٦٥ - ٱلطَّلَاق
65 - At-Talaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } الكلام في كأين قد مر، وقوله: {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا } وصف القرية بالعتو والمراد أهلها، كقوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] قال ابن عباس: {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا } أي أعرضت عنه، وقال مقاتل: خالفت أمر ربها، وخالفت رسله، فحاسبناها حساباً شديداً، فحاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها العذاب، وهو قوله: {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } أي عذاباً منكراً عظيماً، فسر المحاسبة بالتعذيب. وقال الكلبي: هذا على التقديم والتأخير، يعني فعذبناها في الدنيا وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً، والمراد حساب الآخرة وعذابها {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } أي شدة أمرها وعقوبة كفرها. وقال ابن عباس: عاقبة كفرها {وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } أي عاقبة عتوها خساراً في الآخرة، وهو قوله تعالى: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } يخوف كفار مكة أن يكذبوا محمداً فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم، وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } خطاب لأهل الإيمان، أي فاتقوا الله عن أن تكفروا به وبرسوله، وقوله: {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً } هو على وجهين أحدهما: أنزل الله إليكم ذكراً، هو الرسول، وإنما سماه ذكراً لأنه يذكر ما يرجع إلى دينهم وعقباهم وثانيهما: أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل رسولاً. وقال في «الكشاف»: {رَّسُولاً } هو جبريل عليه السلام، أبدل من {ذِكْراً } لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، والذكر قد يراد به الشرف، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وقد يراد به القرآن، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } تفسير : [النحل: 44] وقرىء (رسول) على هو رسول، و {يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ } بالخفض والنصب، والآيات هي الحجج فبالخفض، لأنها تبين الأمر والنبي والحلال والحرام، ومن نصب يريد أنه تعالى أوضح آياته وبينها أنها من عنده. وقوله تعالى: {لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } يعني من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم. وفي الآية مباحث: الأولى: قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } يتعلق بقوله تعالى: {وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا } أم لا؟ فنقول: قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } يؤكد قول من قال: المراد من قرية أهلها، لما أنه يدل على أن خطاب الله تعالى لا يكون إلا لذوي العقول فمن لا عقل له فلا خطاب عليه، وقيل قوله تعالى: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } مشتمل على الترهيب والترغيب. الثاني: الإيمان هو التقوى في الحقيقة وأولوا الألباب الذين آمنوا كانوا من المتقدمين بالضرورة فكيف يقال لهم: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ }؟ نقول: للتقوى درجات ومراتب فالدرجة الأولى هي التقوى من الشرك والبواقي هي التقوى من المعاصي التي هي غير الشرك فأهل الإيمان إذا أمروا بالتقوى كان ذلك الأمر بالنسبة إلى الكبائر والصغائر لا بالنسبة إلى الشرك. الثالث: كل من آمن بالله فقد خرج من الظلمات إلى النور وإذا كان كذلك فحق هذا الكلام وهو قوله تعالى: {لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أن يقال: ليخرج الذين كفروا؟ نقول: يمكن أن يكون المراد: ليخرج الذين يؤمنون على ما جاز أن يراد من الماضي المستقبل كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى } تفسير : [آل عمران: 55] أي وإذ يقول الله، ويمكن أن يكون ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم. ثم قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً }. قوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ } فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب، وقرىء {يُدْخِلْهُ } بالياء والنون، و {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } قال الزجاج: رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها، وقيل: {رِزْقاً } أي طاعة في الدنيا وثواباً في الآخرة ونظيره {أية : رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 201].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ} لما ذكر الأحكام ذكر وحذّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوّ قوم وحلول العذاب بهم. وقد مضى القول في «كأين» في «آل عمران» والحمد الله. {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} أي عصت؛ يعني القرية والمراد أهلها. {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} أي جازيناها بالعذاب في الدنيا {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} في الآخرة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ فعذبناها عذاباً نُكْرا في الدنيا بالجوع والقَحْط والسيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شَديداً. والنُّكْر: المنكر. وقرىء مُخَفَّفاً ومُثَقَّلاً؛ وقد مضى في سورة «الكهف». {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي عاقبة كفرها {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} أي هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا، والآخرة بجهنم. وجيء بلفظ الماضي كقوله تعالى: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف:44] ونحو ذلك؛ لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقىً في الحقيقة؛ وما هو كائن فكأن قَد. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} بيّن ذلك الخُسر وأنه عذاب جهنم في الآخرة. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي العقول. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بدل من «أُولِي الأَلْبَاب» أو نعت لهم؛ أي يا أُولي الألباب الذين آمنتم بالله اتقوا الله الذي أنزل عليكم القرآن؛ أي خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن معاصيه. وقد تقدم. {رَّسُولاً} قال الزجاج: إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل؛ أي أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: إن المعنى قد أنزل الله إليكم صاحب ذكر رسولاً؛ فـ «رسولاً» نعت للذكر على تقدير حذف المضاف. وقيل: إن رسولاً معمول للذكر لأنه مصدر؛ والتقدير: قد أنزل الله إليكم رسولاً. ويكون ذكره الرسول قوله: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [الفتح:29]. ويجوز أن يكون «رَسُولاً» بدلا من ذكر، على أن يكون «رَسُولاً» بمعنى رسالة، أو على أن يكون على بابه ويكون محمولا على المعنى، كأنه قال: قد أظهر الله لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء وهو هو. ويجوز أن ينتصب «رَسُولاً» على الإغراء كأنه قال: اتبعوا رسولاً. وقيل: الذكر هنا الشرف، نحو قوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} تفسير : [الأنبياء:10]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف:44]، ثم بيّن هذا الشرف فقال: «رَسُولاً». والأكثر على أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبيّ: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} نعت لرسول. و «آياتِ الله» القرآن. {مُبَيِّنَاتٍ} قراءة العامة بفتح الياء؛ أي بيّنها الله. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسرها، أي يبيّن لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. والأولى قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ}. {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي من سبق له ذلك في علم الله. {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ} أي من الكفر. {إِلَى ٱلنُّورِ} الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وأضاف الإخراج إلى الرسول لأن الإيمان يحصل منه بطاعته. قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. قرأ نافع وابن عامر بالنون، والباقون بالياء. {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} أي وسّع الله له في الجنات.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى متوعداً لمن خالف أمره وكذب رسله وسلك غير ما شرعه، ومخبراً عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك؛ فقال تعالى: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً} أي منكراً فظيعاً {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي غبّ مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم الندم { وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي في الدار الآخرة، مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا، ثم قال تعالى بعدما قص من خبر هؤلاء: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي صدقوا بالله ورسله {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} يعني القرآن؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وقوله تعالى: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍ} قال بعضهم: رسولاً منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر. قال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر، يعني تفسيراً له، ولهذا قال تعالى: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍ} أي في حال كونها بينة واضحة جلية {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} كقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [إبراهيم: 1] وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة:257] أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نوراً؛ لما يحصل به من الهدى، كما سماه روحاً؛ لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] وقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَأَيِّن } هي كاف الجر دخلت على أي بمعنى كم {مِن قَرْيَةٍ } أي وكثير من القرى {عَتَتْ } عصت، يعني أهلها {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَٰهَا } في الآخرة وإن لم تجيء لتحقق وقوعها {حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } بسكون الكاف وضمها فظيعاً وهو عذاب النار.