـ والمعنى في الكل الوسع. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } ولا تستعملوا معهن الضرار في السكنى {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } فتلجئوهن إلى الخروج بشغل المكان أو بإسكان من لا يردن السكنى معه ونحو ذلك. {وَإِن كُنَّ } أي المطلقات {أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فيخرجن عن العدة، وأما المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن عند أكثر العلماء، وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود تجب نفقتهن في التركة، ولا خلاف في وجوب سكنى المطلقات أولات الحمل ونفقتهن بت الطلاق أو لم يبت. واختلف في المطلقات اللاتي لسن أولات حمل بعد الاتفاق على وجوب السكنى لهن إذا لم يكن مبتوتات، فقال ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبـي والحسن ومالك والأوزاعي وابن أبـي ليلى والشافعي وأبو عبيدة: للمطلقة الحائل المبتوتة السكنى ولا نفقة لها، وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور والإمامية: لا سكنى لها ولا نفقة لحديث فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي البتة فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم ثم أنكحني أسامة بن زيد، وقال أبو حنيفة والثوري: لها السكنى والنفقة فهما عنده لكل مطلقة لم تكن ذات حمل، ودليله حديث : أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المبتوتة: «لها النفقة والسكنى» تفسير : مع أن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين الحائل والحامل، ولو كان جزاءاً للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ولم يقولوا به. ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود ـ أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ـ ومن خص الإنفاق بالمعتدات أولات الحمل استدل بهذه الآية لمكان الشرط فيها وهو لا يتم على النافين لمفهوم المخالفة مع أن فائدة الشرط هٰهنا أن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل فأثبت لها النفقة ليعلم غيرها بالطريق الأولى ـ كما في «الكشاف» ـ فهو من مفهوم الموافقة، وحديث فاطمة بنت قيس قد طعن فيه عمر وعائشة وسليمان بن يسار والأسود بن يزيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } أي بعد أن يضعن حملهن {فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } على الإرضاع {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } خطاب للآباء والأمهات، والافتعال بمعنى التفاعل، يقال: ائتمر القوم وتآمروا بمعنى، قال الكسائي: والمعنى تشاوروا. وحقيقته / ليأمر بعضكم بعضاً بمعروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن من الأب مماكسة ولا من الأم معاسرة، وقيل: المعروف الكسوة والدثار. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } أي تضايقتم أي ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في الأجرة أو طلب الزيادة أو نحو ذلك {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } أي فستوجد ولا تعوز مرضعة أخرى. وفيه على ما قيل: معاتبة للأم لأنه كقولك لمن تستقضيه حاجة فتتعذر منه: سيقضيها غيرك أي ستقضي وأنت ملوم. ((وخص الأم بالمعاتبة - على ما قال ابن المنير لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها وهو غير متمول ولا مضمون به في العرف وخصوصاً من الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن أجدر باللوم وأحق بالعتب))، والكلام على معنى فليطلب له الأب مرضعة أخرى فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء. وقال بعض الأجلة: إن الكلام لا يخلو عن معاتبة الأب أيضاً حيث أسقط في الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الإشارة إلى أنه إذا ضايق الأم في الأجر فامتنعت من الإرضاع لذلك فلا بد من إرضاع امرأة أخرى، وهي أيضاً تطلب الأجر في الأغلب والأم أشفق فهي به أولى، وبذلك يظهر كمال الارتباط، والأول أظهر فتدبر. وقيل: {فَسَتُرْضِعُ } خبر بمعنى الأمر أي فلترضع، وليس بذاك، وهذا الحكم إذا قبل الرضيع ثدي أخرى أما إذا لم يقبل إلا ثدي أمه فقد قالوا: تجبر على الإرضاع بأجرة مثلها.

