٦٥ - ٱلطَّلَاق
65 - At-Talaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {لِيُنفِقْ} أي لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وُسعه حتى يوسّع عليهما إذا كان مُوَسَّعاً عليه. ومن كان فقيراً فعلى قدر ذلك. فتقدّر النفقة بحسب الحالة من المنفِق والحاجة من المنفَق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة؛ فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفَق عليه ثم ينظر إلى حالة المنفِق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفق عليه ردّها إلى قدر احتماله. وقال الإمام الشافعيّ رضي الله عنه وأصحابه: النفقة مقدّرة محدّدة، ولا اجتهاد لحاكم ولا لِمُفْتٍ فيها. وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يُسْره وعُسْره، ولا يعتبر بحالها وكفايتها. قالوا: فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس. فإن كان الزوج مُوسِراً لزمه مُدّان، وإن كان متوسطاً فَمُدّ ونصف، وإن كان معسِراً فَمُدّ. واستدلوا بقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} الآية. فجعل الاعتبار بالزوج في اليُسْر والعُسْر دونها؛ ولأن الاعتبار بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره؛ فيؤدّي إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدّعي أنها تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعم أن الذي تطلب تطلبه قدر كفايتها؛ فجعلناها مقدّرة قطعاً للخصومة. والأصل في هذا عندهم قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} ـ كما ذكرنا ـ، وقوله: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} تفسير : [البقرة:236]. والجواب أن هذه الآية لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة الغنيّ والفقير، وإنها تختلف بُعْسر الزوج ويُسْره. وهذا مُسَلَّم. فأما إنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه فليس فيه، وقد قال الله تعالى: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة:233] وذلك يقتضي تعلّق المعروف في حقهما؛ لأنه لم يخص في ذلك واحداً منهما. وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنيّة مثل نفقة الفقيرة: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند: «حديث : خُذِي ما يكْفيِك وولدكِ بالمعروف»تفسير : . فأحالها على الكفاية حين علم السَّعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها، ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأن الواجب لك شيء مقدّر، بل ردّها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم يعلقه بمقدار معلوم. ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف؛ والآية لاتقتضيه. الثانية ـ: روي أن عمر رضي الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم، وفرض له عثمان خمسين درهماً. ابن العربيّ: «واحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف السنين أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس، وقد روى محمد بن هلال المُزَنيّ قال: حدّثني أبي وجدّتي أنها كانت ترِد على عثمان ففقدها فقال لأهله: ما لي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين، ولدت الليلة؛ فبعث إليها بخمسين درهماً وشُقَيْقَة سُنْبُلانيّة. ثم قال: هذا عطاء ابنك وهذه كسوته، فإذا مَرّت له سنة رفعناه إلى مائة. وقد أُتيَ عليّ رضي الله عنه بمنبوذ ففرض له مائة. قال ابن العربيّ: «هذا الفرض قبل الفِطام مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من رآه مستحباً لأنه داخل في حكم الآية، ومنهم من رآه واجباً لما تجدّد من حاجته وعَرض من مؤونته؛ وبه أقول. ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله عند الفطام. وقد روى سفيان بن وهب أن عمر أخذ المُدّ بيدٍ والقِسْط بيد فقال: إني فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مُدَّيْ حِنْطة وقِسْطَيْ خَلٍّ وقِسْطَيْ زيت. زاد غيره: وقال إنا قد أَجْرَيْنَا لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر، فمن انتقصها فعل الله به كذا وكذا؛ فدعا عليه. قال أبو الدَّرْداء: كم سُنّة راشدة مَهْديّة قد سَنّها عمر رضي الله عنه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم! والمُدّ والقسْط كيلان شامِيَّان في الطعام والإدام؛ وقد دُرِسَا بعرف آخر. فأما المُدّ فَدُرِس إلى الكَيْلَجَة. وأما القِسْط فدُرِس إلى الكيل، ولكن التقدير فيه عندنا رُبعان في الطعام وثُمنان في الإدام. وأما الكسوة فبقدر العادة قميصٌ وسراويل وجُبَّة في الشتاء وكساء وإزار وحصير. وهذا الأصل، ويتزيد بحسب الأحوال والعادة». الثالثة ـ: هذه الآية أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم؛ خلافاً لمحمد بن الموّاز يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث. ابن العربيّ: ولعلّ محمداً أراد أنها على الأم عند عدم الأب. وفي البخاريّ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تقول لك المرأة أنفق عليّ وإلا فطلقني ويقول لك العبد أنفق عليّ واستعملني ويقول لك ولدك أنفق عليّ إلى من تَكِلُنِي» تفسير : فقد تعاضد القرآن والسُّنّة وتواردا في شِرْعة واحدة. الرابعة ـ: قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} أي لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغنيّ. {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي بعد الضيق غِنىً، وبعد الشدّة سَعَة.