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه ما تقدّم من الأحكام، حذّر من مخالفتها، وذكر عتوّ قوم خالفوا أوامره، فحلّ بهم عذابه، فقال: {وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } يعني: عصت، والمراد: أهلها، والمعنى: وكم من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله، أو أعرضوا عن أمر الله ورسله على تضمين {عتت} معنى أعرضت، وقد قدّمنا الكلام في {كأين} في سورة آل عمران وغيرها {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } أي: شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا. قال مقاتل: حاسبها الله بعملها في الدنيا فجازها بالعذاب، وهو معنى قوله: {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } أي: عذبنا أهلها عذاباً عظيماً منكراً في الآخرة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: عذبنا أهلها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقحط، والسيف والخسف والمسخ، وحاسبناهم في الآخرة حساباً شديداً. والنكر: المنكر {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } أي: عاقبة كفرها {وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } أي: هلاكاً في الدنيا وعذاباً في الآخرة. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } في الآخرة، وهو عذاب النار، والتكرير للتأكيد {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } أي: يا أولي العقول الراجحة، وقوله: {ٱلَّذِينَ آمنوا} في محل نصب بتقدير أعني بياناً للمنادى بقوله: {يأُوْلِي ٱلألْبَـٰبِ} أو عطف بيان له أو نعت {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً } قال الزجاج: إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل، أي: أنزل إليكم قرآناً، وأرسل إليكم رسولاً، وقال أبو عليّ الفارسي: إن رسولاً منصوب بالمصدر، وهو ذكراً؛ لأن المصدر المنوّن يعمل. والمعنى: أنزل إليكم ذكر الرسول. وقيل: إن {رسولاً} بدل من {ذكراً}؛ وكأنه جعل الرسول نفس الذكر مبالغة، وقيل: إنه بدل منه على حذف مضاف من الأوّل تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً، أو صاحب ذكر رسولاً. وقيل: إن رسولاً نعت على حذف مضاف أي: ذكراً ذا رسول، فذا رسول نعت للذكر. وقيل: إن رسولاً بمعنى رسالة، فيكون رسولاً بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بياناً. وقيل: إن {رسولاً} منتصب على الإغراء، كأنه قال: الزموا رسولاً، وقيل: إن الذكر ها هنا بمعنى الشرف كقوله: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }تفسير : [الأنبياء: 10] وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }تفسير : [الزخرف: 44]. ثم بيّن هذا الشرف فقال: {رَسُولاً } وقد ذهب الأكثر إلى أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: هو جبريل، والمراد بالذكر القرآن، ويختلف المعنى باختلاف وجوه الإعراب السابقة، كما لا يخفى. ثم نعت سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور بقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيات ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ } أي: حال كونها مبينات، قرأ الجمهور: {مبينات} على صيغة اسم المفعول، أي: بيّنها الله وأوضحها، وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي على صيغة اسم الفاعل أي: الآيات تبيّن للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام. ورجّح القراءة الأولى أبو حاتم، وأبو عبيد لقوله: {أية : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ }تفسير : [آل عمران: 118] {لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } اللام متعلقة بـ {يتلو} أي: ليخرج الرسول الذي يتلو الآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ويجوز أن تتعلق اللام بأنزل، فيكون المخرج هو الله سبحانه {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } أي: يجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه مع اجتناب ما نهاه عنه {ندخله جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰر} قرأ الجمهور: {يدخله} بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالنون، وجمع الضمير في {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } باعتبار معنى من، ووحّده في {يدخله} باعتبار لفظها، وجملة: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } في محل نصب على الحال من الضمير في خالدين على التداخل، أو من مفعول يدخله على الترادف؛ ومعنى {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } أي: وسع له رزقه في الجنة. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} الاسم الشريف مبتدأ، وخبره الموصول مع صلته {وَمِنَ ٱلأرْضِ مِثْلَهُنَّ } أي: وخلق من الأرض مثلهنّ يعني: سبعاً. واختلف في كيفية طبقات الأرض. قال القرطبي في تفسيره: واختلف فيهنّ على قولين: أحدهما، وهو قول الجمهور: أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة، كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السمٰوات. والأوّل أصح؛ لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي، والنسائي، وغيرهما، وقد مضى ذلك مبيناً في البقرة قال: وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين»تفسير : إلى آخر كلامه، وسيأتي في آخر البحث ما يقوّي قول الجمهور. قرأ الجمهور: {مثلهنّ} بالنصب عطفاً على {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } أو على تقدير فعل، أي: وخلق من الأرض مثلهنّ. وقرأ عاصم في رواية عنه بالرفع على الابتداء، والجار والمجرور قبله خبره {يَتَنَزَّلُ ٱلأمْرُ بَيْنَهُنَّ } الجملة مستأنفة، ويجوز أن تكون صفة لما قبلها، والأمر: الوحي. قال مجاهد: يتنزل الأمر من السمٰوات السبع إلى السبع الأرضين. وقال الحسن: بين كل سماء وبين الأرض. وقال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه، وقيل: بينهنّ إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أدناها، وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، وقيل: هو ما يدبر فيهنّ من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها، فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا هو مجال اللغة واتساعها، كما يقال للموت: أمر الله وللريح والسحاب، ونحوها. قرأ الجمهور: {يتنزل الأمر} من التنزل، ورفع الأمر على الفاعلية، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: (ينزل) من الإنزال، ونصب الأمر على المفعولية، والفاعل الله سبحانه، واللام في {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } متعلق بـ {خلق}، أو بـ {يتنزل}، أو بمقدّر، أي: فعل ذلك؛ لتعلموا كمال قدرته، وإحاطته بالأشياء، وهو معنى {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } فلا يخرج عن علمه شيء منها كائناً ما كان، وانتصاب علماً على المصدرية؛ لأن أحاط بمعنى علم، أو هو صفة لمصدر محذوف أي: أحاط إحاطة علماً، ويجوز أن يكون تمييزاً. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } يقول: لم ترحم {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } يقول: عظيماً منكراً. وأخرج ابن مردويه عنه: {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولاً } قال: محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ *وَمِنَ ٱلأرْضِ مِثْلَهُنَّ } إلى آخر السورة، فقال ابن عباس: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر؟ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طريق أبي الضحى عن ابن عباس في قوله: {وَمِنَ ٱلأرْضِ مِثْلَهُنَّ } قال: سبع أرضين في كلّ أرض نبيّ كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي: هذا إسناده صحيح، وهو شاذّ بمرّة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد ملك. والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال: يا ربّ أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه: {مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } [الذاريات: 42] والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، فقالوا: يا رسول الله للنار كبريت؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده؛ إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت»تفسير : إلى آخر الحديث. قال الذهبي متعقباً للحاكم: هو حديث منكر. وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس قال: سيد السمٰوات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي نحن فيها.
الماوردي
تفسير : {قد أنزلَ اللَّهُ إليكم ذِكْراً* رَسولاً} الذكر القرآن، وفي الرسول قولان: أحدهما: جبريل، فيكونان جميعاً، منزلين، قاله الكلبي. الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون تقدير الكلام: قد أنزل اللَّه إليكم ذكراً وبعث إليكم رسولاً. {يتلوا عليكم آيات اللَّه} يعني القرآن، قال الفراء: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. {مُبَيِّناتٍ ليُخْرِجَ الذين آمَنوا وَعمِلوا الصالِحَاتِ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من ظلمة الجهل إلى نور العلم. الثاني: من ظلمة المنسوخ إلى ضياء الناسخ. الثالث: من ظلمة الباطل إلى ضياء الحق.
ابن عطية
تفسير : {كأين}: هي كاف الجر دخلت على أي، وهذه قراءة الجمهور، وقرا ابن كثير وعبيد عن أبي عمرو: "وكائن" ممدود مهموز، كما قال الشاعر: شعر : وكائن بالأباطح من صديق تفسير : وقرأ بعض القراء: {وكأين} بتسهيل الهمزة، وفي هذين الوجهين قلب لأن الياء قبل الألفات، وقوله تعالى: {فحاسبناها} قال بعض المتأولين: الآية في الآخرة، أي ثم هو الحساب والتعذيب والذوق وخسار العاقبة. وقال آخرون: ذلك في الدنيا، ومعنى: {فحاسبناها حساباً شديداً} أي لم نغتفر لها زلة بل أخذت بالدقائق من الذنوب، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكران: "نكُراً" بضم الكاف، وقرأ الباقون: "نكْراً" بسكون الكاف وهي قراءة عيسى، وقوله تعالى: {أعد الله لهم عذاباً شديداً} يظهر منه أنه بيان لوجه خسران عاقبتهم، فيتأبد بذلك أن تكون المحاسبة والتعذيب والذوق في الدنيا، ثم ندب تعالى {أولي الألباب} إلى التقوى تحذيراً، وقوله تعالى: {الذين آمنوا} صفة لـ {أولي الألباب}، وقرأ نافع وابن عامر: "صالحاً ندخله" بالنون، وكذلك روى المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: "يدخله" بالياء، وقوله تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً} اختلف الناس في تقدير ذلك، فقال قوم من المتأولين: المراد بالاسمين القرآن، فـ "رسول" يعني رسالة، وذلك موجود في كلام العرب، وقال آخرون: {رسولاً} نعت أو كالنعت لذكر، فالمعنى ذكر ذا رسول، وقيل الرسول: ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، وقال آخرون: المراد بهما جميعاً محمد وأصحابه، المعنى: ذا ذكر رسولاً، وقال بعض حذاق المتأولين الذكر: اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: واحتج بهذا القاضي ابن الباقلاني في تأويل قوله تعالى: {أية : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} تفسير : [الأنبياء: 2]، وقال بعض النحاة معنى الآية {ذكراً} بعث {رسولاً} فهو منصوب بإضمار فعل، وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون {رسولاً} معمولاً للمصدر الذي هو الذكر. قال القاضي أبو محمد: وأبين الأقوال عندي معنى أن يكون الذكر للقرآن والرسول محمد، والمعنى بعث رسولاً، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول ونحا هذا المنحى السدي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: "مبيَّنات" بفتح الياء، وقرأها بكسر الياء ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي والحسن والأعمش وعيسى، وسائر الآية بين، والرزق المشار إليه رزق الجنة لدوامه ودروره.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وكأين من قرية عتت} أي عصت وطغت والمراد أهل القرية {عن أمر ربها ورسله} أي وأمر رسله {فحاسبناها حساباً شديداً} أي بالمناقشة والاستقصاء وقيل حاسبها بعملها في الكفر فجزاها النار وهو قوله {وعذبناها عذاباً نكراً} أي منكراً فظيعاً وقيل في الآية تقديم وتأخير مجازها فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر أنواع البلاء وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً {فذاقت وبال أمرها} أي شدة أمرها وجزاء كفرها {وكان عاقبة أمرها خسراً} أي خسراناً في الدنيا والآخرة {أعد الله لهم عذاباً شديداً} يخوف كفار مكة أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي يا ذوي العقول ثم نعتهم فقال تعالى: {الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً} يعني القرآن {رسولاً} أي وأرسل إليكم رسولاً {يتلوا عليكم آيات الله مبينات} قرىء مبينات بالخفض أي تبين الحلال من الحرام والأمر والنهي وقرىء بالنصب ومعناه أنها واضحات {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً} يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها وقيل يرزقون طاعة في الدنيا وثواباً في الآخرة {الله الذي خلق سبع سموات} يعني بعضها فوق بعض {ومن الأرض مثلهن} أي في العدد {يتنزل الأمر بينهن} أي الوحي إلى خلقه من السماء العليا إلى الأرض السفلى وقيل هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره ينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنهار وبالصيف والشتاء ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاته وينقله من حال إلى حال فيحكم بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك هذا، وقيل في كل سماء من سمواته وأرض من أرضيه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية وأنه قادر على الإنشاء بعد الإفناء وكل الكائنات جارية تحت قدرته داخلة في علمه والله تعالى أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ}. لما ذكر الأحكام ذكر وحذَّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوَّ وحُلُول العذاب بهم، وتقدم الكلام في "كأين" في "آل عمران". قوله: {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا}. ضمّن "عَتَتْ" معنى أعرض، كأنه قيل: أعرضت بسبب عتوِّها، أي: عتت يعني القرية والمراد أهلها. وقوله: {فَحَاسَبْنَاهَا} إلى آخره. يعني في الآخرة، وأتى به بلفظ الماضي لتحقُّقه. وقيل: العذاب في الدُّنيا، فيكون على حقيقته، أي جازيناها بالعذاب في الدُّنيا {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} في الآخرة وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقَحْط والسَّيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً. والنُّكْر: المنكر، وقرىء مخففاً ومثقلاً، وقد مضى في سورة الكهف. قوله: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا}. أي: عاقبة كفرها {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرَهَا خُسْراً} أي: هلاكاً في الدنيا بما ذكرنا وفي الآخرة بجهنم. قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ}. تكرير للوعيد توكيداً. وجوز الزمخشري أن يكون "عَتَتْ" وما عطف عليه صفة لـ"قَرْيَةٍ"، ويكون الخبر لـ"كأيٍّ" في الجملة من قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ }. وعلى الأول يكون الخبر "عَتَت" وما عطف عليه. قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. منصوب بإضمار أعني، بياناً للمنادى في قوله: {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي: العُقُول، ويكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، ويضعف كونه بدلاً لعدم حلوله محل المبدل منه. قوله: {قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً}. في نصب "رسولاً" أوجه: أحدها: قال الزجاج والفارسي: إنه منصوب بالمصدر المنون قبله؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل: أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح: 29]، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً}تفسير : [البلد: 14، 15]. وقول الآخر: [الوافر] شعر : 4783 - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ تفسير : الثاني: أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال: قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو. الثالث: أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره: أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع: كذلك، إلا أن "رسولاً" نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول. السادس: أن يكون "رَسُولاً" نعتاً لـ"ذِكْراً" أو على حذف مضاف، أي: ذكراً ذا رسول، و"ذا" رسول نعتاً لـ"ذِكْراً". السابع: أن يكون "رسولاً" بمعنى رسالة، فيكون "رسولاً" بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله "يَتْلُو عَلَيْكُم" لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز. الثامن: أن يكون "رَسُولاً" منصوب بفعل مقدر، أي: أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه. قال البغوي: كأنه قيل: أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً. وقيل: مع رسول. التاسع: أن يكون منصوباً على الإغراء: أي: اتبعوا والزموا رسولاً هذه صفته. فصل في قوله: رسولاً اختلف الناس في "رسولاً"، هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن نفسه أو جبريل. قال الزمخشري: "هو جبريل أبدل من "ذكراً" لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه". قال أبو حيَّان: "ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال". انتهى. قال شهاب الدين: "وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه". وقرىء: "رسول" بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول. وقيل: الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 10] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44] ثم بين الشرف فقال: "رَسُولاً"، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين. قوله: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ}. نعت لـ"الرسول"، و"آيَاتِ اللَّهِ" القرآن. و"مبيِّنَاتٍ" قرأ العامة: بفتح الياء، أي: يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى: {أية : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ}تفسير : [آل عمران: 118]. وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي: بكسرها، أي: يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. قوله: {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. الجار متعلق إما بـ"أنزل" وإما بـ"يتلو". وفاعل "يخرج" إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر. والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله. وقوله: {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. أي: من الكفر إلى الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته. قوله: {وَمَن يُؤْمِن}. هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً. قوله: {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء. وقوله: "خَالِدينَ". قال بعضهم: ليس قوله "خالدين" فيه ضمير عائد على "من" إنما يعود على مفعول "يُدخِلْهُ" و"خَالِدينَ" حال منه والعامل فيه "يدخله" لا فعل الشَّرط. هذه عبارة أبي حيَّان. وفيها نظر، لأن "خَالدِينَ" حال من مفعول "يُدْخلهُ" عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال: حال من مفعول "يُدْخِلهُ" الثاني وهو "جنَّاتٍ". والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: "خالدين هم فيها" لجريان الوصف على غير من هو له. قوله: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ}. حال ثانية، أو حال من الضمير في "خَالِدينَ"، فتكون متداخلة. ومعنى قوله: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}، أي: وسَّع له في الجنَّات.
البقاعي
تفسير : ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع، فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ العقوبات، فإن من الناس البليد الذي لا يتعظ بما يرى، وكان التقدير: فكأي من ناس كانوا في غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة بل جعلناهم ملوكاً، عطف عليه تزهيداً في الرفاهية بأنها تطغى في الأغلب، وتهديداً لأهل المعاصي قوله مفيداً لكثرة القرى الخارجة عن الحد: {وكأين من قرية} أي مدينة كبيرة جامعة، عبر عن أهلها بها مبالغة {عتت} أي استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عناداً {عن أمر ربها} أي الذي أحسن إليها ولا محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية والرحمة بعد الإيجاد والملك {ورسله} فلم يقبل منهم ما جاؤوها به عن الله، فإن طاعتهم من طاعة الله. ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن الحساب هو ذكر الأعمال والمجازاة عليها بما يحق لكل منها، قال ملتفتاً إلى مقام التكلم في مظهر العظمة: {فحاسبناها} أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان أن أحصينا أعمالها. ولما كان ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير بالمجازاة على كل فعل بما يليق به قال: {حساباً شديداً} بمعناه المطابقي من ذكر الأعمال كلها والمجازاة عليها، وهذا هو المناقشة وهي أن العامل إذا أثر أثراً بعمله هو كالنقش في الجامد أثر المجازي له فيه أثراً بحسب عمله على سبيل الاستقصاء، وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال فقط من غير جزاء على قبيحها فهو دلالة تضمن، وإنما شدد على هذه القرية لأن إعراضها كان كذلك بما نبه عليه تسميته عتواً {وعذبناها} أي في الدنيا جزاء على ما أحصيناه من ذنوبها {عذاباً نكراً *} أي شديد النكارة لأن العقل يحير في أمره لأنه لم ير مثله ولا قريباً منه ليعتبره به، وأزال ذكر الكثرة شبهة أن يكون الإهلاك وقع اتفاقاً في وقت من الأوقات {فذاقت} بسبب ذلك بعد ما كان لها من الكثرة والقوة {وبال} أي وخامة وعقوبة وشدة وثقل وفساد {أمرها} أي في العتو وجميع ما كانت تأتمر فيه، مثله بالمرعى الوخيم الذي يمرض ويهلك. ولما كان كل مقهور إنما يسلي نفسه بانتظار الفرج ورجاء العاقبة، أيأس من ذلك مذكراً للفعل إشارة إلى الشدة بقوله: {وكان عاقبة} أي آخر ومنتهى وعقيب {أمرها} أي في جميع عملها الذي كانت فيه {خسراً *} أي نفس الخسر في الدارين، فكلما امتد الأمر وجدوه أمامهم فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله لا يطاع في حظ نفسه، ومن احترق بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على مقاساة عقوبة الله تعالى، ثم فسر الخسر أو استأنف الجواب لمن يقول: هل لها غير هذا في هذه الدار، بقوله: {أعد الله} أي الملك الأعظم {لهم} بعد الموت وبعد البعث {عذاباً شديداً}. ولما تمت الأحكام ودلائلها، وأحكمت الآيات وفواصلها، والتهديدات وغوائلها، كانت فذلكتها وثمرة سياقها وموعظتها ما تسبب عن ذلك من قوله تعالى تنبيهاً على ما يحيي الحياة الطيبة وينجي في الدارين: {فاتقوا الله} أي الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ولما كان في تخليص المواعظ من الأحكام واستثمارها من فواصل هذا الكلام أمر عظيم هو من الرقة بمكان لا يبصره إلا ذوو الأفهام قال تعالى: {يا أولي الألباب *} أي العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن {الذين آمنوا} أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة، ثم علل هذا الأمر بما أزال العذر فقال تنبيهاً على ما من علينا به من المراسلة فإن مراسلات فإن مراسلات الأكابر فخر فكيف بمراسلات الملوك فكيف بمراسلة ملك الملوك حثاً بذلك على شكره: {قد أنزل الله} أي الذي له صفات الكمال {إليكم} خاصة {ذكراً *} أي كاملاً مذكوراً فيه غاية الشرف لكل من يقبله بل تشرفت الأرض كلها بنزوله ورفع عنها العذاب وعمها النور والصواب لأن فيه تبيان كل شيء، فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى برد أفنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فحاسبناها حساباً شديداً} يقول: لم ترحم {وعذبناها عذاباً نكراً} يقول: عظيماً منكراً. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {عذاباً نكراً} مثقلة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فذاقت وبال أمرها} قال: جزاء أمرها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فذاقت وبال أمرها} قال: عقوبة أمرها. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً} قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {آيات مبينات} بنصب الياء، والله تعالى أعلم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق أبي رزين قال: سألت ابن عباس هل تحت الأرض خلق؟ قال: نعم ألم تر إلى قوله: {خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن}؟. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} إلى آخر السورة فقال ابن عباس: للرجل ما يؤمنك إن أخبرك بها فتكفر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال: وفي كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {يتنزل الأمر بينهن} قال: من السماء السابعة إلى الأرض السابعة. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: {يتنزل الأمر بينهن} قال: السماء مكفوفة والأرض مكفوفة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: بين كل سماء وأرض، خلق وأمر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال: بلغني أن عرض كل أرض مسيرة خمسمائة سنة، وأن بين أرضين مسيرة خمسمائة سنة، وأخبرت أن الريح بين الأرض الثانية والثالثة والأرض السابعة فوق الثرى، واسمها تخوم، وأن أرواح الكفار فيها ولها فيها اليوم حنين، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت، فاجتمع أنفس المسلمين بالجابية، والثرى فوق الصخرة التي قال الله في صخرة، والصخرة خضراء مكللة، والصخرة على الثور، والثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة، والثور على الحوت، وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش، ويقال: الأرض السفلى على عمد من قرني الثور، ويقال: بل على ظهره واسمه بهموت يأثرون أنهما نزل أهل الجنة فيشبعون من زائد كبد الحوت ورأس الثور، وأخبرت أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: علام الحوت؟ قال: على ماء أسود وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار، وحدثت أن إبليس تغلغل إلى الحوت فعظم له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك غنى ولا أقوى، فوجد الحوت في نفسه، فتحرك فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك، فبعث الله حوتاً صغيراً فأسكنه في أذنه، فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في أذنه فسكن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الضريس من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: {ومن الأرض مثلهن} قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم بتكذيبكم بها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله: {ومن الأرض مثلهن} قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، قال البيهقي: إسناده صحيح، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: منكرعن ابن عمر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح بقدر منخر الثور، فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} [الذاريات: 42] والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، قالوا: يا رسول الله أللنار كبريت؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت، والخامسة فيها حيات جهنم إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا تبقي منه لحماً على وضم، والسادسة فيها عقارب جهنم إن أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يدٌ أمامه ويدٌ خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما شاء أطلقه ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كثف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وكثف الثانية مثل ذلك، وما بين كل أرضين مثل ذلك ". تفسير : وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهميه عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين التي نحن عليها. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: الأرضون السبع على صخرة، والصخرة في كف ملك، والملك على جناح الحوت، والحوت في الماء، والماء على الريح، والريح على الهواء، ريح عقيم لا تلقح، وإن قرونها معلقة بالعرش. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: الصخرة التي تحت الأرض منتهى الخلق على أرجائها أربعة أملاك ورؤوسهم تحت العرش. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: إن الأرضين على حوت، والسلسلة في أذن الحوت.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكأين من قرية} بمعنى كم الخبرة فى كونها للتكثير والقرية اسم للموضع الى يجتمع فيه الناس والمعنى وكثير من اهل قرية وبالفارسية وبسيار ازاهل ديهى وشهرى. فهو من حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه ثم وصفه بصفته او من المجاز العقلى والاسناد الى المكان وهذه الآية تحذير للناس عن المخالفة فى الاحكام المذكور وتأكيد لايجابها عليهم {عتت عن امر ربها ورسله} قال فى المفردات العتو النبو عن الطاعة وفى القاموس عتا عتو وعتيا وعتيا استكبر وجاوز الحد فهو عات وعتى انتهى والعتو لا يتعدى بعن وانما عدى بها لتضمينه معنى الاعراض كأنه قيل اعرضت عن امر ربها وامر رسل ربها بسبب التجاوز عن الحد فى التكبر والعناد وفى ايراده صفة الرب توبيخ لهم وتجهيل لما ان عصيان العبيد لربهم ومولاهم طغيان وجهل بشأن سيدهم ومالكهم وبمرتبة انفسهم ودوام احتياجهم اليه فى التربية قوله وكأين مبتدأ ومن قرية بيان له وعتت خبر المبدأ {فحاسبناها حسابا شديدا} اى ناقشناها فى الحساب وضيقنا عليها فى الدنيا واخذناها بدقائق ذنوبها وجرآئمها من غير عفو بنحو القحط والجوع والامراض والاوجاع والسيف وتسليط الاعدآء عليها وغير ذلك من البلايا مقدما معجلا على استئصالهم وذوقها العذاب الاكبر لترجع الى الله تعالى لان البلاء كالسوط للسوق فلم تفعل ولم ترفع رأسا فابتلاها الله بما فوق ذلك كما قال {وعند بناها عذابا نكرا} اى منكرا عظيما هائلا متنفرا عنه بالطبع لشدته وايلامه او غير متوقع فانهم كانوا لا يتوقعونه ولو قيل لهم لما يصدقونه والقهر الغير المتوقع اشد ألما واللطف الغير المتوقع اتم لذة وبالفارسية وعذاب كرديم ايشانرا عذابى جنانكه نديده بودند ونشناخته. وهو العذاب العاجل بالاستئصال بنحو الاغراق والاحراق والريح والصيحة فالنكر الامر الصعب الذى لا يعرف والانكار ضد العرفان. يقول الفقير اضاف الله المحاسبة والتعذيب الى نفسه مع ان سببهما كان العتو عن امره وامر رسله لان الرسل كانوا فانين فى الله فاتخذوا الله وكيلا فى جميع امورهم وتركوا التصرف والتعرض للقهر ونحوه وذلك انهم قد بعثوا بعد رسوخهم ولهذا صبروا على تكذيب امم لهم ولو بعثوا قبل الرسوخ ربما بطشوا بمن كذبهم واهلكوه وقس عليهم احوال الكمل من الاولياء.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وكَأَيِّن من قريةٍ} أي: كثير من أهل قرية {عَتَتْ}؛ أعرضت {عن أمر ربها ورُسلِه} أي: عن طاعتهما على وجه العتوّ والعناد، {فحاسبناها حِساباً شديداً} بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، {وعذَّبناها عذاباً نُكراً}؛ منكراً فظيعاً، والمراد: إمّا عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعدُ بقوله: {أعدّ اللهُ لهم عذاباً شديداً...} الخ، {فذاقت وَبَالَ أمرِها} أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوَبَلَة ـ بالتحريك: الثِقَّلُ والوخَامةُ، وقد وَبُل المرتعُ بالضم وَبْلاً ووَبَالاً، فهو وَبيلٌ، أي: وخِيمٌ. هـ. وفي القاموس: وبُلَ ككَرُمَ وبَالةً ووبالاً ووبُولاً، وأرض وَبِيلَةٌ: وخيمةُ المرتَعِ. هـ. {وكان عاقبةُ أمرها خُسراً} أي: خساراً وهلاكاً. {أعدَّ اللهُ لهم} في الآخرة {عذاباً شديداً}، وعلى أنَّ الكل في الآخرة يكون هذا تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال: أعدّ الله لهم هذا العذاب الشديد، {فاتقوا اللهَ يا أُولي الألبابِ} في مخالفة أمره، واحذروا ما حلّ بمَن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسَّرهم بقوله: {الذين آمنوا} إيماناً خالصاً من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعِني، {قد أنزل اللهُ إِليكم ذكراً} أي: القرآن. وانتصب {رسولا} بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولاً، أو: هو بدل من "ذِكْراً" كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولاً، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله: {أية : وَإِنَهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف:44] أي: ذو شرف ومجدٍ عند الله، أو: للمنزَل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ {يتلوا} أي: الرسول، أو الله ـ عزّ وجل ـ {عليكم آياتِ الله مُبينات} أي: واضحاتٍ، قد بيَّنها اللهُ تعالى لقوله: {أية : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلأَيَات }تفسير : [آل عمران:118والحديد:17] وقرىء بكسر الياء، أي: تُبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، {لِيُخرج الذين آمنوا وَعمِلوا الصالحاتِ من الظلمات إِلى النور} متعلق بـ"يتلو"، أو: بـ"أنزل"، وفاعل "يُخرج" إما الله، أو الرسول، أي: ليحصّل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من عَلِمَ وقدّر أنه سيؤمن، {ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً} حسبما بُيّن في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات {يُدخله جنات تجري من تحتها الأنهارُ}، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة {خالدين فيها أبداً}، والجمع باعتبار معنى "من" كما أنَّ الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، {قد أحسن اللهُ له رزقاً} في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزقُ الحَسَنُ: ما كان على حَدِّ الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادةَ فيه تَشْغَلهُ عن ربهم. هـ. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها؛ عن تحمُّل أعباء العبودية؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله: {أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ} تفسير : [غافر:35] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها،وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكراً، أي: مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، (ويعمل صالحاً) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ.هـ. ثم ذكر دلائل قدرته، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}.
الجنابذي
تفسير : {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} عطف على قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ}، وتلويح الى انّ من لا يتّقى يكون له العاقبة السّوءى {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} بالاستقصاء في المحاسبة والمدّاقّة فيها ومن يداقّه الله فلا مناص له {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} منكراً لا يعرفه احدٌ لعظمته.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي: عصت أمر ربها ورسله، يعني أهلها، أي: أهل هذه القرية {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} قال الحسن: عذاباً عظيماً {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي: جزاء ذنوبها، وهي العقوبة، أي عقوبة شركهم وتطذيبهم الرسلَ, يعني من أهلك من الأمم السالفة. والوبال العقوبة, وهي الجزاء. قال عز وجل: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} أي: خسروا به الجنة. {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي: في الآخرة بعد عذاب الدنيا. قال عز وجل: {فَاتَّقُواْ اللهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ} أي: يا ذوي العقول {الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} أي: القرآن {رَّسُولاً} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم أي: أنزل إليكم ذِكْراً بالرسول الذي جاءكم. {يَتْلُواْ عَلَيْكُم آيَاتِ اللهِ} أي: القرآن {مُبَيِّنَاتٍ} أي: بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا على مقرأ من قرأها مفتوحة الياء، وهي تقرأ أيضاً (مُبَيِّنَاتٍ) مكسورة الياء، أي هي تبيّن. قال عز وجل: {لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى. قال عز وجل: {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً} أي: في الجنة.
اطفيش
تفسير : {وَكَأيِّن} أي كم {مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ} أي اعرض اهلها عنادا وافسادا والجملة خبر كأين. {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} بالمناقشة والاستقصاء بالمجازاة في الدنيا واثبات ذنوبهم في صحفهم وذلك في الدنيا فالماضي على اصله وقيل في الآخرة فمعناه الاستقبال لكن كان ذلك واقع لتحقق وقوعه في الآخرة وكذا في قوله {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} قال الحسن أي عظيما منكرا بالسيف أو القحط او غيرهما أو بالنار في الآخرة وقرىء بالاسكان للكاف.
اطفيش
تفسير : {وَكَأَيِّن مِن قَرْيَةٍ} كم من قرية فهى للتكثير أى أهل قرية أو قرية اسم لأَهلها مجازًا وقد مر ذلك. {عَتَتْ} خرجت بالفساد والتجبر والجملة خبر كأَين أو صفة والخبر أعد الله.. الخ. {عَنْ أمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} لم تأْتمر بأَمر الله ورسوله ولم تنته بنهى الله ورسوله. {فَحَاسَبْنَاهَا} لعتوها. {حِسَابًا شَدِيدًا} على مثقال الذرة. {وعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا} يستنكر ولا يعرف ولا يخطر وصفه بالبال لشدته، والحساب والتعذيب بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، وكذا الذوق فى قوله عز وجل.. {فَذَاقَتْ وَبَالَ أمْرِهَا} ثقل شدة عتوها، وقال الكلبى العذاب النكر الجوع والقحط والسيف وسائر المصائب فالذوق والحساب على ظاهرهما من المضى على هذا. {وَكَانَ عَاقِبَةُ أمْرِهَا خُسْرًا} خسرانا عظيماً.
الالوسي
تفسير : {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } أي كثير من أهل قرية. وقرأ ابن كثير ـ وكائن ـ بالمد والهمزة، وتفصيل الكلام فيها قد مر {عَتَتْ } تجبرت وتكبرت معرضة {عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } فلم تمتثل ذلك {فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً } بالاستقصاء والتنقير والمناقشة / في كل نقير من الذنوب وقطمير {وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً } أي منكراً عظيماً، والمراد حساب الآخرة وعذابها، والتعبير عنهما بلفظ الماضي للدلالة على تحققهما كما في قوله تعالى: { أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الكهف: 99]. وقرأ غير واحد {نكرا } بضمتين.
ابن عاشور
تفسير : لما شُرعت للمسلمين أحكام كثيرة من الطلاق ولَواحِقه، وكانت كلها تكاليف قد تحجُم بعضُ الأنفس عن إيفاء حق الامتثال لها تكاسلاً أو تقصيراً رغّب في الامتثال لها بقوله: {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} تفسير : [الطلاق: 2] وقوله: { أية : ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}تفسير : [الطلاق: 4]، وقوله: {أية : ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجراً}تفسير : [الطلاق: 5] وقوله: {أية : سيجعل الله بعد عسر يسراً}تفسير : [الطلاق: 7]. وحذر الله الناس في خلال ذلك من مخالفتها بقوله: {أية : وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}تفسير : [الطلاق: 1]، وقوله: {أية : ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر}تفسير : [الطلاق: 2] أعقبها بتحذير عظيم من الوقوع في مخالفة أحكام الله ورسله لقلة العناية بمراقبتهم، لأن الصغير يُثير الجليل، فذكَّر المسلمين (وليسوا ممن يعتوا على أمر ربهم) بما حلّ بأقوام من عقاب عظيم على قلة اكتراثهم بأمر الله ورسله لئلا يسلكوا سبيل التهاون بإقامة الشريعة، فيلقي بهم ذلك في مَهواة الضلال. وهذا الكلام مقدمة لما يأتي من قوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} الآيات. فالجملة معطوفة على مجموع الجمل السابقة عطف غرض على غرض. و{كأيّن} اسم لعدد كثير مُبهم يفسره ما يميزه بعده من اسم مجرور بمن و{كأيّن} بمعنى (كَم) الخبرية. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير}تفسير : في [آل عمران: 146]. والمقصود من إفادة التكثير هنا تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى شيء ملازم لِجزائهم على عتوّهم عن أمر ربهم ورسله فلا يتوهم متوهم أن ذلك مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة في جميعهم. وكأيّن} في موضع رفع على الابتداء، وهو مبني. وجملة {عتت عن أمر ربها} في موضع الخبر لـ{كأيّن}. والمعنى: الإِخبار بكثرة ذلك باعتبار ما فُرع عليه من قوله: {فحاسبناها} فالمفرع هو المقصود من الخبر. والمراد بالقرية: أهلها على حد قوله: {أية : واسأل القرية التي كنا فيها}تفسير : [يوسف: 82] بقرينة قوله عَقب ذلك {أعد الله لهم عذاباً شديداً} إذ جيء بضمير جمع العقلاء. وإنما أوثر لفظ القرية هنا دون الأُمة ونحوها لأن في اجتلاب هذا اللفظ تعريضاً بالمشركين من أهل مَكة ومشايعةً لهم بالنذارة ولذلك كثر في القرآن ذكر أهل القرى في التذكير بعذاب الله في نحو {أية : وكم من قرية أهلكناها}تفسير : [الأعراف: 4]. وفيه تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق عدوّهم. والعتوّ ويقال العُتِيّ: تجاوز الحدّ في الاستكبار والعناد. وضمن معنى الإِعراض فعدي بحرف {عن}. والمحاسبة مستعملة في الجزاء على الفعل بما يناسب شدته من شديد العقاب، تشبيهاً لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين، وهو الحساب في الدنيا، ولذلك جاء {فحاسبناها} و {عذبناها} بصيغة الماضي. والمعنى: فجازيناها على عتوّها جزاءً يكافىء طغيانها. والعذاب النُكُر: هو عذاب الاستئصال بالغرق، والخسف، والرجم، ونحو ذلك. وعطفُ العذاب على الحساب مؤذن بأنه غيره، فالحساب فيما لقوه قبل الاستئصال من المخوفات وأشراط الإِنذار مثل القحط والوباء والعذاب هو ما توعدوا به. ولك أن تجعل الحساب على حقيقته ويراد به حساب الآخرة. وشدته قوة المناقشة فيه والانتهارُ على كل سيئة يحاسبون عليها. والعذاب: عذاب جهنم، ويكون الفعل الماضي مستعملاً في معنى المستقبل تشبيهاً للمستقبل بالماضي في تحقق وقوعه مثل قوله: {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1]، وقوله: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}تفسير : [الأعراف: 44]. والنُكُر بضمتين، وبضم فَسكون: ما ينكره الرأي من فظاعة كيفيته إنكاراً شديداً. وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوبُ {نكُراً} بضمتين. وقرأه الباقون بسكون الكاف. وتقدم في سورة الكهف. والفاء في قوله: {فذاقت وبال أمرها} لتفريع {فحاسبناها} {وعذبناها}. والذَّوق: هنا الإِحساس مطلقاً، وهو مجاز مرسل. والوبيل: صفة مشبهة. يقال: وَبُل (بالضم): المرعى، إذا كان كَلأُه وخيماً ضاراً لما يرعاه. والأمر: الحال والشأن، وإضافة الوَبال إلى الأمر من إضافة المسبب إلى السبب، أي ذاقوا الوبال الذي تسبب لهم فيه أمرهم وشأنهم الذي كانوا عليه. وعاقبة الأمر: آخره وأثره. وهو يشمل العاقبة في الدنيا والآخرة كما دل عليه قوله: {أعد الله لهم عذاباً شديداً}. وشبهت عاقبتهم السّوأى بخسارة التاجر في بيعه في أنهم لما عتوا حسبوا أنهم أرضَوْا أنفسهم بإعْراضهم عن الرسل وانتصروا عليهم فلما لبثوا أن صاروا بمذلة وكما يخسر التاجر في تجره. وجيء بفعل {كان} بصيغة المضي لأن الحديث عن عاقبتها في الدنيا تغليباً. وفي كل ذلك تفظيع لما لحقهم مبالغة في التحذير مما وقعوا فيه. وجملة {أعد الله لهم عذاباً شديداً} بدل اشتمال من جملة {وكان عاقبة أمرها خسراً} أو بدلَ بعض من كل. والمراد عذاب الآخرة لأن الإِعداد التهيئة وإنما يهيَّأ الشيء الذي لم يحصل. وإن جعلتَ الحساب والعذاب المذكورين آنفاً حساب الآخرة وعذابها كما تقدم آنفاً فجملة {أعد الله لهم عذاباً شديداً} استئنافاً لبيان أن ذلك متزايد غير مخفف منه كقوله: {أية : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً}تفسير : [النبأ: 30]. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. هذا التفريع المقصود على التكاليف السابقة وخاصة على قوله: {أية : وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} تفسير : [الطلاق: 1] وهو نتيجة ما مهّد له به من قوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله}. وفي نداء المؤمنين بوصف {أولي الألباب} إيماء إلى أن العقول الراجحة تدعو إلى تقوى الله لأنها كمال نفساني، ولأن فوائدها حقيقية دائمة، ولأن بها اجتناب المضار في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون}تفسير : [يونس: 62، 63]، وقوله: {أولي} معناه ذوي، وتقدم بيانه عند قوله: {أية : واللائي يئسن من المحيض}تفسير : [الطلاق: 4] آنفاً و{الذين آمنوا} بدل من {أولي الألباب}. وهذا الاتباع يومىء إلى أن قبولهم الإِيمان عنوان على رجاحة عقولهم. والإتيان بصلة الموصول إشعار بأن الإِيمان سبب للتقوى وجامع لمعظمها ولكن للتقوى درجات هي التي أمروا بأن يحيطوا بها. للهـ. في هذه الجملة معنى العلة للأمر بالتقوى لأن إنزال الكتاب نفع عظيم لهم مستحق شكرهم عليه. وتأكيد الخبر بـ{قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰت مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} للاهتمام به وبعث النفوس على تصفح هذا الكتاب ومتابعة إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم. والذكر: القرآن. وقد سمي بالذكر في آيات كثيرة لأنه يتضمن تذكير الناس بما هم في غفلة عنه من دلائل التوحيد وما يتفرع عنها من حسن السلوك، ثم تذكيرهم بما تضمنه من التكاليف وبيناه عند قوله تعالى: {أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} تفسير : في سورة [الحجر: 6]. وإنزال القرآن تبليغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك واستعير له الإِنزال لأن الذكر مشبه بالشيء المرفوع في السماوات، كما تقدم في سورة الحجر وفي آيات كثيرة. وجعل إنزال الذكر إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به وعملوا بما فيه فخصصوا هنا من بين جميع الأمم لأن القرآن أنزل إلى الناس كلهم. وقوله: {رسولاً} بدل من {ذكراً} بدل اشتمال لأن بين القرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملازمةً وملابسةً فإن الرسالة تحققت له عند نزول القرآن عليه، فقد أُعمل فعل {أنزل} في {رسولاً} تبعاً لإِعماله في المبدل منه باعتبار هذه المقارنة واشتمال مفهوم أحد الاسمين على مفهوم الآخر. وهذا كما أبدل {أية : رسول من الله}تفسير : [البينة: 2] من قوله: {أية : حتى تأتيهم البينة} تفسير : في سورة البينة (1). والرسول: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأما تفسير الذكر بجبريل، وهو مروي عن الكلبي لتصحيح إبدال {رسولاً} منه ففيه تكلفات لا داعي إليها فإنه لا محيص عن اعتبار بدل الاشتمال، ولا يستقيم وصف جبريل بأنه يتلو على الناس الآيات فإن معنى التلاوة بعيد من ذلك، وكذلك تفسير الذكر بجبريل. ويجوز أن يكون {رسولاً} مفعولاً لفعل محذوف يدل عليه {أنزل الله} وتقديره: وأرسل إليكم رسولاً، ويكون حذفه إيجازاً إلاّ أن الوجه السابق أبلغ وأوجز. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم {مبينات} بفتح الياء. وقرأه الباقون بكسرها ومَآل القراءتين واحد. وجعلت علة إنزال الذكر إخراجَ المؤمنين الصالحين من الظلمات إلى النور وإن كانت علة إنزاله إخراج جميع الناس من ظلمات الكفر وفساد الأعمال إلى نور الإِيمان والأعمال الصالحات، نظراً لخصوص الفريق الذي انتفع بهذا الذكر اهتماماً بشأنهم. وليس ذلك بدالّ على أن العلة مقصورة على هذا الفريق ولكنه مجرد تخصيص بالذكر. وقد تقدم نظير هذه الجملة في مواضع كثيرة منها أول سورة الأعراف. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}. عطف على الأمر بالتقوى والتنويه بالمتقين والعناية بهم هذا الوعد على امتثالهم بالنعيم الخالد بصيغة الشرط للدلالة على أن ذلك نعيم مقيّد حصوله لراغبيه بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات. و{صالحاً} نعت لموصوف محذوف دل عليه {يعمل} أي عملاً صالحاً، وهو نكرة في سياق الشرط تفيد العموم كإفادته إياه في سياق النفي. فالمعنى: ويعمل جميع الصالحات، أي المأمور بها أمراً جازماً بقرينة استقراء أدلة الشريعة. وتقدم نظير هذه الآية في مواضع كثيرة من القرآن. وجملة {قد أحسن الله له رزقاً} حال من الضمير المنصوب في {ندخله} ولذلك فذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإِضمار لتكون الجملة مستقلة بنفسها. والرزق: كل ما ينتفع به وتنكيره هنا للتعظيم، أي رزقاً عظيماً. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر {ندخله} بنون العظمة. وقرأه الباقون بالتحتية على أنه عائد إلى اسم الجلالة من قوله: {ومن يؤمن بالله} وعلى قراءة نافع وابن عامر يكون فيه سكون الالتفات.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} الآية. ذكر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء أن كأين بمعنى كم فهي إخبار بعدد كثير، وذك إعرابها، والمعنى كثير من قرية عتت عن أمر ربها أي تكبرت وطغت وتقدم تفصيله للمعنى بالأمثلة والشواهد عند قوله تعالى: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}تفسير : [الحج: 45] في سورة الحج. ومما قدمه رحمة الله تعالى علينا وعليه، ومن قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}تفسير : [الكهف: 59] بيان لأصحاب الرئاسة ورجال السياسة أن هلاك الدنيا بفساد الدين، وأن أمن القرى وطمأنينة العالم بالحفاظ على الدين. ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عامة الناس للحفاظ على دينهم وسلامة دنياهم، فحمل الشارع مهمته للأمة كلها كل بحسبه باليد أو باللسان أو القلب، وهذا الأخير أضعف الإيمان، ومع ضعفه ففيه الإبقاء على دوام الإحساس بوجود المنكر إلى أن يقدر هو أو غيره على تغييره. قد بين الله تعالىهذا المفهوم ببيان حال الذين مكنهم في الأرض بنصره في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ}تفسير : [الحج: 41]. ثم ذكر تعالى الأمم التي كذبت وعتت من قوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب مدين. ثم قال: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}تفسير : [الحج: 45].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8، 9- وكثير من القرى التى تجبَّر أهلها وأعرضوا عن أمر ربهم ورسله فحاسبناها حساباً شديداً. بتقصى كل ما فعلوه ومناقشتهم، وعذَّبناها عذاباً فظيعاً، فتجرَّعوا سوء مآل أمرهم، وكان عاقبة أمرهم خسراناً شديداً. 10، 11- هيأ الله لأهل القرى المتجبرين عذاباً بالغ الشدة، فاحذروا غضب الله - يا أصحاب العقول الراجحة - الذين اتصفوا بالإيمان. قد أنزل الله إليكم - ذا شرف ومكانة - رسولاً يقرأ عليكم آيات الله مُبَيِّنات لكم الحق من الباطل. ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، ومَن يصدِّق بالله ويعمل عملاً صالحاً يدخله جنات تجرى من خلالها الأنهار، مخلدا فيها أبداً، قد أحسن الله للمؤمن الصالح رزقاً طيباً. 12- الله - وحده - الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، يجرى أمره بينهن، لتعلموا أن الله على كل شئ تام القدرة، وأن الله قد أحاط بكل شئ علما.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وكأيّن من قرية: أي وكثير من قرية أي مدينة. عتت عن أمر ربها: أي عصت يعني أهلها عصوا ربهم ورسله. عذاباً نكراً: أي فظيعاً. ذكراً رسولاً: أي القرآن وأرسل إليكم رسولاً هو محمد صلى الله عليه وسلم. من الظلمات إلى النور: أي من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد. قد أحسن الله له رزقاً: اي رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها أبداً. ومن الأرض مثلهن: أي سبع أرضين أرضاً فوق أرض كالسماوات سماء فوق سماء. يتنزل الأمر بينهن: أي الوحي بين السماوات والأرض. لتعلموا أن الله على كل شيء قدير: أي أعلمكم بذلك الخلق العظيم والتنزيل العجيب لتعلموا.. معنى الآيات: لما قرر تعالى أحكام الطلاق والرجعة والعدة والنفقات وقال ذلك أمر الله أنزله إليكم، وأوجب العمل به حذر في هذه الآية من إهمال تلك الأحكام وتجاهلها وعدم القيام بها فقال: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي كثير من المدن عتا أهلها أي ترفعوا متكبرين عن أوامر الله ورسله فلم يمتثلوها وعن الحقوق فلم يؤدوها حاسبها الله تعالى في الدنيا حساباً شديداً وعذبها عذاباً نكراً أي فظيعاً. فذاقت بذلك وبال أمرها أي عقوبته وكان عاقبة أمرها خسراً أي خساراً وهلاكاً وأعد الله لهم عذاباً شديداً هو عذاب يوم القيامة وفي تكرار الوعيد تحذير من الوقوع فيه بالشرك والظلم. وقوله تعالى {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا عقابه فلا تهملوا أحكامه ولا تعطلوها فيحل بكم ما حل بغيركم ممن عتوا عن أمر ربهم ورسله يا أولي الألباب أي العقول الذين آمنوا قد أنزل إليكم ذكراً هو القرآن {رَّسُولاً} هو محمد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} واضحات في نفسها لا خفاء فيها ولا غموض، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات أي ظلمات الكفر والشرك إلى النور نور الإِيمان والتوحيد والعمل الصالح. وقوله تعالى {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} هذا وعد كريم من رب رحيم يعد كل من آمن به وعمل صالحاً أن يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن له فيها رزقاً وهو نعيم الجنة الذي لا ينفد ولا ينقطع ابداً. وقوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي سبع أرضين واحدة فوق الأخرى كالسماوات سماء فوق سماء هذا هو الله المعبود بحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله تعالى: {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} أي أعلمكم بخلقه العظيم من السماوات والأرضين وبتنزل الأمر بينهن في كل وقت وحين لتعلموا أنه تعالى على كل شيء قدير لترغبوا فيما عنده وأنه أحاط بكل علما لترهبوه وتراقبوه، وبذلك تتهيؤن لإنعامه ورضاه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التحذير من ترك الأحكام الشرعية وإهمالها والعبث بها. 2- بيان منة الله على هذه الأمة بإنزال القرآن عليها وإرسال الرسول إليها. 3- بيان أن الكفر ظلمة وأن الإِيمان نور. 4- بيان عظمة الله تعالى وسعة علمه.
القطان
تفسير : وكأين من قرية: كثير من القرى كفرَ اهلها. عتت: تجبرت، واستكبرت. نُكرا: منكرا. وبالَ أمرِها: عاقبة امرها. خُسرا: خسارة. ذِكرا: قرآنا. رسولا: هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. لقد تقدّم كثيرٌ من الآيات الكريمة التي تشبه هذه الآياتِ التي خُتمت بها هذه السورة العظيمة بعد ان بيّن فيها شَرْعَ الله في الطلاق والعِدَّة والنفقةِ والسكنِ ونفقةِ المولود وإرضاعه. ان كثيراً من أهلِ القرى خالفوا أمر ربهم، فكذّبوا الرسلَ وأعرضوا عن أمرِ ربهم، فحاسبناهم حساباً شديدا، وعذبناهم أشد العذاب، فذاقوا عاقبة أمرِهم، وتجرعوا سوءَ مآلهم، وخسِروا خسراناً كبيرا. وفي الآخرة أعدّ الله لهم عذابا بالغ الشدة. ولذلك يحذّر الله المؤمنين بقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} ايها المؤمنون العاقلون، اعتبروا بهم واتقوا الله الذي انزل اليكم قرآنا عظيما، وارسل اليكم رسولا كريما هو محمد بن عبد الله عليه صلوات الله، {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} فيها هدى لكم، وبذلك أخرجكم من الظلمات وعبادة الاوثان الى النور، دين الله القويم الذي بيّن لكم الحقَّ من الباطل. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}. فالإيمان مشروط بالعمل، وأي جزاء احسنُ من الجنة وأي رزق أحسن من رزقها! ثم ذكر بعد ذلك عظيمَ قدرته وسلطانه، وبديعَ خَلْقه لهذا الكونِ العجيب الفسيح يجري أمرُه فيه، {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}. صدق الله العظيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَكَأِيِّن} {فَحَاسَبْنَاهَا} {عَذَّبْنَاهَا} (8) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَسَلَكَ غَيرَ مَا شَرَعَهُ اللهُ، وَيُخْبِرُ عَمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ السَّالِفَةِ، فَيَقُولُ تَعَالَى. إِنَّ كَثِيراً مِنْ أَهْلِ القُرَى خَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ الذِينَ أُرْسِلُوا إِليهِمْ، وَتَمَادَوا فِي طُغْيَانِهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ اللهُ حِسَاباً عَسِيراً عَلَى أَعْمَالِهِم كُلِّهَا، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً مُنْكَراً فِي الآخِرَةِ. وَكَأَيِّنْ - كَثِيرٌ مِنَ القُرَى. عَتَتْ - تَجَبَّرَتْ وَتَكَبَّرَتْ وَأَعْرَضَتْ. نُكْراً - مُنْكَراً شَنِيعاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} يعني شَديداً.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه على وجه الوعيد للموسرين: {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي: كثيراص من أهل قرية {عَتَتْ} أعرضت واستكبرت {عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَ} متابعة {رُسُلِهِ} المرسلين من عنده إياها اتكالاً على ما عندهم من المال والثروة، والتفاخر على الأقران، والتفوق عليهم بأنواع النخوة والعدوان {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} أي: عن القليل والكثير، والنقير والقمطير {وَ} بعدما حاسبناها كذلك {عَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} [الطلاق: 8] منكراً فجيعاً فظيعاً؛ والمراد: حساب النشأة الأخرى وعذابها، عبَّر بالماضي؛ لتحقق وقوعها. {فَذَاقَتْ} حينئذٍ {وَبَالَ أَمْرِهَا} أي: إعراضها عن الله وأهله ذوقاً محيطاً بها، بحيث لا يخلو من العذاب شيء من أعضائها وأجزائها {وَ} بالجملة: {كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا} الذي كان عليه في النشأة الأولى {خُسْراً} [الطلاق: 9] في النشأة الأخرى، وأيّ خسر لا خسر أشد منه وأكبر، وهو حرمانهم عن عز والقبول الإلهي، وانحطاطهم عن رتبة الخلافة والنيابة. وبالجملة: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} في العاجل والآجل {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} واعتبروا مما جرى على أولئك الغواة الطغاة، الهالكين في تيه العتو والعناد من وخامة عاقبتهم، ورداءة خاتمتهم، واعلموا أيها المعتبرون {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق وبتصديقه رسله {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المدبر لمصالحكم {إِلَيْكُمْ ذِكْراً} [الطلاق: 10] ناشئاً منكم، مذكِّراً لكم أصل مبدئكم ومنشئكم، وكذا مرجعكم ومعادكم. ولهذا جعله سبحانه {رَّسُولاً} مرسلاً من عنده إليكم؛ لإرشادكم وتكميلكم {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على وحدة ذاته، وكمال أسمائه وصفاته {مُبَيِّنَاتٍ} مشروحات موضحات كل ذلك {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله على وجه الإخلاص {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المؤكدة لإيمانهم {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: الظلمات الحاصلة من تراكم الكثرات، وتتابع الإضافات الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة إلى نور الوجود الذي هو الوحجدة الذاتية المسقطة لعموم الإضافات مطلقاً. {وَ} بالجملة: {مَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} ويوقن بوحدته {وَيَعْمَلْ صَالِحاً} طلباً لمرضاته {يُدْخِلْهُ} سبحانه بمقتضى فضله ولطفه {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} المترشحة دائماً من البحر المحيط الذي هو حضرة العلم الإلهي، ولوح قضائه المشتمل على عموم الكوائن والفواسد الجارية في فضاء الوجود مطلقاً {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا يتحولون منها أصلاً، وبالجملة: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} [الطلاق: 11] صورياً ومعنوياً. وكيف لا يحسن رزقه سبحانه، مع أنه {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ} أي: أظهر وقدَّر بمقتضى قدرته الكاملة {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} علويات مطبقات على عدد الأوصاف السبعة الذاتية الإلهية، وجعلها مسكناً للمجردات من الملائكة والأرواح {وَ} قدَّر {مِنَ ٱلأَرْضِ} السفلى؛ أي: عالم العناصر أيضاً {مِثْلَهُنَّ} مطبقات بعضها فوق بعض: طبقة الأثير الصرف، وطبقة الأثير الممتزجة، وطبقة الزمهرير من الهواء، وطبقة الهواء الصرف، وطبقة الماء الصرف،م وطبقة الطين المركب من الماء والتراب، وطبقة التراب الصرف، على عدد القوى السبع الإنسانية الفائضة على أعضائه السبعة، وهي: الدماغ، والكبد، والعين، والأذن، والأنف، واللسان وجميع البشرة من الصانع الحكيم؟! وإنما رتبها سبحانه وطبقها عليها؛ حين {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ} الإلهي {بَيْنَهُنَّ} يعني: تصير السفليات قوابل الآثار العلويات، يقبلن منها ما يفيض عليهن من الكمالات المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية، كل ذلك {لِّتَعْلَمُوۤاْ} أيها المجبولون على فطرة العلم والمعرفة {أَنَّ ٱللَّهَ} المستقل بالألوهية والربوبية {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود، ولمع عليه برق الشهود {قَدِيرٌ} لا ينتهي قدرته عند مقدور {وَ} لتعلموا أيضاً {أَنَّ ٱللَّهَ} المتصف بالقدرة الكاملة {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة قدرته {عِلْماً} [الطلاق: 12] إذ لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم. خاتمة السورة عليك أيها السالك المتحقق بمقام القلب وسعته، وقابليته لنزول سلطان الوحدة الذاتية الإلهية مع بُعد غورها، ورفعة طورها عن أحلام الأنام مطلقاً أن الله المتجلي على كل جلي وخفي قدير على مقدورات لا تتناهى، ومرادات لا تُعد ولا تُحصى بمقتضى حيطة علمه بمعلومات لا غاية يحدها، ولا نهاية يحيطها. فله سبحانه الإعادة والإبداء، والإماتة والإحياء، وله التصرف في ملكه كيف يشاء حسب اقتضاء الأوصاف والأسماء، لا إله إلا هو، له الاسماء الحسنى، وله الحمد في الآخرة والأولى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} [الطلاق: 8]، يعني: كل أهل قرية قالب وأشار إلى القوى القالبية في هذه لأنها إذا عتت وعصت أمر ربها، ورسل الرب وهي: الخواطر الرحمانية {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} [الطلاق: 8]، وشدة حسابها أن يوكل عليها القوة القلبية ليحاسبها في كل نظرة ولقمة {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} [الطلاق: 8]، من إبطائها في مقام النكرة. {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} [الطلاق: 9]، يعني: ذاقت من مرارة المجاهدة والقبض والنكرة جزاء ما عملت بخاطر الهوى، واشتغلت بشهواتها العاجلة الردية {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} [الطلاق: 9]، يعني: بعد أن يقاسي في الدنيا بمرارة المجاهدة والقبض والنكرة إن [ثبتت] على متابعة الهوى فيكون عاقبتها أيضاً خسرانه رأس ماله في المجاهدة، وما حصل له برح المشاهدة، نعوذ بالله من مثل هذا في الدنيا والعقبى. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [الطلاق: 10]، يعني: في الآخرة بما كسبوا في الدنيا، وهو عذاب الاطلاع على خسران رأس المال بلا ربح، وهو الفقر المذموم {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الطلاق: 10]، عن العتوّ والعصيان {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الطلاق: 10]، يعني: أيتها القوى المؤمنة الأئمة {قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} [الطلاق: 10].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن إهلاكه الأمم العاتية، والقرون المكذبة للرسل أن كثرتهم وقوتهم، لم تنفعهم شيئًا، حين جاءهم الحساب الشديد، والعذاب الأليم، وأن الله أذاقهم من العذاب ما هو موجب أعمالهم السيئة. ومع عذاب الدنيا، فإن الله أعد لهم في الآخرة عذابا شديدًا، { فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ } أي: يا ذوي العقول، التي تفهم عن الله آياته وعبره، وأن الذي أهلك القرون الماضية بتكذيبهم، أن من بعدهم مثلهم، لا فرق بين الطائفتين. ثم ذكر عباده المؤمنين بما أنزل عليهم من كتابه، الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ليخرج الخلق من ظلمات الكفر والجهل والمعصية، إلى نور العلم والإيمان والطاعة، فمن الناس، من آمن به، ومنهم من لم يؤمن [به]، { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا } من الواجبات والمستحبات. { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فيها من النعيم المقيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا } [أي:] ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فأولئك أصحاب النار، هم فيها خالدون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):