ابن عاشور

تفسير : {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} هذه الجملة وما ألحق بها من الجمل إلى قوله: {أية : وكأيّن من قرية عتت}تفسير : [الطلاق: 8] الخ تشريع مستأنف فيه بيان لما أُجمل في الآيات السابقة من قوله: {أية : لا تخرجوهن من بيوتهن}تفسير : [الطلاق: 1] وقوله: {أية : أو فارقوهن بمعروف} تفسير : [الطلاق: 2]، وقوله: {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}تفسير : [الطلاق: 4] فتتنزّل هذه الجمل من اللاتي قبلها منزلة البيان لبعض، ويدل الاشتمال لبعض وكل ذلك مقتضى للفصل. وابتدىء ببيان ما في {أية : لا تخرجوهن من بيوتهن}تفسير : [الطلاق: 1] من إجمال. والضمير المنصوب في {أسكنوهن} عائد إلى النساء المطلقات في قوله: {أية : إذا طلقتم}تفسير : [الطلاق: 1]. وليس فيما تقدم من الكلام ما يصلح لأن يعود عليه هذا الضمير إلا لفظ النساء وإلاّ لفظ {أية : أولات الأحمال}تفسير : [الطلاق: 4]، ولكن لم يقل أحد بأن الإِسكان خاص بالمعتدّات الحوامل فإنه ينافي قوله تعالى: {أية : لا تخرجوهن}تفسير : [الطلاق: 1] فتعين عود الضمير إلى النساء المطلقات كلّهن، وبذلك يشْمل المطلقة الرجعية والبائنة والحامل، لما علمتَه في أول السورة من إرادة الرجعية والبائنة من لفظ {أية : إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1]. وجمهور أهل العلم قائلون بوجوب السكنى لهن جميعاً. قال أشهب: قال مالك: يَخرج عنها إذا طلقها وتبقى هي في المنزل. وروى ابن نافع قال مالك: فأما التي لم تَبِنْ فإنها زوجة يتوارثان والسكنى لهن لازمة لأزواجهن اهـ. يريد أنها مستغنى عن أخذ حكم سكناها من هذه الآية. ولا يريد أنها مستثناة من حكم الآية. وقال قتادة وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل: لا سكنى للمطلقة طلاقاً بائناً. ومتمسكهم في ذلك ما روته فاطمة بنت قَيس: أن زوجها طلقها ثلاثاً وأن أخا زوجها منعها من السكنى والنفقة، وأنها رفعت أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: « حديث : إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة»تفسير : . وهو حديث غريب لم يعرفه أحد إلا من رواية فاطمة بنت قيس. ولم يقبله عُمر بن الخطاب فقال: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو شُبّه عليها. وأنكرته عائشة على فاطمة بنت قيس فيما ذكرتْه من أنه أذن لها في الانتقال إلى مكان غير الذي طلقت فيه كما تقدم. وروي أن عمر «حديث : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن للمطلقة البائنة سكنى»تفسير : . ورووا أن قتادة وابن أبي ليلى أخذا بقوله تعالى: {أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}تفسير : [الطلاق: 1] إذ الأمر هو المراجعة، فقصَرا الطلاق في قوله: {أية : إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1]، على الطلاق الرجعي لأن البائن لا تترقب بعده مراجعة وسبقها إلى هذا المأخذ فاطمة بنت قيس المذكورة. روى مسلم أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن الحديث فحدثته فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من المرأة سنأخذ بالعصْمة التي وجدنا عليها الناس فبلغ قولُ مروان فاطمة بنت قيس فقالت: «بيني وبينكم القرآن، قال الله عزّ وجل: {أية : لا تخرجوهن من بيوتهن}،تفسير : [الطلاق: 1] إلى قوله: {أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}تفسير : [الطلاق: 1] قالت: هذا لمن كانت له رجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث» اهـ. ويرد على ذلك أن إحداث الأمر ليس قاصراً على المراجعة فإن من الأمر الذي يحدثه الله أن يرقق قلوبهما فيرغبا معاً في إعادة المعاشرة بعقد جديد. وعلى تسليم اقتصار ذلك على إحداث أمر المراجعة فذكر هذه الحكمة لا يقتضي تخصيص عموم اللفظ الذي قبلها إذ يكفي أن تكون حكمة لبعض أحوال العام. فالصواب أن حق السكنى للمطلقات كلهن، وهو قول جمهور العلماء. وقوله: {من حيث سكنتم}، أي في البيوت التي تسكنونها، أي لا يكلف المطلق بمكان للمطلقة غير بيته ولا يمنعها السكنى ببيته. وهذا تأكيد لقوله: {أية : لا تخرجوهن من بيوتهن}تفسير : [الطلاق: 1]. فإذا كان المسكن لا يسع مبيتين متفرقين خَرج المطلق منه وبقيت المطلقة، كما تقدم فيما رواه أشهب عن مالك. و{مِن} الواقعة في قوله: {من حيث سكنتم} للتبعيض، أي في بعض ما سكنتم ويؤخذ منه أن المسكن صالح للتبعيض بحسب عرف السكنى مع تجنب التقارب في المبيت إن كانت غير رجعية، فيؤخذ منه أنه إن لم يسعهما خرج الزوج المطلق. و{مِن} في قوله: {من وجدكم} بدل مطابق، وهو بيان لقوله: {من حيث سكنتم} فإن مسكن المرء هو وجده الذي وجده غالباً لمن لم يكن مقتراً على نفسه. والوُجد: مثلث الواو هو الوسع والطاقة. وقرأه الجمهور بضم الواو. وقرأه رَوْح عن يعقوب بكسرها. {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ}. أتبع الأمر بإسكان المطلقات بنهي عن الإِضرار بهن في شيء مدة العدة من ضيق محلّ أو تقتير في الإِنفاق أو مراجعة يعقبها تطليق لتطويل العدة عليهن قصداً للكناية والتشفي كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولا تتخذوا آيات الله هزواً}تفسير : في سورة [البقرة: 231]. أو للإِلجاء إلى افتدائها من مراجعته بخلع. والضارة: الإِضرار القوي فكأن المبالغة راجعة إلى النهي لا إلى المنهي عنه، أي هو نهي شديد كالمبالغة في قوله: {أية : وما ربك بظلام للعبيد}تفسير : [فصلت: 46] في أنها مبالغة في النفي ومثله كثير في القرآن. والمراد بالتضييق: التضييق المجازي وهو الحرج والأذى. واللام في {لتضيقوا عليهن} لتعليل الإِضرار وهو قيد جرى على غالب ما يعرض للمطلقين من مقاصد أهل الجاهلية، كما تقرر في قوله تعالى: {أية : ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدُوا}تفسير : [البقرة: 231] وإلا فإن الإِضرار بالمطلقات منهي عنه وإن لم يكن لقصد التضييق عليهن. {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. ضمير {كنّ} يعود إلى ما عاد إليه ضمير {أسكنوهن} كما هو شأن ترتيب الضمائر، وكما هو مقتضى عطف الجمل، وليس عائداً على خصوص النساء الساكنات لأن الضمير لا يصلح لأن يكون معاداً لضمير آخر. وظاهر نظم الآية يقتضي أن الحوامل مستحقات الإِنفاق دون بعض المطلقات أخذاً بمفهوم الشرط، وقد أخذ بذلك الشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى. ولكن المفهوم معطل في المطلقات الرجعيات لأن إنفاقهن ثابت بأنهن زوجات. ولذلك قال مالك: إن ضمير {أسكنوهن} للمطلقات البوائن كما تقدم. ومن لم يأخذ بالمفهوم قالوا: الآية تعرضت للحوامل تأكيداً للنفقة عليهن لأن مدة الحمل طويلة فربما سئم المطلق الإِنفاق، فالمقصود من هذه الجملة هو الغاية التي بقوله: {حتى يضعن حملهن} وجعلوا للمطلقة غير ذات الحمل الإِنفاق. وبه أخذ أبو حنيفة والثوري. ونسب إلى عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. وهذا الذي يرجح هو هذا القول وليس للشرط مفهوم وإنما الشرط مسوق لاستيعاب الإِنفاق جميع أمد الحمل. { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}. لما كان الحمل ينتهي بالوضع انتُقل إلى بيان ما يجب لهن بعد الوضع فإنهن بالوضع يصرن بائنات فتنقطع أحكام الزوجية فكان السامع بحيث لا يدري هل يكون إرضاعها ولدها حقاً عليها كما كان في زمن العصمة أو حقاً على أبيه فيعطيها أجر إرضاعها كما كان يعطيها النفقة لأجل ذلك الولد حين كان حملاً. وهذه الآية مخصصة لقوله في سورة [البقرة: 233] {أية : والوالدات يرضعن أولادهن}تفسير : الآية. وأفهم قوله: {لكم} أن إرضاع الولد بعد الفراق حق على الأب وحده لأنه كالإِنفاق والأُم ترضع ولدها في العصمة تبعاً لإِنفاق أبيه عليها عند مالك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، إذ قالا: لا يجب الإِرضاع على الأم حتى في العصمة فلما انقطع إنفاق الأب عليها بالبينونة تمحضت إقامة غذاء ابنه عليه فإن أرادت أن ترضعه فهي أحق بذلك، ولها أجر الإِرضاع وإن أبت فعليه أن يطلب ظئراً لابنه فإن كان الطفلُ غير قابل ثديَ غير أمه وجب عليها إرضاعه ووجب على أبيه دفع أجرة رضاعه. وقال أبو ثور: يجب إرضاع الابن على أمه ولو بعدَ البينونة. نقله عند أبُو بكر ابن العربي في «الأحكام» وهو عجيب. وهذه الآية أمامه. والائتمار: التشاور والتداول في النظر. وأصله مطاوع أمره لأن المتشاورين يأمر أحدهما الآخر فيأتمر الآخر بما أمره. ومنه تسمية مجامع أصحاب الدعوة أو النحلة أو القصد الموحّد مؤتمراً لأنه يقع الاستئمار فيه، أي التشاور وتداول الآراء. وقوله: {وأتَمِرُوا بينكم} خطاب للرجال والنساء الواقع بينهم الطلاق ليتشاوروا في أمر إرضاع الأمّ ولدها. وما يبذله الأب لها من الأجرة على ذلك. وقيدَ الائتمارُ بالمعروف، أي ائتماراً ملابساً لما هو المعروف في مثل حالهم وقومهم، أي معتاد مقبول، فلا يشتَطّ الأب في الشحّ ولا تشتط الأم في الحرص. وقوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} عتاب وموعظة للأب والأمّ بأن ينزّل كل منهما نفسه منزلة ما لو اجتُلبت للطفل ظِئر، فلا تسأل الأمُّ أكثر من أجر أمثالها، ولا يشحّ الأب عما يبلغ أجرَ أمثال أمّ الطفل، ولا يسقط حق الأمّ إذا وجد الأب من يرضع له مجاناً لأن الله قال: {فسترضع له أخرى} وإنما يقال: أرضعت له، إذا استؤجرت لذلك، كما يقال: استرضَع أيضاً، إذا آجر من يرضع له ولده. وتقدم في سورة البقرة قوله تعالى: {أية : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} تفسير : [233]الآية. والتعاسر صدور العسر من الجانبين. وهو تفاعل من قولكم: عسرتُ فلاناً، إذا أخذته على عسره، ويقال: تعاسر البيِّعان إذا لم يتفقا. فمعنى {تعاسرتم} اشتدّ الخلاف بينكم ولم ترجعوا إلى وفاق، أي فلا يبقى الولد بدون رضاعة. وسين الاستقبال مستعمل في معنى التأكيد، كقوله: {أية : قال سوف أستغفر لكم ربي}تفسير : في سورة [يوسف:98]. وهذا المعنى ناشىء عن جعل علامة الاستقبال كنايَة عن تجدد ذلك الفعل في أزمنة المستقبل تحقيقاً لتحصيله. وهذا الخبر مستعمل كناية أيضاً عن أمر الأب باستئجار ظئر للطفل بقرينة تعليق {له} بقوله: {فسترضع}. فاجتمع فيه ثلاث كنايات: كناية عن موعظة الأب، وكناية عن موعظة الأم، وكناية عن أمر الأب بالاسترضاع لولده.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}. بين تعالى مدة الرضاع في قوله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}تفسير : [البقرة: 233]. وجعل أبو حنيفة رحمه الله ثلاثة أشهر زيادة على الحولين لتمرين الطفل على الفطام، وذلك كما قال تعالى:{أية : لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}تفسير : [البقرة: 233]. فإذا أمكن فطام الطفل قبلها بدون مضرة عليه فلا مانع، وعلى الوالد إيتاء الأجرة على مدة الرضاع إلى الفطام سواء كانت المدة الشرعية كما هنا أو الفعلية قبلها. وليس ملزماً بما زاد على الحولين في نص الآية. والائتمار بمعروف يشعر بأن للعرف دخلاً في ذلك كما هو تنبيه صريح أن لا يضار أحد الوالدين بولده وأن تكون المفاهمة بين الزوجين بعد الفرقة في جميع الأمور سواء في خصوص الرضاع أو غيره مبناها على المعروف والتسامح والإحسان وفاء لحق العشرة السابقة، ولا تنسوا الفضل بينكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من وجدكم: أي من وسعكم بحيث يسكن الرجل مطلقته في بعض سكنه. ولا تضاروهُن: أي لا تطلبوا ضررهن بأي حال من الأحوال سواء في السكن أو النفقة. لتضيقوا عليهن: أي لأجل أن تضيقوا عليهن السكن فيتركنه لكم ويخرجن منه. وإن كنّ أولات حمل: أي حوامل يحملن الأجنة في بطونهن. فإن أرضعن لكم: أي أولادكم. فآتوهن أجورهن: فأعطوهن أجورهن على الإِرضاع هذا في المطلقات. وأتمروا بينكم بمعروف: أي وتشاورا أو ليأمر كل منكم صاحبه بأمر ينتهي باتفاق على أجرة معقولة لا إفراط فيها ولا تفريط. وإن تعاسرتم: فإن امتنعت الأم من الإرضاع أو امتنع الأب من الأجرة. لينفق ذو سعة: أي لينفق على المطلقات المرضعات ذو الغنى من غناه. ومن قدر عليه رزقه: ومن ضيق عليه عيشه فلينفق بحسب حاله. معنى الآيتين: بعد بيان الطلاق بقسميه الرجعي والبائن وبيان العدد على اختلافها بيّن تعالى في هاتين الآيتين أحكام النفقات والإِرضاع فقال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} أي من وسعكم ولا تضاروهن بأي مضارة لا في السكن ولا في الإنفاق ولا في غيره من أجل أن تضيقوا عليهن فيتركن لكم السكن ويخرجن. وهؤلاء المطلقات طلاقاً رجعياً وهن حوامل أو غير حوامل. وقوله تعالى {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أي وإن كانت المطلقة طلاق البتة أي طلقها ثلاث مرات فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن أي أسكنوهن وأنفقوا عليهن إلى أن يلدن فإن وضعت حملها فهما بالخيار إن شاءت أرضعت له ولده بأحرة يتفقان عليها وإن شاء هو أرضع ولده مرضعاً غير أمه وهو معنى قوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وذلك يتم بتبادل الرأي إلى الاتفاق على أجرة معينة، وإن تعاسرا بأن طلب كل واحد عسر الثاني أي تشاحَّا في الأجرة فلم يتفقا فلترضع له أي للزوج امرأة أخرى من نساء القرية. وقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} أمر تعالى المؤمن إذا طلق أن ينفق على مطلقته التي ترضع له ولده أو التي هي في عدتها في بيته بحسب يساره وإعساره أو غناه وافتقاره، إذ لا يكلف الله نفساً إلا ما أعطاها من قدرة أو غنىً وطَوْل والقاضي هو الذي يقدر النفقة عند المشاحة وتكون بحسب دخل الرجل وما يملك من مال. وقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} هذا وعد صدق أتمه لأصحاب رسوله حيث كانوا في عسر ففتح عليهم ملك كسرى والروم فأبدل عسرهم يسراً. وأما غيرهم فمشروط بالتقوى كما تقدم ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- وجوب السكن والنفقة للمطلقة طلاقاً رجعياً. 2- وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الحامل حتى تضع حملها. 3- وجوب السكنى والنفقة للمتوفى عنها زوجها وهي حامل. 4- المطلقة البائن والمبتوتة لم يقض لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس أخت الضحاك، ومن الفضل الذي ينبغي أن لا ينسى إن كانت محتاجة إلى سكن أو نفقة أن يسكنها مطلقها وينفق عليها مدة عدتها. وأجره عظيم لأنه أحسن والله يحب المحسنين. 5- النفقة الواجبة تكون بحسب حال المطلق غنىً وفقراً والقاضي يقدرها إن تشاحا. 6- المطلقة طلاقاً بائناً إن أرضعت ولدها لها أجرة إرضاعها حسب اتفاق الطرفين الأم والأب. 7- بيان القاعدة العامة وهي أن لا تكلف نفس إلا وسعها.