البيضاوي
تفسير : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ } أي فلينفق كل من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه. {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا } فَإِنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وفيه تطييب لقلب المعسر ولذلك وعد له باليسر فقال: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } أي عاجلاً وآجلاً. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } أهل قرية. {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } أعرضت عنه إعراض العاتي المعاند. {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } بالاستقصاء والمناقشة. {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } منكراً والمراد حساب الآخرة، وعذابها والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق. {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } عقوبة كفرها ومعاصيها. {وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } لا ربح فيه أصلاً. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها في قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } ويجوز أن يكون المراد بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحف الحفظة، وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلاً. {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً }. {رَسُولاً } يعني بالذكر جبريل عليه السلام لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لأنه مذكور في السمٰوات أو ذا ذكر أي شرف، أو محمداً عليه الصلاة والسلام لمواظبته على تلاوة القرآن، أو تبليغه وعبر عن إرساله بالإِنزال ترشيحاً، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه، وأبدل منه {رَسُولاً } للبيان أو أراد به القرآن، و {رَسُولاً }. منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكراً مصدر ورسولاً مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة. {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ } حال من اسم {ٱللَّهِ } أو صفة {رَسُولاً }، والمراد بـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في قوله: {لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } الذين آمنوا بعد إنزاله أي ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح أو ليخرج من علم أو قدر أنه يؤمن {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من الضلالة إلى الهدى. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بالنون. { قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } مبتدأ وخبر. {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض، وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن وينفذ حكمه فيهن. {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْءٍ عِلْمَا } علة لـ {خلقَ } أو لـ {يَتَنَزَّلُ }، أو مضمر يعمهما فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِيُنفِقْ } على المطلقات والمرضعات {ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ} ضيق {عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءَاتٰهُ } أعطاه {ٱللَّهُ } على قدره {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَٰهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } وقد جعله بالفتوح.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِمَّآ ءَاتَاهُ} نفقة المرضع بقدر المكنة أو لا يكلف بصدقة ولا زكاة ولا مال له أو لا يكلفه فريضة إلا بحسب قدرته.
النسفي
تفسير : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ } أي لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، ومعنى {قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } ضيق أي رزقه الله على قدر قوته {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَآ ءاتَاهَا} أعطاها من الرزق { سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } بعد ضيق في المعيشة سعة وهذا وعد لذي العسر باليسر. {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } من أهل قرية {عَتَتْ } أي عصت {عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } أعرضت عنه على وجه العتو والعناد {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } بالاستقصاء والمناقشة {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } {نُّكْراً } مدني وأبو بكر منكراً عظيماً {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } أي خساراً وهلاكاً، والمراد حساب الآخرة وعذابها وما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر. وجيء به على لفظ الماضي لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } فليكن لكم ذلك يا أولي الألباب من المؤمنين لطفاً في تقوى الله وحذر عقابه، ويجوز أن يراد إحصاء السيئات واستقصاؤها عليهم في الدنيا وإثباتها في صحائف الحفظة وما أصيبوا به من العذاب في العاجل، وأن يكون {عَتَتْ } وما عطف عليه صفة للقرية و {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ } جواباً لـ {كأين} { قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً } أي القرآن. وانتصب {رَسُولاً } بفعل مضمر تقديره أرسل رسولاً أو بدل من {ذِكْراً } كأنه في نفسه ذكراً وعلى تقدير حذف المضاف أي قد أنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً، أو أريد بالذكر الشرف كقوله {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }تفسير : [الزخرف: 44] أي ذا شرف ومجد عند الله وبالرسول جبريل أو محمد عليهما السلام {يَتْلُواْ } أي الرسول أو الله عز وجل {عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ لّيُخْرِجَ } الله. {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } أي ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج الذين علم أنهم يؤمنون {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من ظلمات الكفر أو الجهل إلى نور الإيمان أو العلم {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُدْخِلْهُ } وبالنون: مدني وشامي {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } وحد وجمع حملاً على لفظ «من» ومعناه {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق المؤمنين من الثواب {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ } مبتدأ وخبر {سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ } أجمع المفسرون على أن السماوات سبع {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } بالنصب عطفاً على {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السماوات. وقيل: الأرض واحدة إلا أن الأقاليم سبعة {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه ينفذ فيهن {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } اللام يتعلق بـ {خُلِقَ } {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } هو تمييز أو مصدر من غير لفظ الأول أي قد علم كل شيء علماً وهو علام الغيوب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ...} الآية، عَدَلَ بَيْنَ الأزواج لِئَلاَّ تَضِيعَ هي ولا يُكَلَّفَ هو ما لا يُطِيقُ، ثُم رجَّى تعالى باليُسْرِ تِسْهِيلاً على النفوس وتطييباً لها. وقوله سبحانه: {وَكَأَيِّن} الثعلبي: وكأين: أي: وَكَمْ مِنْ قَرْيَة، {عَتَتْ} أي: عَصَتْ. وقوله: {فَحَاسَبْنَـٰهَا} قال * ع *: قال بعضُ المتأولينَ: الآيةُ في أحوالِ الآخِرَةِ، أي: ثمَّ هُو الحسابُ والتعذيبُ والذَوْقُ وخَسَارُ العَاقِبَةِ، وقال آخرونَ: ذلك في الدنيا، ومعنى {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً} أي: لم تُغْتَفَرْ لهم زَلَّةٌ، بل أُخِذَتْ بالدقائق من الذنوب، ثم نَدَبَ تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيراً. وقوله تعالى: {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً} اخْتُلِفَ في تقديرِه، وأبْيَنُ الأقوالِ فيه معنى أنْ يكونَ الذكرُ القرآنُ، والرسولَ محمداً صلى الله عليه وسلم، والمِعْنَى وأرْسَلَ رسولاً لكنَّ الإيجازَ اقتضَى اختصارَ الفعلِ الناصب للرسول؛ ونحا هذا المنحى السدي، وسائرُ الآيةِ بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لِيُنفِقْ}. هذه قراءة العامة: أعني كسر اللام، وجزم المضارع بها. وحكى أبو معاذ القارىء: "لِيُنْفِقَ" بنصب الفعل على أنها لام "كي" نصب الفعل بعدها بإضمار "أن" ويتعلق الحرف حينئذ بمحذوف، أي: شرعنا ذلك لينفق. وقرأ العامة: "قُدِرَ" مخففاً. وابن أبي عبلة: "قُدِّرَ" مشدداً. فصل في وجوب النفقة للولد على الوالد قال القرطبي: هذه الآية أصل وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم، خلافاً لمحمد بن الموَّاز إذ يقول: إنها على الأبوين على قَدْر الميراث. قال ابن العربيّ: ولعل محمداً أراد أنها على الأم عند عدم الأب، وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَقُولُ لَكَ المَرأةُ: أنفِقْ عليَّ وإلاَّ طلِّقْنِي، ويقُولُ لَكَ العَبْدُ: أنفِقْ عَلي واستَعْمِلْنِي، ويقُولُ لَكَ ابْنُكَ: أنفِقْ عليَّ إلى مَنْ تكلُني؟"تفسير : فقد تعارض القُرآن [والسُّنة] وتواردا في شرعة واحدة. قوله: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} من المال، والمعنى لا يكلف الله الفقير مثل ما يكلف الغني {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي: بعد الضيق غنى وبعد الشدة سعة. فصل في اختلاف الزوجين في قبض النفقة قال ابن تيمية: إذا ختلف الزوجان في قبض النفقة والكسوة، فقال القاضي أبو يعلى وأتباعه: إن القول قول الزَّوجة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي كما لو اختلف اثنان في قبض سائر الحقوق مثل الصَّداق، وثمن المبيع ونحو ذلك، ومذهب مالك بخلاف ذلك. وقال الغزالي: فيها وجهان: وحسنوا قول الزوج. قال ابن تيمية: وكذلك يجيء لأصحاب أحمد وجهان كما لو كان الصداق منفعة حصلت لها، فقالت: حصلت من غيرك وقال: بل حصلت منّي مثل أن يصدقها تعليم قصيدة أو غيرها مما يجوز جعله صداقاً فإنها إذا تعلمت من غيره كان عليه الأجرة، فإن قال: أنا علمتها وقالت: بل غيره، ففيها وجهان، فهكذا في النَّفقة، فإنها لا بُدَّ أن تكون قد ارتزقت في الزمن الماضي، وهو يقول: أنا رزقتها، وهي تقول: بل غيره. والصَّواب المقطُوع به أنه لا يقبل قولها في ذلك مطلقاً؛ فإن هذا فيه فساد عظيم على هذا القول في مذهب الشَّافعي، وقول أحمد الموافق له ولا يجيء ذلك على مذهب مالك، ولا على مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد الموافق له؛ فإنا إذا قلنا: إن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان لم يقبل دعواها بالنفقة الماضية، وإنما يجيء على قولنا إن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، كما هو المشهور من مذهب أحمد، وهو قول الشافعي. والعُمْدَة في ذلك الأمر المعروف عن عمر بن الخطاب؛ قال ابن المُنذِر: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غلبوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلقوا؛ فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، وليس قبول الزوجة في ذلك مأثوراً عن أحمد، ولا ملائماً لأصوله، فإنه في تداعي الزوجين وغيرهما يرجح من تشهد له اليد الحكمية العرفية دون اليد الحسية، ومعلوم أن المدعى عليه يترجح تارة باليد في الأعيان وببراءة الذمة في الحقوق، فكما أن في اليد لم يلتفت إلى مُجرَّد الحس، بل يرجع إلى اليد الحكمية التي يستدلّ عليها بالأفعال والتصرفات؛ إذ الأَصل في الدعاوى ترجيح مَنِ الظَّاهرُ معهُ. والظهور يستدلّ عليه بالأفعال والتصرفات والأمور العادية، كما يستدلّ عليها بمجرد اليد الحسية، فإذا كانت العادة الغالبة والعرف المعروف يقتضي وجود فعل لم يكن الظاهر عدمه حتى يرجح قول من يدعي عدمه. وهذا ينبني على أصول: أحدها: أنه قد وجد كسوة ونفقة وإنما تنازعا في المنفق، فقال هو: مني، وقالت هي: من غيرك، فهنا الأصل عدم غيره، ثم إنها تطالب بتعيين ذلك الغير، فإن ادعت ممتنعاً لم يقبل بحال، وإن ادعت ممكناً فهو محل التردُّد، فإن إنفاقه واجب، والأمر الحادث يضاف إلى السبب القوي دون الضعيف. والأصل الثاني: أن العادة والعرف إذا قضي بوجود أمر فهل القول قول نافيه، أو قول مثبته. والأصل الثالث: أن ما يتعذر إقامة البينة عليه لا يكلف إقامة البينة عليه كالوطء، ومن المعلوم أن المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها ورسوله ليس فيها شهادة على المرأة بذلك؛ لأن ذلك ليس من الأمر بالمعروف، ولهذا لم يفعله أحد على عهد سلف الأمة ولا يفعله جماهير بني آدم، وفعله إما متعذّر أو متعسر، فإنه إن أطعمها مما يأكل فليس عنده من يشهد على إطعامها وإن ناولها طعاماً كلَّ يوم فمن المتعسّر شهود في كل وقت، وقد يكونان ساكنين حيث لا شهود، وهذا ظاهر بيِّن. الأصل الرابع: أن المرأة مفرطة بترك أخذ نفقتها منه بالمعروف، ومطالبته بها إذا كان لا ينفق، بخلاف ما إذا كان غائباً، وهي الصُّورة التي روي عن عمر أنه أمر فيها بنفقة الماضي، بل قد يقال: إن ذلك رضا منها بترك النفقة، وليس هذا قولاً بسقوط النفقة في الماضي، بل بأن هذا دليل من جهة العرف على أنها إما أن تكون قد أنفق عليها، أو تكون راضية بترك النفقة. وهذا أصل خامس: وهو أن العادة المعروفة تدل على أن المرأة إذا سكتت مدة طويلة عن المطالبة بالنفقة مع القدرة على الطلب كانت راضية بسقوطها. فصل في النفقة والكسوة بالمعروف وأما النفقة والكسوة بالمعروف وهي الواجبة بنصّ القرآن، فهو ما كان في عرف الناس في حالهما نوعاً وقدراً وصفة، وإن كان ذلك يتنوّع بتنوّع حالهما من اليسار والإعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار، والمكان فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد والعرف عندهم. وقال بعضهم: هي مقدَّرة بالشَّرع نوعاً وقدراً مُدًّا من حنطة، أو مدًّا ونصفاً أو مدَّين قياساً على الإطعام الواجب في الكفارة. والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علماً وعملاً قديماً وحديثاً لقول الله تعالى: {أية : رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 233]، وقوله - عليه الصلاة والسلام - لهند: "حديث : خُذِي مَا يَكْفيكِ وَولدَكِ بالمَعْرُوفِ"تفسير : ولم يقدر لها نوعاً ولا قدراً، ولو كان ذلك مقدّراً بشرع لبينه لها قدراً ونوعاً كما بين فرائض الزكوات والديات. وقال - عليه الصلاة والسلام - في خطبته بـ"عرفات": "حديث : ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". تفسير : ومن المعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، فليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف ولا كفاية طعام الشتاء مثل طعام الصيف ولا طعام البلاد الحارَّة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخبز. "حديث : وقال - عليه الصلاة والسلام - للذي سأله: مَا حَقُّ زَوجةِ أحدنّا عليْهِ؟. قال "تُطْعِمُها إذَا أكَلْتَ، وتَكسُوهَا إذَا اكتَسيْتَ، ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تَهْجُر إلاَّ في البيْتِ" ". تفسير : وهكذا قال في نفقة المماليك: "حديث : هُمْ إخْوانُكُمْ وخَولكُمْ جعلهُم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمَن كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدهِ فليُطْعِمْهُ ممَّا يأكلُ، وَليُلْبِسْهُ ممَّا يَلبسُ ولا تُكلِّفُوهُمْ ما يَغلبُهُمْ فإن كلَّفْتُموهُمْ فأعينُوهُمْ ". تفسير : ففي الزوجة والمملُوك أمر واحد، فالواجب على هذا هو الرزق والكسوة بالمعروف في النوع، والقدرة، وصفة الإنفاق. فأما النوع فلا يتعين أن يعطيها مكيلاً كالبُرِّ، ولا موزوناً كالخبز، ولا ثمن ذلك كالدَّراهم، بل يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أعطاها كفايتها بالمعروف مثل أن تكون عادتهم أكل التَّمْر والشعير فيعطيها ذلك، أو تكون عادتهم أكل الخبز والأدم، فيعطيها ذلك والطبيخ، فيعطيها ذلك، وإن كان عادتهم أن يعطيها حباً فتطحنه في البيت فعل ذلك، وإن كان يطحن في الطَّاحون ويخبز في البيت فعل ذلك، وإن كان يخبز في غير البيت فعل ذلك، وإن كان يشتري مخبُوزاً من السُّوق فعل ذلك، وكذلك الطَّبيخ ونحوه، فذلك هو المعروف فلا يتعيَّن عليه دراهم ولا حَبُّ أصلاً، فإن تعيين ذلك من المنكر ليس من المعروف، وهو مصرٌّ بها تارة، وبه تارة، وبهما أخرى، وكذلك القدر لا يتعين مقدراً مطرداً، بل تتنوع المقادير بتنوع الأوقات. وأما الإنفاق، فقد قيل: إن الواجب تمليكها النفقة والكسوة. وقيل: لا يجب التمليك، وهو الصَّواب، فإن ذلك ليس من المعروف، بل عرف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى يومنا هذا أن الرجل يأتي بالطعام إلى منزلة فيأكل هو وزوجته ومملوكه جميعاً تارة، وتارة أفراداً، ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه، ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم تتصرف فيها تصرف الملاك، بل من عاشر امرأته بمثل هذا كان عند المسلمين قد تعاشرا بغير المعروف، وتضارّا في العشرة، وإنما يفعل أحدهما ذلك بصاحبه عند الضرار لا عند العشرة بالمعروف. وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم أوجب للزوجة مثل ما أوجب للمملوك كما تقدم. وقد اتَّفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته، فدل على عدم وجوب التمليك في حق الزوجة. وإذا تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها إذا أكل، ويكسوها إذا اكتسى، وكان ذلك هو المعروف لمثلها في بلدها، فلا حق لها سوى ذلك، وإن أنكرت ذلك فعلى الحاكم أن يجبره أن ينفق بالمعروف، ليس على الحاكم بل ولا له أن يأمر بدراهم مقدرة مطلقاً أو حَبّ مقدر مطلقاً، لكن يذكر المعروف الذي يليق بهما. فصل في تفسير الآية قال القرطبي في قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ} أي: "لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصَّغير على قدر وسعه، فيوسع إذا كان موسعاً عليه، ومن كان فقيراً فعلى قدر ذلك، فتقدر النَّفقة بحسب حال المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة". وقال الشافعي رحمه الله: النفقة محدودة، ولا اجتهاد للحاكم ولا المفتي فيها وتقديرها هو بحال الزَّوج وحده من يُسره وعُسْره، ولا اعتبار بحالها، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر مدَّان، والمتوسط مد ونصف والمعسر مُدّ؛ لظاهر قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}. فجعل الاعتبار بحال الزوج في اليُسْر والعُسْر؛ ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها، فقدرت قطعاً للخصومة لهذه الآية، ولقوله تعالى: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}تفسير : [البقرة: 236]. وأجاب القرطبي: بأن هذه الآية لا تعطي أكثر من الفرق بين الغني والفقير، وأنها تختلف بعُسْر الزوج ويُسْره، فأما أنه لا اعتبار بحال الزوجة فليس فيها، وقد قال تعالى: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 233]، وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقها؛ لأنه لم يخص في ذلك واحداً منهما، وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنيمة مثل نفقة الفقيرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام لهند: "حديث : خُذِي ما يَكْفيكِ وولَدَك بالمعرُوفِ"تفسير : فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان.
البقاعي
تفسير : ولما كانت المعاسرة في الغالب في ترك السماح، وكان ترك السماح من خوف الإعدام، نبه سبحانه على أن ذلك ليس بعذر بتقسيم الناس إلى موسع عليه وغيره، ولأن الأليق بالموسع عليه أن يوسع ولا يسيء الظن بربه وقد جرب رفده، وأن المقتر عليه لا ينبغي أن يفعل فعل من يخاف أن يخلف وعده، فقال شارحاً للمياسرة: {لينفق ذو سعة} أي مال واسع ولم يكلفه سبحانه جميع وسعه بل قال: {من سعته} التي أوسعها الله عليه. ولما كان الإعطاء من غير تقدير ملزوماً للسعة، كان التقدير كناية عن الضيق فقال: {ومن قدر} أي ضيق وسكنت عليه حركته ورقدت عنه معيشته {عليه رزقه} بأن جعله الله الذي لا يقدر على التضييق والتوسيع غيره بقدر ضرورياته فقط من غير وسع لشيء غيرها لأمر من الأمور التي يظهر الله بها عجز العباد رحمة لهم ليهذب به نفوسهم، وبناه للمفعول تعليماً للأدب معه سبحانه وتعالى: {فلينفق} أي وجوباً على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله عليه أو ندبه إليه، وبشر سبحانه وتعالى بأنه لا يخلي أحداً من شيء يقوم به ما دام حياً بقوله مشيراً بالتبعيض إلى أن ما أوجبه سبحانه لا يستغرق ما وهبه: {مما آتاه الله} أي الملك الذي لا ينفذ ما عنده ولا حد لجوده، ولو من رأس المال ومتابع البيت ومن ثمن الضيعة إن لم يكن له من الغلة لأنه سبحانه قد ضمن الإخلاف، ومن ملك ما يكفيه للوقت ثم اهتم للزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرحوم، وصاحبه غير معان، وفي هذا إرشاد إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في عدم التكلف واليسر في كل أمر على حسب الأوقات. ولما كان تعالى له التكليف بما لا يطاق، أخبر بأنه رحم العباد بأنه لا يفعله، فقال معللاً أو مستأنفاً جواباً لمن يقول: فما يفعل من لم يكن له موجود أصلاً، محبباً في دينه صلى الله عليه وسلم مما فيه من اليسر: {لا يكلف الله} أي الذي له الكمال بأوصاف الرحمة والإنعام علينا بالتخفيف {نفساً} أي نفس كانت {إلا ما آتاها} وربما أفهم، أن من كلف إنفاقاً وجد من فضل ما عنده ما يسده من الأثاث الفاضل عن سد جوعته وستر عورته. ولما كان التذكير بالإعدام ربما أوجع، قال تعالى جابراً له وتطبيباً لقلبه نادباً إلى الإيمان بالغيب: {سيجعل الله} أي الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده، ونزع الجار زيادة في الخبر فقال: {بعد عسر} أي من الأمور التي تعسرت لا أنه يجعل ذلك بعد كل عسر {يسراً *} أي لا بد من ذلك ولا يوجد أحد يستمر التقتير عليه طول عمره في جميع أحواله، قال القشيري: وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضى واستواء وجود السبب وفقده وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ويعيشون في أفناء الرجاء ويتعللون بحسن المواعيد - انتهى. ولقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين حين نزول الآية، ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ثم فارس والروم وانتثلوا كنوزها حتى صاروا أغنى الناس، وصدق الآية دائم غير أنه كان في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبين لأن إيمانهم أتم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا}. إذا اتسع رزقُ العبد فعلى قَدْرِ المُكنَةِ يُطَالَبُ بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه رزقه - أي ضيِّق - فلينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت، ومن رأسِ المال - إن لم يكن من الربح، ومن ثمنِ الضيعة - إن لم يكن من الغَلَّة. ومَنْ ملك ما يكفيه للوقت، ثم اهتمَّ بالزيادة للغد فذلك اهتمامٌ غيرُ مرضيٍّ عنه، وصاحبُه غير مُعَان. فأمَّا إذا حصل العجزُ بكلِّ وجهٍ، فإن الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} وسيجعل الله بعد عسرٍ يسراً. هذا من أصحاب المواعيد - وتصديقه على حسب الإيمان، وذاك على قَدْرِ اليقين - ويقينه على حسب القِسْمة. وانتظارُ اليُسْرِ من اللَّهِ صفةً المتوسطين في الأحوال، الذين انحطُّوا عن حدِّ الرضا واستواءِ وجودِ السبب وفَقْدِه، وراتقوا عن حدِّ اليأس والقنوط، وعاشوا في أفياء الرجال يُعَلِّلون بحُسْنِ المواعيد... وأبداً هذه حالتهم وهي كما قلنا: شعر : إنْ نَابَكَ الدهــرُ بمكروهه فعِــشْ بتهــوين تصانيفه فَعنْ قريبٍ ينجــلي غَيْمُه وتنقضــي كلُّ تصاريفه تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً}. مَنْ زرع الشوكَ لم يَجْن الوردَ، ومَنْ أضاع حقَّ اللَّهِ لا يُطَاع في حظِّ نَفْسه. ومن اجترأ بمخالفةِ أمرِ الله فليصبِر على مقاساة عقوبة الله. قوله جلّ ذكره: {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. إنَّ كتابَ الله فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ... فَمَنْ استضاءَ بنوره اهتدى، ومَنْ لجأ إلى سعة فنائه وَصَلَ من داءِ الجهل إلى شِفائه. ومَنْ يؤمِنْ بالله، ويعملْ صالحاً لله، وفي الله، فله دوامُ النُّعمى من الله... قال تعالى: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}. والرزقُ الحسنُ ما كان على حدِّ الكفاية؛ لا نقصانَ فيه تتعطَّلُ الأمورُ بسببه، ولا زيادةَ فيه تَشْغَلُه عن الاستمتاع بما رُزِق لِحْرصِه. كذلك أرزاقُ القلوبِ. أحسنُها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت؛ من غير نقصانٍ يجعله يتعذَّّب بتعَطُّشِه، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خَطَرٍ من مغاليطَ لا يَخْرُجُ منها إلاَّ بتأييدٍ سماويٍّ من الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} اى بعد ضيق الصدر من الاهتمام بالرزق وانفاقه سعة الصدر ويسر الرخاء والطمئانينة والرضاء بالله وايضا سيجعل الله بعد عسر الحجاب للمشتاقين يسر كشف النقاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {لينفق} لام الامر {ذو سعة} خداوند فراخى وتوانكرى {من سعته} ازغناى خود يعنى بقدر تواناى خويش برمطلقه ومرضعة نفقه كنيد. ومن متعلقة بقوله لينفق {ومن قدر عليه رزقه} اى ضيق وكان بمقدار القوت وبالفارسية وهركه تنك كرده شده است برو روزى او يعنى فقير وتنكدست است. ومن هذا المعنى اشتق الا قدراى القصير العنق وفرس اقدر يضع حافر رجله موضع حافريده وقوله تعالى {أية : وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره}تفسير : اى ما يليق بحاله مقدرا عليه {فلينفق مما آتاه الله} وان قل اى لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه ويطيقه {لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها} من المال جل او قل فانه تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها وبالفارسية وتكليف نفر مايد خداى تعالى هيج تنى رامكر آنجه بدو عطا كرده است ازمال يعنى تكليف مالا يطاق نفر ما يد. وقد اكد ذلك بالوعد حيث قال {سيجعل الله بعد عسر يسرا} اى عاجلا او آجلا اذ ليس فى السين دلالة على تعين زمان وكل آت قريب ولو كان الآخرة وبالفارسية زود المعسر اليس وفرج الله فان الانتظار عبادة وفيه تطييب لقلب المعسر وترغيب له فى بذل مجهوده ووعد لفقرآء ذلك الوقت بفتح ابواب الرزق عليهم او لفقرآء الازواج ان انفقوا ما قدرو عليه ولم يقصروا. يقول الفقير لا بعد فى ذلك من حيث ان القرءآن ليس بمحصور ولا التفات فى مثل هذه المقام الى سوق الكلام قال البقلى سيجعل الله بعد ضيق الصدر من الاهتمام بالرزق وانفاقه سعة الصدر ويسر السخاء والطمأنينة والرضى بالله وايضا سيجعل الله بعد عسر الحجاب للمشتاقين يسر كشف النقاب فى التأويلات النجمية يعنى كل ذى سعة مأمور بانفاق ما يقدر على انفاقه فالخفى المنفق عليه من جانب الحق ينفق على الروح من سعته والروح ينفق على السر من سعته والسر ينفق على القلب من سعته والقلب ينفق على النفس من سعته والنفس ينفق على الصدر من سعته والصدر ينفق على الجسم من سعته ومن قدر عليه رزقه من الفيوض الالهية فلينفق مما آتاه الله بحسب استعداده لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها فى استعدادها الازلى وقابليتها الغيبية سيجعل الله بعد عسر انقطاع الفيض يسر اتصال الفيض.
الجنابذي
تفسير : {لِيُنفِقْ} على ما ينبغى ان ينفق عليه من النّفس والاولاد والآباء والازواج وسائر من تحت اليد من العبيد والاماء والخدم والمطلّقات الرّجعيّات والبائنات الحاملات، او لينفق على المطلّقات الرّجعيّات والبائنات الحاملات، او على البائنات الحاملات، او على البائنات الخارجات عن العدّة المرضعات للاولاد {ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ} وضيق فى المعيشة {يُسْراً} وسعة فى المعيشة، روى عن الصّادق (ع) انّه سئل عن الرّجل الموسر يتّخذ الثّياب الكثيرة الجياد والطّيالسة والقمص الكثيرة يصون بعضها بعضاً يتجمّل بها ايكون مسرفاً؟ - قال: لا، لانّ الله عزّ وجلّ قال: لينفق ذو سعةٍ من سعته.
اطفيش
تفسير : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ} أي ذو وسع في المال {مِّن سَعَتِهِ} أي من وسعه على قدره واراد النفقة على المطلقات والمرضعات أو السعة بمعنى الطاقة وقرىء لينفق بالنصب على ان اللام للتعليل أي شرعنا ذلك لينفق لاعلى ان اللام للامر وحذف نون التوكيد الخفيفة لانها تحذف فصيحا للضرورة أو للساكن. {وَمَن قُدِرَ} ضيق وقرأ ابن ابي عبلة بالبناء للفاعل ونصب رزقه {عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ} على طاقته {مِمَّا آتَاهُ} اعطاه {اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا مَآ آتَاهَا} ما مفعول ثان ليكلف لا يكلف الفقير مثل تكليف الغني وفي ذلك تطبيب لقلب الفقير وتسهيل عليه كما قال {سَيَجْعَلُ اللهُ} له ولغيره في الفقراء. {بَعْدَ عُسْرٍ} فقر {يُسْراً} غنى من حيث شاء بالفتوحات وغيرها.
اطفيش
تفسير : {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ} وسع فى المال. {مِن سَعَتِهِ} مصدر بمعنى اسم الفاعل أى من واسعة أى على قدر ماله الواسع، ويقال يكون الرجل سيد الرجال إِذا كانت فيه ثلاث من داخل البيت، توسيع الطعام واللباس على أهله قدر طاقته، ومذاكرة أهله بما علم من العلم، واستعمال ما رأى من أهل الورع، وثلاث من خارج البيت، استفادة العلم من العلماء ومخالطة أهل الورع، وطلب قوته وقوت عياله من حلال. {وَمَن قُدِرَ} ضيق. {عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ} هذا اللفظ دليل على أن الرزق ما ملك، فالرزق اسم ملك ولو لم ينتفع به لأَنه سماه رزقاً قبل أن ينفق، أما إِذا أنفق فقد انتفع بالإِنفاق، والمعنى فلينفق من الرزق الذى آتاه الله، إِلا أن يقال سماه رزقاً باعتبار مآله للإِنفاق، وزعم محمد بن المواز أن النفقة وجبت على الأَب والأُم بقدر الإِرث وهو باطل إِلا إِن كان ابن أمه أو لقيطها أو ملاعناً عليه فعليها وحدها، وإِن عجزت فعلى عصبتها. {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا أتَاهَا} ما مفعول ثان بمعنى الطاقة أو الرزق على حذف مضاف، أى إِلا قدر ما آتاها، وهذا القدر هو المقدار الذى يناسب أن ينفقه من جملة ماله القليل وفى ذلك تطييب لنفس المعسر وتسلية لنفس الأُم. وفى الآية دليل على أن المعسر الذى لا يجد ما ينفق على زوجه لا ينفسخ نكاحه، وهو الصحيح، ومذهبنا، وعليه الجمهور، وعليه عمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، فتصبر أو تحسب عليه نفقة المعسر على يد حاكم فإِن أيسر بعد قضاها. وعن أبى هريرة وابن المسيب ومالك وأحمد والشافعى وإسحاق يفسخ النكاح بالعجز عن الإِنفاق ويفرق بينهما، ولا يعد تطليقاً، فهى بعد ذلك له على ثلاث وفى كل واحدة من قوله عز وجل {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِه} وقوله {وَمَن قُدِرَ عَليهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ ممَّا آتَاهُ اللهُ} وقوله {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا} أخذ الأَدب عن الله إِذا وسع الله عز وجل فوسع وإِذا قتر فأَقتر، وفى الحديث المرفوع "حديث : إِذا وسع الله عليك فوسع وإِذا قتر فأَقتر ". تفسير : {سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} وعد لفقراء ذلك الوقت ومن بعدهم بفتح أبواب الرزق أزواجًا كانوا أو غير أزواج، والمراد بالذات فقراء ذلك الوقت الأَزواج، وقد يقال المراد باليسر اليسر العظيم ليطابق ذكر اليسرين فى قوله تعالى: "أية : إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرًا" تفسير : [الشرح: 6] فيكون تنوينه للتعظيم.
الالوسي
تفسير : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ } أي ضيق {فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} وإن قل، والمراد لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه. والظاهر أن المأمور بالإنفاق الآباء، ومن هنا قال ابن العربـي: ((هذه الآية أصل في وجوب النفقة على الأب، وخالف في ذلك محمد بن المواز فقال بوجوبها على الأبوين على قدر الميراث))، وحكى أبو معاذ أنه قرىء {لِيُنفِقْ } بلام كي ونصب القاف على أن التقدير شرعنا ذلك لينفق. وقرأ ابن أبـي عبلة {قدر } مشدد الدال. {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ما ءَاتٰها} أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة، وقيل: ما أعطاها من الأرزاق قل أو جل، وفيه تطييب واستمالة لقلب المعسر لمكان عبارة {ءَاتٰها} الخاصة بالإعسار قبل وذكر العسر بعد. واستدل بالآية من قال لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة، وهو ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وجماعة، وعن أبـي هريرة والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحٰق يفسخ النكاح بالعجز عن الإنفاق ويفرق بين الزوجين. وفيها على ما قال السيوطي: استحباب مراعاة الإنسان حال نفسه في النفقة والصدقة، ففي الحديث «حديث : إن المؤمن أخذ عن الله تعالى أدباً حسناً إذا هو سبحانه وسع عليه وسع وإذا هو عز وجل قتر عليه قتر»تفسير : . وقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا، وهو على الوجهين تذييل إلا أنه على الأول مستقل، وعلى الثاني غير مستقل.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لما سبق من أحكام الإِنفاق على المعتدات والمرضعات بما يعمّ ذلك. ويعم كل إنفاق يطالَب به المسلم من مفروض ومندوب، أي الإِنفاق على قدر السعة. والسَّعة: هي الجِدَة من المال أو الرزق. والإِنفاق: كفاية مؤونة الحياة من طعام ولباس وغير ذلك مما يُحتاج إليه. و{من} هنا ابتدائية لأن الإِنفاق يصدر عن السعة في الإِعتبار، وليست {من} هذه كـ(مِن) التي في قوله تعالى: {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [الأنفال: 3] لأن النفقة هنا ليست بعضاً من السعة، وهي هناك بعض الرزق فلذلك تكون (مِن) من قوله: {فلينفق مما آتاه الله} تبعيضية. ومعنى {قدر عليه رزقه} جعل رزقه مقدوراً، أي محدوداً بقدر معين وذلك كناية عن التضييق. وضده {أية : يرزقون فيها بغير حساب}تفسير : [غافر: 40]، يقال: قدر عليه رزقه، إذا قتّره، قال تعالى: {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : وتقدم في سورة [الرعد: 26] أي من كان في ضيق من المال فلينفق بما يسمح به رزقه بالنظر إلى الوفاء بالإِنفاق ومراتبه في التقديم. وهذا مُجمَل هنا تفصيله في أدلة أخرى من الكتاب والسنة والاستنباط، حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان: خذي من ماله ما يكفيك وولدَك بالمعروفتفسير : . والمعروف: هو ما تعارفه الناس في معتاد تصرفاتهم ما لم تبطله الشريعة. والرزق: اسم لما ينتفع به الإِنسان في حاجاته من طعام ولباس ومتاع ومنزل. سواء كان أعياناً أو أثماناً. ويطلق الرزق كثيراً على الطعام كما في قوله تعالى: {أية : وجد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37]. ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة لاختلاف أحوال الناس والأزمان والبلاد. وإنما اختلفوا في التوسع في الإِنفاق في مال المؤسر هل يقضَى عليه بالتوسعة على من يُنفق هو عليه ولا أحسب الخلاف في ذلك إلا اختلافاً في أحوال الناس وعوائدهم ولا بدّ من اعتبار حال المنفَق عليه ومعتاده، كالزوجة العالية القَدر. وكل ذلك داخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: «ما يكفيك وولدَك بالمعروف». وجملة {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} تعليل لقوله: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله}. لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر بين المسلمين من قبل في قوله تعالى: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}تفسير : في سورة [البقرة: 286]، وهي قبل سورة الطلاق. والمقصود منه إقناع المنفَق عليه بأن لا يطلب من المنفِق أكثر من مقدُرته. ولهذا قال علماؤنا: لا يطلَّق على المعسر إذا كان يقدر على إشباع المنفَق عليها وإكسائها بالمعروف ولو بشظف، أي دون ضر. و{مما آتاه الله} يشمل المقدرة على الاكتساب فإذا كان مَن يجب عليه الإِنفاق قادراً على الاكتساب لِينفق من يجب عليه إنفاقه أو ليكمِّل له ما ضاق عنه ماله، يجبر على الاكتساب. وأما من لا قدرة له على الاكتساب وليس له ما ينفق منه فنفقته أو نفقة من يجب عليه إنفاقُه على مراتبها تكون على بيت مال المسلمين. وقد قال عمر بن الخطاب: «وأن رب الصُريمة ورب الغُنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة يقول يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أينا»، رواه مالك في «الموطأ». وفي عجز الزوج عن إنفاق زوجه إذا طلبت الفراق لعدم النفقة خلاف. فمن الفقهاء من رأى ذلك موجباً بينهما بعد أجلِ رجاء يسر الزوج وقُدر بشهرين، وهو قول مالك. ومنهم من لم ير التفريق بين الزوجين بذلك وهو قول أبي حنيفة، أي وتنفَق من بيت مال المسلمين. والذي يقتضيه النظر أنه إن كان بيت المال قائماً فإن من واجبه نفقة الزوجين المعسرين وإن لم يُتوصل إلى الإِنفاق من بيت المال كان حقاً أن يفرِّق القاضي بينهما ولا يترك المرأة وزوْجها في احتياج. ومحل بسط ذلك في مسائل الفقه. وجملة {سيجعل الله بعد عسر يسراً} تكملة للتذييل فإن قوله: {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} يناسب مضمون جملة {لينفق ذو سعة من سعته}. وقوله: {سيجعل الله} الخ تُناسب مضمون {ومن قدر عليه رزقه} الخ. وهذا الكلام خبر مستعمل في بعث الترجّي وطرح اليأس عن المعسر من ذوي العيال. ومعناه: عسى أن يجعل الله بعد عُسركم يُسراً لكم فإن الله يجعل بعد عسر يسراً. وهذا الخبر لا يقتضي إلا أنّ من تصرفات الله أن يجعل بعد عسر قوم يسراً لهم، فمن كان في عسر رجَا أن يكون ممن يشمله فضل الله، فيبدل عسره باليسر. وليس في هذا الخبر وعْد لكل معسر بأن يصير عُسره يُسراً. وقد يكون في المشاهدة ما يخالف ذلك فلا فائدة في التكلف بأن هذا وعد من الله للمسلمين الموحدين يومئذٍ بأن الله سيبدل عسرهم باليسر، أو وعد للمُنفقين الذين يمتثلون لأمر الله ولا يشحّون بشيء مما يسعه مالهم. وانظر قوله تعالى: {أية : فإن مع العسر يسراً}تفسير : [الشرح: 5]. ومن بلاغة القرآن الإِتيان بـ(عسر ويسراً) نكرتين غير معرفين باللام لئلا يتوهم من التعريف معنى الاستغراق كما في قوله: {فإن مع العسر يسراً}.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاهُ} {آتَاهَا} (7) - وَعَلَى الوَالِدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الأُمِّ المُرْضِعِ التِي طَلَّقَهَا بِقَدْرِ سَعَتِهِ وَغِنَاهِ. وَمَنْ كَانَ رِزْقُهُ بِمِقْدَارِ القُوتِ فَحَسبُ فَلْيُنْفِقْ عَلَى مِقْدَارِ ذَلِكَ، لاَ يُكَلِّفُ اللهُ أَحَداً، مِنَ النَّفقَةِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا آتَاهُ، اللهُ مِنَ الرِّزْقِ. وَسَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ الشِّدَّةِ رَخَاءً، وَبَعْدَ الضِّيقِ فَرَجاً، فَالدُّنْيَا لاَ تَدُومُ عَلَى حَالٍ. ذُو سَعَةٍ - ذُو غِنًى وَيَسَارٍ. قُدِرَ عَليهِ رِزْقُهُ - ضُيِّقَ عَلَيهِ رِزْقُهُ.
الثعلبي
تفسير : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} على قدر غناهُ {وَمَن قُدِرَ} ضُيّقَ {فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} من المال. {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً} في النفقة {إِلاَّ مَآ آتَاهَا} أعطاها من المال. {سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ} عصت وطغت وتمردت {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي وأمر رسلهِ {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} بالمناقشة والاستقصاء {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} منكراً فظيعاً، وهو عذاب النّار، لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال. وقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذّبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر المصائب والنوائب والبلايا والرزايا، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً}. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} يعني القرآن. {رَّسُولاً} بدل من الذكر. وقيل: مع الرّسول. وقيل: وأرسل رسولا. وقيل: الذِّكر هو الرّسول. وقيل: أراد شرفاً ثم بيّن ما هو فقال: رسولا. {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} في العدد. {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} بالوحي من السماء السابعة إلى السفلى. وقال أهل المعاني: هو مايدبر فيهنّ من عجيب تدبيره؛ فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنّهار والشتاء والصّيف ويخلق الحيوان على اختلاف هيأتها وانواعها، وينقلهم من حال إلى حال. قال إبن كيسان: وهذا على مجال اللغة واتساعها، كما يقول للموت أمْر اللّهِ، وللرياح والسحاب ونحوها. وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقهِ، وأمر من أمره، وقضاء من قضائهِ. {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} فلا يخفى عليه شيء.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} يعني قُتِّرَ عليهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):