٦٥ - ٱلطَّلَاق
65 - At-Talaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الكلبي: خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة، ومن الأرض مثلهن في كونها طباقاً متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة وطبقة طينية، وهي غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها في البحر وبعضها في البر وهي المعمورة، ولا بعد في قوله: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات، وسبع كواكب فيها وهي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل، وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال: السموات السبع أولها: موج مكفوف وثانيها: صخر وثالثها: حديد ورابعها: نحاس وخامسها: فضة وسادسها: ذهب وسابعها: ياقوت، وقول من قال: بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر(اً)، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو. فقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ } مبتدأ وخبر، وقرىء {مِثْلَهُنَّ } بالنصب عطفاً على {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } وبالرفع على الإبتداء وخبره {مِّنَ ٱلأَرْضِ }. وقوله تعالى: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء، وقال مقاتل: يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلاً وقال قتادة: في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه، وقرىء {يُنَزّلٍ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } قوله تعالى: {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قرىء {لِيَعْلَمُواْ } بالياء والتاء أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات والأرض، وما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء عما أراده وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من قبل ما تقدم ذكره {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا } يعني بكل شيء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} دلّ على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة. ولا خلاف في السموات أنها سبع بعضها فوق بعض؛ دلّ على ذلك حديثُ الإسراء وغيره. ثم قال: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} يعني سبعاً. واختلف فيهنّ على قولين: أحدهما ـ وهو قول الجمهور ـ أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات. والأوّل أصحّ؛ لأن الأخبار دالّة عليه في الترمذي والنسائيّ وغيرهما. وقد مضى ذلك مبَيّناً في «البقرة». وقد خرّج أبو نعيم قال: حدّثنا محمد بن عليّ بن حُبيش قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق السراج، (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حبان قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: حدّثنا سُويد بن سعيد قال حدّثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالذي فلق البحر لموسى: أن صُهَيْباً حدّثه حديث : أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها:«اللَّهُمّ رَبَّ السموات السبع وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِين السبع وما أقْلَلْنَ ورَبَّ الشياطين وما أضْلَلْنَ ورب الرياح وما أذْرَيْنَ إنا نسألك خيرَ هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها»تفسير : . قال أبو نعيم: هذا حديث ثابت من حديث موسى بن عقبة تفرّد به عن عطاء. روى عنه ابن أبي الزناد وغيرُه. وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أخذ شِبرا من الأرض ظلما فإنه يُطَوَّقه يوم القيامة من سبع أرضِين» تفسير : ومثله حديث عائشة، وأبين منهما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يأخذ أحدٌ شبراً من الأرض بغير حقّه إلا طوّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة»تفسير : . قال الماوردِيّ: وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميّز. وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما ـ أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها. وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والقول الثاني ـ أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدّونه. وهذا قول من جعل الأرض كالكُرَة. وفي الآية قول ثالث حكاه الكَلْبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة؛ ليس بعضها فوق بعض، تفرّق بينها البحار وتُظِلّ جميعَهم السماءُ. فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى أحتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم؛ لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عمّ حكمه، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها وارداً، ولكان صلى الله عليه وسلم بها مأموراً. والله أعلم ما استأثر بعلمه، وصواب ما اشتبه على خلقه. ثم قال: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} قال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات السبع إلى الأرضين السبع. وقال الحسن: بين كل سماءين أرضٌ وأمر. والأمر هنا الوحي؛ في قول مقاتل وغيره. وعليه فيكون قوله: {بَيْنَهُنَّ} إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: الأمر القضاء والقدر. وهو قول الأكثرين. فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: {بَيْنَهُنَّ} إشارة إلى ما بين الأرض السُّفْلَى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} بحياة بعض وموت بعض وغِنَى قومٍ وفقر قوم. وقيل: هو ما يُدَبّر فيهنّ من عجيب تدبيره؛ فينزل المطر ويُخرج النبات ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها؛ فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كَيْسان: وهذا على مجال اللغة واتساعها؛ كما يقال للموت: أمْرُ الله؛ وللريح والسحاب ونحوها. {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن؛ وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومُكْنَته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته. ونصب «عِلْماً» على المصدر المؤكد؛ لأن «أَحَاطَ» بمعنى علم. وقيل: بمعنى وأن الله أحاط إحاطةً عِلْماً. ختمت السورة بحمد الله وعونه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قدرته التامة وسلطانه العظيم؛ ليكون ذلك باعثاً على تعظيم ما شرع من الدين القويم: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ} كقوله تعالى إخباراً عن نوح: أنه قال لقومه: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقاً}تفسير : [نوح: 15]، وقوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} تفسير : [الإسراء: 44] وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي: سبعاً أيضاً كما ثبت في الصحيحين: «حديث : من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين» تفسير : ، وفي صحيح البخاري: «حديث : خسف به إلى سبع أرضين» تفسير : ، وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول "البداية والنهاية" عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة. ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم، فقد أبعد النَّجعة وأغرق في النزع وخالف القرآن والحديث بلا مستند، وقد تقدّم في سورة "الحديد" عند قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ} تفسير : [الحديد: 3] ذكر الأرضين السبع، وبعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام. وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا في الحديث الآخر: «حديث : ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن، والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها. وحدثنا ابن حميد: حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي الأشعري عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم. وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا علي بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. ثم رواه البيهقي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال: في كل أرض نحو إبراهيم عليه السلام. ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً، والله أعلم. قال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه التفكر والاعتبار: حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان عن عثمان بن أبي دهرش قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون، فقال: «حديث : ما لكم لا تتكلمون؟» تفسير : فقالوا: نتفكر في خلق الله عز وجل، قال: «حديث : فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب أرضاً بيضاء نورها بياضها ــــ أو قال: بياضها نورها ــــ مسيرة الشمس أربعين يوماً بها خلقُ من خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط» تفسير : ، قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: «حديث : ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق؟» تفسير : ، قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: «حديث : لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق؟» تفسير : وهذا حديث مرسل وهو منكر جداً، وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فقال: روى عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص وعنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سليم الطائفي وابن المبارك، سمعت أبي يقول ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } يعني سبع أرضين {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ } الوحي {بَيْنَهُنَّ } بين السموات والأرض: ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة {لِّتَعْلَمُواْ } متعلق بمحذوف، أي أعلمكم بذلك الخلق والتنزيل {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَاً }.
الماوردي
تفسير : {اللَّهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمواتٍ} لا اختلاف بينهم في السموات السبع أنها سماء فوق سماء. ثم قال {ومِنَ الأرْضِ مثْلَهنّ} يعني سبعاً، واختلف فيهن على قولين: أحدهما: وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، وجعل في كل أرض من خلقه من شاء، غير أنهم تقلّهم أرض وتظلهم أخرى، وليس تظل السماء إلا أهل الأرض العليا التي عليها عالمنا هذا، فعلى هذا تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا ولا تلزم من غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز. وفي مشاهدتهم السماء واستمداد الضوء منها قولان: أحدهما: أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والقول الثاني: أنهم لا يشاهدون السماء وإن اللَّه خلق لهم ضياء يستمدونه، وهذا قول من جعل الأرض كالكرة. القول الثاني: حكاه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينهن البحار وتظل جميعن السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل هذه الأرض وصول للأخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمت لكان النص بها وارداً ولكان الرسول بها مأموراً، واللَّه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه وصواب ما اشبته على خلقه. ثم قال تعالى {يتنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ} فيه وجهان: أحدهما: الوحي، قاله مقاتل، فعلى هذا يكون قوله {بينهن} أشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هى أعلاها. الوجه الثاني: أن المراد بالأمر قضاء اللَّه وقدره، وهو قول الأكثرين، فعلى هذا يكون المراد بقوله " بينهن" الإشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. ثم قال {لِيْعَلموا أنَّ اللَّهَ على كل شىءٍ قديرٌ} لأن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكنْ، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته. {وأنَّ اللَّه قد أحاط بكل شىءٍ عِلْماً}أوجب التسليم بما تفرد به من العلم كما أوجب التسليم بما تفرد به من القدرة، ونحن نستغفر اللَّه من خوض فيما اشتبه وفيما التبس وهو حسب من استعانه ولجأ إليه.
ابن عطية
تفسير : لا خلاف بين العلماء أن السموات سبع، لأن الله تعالى قال: {أية : سبعاً طباقاً} تفسير : [الملك: 3، نوح: 15] وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهن في حديث الإسراء،حديث : وقال لسعد: "حكمت بحكم الملك من فوق سبع أرقعة" تفسير : ،ونطقت بذلك الشريعة في غير ما موضع، وأما {الأرض} فالجمهور على أنها سبع أرضين، وهو ظاهر هذه الآية، وأن المماثلة إنما هي في العدد، ويستدل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من غصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين" تفسير : ،إلى غير هذا مما وردت به روايات، وروي عن قوم من العلماء أنهم قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جرمها، وقر أن فيها عالماً يعبد كما في كل سماء عالم يعبد، وقرأ الجمهور: "مثلَهن" بالنصب، وقرأ عاصم: "مثلُهن" برفع اللام، و {الأمر} هنا الوحي وجميع ما يأمر به تعالى من يعقل ومن لا يعقل، فإن الرياح والسحاب وغير ذلك مأمور كلها، وباقي السورة وعظ، وحض على توحيد لله عز وجل، وقوله تعالى: {على كل شيء قدير} عموم معناه الخصوص في المقدورات، وقوله {بكل شيء} عموم على إطلاقه.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} اتفقوا أن السموات بعضها فوق بعض {وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينهن البحار ويظل جميعهن السماء "ع" وقال الجمهور سبع أرضين بعضها فوق بعض في كل أرض خلق تقلهم تلك الأرض وتظلهم أرض أخرى ولا تصل إلينا إلا الأرض العليا التي نحن عليها فعلى هذا إن كان منهم من يعقل فلا يلزمه دعوة الإسلام ولهم ضياء خلقه الله تعالى في أراضيهم عند من رأى الأرض كرية فلا يشاهدون السماء أو يشاهدونها من كل جوانب أرضهم فيرون منها الضياء عند من رأى الأرض منبسطة. {الأَمْرُ} الوحي {بَيْنَهُنَّ} الأرض العليا والسماء السابعة وقال الأكثر الأمر قضاؤه وقدره {بَيْنَهُنَّ} بين أقصى الأرضين والسماء العليا {لِتَعْلَمُواْ} خلق هذا الملك العظيم لتعلموا أنه قادر على كل شيء قدير وإنها على ما بينهما من الخلق أقدر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} لا خلافَ بين العلماءِ أن السمٰواتِ سَبْعٌ وأمّا الأرْضُ فالجمهورُ: على أنها سَبْع أَرْضِينَ، وهو ظاهرُ هذهِ الآيةِ، وإنما المُمَاثَلَةُ في العددِ، ويُبَيِّنُه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ: «حديث : مَنْ غَصَبَ شِبْراً مِنْ أرْضٍ طَوَّقَه اللَّه مِنْ سَبْعِ أرضِينَ»تفسير : ، إلى غير هذا مما وردت به الرواياتُ، ورُوِيَ عن قومٍ مِنَ العلماءِ أنهم قَالوا: الأرضُ واحِدَةٌ وهي مماثلةٌ لكلِّ سَماءٍ بانْفِرَادِها في ارتفاع جُرْمِها، وفي أن فيها عَالماً يعبُدُ اللَّهَ كما في كلِّ سَمَاءٍ عَالَمٌ يعبُد اللَّه. وقوله سبحانه: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} الأمْرُ هنا يعُمُّ الوحيَ وجميعَ ما يأمُرُ به سبحانه من تَصْرِيف الرياحِ، والسحابِ، وغير ذلك من عجائب صنعه؛ لاَ إلٰه غيرُه، وبَاقِي السُّورَةِ وَعْظٌ وحَضٌ على توحيدِ اللَّه ـــ عز وجل ـــ. وقوله: {عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ في المقدوراتِ. وقوله: {بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا} عمومٌ عَلى إطْلاَقِه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}. يدّل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة، ولا خلاف في أن السماوات سبع بعضها فوق بعض بدليل حديث الإسراء وغيره، وقوله: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} يعني سبعاً، واختلف فيهن. فقال الجمهور: إنها سبع أرضين مطبقاً بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كلِّ مكان من خلق الله. وقال الضحاك: {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي: سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها فوق بعض من غير فُتُوق بخلاف السماوات. قال القرطبي: والأول أصحّ؛ لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري وغيره، روى أبو مروان عن أبيه:"حديث : أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللَّهُمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبعِ ومَا أظْللْنَ، وربَّ الأرضينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطينِ وما أضللنَ، وربَّ الرِّياحِ وما أذررْنَ، إنَّا نَسْألُكَ خَيْر هذهِ القريةِ وخَيْرَ أهْلِهَا، ونَعُوذُ بِكَ من شرِّها وشرِّ أهلهَا، ومن شرِّ مَنْ فيهَا" ". تفسير : وروى مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَن ظَلَمَ قِيْدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طُوِّقه يَوْمَ القيامَةِ من سَبْعِ أرضينَ ". تفسير : قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة أهل الإسلام بإهل الأرض العليا ولا يلزم فيمن غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز، وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما: أنهم يشاهدون من كل جانب من أرضهم، ويستمدّون الضياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، وهذا قول من جعل الأرض كرة. وحكى الكلبي عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار، وتظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى، احتمل أن يلزمهم دعوة الإسلام لإمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل ألا يلزمهم دعوة الإسلام؛ لأنها لو لزمتهم لكان النصُّ بها وارداً، ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأموراً بها. قال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاكَ، ففلك القمر بالنسبة إلى السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض وكذلك البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء وبالنسبة إلى ما فوقه أرض، فعلى هذا تكون السماوات السَّبع وهذه سبع سماوات وسبع أرضين. قوله: {مِثْلَهُنَّ}. قرأ العامَّة: بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على سبع سموات. قاله الزمخشري. واعترض عليه أبو حيَّان بلزوم الفصل بين حرف العطف، وهو على حرف واحد وبين المعطوف بالجار والمجرور، وهو مختص بالضرورة عند أبي علي. قال شهاب الدين: وهذا نظير قوله: {أية : آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : [البقرة: 201] عند ابن مالك، وتقدم تحريره في سورة البقرة والنساء، وهو عند قوله: {أية : وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [النساء: 58]، {أية : وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71]. والثاني: أنه منصوب بمقدر بعد الواو، أي: خلق مثلهن من الأرض. واختلف الناس في المثليَّة. فقيل: مثلها في العدد. وقيل: في بعض الأوصاف؛ فإن المثليَّة تصدق بذلك، والأول المشهور. وقرأ عاصم في رواية: "مثلُهنَّ" بالرفع على الابتداء، والجار قبله خبره. قوله: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}. يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون نعتاً لم قبله. قاله أبو البقاء. وقرأ أبو عمرو في رواية، وعيسى: "يُنَزِّلُ" بالتشديد، أي: الله، "الأمْرَ" مفعول به. والضميرُ في "بَيْنَهُنَّ" عائد على "السَّماواتِ والأرضين" عند الجمهور، أو على السمواتِ والأرض عند من يقول: إنها أرض واحدة. وقوله: {لِتَعْلَمُوۤاْ}: متعلق بـ"خَلَقَ" أو بـ"يَتَنَزَّل". والعامة: "لتعْلَمُوا" بتاء الخطاب، وبعضهم بياء الغيبة. فصل في تفسير الآية قال مجاهدٌ: يتنزل الأمرُ من السماوات السبع إلى الأرضين السبع. وقال الحسنُ: بين كل سماءين أرض وأمر. والأمر هنا الوحي في قول مقاتل وغيره، وعلى هذا يكون "بَيْنَهُنَّ" إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها، وبين السابعة التي هي أعلاها. وقيل: الأمر هنا القضاء والقدر، وهو قول الأكثرين، فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: {بَيْنَهُنَّ} إشارة إلى ما بين الأرض السُّفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} بحياة بعض، وموت بعض، غِنَى قوم، وفقر قوم. وقيل: ما يُدَبِّرُ فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطرُ، ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا على اتساعِ اللغةِ، كما يقال للموت: أمر اللَّهِ، وللريح والسَّحاب ونحوهما. قال قتادةُ: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره وقضاء من قضائه. {لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، أي: من قدر على هذا الملك العظيم، فهو على ما بينهما من خلقه أقدر من العفو، والانتقام أمكنُ، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته، {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}، فلا يخرج شيء عن علمه وقُدرته. ونصب "عِلْماً" على المصدر المؤكد؛ لأن "أحَاطَ" بمعنى "عَلِمَ". وقيل: بمعنى: وأن الله أحاط إحاطة. روى الثعلبيُّ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ } ماتَ علَى سُنَّةِ رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ".
ابو السعود
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} مبتدأٌ وخبرٌ {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} أي خلقَ من الأرضِ مثلَهُنَّ في العددِ. وقُرِىءَ مثلهُن بالرفعِ على أنه مبتدأٌ ومِنَ الأرضِ خبرُهُ واختلفَ في كيفيةِ طبقاتِ الأرضِ فالجمهورُ على أنها سبعُ أرضينَ طباقاً بعضُها فوقَ بعضٍ بـين كلِّ أرضٍ وأرضٍ مسافةٌ كما بـينَ السماءِ والأرضِ وفي كلِّ أرضٍ سكانٌ من خلقِ الله تعالَى وقالَ الضحاكُ مطبقةٌ بعضُها فوقَ بعضٍ من غيرِ فتوقٍ بخلافِ السمواتِ قال القرطبـيُّ والأولُ أصحُّ لأنَّ الأخبارَ دالةٌ عليهِ كما رَوَى البخاريُّ وغيرُه مِنْ « حديث : أنَّ كعباً حلفَ بالذي فلقَ البحرَ لمُوسى أنَّ صُهيباً حَدَّثهُ أنَّ النبـيَّ صلى الله عليه وسلم لم يرَ قريةً يريدُ دخولَها إلا قالَ حينَ يراهَا اللَّهم ربِّ السمواتِ السبعِ وما أظللنَ وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللنَ وربَّ الشياطينِ وما أضللنَ وربَّ الرياحِ وما أذرينَ نسألُكَ خيرَ هذه القريةِ وخيرَ أهلِهَا ونعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ مَنْ فيهَا » تفسير : وعن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُما أنَّ نافعَ بنَ الأزرقِ سأَلهُ هلْ تحتَ الأرضينَ خلقٌ قالَ نعمْ قالَ فما الخلقُ قال إما ملائكةٌ أو جنٌّ. قال الماورديُّ وعَلى هَذا تختصُّ دعوةُ الإسلامِ بأهلِ الأرضِ العُليا دونَ مَنْ عداهُم وإنْ كانَ فيهنَّ منْ يعقلُ منْ خلقٍ وفي مشاهدتِهِم السماءَ واستمدادِهِم الضوءَ منهَا قولانِ أحدُهما أنهم يشاهدونَ السماءَ من كُلِّ جانبٍ من أرضِهِم ويستمدونَ الضياءَ منهَا والثاني أنهم لا يشاهدونَ السماءِ وأنَّ الله تعالَى خلقَ لهم ضياءً يشاهدُونَهُ. وحَكَى الكلبـيُّ عن أبـي صالحٍ عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُما أنها سبعُ أرضينَ متفرقةٌ بالبحارِ وتُظِلُّ الجميعَ السماءُ {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي يَجْرِي أمرُه وقضاؤُه بـينهنَّ وينفذُ ملكُهُ فيهنَّ، وعن قَتَادَةَ: في كلِّ سماءٍ وفي كلِّ أرضٍ خلقٌ من خلقِه وأمرٌ من أمرِه وقضاءٌ من قضائِه، وقيلَ هو مَا يُدبرُ فيهنَّ من عجائبِ تدبـيرِه. وقُرِىءَ ينزلُ الأمرُ {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} متعلقٌ بخلقَ أو بـيتنزلُ أو بمضمرٍ يعمُّهمَا أيْ فعلَ ذلكَ لتعلَمُوا أنَّ منْ قدرَ على ما ذُكرَ قادرٌ على كلِّ شيءٍ {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا} لاستحالةِ صدورِ الأفاعيلِ المذكورةِ ممن ليسَ كذلكَ ويجوزُ أن يكونَ العاملُ في اللامِ بـيانَ ما ذُكرَ من الخلق وتنزّلِ الأمرِ أيْ أَوْحى ذلكَ وبـيَّنهُ لتعلمُوا بما ذكرَ من الأمورِ التي تشاهدونَها والتي تتلقَّونها من الوحي من عجائبِ المصنوعاتِ أنه لا يخرجُ عن قدرتِهِ وعلمِهِ شيءٌ ما أصلاً وقُرِىءَ ليعلمُوا. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : منْ قرأَ سورةَ الطلاقِ ماتَ على سنةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الآية: 12]. قال ابن عطاء: أحاط علمه بالأشياء لأنه أوجدها ولم يحط أحد به علمًا لامتناع الأزل أن يلحقه شىء من الحوادث.
القشيري
تفسير : خَلَقَ سبعَ سماواتٍ، وخَلَقَ ما خَلَقَ وهو مُحِقٌّ فيما خَلَقَ وأمر، حتى نعلم استحقاقَ جلالهِ وكمالَ صفاته، وأنه أمضى فيما قضى حُكماً، وأنه أحاط بكل شيء علماً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لو كانت للاشباح قيمة فى المعرفة كالارواح فى الخطاب بلا علة فى تعريف نفسه اياها بقوله الست بربكم هناك خطاب وشهود وتعريف بغير علة فلما علم عجزها عن حمل وارد الخطاب الصرف احالها الى الشواهد بقوله {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ} ليس بعارف فى الحقيقة عرفه بشئ من الاشياء او بسبب من الاسماء فمن نظر الى خلق الكون يعرف انه ذو قدرة واسعة وذو احاطة شاملة فيخاف من قهره بعلمه فى رؤية اطلاع الحق عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله الذى} الخ مبتدأ وخبر اى الملك القادر الذى {خلق سبع سموات} بيافريد فت آسمان بعضى بالاى بعض. نكرها للتعظيم المفيد لكمال قدرة صانعها او لكفايته فى المقصود من اثبات قدرته الكاملة على وفق حكمته الشاملة وذلك يحصل باخبار خلقه تعالى سبع سموات من غير نظر الى التعيين {ومن الارض} اى وخلق من الارض {مثلهن} اى مثل السموات السبع فى العدد والطباق وبالفارسية وبيافريد از زمين مانند آسمانها بعضى درتحت بعض. فقوله مثلهن منصوب بفعل مضمر بعد الواو دل عليه الناصب لسبع سموات وليس بمعطوف على سبع سموات لانه يستلزم الفصل بين حرف العطف وهو صرف واحد وبين المعطوف بالجار والمجرور وصرح سيبويه وابو على بكراهيته فى غير موضع الضرورة واختلف فى كيفية طبقات الارض فالجمهور على انها سبع ارضين طبقا بعضها فوق بعض بين كل ارض وارض مسافة كما بين السماء والارض وفى كل ارض سكان من خلق الله وقال الضحاك مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتوق وفرجة اى سوآء كان بالبحار او بغيرها بخلاف السموات قال القرطبى والاول الاصح لان الاخبار دالة عليه كما روى البخارى وغيره من ان كعبا حلف بالذى فلق البحر لموسى حديث : ان صهيبا حدثه ان النبى عليه السلام لم ير قرية يريد دخولها الا قال حين يراها اللهم رب السموات السبع وما اظللن ورب الارضين السبع وما اقللن ورب الشياطين وما اضللن ورب الرياح وما اذرين نسألك من خير هذه القرية وخير اهلها وخير من فيها ونعوذ بك من شرها وشر اهلها وشر من فيها تفسير : (روى) شيبان ابن عبد الرحمن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة رضى الله عنه قال بينهما النبى عليه السلام جالس اذا أتى عليهم سحاب فقال حديث : هل تدرون ما هذا العنانتفسير : قالوا الله ورسوله اعلم قال حديث : هذه زوايا الارض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يدعونهتفسير : ثم قال حديث : هل تدرون ما الذى فوقكمتفسير : قالوا الله ورسوله اعلم قال حديث : فانها الرقيع سقف محفوظ وبحر مكفوفتفسير : ثم قالحديث : هل تدرون ما بينكم وبينهاتفسير : قالوا الله ورسوله اعلم قال حديث : فوقها العرش وبينه وبين السماء كبعد ما بين سماءين او كما قالتفسير : ثم قال حديث : هل تدرون ما تحتكمتفسير : قالوا الله ورسوله اعلم قال حديث : الارض وتحتها ارض اخرى بينهما خمسمائة عامتفسير : ثم قال حديث : والذى نفس محمد بيده لو أنكم ادلتم بحبل لهبطتم على اللهتفسير : ثم قرأ عليه السلام {أية : هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم}تفسير : كما فى خريدة العجائب وفى المقاصد الحسنة حديث : لو أنكم وليتم بحبل الى الارض السفلى لهبط على اللهتفسير : فسره بعض اهل العلم فقال انما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه فى كل مكان وهو على العرش كما وصف فى كتابه انتهى. قال شيخنا معناه ان علم الله شمل جميع الاقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول فى الاماكن فالله سبحانه كان قبل أن يحدث الاماكن انتهى كلام المقاصد الحسنة قال بعض العارفين فيه اشارة الى انه ما من جوهر فى العالم العلوى والسفلى الا وهو مرتبط بالحق ارتباط الرب بالمربوب وفى الحديث "حديث : اجتمع املاك عند الكعبة واحد نازل من السماء وواحد صاعد من الارض السفلى وثالث من ناحية المشرق ورابع من ناحية المغرب فسأل كل واحد صاحبه من اين جئت فكلهم قالوا من عند الله"تفسير : ثم نرجع ونقول فالارض بعضها فوق بعض وغلظ كل ارض مسيرة خمسمائة عام وكذا ما بينهما على ما دل عليه حديث ابى هريرة وفى الحديث "حديث : من اخذ من الارض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع ارضين"تفسير : قال ابن الملك وفيه اشعار بأن الارض فى الآخرة ايضا سبع طباق وفى الكواشى قيل ما فى القرءآن آية تدل على ان الارضين سبع الا هذه الآية وان ما يبن كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وكذا غلظ كل سماء والارضون مثل السموات فكما ان فى كل سماء نوعا من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويحمدونه فكذا لكل ارض اهل على صفة وهيئة عجيبة ولكل ارض اسم خاص كما ان لكل سماء اسما خاصا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان نافع بن الازرق سأله هل تحت الارضين خلق قال نعم قال فما الخلق قال اما ملائكة او جن وعن عطاء بن يسار فى هذه الآية فى كل ارض آدم كآدمكم ونوح مثل نوحكم وابراهيم مثل ابراهيمكم وعيسى كعيساكم قالوا معناه ان فى كل ارض خلق الله لهم سادة يقومون عليهم مقام آدم ونوح وابراهيم وعيسى فينا قال السخاوى فى المقاصد الحسنة حديث الارضون سبع فى كل ارض من الخلق مثل ما فى هذه حتى آدم كآدمكم وابراهيم كابراهيمكم وهو مجهول ان صح نقله عن ابن عباس رضى الله عنهما على انه اخذه عن الاسرآئيليات اى اقاويل بنى اسرآئيل مما ذكر فى التوراة او اخذه من علمائهم ومشايخهم كما فى شرح النخبة وذلك وامثاله اذا لم يخبر به ويصح سنده الى معصوم فهو مردود على قائله انتهى كلام المقاصد مع تفسير الاسرائيليات وقال فى انسان العيون قد جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى {ومن الارض مثلهن} قال سبع ارضين فى كل ارض نبى كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وابراهيم كابراهيمكم وعيسى كعيساكم رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد وقال البيهقى اسناده صحيح لكنه شاذ بالمرة اى لانه لا يلزم من صحة الاسناد صحة المتن فقد يكون فيه مع صحة اسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف قال الجلال السيوطى ويمكن أن يؤول على ان المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن انبياء البشر ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبى الذى يبلغ عنه هذا كلامه وحينئذ كان لنبينا عليه السلام رسول من الجن اسمه كاسمه ولعل المراد اسمه المشهور وهو محمد فليتأمل انتهى ما فى انسان العيون ونظير هذا المقام قول حضرة الشيخ الشهير بافتاده خطابا لحضرة محمود الهدائى قدس سرهما الآن عوالم كثيرة يتكلم فيها محمود وافتاده كثير قال فى خريدة العجائب وليس هذا القول اى خبر فى كل ارض آدم الخ بأعجب من قول الفلاسفة ان الشموس شموس كثيرة والاقمار اقمار كثيرة ففى كل اقليم شمس وقمر ونجوم وقالت القدماء الارض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الاقاليم لا على المطابقة والمكابسة واهل النظر من المسلمين يميلون الى هذا القول ومنهم من يرى ان الارض سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقى (حكى) الكلبى عن ابى صالح عن ابى عباس رضى الله عنهما انها سبع ارضين متفرقة بالبحار يعنى الحائل بين كل ارض وارض بحار لا يمكن قطعها ولا الوصول الى الارض الاخرى ولا تصل الدعوة اليهم وتظل الجميع السماء قال الماوردى وعلى هذا اى وعلى انها سبع ارضين وفى كل ارض سكان من خلق الله تختص دعوة الاسلام بأهل الارض العليا دون من عداهم وان كان فيهن من يعقل من خلق وفى مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان احدهما انهم يشاهدون السماء من كل جانب من ارضهم ويستمدون الضياء منها وهذا قول من جعل الارض مبسوطة والثانى انهم لا يشاهدون السماء وان الله خلق لهم ضياء يشاهدونه وهذا قول من جعل الارض كرة قال سعدى المفتى وقد تؤول الآية تارة بالاقاليم السبعة اى فتكون الدعوة شاملة لجميعها وتارة بطبقات العناصر القوابل بالنسبة الى الاثيريات فهى ارضها التى ينزل عليها منها الصور الكائنة وهى النار الصرفة والطبقة الممتزجة من النار والهواء المسماة كرة الاثير التى فيها الشهب وذوات الاذناب وغيرها وطبقة الزمهرير وطبقة النسيم وطبقة الصعيد والماء المشحونة بالنسيم الشاملة للطبقة الطينية التى هى السادسة وطبقة الارض الصفرة عند المركز وان حملناها على مراتب الغيوب السبعة المذكورة من غيب القوى والنفس والعقل والسر والروح والخفى غيب الغيوب اى عين جمع الذات فالارضون هى الاعضاء السبعة المشهورة وفى التأويلات النجمية هى طبقات القوب من الصدر والقلب والفؤاد والروع والشغاف والمهجة والروح واراضى النفوس وهى النفس الأمارة واللوامة والملهمة والمطمئنة والنفس المعدنية والنباتية والحيوانية {يتنزل الامر} اى امر الله واللام عوض عن المضاف اليه {بينهن} اى بين السموات السبع والارضين السبع والظاهران الجملة استئنافية للاخبار عن شمول جريان حكمه ونفوذ امره فى العلويات والسفليات كلها فالامر عند الاكثرين القضاء والقدر بمعنى يجرى قضاؤه وينفذ حكمه بين السماء السابعة التى هى اعلى السموات وبين الارض السابعة التى هى اسفل الارضين ولا يقتضى ذلك أن لا يجرى فى العرش والكرسى لان المقام اقتضى ذكر ما ذكره والتخصيص بالذكر لا يقتضى التخصيص بالحكم كذ قالوا يقول الفقير تحقيق هذا المقام يستدعى تمهيد مقدمة وهى انه استوى الامر الارادى الايجادى على العرش كما استوى الامر التكليفى الارشادى على الشرع الذى هو مقلوب العرش والتجليات الايجادية الامرية المتنزلة بين السموات السبع والارضين السبع موقوفة على استوآء امر تمام حصول الاركان الاربعة على العرش وتلك الامور الاربعة هى الحركة المعنوية الاسمائية والحركة النورية الروحانية والحركة الطبيعية المثالية والحركة الصورية الحسية وهى حركة العرش فالعرش مستوى امره الايجادى لا مستوى نفسه تعالى عن ذلك ومنه ينزل الامر الالهى بينهن وهى التجليات الالهية الدنيوية والبرزخية والحشرية والنيرانية والجنانية وكلها تجليات وجودية اشير اليها بقوله تعالى {أية : كل يوم هو فى شأن}تفسير : وبقوله {أية : يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها}تفسير : واما التجليات الشهودية فما كانت وتكون فى الدنيا والآخرة لقلوب اهل الكمال وارواحهم واسرارهم من الانبياء العظام والاولياء الكرام فمعنى الآية يتنزل امر الله بالايجاد والتكوين وترتيب النظام والتكميل بين كل سماء وارض من جانب العرش العظيم ابدا دآئما لان الله تعالى لم يزل ولا يزال خالقا فى الدنيا والآخرة فيغنى ويعدم عوالم ويوجد ويظهر عوالم اخرى لا نهاية لشؤونه فهو كل يوم وآن فى امر وشأن بحسب مقتضيات استعدادات اهل العصر وموجبات قابليات اصحاب الزمان {لتعلموا ان الله على كل شئ قدير} متعلق بخلق او يتنزل او بما يعلمهما اى فعل ذلك لتعملوا ان من قدر على ما ذكر قادر على كل شئ ومنه البعث للحساب والجزاء فتطيعوا امره وتقبلوا حكمه وتستعدوا لكسب السعادة والخلاص من الشقاوة واللام لام المصلحة والحكمة لان فعله تعالى خال عن العبث (روى) عن الامام الاعظم انه قال ان هذه الآية من أخوف الآيات فى القرءآن لا لام الغرض فانه تعالى منزه عن الغرض اذ هو لمن له الاحتياج والله غنى عن العالمين {وان الله قد احاط بكل شئ علما} كما أحاط به قدرة لاستحالة صدور الافاعيل المذكورة ممن ليس كذلك والاحاطة العلم البالغ وبالفارسية وبدرستى كه فرارسيده است بهمه جيزازروى علم يعنى علم وقدرت او محيط است بهمه اشيا از موجودات علمى وعينى هيج جيز ازدائره علم وقدرت او خارج نيست شعر : رمزيست زسر قدرتش كن فيكون بادانش او يكيست بيرون ودرون درغيب وشهادة ذره نتوان يافت از دائره قدرت وعلمش بيرون تفسير : ويجوز أن يكون العامل فى اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الامر اى اوحى ذلك وبينه لتعلموا بما ذكر من الامور التى تشاهدونها والتى تتلقونها من الوحى من عجائب المصنوعات انه لا يخرج عن علمه وقدرته شئ ما اصلا قوله علما نصب على التمييز اى أحاط علمه بكل شئ كما فى عين المعانى أو على المصدر المؤكد لان المعنى وان الله قد علم كل شئ علما كما فى فتح الرحمن قال البقلى قدس سره لو كان للانسان قدرة المعرفة كالارواح لم يخاطبه بالعلل والاستدلال ليعلم برؤية الاشياء وجود الحق وكان كالارواح فى الخطاب بلا علة فى تعريف نفسه اياها يقول ألست بربكم اذ هناك خطاب وشهود وتعريف بغير علة فلما علم عجزه وهو فى عالم الجسم عن حمل واردات الخطاب الصرف أحاله الى الشواهد بقوله خلق سبع سموات الخ وليس بعارف فى الحقيقة من عرفه بشئ من الاشياء او سبب من الاسباب فمن نظر الى خلق الكون يعرف انه ذو قدرة واسعة وذو احاطة شاملة ويخاف من قهره ويذوب قلبه بعلمه فى رؤية اطلاع الحق عليه قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته وفى هذه الآية الكريمة غوامض من اسرار القرءآن مكنونة ويدل عليه قول ابن عباس رضى الله عنهما لما سئل عن هذه الآية وقال لو فسرتها لقطعوا حلقومى ورجمونى والمعنى الذى أشار اليه رضى الله عنه مما لا يعبر عنه ولا يشار اليه ولكن يذاق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {اللهُ الذي خلق سبعَ سموات}: مبتدأ وخبر، وقد أجمع المفسرون أنَّ السموات سبع، {ومن الأرض مثلَهن}، وليس في القرآن آية تدل على أنَّ الأرضين سبع غير هذه الآية، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كلّ سماءٍ كلذلك، والأرضون مثل السموات، والجمهور أنها طباق، بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة، كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سُكَّان مِن خلق الله تعالى، قيل: الجن، وقيل: الملائكة، وقال الضحاك: مطبقة بعضها فوق بعض، من غير فتوق، بخلاف السموات. قال القرطبي: والأول هو الأصح؛ لأنَّ الأخبار دالة عليه، كما ورد في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا رأى قرية أو مدينة: "حديث : اللهم رب السموات السبع، وما أظللن، ورب الأرضين السبع، وما أقللن..." تفسير : الحديث. وفي الحديث أيضاً: " حديث : مَن غصب شبراً من أرض طوّقه الله له من سَبْع أرَضِين"تفسير : . هـ. واختلف: هل يرون السماء، ويستمدًّون منها الضوء، قولان، أحدهما: إنهم يُشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم، ويستمدُّون الضياء منها، والثاني: أنهم لا يُشاهدون السماء، وأنَّ الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه. وعن ابن عباس أيضاً: " إنها سبع أرضين متفرقة بالبحار وتظل الجميع السماء ". وقيل: الأرض واحدة إلاَّ أنَّ الأقاليم سبعة، فالمثلية على هذا في عِظم الجرم، وكثرة العمار، وغير ذلك. والأول أرجح لِما تقدّم. وقد ذكر المنذري حديثاً بيَّن فيه ما يعمرُ أرض، فبعضها فيها حجارة الكبريت وقوم جهنم، وبعضها فيها خزائن الريح، وفي أسفلها عرش إبليس، فانظره. {يَتَنزَّلُ الأمرُ بينهن} أي: يجري أمره وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمُه فيهن. وعن قتادة: في كل سماءٍ وفي كل أرضٍ خلقٌ مِن خلقه، وأمرٌ نافذ من أمره، وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبّر فيه من عجائب تدبيره، من إنزال المطر، وإنبات النبات، والإتيان بالليل والنهار، والصيف والشتاء، وخلق الحيوانات المختلفة. وقال الغزالي: يتنزّل الأمر بالقدر من حضرة الربوبية إلى حملة العرش، ثم تتلقى ملائكة السموات ذلك منهم، ثم تصريفهم بذلك إلى أهل الأرض، وإجرائهم على مقتضاه. وقيل: يتنزّل الأمر بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، وهل لكل أرض رسول، أم لا؟ الله أعلم. {لتعلموا أنَّ اللهَ على كل شيءٍ قديرٌ} أي: فعل ذلك لتعلموا عموم قدرته، {وأنَّ اللهَ قد أحاط بكل شيءٍ علماً} لاستحالة صدور هذه الأفاعيل المذكورة ممن ليس كذلك. ويجوز أن يكون العامل في اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزُّل الأمر، أي: أوضَحَ ذلك بيّنه لتعلموا بما ذكر من الأمور التي تُشاهدونها، والتي تتلقونها من الوحي، وعجائب المصنوعات، أنه لا يخرج عن قدرته وعلمه شيء أصلاً. الإشارة: سموات الأرواح سبع طبقات، تعرج فيها إلى عرش الحضرة. سماء التوبة، ثم سماء الصبر، ثم سماء الورع والزهد، ثم سماء الرضا والتسليم، ثم سماء المحبة، ثم سماء المراقبة، ثم سماء المشاهدة، ثم الاستواء على عرش الحضرة، في حضرة الأسرار. وأرض العبودية سبع أيضاً، وبالتنزُّل فيها تهوي النفس إلى عرش إبليس، في حضرة الفرق، وبالخروج عنها تعرج في سماوات الأرواح، وهي أرض الشهوة، ثم أرض الغفلة، ثم أرض حب الدنيا، ثم أرض حب العلو والجاه، ثم أرض هَم الرزق وخوف الفقر، ثم أرض التدبير والاختيار، ثم أرض الغضب والحقد والحسد، فبهذه الأخلاق المذمومة يهوي العبد إلى أسفل سافلين. فإذا ترقّى عن هذه الأرضين، وسما في سماء الأرواح، يتنزّل على قلبه الوحي الإلهامي، والكشف الرباني. قال تعالى: {يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أنّ الله على كل شيءٍ قدير}، أي: ليحصل لكم العلم الحقيقي بقدرة الله وعلمه وإحاطة ذاته. قال الورتجبي: لو كانت للأشباح قيمة في المعرفة كالأرواح لم يخاطبها بالعلل والاستدلال، لتعلم برؤية الأشياء وجود الحق، وكانت كالأرواح في الخطاب بلا عِلّة في تعريف نفسه إياها بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }تفسير : [الأعراف:172] هناك خطاب وشهود وتعريف بلا عِلّة، فلما عَلِمَ عجزها عن حمل واردات الخطاب الصِّرف أحالها إلى الشواهد، وليس بعارفٍ في الحقيقة مَن عرفه بشيءٍ من الأشياء، وسببٍ من الأسباب، فمَن نظر إلى خلق الكون يعرف أنه ذو قدرة واسعة وإحاطة شاملة، يخاف من قهره، ويذوب قلبه بعلمه في رؤية اطلاع الحق تعالى عليه. هـ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الهواري
تفسير : {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: ما تسمون هذا؟ أو قال: هذه؟ قالوا: السماء. قال: هي الرقيع الموج المكفوف، وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها كذلك، حتى عَدَّ سبع سماوات. وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين السماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وكذلك ما بينها وبين الثالثة إلى سبع أرضين كما بين السماء والسماء وكغلظها. قال عز وجل: {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي: يتنزل الوحي بين السماء والأرض. وقال مجاهد: بين الأرض السابعة وبين السماء السابعة {لِتَعْلَمُواْ} بهذا الوحي {أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} أي: أحاط علمه بكل شيء فلا يخرج عن علمه شيء.
اطفيش
تفسير : {اللهُ} بدل من الله أو خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره بعده {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ} وخلق {وَمِنَ الأَرْضِ} أي من الجسم الذي خلقته ارضا وكأنها خلقت ارضا وفتقت سبعا. {مِثْلهُِنَّ} عددا وغلظا بين كل سمائين وبين كل اراضين خمسمائة سنة وغلط كل ارض سماء كذلك قيل ما في القرآن آية تدل على ان الاراضين سبع إلا هذه وهو مذهب الجمهور ويوافقه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سرق شبرا من أرض جاره طوقه الله الى سبع أَراضين"تفسير : ونحوه وزعم بعضهم ان الارض واحدة وان مما ثلتها ارتفاع جرمها وان فيها عالما يعبد الله كما في كل سماء ارتفاع وعالم يعبد الله وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر. {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} يتنزل امر الله من وحي وقضاء وتصرف بين السماء السابعة والارض السابعة قال مجاهد وقتادة: في كل سماء وفي كل ارض خلق وامر وقضاء وقيل المراد بالامر ما يدبره من عجائب صنعه وقيل اراد بين السماوات السبع والارض وقرىء ينزل بالتشديد ونصب الامر أو بالتخفيف وفتح الياء ورفع الامر وسؤال نافع الازرق ابن عباس هل تحت السابعة خلق قال نعم ملك او جن. {لِتَعْلَمُوا} متعلق بيتنزل أو بخلق وقيل بمحذوف أي اعلمكم بالخلق والتنزل لتعلموا وقرىء بالمثناة التحتية. {أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا} تمييز محول عن الفاعلية أي احاط علمه بكل شيء لا تخفى عليه خافية. اللهم بحق نبيك محمد علينا صلى الله عليه وسلم وحق السورة اخز النصارى واهنم وغلب المسلمين عليهم واكسر شوكتهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم.
اطفيش
تفسير : {اللهُ الَّذِي} مبتدأ وخبر أو بدل من لفظ الجلالة والذى نعت أو الله نعت، ولو كان جامدًا لنعته بما هو كالمشتق كما يجئ الحال جامدًا لنعته بالمشتق نحو قرآناً عربياً. {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} مثل معطوف على سبع ولا بأْس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالجار والمجرور هنا لأَن الجار والمجرور هنا حال من المعطوف، وكأَنه جزء منه وليس مما يختص بالشعر، وما هنا إِلا كقولك أكرمت الزيود ومن النساء هندا، فلا حاجة إِلى جعل مثلهن منصوبًا بالخلق محذوفًا هكذا وخلق من الأَرض مثلهن، والمراد مثلهن فى أنهن سبع بين كل واحدة والأُخرى خمسمائة عام وغلظ كل واحدة خمسمائة عام، وفى كل واحدة من الست سكان هم ملائكة أو جن أو كلاهما أو من شاء الله. وعن ابن عباس ملائكة أو جن وقيل لا يعلم من فيهن إِلا الله وجاء ذلك العدد ومقدار ما بين الأَرضين منهن فى حديث أحمد والترمذى إِلا الغلظ وذلك هو الصحيح وعليه الجمهور، لا ما قيل أن فى كل واحدة من الست مثل ما فى هذه من آدم ونوح وجميع الأَنبياء، وجميع ما فى هذه فيكون اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بختم النبوة باعتبار هذه الأَرض وذلك تخليط، وقيل سبع أرضين متماسة يحملهن ثور على صخرة إِلى آخر التخاليط، ومنها أنها سبع منبسطات تفرق بينهن البحور لا واحدة فوق واحدة، وعبارة بعض أن الأَرض واحدة إِلا أن الأَقاليم سبعة، وليس القائل بالسبع المنبسطة مريداً للأَقاليم، وصح فى الحديث اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأَرضين السبع وما أقللن، ومعنى خلق سبع أرضين من الأَرض أنها أرض واحدة فتقها سبعاً. {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} بين كل سماء وسماء وبين السماء والأَرض وبين كل أرضين، والأَمر قضاؤه وقدره ونفاذ ملكه وتصرفه وفى كل أرض خلق وما يجرى عليهم من أمر الله تعالى وفى الأَرض من حياة وموت وفقر وغنى ووحى. ويروى أنه التقى ملائكة فى وسط هذه الأَرض وكل قال جئت من ربى واحد من الشرق والآخر من الغرب والآخر من تحت العرش والآخر من الأَرض السابعة لا إِله إِلا الله سبحانه وتعالى. {لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} تعليل ليتنزل أو لخلق أو بأَخبرتكم أو بفعلت ذلك فتعظموه وتؤمنوا بالبعث. {وَأَنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا} لاستحالة أن يفعل ذلك من لم يحط علمه بكل شئ.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } مبتدأ وخبر {وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } أي وخلق من الأرض مثلهن، على أن {مِثْلَهُنَّ } مفعول لفعل محذوف، والجملة عطف على الجملة قبلها، وقيل: {مِثْلَهُنَّ } عطف على {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ}، وإليه ذهب الزمخشري، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف والمعطوف وهو مختص بالضرورة عند أبـي علي الفارسي. وقرأ المفضل عن عاصم وعصمة عن أبـي بكر {مِثْلَهُنَّ } بالرفع على الابتداء {وَمِنَ ٱلأَرْضِ } الخبر. والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف، فقال الجمهور: هي هٰهنا في كونها سبعاً وكونها طباقاً بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض سكان من خلق الله عز وجل لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى، وعن ابن عباس أنهم إما ملائكة أو جن، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» وفي «الأسماء والصفات» من طريق أبـي الضحى / عنه أنه قال في الآية: سبع أرضين في كل أرض نبـي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى، قال الذهبـي: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة لا أعلم لأبـي الضحى عليه متابعاً. وذكر أبو حيان في «البحر» نحوه عن الحبر وقال: هذا حديث لا شك في وضعه وهو من رواية الواقدي الكذاب. وأقول لا مانع عقلاً ولا شرعاً من صحته، والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم عليه السلام، وفيه أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم وغيرهما فينا. وأخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعاً ( حديث : إن بين كل أرض والتي تليها خمسمائة عام والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد ملك والثانية مسجن الريح والثالثة فيها حجارة جهنم والرابعة فيها كبريتها والخامسة فيها حيَّاتها والسادسة فيها عقاربها والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه يطلقه الله تعالى لمن يشاء )تفسير : ، وهو حديث منكر كما قال الذهبـي لا يعول عليه أصلاً فلا تغتر بتصحيح الحاكم، ومثله في ذلك أخبار كثيرة في هذا الباب لولا خوف الملل لذكرناها لك، لكن كون ما بين كل أرضين خمسمائة سنة كما بين كل سماءين جاء في أخبار معتبرة كما روى الإمام أحمد والترمذي عن أبـي هريرة قال: « حديث : بينما النبـي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف، قال: هل تدرون ما بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: سماء وإن بُعْدَ ما بينهما خمسمائة سنة؛ ثم قال كذلك حتى عد سبع سمٰوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وإن فوق ذلك العرش بينه وبين السماء بُعْدَ ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد صلى الله عليه وسلم سبع أرضين ما بين كل أرضين خمسمائة سنة ) تفسير : . والأخبار في تقدير المسافة بما ذكر بين كل سماءين أكثر من الأخبار في تقديرها بين كل أرضين وأصح، ومنها ما هو مذكور في «صحيح البخاري» وغيره من «الصحاح»، وفيها أيضاً أن ثخن كل سماء خمسمائة عام فقول الرازي في ذلك إنه غير معتبر عند أهل التحقيق كلام لا يخفى بشاعته على من سلك من السنة أقوم طريق، نعم ما حكاه من أن السماء الأولى موج مكفوف والثانية صخر والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوت ليس بمعتبر أصلاً ولم يَرِدْ بما تضمنه من التفصيل خبر صحيح لكن في قوله: إنه مما يأباه العقل إن أراد به نفي الإمكان عقلاً منع ظاهر. وقال الضحاك: هي في كونها سبعاً بعضها فوق بعض لا في كونها كذلك مع وجود مسافة بين أرض وأرض، واختاره بعضهم زاعماً أن المراد بهاتيك السبع طبقة التراب الصرفة المجاورة للمركز والطبقة الطينية والطبقة المعدنية التي يتكون فيها المعادن والطبقة الممتزجة بغيرها المنكشفة التي هي مسكن الإنسان ونحوه من الحيوان وفيها ينبت النبات وطبقة الأدخنة والطبقة الزمهريرية وطبقة النسيم الرقيق جداً، ولا يخفى أنه أشبه شيء بالهذيان، ومثله ما يزعمه بعض الناظرين في كتب العلوم المسماة بالحكمة الجديدة من أن الأرض انفصلت بسبب بعض الحوادث / من بعض الأجرام العلوية صغيرة ثم تكونت فوقها طبقة وهكذا حتى صار المجموع سبعاً، وزعم أنهم شاهدوا بين كل طبقة وطبقة آثاراً من مخلوقات مختلفة. وقال أبو صالح: هي في كونها سبعاً لا غير فهي سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض يفرق بينها البحار، ويظل جميعها السماء، وروي ذلك عن ابن عباس، فالنسبة بين أرض وأرض على هذا نحو نسبة أمريقا إلى آسيا أو أوروبا أو أفريقيا لكن قيل: إن تلك البحار الفارقة لا يمكن قطعها. وقيل: من الأقاليم السبعة وهي مختلفة الحرارة والبرودة والليل والنهار إلى أمور أخر، واختاره بعضهم ولا أظنه شيئاً لأن المتبادر اعتبار انفصال أرض عن أرض انفصالاً حقيقياً في المثلية، وقيل: المثلية في الخلق لا في العدد ولا في غيره فهي أرض واحدة مخلوفة كالسماوات السبع، وأيد بأن الأرض لم تذكر في القرآن إلا موحدة، ورد بأنه قد صح من رواية البخاري وغيره « حديث : اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن » تفسير : الحديث، وكذا صح « حديث : من غصب قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين » تفسير : . وأصح الأقوال ـ كما قال القرطبـي ـ قول الجمهور السابق، وعليه اختلف في مشاهدة أهل ما عدا هذه الأرض السماء واستمدادهم الضوء منها فقيل: إنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها. وقيل: إنهم لا يشاهدون السماء وإن الله عز وجل خلق لهم ضياءاً يشاهدونه، وروى الإمامية عن بعض الأئمة نحواً مما قاله الجمهور، أخرج العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبـي الحسن الرضا رضي الله تعالى عنه قال: بسط كفه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها فقال: هذه الأرض الدنيا والسماء الدنيا عليها قبة، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبة حتى ذكر الرابعة والخامسة والسادسة فقال: والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبة وعرش الرحمن فوق السماء السابعة، وهو قوله تعالى: {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } الخ. وأنا أقول بنحو ما قاله الجمهور راجياً العصمة ممن على محور إرادته تدور أفلاك الأمور: هي سبع أرضين بين كل أرض وأرض منها مسافة عظيمة، وفي كل أرض خلق لا يعلم حقيقتهم إلا الله عز وجل ولهم ضياء يستضيئون به، ويجوز أن يكون عندهم ليل ونهار ولا يتعين أن يكون ضياؤهم من هذه الشمس ولا من هذا القمر، وقد غلب على ظن أكثر أهل الحكمة الجديدة أن القمر عالم كعالم أرضنا هذه وفيه جبال وبحار يزعمون أنهم يحسون بها بواسطة أرصادهم وهم مهتمون بالسعي في تحقيق الأمر فيه، فليكن ما نقول به من الأرضين على هذا النحو. وقد قالوا أيضاً: إن هذه الشمس في عالم هي مركز دائرته وبلقيس مملكته بمعنى أن جميع ما فيه من كواكبهم السيارة تدور عليها فيه على وجه مخصوص ونمط مضبوط، وقد تقرب إليها فيه وتبعد عنها إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى كواكب ذوات الأذناب، وهي عندهم كثيرة جداً تتحرك على شكل بيضي وإن الشمس بعالمها من توابع كوكب آخر تدور عليه دوران توابعها من السيارات عليها هو فيما نسمع أحد كواكب النجم، ولهم ظن في أن ذلك أيضاً من توابع كوكب آخر وهكذا، وملك الله تعالى العظيم عظيم لا تكاد تحيط به منطقة الفكر ويضيق عنه نطاق الحصر، وسماء كل عالم كالقمر عندهم ما انتهى إليه هواؤه حتى صار ذلك الجرم في نحو خلاء فيه لا يعارضه ولا يضعف حركته شيء، والجسم متى تحرك في خلاء لا يسكن لعدم المعارض فليكن كل أرض من هذه الأرضين محمولة بين القدرة بين كل سماءين على نحو ما سمعت عن الرضا على آبائه وعليه السلام، / وهناك ما يستضىء به أهلها سابحاً في فلك بحر قدرة الله عز وجل ونسبة كل أرض إلى سمائها نسبة الحلقة إلى الفلاة وكذا نسبة السماء إلى السماء التي فوقها. ويمكن أن تكون الأرضون وكذا السماوات أكثر من سبع، والاقتصار على العدد المذكور الذي هو عدد تام لا يستدعي نفي الزائد فقد صرحوا بأن العدد لا مفهوم له والسماء الدنيا منتهى دائرة يتحرك فيها أعلى كوكب من السيارات وبينها وبين هذه الأرض بعد بعيد. وقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خمسمائة عام » تفسير : من باب التقريب للافهام، ويقرب الأمر إذا اعتبر ذلك بالنسبة إلى الراكب المجد كما وقع في كثير من أخبار فيها تقدير مسافة، « حديث : وقوله عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا: موج مكفوف » تفسير : يمكن أن يكون من التشبيه البليغ في اللطافة ونحوها أو هو على حقيقته والتنوين فيه للنوعية حتى يقوم الدليل العقلي الصحيح على امتناعها، وتزيين هذه السماء بالكواكب لظهورها فيها على ما يشاهد فلا يضر في ذلك كونها كلاً أو بعضاً فوقها أو تحتها، ولم يقم دليل على أن شيئاً من الكواكب مغروز في شيء من السماوات كالفص في الخاتم والمسمار في اللوح، بل في بعض الأخبار ما يدل على خلافه، نعم أكثر الأخبار في أمر السماوات والأرض والكواكب لا يعول عليها كما أشار إليه النسفي في «بحر الكلام»، وكذا ما قاله قدماء أهل الهيئة ومحدثوهم، وفي كل مما ذهب الفريقان إليه ما يوافق أصولنا وما يخالفه وما شريعتنا ساكتة عنه لم تتعرض له بنفي أو إثبات، وحيث كان من أصولنا أنه متى عارض الدليل العقلي الدليل السمعي وجب تأويل الدليل السمعي للدليل العقلي لأنه أصله ولو أبطل به لزم بطلانه نفسه فالأمر سهل لأن باب التأويل أوسع من فلك الثوابت ولا أرى بأساً في ارتكاب تأويل بعض الظواهر المستبعدة بما لا يستبعد وإن لم يصل الاستبعاد إلى حد الامتناع إذا تضمن ذلك مصلحة دينية ولم يستلزم مصادمة معلوم من الدين بالضرورة، وقد يلتزم الإبقاء على الظاهر وتفويض الأمر إلى قدرة الله تعالى التي لا يتعاصاها شيء رعاية لأذهان العوام المقيدين بالظواهر الذين يعدون الخروج عنها لا سيما إلى ما يوافق الحكمة الجديدة ضلالاً محضاً وكفراً صرفاً؛ ورحم الله تعالى امرءاً جب الغيبة عن نفسه. وقد أخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها، وبالجملة من صدق بسعة ملك الله تعالى وعظيم قدرته عز وجل لا ينبغي أن يتوقف في وجود سبع أرضين على الوجه الذي قدمناه، ويحمل السبع على الأقاليم أو على الطبقات المعدنية والطينية ونحوهما مما تقدم، وليس في ذلك ما يصادم ضرورياً من الدين أو يخالف قطعياً من أدلة المسلمين، ولعل القول بذلك التعدد هو المتبادر من الآية وتقتضيه الأخبار، ومع هذا هو ليس من ضروريات الدين فلا يكفر منكره أو المتردد فيه لكن لا أرى ذلك إلا عن جهل بما هو الأليق بالقدرة والأحرى بالعظمة، والله تعالى الموفق للصواب. {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله تعالى وقضاؤه وقدره عز وجل بينهن وينفذ ملكه فيهن. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة قال: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه تعالى وأمر من أمره وقضاء من قضائه عز وجل، وقيل: {يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } بحياة وموت وغنى وفقر، وقيل: هو ما يدبره سبحانه فيهن من عجيب تدبيره جل شأنه، وقال مقاتل وغيره: {ٱلأَمْرُ } هنا الوحي، و {بَيْنَهُنَّ } إشارة إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة، والأكثرون على أنه القضاء والقدر كما سبق، وأن {بَيْنَهُنَّ } إشارة / إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية ـ ينزل ـ مضارع نزل مشدداً {ٱلأَمْرُ } بالنصب أي ينزل الله الأمر. {لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } متعلق ـ بخلق ـ أو ـ بيتنزل ـ أو بمضمر يعمهما أي فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على ما ذكر قادر على كل شيء، وقيل: التقدير أخبرتكم أو أعلمتكم بذلك لتعلموا. وقرىء ـ ليعلموا ـ بياء الغيبة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا } لاستحالة صدور هذه الأفاعيل ممن ليس كذلك.
ابن عاشور
تفسير : اسم الجلالة خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الله. وهذا من حذف المسند إليه لمتابعة الاستعمال كما سماه السكاكي، فإنه بعد أن جرى ذكر شؤون من عظيم شؤون الله تعالى ابتداء من قوله: {أية : واتقوا الله ربكم}تفسير : [الطلاق: 1] إلى هنا، فقد تكرر اسم الجلالة وضميره والإِسناد إليه زهاء ثلاثين مرة فاقتضى المقام عقب ذلك أن يُزاد تعريف الناس بهذا العظيم، ولمَّا صار البساط مِليئاً بذكر اسمه صح حذفه عند الإِخبار عنه إيجازاً وقد تقدم قوله تعالى: {أية : ربُ السماوات والأرض وما بينهما}تفسير : في سورة مريم (65)، وكذلك عند قوله: {أية : صُمّ بُكْمٌ عُميٌ} تفسير : [البقرة: 18]، وقوله: {أية : مقام إبراهيم }تفسير : في سورة البقرة [125]. فالجملة على هذا الوجه مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. والموصول صفة لاسم الجلالة وقد ذُكرت هذه الصلة لما فيها من الدلالة على عظيم قدرته تعالى، وعلى أن الناس وهم من جملة ما في الأرض عبيده، فعليهم أن يتقوه، ولا يتعدوا حدوده، ويحاسبوا أنفسهم على مدى طاعتهم إياه فإنه لا تخفى عليه خافية، وأنه قدير على إيصال الخير إليهم إن أطاعوه وعقابهم إن عصوه. وفيه تنويه بالقرآن لأنه من جملة الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض. والسبع السماوات تقدم القول فيها غير مرة، وهي سبع منفصل بعضها عن الآخر لقوله تعالى في سورة نوح (15): {أية : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً}.تفسير : وقوله: {ومن الأرض مثلهن} عطف على {سبع سمٰوات} وهو يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعطوف قوله: {من الأرض} على أن يكون المعطوف لفظ الأرض ويكون حرف {مِن} مزيداً للتوكيد بناء على قول الكوفيين والأخفش أنه لا يشترط لزيادة {من} أن تقع في سياق النفي والنهي والاستفهام والشرط وهو الأحق بالقبول وإن لم يكن كثيراً في الكلام، وعدمُ الكثرة لا ينافي الفصاحة، والتقدير: وخلق الأرض، ويكون قوله: {مثلهن} حالاً من {الأرض}. ومماثلة الأرض للسماوات في دلالة خلقها على عظيم قدرة الله تعالى، أي أن خلْق الأرض ليس أضعف دلالة على القدرة من خلق السماوات لأن لكل منهما خصائص دالة على عظيم القدرة. وهذا أظهر ما تُؤَوَّلُ به الآية. وفي إفراد لفظ {الأرض} دون أن يُؤتى به جمعاً كما أُتي بلفظ السماوات إيذان بالاختلاف بين حاليهما. والوجه الثاني: أن يكون المعطوف {مثلهن} ويكون قوله: {ومن الأرض} بياناً للمثل فمصدق {مثلهن} هو {الأرض}. وتكون {مِن} بيانية وفيه تقديم البيان على المبيّن، وهو وارد غير نادر. فيجوز أن تكون مماثلة في الكُروية، أي مثل واحدة من السماوات، أي مثل كوكب من الكواكب السبعة في كونها تسير حول الشمس مثل الكواكب فيكون ما في الآية من الإِعجاز العلمي الذي قدمنا ذكره في المقدمة العاشرة. وجمهور المفسرين جعلوا المماثلة في عدد السبع وقالوا: إن الأرض سبع طبقات فمنهم من قال هي سبع طبقات مُنبسطة تفرق بينها البحار. وهذا مروي عن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، ومنهم من قال هي سبع طباق بعضُها فوق بعض وهو قول الجمهور. وهذا يقرب من قول علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا)، من إثبات طبقات أرضية لكنها لا تصل إلى سبع طبقات. وفي «الكشاف» «قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه» اهـ. وقد علمت أنها لا دلالة فيها على ذلك. وقال المازري في كتابه «المُعلم» على «صحيح مسلم» عند قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الشفعة: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه من سبع أرضين يوم القيامة». كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد كتب إليّ بعدَ فراقي له: هل وقع في الشرع عما يدل على كون الأرض سبعاً، فكتبت إليه قولُ الله تعالى: {الله الذي خلق سبع سمٰوات ومن الأرض مثلهن} وذكرت له هذا الحديث فأعاد كتابه إليّ يذكر فيه أن الآية محتملة هل مثلهن في الشكل والهيئة أو مثلهن في العدد. وأن الخبر من أخبار الآحاد، والقرآن إذا احتمل والخبر إذا لم يتواتر لم يصح القطع بذلك، والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظواهر وأخبارِ الآحاد، فأعدت إليه المجاوبة أحتج لبعد الاحتمال عن القرآن وبسطتُ القول في ذلك وترددتُ في آخر كتابي في احتمالِ ما قال. فقطع المجاوبة اهـ. وأنت قد تبينت أن إفراد الأرض مشعر بأنها أرض واحدة وأن المماثلة في قوله: {مثلهن} راجعة إلى المماثلة في الخلق العظيم، وأما الحديث فإنه في شأن من شؤون الآخرة وهي مخالفة للمتعارف، فيجوز أن يطوق الغاصب بالمقدار الذي غصبه مضاعفاً سبع مرات في الغِلظ والثقل، على أن عدد السبع يجوز أن يراد به المبالغة في المضاعفة. ولو كان المراد طبقات معلومة لقال: طوقه من السبع الأرضين بصيغة التعريف. وكلام عبد الحميد أدخل في التحقيق من كلام المازري. وعلى مجاراة تفسير الجمهور لقوله: {ومن الأرض مثلهن} من المماثلة في عدد السبع، فيجوز أن يقال: إن السبع سبع قطع واسعة من سطح الأرض يفصل بينها البحار نسميها القارات ولكن لا نعني بهذه التسمية المعنى الاصطلاحي في كتب الجغرافيا القديمة أو الحديثة بل هي قارات طبيعية كان يتعذر وصول سكان بعضها إلى بعضها الآخَر في الأزمان التي لم يكن فيها تنقّل بحري وفيما بعدها مما كان ركوب البحر فيها مهولاً.! وهي أن آسيا مع أوروبا قارة، وإفريقيا قارة، وأستراليا قارة، وأميركا الشمالية قارة، وأميركا الجنوبية قارة، وجرولندة في الشمال، والقارة القطبية الجنوبية. ولا التفات إلى الأجزاء المتفرقة من الأرض في البحار، وتكون {من} تبعيضية لأن هذه القارات الاصطلاحية أجزاء من الأرض. وقرأ غيرُ عاصم {مثلَهنَّ} بالنصب. وقرأه عاصم بالرفع على أنه مبتدأ. ومعنى {يتنزل الأمر بينهن} أمرُ الله بالتكوين أو بالتكليف يبلغ إلى الذين يأمرهم الله به من الملائكة ليبلِّغوه، أو لمن يأمرهم الله من الرسل ليبلغوه عنه، أو من الناس ليعلموا بما فيه، كل ذلك يقع فيما بين السماء والأرض. واللام في قوله: {لتعلموا} لام كي وهي متعلقة بـ{خلق}. والمعنى: أن مما أراده الله من خلقه السماوات والأرض، أن يعلّم الناس قدرة الله على كل شيء وإحاطة علمه بكل شيء. لأن خلق تلك المخلُوقات العظيمة وتسخيرها وتدْبير نظامها في طول الدهر يدل أفكارَ المتأملين على أن مُبدعها يقدر على أمثالها فيستدلوا بذلك على أنه قدير على كل شيء لأن دلالتها على إبْداع ما هو دونها ظاهرة، ودلالتها على ما هو أعظم منها وإن كانت غير مشاهدة، فقياس الغائب على الشاهد يدلّ على أن خالق أمثالها قادر على ما هو أعظم. وأيضاً فإن تدبير تلك المخلوقات بمثل ذلك الإِتقان المشاهد في نظامها، دليل على سعة علم مبدعها وأحاطتِه بدقائق ما هو دونها، وأن من كان علمه بتلك المثابة لا يُظن بعلمه إلا الإِحاطة بجميع الأشياء. فالعلم المراد من قوله: {لتعلموا} صادق على علمين: علم يقيني مستند إلى أدلة يقينية مركبة من الدلالة الحسية والعقلية، وعلم ظني مستند إلى الأدلة الظنية والقرائن. وكلا العلمين موصل إلى الاستدلال في الاستدلال الخَطَابي (بفتح الخاء).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}. جاء في بيان السماوات أنها سبع طباق، كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}تفسير : [الملك: 3]. وبين الحديث في الإسراء أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وجاء لفظ السماء مفرداً وجمعاً، فالمفرد كما في قوله {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}تفسير : [الشمس: 5]. وقوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}تفسير : [البقرة: 22]. أما الأرض فلم يأت لفظها إلا مفرداً، ولم يأت تفصيلها كتفصيل السماء سبعاً طباقاً، فاختلف في المثلية فجاء عن ابن عباس أنها مثلية تامة عدداً وطباقاً وخلقاً. وقيل: عدداً وأقاليم يفصلها البحار، وقيل عدداً طباقاً متراكمة كطبقات البصلة مثلاً، ولقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في المقدمة أن من أوجه البيان إذا لم يوجد في الكتاب ووجد في السنة فإنه يبين بها لأنها وحي، وقد جاء في السنة أن الأرض سبع أرضين كما في حديث: "حديث : من اغتصب أرضاً أو من أخذ شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين"تفسير : متفق عليه. وفي حديث موسى لما قال "يا رب علمني شيئاً أدعوك به فقال: قل لا إله إلا الله. فقال: يا رب كل الناس يقولون ذلك. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله". رواه النسائي. فهذه أحاديث صحيحة أثبتت أن الأرضين سبع، ولم يأت تفصيل للكيفية ولا للهيئة فثبت عندنا العدد ولم يثبت غيره، فنثبته ونكل غيره لعلم الله تعالى. ومما يؤيد ثبوت العدد على سبيل الإجمال أن مثلية الأرض للسماء لم تذكر إلا عند ذكر السماء مجملة مع ذكر العدد ولم يذكر عند تفصيلها بطباق مما يشعر أن المراد من المثلية العدد، وقيل إن هذا لا يتنافى مع أفراد اللفظ لأن جمعه شاذ. كما قال ابن مالك: شعر : وأرضون شذو السنون تفسير : وقد أشار تعالى إلى أن هناك من حالات الأرض والسماء ما لم يعلمه الخلق في قوله تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الكهف: 51]، وهم لا يزالون عاجزين عن كيفية خلق أنفسهم إلا تفصيلات جزئية، والمهم من السياق والغرض الأساسي، تنبيه الخلق على عظم قدرة الله تعالى في قوله تعالى: {أية : لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}تفسير : [الطلاق: 12].
د. أسعد حومد
تفسير : {سَمَاوَاتٍ} (12) - اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَخَلَقَ مِثْلَهُنَّ فِي العَدَدِ مِنَ الأَرْضِ، وَيَجْرِي قَضَاءُ اللهِ وَقَدَرُهُ بَيْنَهُنَّ، وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِنَّ، فَهُوَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فِيهِنَّ وَفْقَ عِلْمِهِ الوَاسِعِ وَحِكْمَتِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يُنْزِلُ قَضَاءَهُ وَأَمْرَهُ بَيْنَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّهُ لاَ يَسْتَعْصِي عَلَى اللهِ شَيءٌ وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ. يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ - يَجْرِي قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ أَوْ تَدْبِيرُهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : [ثم] أخبر [تعالى] أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن، وما بينهن، وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام الدينية التي أوحاها إلى رسله لتذكير العباد ووعظهم، وكذلك الأوامر الكونية والقدرية التي يدبر بها الخلق، كل ذلك لأجل أن يعرفه العباد ويعلموا إحاطة قدرته بالأشياء كلها، وإحاطة علمه بجميع الأشياء فإذا عرفوه بأوصافه المقدسة وأسمائه الحسنى وعبدوه وأحبوه وقاموا بحقه، فهذه الغاية المقصودة من الخلق والأمر معرفة الله وعبادته، فقام بذلك الموفقون من عباد الله الصالحين، وأعرض عن ذلك، الظالمون المعرضون. [تم تفسيرها والحمد لله]
همام الصنعاني
تفسير : 3241- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}: [الآية: 12]، قال: في كل سَماء، وفي كل أرضٍ، خَلْقٌ من خَلْقِهِ، وأَمْرٌ مِنْ أمْرِه، وقَضَاءُ مِنْ قَضَائِهِ، تبارك وتعالى. 3242- قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس مَعَ أَصْحابِهِ، إذْ مرَّ سَحَابٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتَدْرُونَ ما هَذِه؟ هذه العنان، هذه روايا أهل الأرض يسُوقُهَا الله إلى قَوْمٍ لا يعبدونه" ثم قال: أتَدْرُونَ ما هَذِهِ السَّمَاءُ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه السَّمَاء موج مكفوف، وسقف محفوظ، ثم قال: "أَتَدْرُونَ ما فوق ذلِكَ؟" قالوا: الله ورسوله أعْلَمْ، قال: "فوق ذلِكَ سَمَاءٌ أخرى، حتى عَدَّ سَبعَ سَماوات، ويقول" "أتدرونَ ما بينهما؟" ثم يَقُولُ: "ما بينهم خمس مائة سنة". ثم قال: "أتدْرونَ ما فوق ذلِكَ؟" قال: "فوق ذلك العرش"، ثم قال: "أتَدْرُونَ كم بينهما"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما خمس مائة سنة" ثم قال: "أتَدْرُونَ ما هذه الأرض"؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "هذه الأرض" ثم قال: "أتدرون ما تَحْتَ ذَلِكَ؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "تحت ذَلِكَ أرْضٌ أُخْرَى". قال: "أتدرُونَ ما بينهما؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمس مائة عام، حتى عدَّ سبع أرضين ثم قال: والذي نفسي بيده لو دلى رجل بحبل حتى يبلغ أسفل الأرض السابعة، لهبط على الله،تفسير : ثم قال: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : : [الحديد: 3]؟ 3243- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: التقى أربعة من الملائكة من السَّماء والأرْضِ، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال: أرسلني ربي من السَّماءِ السّابِعَةِ وتركته ثَمَّ، ثُمَّ قال الآخر: أرسلني من الأرض السّابعة وتركته ثَمَّ، وقال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته، ثَمَّ، وقال الآخر: أرسلن ربي من المشرق وتركته ثَمَّ؟ 3244- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال: ما سرقه أعظم من سرقة من الأرْض، ولو أَنَّ رَجُلاً سرق مِنَ الأرض موضع حَصاةٍ ثم حملته دواب الأرض ما حملته، قال مسروق: وكان يُقال إلى أسفل الأرض السابعة. 3245- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن (طلحة بن عبد الله بن عوف) عن (عبد الرحمن بن سهل)، عن (سعيد بن زيد عن عَمْرو بن نفيل)، قال: سمعت النبي عليه السّلام يقول: "حديث : مَنْ ظلم من الأرْضِ شِبْراً طوّقه من سبع أرْضين ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):