القطان

تفسير : من وُجدكم: من قدرتكم، مما هو موجود عندكم، على قدر طاقتكم. ولا تضارّوهن: لا تلحقوا بهن ضررا. لتضيِّقوا عليهن: بالنفقة والسكن حتى تلجئوهنّ الى الخروج من المسكن. وأتمِروا بينكم بمعروف: وتشاوروا وتعاملوا بينكم بما تعارف الناس عليه من سماحة وعدم تعنت. وان تعاسَرتم: وان لم تتفقوا وضيق بعضكم على بعض كطلب زيادة الأجر وغير ذلك. فسترضعُ له أخرى: فيمكن ان ترضع المولود امرأة اخرى بأجر مقبول. ومن قُدر عليه رزقُه: ومن كان رزقه قليلا، يعني فقير الحال. فلْيُنفِقْ مما آتاه الله: ينفق بقدر ما عنده. فالنفقة والسكن واجبة للمعتدّة مدة العدة. {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} أسكنوا المطلقاتِ مدة العدة في بيوتكم التي تسكنونها وأنفقوا عليهن مما هو موجود عندكم، كلّ حسب قدرته. {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} لا تُلحقوا بهن ضرراً بأن تُسكنوا معهن أحداً لتضيّقوا عليهنّ، تعجيلاً بخروجهنّ من المسكن. {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. واذا كانت المطلقة حاملاً فيجب على الذي طلقها ان ينفق عليها ويُسكنها في داره نفقةً حسب قدرته حتى تضع حملها. ثم بين الله تعالى حكم ارضاع الطفل بعد ولادته فقال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} عندما تضع المطلقة مولودها تكون قد انتهت عِدتها، وهي غير ملزمة بأن تُرضع ولدها، فان أرضعته فعلى والده ان يدفع لها أجرها، لأن حق النفقة والرضاع للأولاد على آبائهم. ثم حث الله تعالى على المعاملة بالمعروف بين الطرفين فقال: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} تعاملوا أيها الآباء والأمهات فيما بينكم بالسماحة والأخلاق العالية، لأن في ذلك مصلحةً كبرى للطفل ورحمة به. فلا تجعلوا المال عقبةً في سبيل إصلاحهم.. على الآباء ان يجودوا بالأجر والنفقة، وعلى الأمهاتِ ان يتساهلن ولا يحرجن الآباء.. وذلك كله في مصلحة ابنائهم. ثم ارشد الى ما يجب عمله اذا لم يحصل الوفاق بين الأبوين على الأجر والانفاق فقال: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}. وان لم تتفقوا ووقع بينكم خلاف كأن لم يقبل الأب أن يدفع الأجرَ المطلوب، او اشتطت الأم في طلب زيادة الأجر، فعلى الأب ان يبحثَ عن امرأة اخرى ترضع له مولوده. فاذا لم يقبل المولود غير ثدي أمه وجَبَ على الأم ان ترضعَه بأي أجرٍ كان. ثم بين الله تعالى مقدار الانفاق وكيفيته بحسب طاقة كل أب فقال: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ}. هذا هو مبدأ الاسلام العظيم: اليسر والتعاون والعدل..على كل انسان ان ينفق بقدر طاقته وحسب مقدرته، فمن وسّع الله عليه الرزق فلينفقْ عن سعة في السكن والنفقة واجر الرضاع، ومن كان رزقه ضيقا فلا حرج عليه، فلينفق بقدر ما يستطيع. هذه هي القاعدة الذهبية في المجتمع الاسلامي العظيم. وكما جاء في قوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] آخر سورة البقرة. ثم جاء في تعبير لطيف بين فيه ان الارزاق تتحول من عسر الى يسر، وأن اليسر دائماً مأمول فلا تخافوا ولا تضيِّقوا على انفسكم فقال: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}. ان الله تعالى سيجعل من بعد الشدة رخاء، ومن بعد الضيق فرجا، فكونوا دائما مؤملين للخير، فالدنيا لا تدوم على حال. {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح: 5-6] ولن يغلب عسر يسرَين. وإنها لبشارة للناس، ولمسة فرج، وافساح رجاء للمطلِّق والمطلقة وللناس جميعا.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلاَتِ} {فَآتُوهُنَّ} (6) - وَأَسْكِنُوا النِّسَاءَ المُطَلَّقَاتِ فِي المَوْضِعِ الذِي تَسْكُنُونَ فِيهِ، عَلَى مِقْدَارِ حَالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا إِلاَّ حُجْرَةً بِجَانِبِ حُجرَتِكُمْ فَأَسْكِنُوهُنَّ فيهَا.. (لأَنَّ السُّكْنَى نَوْعٌ مِنَ النَّفَقَةِ وَهِي وَاجِبَةٌ عَلَى الأَزْوَاجِ). وَلاَ تُضَاجِرُوهُنَّ، وَلاَ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ فِي السُّكْنَى، بِشَغْلِ المَكَانِ، أَوْ بِإِسْكَانِ غَيرِهِنَّ مَعَهُنَّ مِمَّنْ لاَ يُحْبِبْنَ السُّكْنَى مَعَهُ، لِتُلْجِئُوهُنَّ إِلَى الخُرُوجِ مِنْ مَسَاكِنِهِنَّ. وَإِذَا كَانَتِ المُطَلَّقَةُ ذَاتَ حَمْلٍ فَعَلَى الزَوْجِ، أَوْ وَلِيِّهِ، أَنْ يُنْفِقَ عَلَيهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. فإِذَا أَرْضَعَتِ المُطَلَّقَةُ وَلِيدها الذِي وَضَعَتْهُ، وَهِيَ طَالِقٌ، قَدْ بَانَتْ بِانْقضَاءِ عدَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تُرَضِعَ الوَلَدَ وَيَكُونُ لَها عَلَى الزَّوْجِ أَجْرُ إِرْضَاعِهِ (أَجْرُ مِثْلِهَا). وَتَتَّفِقُ المُطَلَّقَةُ مَعَ وَالِدِ الطِّفْلِ أَوْ وَلِيِّهِ عَلَى مِقْدَارِهِ. وَلَهَا أَنْ لاَ تُرْضِعَهُ فَيَقُومُ الوَالِدُ بِتَكْلِيفِ أُخْرَى بِإِرْضَاعِهِ. وَيَحُثُّ اللهُ تَعَالَى الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ عَلىَ التَّشَاوُرِ والتَّفَاهُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ الأَوْلاَدِ، وَفِيمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ. كَمَا يَحُثُّهُمْ عَلَى أَلاَّ يَجْعَلُوا المَالَ عَقَبَةً فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلوَلَدِ، فَلاَ يَكُونُ مِنَ الأَزْوَاجِ مُمَاكَسَةٌ، وَلاَ يَكُونُ مِنَ الأُمَّهَاتِ مُعَاسَرَةٌ وَإِحْرَاجٌ لِلآبَاءِ. أَمَّا إِذَا ضَيَّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ فَإِنَّ لِلأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ امْرَأَةً أُخْرَى، فَإِنْ رَضِيتِ الأُمُّ بِمِثْلِ مَا اسْتُؤْجِرَتْ بِهِ الأَجْنَبِيَّةُ كَانَتْ أَحَقَّ بِإِرْضَاعِ طِفْلِهَا مِنَ الأَجْنَبِيَّةِ. وُجْدِكُم - وُسْعِكُمْ وَطَاقَتكُمْ. ائْتَمِرُوا بَيْنَكُم - تَشَاوَرُوا فِي الأَمْرِ وَالإِرْضَاعِ وَالأُجْرَةِ. تَعَاسَرْتُمْ - تَشَاحَنْتُمْ - وَضَيّقَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الآية: 6]. يعني: سعتكم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} [الآية: 6]. يعني: في المسكن. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} [الآية: 7]. يعني: على المطلقة إِذا أَرضعت له. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} [الآية: 9]. يعني: جزاءَ أَمرها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} [الآية: 12]. يعني: من السماءِ السابعة إِلى الأَرض السابعة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِّن وُجْدِكُمْ} معناه من سِعَتِكُم. وقوله تعالى: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} يعني تَشَاورُوا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، يعني: القوة القابلة المطلقة أسكنها من حيث يسكن من وجود الوجد الغيبي والمعارف القلبية، ووسع معيشتها من المعارف والواردات {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} [الطلاق: 6]، أي: لا تؤذونهن بالمجاهدات الشاقة على البدن {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]، مساكنهن في بيوتكم بحيث يضطرون إلى الخروج إلى بيت القالب أو بيت الهوى؛ فإن ذلك التضييق كان ذنباً لكم {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، من النصائح والمواعظ والمعارف حتى يضمن حمل الخواطر الهوائية {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} [الطلاق: 6]، يعني: إن أرضعن ولدكم وهو: عملكم البدني؛ بأن يرضع قوتك القالبية ليعمل بها {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، على إرضاعهن أولاد أعمالكم الصالحة من المعارف الغيبية والخواطر القلبية والأصوات الحسية السمعية {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}، أي: يقتصدوا في الأخذ والإعطاء ولا يقصدوا القرار من الجانبين {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} [الطلاق: 6]، في الأجرة والإرضاع؛ فليس للقوة الفاعلة إكراه القوة القابلة، ولكنه يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه؛ فينبغي للسالك في هذا المقام أن يتوجه بالكلية إلى الله، ولا يشتغل بغيره، ويدخل خلوته ويسد عليه بابه، إن أراد الله حياته وقيامه يرسل إليه شرابه وطعامه [من] عالم الغيب، بحيث لا يكون له احتياج إلى طعام المخلوقين، ويرضع أطفال العمالة الصالحة من ثدي القلب في القلب، أحسن مما كان يرضعه من ثدي القلب في عالم الشهادة {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} [الطلاق: 6]، إشارة إلى هذا. {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]، يعني: قدر غناه، والغنى غنى القلب، {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7]، يعني: ضيق عليه رزقه من عالم المكاشفات والمشاهدات {فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} [الطلاق: 7]، يعني: ينفق استعداده الحاصل من تلك المشاهدات السابقة {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} [الطلاق: 7]، يعني: الله يعلم بما أعطى كل شخص من الاستعداد؛ فإن لم يعطه استعداد لا يكلفه على إنفاقه، ولا يعذبه على ترك الإنفاق إن لم يكن له استعداد وهبي ولا كسبي؛ فالواجب على المسلك أن لا يبخل على مريديه بما آتاه الله من المعارف ما يصلح لحوصلة كل واحد منهم، وإن ضيق الوقت عليه، ولا يرد الوارد الجديد؛ فعليه أن ينفق على المريدين من المعارف السمعية، والمعارف التي كشفت عليه من قبل دخول حال النكرة {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق: 7]، يعني: بعد عسر النكرة سر المعرفة للمسلك المنتهي، وبعد عسر القبض يسر البسط للسالك المتوسط، وبعد عسر المجاهدة يسر المشاهدة للمبتدئ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : تقدم أن الله نهى عن إخراج المطلقات عن البيوت وهنا أمر بإسكانهن وقدر الإسكان بالمعررف، وهو البيت الذي يسكنه مثله ومثلها، بحسب وجد الزوج وعسره، { وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } أي: لا تضاروهن عند سكناهن بالقول أو الفعل، لأجل أن يمللن، فيخرجن من البيوت قبل تمام العدة فتكونوا، أنتم المخرجين لهن، وحاصل هذا أنه نهى عن إخراجهن، ونهاهن عن الخروج، وأمر بسكناهن، على وجه لا يحصل عليهن ضرر ولا مشقة، وذلك راجع إلى العرف، { وَإِنْ كُنَّ } أي: المطلقات { أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وذلك لأجل الحمل الذي في بطنها، إن كانت بائنًا، ولها ولحملها إن كانت رجعية، ومنتهى النفقة حتى يضعن حملهن فإذا وضعن حملهن، فإما أن يرضعن أولادهن أو لا { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } المسماة لهن، إن كان مسمى، وإلا فأجر المثل، { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } أي: وليأمر كل واحد من الزوجين ومن غيرهما الآخر بالمعروف، وهو كل ما فيه منفعة ومصلحة في الدنيا والآخرة، فإن الغفلة عن الائتمار بالمعروف، يحصل فيه من الشر والضرر، ما لا يعلمه إلا الله، وفي الائتمار تعاون على البر والتقوى، ومما يناسب هذا المقام، أن الزوجين عند الفراق وقت العدة، خصوصًا إذا ولد لهما ولد في الغالب يحصل من التنازع والتشاجر لأجل النفقة عليها وعلى الولد مع الفراق، الذي في الغالب ما يصدر إلا عن بغض، ويتأثر منه البغض شيء كثير. فكل منهما يؤمر بالمعروف، والمعاشرة الحسنة، وعدم المشاقة والمخاصمة، وينصح على ذلك. { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ } بأن لم يتفقوا على إرضاعها لولدها، فلترضع له أخرى غيرها {أية : فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } تفسير : وهذا حيث كان الولد يقبل ثدي غير أمه، فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، تعينت لإرضاعه، ووجب عليها، وأجبرت إن امتنعت، وكان لها أجرة المثل إن لم يتفقا على مسمى، وهذا مأخوذ من الآية الكريمة من حيث المعنى، فإن الولد لما كان في بطن أمه مدة الحمل، ليس له خروج منه، عين تعالى على وليه النفقة، فلما ولد، وكان يمكن أن يتقوت من أمه ومن غيرها، أباح تعالى الأمرين، فإذا كان بحالة لا يمكن أن يتقوت إلا من أمه كان بمنزلة الحمل، وتعينت أمه طريقًا لقوته، ثم قدر تعالى النفقة، بحسب حال الزوج فقال: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } أي: لينفق الغني من غناه، فلا ينفق نفقة الفقراء. { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أي: ضيق عليه { فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } من الرزق. { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا } وهذا مناسب للحكمة والرحمة الإلهية حيث جعل كلا بحسبه، وخفف عن المعسر، وأنه لا يكلفه إلا ما آتاه، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، في باب النفقة وغيرها. { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } وهذه بشارة للمعسرين، أن الله تعالى سيزيل عنهم الشدة، ويرفع عنهم المشقة، {أية : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }.