Verse. 5228 (AR)

٦٥ - ٱلطَّلَاق

65 - At-Talaq (AR)

رَّسُوْلًا يَّتْلُوْا عَلَيْكُمْ اٰيٰتِ اللہِ مُبَـيِّنٰتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ مِنَ الظُّلُمٰتِ اِلَى النُّوْرِ۝۰ۭ وَمَنْ يُّؤْمِنْۢ بِاللہِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُّدْخِلْہُ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَاۗ اَبَدًا۝۰ۭ قَدْ اَحْسَنَ اللہُ لَہٗ رِزْقًا۝۱۱
Rasoolan yatloo AAalaykum ayati Allahi mubayyinatin liyukhrija allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati mina alththulumati ila alnnoori waman yumin biAllahi wayaAAmal salihan yudkhilhu jannatin tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha abadan qad ahsana Allahu lahu rizqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«رسولا» أي محمدا صلى الله عليه وسلم منصوب بفعل مقدر، أي وأرسل «يتلو عليكم آيات الله مبيَّنات» بفتح الياء وكسرها كما تقدم «ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بعد مجيء الذكر والرسول «من الظلمات» الكفر الذي كانوا عليه «إلى النور» الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر» ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله» وفي قراءة بالنون «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا» هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها.

11

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَسُولاً } أي محمداً صلى الله عليه وسلم منصوب بفعل مقدّر، أي وأرسل {يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٍ } بفتح الياء وكسرها كما تقدّم {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } بعد مجيء الذكر والرسول {مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر الذي كانوا عليه {إِلَى ٱلنُّورِ } الإِيمان الذي قام بهم بعد الكفر {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَٰلِحاً يُدْخِلْهُ } وفي قراءة (ندخله) بالنون {جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَّسُولاً} جبريل عليه السلام. فيكون الذكر والرسول منزلين أو محمد صلى الله عليه وسلم تقديره وبعث رسولاً نزلت في مؤمني أهل الكتاب "ع" {الظُّلُمَاتِ} الجهل و {النُّورِ} العلم أو ظلمات المنسوخ إلى ضياء الناسخ أو الباطل إلى الحق.

البقاعي

تفسير : ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صورة سورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره لأنه خلقه لا قول له ولا فعل إلا به، فكان كأنه هو، أبدل منه قوله: {رسولاً} على أن الأمر فيه غي عن تأويل، فإن الذكر بكسر الذال في اللغة كما في القاموس من الرجال القوي الشجاع الأبي، ثم بين كونه ذكراً بقوله: {يتلوا} أي يتابع أن يقص {عليكم آيات الله} أي دلائل الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام الظاهر جداً حال كونها {مبينات} أي لا لبس فيها بوجه. ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئاً واحداً، وعلم ما في هذه المراسلة من الشرف، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال: {ليخرج الذين آمنوا} أي أقروا بالشهادتين {وعملوا} تصيدقاً لما قالوه بألسنتهم وتحقيقاً لأنه من قلوبهم {الصالحات} من الأعمال {من الظلمات} أي النفسانية والأخلاق الرذيلة المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية {إلى النور} الروحاني العقيلي الخالص الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو واحد لا شتات فيه وبين لا لبس فيه{أية : وأَن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}تفسير : [الأنعام: 153] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال الصالحة، وذلك بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهراً له في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم فيكونوا ذكراً. ولما كان التقدير: فمن آمن بالله وعمل صالحاً شاهد بركات ذلك في نفسه عاجلاً، عطف عليه بياناً لسعادة الآجلة قوله تعالى: {ومن يؤمن بالله} أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه {ويعمل} على التجديد المستمر {صالحاً} لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة، ولما كان قد تقدم قريباً في آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته، قال شارحاً لقوله:{أية : ويعظم له أجراً}تفسير : [الطلاق: 5]: {يدخله} أي عاجلاً مجازاً بما يتيح له من لذات العرفان ويفتح له من الأنس آجلاً حقيقة {جنات} أي بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار، وبين دوام ريها بقوله: {تجري} وبين انكشاف كثير من أرضها بقوله: {من تحتها} أي تحت غرفها {الأنهار} أو هو كناية عن أن أرضها في غاية الري بحيث إن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهراً، وإلى زيادة عظمتها أشارت قراءة نافع وابن عامر بنون العظمة. ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ "من" إشارة إلى أنه لا يشترط في الإيمان ولا في جزائه مشاركة أحد، وأنه لا توقف للقبول على شيء غير الوصف المذكور،جمع الحال بشارة بأن الداخلين كثير، وأن الداخل إلى دار الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك أصلاً فقال: {خالدين فيها} وأكد معنى الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال: {أبداً} ولما أعلم أن الخلود لكل الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول تنصيصاً على كل فرد إبلاغاً في عظمة هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك، منبهاً على أن هذه النتيجة من حقها أن يتوقع قولها من كل من سمع هذه البشرى: {قد أحسن الله} أي الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام {له} أي خاصة {رزقاً *} أي عظيماً عجيباً، قال القشيري: الرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها عن غير نقصان ولا يتعذب بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي. ولم تقدم أن فائدة الذكر النقل من خلق إلى خلق، وكان من المعلوم أن تحويل جبل من مكانه أيسر من تحويل شخص عن خلقه وشأنه، وتقدم أن أجر المجاهدة في ذلك الجنات الموصوفة، وكان ذلك يحتاج إلى قدرة تامة، دل على قدرته سبحانه عليه بقوله: {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة إحداها، ثم أخبر عنه بما يدل على ذلك لأن الصنعة تدل على الصانع وعلى ما له من الصفات فقال: {الذي خلق} أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال البديع القريب {سبع سماوات} أي وإنهم يشاهدون عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام العلم كامل القدرة، ثم زاد على ذلك ما أنتم أعرف به فقال: {ومن الأرض مثلهن} أي سبعاً كما دل عليه حديث سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين"حديث : من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين"تفسير : ولفظ ابن عمر رضي الله عنهما: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين، وقد تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك، وظاهره يدل على أنها كما هي مثلها في العدد فهي مثلها في الكرية وإحاطة كل واحدة منها بالتي تحتها، وأن التي نحن عليها هي السابعة العليا كالسماء السابعة التي سقفها الكرسي لأن ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم وشمول القدرة في الاستدلال عليه بقوله: {يتنزل} أي بالتدريج {الأمر} أي الذي يجود به الرحمن من التدبير من أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي {بينهن} بالوحي من السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن بلا فروج فأنفذ بينهن حتى نفذ فيهن، وذلك - والله أعلم - هو ما يريد من عظيم تدبيره بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه الأسباب إلى المسببات من المطر والنبات والليل والنهار والفصول وخلق الحيوانات والمعادن وسائر النباتات، وترديد الملائكة بسائر المصنوعات، هذا ما دل عليه ظواهر الكتاب والسنة، وأولها بعضهم بأنها سبعة أقاليم، وهو مردود بعد القاعدة في أن التأويل بغير دليل لعب بما يأتي من صريح الحديث النبوي والكلام الضابط فيما يؤول وما لا يؤول أن النقليات أربعة أقسام: قطعي السند والدلالة، ظنيهما، ظني السند قطعي الدلالة، عكسه: قطعي السند ظني الدلالة، فالأول يجب اعتقاد ظاهره، ومن خالفه كفر، والبقية يجب اعتقاد ظواهرها ما لم تعارض، فإن عورضت بقطعي وجب العدول عن الظاهر إجماعاً، فمن اعتقده كفر، ثم للناس بعد ذلك مذهبان: أما السلف فيفوضون المراد إلى الله تعالى، وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد عينوه، وإن كان ثَم محامل سردوها ولم يعينوا شيئاً منها مع اعترافهم بأنهم ليسوا على قطع من أن المراد شيء مما ذكروه، وإنما هو شيء يليق بالمقام والعلم عند الله وبأن طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه ما حملهم على التأويل إلا انتشار المبتدعين وإشهارهم بدعتهم بين الناس، قال الإمام علاء الدين القونوي رحمه الله تعالى في باب السير من شرحه الحاوي: قال الإمام - يعني إمام الحرمين: ولو بقي الناس على ما كانوا عليه من صفوة الإسلام لما أوجبنا التشاغل بعلم الكلام بل ربما نهينا عنه، وأما الآن وقد ثارت البدع فلا سبيل إلى تركها تلتطم أمواجها فلا بد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك الحق وتحل به الشبه، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبه من فروض الكفايات، ومن استراب في أصل من أصول الاعتقاد فعليه السعي في إزاحته إلى أن يستقيم عقده - انتهى. ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة فبعضهم يجريها على الظاهر وبعضهم يؤول، وذلك للاختلاف في المعارض هل هو قطعي الدلالة أم لا، وهذا الموضع منه، لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأرضين مثل السماوات في العدد في أن بينهما خلاء، وفي أن في كل واحدة مخلوقات لا يعلمها إلا الله، بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك، ولكنه لم يخرج عن أن يكون ظنياً فأكثر العلماء ومحققوهم على أن المعارض - وهو ما قاله أهل علم الهيئة من الأدلة على كونها واحدة - ليس بقطعي، فأولوا كونها سبعة بالأقاليم السبعة، وقد رأيت في التعدد حقيقة حديثاً صريحاً لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه للأسماء الحسنى قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ماء، أتدرون ما تحت ذلك، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هواء، أتدرون ما تحت ذلك: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم - حتى عد سبع أرضين"تفسير : ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه:"حديث : هل تدرون ما الذي تحتكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضاً أخرى بينهما خمسمائة سنة - حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة"تفسير : ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما بين السماء إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك، وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك ". تفسير : ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيهاً على التفكر فيها والاعتبار بها، ذكر أن ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ذاته تعالى فقال: {لتعلموا} أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد من القبيلين سبعاً كل واحدة بينها وبين الأخرى مسافة بعيدة مع الكثافة الزائدة وأنتم تعلمون أنه لا يفصل الجسم ولا سيما الكثيف عن آخر مثله إلا فاصل قاهر بقوة باهرة وقدرة ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك، فكيف إذا كان على هذا المنهاج البديع والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب الشهور والأعوام على حساب معلوم ونظام منظوم، لا يدركه إلا أعلى الناس حساباً وأعظمهم صواباً، مع المنافع التي تفضل عن سكانها، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها، وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها، فإنه لا يسع أحداً المنازعة في خلقه لها، ومن خلقها قدر على تدبيرها على الوجه المذكور، ومن كان كذلك كان منزهاً عن الشريك قطعاً، ومن كان كذلك قدر على كل شيء فلذا قال: {أن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها {على كل شيء} أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير{أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}تفسير : [الملك: 3] وإياك أن تلتفت إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم، فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي "تهديم الأركان على من قال ليس في الإمكان أبدع مما كان" وكتابي "دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان" وكتابي "إطباق الأغلال في أعناق الضلال" ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقاناً لمكره - أعاذنا الله من شره، والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره {قدير *} أي بالغ القدرة. ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء والصفات قال: {قد أحاط} لتمام قدرته {بكل شيء} مطلقاً، ولما أسند الإحاطة إليه سبحانه تعظيماً لها، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال: {علماً *} فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى، ودبروا في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله يعلم بذات الصدور.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} الرزق الحسن من الله المعرفة والمحبة والقربة والمشاهدة والمجالسة والمخاطبة مع الحق بلا ذل الحجاب ولا وحشة العتاب قال الاستاذ الرزق الحسن ما كان قدر الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن اموره بسببه ولا زيادة بشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه.

الطوسي

تفسير : قرئ {ندخله} مدني وشامي على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء بمعنى يدخل الله. والياء أشبه بما قبله. قيل فى انتصاب قوله {رسولاً} وجهان: احدهما - أن يكون بدلا من ذكر، وهو بدلا الاشتمال، ويكون الذكر القرآن، كأنه قال رسولا ذكراً. الثاني - ان يكون الذكر بمعنى الشرف، فيكون الذكر هو الرسول، كما قال {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}. تفسير : وفيه وجه ثالث وهو أنه لما قال: انزل ذكراً دل على انه جعل رسولا، وكأنه قيل وبعث رسولا كما قال الشاعر: شعر : يا رب غير آيهن مع البلى إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج اما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المغراء تفسير : لانه لما قال: إلا رواكد دل على ان بها رواكد فحمل مشجج على المعنى. وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نصباً بذكر، كأنه قال ذكر رسول، بمعنى أن ذكراً رسولا، يكون ذكر مصدر، والذي انزل جبرائيل لقوله {أية : نزل به الروح الأمين} تفسير : وقوله {يتلو عليكم} أي يقرأ عليكم آيات الله يعني دلائله وحججه مبينات أي واضحات في من يفتح الياء ومن كسرها أراد انها تبيين الآيات والتلاوة. من قولهم جاء فلان ثم تلاه فلان أي جاء بعده، ومنه قوله تعالى {أية : ويتلوه شاهد منه}تفسير : أي يأتي بعده، فالتلاوة جعل كلمة بعد كلمة على ما وضعت عليه من المرتبة في اللغة. والقراءة جمع كلمة الى كلمة بما يسمع من الحروف المفصلة، وهو قولهم قرأت النجوم إذا اجتمعت وظهرت، ويقولون: ما قرأت الناقة سلا قط أي ما جمعت رحمها على ولد. والبيان هو الأدلة. وقيل: هو ما أبان المعنى للنفس بما يفصل من غيره، وهو من قولهم: أبان العضو من غيره إذا قطعه منه. وقوله {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات} يعني ظلمات الكفر إلى نور الايمان، وذلك يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى بعث الانبياء ليكفر بهم قوم ويؤمن آخرون. وإنما خص {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} بالاخراج، لانهم الذين خرجوا بدعائهم من الكفر إلى الايمان. والنور - ها هنا - نور الحق الذي يهدي إلى الرشد والجنة، كما يهدي نور الشمس إلى المواضع المقصودة والظلمة - ها هنا - الباطل الذي يعود إلى الغي، كما يعود الظلام من مر فيه من غير دليل الى الهلاك. ثم قال {ومن يؤمن بالله} أي من يصدق بوحدانيته وإخلاص العبادة له {ويعمل صالحاً} أي يعمل الاعمال الصالحات {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} جزاء على ذلك وثواباً عليه {خالدين فيها} نصب على الحال {أبداً} أي مؤبدين لا آخر لنعيمهم {قد أحسن الله لهم رزقاً} أي اجزل الله لهم ما ينتفعون به ولا يمنعون منه، فالرزق النفع الجاري فى الحكم، فلما كان النفع للؤمنين فى الجنة جارياً فى حكم الله كان رزقاً لهم منه. وقوله {الله الذي خلق سبع سماوات} اخبار من الله تعالى انه الذي انشأ سبع سموات {ومن الأرض مثلهن} أي وخلق من الارض مثلهن فى العدد لا في الكيفية، لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض. والمثل ما سدّ مسدّ غيره فيما يرجع الى ذاته. وقوله {يتنزل الأمر بينهن} معناه يتنزل الأمر بالتدبير من الله بين السموات وبين الارضين، بحياة بعض وموت بعض، وغنى إنسان وفقر غيره، وسلامة حي وهلاك آخر، وتصريف الأمور على الحكمة لا يكون إلا من قادر عالم وهو معنى قوله {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير} فالقادر، هو من كان له مقدور يصح منه إيقاعه على بعض الوجوه كما ان السامع هو من له مسموع موجود والقدير عبارة عمن يجب أن يكون قادراً على ما يصح ان يكون مقدوراً له كـ {سميع} يفيد أنه على صفة يجب ان يسمع لأجلها ما يصح ان يكون مسموعاً. وقوله {وإن الله قد أحاط بكل شيء علماً} معناه إن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته منه شيء، ومثله {أية : ولا يحيطون به علماً}تفسير : أي إنه ليس بمنزلة ما يحضره العلم بمكانه، فيكون كأنه قد احاط به وقوله {أية : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}تفسير : معناه ولا يحيطون بشيء من معلومه إلا بما شاء أن يضطرهم اليه أو يدلهم عليه، فهو تذكير بالنعمة أي لا ينالون هذه المنزلة إلا بمشيئة، ولولا ذلك لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا بما شاء، لكن لما دخل التذكير بالنعمة حسن من هذه الجهة وليس فى القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع، غير هذه - ذكره الجبائي - وقوله {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير} دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله أراد من قوم أن يجهلوا كونه على هذه الصفة، لانه تعالى بين انه ذكر ما تقدم وصفه ليعلم المكلفون أجمعون {أن الله على كل شيء قدير وان} تعالى قادر {قد أحاط بكل شيء علماً} وعلى مذهب المجبرة إن الله تعالى أراد من جماعة الكفار خلاف ذلك وأراد منهم ان يجهلوه ويجهلوا صفاته وذلك خلاف الظاهر. وقوله {علماً} نصب على المصدر ودل عليه قوله تعالى {أحاط بكل شيء علماً} كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الأعقم

تفسير : {رسولاً} قيل: عظة يذكرونه، وقيل: هو القرآن، وقيل: الذكر هو الرسول، أي زمن لا يذكر قيل: هو محمد، وقيل: هو جبريل، وقيل: هو قد تم الكلام على قوله: {ذكراً}، وقيل: أنزل ذكراً وأرسل رسولاً، وقيل: شرفا وإنه لذكر لك ولقومك وقوله: {يتلو عليكم آيات الله مبينات} وهو القرآن {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} قيل: من ظلمة الكفر إلى نور الايمان {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً} يعني ما يعطيهم أحسن ما أعطى أحد {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قيل: سبع أرضين، وقيل: هي طباق قيل: أن ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وقيل: أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك والأرضين مثل السماوات {يتنزّل الأمر بينهن} أي يجري أمر الله وحكمه بينهن وملكه يندق بينهن، وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه وقرأ ينزل الأمر بينهن، وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله: هل تحت الأرضين خلق؟ قال: نعم، قال: فما هم الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جنّ {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً}.

اطفيش

تفسير : {رَّسُولاً} تجريد وترشيح لغوي أو مجازا بالارسال فان انزال الوحي سبب لارساله وقيل الذكر القرآن والرسول نبينا صلى الله عليه وسلم وهو مفعول لمحذوف مع عاطف أي وارسل رسولا قيل هذا ابين الاقوال. وقيل مفعول لذكرا على ان رسولا نبينا وذكرا تكلم أو تشريف أو بدل من ذكر على ان المراد به جبريل لانه وصف بتلاوة الآيات فكان انزاله في معنى انزال الذكر أي القرآن أو بدل منه على معنى الرسالة وقرىء بالرفع أي هو رسول. {يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ} بفتح الياء وكسرها والجملة نعت رسولا أو حال من فاعل انزل معنى الكسر انهن يبينن الحلال والحرام وغيرهما ومعنى الفتح انهن قد اوضحهن الله. {لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ} الكفر والمعاصي {إِلَى النُّورِ} الايمان والطاعة فالمراد ليحصل لمن قدر في علمه عز وجل انه يؤمن ويعمل ما هم عليه لأن من الايمان والعمل وهم وقت النزول في الظلمات أو ليديمه لهم وهذا بالنظر الى من آمن وقت النزول أو قبله لا يعده أو اراد بالظلمات الجهل وبالنور العلم شبه جهل المؤمنين بالظلمات ولو كانوا لا يؤاخذون به لانه قبل النزول. {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ} وقرأ غير ابن عامر ونافع بالياء {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ رِزْقاً} تعجيب وتعظيم لما رزق المؤمنون من الثواب في الجنة والجملة حال من المستتر في ندخله او من الهاء أو من ضمير خالدين أو ضمير فيها أو مستأنفة وفي ذلك التفات على قراءة النون وقيل اراد بالرزق انه رزقه طاعة في الدنيا وثوابا في الاخرة.

اطفيش

تفسير : {رَّسُولاً} بدل من ذكر أو يجوز إِبقاء الإِنزال على حقيقته فيكون ذكراً بمعنى القرآن ورسولا تابع كذلك على حذف مضاف أى ذا رسول أو ذكر رسول. {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ} الجملة نعت رسولا {لِّيُخْرِجَ} متعلق بأَنزل والضمير عائد إِلى الله أو بيتلو والضمير إِلى الرسول أو إِلى الله تعالى وإِسناد الإِخراج إِلى الرسول مجاز للتسبب. {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} حصل لهم الإِيمان والعمل بعد إِنزال الذكر وقبل نزول الآية فالإِيمان والعمل الحاصلان لهم لم يكونا لهم قبل وكانا بالإِخراج بعد أو المعنى من قضى الله أن يؤمن ويصلح. {مِنَ الظُّلُمَاتِ} استعارة تصريحية للشرك والمعاصى لجامع الإِضرار. {إِلَى النُّورِ} إِلى الدين الحق استعار له لفظ النور استعارة تصريحية لجامع النفع. {ومَنْ يُؤْمِن باللهِ وَيَعْمَلُ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبَدًا} خالدين حال من الهاء باعتبار وقوعها على جماعة، ولو أفرد لفظها باعتبار لفظ من، كما اعتبر لفظه فى يؤمن ويعمل والهاء فى قوله تعالى: {قَدْ أحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا} وهذه الجملة حال من الهاء أيضاً أو من المستتر فى خالدين، وشهر أَنَّ مراعاة اللفظ ثم مراعاة المعنى جائزة بلا ضعف بخلاف مراعاة المعنى ثم مراعاة اللفظ فإِنها لا تجوز أو ضعيفة وعلى جوازها بلا ضعف يعود هاء له إِلى (من) مراعاة للفظ بعد عود خالدين إِلى معناها، وذلك معتبر ولو بين كلامين لا مخصوص بكلام واحد فلا يكفى فى الجواب أن خالدين معتبر بهاء ندخله لا بمن ومعلوم أن من فى الجنة له الرزق الحسن ولكن أفادت هذه الجملة أن الله أحسن له الجزاء على إِيمانه وعمله، وأن رزق الجنة عظيم بحيث يتعجب منه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {رَسُولاً } بدلاً منه؛ وعبر عن إرساله بالإنزال ترشيحاً للمجاز، أو لأن الإرسال مسبب عنه فيكون { أية : أَنَزلَ } تفسير : [الطلاق: 10] مجازاً مرسلاً، وقال أبو حيان: الظاهر أن الذكر هو القرآن، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فإما أن يجعل نفس الذكر مجازاً أو يكون بدلاً على حذف مضاف أي ذكر رسول، وقيل: هو نعت على حذف ذلك أي ذا رسول، وقيل: المضاف محذوف من الأول أي ذا ذكر رسولاً فيكون {رَسُولاً } نعتاً لذلك المحذوف أو بدلاً، وقيل: {رَسُولاً } منصوب بمقدر مثل أرسل رسولاً دل عليه {أَنَزلَ}، ونحا إلى هذا السدي واختاره ابن عطية، وقال الزجاج وأبو علي: يجوز أن يكون معمولاً للمصدر الذي هو ذكر كما في قوله تعالى: { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14-15]، وقول الشاعر: شعر : بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل تفسير : أي أنزل الله تعالى ذكره رسولاً على معنى أنزل الله عز وجل ما يدل على كرامته عنده وزلفاه. ويراد به على ما قيل: القرآن وفيه تعسف، ومثله جعل {رَسُولاً } بدلاً منه على أنه بمعنى الرسالة، وقال الكلبـي: الرسول هٰهنا جبريل عليه السلام، وجعل بدلاً أيضاً من { أية : ذِكْراً } تفسير : [الطلاق: 10] وإطلاق الذكر عليه لكثرة ذكره فهو من الوصف بالمصدر مبالغة ـ كرجل عدل ـ أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، فبينهما ملابسة نحو الحلول، أو لأنه عليه السلام مذكور في السماوات وفي الأمم، فالمصدر بمعنى المفعول كما في درهم ضرب الأمير، وقد يفسر الذكر حينئذ بالشرف كما في قوله تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] فيكون كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله عز وجل كقوله تعالى: { أية : عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } تفسير : [التكوير: 20] / وفي «الكشف» إذا أريد بالذكر القرآن وبالرسول جبريل عليه السلام يكون البدل بدل اشتمال، وإذا أريد بالذكر الشرف وغيره يكون من بدل الكل فتدبر. وقرىء (رسول) على إضمار هو. وقوله تعالى: {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ } نعت ـ لرسولاً ـ وهو الظاهر، وقيل: حال من اسم {ٱللَّهِ } تعالى، ونسبة التلاوة إليه سبحانه مجازية كبني الأمير المدينة، و {ءَايَٰتِ اللهِ} القرآن، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر على أحد الأوجه، و {مُبَيّنَـٰتٍ } حال منها أي حال كونها مبينات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. وقرىء {مُبَيّنَـٰتٍ } أي بينها الله تعالى كقوله سبحانه: { أية : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ } تفسير : [آل عمران: 118]. واللام في قوله تعالى: {لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } متعلق ـ بأنزل ـ أو ـ بيتلو ـ وفاعل يخرج على الثاني ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام أو ضميره عز وجل. والمراد بالموصول المؤمنون بعد إنزال الذكر وقبل نزول هذه الآية؛ أو من علم سبحانه وقدر أنه سيؤمن أي ليحصل لهم الرسول أو الله عز وجل ماهم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم وقدر أنه يؤمن من أنواع الضلالات إلى الهدى، فالمضي إما بالنظر لنزول هذه الآية أو باعتبار علمه تعالى وتقديره سبحانه الأزلي. {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وقرأ نافع وابن عامر ـ ندخله ـ بنون العظمة. وقوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } حال من مفعول {يُدْخِلْهُ } والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وقوله تعالى: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } حال أخرى منه أو من الضمير في {خَـٰلِدِينَ } بطريق التداخل، وإفراد ضمير {لَهُ } باعتبار اللفظ أيضاً، وفيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزقه الله تعالى المؤمنين من الثواب وإلا لم يكن في الإخبار بما ذكر هٰهنا كثير فائدة كما لا يخفى. واستدل أكثر النحويين بهذه الآية على جواز مراعاة اللفظ أولاً ثم مراعات المعنى ثم مراعات اللفظ، وزعم بعضهم أن ما فيها ليس كما ذكر لأن الضمير في {خَـٰلِدِينَ } ليس عائداً على (من) كالضمائر قبل، وإنما هو عائد على مفعول ـ يدخل ـ و {خَـٰلِدِينَ } حال منه، والعامل فيها ـ يدخل ـ لا فعل الشرط وهو كما ترى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتْلُواْ} {آيَاتِ} {مُبَيِّنَاتٍ} {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {صَالِحاً} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (11) - وَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى إِليكُمْ، يَا ذَوِي الأَلْبَابِ وَالبَصَائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ القُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ لِمَنْ يَتَدَبَّرُهَا وَيَعْقِلُهَا، لِيُخْرِجَ مَنْ لَدِيهِ اسْتِعْدَادٌ لِلْهُدَى مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ، إِلَى نُورِ الإِيْمَانِ، وَمَنْ يَهْتَدِ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ فَإِنَّ اللهَ يُدْخِلُهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا وَيَبْقَى خَالداً فِيهَا، وَيُوَسِّعُ لَهُ فِيهَا فِي الرِّزْقِ الحَسَنِ مِنْ جَمِيعِ مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ. رَسُولاً - وَأَرْسَلَ رَسُولاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {رَّسُولاً} [الطلاق: 11]، يعني: الوارد رسولاً يدل على الذكر يعني: أنزل الله إليكم رسولاً وهو اللطيفة المبلغة {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} [الطلاق: 11]، يعني: يتلو عليكم آيات أنفسكم مبينات بحيث تشاهدونها في أنفسكم. {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} [الطلاق: 11]، يعني: يخرج القوى المؤمنة التي اشتغلت بالأعمال الصالحة لها في دار البقاء من ظلمات القالب والطبيعة إلى نور العقل والنور {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً} [الطلاق: 11]، القوى القالبية {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الطلاق: 11]، يعني: يدخله جنات القلب التي تجري من تحتها أنهار المعرفة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} [الطلاق: 11]، من عنده مثل مشاهدة جماله. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} [الطلاق: 12]، أطوار القلب {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12]، أي من القالب سبعة أعضاء {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} [الطلاق: 12]، يعني: الأمر السماوي وقت التدبير ينزل إلى الأرض ويحصل من القوى الأرضية استعداد العروج، ويعرج إلى الحضرة الربانية كما بينا في كثير من [مولاتِنا] حقيقة النزول وحكمة العروج {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12]، يعني: يقدر على أن يدع الأمر في ظلمات الأرض ليكسب [الاستعداد] ويدس أنواره السماوية في تراب الطبيعة وتهوي إلى أسفل الدركات، ويقدر أن يحدث الاستعدادات القالبية الظلمانية بقوة الأمر من أسفل سافلين الدركات الطبيعية الجسمانية إلى أعلى عليين الروحية الرحمانية {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق: 12]، يعني: ليعلموا أن علم الله محيط بالأرضيات والسماويات، يعلم استعداد [كل] لطيفة أرضية خلقية، ولطيفة سماوية أمرية، ويستعملها على قدر استعدادها، وهو غالب على أمره، حاكم في ملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، اللهم لا تلكنا إلى أنفسنا ولا تجعلنا مقيدين بقيد الطبيعة، [مغلولين] في أسر الهوى، وثبتنا على متابعة المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء.