٦٦ - ٱلتَّحْرِيم
66 - At-Tahreem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : أما التعلق بما قبلها، فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض مشتملاً على تحريم ما أحل الله، وأما الأول بالآخر، فلأن المذكور في آخر تلك السورة، يدل على عظمة حضرة الله تعالى، كما أنه يدل على كمال قدرته وكمال علمه، لما كان خلق السموات والأرض وما فيهما من الغرائب والعجائب مفتقراً إليهما وعظمة الحضرة مما ينافي القدرة على تحريم ما أحل الله، ولهذا قال تعالى: {لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } واختلفوا في الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه، قال في «الكشاف»: روي أنه عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: حديث : اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي تفسير : ،فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين، وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه، ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية، وروي أن عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام، وقال: راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة، وروي أنه ما طلقها وإنما نوه بطلاقها، وروي أنه عليه الصلاة والسلام شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة، فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل فحرم العسل، فمعناه: لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل، والأول قول الحسن ومجاهد وقتادة والشعبي ومسروق ورواية ثابت عن أنس قال مسروق: حرم النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها، فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم. وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام، وإنما يكفر اليمين، فذلك قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ } الآية قال صاحب «النظم» قوله: {لِمَ تُحَرّمُ } استفهام بمعنى الإنكار والإنكار من الله تعالى نهي، وتحريم الحلال مكروه، والحلال لا يحرم إلا بتحريم الله تعالى وقوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ } و {تَبْتَغِي } حال خرجت مخرج المضارع والمعنى: لم تحرم مبتغياً مرضات أزواجك قال في «الكشاف»: {تَبْتَغِي }، إما تفسير لتحرم، أو حال أو استئناف، وهذا زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قد غفر لك ما تقدم من الزلة، {رَّحِيمٌ } قد رحمك لم يؤاخذك به، ثم في الآية مباحث: البحث الأول: {لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب وخطاب الوصف، وهو النبي ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم فكيف هو نقول: الظاهر أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن كما ينبغي. البحث الثاني: تحريم ما أحل الله تعالى غير ممكن، لما أن الإحلال ترجيح جانب الحل والتحريم ترجيح جانب الحرمة، ولا مجال للاجتماع بين الترجيحين فكيف يقال: {لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ }؟ نقول: المراد من هذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراماً بعدما أحل الله تعالى فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع معها مع اعتقاده بكونه حلالاً ومن اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله تعالى بعينه فقد كفر فكيف يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا. البحث الثالث: إذا قيل: ما حكم تحريم الحلال؟ نقول: اختلفت الأئمة فيه فأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى اثنتين، وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، فإن قال: نويت الكذب دين فيما بينه وبين ربه ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى ولا يراه الشافعي يميناً، ولكن سبباً (في الكفارة) في النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، وأما اختلاف الصحابة فيه فكما هو في «الكشاف»، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} فيه خمس مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} ثبت في صحيح مسلم حديث : عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان يمكث عند زينب بنت جَحْش فيشرب عندها عَسَلاً؛ قالت: فتواطأتُ أنا وحفصة أنّ أيَّتَنَا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك رِيح مَغَافِير! أَكَلْتَ مَغَافِير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال:«بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له»تفسير : . فنزل: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} ـ إلى قوله ـ {إِن تَتُوبَآ} (لعائشة وحفصة)، {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} لقوله: حديث : «بل شربتُ عسلاً». وعنها أيضاً قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحَلْواء والعسل، فكان إذا صلّى العصر دار على نسائه فيَدْنُو منهنّ؛ فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبِس؛ فسألتُ عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأةٌ من قومها عُكّةً من عسل، فسقت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم منه شَرْبَةً. فقلت: أمَا والله لَنَحْتَالَنَّ له، فذكرت ذلك لسَوْدةَ وقلت: إذا دخل عليكِ فإنه سَيَدْنُو منكِ فقولي له: يا رسول الله، أكَلْتَ مَغَافِير؟ فإنه سيقول لكِ لا. فقولي (له): ما هذه الريح؟ ـ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتدّ عليه أن يوجد منه الريح ـ فإنه سيقول لكِ سَقَتْني حَفْصَةُ شربةَ عسلٍ. فقولي له: جَرَسَتْ نَحلُه العُرْفُطَ. وسأقول ذلك له، وقوليه أنتِ يا صفِيّة. فلما دخل على سَوْدَةَ ـ قالت: تقول سَوْدَةَ والله الذي لا إلٰه إلا هو لقد كِدْتُ أن أبادِئه بالذي قلتِ لي، وإنه لعلى الباب، فَرَقاً منك. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قال: «لا» قالت: فما هذه الريح؟ قال: «سَقَتني حَفْصَةُ شَرْبَةَ عسلٍ» قالت: جَرَسَتْ نَحْلُه الْعُرْفُطَ. فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك. ثم دخل على صَفِيّة فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حَفْصَة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه. قال «لا حاجة لي به»قالت: تقول سَوْدَة سبحان الله! (والله) لقد حَرَمناه. قالت: قلت لها اسكتيتفسير : . ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة. وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أمّ سلمة؛ رواه أسباط عن السّديّ. وقاله عطاء بن أبي مسلم. ابن العربي: وهذا كله جهل أو تصوّر بغير علم. فقال باقي نسائه حَسَداً وغَيْرَةً لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة، فيها حلاوة. واحدها مَغْفُور، وجَرَست: أكلت. والعُرْفُطُ: نبت له ريح كريح الخمر. وكان عليه السلام يعجِبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة المَلَك. فهذا قول. وقول آخر ـ أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه؛ قاله ابن عباس وعِكرمة. والمرأة أمّ شريك. وقول ثالث ـ إن التي حرم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المُقَوْقِس ملك الإسكندرية. قال ابن إسحاق: هي من كُورة أنْصِنا من بلد يقال له حَفْن فواقعها في بيت حفصة. روى الدَّارَقُطنيّ عن ابن عباس عن عمر قال: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمّ ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها ـ وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها ـ فقالت له: تُدخلها بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هَوانِي عليك. فقال لها:«لا تَذْكُرِي هذا لعائشة فهي عليّ حرام إن قَرُبْتُها» قالت حفصة: وكيف تحرّم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يَقْرَبها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تذكريه لأحد». فذكرته لعائشة، فآلَى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهنّ تسعا وعشرين ليلةتفسير : ؛ فأنزل الله عز وجل {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} الآية. الثانية ـ: أصحّ هذه الأقوال أوّلها. وأضعفها أوسطها. قال ابن العربيّ: «أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن ردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريماً لها؛ لأن من ردّ ما وُهب له لم يَحْرُم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل. وأما من روى أنه حَرّم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى؛ لكنه لم يدوّن في الصحيح. وروي مرسلاً. وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: حديث : حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ إبراهيم فقال:«أنت عليّ حرام والله لا آتينّك». فأنزل الله عز وجل في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}تفسير : وروى مثله ابن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك قال: راجعتْ عمرَ امرأةٌ من الأنصار في شيء فاقشعرّ من ذلك وقال: ما كان النساء هكذا! قالت: بلى، وقد كان أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يراجعنه. فأخذ ثوبه فخرج إلى حفْصة فقال لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، ولو أعلم أنك تكره ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه قال: رَغِمَ أنْفُ حفصة. وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسرّ ذلك. ونزلت الآية في الجميع. الثالثة ـ: قوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ} إن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا. ولا يحرّم قول الرجل: «هذا عليّ حرام» شيئاً حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمِل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يميناً توجب الكفارة. وقال زُفَر: هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون. وعوّل المخالف على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم العسل فلزمته الكفارة. وقد قال الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فسماه يميناً. ودليلُنا قول الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} تفسير : [المائدة:87]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } تفسير : [يونس:59]. فذمّ الله المحرِّم للحلال ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاج: ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله. ولم يجعل لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يحرّم إلا ما حرّم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أَمتِه: أنتِ عليّ حرام؛ ولم يَنْوِ طلاقاً ولا ظِهاراً فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين. ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة. ولو حرّم على نفسه طعاماً أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعيّ ومالك. وتجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثَّوْرِي وأبي حنيفة. الرابعة ـ: واختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: «أنت عليّ حرام» على ثمانية عشر قولا: أحدها ـ: لا شيء عليه. وبه قال الشعبيّ ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأَصْبَغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام؛ قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة:87] والزوجة من الطيبات ومما أحلّ الله. وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} تفسير : [النحل:116]. وما لم يحرّمه الله فليس لأحد أن يحرّمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحلّه الله هو عليّ حرام. وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله: «حديث : والله لا أقربها بعد اليوم» تفسير : فقيل له: لم تحرّم ما أحلّ الله لك؛ أي لم تمتنع منه بسبب اليمين. يعني اقْدم عليه وكَفّر. وثانيها ـ: أنها يمين يكفرها؛ قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ والأوزاعيّ؛ وهو مقتضى الآية. قال سعيد بن جُبير عن ابن عباس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها. وقال ابن عباس: لقد كان لكم في رَسُول الله أُسْوَةٌ حَسَنة؛ يعني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان حرّم جاريته فقال الله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} ـ إلى قوله ـ {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فكفّر عن يمينه وصيّر الحرام يميناً. خرّجه الدَّارَقُطْنيّ. وثالثها ـ: أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين؛ قاله ابن مسعود وابن عباس أيضاً في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر. والآية تردّه على ما يأتي. ورابعها ـ: هي ظِهار؛ ففيها كفارة الظِّهار، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق. وخامسها ـ: أنه إن نوى الظِّهار وهو ينوي أنها محرّمة كتحريم ظَهْر أمّه كان ظِهاراً. وإن نوى تحريم عَيْنها عليه بغير طلاق تحريماً مطلقاً وجبت كفارة يمين. وإن لم ينو شيئاً فعليه كفارة يمين، قاله الشافعيّ. وسادسها ـ: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب والزُّهْرِيّ وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجِشُون. وسابعها ـ: أنها طلقة بائنة، قاله حماد ابن أبي سليمان وزيد بن ثابت. ورواه ابن خُوَيْزِمَنْدَاد عن مالك. وثامنها ـ: أنها ثلاث تطليقات، قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضاً وأبو هريرة. وتاسعها ـ: هي في المدخول بها ثلاث، وينوى في غير المدخول بها، قاله الحسن وعلي ابن زيد والحكم. وهو مشهور مذهب مالك. وعاشرها ـ: هي ثلاث؛ ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل؛ قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي لَيْلَى. وحادي عشرها ـ: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث؛ قاله أبو مصعب ومحمد ابن عبد الحكم. وثاني عشرها ـ: أنه إن نوى الطلاق أو الظِّهار كان ما نَوَى. فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً. فإن نوى ثنتين فواحدة. فإن لم ينوِ شيئاً كانت يميناً وكان الرجل مُولِياً من امرأته؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه. وبمثله قال زُفَر؛ إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها ـ: أنه لا تنفعه نِيّة الظِّهار وإنما يكون طلاقاً؛ قاله ابن القاسم. ورابع عشرها ـ: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً؛ فإن ارتجعها لم يجز له وَطْؤُها حتى يكفر كفّارة الظِّهار. وخامس عشرها ـ: إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة فهي رجعية. وهو قول الشافعيّ رضي الله عنه. وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وسادس عشرها ـ: إن نوى ثلاثاً فثلاثاً، وإن واحدةً فواحدةً. وإن نوى يميناً فهي يمين. وإن لم يَنْو شيئاً فلا شيء عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور؛ إلا أنهما قالا: إن لم يَنْو شيئاً فهي واحدة. وسابع عشرها ـ: له نِيّتُه ولا يكون أقل من واحدة؛ قاله ابن شهاب. وإن لم يَنْو شيئاً لم يكن شيء؛ قاله ابن العربي. ورأيت لسعيد بن جُبير وهو: الثامن عشر ـ: أن عليه عِتْق رَقَبة وإن لم يجعلها ظِهاراً. ولست أعلم لها وجهاً ولا يبعد في المقالات عندي. قلت: قد ذكره الدَّارَقُطْنيّ في سننه عن ابن عباس فقال: حدّثنا الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا محمد بن منصور قال حدّثنا رَوْح قال: حدّثنا سفيان الثَّوْرِي عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حراماً. فقال: كذبت! ليست عليك بحرام؛ ثم تلا {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} عليك أغلظ الكفارات: عِتْقُ رَقَبة. وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما نزلت هذه الآية كفّر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى مارية؛ قاله زيد بن أسلم وغيره. الخامسة ـ: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصٌّ ولا ظاهرٌ صحيحٌ يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسَّك بالبراءة الأصلية فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. وأما من قال إنها يمين؛ فقال: سَمّاها الله يميناً. وأما من قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين؛ فبناه على أحد أمرين: أحدهما ـ أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها وإن لم تكن يميناً. والثاني ـ أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى. وأما من قال: إنها طلقة رجعية؛ فإنه حمل اللفظ على أقلّ وجوهه، والرجعية محرِّمة الوطء كذلك؛ فيحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكاً، لقوله: إن الرجعية محرِّمة الوطء. وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث. وأما من قال: إنه ظهار، فلأنه أقلّ درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع النكاح. وأما من قال: إنه طلقة بائنة، فَعَوَّل على أن الطلاق الرجعيّ لا يحرّم المطلقة، وأن الطلاق البائن يحرّمها. وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقاً، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفّارة. ابن العربي: «وهذا لا يصح، لأنه جمع بين المتضادين، فإنه لا يجتمع ظِهار وطلاق في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لايصح اجتماعه في الدليل. وأما من قال: إنه يُنَوَّى في التي لم يدخل بها، فلأن الواحد تُبينُها وتحرّمها شرعاً إجماعاً. وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة لا تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذاً بالأقل المتفَق عليه. وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن يكون المعنى مثله وهو التحريم». والله أعلم. وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمَة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين. ابن العربي: والصحيح أنها طلقة واحدة، لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقلّه وهو الواحدة إلا أن يعدّده. كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقلّه إلا أن يقّيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليّ حرام إلا بعد زوج، فهذا نص على المراد. قلت: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته؛ ذكره الثعلبيّ. وعلى هذا فكأنه قال: لا يَحْرُم عليك ما حرّمتَه على نفسك ولكن عليك كفارة يمين، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضاً. فكأنه قال: لم يَحْرُم عليك ما حَرَّمته، ولكن ضَمَمْتَ إلى التحريم يميناً فكفّر عن اليمين. وهذا صحيح، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم ثم حلف، كما ذكره الدَّارَقُطْنيّ. وذكر البخاريّ معناه في قصة العَسَل عن عبيد بن عُمير حديث : عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت جَحْش عسلاً ويمكث عندها، فتواطأتُ أنا وحفصة على أيّتنا دخل عليها فلْتَقُلْ: أكلتَ مَغَافِير؟ إني لأجد منك رِيح مَغَافير! قال:«لا ولكن شربتُ عسلاً ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري (بذلك) أحداً»تفسير : . يبتغي مرضات أزواجه. فيعني بقوله: «ولن أعود له» على جهة التحريم. وبقوله: «حلفت» أي بالله، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك، وحوالته على كفّارة اليمين بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} يعني العسل المحرّم بقوله: «لن أعود له». {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} أي تفعل ذلك طلباً لرضاهن. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفورٌ لما أوجب المعاتبة، رحيمٌ برفع المؤاخذة. وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصغائر. والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنّه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة.
البيضاوي
تفسير : مدنية وآيها اثنتا عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في نوبة عائشة رضي الله تعالى عنها أو حفصة، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته فيه فحرم مارية فنزلت. وقيل شرب عسلاً عند حفصة، فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له إنا نشمُّ منك ريح المعافير فحرم العسل فنزلت.تفسير : {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَجِكَ} تفسير لـ {تُحَرّمُ } أو حال من فاعله أو استئناف لبيان الداعي إليه. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لك هذه الزلة فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله. {رَّحِيمٌ } رحمك حيث لم يؤاخذك به وعاتبك محاماة على عصمتك. {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقَّدتهُ بالكفارة، أو الاستثناء فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم: حلل في يمينه إذا استثنى فيها، واحتج بها من رأى التحريم مطلقاً أو تحريم المرأة يميناً، وهو ضعيف إذ لا يلزم من وجوب كفارة اليمين فيه كونه يميناً مع احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أتى بلفظ اليمين كما قيل {وَٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } متولي أمركم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بما يصلحكم {ٱلْحَكِيمُ } المتقن في أفعاله وأحكامه {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ } يعني حفصة {حَدِيثاً } تحريم مارية أو العسل أو أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي فلما أخبرت حفصة عائشة رضي الله تعالى عنهما بالحديث {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } واطلع النبي عليه الصلاة والسلام على الحديث أي على إفشائه. {عَرَّفَ بَعْضَهُ} عرف الرسول صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ما فعلت. {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } عن أعلام بعض تكرماً أو جازاها على بعض بتطليقه إياها وتجاوز عن بعض، ويؤيده قراءة الكسائي بالتخفيف فإنه لا يحتمل ههنا غيره لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والمخفف بالعكس، ويؤيد الأول قوله: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ } فإنه أوفق للإِسلام. {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ } خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة. {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة رسول الله عليه الصلاة والسلام بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } وإن تتظاهرا عليه بما يسؤوه، وقرأ الكوفيون بالتخفيف. {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } فلن يعدم من يظاهره من الله والملائكة وصلحاء المؤمنين، فإن الله ناصره وجبريل رئيس الكروبيين قرينه، ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه. {وَالْمَلَـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ} متظاهرون، وتخصيص جبريل عليه السلام لتعظيمه، والمراد بالصالح الجنس ولذلك عمم بالإِضافة وبقوله بعد ذلك تعظيم لمظاهرة الملائكة من جملة ما ينصره الله تعالى به. {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوٰجاً خَيْراً مّنكُنَّ} على التغليب، أو تعميم الخطاب، وليس فيه ما يدل على أنه لم يطلق حفصة وأن في النساء خيراً منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه، وقرأ نافع وأبو عمرو {يُبْدِلَهُ} بالتخفيف. {مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ } مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات. {قَـٰنِتَـٰتٍ } مصليات أو مواظبات على الطاعات. {تَـٰئِبَـٰتٍ} عن الذنوب. {عَـٰبِدٰتٍ } متعبدات أو متذللات لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. {سَـٰئِحَـٰتٍ } صائمات سمي الصائم سائحاً لأنه يسبح بالنهار بلا زاد، أو مهاجرات. {ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } وسط العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثبيات والأبكار.
ابن كثير
تفسير : اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها، فنزل قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ} الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} إلى آخر الآية. وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراماً، فقالت: أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} قال زيد بن أسلم: فقوله: أنت علي حرام لغو، وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: قال لها: «حديث : أنت علي حرام والله لا أطؤك» تفسير : ، وقال سفيان الثوري وابن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فعوتب في التحريم وأمر بالكفارة في اليمين، رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه، وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل ابن حيان، وروى العوفي عن ابن عباس القصة مطولة. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: قلت لعمر ابن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية القبطية، أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئاً ما جئت إلى أحد من أزواجك في يَوْمِي وفي دوري وعلى فراشي، قال: «حديث : ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها» تفسير : ، قالت: بلى فحرمها، وقال لها: «حديث : لا تذكري ذلك لأحد» تفسير : ، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ} الآيات كلها. فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه، وأصاب جاريته. وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «حديث : لا تخبري أحداً، وإن أم إبراهيم علي حرام» تفسير : فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: «حديث : فوالله لا أقربها» تفسير : قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ} وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها، وقال ابن عباس: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جاريته، فقال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} - إلى قوله - {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فكفر يمينه، فصير الحرام يميناً، ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة عن هشام - هو - الدستوائي عن يحيى، هو ابن أبي كثير، عن ابن حكيم وهو يعلى عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في الحرام: يمين تكفر. وقال ابن عباس: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به. وقال النسائي: أنبأنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مخلد، وهو ابن يزيد، حدثنا سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراماً، قال: كذبت، ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} عليك أغلظ الكفارات: عتق رقبة، تفرّد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريته. ومن ههنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعاماً أو شراباً أو ملبساً أو شيئاً من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة، وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حرم عينيهما، أو أطلق التحريم فيهما، في قول، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة، أو عتق الأمة، نفذ فيهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني أنبأنا حفص بن عمر العدني أنبأنا الحكم بن أبان أنبأنا عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير، قال: «حديث : لا، ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينت بنت جحش، فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً» تفسير : {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ} هكذا أورد هذا الحديث ههنا بهذا اللفظ. وقال في كتاب الأيمان والنذور: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ذلك له، فقال: «حديث : لا، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له» تفسير : ، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ــــ إلى قوله تعالى ــــ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} لعائشة وحفصة {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} لقوله: «حديث : بل شربت عسلاً»تفسير : . وقال إبراهيم بن موسى عن هشام: «حديث : ولن أعود له، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً» تفسير : وهكذا رواه في كتاب الطلاق بهذا الإسناد ولفظه قريب منه، ثم قال: المغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث فيه حلاوة، أغفر به الرمث، إذا ظهر فيه، واحدها مغفور، ويقال: مغافير، وهكذا قال الجوهري، قال: وقد يكون المغفور أيضاً للعشر والثمام والسلم والطلح، قال: والرمث بالكسر: مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض، قال: والعرفط شجر من العضاه ينضح المغفور. وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب الطلاق من صحيحه عن محمد بن حاتم عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة به، ولفظه كما أورده البخاري في الأيمان والنذور، ثم قال البخاري في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك، فقولي: أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك، وقولي له أنت يا صفية ذلك، قالت: تقول سودة: فو الله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقاً منك، فلما دنا منها، قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: «حديث : لا» تفسير : ، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: «حديث : سقتني حفصة شربة عسل» تفسير : قالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إليّ، قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: «حديث : لا حاجة لي فيه» تفسير : قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي، هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به، وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة به، وعنده قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح، يعني: الريح الخبيثة، ولهذا قلن له: أكلت مغافير؟ لأن ريحها فيه شيء، فلما قال: «حديث : بل شربت عسلاً» تفسير : قلن: جرست نحله العرفط، أي رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته. قال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته، ومنه قيل للنحل: جوارس، قال الشاعر:شعر : تَظَلُّ عَلى الثّمْراءِ منْها جَوارِسُ تفسير : وقال: الجرس والجرس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث: «حديث : فيسمعون جرس طير الجنة» تفسير : ، قال الأصمعي: كنت في مجلس شعبة، قال: فيسمعون جرش طير الجنة، بالشين، فقلت: جرس، فنظر إلي فقال: خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منّا. والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن خالته عائشة، وفي طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد ابن عمير عن عائشة: أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سبباً لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم. ومما يدل على أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرز، ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فقال عمر: واعجباً لك يا ابن عباس قال الزهري: كره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه، قال: هي عائشة وحفصة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي، قال: فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم ــــ أي: أجمل ــــ وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ــــ يريد عائشة ــــ قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث: أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوماً ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: وما ذاك أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائناً، حتى إذا صليت الصبح، شددت عليّ ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلاماً له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي، فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج، فقال: فقد ذكرتك له فصمت، فخرجت، فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فوليت مدبراً، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك، فدخلت فسلّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متّكىء على رمال حصير ــــ قال الإمام أحمد: وحدثنا يعقوب في حديث صالح قال: رمال حصير ــــ وقد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: «حديث : لا» تفسير : فقلت: الله أكبر. ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت علي امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. فتبسم أخرى؛ فقلت: استأنس يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : ، فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئاً يرد البصر، إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالساً وقال: «حديث : أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» تفسير : ، فقلت: استغفر الله لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن، حتى عاتبه الله عزّ وجلّ. وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به، وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجّاً، فخرجت معه، فلما رجعنا وكنّا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم. هذا لفظ البخاري، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}؟ قال: عائشة وحفصة، ثم ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره. وقال مسلم أيضاً: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسكفة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحو ما تقدم ــــ إلى أن قال ــــ فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك؛ وقلما تكلمت ــــ وأحمد الله ــــ بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي، فنزلت هذه الآية آية التخيير: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَـٰئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ} فقلت: أطلقتهن؟ قال: «حديث : لا» تفسير : ، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الآية: {أية : وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم: {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ}: أبو بكر وعمر، زاد الحسن البصري: وعثمان، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ} قال: علي بن أبي طالب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين، قال: أخبرني رجل ثقة، يرفعه إلى عليّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ} قال: «حديث : هو علي بن أبي طالب» تفسير : إسناده ضعيف، وهو منكر جداً. وقال البخاري: حدثنا عمر بن عون، حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} فنزلت هذه الآية؛ وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} تفسير : [البقرة: 125] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس قال: قال عمر ابن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى الله عليه وسلم فاستقريتهن، أقول: لَتَكُفُّنَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن؟ فأمسكت فأنزل الله عزّ وجلّ: { عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً} وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِ حَدِيثاً} قال: دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة: أن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت» تفسير : ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أنبأك هذا؟ قال: {نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية، فحرمها؛ فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات، ومعنى قوله: {مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ} ظاهر. وقوله تعالى: {سَـٰئِحَـٰتٍ} أي: صائمات، قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله: {أية : ٱلسَّـٰئِحُونَ} تفسير : [التوبة: 112] في سورة براءة، ولفظه: «حديث : سياحة هذه الأمة الصيام»تفسير : وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: {سَـٰئِحَـٰتٍ} أي مهاجرات، وتلا عبد الرحمن: {ٱلسَّـٰئِحُونَ}، أي: المهاجرون، والقول الأول أولى، والله أعلم. وقوله تعالى: {ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً} أي منهن ثيبات، ومنهن أبكاراً ليكون ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوع يبسط النفس، ولهذا قال: {ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً} وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثنا عبد القدوس عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه: {ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً} قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوّجه، فالثيب آسية امرأة فرعون، وبالأبكار مريم بنت عمران. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مريم عليها السلام من طريق سويد بن سعيد: حدثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت خديجة، فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنّة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء، بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم. ومن حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة، وهي في الموت، فقال: «حديث : يا خديجة إذا لقيت ضرائرك، فأقرئيهن مني السلام»تفسير : ، فقالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال: «حديث : لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى»تفسير : ضعيف أيضاً، وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف بن شعيب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعلمت أن الله زوّجني في الجنّة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟» تفسير : فقلت: هنيئاً لك يا رسول الله وهذا أيضاً ضعيف، وروي مرسلاً عن ابن أبي داود.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } من أَمَتك مارية القبطية لما واقعها في بيت حفصة، وكانت غائبة فجاءت وشق عليه كون ذلك في بيتها وعلى فراشها حيث قلت: هي حرام عليَّ {تَبْتَغِى } بتحريمها {مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ } أي رضاهنّ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفر لك هذا التحريم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: الأوّل قول أكثر المفسرين. قال الواحدي: قال المفسرون: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم في وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: لا تخبري عائشة، ولك عليّ أن لا أقربها أبداً، فأخبرت حفصة عائشة، وكانتا متصافيتين، فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقرب مارية. فأنزل الله هذه السورة. قال القرطبي: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة، وذكر القصة. وقيل: السبب أنه كان صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة أن تقولا له إذا دخل عليهما إنا نجد منك ريح مغافير. وقيل: السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي دليل هذه الأقوال آخر البحث إن شاء الله، وستعرف كيفية الجمع بينهما، وجملة {تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ } مستأنفة، أو مفسرة لقوله: {تُحَرّمُ }، أو في محل نصب على الحال من فاعل {تحرّم} أي: مبتغياً به مرضاة أزواجك، و{مرضاة} اسم مصدر، وهو الرضى، وأصله مرضوة، وهو مضاف إلى المفعول، أي: أن ترضي أزواجك، أو إلى الفاعل، أي: أن يرضين هنّ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: بليغ المغفرة والرحمة لما فرط منك من تحريم ما أحلّ الله لك، قيل: وكان لك ذنباً من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل: إنها معاتبة على ترك الأولى. {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } أي: شرع لكم تحليل أيمانكم، وبيّن لكم ذلك، وتحلة أصلها: تحللة، فأدغمت. وهي من مصادر التفعيل كالتوصية والتسمية، فكأن اليمين عقد، والكفارة حلّ؛ لأنها تحلّ للحالف ما حرّمه على نفسه. قال مقاتل: المعنى قد بيّن الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة. أمر الله نبيه أن يُكَفر يمينه، ويراجع وليدته، فأعتق رقبة. قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله. قلت: وهذا هو الحقّ أن تحريم ما أحلّ الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه. فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل، والمذاهب فيه كثيرة، والمقالات فيه طويلة، وقد حققناه في مؤلفاتنا بما يشفي. واختلف العلماء هل مجرّد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، وليس في الآية ما يدلّ على أنه يمين؛ لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له، ثم قال: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرّم أوّلاً، ثم حلف ثانياً، كما قدّمنا {وَٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } أي: وليكم وناصركم، والمتولي لأموركم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بما فيه صلاحكم وفلاحكم {ٱلْحَكِيمُ } في أفعاله وأقواله. {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } قال أكثر المفسرين: هي حفصة كما سبق، والحديث، هو تحريم مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، والعامل في الظرف فعل مقدّر، أي: واذكر إذ أسرّ. وقال الكلبي: أسرّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } أي: أخبرت به غيرها {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } أي: أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها {عَرَّفَ بَعْضَهُ } أي: عرّف حفصة بعض ما أخبرت به. قرأ الجمهور: {عرّف} مشدّداً من التعريف، وقرأ عليّ، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمٰن السلمي، والحسن، وقتادة، والكسائي بالتخفيف. واختار أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الأولى لقوله: {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } أي: لم يعرّفها إياه، ولو كان مخففاً لقال في ضدّه: وأنكر بعضاً {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } أي: وأعرض عن تعريف بعض ذلك كراهة أن ينتشر في الناس، وقيل: الذي أعرض عنه هو حديث مارية. وللمفسرين ها هنا خبط وخلط، وكلّ جماعة منهم ذهبوا إلى تفسير التعريف والإعراض بما يطابق بعض ما ورد في سبب النزول، وسنوضح لك ذلك إن شاء الله {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } أي: أخبرها بما أفشت من الحديث {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا } أي: من أخبرك به {قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أي: أخبرني الذي لا يخفى عليه خافية. {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } الخطاب لعائشة وحفصة، أي: إن تتوبا إلى الله فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، ومعنى {صَغَتْ }: عدلت ومالت عن الحقّ، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إفشاء الحديث. وقيل المعنى: إن تتوبا إلى الله، فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، وقال: {قلوبكما}، ولم يقل "قلباكما"؛ لأن العرب تستكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } أي: تتظاهرا، قرأ الجمهور (تظاهرا) بحذف إحدى التاءين تخفيفاً. وقرأ عكرمة: (تتظاهرا) على الأصل. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: (تظهر) بتشديد الظاء والهاء بدون ألف، والمراد بالتظاهر التعاضد والتعاون، والمعنى: وإن تعاضدا وتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سرّه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } أي: فإن الله يتولى نصره وكذلك جبريل، ومن صلح من عباده المؤمنين، فلن يعدم ناصراً ينصره {وَالْمَلَـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي: بعد نصر الله له، ونصر جبريل، وصالح المؤمنين {ظَهِير} أي: أعوان يظاهرونه، والملائكة مبتدأ، وخبره ظهير. قال أبو عليّ الفارسي: قد جاء فعيل للكثرة كقوله: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً }تفسير : [المعارج: 10] قال الواحدي: وهذا من الواحد الذي يؤدّي عن الجمع كقوله: {أية : وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69] وقد تقرّر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع. وقيل: كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على النبيّ صلى الله عليه وسلم في النفقة. {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوٰجاً خَيْراً مّنكُنَّ } أي: يعطيه بدلكنّ أزواجاً أفضل منكنّ، وقد علم الله سبحانه أنه لا يطلقهنّ؛ ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن وقع منه الطلاق أبدله خيراً منهن تخويفاً لهنّ. وهو كقوله: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } تفسير : [محمد: 38] فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم. ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله: {مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ } أي: قائمات بفرائض الإسلام مصدّقات بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والقدر خيره وشرّه. وقال سعيد بن جبير: مُسْلِمَـٰتٍ أي: مخلصات وقيل معناه: مسلمات لأمر الله ورسوله {قَـٰنِتَـٰتٍ } مطيعات لله، والقنوت: الطاعة، وقيل: مصليات {تَـٰئِبَـٰتٍ } يعني: من الذنوب {عَـٰبِدٰتٍ } لله متذللات له. قال الحسن، وسعيد بن جبير: كثيرات العبادة {سَـٰئِحَـٰتٍ } أي: صائمات. وقال زيد بن أسلم: مهاجرات، وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلاّ الهجرة. قال ابن قتيبة، والفراء، وغيرهما: وسمي الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه، وقيل المعنى: ذاهبات في طاعة الله، من ساح الماء: إذا ذهب، وأصل السياحة: الجولان في الأرض، وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة {ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } وسط بينهما العاطف لتنافيهما، والثيبات: جمع ثيب، وهي المرأة التي قد تزوّجت، ثم ثابت عن زوجها فعادت، كما كانت غير ذات زوج. والأبكار: جمع بكر، وهي العذراء، سميت بذلك؛ لأنها على أوّل حالها التي خلقت عليه. وقد أخرج البخاري وغيره عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها لبناً، أو عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة إن أيتنا دخل عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: «حديث : لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود»تفسير : ، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } إلى قوله: {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ } لعائشة وحفصة {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } لقوله: «بل شربت عسلاً». وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، قال السيوطي بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً، فقال: «حديث : أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه أبداً»تفسير : ، فأنزل الله: {عِلْمَا يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } الآية. وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن رافع قال: سألت أمّ سلمة عن هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبه. فقالت له عائشة: نحلها تجرس عرفطاً فحرّمها، فنزلت الآية. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } وأخرج البزار، والطبراني، قال السيوطي: بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدوّ الحديث في شأن مارية القبطية أمّ إبراهيم أصابها النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة، فقالت: يا رسول الله لقد جئت إليّ بشيء ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري على فراشي، قال: «حديث : ألا ترضين أن أحرمها، فلا أقربها أبداً؟»تفسير : قالت: بلى فحرّمها وقال:حديث : لا تذكري ذلك لأحد»تفسير : ، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ }. الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَفّر عن يمينه وأصاب مارية. وأخرجه ابن سعد، وابن مردويه عنه بأطول من هذا، وأخرجه ابن مردويه أيضاً من وجه آخر عنه بأخصر منه، وأخرجه ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عنه مختصراً بلفظ قال: حرّم سريته، وجعل ذلك سبب النزول في جميع ما روي عنه من هذه الطرق، وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده، والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لحفصة: «حديث : لا تحدّثي أحداً، وإن أمّ إبراهيم عليّ حرامتفسير : ، فقالت: أتحرّم ما أحلّ الله لك؟ قال:حديث : فوالله لا أقربها»تفسير : ، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ }. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن أبي هريرة أن سبب نزول الآية تحريم مارية كما سلف، وسنده ضعيف. فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعاً، وفي كل واحد منهما أنه أسرّ الحديث إلى بعض أزواجه. وأما ما قيل: من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها، فليس في ذلك إلاّ ما روى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } في المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قال السيوطي: وسنده ضعيف. ويردّ هذا أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة لنفسها، فكيف يصحّ أن يقال: إنه نزل في شأنها {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}؟ فإن من ردّ ما وهب له لم يصحّ أن يقال: إنه حرّمه على نفسه، وأيضاً لا ينطبق على هذا السبب قوله: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } إلى آخر ما حكاه الله. وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ثم ذكر قصة الإيلاء، كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدّمنا من قصة العسل، وقصة السرية؛ لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ }. ويؤيد هذا ما قدّمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة، وبيّن له أن السبب قصة مارية. هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه، فاشدد عليه يديك؛ لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. وأخرج عبد الرزاق، والبخاري، وابن مردويه عن ابن عباس قال: في الحرام يكفر، وقال: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }تفسير : [الأحزاب: 21]. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه جاءه رجل، فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حراماً، فقال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا {لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة. وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت: لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } فأحلّ يمينه وأنفق عليه. وأخرج ابن عديّ، وابن عساكر عن عائشة في قوله: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } قالت: أسرّ إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ابن عديّ، وأبو نعيم في الصحابة، والعشاري في فضائل الصدّيق، وابن مردويه، وابن عساكر من طرق عن عليّ، وابن عباس قال: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي، فإياك أن تخبري أحداً بهذا. قلت: وهذا ليس فيه أنه سبب نزول قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } بل فيه أن الحديث الذي أسرّه صلى الله عليه وسلم هو هذا، فعلى فرض أن له إسناداً يصلح للاعتبار هو معارض بما سبق من تلك الروايات الصحيحة، وهي مقدّمة عليه ومرجحة بالنسبة إليه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } قال: زاغت وأثمت. وأخرج ابن المنذر عنه قال: مالت. وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه في قوله: {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } قال: أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود مثله. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في فضائل الصحابة من وجه آخر عنه مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، وابن عباس مثله. وأخرج الحاكم عن أبي أمامة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي حاتم. قال السيوطي بسندٍ ضعيف عن عليّ مرفوعاً قال: هو عليّ بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } عليّ بن أبي طالب»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } قال: هو عليّ بن أبي طالب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بريدة في قوله: {ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم بنت عمران.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها النبيُّ لم تُحرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدهاه: أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، قاله ابن عباس. والثاني: أنه عسل شربه النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، واختلف فيها فروى عروة عن عائشة أنه شربه عند حفصة وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وروى أسباط عن السدي أنه شربه عند أم سلمة، فقال يعني نساؤه عدا من شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير، وكان يكره أن يوجد منه الريح، وقلن له: جَرَسَتْ نحلة العُرفُط، فحرّم ذلك على نفسه، وهذا قول من ذكرنا. الثالث: أنها مارية أم إبراهيم خلا بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة بنت عمر وقد خرجت لزيارة أبيها، فلما عادت وعلمت عتبت على النبي صلى الله عليه وسلم فحرمها على نفسه أرضاء لحفصة، وأمرها أن لا تخبر أحداً من نسائه، فأخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما وكانت تتظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم أي تتعاونان، فحرّم مارية وطلق حفصة واعتزل سائر نسائه تسعة وعشرين يوماً، وكان جعل على نفسه أن يُحرّمهن شهراً، فأنزل اللَّه هذه الآية، فراجع حفصة واستحل مارية وعاد إلى سائر نسائه، قاله الحسن وقتادة والشعبي ومسروق والكلبي وهو ناقل السيرة. واختلف من قال بهذا، هل حرّمها على نفسه بيمين آلى بها أم لا، على قولين: أحدهما: أنه حلف يميناً حرّمها بها، فعوتب في التحريم وأُمر بالكفارة في اليمين، قاله الحسن وقتادة والشعبي. الثاني: أنه حرّمها على نفسه من غير يمين، فكان التحريم موجباً لكفارة اليمين، قاله ابن عباس. {قد فَرَضَ اللَّهُ لكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم} فيه وجهان: أحدهما: قد بيّن اللّه لكم المخرج من أيمانكم. الثاني: قد قدر اللّه لكم الكفارة في الحنث في أيمانكم. {وإذْ أسَرًّ النبيُّ إلى بَعْضِ أزْاجِهِ حَديثاً} فيه قولان: أحدهما: أنه أسَرَّ إلى حفصة تحريم ما حرمه على نفسه، فلما ذكرته لعائشة وأطلع اللَّه نبيه على ذلك عرّفها بعض ما ذكرت، وأعرض عن بعضه، قاله السدي. الثاني: أسرّ إليها تحريم مارية، وقال لها: اكتميه عن عائشة وكان يومها منه، وأُسِرّك أن أبا بكر الخليفة من بعدي، وعمر الخليفة من بعده، فذكرتها لعائشة، فلما أطلع اللَّه نبيه {عرّف بعضه وأعرض عن بعض} فكان الذي عرف ما ذكره من التحريم، وكان الذي أعرض عنه ما ذكره من الخلافة لئلا ينتشر، قاله الضحاك. وقرأ الحسن: " عَرَف بعضه" بالتخفف، وقال الفراء: وتأويل قوله: عرف بعضه بالتخفيف أي غضب منه وجازى عليه، {إن تَتوبا إلى اللَّهِ فَقدْ صَغَتْ قلوبُكما} يعني بالتوبة اللتين تظاهرتا وتعاونتا من نساء النبي صلى الله عليه وسلم على سائرهن وهما عائشة وحفصة. وفي " صغت" ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني زاغت، قاله الضحاك. الثاني: مالت، قاله قتادة، قال الشاعر: شعر : تُصْغِي القلوبُ إلى أَغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عباس بن عبد المطلب تفسير : والثالث: أثمت، حكاه ابن كامل. وفيما أوخذتا بالتوبة منه وجهان: أحدهما: من الإذاعة والمظاهرة. الثاني: من سرورهما بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من التحريم، قاله ابن زيد. {وإن تَظَاهَرا عليه} عين تعاونا على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فإن الله هو مولاه} يعني وليه {وجبريل} يعني وليه أيضاً. {وصالحُ المؤمنين}فيهم خمسة أقاويل: أحدها: أنهم الأنبياء، قاله قتادة وسفيان. الثاني: أبو بكر وعمر، قال الضحاك وعكرمة: لأنهما كانا أبوي عائشة وحفصة وقد كانا عونا له عليهما. الثالث: أنه عليّ. الرابع: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. الخامس: أنهم الملائكة، قاله ابن زيد. ويحتمل سادساً: أن صالح المؤمنين من وقى دينه بدنياه. {والملائكةُ بعَدَ ذلك ظهيرٌ} يعني أعواناً للنبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل تحقيق تأويله وجهاً ثانياً: أنهم المستظهر بهم عند الحاجة اليهم. {عَسى ربُّه إن طَلّقكُنّ أَن يُبدِلَه أَزْواجاً خيراً مِنكُنَّ} أما نساؤه فخير نساء الأمَّة. وفي قوله {خَيْراً مِّنكُنَّ} ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أطوع منكن. والثاني: أحب إليه منكن. والثالث: خيراً منكن في الدنيا، قاله السدي. {مَسْلِماتٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني مخلصات، قاله ابن جبير ونرى ألا يستبيح الرسول إلا مسلمة. الثاني: يقمن الصلاة ويؤتين الزكاة كثيراً، قاله السدي. الثالث: معناه مسلمات لأمر اللَّه وأمر رسوله، حكاه ابن كامل. {مؤمناتٍ} يعني مصدقات بما أُمرْن به ونُهين عنه. {قانتاتٍ} فيه وجهان: أحدهما: مطيعات. الثاني: راجعات عما يكرهه اللَّه إلى ما يحبه. {تائباتٍ} فيه وجهان: أحدهما: من الذنوب، قاله السدي. الثاني: راجعات لأمر الرسول تاركات لمحاب أنفسهن. {عابداتٍ} فيه وجهان: أحدهما: عابدات للَّه، قاله السدي. الثاني: متذللات للرسول بالطاعة، ومنه أخذ اسم العبد لتذللـه، قاله ابن بحر. {سائحاتٍ} فيه وجهان: أحدهما: صائمات، قاله ابن عباس والحسن وابن جبير. قال ابن قتيبة: سمي الصائم سائحاً لأنه كالسائح في السفر بغير زاد. وقال الزهري: قيل للصائم سائح لأن الذي كان يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه كان ممسكاً عن الأكل، والصائم يمسك عن الأكل، فلهذه المشابهة سمي الصائم سائحاً، وإن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح، والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المشتهى، وهو الأكل والشرب والوقاع. وعندي فيه وجه آخر وهو أن الإنسان إذا امتنع عن الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه أبواب الشهوات انفتحت عليه أبواب الحكم وتجلت له أنوار المتنقلين من مقام إلى مقام ومن درجة إلى درجة فتحصل له سياحة في عالم الروحانيات. الثاني: مهاجرات لأنهن بسفر الهجرة سائحات، قاله زيد بن أسلم. {ثَيّباتٍ وأبْكاراً} أما الثيب فإنما سميت بذلك لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، أو إلى غيره إن فارقها، وقيل لأنها ثابَتْ إلى بيت أبويها، وهذا أصح لأنه ليس كل ثيّب تعود إلى زوج. وأما البكر فهي العذراء سميت بكراً لأنها على أول حالتها التي خلقت بها. قال الكلبي: أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون، والبكر مثل مريم بنت عمران. روى خداش عن حميد عن أنس قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول اللَّه لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول اللَّه إنك يدخل إليك البرُّ والفاجر فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل اللَّه آية الحجاب، وبلغني عن أمهات المؤمنين شىء [فدخلت عليهن فقلت]: لتَكُفُّنّ عن رسول اللَّه أو ليبدلنه اللًَّه أزوجاً خيراً منكن حتى دخلت على إحدى أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول اللَّه ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأمسكت فأنزل اللَّه تعالى: {عسى ربُّه إن طلّقكنّ} الآية.
ابن عطية
تفسير : روي في الحديث عن زيد بن أسلم والشعبي وغيرهما ما معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أهدى المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية، فلما كان في بعض الأيام وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل بل كان في يوم عائشة،حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت إلى زيارة أبيها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جاريته فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتهما فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية وذهبت، فدخلت حفصة غيرى متغيرة اللون فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مترضياً لها: أيرضيك أن أحرمها قالت: نعم، فقال: إني قد حرمتهاتفسير : . قال ابن عباس، وقال مع ذلك والله لا أطؤها أبداً، ثم قال لها: لا تخبري بهذا أحداً، فمن قال إن ذلك كان في يوم عائشة، قال استكتمها خوفاً من غضب عائشة وحسن عشرتها، ومن قال: كان في يوم حفصة، قال استكتمتها لنفس الأمر، ثم إن حفصة رضي الله عنها قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم ترض إفشاءه إليها حرجاً واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه، ونزلت الآية. وروي عن عكرمة أن هذا نزل بسبب شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر النقاش نحوه عن ابن عباس، وروى عبد بن عمير عن عائشةحديث : أن هذا التحريم المذكور في الآية، إنما هو بسبب شراب العسل الذي شربه صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش، فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له: من دنا منها، أكلتَ مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الريح، ففعلن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولكني شربت عسلاً"، فقلن: جرست نحله العرفط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أشربه أبداً" وكان يكره أن توجد منه رائحة ثقيلة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألا نسقيك من ذلك العسل؟ قال: "لا حاجة لي به" تفسير : ،قالت عائشة: تقول سودة حين بلغها امتناعه والله لقد حرمتاه. قلت لها: اسكتي. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول إن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية، ومتى حرم رجل مالاً أو جارية دون أن يعتق و يشترط عتقاً أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، واختلف العلماء إذ حرم زوجته بأن يقول لها: أنت علي حرام، والحلال علي حرام، ولا يستثني زوجته، فقال مالك رحمه الله: هي ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها فهو ما أراد من الواحدة أو الاثنين أو الثلاث، وقال عبد الملك بن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين ولا ينوي في شيء. وقال أبو المصعب وغيره. وروى ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة في المدخول بها وغير المدخول بها، وروي عن عبد العزيز بن الماجشون، أنه كان يحملها على واحدة رجعية، وقال غير واحد من أهل العلم: التحريم لا شيء، وإنما عاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم فيه ودله على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله: "قد حرمتها والله لا أطؤها أبداً"، وقال مسروق: ما أبالي أحرمتها أو قصعة من ثريد. وكذلك قال الشعبي ليس التحريم بشيء، قال تعالى: {أية : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} تفسير : [النحل: 116] وقال: {أية : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} تفسير : [المائدة: 87]، ومحرم زوجته مسم حراماً ما جعله حلالاً، ومحرم ما أحل الله له، وقال أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة وأبو ثور والأوزاعي والحسن وجماعة: "التحريم" يلزم فيه تكفير يمين بالله، والتحلة إنما هي من جهة التحريم ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لا أطؤها"، وقال أبو قلابة: التحريم ظهار، وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد بذلك طلاقاً فهو لا شيء. وقال: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد طلاقاً فهو يمين، فدعا الله تعالى نبيه باسم النبوة الذي هو دال على شرف منزلته وعلى فضيلته التي خصه بها دون البشر، وقرره كالمعاتب على سبب تحريمه على نفسه ما أحل الله له، وقوله: {تبتغي} جملة في موضع الحال من الضمير الذي في {تحرم}، و "المرضاة" مصدر كالرضى، ثم غفر له تعالى ما عاتبه فيه ورحمه، وقوله: {قد فرض الله} أي بين وأثبت، وقال قوم من أهل العلم: هذه إشارة إلى تكفير التحريم، وقال آخرون: هي إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم. والتحلة: مصدر ووزنها تفعلة وأدغم لاجتماع المثلين، وأحال في هذه الآية على الآية التي فسر فيها الإطعام في كفارة اليمين بالله والمولى الموالي الناصر العاضد، وقوله تعالى: {وإذ أسر النبي} الآية معناه اذكر يا محمد ذلك، على وجه التأنيب والعتب لهن، وقال الجمهور الحديث هو قوله في أمر مارية، وقال آخرون: بل هو قوله: "إنما شربت عسلاً"، وبعض أزواجه هي حفصة، و {نبأت} معناه، أخبرت، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ طلحة: "أنبأت" وكان إخبارها لعائشة، وهذا ونحوه هو التظاهر الذي عوتبتا فيه، وقال ميمون بن مهران: الحديث الذي أسر إلى حفصة، أنه قال لها: "حديث : وأبشري بأن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي بعدي خلافة" تفسير : ،وتعدت "نبأ" في هذه الآية مرة إلى مفعولين ومرة إلى مفعول واحد، لأن ذلك يجوز في أنبأ ونبأ إذا كان دخولها على غير الابتداء والخبر، فمتى دخلت على الجملة تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، ولا يجوز الاقتصار. وقوله تعالى: {وأظهره الله عليه} أي أطلعه، وقرأ الكسائي وحده وأبو عبد الرحمن وطلحة وأبو عمرو بخلاف والحسن وقتادة: "عرَف" بتخفيف الراء، وقرأ الباقون وجمهور الناس: "عرّف" بشدها، والمعنى في اللفظة مع التخفيف جازى بالعتب واللوم، كما تقول لإنسان يؤذيك: قد عرفت لك هذا ولأعرفن لك هذا بمعنى لأجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى: {أية : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، فأعرض عنهم} تفسير : [النساء: 63]، فعلم الله زعيم بمجازاتهم، وكذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى مع الشد في الراء علم به وأنب عليه، وقوله تعالى: {وأعرض عن بعض} أي تكرماً وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حينئذ حفصة، ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها، وروي أنه عاتبها ولم يطلقها، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بالخبر، وأنها أفشته إلى عائشة، ظنت أن عائشة فضحتها، فقالت: من أنبأك هذا؟ على جهة التثبت، فلما أخبرها أن الله تعالى أخبره، سكتت وسلمت.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِمَ تُحَرِّمُ} أراد المرأة التي وهبته نفسها فلم يقبلها "ع" أو سقته حفصة أو سودة أو أم سلمة عسلاً فحسدها نساؤه فقلن للرسول صلى الله عليه وسلم نجد منك ريح المغافير فقال شربت عسلاً فقلن جَرَستْ نحلُه العُرْفُط فحرمه على نفسه أو خلا الرسول صلى الله عليه وسلم بمارية في بيت حفصة لما خرجت لزيارة أبيها فلما عادت وعلمت عتبت فحرم مارية إرضاءاً لحفصة وقال لا تخبرين أحداً من نسائي فأخبرت به عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ لمصافاة كانت بينهما وكانتا تتظاهران على نسائه فحرم مارية وطلق حفصة وجعل على نفسه أن يحرم سائر نسائه شهراً فاعتزلهن شهراً فنزلت هذه الآية فراجع حفصة واستحل مارية وعاد إلى سائر نسائه "ح" وحلف يميناً حرمها بها فعوتب على ذلك وأمر بتكفير يمينه أو حرمها بغير يمين فكان التحريم موجباً لكفارة اليمين "ع".
النسفي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة رضي الله عنها وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا مصادقتين. وقيل خلابها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة. روي أنه شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة وقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم التفل فحرم العسل، فمعناه لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل {تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ } تفسير لـ {تُحَرّمُ } أو حال أو استئناف وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } قد غفر لك ما زللت فيه {رَّحِيمٌ } قد رحمك فلم يؤاخذك به {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة، أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة، أو شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها حتى لا يحنث، وتحريم الحلال يمين عندنا. وعن مقاتل« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية». وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين {وَٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } سيدكم ومتولي أموركم. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم أنفسكم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بما يصلحكم فيشرعه لكم {ٱلْحَكِيمُ } فيما أحل وحرم. {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ } يعني حفصة {حَدِيثاً } حديث مارية وإمامة الشيخين {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } أفشته إلى عائشة رضي الله عنها {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } وأطلع النبي صلى الله عليه وسلم على إفشائها الحديث على لسان جبريل عليه السلام {عَرَّفَ بَعْضَهُ } أعلم ببعض الحديث {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } فلم يخبر به تكرماً. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام {عَرَّفَ } بالتخفيف: عليّ أي جازى عليه من قولك للمسيء لأعرفن لك ذلك. وقيل: المعروف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية. وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أباها {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } نبأ النبي حفصة بما أفشت من السر إلى عائشة {قَالَتْ } حفصة للنبي صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ } بالسرائر {ٱلْخَبِيرُ } بالضمائر. {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ } خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ودل على المحذوف {فَقَدْ صَغَتْ } مالت {قُلُوبُكُمَا } عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } بالتخفيف: كوفي وإن تعاونا عليه بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ } وليه وناصره. وزيادة {هُوَ } إيذان بأنه يتولى ذلك بذاته {وَجِبْرِيلُ } أيضاً وليه {وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } ومن صلح من المؤمنين أي كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: من بريء من النفاق. وقيل: الصحابة. وقيل: واحد أريد به الجمع كقولك لا يفعل هذا الصالح من الناس تريد الجنس. وقيل: أصله صالحو المؤمنين فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } على تكاثر عددهم {بَعْدَ ذَلِكَ } بعد نصرة الله وجبريل وصالحي المؤمنين {ظَهِيرٍ } فوج مظاهر له فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه، ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله قال بعد ذلك تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم. {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ } {يُبْدِلَهُ } مدني وأبو عمرو فالتشديد للكثرة {أَزْوٰجاً خَيْراً مّنكُنَّ } فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيراً منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيراً منهن {مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ } مقرات مخلصات {قَـٰنِتَـٰتٍ } مطيعات، فالقنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله {تَـٰئِبَـٰتٍ } من الذنوب أو راجعات إلى الله وإلى أمر رسوله {عَـٰبِدٰتٍ } لله {سَـٰئِحَـٰتٍ } مهاجرات أو صائمات. وقيل: للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره {ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار دون سائر الصفات لأنهما صفتان متنافيتان بخلاف سائر الصفات. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ } بترك المعاصي وفعل الطاعات {وَأَهْلِيكُمْ } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم {نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } نوعاً من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب {عَلَيْهَا } يلي أمرها وتعذيب أهلها {مَلَـئِكَةٌ } يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم {غِلاَظٌ شِدَادٌ } في أجرامهم غلظة وشدة أو غلاظ الأقوال شداد الأفعال {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ } في موضع الرفع على النعت {مَا أَمَرَهُمْ } في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره كقوله {أية : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى }تفسير : [طه: 93] أو لا يعصونه فيما أمرهم {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وليست الجملتان في معنى واحد، إذ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا لأنه لا عذر لكم، أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } صادقة عن الأخفش رحمه الله. وقيل: خالصة. يقال: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. وقيل: نصوحاً من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك وترم خللك، ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، وبضم النون: حماد ويحيـى وهو مصدر أي ذات نصوح أو تنصح نصوحاً وجاء مرفوعاً «إن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع» وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإقلاع بالإركان. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } هذا على ما جرت به عادة الملوك من الإجابة بـ «عسى» و«لعل» ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } ونصب {يَوْمَ } بـ {يدخلكم} {لاَ يُخْزِى ٱللهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} فيه تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر {نُورُهُم } مبتدأ {يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ } في موضع الخبر {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } يقولون ذلك إذا انطفأ نور المنافقين {وَٱغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ } بالسيف {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بالقول الغليظ والوعد البليغ. وقيل: بإقامة الحدود عليهم {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة باللسان {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} ذكر سبب نزولها، (ق) "حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لا فقولي ما هذه الريح التي أجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست نحله العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك فلما دخل على سودة قالت تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب فرقاً منك فلما دنا منها قالت له سودة يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال لا قالت فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال سقتني حفصة شربة عسل قال جرست نحله العرفط فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك ثم دخل على صفية فقالت له مثل ذلك فلما دخل على حفصة قالت له يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه قلت لها اسكتي" تفسير : (ق) "حديث : عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً فتواطيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له" تفسير : فنزلت {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله {إن تتوبا إلى الله} لعائشة وحفصة {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} لقوله "حديث : بل شربت عسلاً ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً"تفسير : زاد في رواية "حديث : يبتغي بذلك مرضاة أزواجه ". تفسير : (شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما) قولها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل الحلواء بالمد وهو كل شيء حلو وذكر العسل بعدها وإن كان داخلاً في جملة الحلواء تنبيهاً على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام قولها في الحديث الثاني فتواطيت أنا وحفصة هكذا ذكر في الرواية وأصله فتواطأت أي اتفقت أنا وحفصة قولها إني لأجد منك ريح مغافير هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء وهو صمغ حلو كالناطف وله رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له العرفط بضم العين المهملة وبالفاء يكون بالحجاز وقيل العرفط نبات له ورق عريض يفرش على الأرض له شوكة وثمره خبيث الرائحة، وقال أهل اللغة العرفط من شجر العضاه وهو كل شجر له شوك، وقيل رائحته كرائحة النبيذ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يوجد منه رائحة كريهة قولها جرست نحله العفرط هو بالجيم والراء وبالسين المهملتين ومعناه أكلت نحله العرفط فصار منه العسل قولها في الحديث الثاني فقال شربت عسلاً عند زينب بنت جحش وفي الحديث الأول أن الشرب كان عند حفصة بنت عمر بن الخطاب وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتي تظاهرن عليه قال القاضي عياض والصحيح الأول قال النسائي إسناد حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج صحيح حيد غاية وقال الأصيلي حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب الله وأكمل فائدة يريد قوله تعالى: {وإن تظاهرا عليه} وهما ثنتان لا ثلاثة وأنهما عائشة وحفصة كما اعترف به عمر في حديث ابن عباس وسيأتي الحديث قال وقد انقلبت الأسماء على الراوي في الرواية الأخرى يعني الحديث الأول الذي فيه أن الشرب كان عند حفصة قال القاضي عياض: والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش ذكره الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم وكذا ذكره القرطبي أيضاً وقال المفسرون في سبب النزول "حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة وخلا بها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقاً فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقاً وحفصة تبكي فقال ما يبكيك؟ قالت إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ووقعت عليها في يومي وعلى فراشي أما رأيت لي حرمة وحقاً ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية وقد أراحنا الله منها وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي بها صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها تفسير : عن أنس بن مالك رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها بها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية تفسير : أخرجه النسائي قال العلماء الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح قال النسائي إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية. وأما التفسير فقوله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} أي من العسل أو ملك اليمين على اختلاف الرواية فيه وهذا التحريم تحريم امتناع عن الانتفاع بها أو بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حراماً بعد ما أحله الله فالنبي "صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك حلال تبتغي مرضاة أزواجك أي تطلب رضاهن بترك ما أحل الله لك والله غفور رحيم أي غفر لك ذلك التحريم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {عرف} بالتخفيف: عليّ {تظاهرا} عاصم وحمزة وعلي وخلف. {أن يبدله} بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {نصوحاً} بضم النون: يحيى وحماد {وكتبه} على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص. الوقوف {لك} ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز {أزواجك} ط {رحيم} ه {أيمانكم} ج لعطف الجملتين المختلفتين {مولاكم} ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين {الحكيم} ه {حديثاً} ج {عن بعض} ج {هذا} ط {الخبير} ه {قلوبكما} ج {المؤمنين} ه لتناهي الشرط إلى الإخبار {ظهير} ه {وأبكاراً} ه {ما يؤمرون} ه {اليوم} ط {تعملون} ه {نصوحاً} ط {الأنهار} لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله {ويدخلكم} وج لاحتمال أن {يوم} متعلق بقوله {يسعى} بعد {واغفر لنا} ج للابتداء بأن مع احتمال اللام {قدير} ه {عليهم} ه {جهنم} ط {المصير} ه {لوط} ط لابتداء الحكاية {الداخلين} ه {فرعون} ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ {ضرب} بل التقدير " اذكروا " {الظالمين} ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون {القانتين} ه. التفسير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير. والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل. الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين. وههنا روايتان: الأولى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي تفسير : ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين. الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك. فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة. قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله "حديث : والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" تفسير : فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك {والله غفور} لك {رحيم} بك والدليل عليه ظاهر. قوله {قد فرض الله لكم تحلة} بمعنى التحليل كالتكرمة {أيمانكم} أي شرع لكم تحليلها بالكفارة. وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث. والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم. عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية. وما حكم تحريم الحلال؟ قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى. وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين. وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق. وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي. وعن علي رضي الله عنه: ثلاث. وعن عثمان: ظهار. وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه {والله مولاكم} متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم {وهو العليم} بما يصلحكم {الحكيم} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {و} اذكر {إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه} وهي حفصة {حديثاً} هو حديث مارية وإمامة الشيخين {فلما نبأت به} حفصة عائشة {وأظهره الله} على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور {عرف بعضه} أعلم ببعض الحديث. ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية. وإنما أعرض عن البعض تكرماً. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي. وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة. ولما كان المقصود في قوله {من أنبأك هذا} ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً. ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما. ووجه الجمع ما مر في قوله {أية : فاقطعوا أيديهما}تفسير : [المائدة: 38] {وإن تظاهرا} أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله {مولاه} أي ناصره {وجبريل} خاصة من بين الملائكة {وصالح المؤمنين} قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً. وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ. عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق. وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء. {والملائكة} على كثرة جموعهم {بعد ذلك} الذي عرف من نصرة المذكورين {ظهير} فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما. ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً. ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله {عسى ربه إن طلقكنّ} الآية. والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة. قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه. وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن. وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله {وأبكاراً} يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين. ثم عمم التحذير فقال {قوا أنفسكم} وهو أمر من الوقاية في الحديث " حديث : رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة "تفسير : وتفسير قوله {وقودها الناس والحجارة} قد مر في أول " البقرة ". وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها. وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم {عليها ملائكة} أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله. وقوله {ما أمرهم} نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله. ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً {ويفعلون ما يؤمرون} ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل. ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله {لا تعتذروا} لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم. ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق. وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك. وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع. وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها. و {عسى} من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا. قوله {لا يخزي} تعريض لمن أخزاهم من أهل النار {أية : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته}تفسير : [آل عمران: 192] كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم. قوله {نورهم يسعى} قد مرّ في الحديد قوله {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله سبحانه على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ". ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط. واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران. وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة {ادخلا النار مع} سائر {الداخلين} الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم. وفي قوله {عبدين من عبادنا} إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان. وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين. فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى عليه السلام وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها. قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها. وقيل: لما {قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة} بنى من درّة. ومعنى {عندك بيتاً في الجنة} أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة. وقولها {من فرعون وعمله} كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين. والضمير في {فيه} للفرج. وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء". وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل. وقرىء {بكلمة الله} أي بعيسى {وكانت من القانتين} من باب التغليب كما مرّ في قوله {أية : واركعي مع الراكعين} تفسير : [آل عمران: 43] وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون عليه السلام.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...} الآية، وفي الحديثِ مِنْ طُرُقٍ ما معناه؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءَ إلى بيتِ حَفْصَةَ، فوجَدَها قد مرَّتْ لزيارةِ أبيهَا، فَدَعَا صلى الله عليه وسلم جاريَتَهُ مَارِيَّةَ، فَقَالَ مَعَها، فَجَاءَتْ حَفْصَةُ وَقَالَت: يا نبيَّ اللَّه! أفِي بَيْتِي وَعَلَىٰ فِرَاشِي؟ فَقَالَ لَهَا صلى الله عليه وسلم: مترضِّياً لها: «أيُرْضِيكِ أنْ أُحَرِّمَها؟ قَالَتْ: نَعَمْ؛ فقال: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُهَا»، قال ابن عباس: وقالَ مَعَ ذلكَ: واللَّهِ، لاَ أَطَؤُهَا أَبَداً، ثم قال لها: لاَ تُخْبِرِي بِهَذَا أَحَداً، ثم إنَّ حَفْصَةَ قَرَعَتْ الجِدَارَ الَّذِي بَيْنَهَا وَبْيْنَ عَائِشَةَ، وَأَخْبَرَتْهَا لِتُسِرَّهَا بالأَمْرِ، وَلَمْ تَرَ في إفْشَائِهِ إلَيْهَا حَرَجاً، وٱسْتَكْتَمَتْهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ بِذَلِكَ إلَىٰ نَبِيِّهِ، ونزلَتِ الآيةُ، وفي حديثٍ آخَرَ عن عائشةَ أنَّ هذا التحْرِيمَ المذكورَ في الآية؛ إنَّما هُو بِسَبَبِ العَسَلِ الذي شَرِبَه صلى الله عليه وسلم عِنْدَ زينبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَتَمالأتْ عائشةُ وحفصةُ وسَوْدَةُ عَلى أنْ تَقُولَ له؛ مَنْ دَنَا مِنْهَا: إنّا نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أأكَلْتَ مَغَافِيرَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ والمَغَافِيرَ: صَمْغُ العُرْفُطِ، وَهُوَ حُلْوٌ كَرِيهُ الرَّائِحَةِ، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ رسولُ اللَّه: ما أَكَلْتُ مَغَافِيرَ، وَلَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلاً، فقلْنَ له: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُط؟ فقال: صلى الله عليه وسلم لاَ أشْرَبُه أبَداً، وكانَ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنْهُ رَائحةٌ كَرِيهةٌ، فدخلَ بعد ذلك على زينبَ فَقَالَتْ: أَلا أسْقِيكَ مِنْ ذَلِكَ العَسَلِ؟ فَقَال: لاَ حَاجَةَ لِي بِهِ، قالتْ عائشةُ: تَقُولُ سَوْدَةُ حِينَ بَلَغَنَا ٱمْتِنَاعُهُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، فَقُلْتُ لَها: ٱسْكُتِي، قال * ع *: والقولُ الأوَّلُ أن الآيةِ نزلتْ بسبب مارية أصَحُّ وأوْضَحُ، وعليه تَفَقَّه الناسُ في الآية، ومَتَى حَرَّمَ الرَّجُلُ مَالاً أو جاريةً فليسَ تحريمُه بشيءٍ، * ت *: والحديثُ الثَّانِي هو الصحيحُ خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمُ وغيرهما، ودَعَا اللَّهُ تعالى نبيَّه باسْم النبوَّةِ الذي هو دالٌّ على شَرَفِ مَنْزِلَتِه وَفَضِيلَتِه التي خَصَّهُ بِهَا، وقرَّره تعالى كالمُعَاتِبِ له على تحريمِه عَلى نفسِه مَا أحلَّ اللَّهُ له، ثم غَفَرَ لَه تَعَالَى مَا عَاتَبه فيه ورَحِمَه. وقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ} أي: بيَّنَ وأثْبَتَ، فقال قوم من أهل العلم: هذه إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ التَّحْرِيمِ، وقال آخرونَ هي: إشارَةٌ إلى تكفيرِ اليمينِ المُقْتَرِنَةِ بالتحريمِ، والتَّحِلَّةُ مَصْدَرُ وزنها «تَفْعِلَة» وأدْغِمَ لاِجْتِمَاعِ المثلينِ، وأحالَ في هذه الآيةِ على الآيةِ التي فسَّر فِيها الإطْعَامَ في كفارةِ اليمينِ باللَّهِ تَعَالى، والمَوْلَى المُوَالِي النَّاصِرُ. {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ} يعني حَفْصَةَ {حَدِيثاً} قال الجمهورُ الحديثُ هو قولُهُ في أمر ماريةَ، وقال آخرونَ: بلْ هو قولُه: إنَّمَا شَرِبْتُ عَسَلاً. وقوله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ} المَعْنَى مَعَ شَدِّ الراءِ: أعْلَمَ بِهِ وأَنَّب عليه وأعْرَض عن بعض، أي: تَكُرُّماً وَحَيَاءً وحُسْنَ عشرةٍ، قال الحسن: ما اسْتَقْصَى كريمٌ قط، والمخاطبة بقوله: {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ} هي لحفصةَ وعائشةَ، وفي حديثِ البخاريّ، وغيره عن ابن عباس قال: قلت لعمر: من اللتان تَظَاهَرَتَا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفصةُ وعائشةُ. وقوله: {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} معناه مَالَتْ، والصُّغْيُ الميلُ، ومنه أَصْغَى إليه بأُذُنِه، وأصْغَى الإنَاءَ، وفي قراءة ابن مسعود: «فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما» والزيغُ: الميلُ وعُرْفُه في خِلاَفِ الحَقّ، وجَمَعَ القلوبَ مِن حيثُ الاثنانِ جَمْعٌ، * ص *: {قُلُوبُكُمَا} القياسُ فيه: قلباكما مُثَنَّى، والجمعُ أكْثَرُ استعمالاً وحسْنُه إضافَتُه إلى مثنًى، وهو ضميرُهما؛ لأنَّهُمْ كَرِهُوا اجتماعَ تَثْنِيَتَيْنِ، انتهى، ومعنى الآيةِ إن تُبْتُما فَقَدْ كَانَ مِنكُمَا مَا يَنْبَغِي أنْ يُتَابَ منه، وهذا الجوابُ الذي للشَّرْطِ هُو متقدمٌ في المعنى، وإنما تَرتَّبَ جَوَاباً في اللفظِ، {وَإِن تَظَاهَرَا} معناه: تَتَعَاوَنَا وأصل: {تَظَاهَرَا} تَتَظَاهَرَا، و{مَوْلاهُ} أي: ناصرُه، {وَجِبْرِيلُ} ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداءِ وَمَا بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ و{ظَهِيرٌ} هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر: اجْتَمَع نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية، انتهى، و{قَـٰنِتَـٰتٍ} معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه: صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}؟. قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، وذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب في الطلاق في أول تلك السورة يشترك مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة؛ لأن الطلاق في أكثر الصور يشتمل على تحريم ما أحل الله. وأما تعلّق أول هذه السورة بآخر السورة فلأن المذكور في آخر تلك السورة يدلّ على عظمة حضرة الله تعالى وعلى كمال قدرته وعلمه، ولما كان خلق السماوات والأرض، وما بينهما من العجائب والغرائب مما ينافي القدرة على تحريم ما أحلّ الله، فلهذا قال: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}. فصل في سبب نزول الآية ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكثُ عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أنَّ أيّتنا دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها فلتقل: إني أجد ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {إِن تَتُوبَآ} لعائشة وحفصة ". تفسير : وعنها أيضاً قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت منه رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة، فقلت: أما - والله - لنحتالن له، فذكرت ذلك لسَوْدَة، وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريحُ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح؛ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسلٍ، فقولي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرفُطَ، وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفيةُ، فلما دخل على سودة قالت سودة: والذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذي قالت لي، وإنه لعلى الباب، فرقاً منك، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا، قلت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جَرسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفيّة، فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة: سبحان الله، لقد حرمناه، قالت: قلت لها: اسكتي ". تفسير : ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صلى الله عليه وسلم العسل حفصة، وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أمّ سلمة، رواه أسباط عن السديِّ. وقال عطاء بن أبي مسلم. قال ابن العربي: "وهذا كله جهل، أو تصور بغير علمٍ". فقال باقي نساه حسداً وغيرة لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيّرة الرائحة، فيها حلاوة، واحدها: مغفور. وجَرَسَتْ: أكلت، والعُرْفُطُ: نبت له ريح كريح الخمرِ. وكان - عليه الصلاة والسلام - يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك. وقال ابن عبَّاس: أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، والمرأة أم شريك، قاله عكرمة. وقيل: إن التي حرّم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك "الإسكندرية". قال ابنُ إسحاق: هي من كورة "أنْصِنا" من بلد يقال له: "حفْن"، فواقعها في بيت حفصة. روى الدارقطني عن ابن عباسٍ عن عمر رضي الله عنهم قال:"حديث : دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده، مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة، فهي عليّ حرام إن قربتها، قالت حفصة: فكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَذْكُرِيهِ لأَحدٍ"، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلةً، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}"تفسير : الآية. قال القرطبي: أصح هذه الأقوال أولها، وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: "أما ضعفه في السند، فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم الموهوبة ليس تحريماً لها؛ لأن من رد ما وُهِبَ له لم يَحْرُمْ عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل، وأما ما روي أنه حرم مارية القبطية، فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح بل روي مرسلاً، وإنما الصحيح أنه كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، فحلف أن لا يشربه، وأسر ذلك، ونزلت الآية في الجميع". فصل في هل التحريم يمين؟ قوله تعالى: {لِمَ تُحرِّمُ} إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يحلف، فليس ذلك بيمين، ولا يحرم قول الرجل: "هذَا عليَّ حَرامٌ" شيئاً، حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: أذا أطلق حمل على المأكول والمشروب، دون الملبوس، وكانت يميناً توجب الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل، حتى في الحركة والسكون، واستدل المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم العسل، فلزمته الكفَّارة، وقد قال تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فسماه يميناً. قال القرطبي: ودليلنا قول الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}تفسير : [المائدة: 87]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 59]. فذم اللَّهُ المُحَرِّمَ للحلال، ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاجُ: ليس لأحدٍ أن يحرم ما أحلَّ الله، ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته، أنت عليَّ حرام، فإن لم يَنْوِ طلاقاً، ولا ظهاراً فهذا اللفظ يوجب عليه كفارة يمين، ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجات والإماء، فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاماً، أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك، ويجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة. فصل في اختلافهم هل التحريم طلاق؟ إذا قال الرَّجُلُ لزوجته: "أنْتِ عليَّ حَرَامٌ". قال القرطبيُّ: "فيه ثمانية عشر قولاً: أحدها: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماءِ، والطعام، قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [المائدة: 87]. والزوجة من الطَّيِّبات، ومما أحل الله. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ}تفسير : [النحل: 116]. فما لم يحرمه الله، فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليَّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله: "حديث : واللَّهِ لا أقربُهَا بَعْدَ اليَوْمِ ". تفسير : وروى البغويُّ في تفسيره: أن حفصة لما أخبرت عائشة، غضبت عائشةُ، ولم تزل بنبي الله حتى حلف ألاَّ يقربها، فقيل له: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}؟ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم عليه، وكفِّر. وثانيها: أنه يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي، وهو مقتضى الآية. قال سعيدُ بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمينٌ بكفرها. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لَقَدْ كَان لكُمْ في رسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته، فقال تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فكفَّر عن يمينه، وصيَّر الحرام يميناً، خرجه الدارقطني. وثالثها: أنه يجب فيها كفَّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود؛ لأن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفَّارة على المعنى، والآية ترده. ورابعها: هي ظهارٌ، ففيها كفارة الظهارِ، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق، ولأنه إنما حرم وطؤها، والظهار أقل درجات التحريم. وخامسها: أنه إن نوى الظهار كان ظهاراً، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريماً مطلقاً وجبت كفارة يمين، وإن لم يَنْوِ فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي. وسادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب، والزهري، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. وسابعها: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه ابن خويزمنداد عن مالك؛ ولأن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة. وثامنها: أنها ثلاث تطليقات. قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزيد بن ثابت أيضاً، وأبو هريرة؛ لأنه التحريم المتيقن. وتاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في المدخول بها. قاله علي ابن زيد والحسن والحكم، وهو مشهور مذهب مالك؛ لأن غير المدخول بها تبينها الطلقة، وتحرمها. وعاشرها: هي ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، وإن لم يدخل بها، قاله عبد الملك في "المبسوطة"، وبه قال ابن أبي ليلى؛ لأنه أخذ بالحُكْمِ الأعظم لهما؛ لأنه لو صرح بالثلاث لغير المدخول بها لنفذ. وحادي عشرها: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، قاله أبو مصعب، ومحمد بن الحكم. وثاني عشرها: أنه إن نوى الطَّلاق، والظهار كان ما نوى، وإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً، فإن نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها: أنه لا ينعقد نيّة الظِّهار، وإنما يكون طلاقاً. قاله ابن القاسم. ورابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها، حتى يكفر كفارة الظِّهار. وخامس عشرها: إن نوى الطلاق، فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدة فهي رجعية، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وساس عشرها: إن نوى ثلاثاً، فثلاثاً، وإن نوى واحدة، فواحدة، وإن نوى يميناً، فهي يمينٌ، وإن لم ينو شيئاً، فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، إلا أنهما قالا: لم ينو شيئاً فهي واحدة. وسابع عشرها: له نيتُهُ ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ينو شيئاً لم يَكُنْ شيئاً. قال ابن العربي: "ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: الثامن عشر: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهاراً، ولست أعلم لها وجهاً، ولا يبعد في المقالات عندي". قال القرطبي: وقد روى الدارقطني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حراماً، فقال: كذبت، ليست عليك بحرامٍ، ثم تلا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}؟ عليك أغلظ الكفَّارات عتق رقبة، وقد قال جماعة من المفسرين: إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صلى الله عليه وسلم قاله زيد بن أسلم وغيره". هذا كله في الزوجة، وأما الأمةُ [فليس] فيها شيء من ذلك إلاَّ أن ينوي العتق عند مالك، وذهب عامة العلماء إلى أن عليهن كفَّارة يمين. قال ابن العربي: "والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله، وهو الواحدة إلا أن يعدده، فكذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليَّ حرامٌ إلا بعد زوج، فهذا نصف في المراد". فصل في هذا الاستفهام قال ابن الخطيب: قال صاحب "النظم": قوله: "لِمَ تُحَرِّمُ" استفهام بمعنى الإنكار، وذلك من اللَّه نهيٌ، وتحريم الحلال مكروه؛ لأن الحلال لا يحرم إلا بتحريمِ اللَّهِ تعالى. فإن قيل: قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم؟. فالجوابُ: أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب، بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي. فإن قيل: تحريم ما أحلَّ اللَّهُ غير ممكن، فكيف قال: لم تحرم ما أحل الله؟ فالجواب: أن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج؛ لاعتقاد كونه حراماً بعدما أحله الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالاً؛ فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله - تعالى - فقد كفر، فكيف يضاف إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل هذا؟. قوله: {تَبْتَغِي}. يجوز أن يكون حالاً من فاعل "تُحَرِّمُ"، أي: لم تحرم مبتغياً به مرضات أزواجك. ويجوز أن يكون تفسيراً لـ"تُحَرِّمُ". ويجوز أن يكون مستأنفاً، فهو جواب للسؤال. و"مَرْضَاتَ" اسم مصدر، وهو الرضا، وأصله "مرضوة". والمصدر هنا مضاف إما للمفعول، أو للفاعل، أي: ترضي أنت أزواجك أو أن ترْضَيْنَ. والمعنى: يفعل ذلك طلباً لرضاهن {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} أي: لما أوجب المعاتبة {رَّحِيمٌ} برفع المُؤاخذةِ. قال القرطبيُّ: "وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصَّغائر، والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة، ولا كبيرة". قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}. {فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي: بيَّن لكم، كقوله تعالى: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}تفسير : [النور: 1] وقيل: قد أوجب الله. وقال صاحب "النظم": إذا وصل "فَرَضَ" بـ"عَلَى" لم تحتمل غير الإيجاب كقوله: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 50]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين. قوله: {تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}. تحليل اليمين كفَّارتها، أي: إذا أحللتم استباحة المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة "المائدة": {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}تفسير : [الآية: 89]. قال القرطبيُّ: وتحصل من هذا أن من حرم شيئاً من المأكول، أو المشروب لم يحرم عليه؛ لأن الكفارة لليمين لا للتحريم، وأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيءٍ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرم، فإذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائنٌ، وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثاً، وإن قال: نويتُ الكذب دينَ فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام، فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً، ويكون في الكفارة وجهان: قوله: {تَحِلَّةَ}. مصدر "حَلّل" مضعفاً، نحو "تكرمة"، وهذان ليسا [مقيسين]، فإن قياس مصدر "فَعَّلَ" "التفعيل" إذا كان صحيحاً غير مهموزٍ. فأما المعتل اللام نحو "زكَّى" ومهموزها نحو: "نبَّأ" فمصدرهما "تَفْعِلَةٌ" نحو: "تَزْكِيَةٌ، وتَنْبِئَةٌ". على أنه قد جاء "التفعيل" كاملاً في المعتل، نحو: [الرجز] شعر : 4784 - بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا تفسير : وأصلها: "تَحْلِلَة" كـ"تَكْرِمَة" فأدغمت، وانتصابها على المفعول به. فصل في تكفير النبي عن هذه اليمين قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه. وقال الحسنُ: لم يكفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة، والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك، وقد تقدم عن زيد بن أسلم أنه - عليه الصلاة والسلام - كفر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبةً في تحريم مارية. والله أعلم. فصل في الاستثناء في المين قبل: قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين، فبين في قوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأحزاب: 38]، أي: فيما شرعه له في النساء المحللات، أي: حلل لكم ملك اليمين، فلم تحرم مارية في نفسك مع تحليل الله إياها لك. وقيل: تحلة اليمين الاستثناء، أي: فرض اللَّهُ لكم الاستثناء المخرج عن اليمين، ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء، وإن تخَلَّلَ مُدَّةٌ. وعند الجمهور لا يجوز إلا متصلاً، فكأنه قال: "استثن بعد هذا فيما تحلف عليه" وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة. قال القرطبيُّ: "والأصل "تحللة"، فأدغمت، و"تَفْعِلَة" من مصادر "فَعَّل" كالتوصية والتسمية، فالتحلية تحليل اليمين، فكأن اليمين عقد، والكفارة حلٌّ وقيل: التحلة الكفارة، أي: أنها تحلُّ للحالف ما حرَّم على نفسه، أي إذا كفر صار كمن لم يحلف". فصل قال ابن الخطيب: وتحلة القسم على وجهين: أحدهما: تحليله بالكفارة كما في هذه الآية. وثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشيء القليل وهذا هو الأكثر، كما روي من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لَنْ تَلِجَ النَّارَ إلا تحِلَّةَ القسمِ"تفسير : أي: زماناً يسيراً. وقرىء: "كفَّارة أيمانِكُم". قوله: {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ}. أي: وليّكم وناصركم في إزالة الحظر، فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفَّارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}.
البقاعي
تفسير : لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه عتاباً لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقاً به لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم، لأنه صلى الله عليه وسلم بالغ في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظاً لخاطر الغير، فقال تعالى منادياً له بأداة البعد وهو أقرب أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزكيته وتهذيبه: {يا أيها النبي} مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى فيحث كل سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه صلى الله عليه وسلم أدنى تشويش {لم تحرم} أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة {ما أحل الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {لك} بالوعد لبعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب رضي الله عنهما والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك لإحسان العشرة مع نسائك رضي الله عنهن أجمعين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلاً عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش رضي الله عنهما على اختلاف الروايتين في ذلك في الصحيح، وفي رواية"حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه رضي الله عنهن امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما عكة من العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته وسقته منها، وأن عائشة رضي الله عنها أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خصرة: إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فأخبرتها الخبر فوصت صواحباتها فنفرنه من شربه بإخباره بأنه يوجد منه ريح كريهة لأن نحلة جرست العرفط، فقال: لن أعود له،"تفسير : وروى الطبري وابن مردوية"حديث : أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية رضي الله عنها أم ولده إبراهيم عليه السلام في بيت حفصة رضي الله عنها فتوجعت من ذلك حفصة رضي الله عنها فقال هي علي حرام ولا تذكري ذلك لأحد وأبشرك على ذلك بشارة، وهي أن أبا بكر يلي هذا الأمر من بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر رضي الله عنهما، لا تخبري بذلك أحداً، فأخبرت عائشة رضي الله عنها"تفسير : ويروى أن حفصة رضي الله عنها قالت في يومها من النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن بي إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي أن أزوره وآتي بها، فأذن لها فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية رضي الله عنها فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقاً فجلست عنده فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقاً وحفصة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقاً ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال صلى الله عليه وسلم: أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا أحداً، فلما خرج أخبرت عائشة رضي الله عنها فحلفته على ترك مارية رضي الله عنهن"تفسير : ثم علل ذلك سبحانه بقوله: {تبتغي} أي تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك {مرضات أزواجك} أي الأحوال والمواضع والأمور التي يرضين بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق لتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد. ولما كان أعلى ما يقع به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان، وكان تعالى قد جعل من رحمته لعباده لإيمانهم كفارة قال: {والله} أي تفعل ذلك لرضاهن والحال أن الله الملك الأعلى {غفور رحيم *} أي محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، ثم علل أو بين بقوله: {قد فرض الله} أي قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثاً على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ولا يخل بحرمة اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى رخصة بل من رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها. ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرماً منه وتعظيماً لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لكم} أي أيتها الأمة التي أنت رأسها، وعبر بمصدر حلل المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهاراً لمزيد الغاية فقال: {تحلة} أي تحللة {أيمانكم} أي شيئاً يحللكم مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة بالاستثناء وتارة بالكفارة تحليلاً عظيماً بحيث يعيد الحال إلى ما كان عليه قبل اليمين، وقد بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من تضييقك على نفسك واشرح من صدرك لتتلقى ما يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت متفرغ له بطيب النفس وقرة العين، وهذا يدل على أن قوله "أنت علي حرام" كاليمين إذا لم يقصد به طلاقاً للزوجة ولا إعتاقاً للأمة، وإذا كان الله قد فرض ذلك لكافة الأمة تيسيراً عليهم فرأسهم أولى بأن يجعل له ذلك، قال مقاتل: فأعتق صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة، وقد قيل: إن تحريمه صلى الله عليه وسلم هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة لمن رأى أن "أنت على حرام" يمين {والله} أي والحال أن المختص بأوصاف الكمال {مولاكم} أي يفعل معكم فعل القريب الصديق {العليم} أي البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له {الحكيم *} أي الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئاً منه، وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لاخفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه حين اعتزل في المشربة حتى سأله عمر رضي الله عنه والقصة معروفة وتخييره صل الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد اعتزالهن شهراً كاملاً وعتب الله عليهن في قوله:{أية : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه}تفسير : [التحريم: 4] وقوله:{أية : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن}تفسير : [التحريم: 5] فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - انتهى. ولما كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولاً في شرح صدره وطيب نفسه ثم يزيده بسطاً بأن يقول للحاضرين: إن حبيبنا هذا الكريم علينا اتفق له كذا، وقد كرهت هذا وضمنت زواله، وكان تعالى قد طيب نفسه صلى الله عليه وسلم بأول السورة، ثم أتبعه الأمر الآخر، فكان التقدير: اذكروا هذا الذي ذكرته من حسن عشرة نبيكم صلى الله عليه وسلم لنسائه رضي الله تعالى عنهن وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف الله به عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس، عطف عليه قوله تعالى تشريفاً لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمعاتبة عليه وبإظهار ما هو حامل له من ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفاً عنه وترويحاً له: {وإذ} أي واذكروا كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وطاهر شمائله في عشرتهن حين {أسر النبي} أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائماً بأن يتلقى من فياض علمه ما يخبر به الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم الزوجة ولم يعينها سبحانه تشريفاً له صلى الله عليه وسلم ولها رضي الله عنهن فقال تعالى: {إلى بعض أزواجه} وهي حفصة رضي الله عنها، كنى عنها صيانة لهن لأن حرمتهن رضي الله عنهن من حرمته صلى الله عليه وسلم {حديثاً} ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه ولم يخص به ولا أسره وذلك هو تحريم مارية رضي الله عنها ووعده بأن يترك العسل وبشارته بولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يبين الحديث ويفصله إكراماً له صلى الله عليه وسلم وحفظاً لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان لا يحب تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به فيما فيه من الأحكام، فإن أحواله صلى الله عليه وسلم كلها أحكام لنا إلا ما اختص به وأشار إلى قرب زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى: {فلما نبأت} أي أخبرت إخباراً عظيماً جليلاً لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله وبالغت في ذلك وأخبرت {به} كله من جميع وجوهه، وجعل ذلك في سياق حكاية لأنه أستر لحرمه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل: فنبأت به ولا قال: أساءت بالإنباء به، ونحو ذلك مما يفهم أنه مقصود بالذات {وأظهره الله} أي أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء {عليه} أي الحديث بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شراً ويثيب عليه إن كان خيراً {عرف} أي النبي صلى الله عليه وسلم التي أسر إليها {بعضه} وهو أمر الخلافة عتاباً لها عليه لأنه كان أوصاها أن لا تظهره، والكف عن بعض العتب أبعث على حياء المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله {وأعرض عن بعض} وهو أمر السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان الثوري: ما زال التغافل من فعل الكبراء وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفاً من أن ينتشر في الناس ويذيع، فربما أثار حسداً من بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق والفاروق كيداً أو جر إلى مفسدة لا نعلمها، وخفف الكسائي: عرف أي أقر به والمعرفة سبب التعريف والتعريف عن المعرفة فإطلاق أحدهما على الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى مبادرته بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما يكرهه منه بقوله: {فلما نبأها} بما فعلت من إفشاء ما عرفها منه على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها {به} شيئاً منه ولا من عوارضه ليزداد بصيرة، روي أنها قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها سراً وأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي وهو معنى قوله: {قالت} أي ظناً منها أن عائشة رضي الله عنها أفشت عليها {من أنبأك هذا} أي مطلق إخبار، واستأنف قوله: {قال نبأني} وحذف المتعلق اختصاراً للفظ وتكثيراً للمعنى بالتعميم إشارة إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة رضي الله عنهما مما عرفها به ومن غيره على أتم ما كان {العليم} أي المحيط بالعلم {الخبير *} أي المطلع على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن يحذر فلا يتكلم سراً ولا جهراً إلا بما يرضيه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه حديث : عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل إلى إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود فنزلت {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى {أن تتوبا إلى الله} لعائشة وحفصة {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} لقوله: بل شربت عسلاً . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً، فقال: "أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه" فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية . تفسير : وأخرج ابن سعد عن عبدالله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبسه، فقالت له عائشة: نحلها تجرش عرفطاً فحرمها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عبدالله بن عتيبة أنه سئل أي شيء حرم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عكة من عسل. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى آخر الآية. وأخرج الترمذي والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن عباس قال: نزلت {يا أيها النبي لم تحرم} الآية، في سريته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إليَّ شيئاً ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي داري وعلى فراشي فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة رضي الله عنها فأظهره الله عليه، فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عنها فأظهر الله يمينه وأصاب جاريته . تفسير : وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} قال: حرم سريته. وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : كانت عائشة وحفصة متحابتين، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم جاريته، ودخلت حفصة، فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لأرضينك وإني مسر إليك سراً فاحفظيه" قالت: ما هو؟ قال: "إني أشهدك أن سريتي هذه عليّ حرام رضاً فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته، فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الله النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذكر عند عمر بن الخطاب {يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} قال: إنما كان ذلك في حفصة. وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب قالت عائشة رضي الله عنها: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها يوماً، فوجد خلوة فأصابها، فحملت بإبراهيم، قالت عائشة: فلما استبان حملها فزعت من ذلك، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولدت، فلم يكن لأمه لبن فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي، فصلح عليه جسمه وحسن لحمه وصفا لونه، فجاء به يوماً يحمله على عنقه، فقال يا عائشة كيف تري الشبه؟ فقلت: أنا غيري ما أدري شبهاً، فقال: ولا باللحم؟ فقلت: لعمري لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال: فجزعت عائشة رضي الله عنها وحفصة من ذلك فعاتبته حفصة، فحرمها وأسر إليها سراً فأفشته إلى عائشة رضي الله عنها، فنزلت آية التحريم، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجدت حفصة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده مارية أم إبراهيم، فحرم أم ولده لحفصة رضي الله عنها، وأمرها أن تكتم ذلك، فأسرته إلى عائشة رضي الله عنها، فذلك قوله تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} فأمره الله بكفارة يمينه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية، قال: كان حرم فتاته القبطية أم إبراهيم عليه السلام في يوم حفصة، وأسر ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة رضي الله عنها، وكانتا تظاهرتا على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأحل الله له ما حرم على نفسه، وأمره أن يكفر عن يمينه، فقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الشعبي وقتادة رضي الله عنهما {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} قال: حرم جاريته، قال الشعبي: وحلف يميناً مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجعل له كفارة اليمين، وقال قتادة: حرمها فكانت يميناً. وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أم إبراهيم، فقال: هي عليّ حرام، فقال: والله لا أقربها، فنزلت {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . تفسير : وأخرج ابن سعد عن مسروق والشعبي قالا: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وحرمها، فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وأنزل {لم تحرم ما أحل الله لك} . وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تحدثي أحداً وإن أم إبراهيم عليَّ حرام، فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها، فلم يقربها نفسه حتى أخبرت عائشة فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مسروقحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته، وقال: هي عليَّ حرام، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك حديث : أن حفصة زارت أباها ذات يوم، وكان يومها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدها في المنزل، فأرسل إلى أمته مارية، فأصاب منها في بيت حفصة، وجاءت حفصة على تلك الحال، فقالت يا رسول الله: أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟ قال: فإنها عليّ حرام ولا تخبري بذلك أحداً، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها بذلك فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله: {وصالح المؤمنين} فأمر أن يكفر عن يمينه، ويراجع أمته . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ قال: فإنها عليَّ حرام أن أمسها، واكتمي هذا عليَّ، فخرجت حتى أتت عائشة، فقالت: ألا أبشرك؟ قالت: بماذا؟ قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ فكان أوّل السر أنه أحرمها على نفسه، ثم قال لي: يا حفصة ألا أَبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده، وأن أبي يليه بعد أبيك، وقد استكتمني ذلك فاكتميه، فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم} إلى قوله: {غفور رحيم} أي لما كان منك إلى قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثاً فلما نبأت به} يعني عائشة {وأظهره الله عليه} أي بالقرآن {عرف بعضه} عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية {وأعرض عن بعض} عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر، فلم يُبْدِه {فلما نبأها به} إلى قوله: {الخبير} ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: {إن تتوبا إلى الله} إلى قوله: {ثيبات وأبكاراً} فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام، ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
ابو السعود
تفسير : مدنية، وآيُها اثنتا عشرة {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} رُوِيَ أن النبـيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ خَلا بماريةَ في يومَ عائشةَ وعلمتْ بذلكَ حفصةُ فقالَ لها اكتُمِي عليَّ فقدْ حرمتُ ماريةَ على نفسِي وأُبشركِ أن أبا بكرٍ وعمرَ يملكانِ بعدِي أمرَ أُمتي فأخبرتْ بهِ عائشةَ وكانَتا متصادقتين، وقيلَ خَلا بها في يومِ حفصةَ فأرضاهَا بذلكَ واستكتَمَها فلم تكتُمْ فطلَّقَها واعتزلَ نساءَهُ فنزلَ جبريلُ عليهِ السلامُ فقالَ راجعْها فإنَّها صوَّامةٌ قوامةٌ وإنها لمنْ نسائِكَ في الجَنَّةِ ورُوِيَ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ شربَ عسلاً في بـيتِ زينبَ بنت جحشٍ فتواطأتْ عائشةُ وحفصةُ فقالتَا نشمُّ منكَ ريحَ المغافيرِ وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكرهُ التفلَ فحرَّم العسلَ فنزلتْ فمعناهُ لمَ تحرمُ ما أحلَّ الله لكَ منْ ملكِ اليمينِ أو منَ العسلِ {تَبْتَغِى مَرْضَاتِ أَزْوَٰجِكَ} إما تفسيرٌ لتحرِّمُ أو حالٌ من فاعلِه أو استئنافٌ ببـيانِ ما دعاهُ إليهِ مُؤْذِنٌ بعدمِ صلاحيتِهِ لذلكَ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} مبالغٌ في الغفرانِ قد غفرَ لكَ هذهِ الزلةَ {رَّحِيمٌ} قد رحمَكَ ولم يؤاخِذْكَ بهِ وإنما عاتبكَ محاماةً على عصمتِك {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ} أي شرعَ لكُم تحليلَهَا وهو حَلُّ ما عقدَهُ بالكفارةِ أو بالاستثناءِ متصلاً حتَّى لا يحنثَ والأولُ هو المرادُ منها {وَٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ} سيدكُم ومتولِّي أُمورِكُم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} بما يُصلحكُم فيشرعُه لكُم {ٱلْحَكِيمُ} المتقنُ في أفعالِهِ وأحكامِهِ فلا يأمرُكُم ولا ينهاكُمْ إلا حسبما تقتضيهِ الحكمةُ {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ} وهي حفصةُ {حَدِيثاً} أي حديثَ تحريمِ ماريةَ أو العسلِ أو أمرِ الخلافةِ {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي أخبرتْ حفصةُ عائشةَ بالحديثِ وأفشته إليهَا وقُرِىءَ أنبأتْ بهِ {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي أطلعَ الله تعالَى النبـيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ على إفشاءِ حفصةَ {عَرَّفَ} أي النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حفصةَ {بَعْضَهُ} بعضَ الحديثِ الذي أفشَتْهُ. قيلَ هو حديثُ الإمامةِ رُوِيَ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ لها ألم أقل لكِ اكتَمِي عليَّ قالت: والذي بعثكَ بالحقِّ ما ملكتُ نفسي فرحاً بالكرامةِ التي خصَّ الله تعالَى بهَا أباهَا {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} أي عن تعريفِ بعضٍ تكرماً، قيلَ هو حديثُ ماريةَ {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي أخبرَ النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حفصةَ بما عرفَهُ من الحديثِ {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} أي إفشاءَهَا للحديثِ {قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} الذي لا تَخْفَى عليهِ خافيةٌ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [الآية: 1]. قال ابن عطاء: لما نزلت هذه الآية على النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو دائمًا ويقول: "حديث : اللهم إنى أعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك ". تفسير : قال: لا يدع الحق أحداً يسكن إليه حتى يشغله بغيره لأنه عزيز.
القشيري
تفسير : جاء في القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّم على نفسه مارية القبطية، وفي الحال حَلَفَ ألاَّ يطأَها شهراً مراعاةً لقلب حفصة حيث رأت النبي صلى الله عليه وسلم معها في يومها. وقيل: حَرَّمَ على نَفْسِه شرْبَ العسل لمَّا قالت له زوجاته، إِنَّا نشم منك ريح المغافير! - والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال: بقلة كريهة الرائحة... فعاتَبَه اللَّهُ على ذلك. وهي صغيرةٌ منه على مذهب مَنْ جَوَّزَ الصغائر عليه، وتَرْكٌ للأُوْلَى على مذهب مَنْ لم يجوِّز. وقيل: إنه طَلَّقَ حفصة طلقةً واحدة، فأمره الله بمراجعتها، وقال له جبريل: إنها صوَّامَةٌ قوَّامَة. وقيل: لم يطلقها ولكن هَمَّ بتطليقها فَمَنَعه اللَّهُ عن ذلك. وقيل: لمَّا رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها: إنِّي مُسِرٌّ إليك سِرّاً فلا تخبري أحداً: إنَّ هذا الأمر يكون بعدي لأبي بكر ولأبيك. ولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة، وأوحى الله له بذلك، فسأل النبيُّ حفصة: لِمَ أخبرتِ عائشة بما قلت؟ فقالت به: ومَنْ أخبرك بذلك؟ قال أخبرني الله، وعَرَّفَ حفصةَ بعضَ ما قالت، ولم يصرِّحْ لها بجميع ما قالت، قال تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}، فعاتبها على بعضٍ وأعرْضَ عن بعض - على عادة الكِرام. ويقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا نزلت هذه الآية كان كثيراً ما يقول: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من كل قاطعِ يقطعني عنك ". تفسير : وظاهرُ هذا الخطاب عتاب على أنَّه مراعاةً لقلب امرأته حَرَّمَ على نفسه ما أحلَّ اللَّهُ له. والإشارةُ فيه: وجوبُ تقديم حقِّ الله - سبحانه - على كل شيء في كل وقت.
البقلي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} ادّب نبيه صلى الله عليه وسلم ان لا يستبد برائه ويتبع ما يوحى اليه وفيه بيان ان من شغله شئ من دون الله وصل اليه منه ضرب لا يبرءا جراحته الا بالله لذلك قال عقيب الأية {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال ابن عطا لما نزلت هذه الأية على النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعوا دائما ويقول اللهم انى اعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك وقال القاسم لا يدع الحق احدا يسكن اليه حتى يشغله بغيره لانه عزيز.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها النبى لم تحرم ما احل الله لك} اصل لم لما والاستفهام لانكار التحريم وهو بالفارسية حرام كردن. كما ان الحلال حلال كردن. روى ان النبى عليه السلام خلا بسريته مارية القبطية التى اهداها اليه المقوقس ملك مصر فى يوم عائشة رضى الله عنها ونوبتها وعلمت بذلك حفصة رضى الله عنها فقال لها اكتمى على ولا تعلمى عائشة فقد حرمت مارية على نفسى وابشرك ان أبا بكر وعمر رضى الله عنهما يملكان بعدى امر امتى فأخبرت به عائشة رضى الله عنها ولم تكتم وكانا متصادقتين متظاهرتين على سائر ازواج النبى عليه السلام قال السهيلى رحمه الله امرها أن لا تخبر عائشة ولا سائر ازواجه بما رأت وكانت رأته فى بيت مارية بنت شمعون القبطية ام ولده ابراهيم المتوفى فى الثدى وهو ابن ثمانية عشر شهرا فخشى أن يلحقهن بذلك غيرة واسر الحديث الى حفصة فأفشته وقيل خلا بها فى يوم حفصة كما قال بعض اهل التفسير كان رسول الله عليه السلام يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنه استأذنت رسول الله فى زيارة ابيها فاذن لها فلما خرجت ارسل رسول الله الى ام ولده مارية القبطية (قال كشف الاسرار) دربيرون مدينه در نخلستان درسرايى مقام داشت كه زنان رسول نمى خواستندكه درمدينه باايشان نشيند وكاه كاه رسول خدا از بهر طهرات بيرون شدى واورا ديدى انتهى. فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكى فقال ما يبكيك فقالت انما أذنت لى من أجل هذا أدخلت امتك بيتى ثم وقعت عليها فى يومى على فراشى فلو رأيت لى حرمة وحقا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن فقال رسول الله حديث : أليس هى جاريتى أحلها الله لى اسكنى فهى حرام على ألتمس بذلك رضاك فلا تخبرى بها امرأة منهنتفسير : فلما خرج رسول الله قرعت حفصة الجدار الذى بينها وبين عائشة فقالت ألا أبشرك ان رسول الله قد حرم عليه امته مارية وقد أراحنا الله منها وأخبرت عائشة بما رأت فلم تكتم فطلقها رسول الله بطريق الجزآء على افشاء سره واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة فى بيت مارية قال أبو الليث أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة مؤاخذته عليهن حتى نزلت الآية ودخل عمر رضى الله عنه على بنته حفصة وهى تبكى فقال أطلقكن رسول الله فقالت لا أدرى هو ذا معتزلا فى هذه المشربة وهى بفتح الرآء وضمها الغرفة والعلية كما فى القاموس (روى) انه قال لها لو كان فى آل الخطاب خير لما طلقك قال عمر فأتيته عليه السلام فدخلت وسلمت عليه فاذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر فى جنبه فقلت حديث : أطلقت نساءك يا رسول الله فقال لا فقلت الله اكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم وطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتبسم رسول الله وقال عمر للنبى عليه السلام لا تكترث بأمر نسائك والله معك وأبو بكر معك وأنا معك تفسير : فنزلت الآية موافقة لقول عمر قالت عائشة رضى الله عنها لما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله فقلت يا رسول انك أقسمت أن لا تدخل علينا وانك قد دخلت فى تسع وعشرين أعدهن فقال ان الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر كذلك ونزل جبريل فقال لرسول الله عن أمر الله راجع حفصة فانها صوامة قوامة وانها لمن نسائك فى الجنة وكان تحته عليه السلام يومئذ تسع نسوة خمس من قريش عائشة بنت أبى بكر وحفصة بنت عمر وام حبيبة بنت أبى سفيان وام سلمة بنت امية وسودة بنت زمعة وغير القرشيات زينب بنت جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيى بن أخطب الخيبرية وجويرة بنت الحارث المصطلقية. ونقلست كه حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم عسل وشربت او وهرجيز كه حلو باشد دوست داشتى وقتى زينب رضى الله عنها مقدارى عسل داشت كه بعضى خويشان وى درمكه بطريق هديه فرستاده بودهركاه آن حضرت عليه السلام بخانه وى آمدى زينب شربت فرمودى وآن حضرت راد خانه وى بسبب آن توقف بيشتر واقع شدى آن حال بربعضى ازواج طاهرات كران آمد عائشه وحفصه اتفاق نمودندكه جون آن حضرت بعد از آشاميدن شربت عسل درخانه وى نزد هركدام ازمادر آيند كوييم ازتوبوى مغافير ميشنويم ومغفور بالضم صمغ درختيست كه عرفط خوانند ازدرختان باديه واكرجه شيرينست ولكن رايحه كريهه دارد وحضرت بوى خوش دوست ميداشت براى مناجات ملك وازروايح ناخوش محترزمى بود بس آن حضرت روزى شرب آشاميد ونرد هر كدام آمد از ازواج كفتند يا رسول الله ازشما رايحه مغفور مى آيد وايشان درجواب فزمودندكه مغفور نخورده ام اما درخانه زينت شربت عسل آشاميده ام كفتند جرست النحلة العرفط يعنى ان تلك النحلة اكلت العرفط وبالفارسية زنبور آن عسل ازشكوفه عرفط جريده بود والجرس خوردن منج جرارا. وفى القاموس الجرس اللحس باللسان امام زاهد رحمه الله آورده كه جون اين صورت مكرر وجود كفرت حضرت عليه السلام فر مود حرمت العسل على نفسى فوالله لا آكله ابدا واين سوكند بدان خورد تاديكر كس ويرا ازان عسل نيارد فنزلت الآية قال ابن عطية والقول الاول وهو ان الآية نزلت بسبب مارية اصح واوضح وعليه تفقه الناس فى الآية وقال فى كشف الاسرار قصة العسل اسند كما قال فى اللبابين ان هذا هو الاصح لانه مذكور فى الصحيحين انتهى وقصة مارية اشبه ومعنى الآية لم تحرم ما احل الله لك من ملك اليمين او من العسل اى تمتنع من الانتفاع به مع اعتقاد كونه حلالا لك لان اعتقاد كونه حراما بعد ما احل الله مما لا يتصور من عوام المؤمنين فكيف من الانبياء قال الفقهاء من اعقتد من عند نفسه حرمة شئ قد احله الله فقد كفر اذما أحله الله لا يحرم الا بتحريم الله اياه بنظم القرءآن او بوحى غير متلو والله تعالى انما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فى احلاله فاذا حرم العبد كان ذلك قلب المصلحة مفسدة {تبتغى مرضاة ازواجك} الابتغاء جستن. والمرضاة مصدر كالرضى وفى بعض التفاسير اسم مصدر من الرضوان قلب واوها ألفا والازواج جمع زوج فانه يطلق على المرأة ايضا بل هو الفصيح كما قال فى المفردات وزوجة لغة رديئة وجمع الازواج مع ان من ارضاها النبى عليه السلام فى هذه القصة عائشة وحفصة رضى الله عنهما اما لان ارضاءها فى الامر المذكور ارضاء لكلهن او لان النساء فى طبقة واحدة فى مثل تلك الغيرة لانهن جبلن عليها على انه مضى ما مضى من قول السهيلى او لان الجمع قد يطلق على الاثنين او للتحذير عن ارضاء من تطلب منه عليه السلام ما لا يحسن وتلح عليه أيتهن كانت لانه عليه السلام كان حييا كريما والجملة حال من ضمير تحرم اى حال كونك مبتغيا وطالبا لرضى ازواجك والحال انهن أحق بابتغاء رضاك منك فانما فضيلتهن بك فالانكار وارد على مجموع القيد والمقيد دفعة واحدة فمجموع الابتغاء والتحريم منكر نظيره قوله تعالى {أية : لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة}تفسير : وفيه اشارة الى فضل مارية والعسل وفى الحديث "حديث : اول نعمة ترفع من الارض العسل"تفسير : وقد بين فى سورة النحل {والله غفور} مبالغ فى الغفران قد غفر لك وستر ما فعلت من التحريم وقصدت الرضى لان الامتناع من الانتفاع باحسان المولى الكريم يشبه عدم قبول احسانه {رحيم} قد رحمك ولم يؤاخذك به وانما عاتبك محافظة على عصمتك (قال الكاشفى) مهربان كه كفارت سوكند توفرمدد قال فى كشف الاسرار هذا اشد ما عوتب به رسول الله فى القرءآن وقال البقلى ادب الله نبيه أن لا يستبد برأيه ويتبع ما يوحى اليه كما قال بعض المشايخ فى قوله {أية : لتحكم بين الناس بما أراك الله}تفسير : ان المراد به الوحى الذى يوحى به اليه لا ما يراه فى رأيه فان الله قد عاتبه لما حرم على نفسه ما حرم فى قصة عائشة وحفصة فلو كان الدين بالرأى لكان رأى رسول الله اولى من كل رأى انتهى كلام ذلك البعض وفيه بيان ان من شغله شئ من دون الله وصل اليه منه ضرب لاتبرأن جراحته الا بالله لذلك قال عقيب الآية والله غفور رحيم قال ابن عطاء لما نزلت هذه الآية على النبى عليه السلام كان يدعو دائما ويقول حديث : اللهم انى اعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك شعر : آزرده است كوشه نشين از وداع خلق غافل كه اتصال حقست انقطاع خلق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق حديث : جلّ جلاله: {يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أحلَّ اللهُ}. في سبب نزول هذه السورة روايتان؛ إحداهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوماً إلى بيت زوجه حفصة، فوجدها ذهبت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية، فقال معها في البيت، فجاءت حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ أما كان في نسائك أهون مني، أتفعل هذا في بيتي، وعلى فراشي؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: "أيُرضيك أن أُحَرِّمها"؟ فقالت: نعم، فقال: "إني قد حَرّمتها" زاد ابن عباس: وقال مع ذلك: "والله لا أطؤها أبداً"، ثم قال لها: "لاتُخبري بهذا أحداً، وأُبشرك أنَّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي "تفسير : . ثم إنِّ حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها، وكانتا مصادقتين، ولم ترَ في إفشائها حَرَجاً، واستكتمتها، فأوحى الله إلى نبيه بذلك. ورُوي أنه عليه السلام طلَّق حفصة، واعتزل نساءه، فمكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية، فنزل جبريلُ، وأمره برَدِّها، وقال له: إنها صوّامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فردَّها. والرواية الثانية: حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش، فتسقيه عسلاً، فاتفقت عائشةُ وحفصة وسودة على أن تقول له مَن دنا منهن: أكلتَ مغافير، وهو ضمغ العُرفُط، وهو حلو كريه الريح، ففعل ذلك، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا، ولكني شربتُ عسلاً"، فقُلن له: جَرَست نحلُه العُرفُط, أي: أكلت، ويقال للنحل: جراس، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا أشربه أبداً"، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألاَ أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: "لا حاجة لي به" فنزلت الآية عتاباً له على أن ضيَّق على نفسه تحريم الجارية والعسل تفسير : . والرواية الأولى أشهر عند المفسرين والثانية خرّجها البخاري في صحيحه. فإن قلتَ: لِمَ عاتبه اللهُ على هذا التحريم، ولم يعاتب يعقوبَ على تحريم لحوم الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران؟ قلتُ: رتبة نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرفع في المحبة والاعتناء، فلم يرضَ منه أن يُضيّق على نفسه، أرأيت إن كان لك ولد تُحبه، ووسعتَ عليه، ثم أراد أن يُضيّق على نفسه، فإنك لا ترضى له ذلك، محبةً فيه، وشفقة عليه. وانظر تفسير ابن عرفة. قال ابن جزي: ولنتكلم على فقه التحريم: فأمّا تحريم الطعام والمال وسائر الاشياء ما عدا النساء فلا يلزم، ولا شيء عليه فيه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة كفارة اليمين، وأمّا تحريم الأَمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك لم يلزم، وكان حكمه ما ذكرناه في الطعام، وأمَا تحريم الزوجة، فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة، فقال أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين. هـ. قلت: وظاهره: سواء قال لها: أنتِ حرام، أو حلف بالحرام واحداً أو ثلاثاً، وسواء كان منجّزاً أومعلّقاً، كما إذا قال: كل امرأة تزوجتُها عليكِ فهي حرام، مثلاً، فلا يلزم من ذلك شيء على قول هؤلاء السادات رضي الله عنهم. ثم قال: وقال مالك في المشهور عنه: هي ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غيرها، وقال ابن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين، ورُوي عن مالك: أنها طلقة بائنة ـ قلتُ: وبهذا جرى العمل اليوم ـ وقيل: رجعية. هـ. {تبتغي مَرْضَاتَ أزواجِك}: حال، أو استئناف مُبيّن للحال الداعي، أي: تطلب رضا أزواجك بالتضييق على نفسك، والمراد: رضا حفصة، وهذا يُؤيد أنها نزلت في تحريم الجارية، وأمّا تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه، وإنما تركه لرائحته. {واللهُ غفور} أي: غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من غير مبالاة بأحدٍ، ولا تُضيّق على نفسك، {رحيم} بك، حيث وسّع عليك، ولم يرضَ لك أن تُضيق على نفسك. قال القشيري: ظاهرُ هذا الخطاب عتابٌ على كونه حَرَّمَ على نفسه ما أحلّه اللهُ لمراعاة قلب امرأته، والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله على كل شيء في كل وقت. ثم قال تعالى، عنايةً بأمره: {قد فرض اللهُ لكم تَحِلَّةَ أيمانكم} وتجاوزاً عنه بما كان تركه أولى. هـ. والحاصل: أنه تعالى غفر له ميله للسِّوى سهواً، والسهو قهرية الحق تعالى، قهر بها عبادَه ليتميّز ضعف العبودية من قوة الربوبية، وهو ليس بنقصٍ في حق البشر، لكنه لمّا كان في الغالب لا يحصل إلاَّ مع عدم العزم عُدَّ تفريطاً وهفوة، كما قال تعالى في حق آدم: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه:115]، فالمغفرة في الحقيقة، وطلب التوبة من السهو، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومَن تبعه من كون ما فعله عليه السلام زلة، حيث حرّم ما أحلّ الله، فإنه تجاسر على منصب النبوة، وقلة أدب. وقوله تعالى: {ما أحلّ الله لك} زيادة "لك" تَرُدّ ما زعمه الزمخشري، ولو كان كما قال لقال له: لِم تحرم ما أحلّ الله. ثم قال تعالى: {قد فَرَضَ اللهُ لكم تَحِلَّةَ أَيمانكم} أي: شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقده بالكفَّارة، أو بالاستثناء متصلاً، والأول هو المراد هنا، وهل كفَّر عليه الصلاة والسلام؟ قال مقاتل: أعتق رقبةً، وقال الحسن: لم يُكفِّر؛ لأنه مغفور له. قال بعضهم: هذه التحلة إنما هي لليمين المقرونة بالتحريم، وقال بعضهم: بل هي لنفس التحريم، وبه تمسّك أبو حنيفة في تحريم الحلال، فأوجب كفارةَ اليمين. {واللهُ مولاكم} أي: سيدكم ومتولي أمورَكم، فلا يُحب ما ضيّق عليكم. قال في الحاشية الفاسية: ومَن تأمّل هذه السورة لاح له منزلةَ حبيب الله عند الله، وحقق معنى قول عائشة: "يا رسول الله؛ ما أرى ربك إلاّ يُسارع في هواك" الحديث متفق على صحته هـ {وهو العليمُ} بما يُصلحكم، فيشرعه لكم، {الحكيمُ} المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم ألاَّ بما تقتضيه الحكمة البالغة. الإشارة: هذا العتاب يتوجه لكل مَن سبقت له عند الله عناية وزلفى، إذا ضَيّق على نفسه فيما أحلّ اللهُ له، فلا يرضى منه ذلك، محبةً فيه، وقد صدر مني مثل هذا زمان الوباء، فحلفت لبعض أزواجي: أني لا أتزوج عليها، وسبب ذلك أنها كانت مصارِمة لي، في غاية الغضب والقطيعة، وقد كان غلب على ظني الموت، لِما رأيتُ من الازدحام عليه، فخفتُ أن نموت متقاطعَين، فلمّا حلفتُ لها رأى بعض الفقراء من أصحابنا: أنه يقرأ عليّ أو معي: {يا أيها النبي لِمَ تُحرم...} الخ السورة، ففهمت الإشارة على أنّ اليمين لا تلزم، والله أعلم، لأنّ بساط اليمين كان غلبة ظن الموت، فلما تخلّف انحل اليمين، كقضية الرجل الذي وجد الزحام على اللحم، فحلف لا يشتري لحماً أبداً، ثم وجد الفراغ، فقال مالك: لا يلزمه شيء. هـ. وقال الورتجبي: أدب نبيه عليه الصلاة والسلام ألاَّ يستبد برأيه، ويبتع ما يُوحى إليه. هـ. وجعل القشيري النبيَّ إشارة إلى القلب، أي: يا أيها القلب المتوجِّه لِمَ تُحرم ما أحلّ الله من حلاوة الشهود، تبتغي مرضاة نفسك وحظوظها، فتتبع هواها، وتترخّص في مباحات الشريعة، وهي تحجب عن أسرار الحقيقة، أو: لِمَ تُحرِّم ما أحلّ الله من الاستغراق في سُكر بحر الحقيقة، تبتغي مرضاة بقاء نفسك، والشعور بوجودها. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لي وقت لا يَسعني فيه غير ربي"تفسير : وكان يقول لعائشة حين يغلب عليه السُكْر والاضمحلال في الحق: " حديث : كلميني حركيني يا حميراء "تفسير : وكذلك القلب إذا غلب عليه الوجد، وخاف من الاصطلام، أو مِن مَحق البشرية، يطلب مَن يبرد عليه مِن نفسه أو مِن غيره، وقد سَمِعْتُ مِن شيخ شيخنا رضي الله عنه أنه قال: كان يغلب عَلَيَّ الوجد والسكر، فكنت أذهبُ إلى مجالسة العوام ليبُرد عليّ الحال، خوفاً من الاصطلام أو المحق، وذلك بعد وفاة شيخه. وقوله تعالى: {والله غفور رحيم} أي: فلا يؤاخذ العبدَ بهذا الميل اليسير إلى الحس، دواء لنفسه، قد فرض اللهُ لكم تحلةَ أيمانكم، أي: الميل اليسير إلى الرفق بالنفس؛ لأنها مطية القلب، بمجاهدتها يصل إلى كعبة الوصول، وهي حضرة الرب. وبالله التوفيق. ثم ذكر النازلة، فقالِ: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة {تظاهرا} خفيفة. الباقون بالتشديد، يعني {تتظاهرا} فأدغم. ومن خفف حذف أحداهما. وقرأ الكسائي وحده {عرف بعضه} خفيفاً وهي قراءة الحسن وابي عبد الرحمن، وكان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد خطأه. وقرأ ابن كثير {جبريل} بفتح الجيم وكسر الراء من غير همزة. وقرأ - بكسر الجيم والراء من غير همز - نافع وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مقصور على وزن (جحمرش) أبو بكر عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء مهموزة بين الراء والياء على وزن (خزعيل) حمزة والكسائي وقد بينا الوجه فى ذلك في سورة البقرة. قال ابو علي: جبريل - بكسر الجيم - بلا همزة على وزن (قنديل) وبفتح الجيم والراء والهمزة مع المد على وزن (عندليب) وبفتح الجيم والراء وكسر الهمزة على وزن (جحمرش) وليس في العربية على وزن (قنديل) بفتح القاف غير أنه جاء خارجاً على أوزان العربية. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وعتاب له على تحريم ما أباحه الله له وأحله له، ولا يدل على انه وقعت منه معصية، لان العتاب قد يكون على أمر قد يكون الأولى خلافه، كما يكون على ترك الواجب. وقيل في سبب نزول قوله {يا أيها النبي} قولان: احدهما - قال زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وابن زيد والضحاك: ان النبي صلى الله عليه وآله حرم على نفسه مارية القبطية بيمين انه لا يقر بها طلباً لمرضاة حفصة زوجته، لانها غارت عليه من أجلها، وقال الحسن: حرم رسول الله أم ولده إبراهيم، وهي مارية القبطية على نفسه فأسر بذلك الى زوجته حفصة فأفضت به إلى عائشة وكانت حفصة بنت عمر قد زارت عائشة، فحلا بيتها، فوجه رسول الله الى مارية القبطية، وكانت معه وجاءت حفصة فأسر اليها التحريم. والقول الثاني - ما رواه عبد الله بن شداد بن الهلال: ان النبي صلى الله عليه وآله كان شرب عند زينب شراب عسل كانت تصلحه له، فكان يطول مكثه عندها فكره ذلك عائشة وحفصة، فقالت له إنا نشم منك ريح المغافير، وهي بقلة متغيرة الرائحة - في قول المفسرين - وقال الزجاج: هي بقلة منتنة، فحرم النبي صلى الله عليه وآله شراب العسل الذي كان يشربه عند زوجته زينب بنت جحش. وقيل: ذكرت ذلك له حفصة، فحرمه النبي صلى الله عليه وآله على نفسه. ومن قال: انها نزلت بسبب مارية قال: انه قال: هي علي حرام، فجعل الله فيه كفارة يمين - ذكره ابن عباس والحسن - ومن قال: إن التحريم كان فى شراب كان يعجبه قال: إنه حلف على انه لا يشربه فعاتبه الله على تحريم ما أحل الله له. والتحريم تبيين ان الشيء حرام لا يجوز، ونقيضه الحلال. والحرام هو القبيح الممنوع بالنهي عنه، والحلال الحسن المطلق بالاذن فيه. وعندنا أنه لا يلزم بقوله أنت علي حرام شيء، ووجوده كعدمه، وهو مذهب مسروق. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه فى الخلاف. وإنما اوجب الله الكفارة، لانه صلى الله عليه وآله كان حلف ألا بقرب جاريته أو لا يشرب الشراب المذكور، فعاتبه الله على ذلك وأوجب عليه ان يكفر عن يمينه ويعود الى استباحة ما كان يفعله. وبين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله ونهيه، وليس يصير الشيء حراماً بتحريم محرم، ولا باليمين على تركه، فلذلك قال {لم تحرم ما أحل الله لك}. وقوله {تبتغي مرضات أزواجك} معناه إنك تطلب رضاء أزواجك في تحريم ما أحله الله لك. فالابتغاء الطلب، ومنه البغي طلب الاستعلاء بغير حق، والبغية معتمد الطلب والبغيّ الفاجرة لطلبها الفاحشة. وقوله {والله غفور رحيم} معناه ارجع الى الأولى والأليق، فان الله يرجع للتائب الى التولي، لانه غفور رحيم. وقوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أي قد قدر الله تعالى ما تحلون به يمينكم إذا فعلتموه، وذلك يدل على انه صلى الله عليه وآله كان حلف دون ان يكون قال: هي عليّ حرام، لان ذلك ليس بيمين - عند اكثر الفقهاء - وقال الحسن: فرض الله تحلة اليمين في الكفارة للمؤمنين. فأما النبي صلى الله عليه وآله فلا كفارة عليه، لان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وتحلة اليمين هو فعل ما يسقط تبعته في اليمين إما بكفارة او بتناول شيء من المحلوف عليه، فمن حلف ألا يأكل من هذا الطعام، فمتي أكله حنث، ولزمته كفارة، وينحل اليمين بها، ومن حلف أنه يأكل من هذا الطعام وأكل منه شيئاً قليلا فقد انحلت يمينه، فلذلك سمي تحلة اليمين. وقوله {والله مولاكم} معناه الله ناصركم، وهو أولى بكم منكم بأنفسكم، ومن كل احد {وهو العليم} بجميع الاشياء {الحكيم} فى جميع أفعاله. وقوله {وإذ أسرّ النبي} معناه واذكروا حين أسر النبي {إلى بعض أزواجه حديثاً} فالاسرار القاه المعنى إلى نفس المحدث على وجه الاخفاء عن غيره، يقال: أسر اليه كذا وكذا إسراراً والاسرار نقيض الاعلان. وقيل: إنه كان أسر إلى حفصة ألا تخبر عائشة بكونه مع مارية فى يوم عائشة وقال إنه حرمها على نفسه، فأطلعت عليه عائشة. وقيل: إنه كان يوم حفصة، فأطلعت عليه عائشة فاستكتمها النبي فأخبرت حفصة بذلك فانتشر الخبر فعاتبهم الله على ذلك. وقال الزجاج والفراء: أسر اليها بأنه سيلي الأمر بعده أبو بكر وعمر وعثمان فتباشروا بذلك فانتشر الخبر. وروى أصحابنا انه أسر الى عائشة بما يكون بعده من قيام من يقوم بالأمر ورفع علي عليه السلام عن مقامه فبشرت بذلك أباها فعاتبهم الله على ذلك. وقوله {فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض} معناه لما أخبرت التي اسر اليها الذي خبرها به الى غيرها وأعلم الله تعالى نبيه ذلك واظهره له {عرف بعضه وأعرض عن بعض} فمن قرأ بالتخفيف قال الفراء: معناه إنه عاتب على بعض ذلك وصفح عن الباقي. وروي انه طلق حفصة تطليقة جزاء على ذلك ثم راجعها بأمر الله تعالى، وقيل: معنى قراءة من شدد أراد انه صلى الله عليه وآله أعلمها جميع ذلك وعرفها إياه، فلما نبأها به يعني لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله، زوجته بذلك وعرفها أنها افشت سره {قالت} له فى الجواب {من أنبأك هذا} أي من اخبرك بهذا فقال النبي صلى الله عليه وآله {نبأني} أي اخبرني بذلك واعلمني {العليم} بجميع المعلومات {الخبير} بسرائر الصدور الذي لا يخفى عليه شيء من أمور عباده ظاهراً وباطناً. ثم خاطبهما يعني عائشة وحفصة وقال قل لهما {إن تتوبا إلى الله} وترجعا الى طاعته {فقد صغت قلوبكما} قال ابن عباس ومجاهد: معناه زاغت قلوبكما إلى الاثم. وقال عمر بن الخطاب وجميع أهل التأويل: انه عنى عائشة وحفصة، وقال بعضهم: معناه مالت قلوبكما الى ما كرهه الله من تحريم ما حرمه. وقوله {فقد صغت قلوبكما} من صلة {إن تتوبا إلى الله} والجواب محذوف، وتقديره إن تتوبا الى الله قبلت توبتكما، وقال قوم {فقد صغت قلوبكما} جواب كقول القائل إن تتابع المجيء اليّ فلقد جفوتني وقطعتني دهراً أي يحق لك ان تفعل ذلك، فقد صرمت فيما قبل. وإنما قال {قلوبكما} مع أن لهما قلبين، لأن كلما تثبت الاضافة فيه معنى التثنية، فلفظ الجمع أحق به، لأنه أمكن واخف باعراب الواحد وقلة الزائد. وذلك فى كل شيئين من شيئين، ويجوز التثنية لأنها الاصل، كما قال الراجز: شعر : ظهراهما مثل ظهور الترسين تفسير : فجمع المذهبين. وقوله {وإن تظاهرا عليه} معناه وإن تعاونا على خلافه {فإن الله هو مولاه} يعني الله الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته {وجبريل} ايضاً معين له وناصره {وصالح المؤمنين} قال الضحاك: يعنى خيار المؤمنين. وقال قتادة: يعني أتقياء المؤمنين. وقال الزجاج: {صالح المؤمنين} واحد فى موضع الجمع، وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: هو صالحوا المؤمنين على الجمع، غير انه حذفت الواو للاضافة، وهذا غلط، لأن النون سقطت للاضافة، فكان يجب ان يثبت الواو في الحظ، وفي المصاحف بلا واو، وروت الخاصة والعامة أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك يدل على انه أفضلهم، لان القائل إذا قال: فلان فارس قومه او شجاع قبيلته او صالحهم، فانه يفهم من جميع ذلك انه افرسهم واشجعهم واصلحهم. وقوله {والملائكة بعد ذلك ظهير} معناه إن الملائكة بعد من ذكره معينون له، فالظهير المعين الذي هو كالظهر له في القوة. وقوله {عسى ربه إن طلقكن} معاشر نساء النبي {أن يبدله أزواجاً خيراً منكن} فمن خفف الدال، فلأنه يدل على القليل والكثير، ومن شدد أراد ان الله يبدلهن اكثر منهن. ومعنى {خيراً منكن} أي افضل منكن وأصلح له. ثم وصفهن تعالى فقال {مسلمات} وهن اللواتي يظهرن الاسلام والشهادتين مستسلمات لما أمر الله به {مؤمنات} أي مصدقات بتوحيد الله واخلاص العبادة له مقرات بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله وقيل: معناه مصدقات في قولهن وفعلهن {قانتات} أي خاضعات متذللات لله تعالى. وقيل: معنى {قانتات} راجعات الى الله بفعل ما يجب له - عز وجل - {عابدات} لله بما تعبدهن به من العبادات متذللات له {سائحات} معناه ماضيات في طاعة الله. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: معنى سائحات صائمات. وقال زيد ابن اسلم: معنى {سائحات} مهاجرات، وهو اختيار الجبائي وقيل: للصائم سائح، لانه يستمر فى الامساك عن الطعام والشراب، كما يستمر السائح فى الارض {ثيبات} وهن الراجعات من عند الأزواج بعد افتضاضهن مشتق من ثاب يثوب اذا رجع {وأبكاراً} جمع بكر، وهي التي على أول حالها قبل الافتضاض.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يغفر لكم ما لحقكم من ايمانكم {رَّحِيمٌ} يرحمكم بعد المغفرة.
الأعقم
تفسير : وقوله: {يأيها النبي لم تحرم ما أحلّ الله لك} اختلفوا في نزول الآية وفي المحرم ما هو فقيل: هو العسل، فروت جماعة منهم عائشة حديث : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلى الغداة يدخل على نسائه وكان إذا دخل على حفصة سقته العسل فغارت عائشة وأرسلت إلى النساء إذا دخل عليكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن انا نجد ريح المعافير وهو شمع العرفط كريه الرائحة وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره الروائح الكريهة لمكان الملك، فدخل عليهنّ وهنَّ يقلن ذلك حتى دخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريح المعافير أكلتها، قال: "لا سقتني حفصة عسلاً وحرمه على نفسه" تفسير : وقيل: الذي سقته العسل أم سلمة، وقيل: زينب بنت جحش كان يشرب عندها العسل فتواطت عائشة على أن يقولا نجد منك ريح المعافير، فلما قالتا ذلك حرم العسل على نفسه، وقيل: التحريم في شراب كان يعجبه، وقيل: "حديث : التحريم سارية القبطية أم ابراهيم وكان أهداها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المقوقس خلا في حجرة حفصة في يومها فعاتبته حفصة فحرمها على نفسه طلباً لمرضاة حفصة لأنها غارت عليها وقال لحفصة: "لا تخبري بذلك أحداً" فأخبرت عائشة وكانتا متظاهرين على سائر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: أن حفصة زارت عائشة، وقيل: بل خرجت إلى أمها وخلا بينها فوجّه إلى ماريَّة، فكانت معه في بيت حفصة، وجاءت حفصة فأسر إليها التحريم فأخبرت بذلك عائشة"تفسير : ، وقيل: طلق حفصة تطليقة فأمِرَ بالمراجعة، وروي أن عمراً قال لها: لو كان في الخطاب خير ما طلقك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاء جبريل فأمره بالمراجعة، قال الحاكم: والأصح أن التحريم تحريم ماريّة والذي حمل ذلك عائشة وحفصة واختلفوا في التحريم قيل: حلف يمين الا يقربها، وقيل: لم يحلف ولكن قال: هي حرام عليَّ فجعل فيه كفارة يمين {قد فرض الله لكم} أي قدَّر وأمر {تحلّة أيمانكم} بالكفارة والكفارة ما ذكره في سورة المائدة، وقيل: لم يكفر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقيل: كفر {والله مولاكم} أي وليكم وناصركم {وهو العليم} بمصالحكم {الحكيم} في أوامره ونواهيه.
الهواري
تفسير : تفسير سورة التحريم، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. كان النبي عليه السلام حرّم أم إبراهيم على نفسه، وأسرّ ذلك إلى حفصة دون أزواجه، وذلك أن حفصة زارت أباها فرجعت، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مارية، أم إبراهيم، في البيت. فلما خرجت مارية دخلت حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: أما إني قد رأيت من معك في البيت. فقال: والله لأرضينّك. هي علي حرام، فلا تخبري بذلك أحداً. وقال بعضهم: لا تخبري عائشة. فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها. وقد كانتا تظاهران، أي: تعاونان، على نساء النبي عليه السلام فأنزل الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} من ملك اليمين في شأن مارية أو من العسل وهو الصحيح {تَبْتَغِى} بذلك التحريم {مَرْضَاتَ} مصدر ميمي أى رضي {أَزْوَاجِكَ} تفسير لتحرم أو حال من فاعله أو أستئناف. {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال جار الله القاضي غفر لك هذه الزلة التي هي تحريم ما الله محلله ورحمة لم يؤاخذك بها انتهى. وشنع العلماء عليهما في تلك العبارة قال المراد تحريم امتناع على الانتفاع لا تحريم اعتقاد.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يَا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِمُ} المراد منع النفس عما حل مع اعتقاد أنه حلال وإِلا فتحليل الحرام وتحريم الحلال كفر، حاشاه - صلى الله عليه وسلم. {مَا أحَلَّ اللهُ لَكَ} هو العسل حرم شربه، كان يمكث عند زوجه زينب بنت جحش ويشربه عندها، فاتفقت عائشة وحفصة على أنه إِذا دخل على إِحداهما أن تقول له إِنى أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل على إِحداهما فقالت ذلك، فقال: لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود وقد حلفت ولا تخبرى بذلك أحدًا، فنزلت: {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} أقرت بذلك عائشة، والمغافير بفتح الميم جمع مغفور بضمها وبالغين المعجمة له رائحة كريهة علك العرفط، وقيل نبات له ورق عريض، وقيل هو شوك له نور يأكل منه النحل والعرفط علكه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره الرائحة الكريهة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب الرائحة الطيبة جداً للطافة نفسه وللملك؛ فشق عليه تلك الرائحة فحرم العسل إِذ ظن أن تلك الرائحة منه لأَكل النحل ذلك؛ وفى نفس الأَمر لا رائحة من ذلك فيما شرب من ذلك العسل، إِلا أن ظاهر رواية عن سودة أن الرائحة متحققة عليه وهى أن سودة قالت: أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح التى أجد منك؟ قال: سقتنى حفصة شربة عسل. فقالت: جرست نحلة العرفط. فحرم العسل فنزلت إِلا إِن توطأَت مع عائشة أن تقول ذلك أو كان من عند نفسها احتيال. وفى البخارى ومسلم أن الشرب عند حفصة والمتواطئتين على القول عائشة وسودة وأن العسل من عكة أهدتها لحفصة إِمرأة من قومها. وعن ابن عباس شرب من شراب عند سودة من العسل فدخل على عائشة فقالت: إِنى أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة فقالت: إِنى أجد منك ريحاً. فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه فنزلت، ومعنى أراه بفتح الهمزة وضمها بمعنى أظنه، وظاهر هذه الرواية أنه شراب ركب من عسل لا عسل وحده، وظاهر ما مر أنه عسل وحده، وتحتمله هذه على أن من للبيان، والصحيح أن الشرب عند زينب وهو المشهور وهو رواية للبخارى، وفى الأُخرى له عن عائشة أن الشرب للعسل فى بيت حفصة والقابلة سودة وصفية. وروى عن أنس أنه كانت له - صلى الله عليه وسلم - أمة يطأَها يعنى مارية فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فنزلت، كما روى عن ابن عباس أن الآية نزلت فى سريته وعبارة بعض أن المشهور أنها مارية وأنه - صلى الله عليه وسلم - وطئها فى بيت حفصة فى يومها إِذ خرجت إِلى أبيها بإِذنه - صلى الله عليه وسلم - فعاتبته وبكت وقالت فعلت ذلك فى بيتى ويومى وفراشى وما رأيت لى حقاً وما تفعل ذلك بإِحدى نسائك. فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها. قالت: بلى. فحرمها وضربت الحائط بينها وبين عائشة فبشرتها وقالت: أراحنا الله منها، ومع ذلك لم تزل عائشة به - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن لا يقربها. وروى أن هذا فى بيت حفصة فى يوم عائشة، وروى أنه خلا بها فى يوم عائشة وعلمت ذلك حفصة أى لأَنه كان ذلك فى بيتها فقال لها: اكتمى ذلك علىّ وقد حرمت مارية على نفسى وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر أمتى فأَخبرت بذلك عائشة وكانتا متصادقَتَين على سائر نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - وطلق حفصة إِذ أخبرت عائشة بما استكتمها واعتزل نساءه ومكث تسعًا وعشرين ليلة فى بيت مارية فنزل جبريل عليه السلام فقال: راجعها فإِنها قوامة صوامة وإِنها من نسائك فى الجنة، ويجوز الجمع بأَنه حرم مارية وحرم العسل فنزلت الآية فيهما وما واقعة على غير العالم وهو العسل أووطوء مارية وهو المشهور فيها، ويجوز وقوعها على مارية كقوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : سبحان من سخركن لنا تفسير : وشهر ذلك فى المماليك لأَنها مال كما قال الله تعالى {أية : وما ملكت أيمانكم} تفسير : [النساء: 36]. {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أزْوَاجِكَ} استئناف نحوى للعتاب أو بيانى كأَنه قال - صلى الله عليه وسلم - ما جهة الإِنكار علىَّ يا رب وقد فعل مثله غيرى من الأَنبياء كما قال الله جل وعلا "أية : إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ" تفسير : [آل عمران: 93] فقال إِنك تبتغى مرضاة أزواجك، أو الجملة تفسير لتحرم بأَن يجعل ابتغاء مرضاتهن عين التحريم مبالغة فى كونه سبباً للتحريم وفيه تفخيم عظيم كذا قيل، وأقول لا تظهر فائدة فى المبالغة فى جعله سبباً فضلا عن أن يقال فيه تفخيم عظيم، ويجوز أن تكون الجملة حالا من المستتر فى تحريم فيكون محل العتاب هو ابتغاء المرضاة كقولك لم مشيت إِلى المسجد راكباً، ولا يلزم من الحالية ذلك لجواز أن العتاب على نفس التحريم وحده أو عليهما كقولك لم جئت إِلى المسجد آخر الوقت متكاسلا، ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا وإِضافة الأَزواج إِلى الكاف للجنس فيصدق ولو بالواحدة كحفصة إِذ اغتاظت بوطء مارية فى بيتها، والإِثنتين كحفصة اغتاظت لذلك وعائشة اغتاظت ليومها. {وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منع نفسه من وطء مارية أو شرب العسل أو كليهما ليس معصية بل مكروه فغفر الله سبحانه هذا الفعل المكروه أو عده معصية فى حقه لعظم شأْنه عند الله تعالى وعظم إِنعامه عليه كما يعد عليه عدم العفو معصية، وكذا ترك ما هو أولى، ففى ذكر المغفرة له على ذلك تشريف له إِذ عد عليه لعظمه ذنباً ما ليس ذنباً.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } روى البخاري وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه « حديث : عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبـي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود وفي رواية «وقد حلفتُ فلا تُخبري بذلك أحداً» فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } » تفسير : الخ، وفي رواية « حديث : قالت سودة: أكلت مغافير؟ قال: لا قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، فقالت: جرست نحلة العرفط » تفسير : فحرم العسل فنزلت، وفي حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة شرب العسل في بيت حفصة، والقائلة سودة وصفية. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه - قال الحافظ السيوطي: بسند صحيح عن ابن عباس قال: « حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً فدخل على حفصة فقالت: إني أجد منك ريحاً فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه » تفسير : فنزلت. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } الخ، ويوافقه ما أخرجه البزار والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن عباس قال: نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ } الآية في سريته. والمشهور أنها مارية وأنه عليه الصلاة والسلام وطئها في بيت حفصة في يومها فوجدت وعاتبته فقال / صلى الله عليه وسلم: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى فحرمها، وفي رواية أن ذلك كان في بيت حفصة في يوم عائشة، وفي «الكشاف» روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي فأخبرت عائشة وكانتا متصادقتينتفسير : . وبالجملة الأخبار متعارضة، وقد سمعت ما قيل فيها لكن قال الخفاجي: قال النووي في «شرح مسلم»: ((الصحيح أن الآية في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير «الصحيحين»، ولم تأت قصة مارية في طريق صحيح ثم قال الخفاجي نقلاً عنه أيضاً: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب رضي الله تعالى عنها)). وقال الطيبـي فيما نقلناه عن «الكشاف» ما وجدته في الكتب المشهورة والله تعالى أعلم. والمغافير: بفتح الميم والغين المعجمة وبياء بعد الفاء ـ على ما صوبه القاضي عياض ـ جمع مغفور بضم الميم شيء له رائحة كريهة ينضحه العُرْفط وهو شجر أو نبات له ورق عريض، وعن «المطلع» أن العرفط هو الصمغ، والمغفور شوك له نَوْرٌ يأكل منه النحل يظهر العرفط عليه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب جداً ويكره الرائحة الكريهة للطافة نفسه الشريفة ولأن الملك يأتيه وهو يكرهها فشق عليه صلى الله عليه وسلم ما قيل فجرى ما جرى. وفي ندائه صلى الله عليه وسلم ـ بيا أيها النبـي ـ في مفتتح العتاب من حسن التلطف به والتنويه بشأنه عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى، ونظير ذلك قوله تعالى: { أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] والمراد بالتحريم الامتناع، وبما أحل الله العسل على ما صححه النووي رحمه الله تعالى، أو وطء سريته على ما في بعض الروايات. ووجه التعبير ـ بما ـ على هذين التفسيرين ظاهر. وفسر بعضهم {مَا } بمارية؛ والتعبير عنها ـ بما ـ على ما هو الشائع في التعبير بها عن ملك اليمين، والنكتة فيه لا تخفى. وقوله تعالى: {تَبْتَغِى مَرْضَـٰتِ أَزْوٰجَكَ } حال من فاعل {تُحَرّمُ }، واختاره أبو حيان فيكون هو محل العتاب على ما قيل، وكأن وجهه أن الكلام الذي فيه قيد، المقصود فيه القيد إثباتاً أو نفياً، أو يكون التقييد على نحو { أية : أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } تفسير : [آل عمران: 130] على أن التحريم في نفسه محل عتب؛ والباعث عليه كذلك كما في «الكشف»، أو استئناف نحوي أو بياني، وهو الأولى، ووجهه أن الاستفهام ليس على الحقيقة بل هو معاتبة، على أن التحريم لم يكن عن باعث مرضي فاتجه أن يُسأل ما ينكر منه وقد فعله غيره من الأنبياء عليهم السلام ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [آل عمران: 93] فقيل: تبتغي مرضات أزواجك ومثلك من أجل أن تطلب مرضاتهن بمثل ذلك، وجوز أن يكون تفسيراً ـ لتحرم ـ بجعل ابتغاء مرضاتهن عين التحريم مبالغة في كونه سبباً له، وفيه من تفخيم الأمر ما فيه. والإضافة في {أَزْوٰجَكَ } للجنس لا للاستغراق. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فيه تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم بأن ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه السامي الكريم يعد كالذنب وإن لم يكن في نفسه كذلك، وأن عتابه صلى الله عليه وسلم ليس إلا لمزيد الاعتناء به. وقد زل الزمخشري هٰهنا كعادته فزعم أن ما وقع من تحريم الحلال المحظور لكنه غفر له عليه الصلاة والسلام، وقد شن ابن المنير في «الانتصاف» الغارة في التشنيع عليه فقال ما حاصله: ((إن ما أطلقه في حقه صلى الله عليه وسلم تقول وافتراء والنبـي عليه الصلاة والسلام منه براء، وذلك أن تحريم الحلال / على وجهين: الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه وهو كاعتقاد ثبوت حكم التحليل في الحرام محظور يوجب الكفر فلا يمكن صدوره من المعصوم أصلاً، والثاني: الامتناع من الحلال مطلقاً أو مؤكداً باليمين مع اعتقاد حله وهذا مباح صرف وحلال محض، ولو كان ترك المباح والامتناع منه غير مباح لاستحالت حقيقة الحلال، وما وقع منه صلى الله عليه وسلم كان من هذا النوع وإنما عاتبه الله تعالى عليه رفقاً به وتنويهاً بقدره وإجلالاً لمنصبه عليه الصلاة والسلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه جرياً على ما ألف من لطف الله تعالى به))، وتأول بعضهم كلام الزمخشري، وفيه ما ينبو عن ذلك. وقيل: نسبة التحريم إليه صلى الله عليه وسلم مجاز، والمراد لم تكون سبباً لتحريم الله تعالى عليك ما أحل لك بحلفك على تركه؟ وهذا لا يحتاج إليه، وفي وقوع الحلف خلاف، ومن قال به احتج ببعض الأخبار، وبظاهر قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ}.
سيد قطب
تفسير : عندما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة؛ وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة؛ وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام؛ وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان.. عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة، شاملاً كاملاً متكاملاً، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه. وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام: نمواً وتكاثراً، ورفعة وتطهراً، في آن واحد. فلم يعطل طاقة باقية بانية، ولم يكبت استعداداً نافعاً. بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الاندفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود. وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا جرى كذلك باختيار رسولها ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنساناً تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها. إنساناً قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها. ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء؛ صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقاً كاملاً سليماً. وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة. وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه.. ثم هو بعد ذلك كله.. النبي.. الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد ـ الجبل..!.. ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها. فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها.. ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتاباً مفتوحاً لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية. ومن ثم لا يجعل فيها سراً مخبوءاً، ولا ستراً مطوياً. بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي. حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر. بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص. فهو لهذه الدعوة كله. فعلام يختبئ جانب من حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة؛ وقد جاء ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه. ولهذا خلق. ولهذا جاء. ولقد حفظ عنه أصحابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونقلوا للناس بعدهم ـ جزاهم الله خيراً ـ أدق تفصيلات هذه الحياة. فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل.. وكان هذا طرفاً من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول. فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة. وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك.. ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه. والوقت الذي وقعت فيه الأحداث التي تشير إليها السورة ليس محدداً. ولكن بالرجوع إلى الروايات التي جاءت عنه يتأكد أنه بعد زواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب بنت جحش قطعاً. ولعله يحسن أن نذكر هنا ملخصاً عن قصة أزواج النبي، وعن حياته البيتية يعين على تصور الحوادث والنصوص التي جاءت بصددها في هذه السورة. ونعتمد في هذا الملخص على ما أثبته الإمام ابن حزم في كتابه: "جوامع السيرة".. وعلى السيرة لابن هشام مع بعض التعليقات السريعة: أول أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خديجة بنت خويلد. تزوجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ابن خمس وعشرين سنة وقيل ثلاث وعشرون، وسنها ـ رضي الله عنها ـ أربعون أو فوق الأربعين، وماتت ـ رضي الله عنها ـ قبل الهجرة بثلاث سنوات، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت. وقد تجاوزت سنة الخمسين. فلما ماتت خديجة تزوج عليه السلام سودة بنت زمعه ـ رضي الله عنها ـ ولم يرو أنها ذات جمال ولا شباب. إنما كانت أرملة للسكران بن عمرو بن عبد شمس. كان زوجها من السابقين إلى الإسلام من مهاجري الحبشة. فلما توفي عنها، تزوجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. ثم تزوج عائشة ـ رضي الله عنها ـ بنت الصديق أبي بكر ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ وكانت صغيرة فلم يدخل بها إلا بعد الهجرة. ولم يتزوج بكرا غيرها. وكانت أحب نسائه إليه، وقيل كانت سنها تسع سنوات وبقيت معه تسع سنوات وخمسة أشهر. وتوفي عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ثم تزوج حفصة بنت عمر ـ رضي الله عنه وعنها ـ بعد الهجرة بسنتين وأشهر. تزوجها ثيباً. بعدما عرضها أبوها على أبي بكر وعلى عثمان فلم يستجيبا. فوعده النبي خيراً منهما وتزوجها! ثم تزوج زينب بنت خزيمة. وكان زوجها الأول عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قد قتل يوم بدر. وتوفيت زينب هذه في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقيل كان زوجها قبل النبي هو عبد الله بن جحش الأسدي المستشهد يوم أحد. ولعل هذا هو الأقرب. وتزوج أم سلمة. وكانت قبله زوجاً لأبي سلمة، الذي جرح في أحد، وظل جرحه يعاوده حتى مات به. فتزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرملته. وضم إليه عيالها من أبي سلمة. وتزوج زينب بنت جحش. بعد أن زوجها لمولاه ومتبناه زيد بن حارثة فلم تستقم حياتهما فطلقها. وقد عرضنا قصتها في سورة الأحزاب في الجزء الثاني والعشرين، وكانت جميلة وضيئة. وهي التي كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تحس أنها تساميها، لنسبها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي بنت عمته، ولوضاءتها! ثم تزوج جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد غزوة بني المصطلق في أواسط السنة السادسة الهجرية. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها. قالت: "حديث : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في أسهم الثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة مليحة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها! وعرفت أنه سيرى منها ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله. أنا جويرية بنت الحارث بن أبي صرار سيد قومه. وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ـ أو لابن عم له ـ فكاتبته على نفسي، فجئت أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك؟" قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟" قالت: نعم يا رسول الله. قال: قد فعلت ".. تفسير : ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بعد الحديبية. وكانت مهاجرة مسلمة في بلاد الحبشة، فارتد زوجها عبد الله بن جحش إلى النصرانية وتركها. فخطبها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمهرها عنه نجاشي الحبشة. وجاءت من هناك إلى المدينة. وتزوج إثر فتح خيبر بعد الحديبية صفية بنت حيي بن أخطب زعيم بني النضير. وكانت زوجة لكنانة ابن أبي الحقيق وهو من زعماء اليهود أيضاً. ويذكر ابن إسحاق في قصة زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها: أنه أتي بها وبأخرى معها من السبي، فمر بهما بلال ـ رضي الله عنه ـ على قتلى من قتلى اليهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : اعزبوا عني هذه الشيطانة" تفسير : وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ لبلال ـ فيما بلغني ـ حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: "حديث : أنزعت منك الرحمة يا بلال؟ حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ ". تفسير : ثم تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن. وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس. وكانت قبل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أبي رهم بن عبد العزى. وقيل حويطب بن عبد العزى. وهي آخر من تزوج صلى الله عليه وسلم. وهكذا ترى أن لكل زوجة من أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قصة وسبباً في زواجه منها. وهن فيمن عدا زينت بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، لم يكن شواب ولا ممن يرغب فيهن الرجال لجمال. وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ هي أحب نسائه إليه. وحتى هاتان اللتان عرف عنهما الجمال والشباب كان هناك عامل نفسي وإنساني آخر ـ إلى جانب جاذبيتهن ـ ولست أحاول أن أنفي عنصر الجاذبية الذي لحظته عائشة في جويرية مثلاً، ولا عنصر الجمال الذي عرفت به زينب. فلا حاجة أبداً إلى نفي مثل هذه العناصر الإنسانية في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليست هذه العناصر موضع اتهام يدفعه الأنصار عن نبيهم. إذا حلا لأعدائه أن يتهموه! فقد اختير ليكون إنساناً. ولكن إنساناً رفيعاً. وهكذا كان. وهكذا كانت دوافعه في حياته وفي أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على اختلاف الدوافع والأسباب. ولقد عاش في بيته مع أزواجه بشراً رسولاً كما خلقه الله، وكما أمره أن يقول: {أية : قل: سبحان ربي! هل كنت إلا بشراً رسولاً؟ }.. تفسير : استمتع بأزواجه وأمتعهن. كما قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عنه: "حديث : كان إذا خلا بنسائه ألين الناس. وأكرم الناس ضحاكاً بساماً"تفسير : .. ولكنه إنما كان يستمتع بهن ويمتعهن من ذات نفسه، ومن فيض قلبه، ومن حسن أدبه، ومن كريم معاملته. فأما حياتهن المادية فكانت في غالبها كفافاً حتى بعد أن فتحت له الفتوح وتبحبح المسلمون بالغنائم والفيء. وقد سبق في سورة الأحزاب قصة طلبهن الوسعة في النفقة، وما أعقب هذا الطلب من أزمة، انتهت بتخييرهن بين الله ورسوله والدار الآخرة، أو المتاع والتسريح من عصمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. ولكن الحياة في جو النبوة في بيوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تكن لتقضي على المشاعر البشرية، والهواتف البشرية في نفوس أزواجه ـ رضي الله عنهن ـ فقد كان يبدو أو يشجر بينهن، ما لا بد أن يشجر في قلوب النساء في مثل هذه الحال. وقد سلف في رواية ابن إسحاق عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كرهت جويريه بمجرد رؤيتها لما توقعته من استملاح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها إذا رآها, وصح ما توقعته فعلاً! وكذلك روت هي نفسها حادثاً لها مع صفية. قالت. "قلت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. قال الراوي: تعني قصيرة! فقال صلى الله عليه وسلم - "حديث : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"تفسير : .. كذلك روت عن نفسها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين نزلت آية التخيير التي في الأحزاب، فاختارت هي الله ورسوله والدار الآخرة، طلبت إليه ألا يخبر زوجاته عن اختيارها! ـ وظاهر لماذا طلبت هذا! ـ فقال ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها.. ". تفسير : وهذه الوقائع التي روتها عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن نفسها ـ بدافع من صدقها ولتربيتها الإسلامية الناصعة ـ ليست إلا أمثلة لغيرها تصور هذا الجو الإنساني الذي لا بد منه في مثل هذه الحياة. كما تصور كيف كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدي رسالته بالتربية والتعلية في بيته كما يؤديها في أمته سواء. وهذا الحادث الذي نزل بشأنه صدر هذه السورة هو واحد من تلك الأمثلة التي كانت تقع في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي حياة أزواجه. وقد وردت بشأنه روايات متعددة ومختلفة سنعرض لها عند استعراض النصوص القرآنية في السورة. وبمناسبة هذا الحادث وما ورد فيه من توجيهات. وبخاصة دعوة الزوجتين المتآمرتين فيه إلى التوبة. أعقبه في السورة دعوة إلى التوبة وإلى قيام أصحاب البيوت على بيوتهم بالتربية، ووقاية أنفسهم وأهليهم من النار. كما ورد مشهد للكافرين في هذه النار. واختتمت السورة بالحديث عن امرأة نوح وامرأة لوط كمثل للكفر في بيت مؤمن. وعن امرأة فرعون كمثل للإيمان في بيت كافر، وكذلك عن مريم ابنة عمران التي تطهرت فتلقت النفخة من روح الله وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين.. {يا أيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك، تبتغي مرضاة أزواجك، والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم}. {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض، فلما نبأها به قالت: من أنبأك هـذا؟ قال: نبأني العليم الخبير}. {إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير. عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً}.. وردت في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة منها ما رواه البخاري عند هذه الآية قال: حدثنا إبراهيم ابن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: "حديث : كان النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها. فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير. إني أجد منك ريح مغافير. قال: لا. ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود له. وقد حلفت. لا تخبري بذلك أحداً" تفسير : .. فهذا هو ما حرمه على نفسه وهو حلال له: {لم تحرم ما أحل الله لك؟}. ويبدو أن التي حدثها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الحديث وأمرها بستره قالت لزميلتها المتآمرة معها. فأطلع الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الأمر. فعاد عليها في هذا وذكر لها بعض ما دار بينها وبين زميلتها دون استقصاء لجميعه. تمشياً مع أدبه الكريم. فقد لمس الموضوع لمساً مختصراً لتعرف أنه يعرف وكفى. فدهشت هي وسألته: {من أنبأك هذا؟}.. ولعله دار في خلدها أن الأخرى هي التي نبأته! ولكنه أجابها: {نبأني العليم الخبير}.. فالخبر من المصدر الذي يعلمه كله. ومضمون هذا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم كل ما دار، لا الطرف الذي حدثها به وحده! وقد كان من جراء هذا الحادث، وما كشف عنه من تآمر ومكايدات في بيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن غضب. فآلى من نسائه لا يقربهن شهراً، وهم بتطليقهن ـ على ما تسامع المسلمون ـ ثم نزلت هذه الآيات. وقد هدأ غضبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعاد إلى نسائه بعد تفصيل سنذكره بعد عرض رواية أخرى للحادث. وهذه الرواية الأخرى أخرجها النسائي من حديث أنس، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها. فأنزل الله عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؛ تبتغي مرضاة أزواجك}.. وفي رواية لابن جرير ولابن إسحاق أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطئ مارية أم ولده إبراهيم في بيت حفصه. فغضبت وعدتها إهانة لها. فوعدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتحريم مارية وحلف بهذا. وكلفها كتمان الأمر. فأخبرت به عائشة.. فهذا هو الحديث الذي جاء ذكره في السورة. وكلا الروايتين يمكن أن يكون هو الذي وقع. وربما كانت هذه الثانية أقرب إلى جو النصوص وإلى ما أعقب الحادث من غضب كاد يؤدي إلى طلاق زوجات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نظراً لدقة الموضوع وشدة حساسيته. ولكن الرواية الأولى أقوى إسناداً. وهي في الوقت ذاته ممكنة الوقوع، ويمكن أن تحدث الآثار التي ترتبت عليها. إذا نظرنا إلى المستوى الذي يسود بيوت النبي، مما يمكن أن تعد فيه الحادثة بهذا الوصف شيئاً كبيراً.. والله أعلم أي ذلك كان. أما وقع هذا الحادث ـ حادث إيلاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أزواجه، فيصوره الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وهو يرسم كذلك جانباً من صورة المجتمع الإسلامي يومذاك.. قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: "لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اللتين قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبّرز، "حديث : ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اللتان قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}؟ فقال عمر: واعجباً لك يا ابن عباس!"تفسير : قال الزهري: "حديث : كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي عائشة وحفصة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي. قال: فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل! قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قالت: نعم! قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم! قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا تسأليه شيئاً وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم ـ أي أجمل ـ وأحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منك ـ يريد عائشة ـ قال: وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث أن غسان تنحل الخيل لتغزونا. فنزل صاحبي يوماً ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم نادى، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم. فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسان؟ قال: لا. بل أعظم من ذلك وأطول! طلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نساءه! فقلت: قد خابت حفصة وخسرت! قد كنت أظن هذا كائناً. حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي. فقلت: أطلقكن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ ـ فقالت: لا أدري. هو هذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلاماً أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فصمت! فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم. فجلست عنده قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت! فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت! فوليت مدبراً فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل قد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جنبه. فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: "لا". فقلت: الله أكبر! ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؛ فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منك! فتبسم أخرى. فقلت: أستأنس يا رسول الله! قال: "نعم" فجلست، فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت في البيت شيئاً يرد البصر إلا هيبة مقامه فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالساً وقال: "أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" فقلت: "استغفر لي يا رسول الله.. وكان أقسم ألا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل"تفسير : .. (وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري بهذا النص).. هذه رواية الحادث في السير. فلننظر في السياق القرآني الجميل: تبدأ السورة بهذا العتاب من الله سبحانه لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {يا أيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك، تبتغي مرضاة أزواجك، والله غفور رحيم؟ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، والله مولاكم، وهو العليم الحكيم}.. وهو عتاب مؤثر موح. فما يجوز أن يحرم المؤمن على نفسه ما أحله الله له من متاع. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن حرم العسل أو مارية بمعنى التحريم الشرعي؛ إنما كان قد قرر حرمان نفسه. فجاء هذا العتاب يوحي بأن ما جعله الله حلالاً فلا يجوز حرمان النفس منه عمداً وقصداً إرضاء لأحد.. والتعقيب.. {والله غفور رحيم}.. يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة، وأن تتداركه مغفرة الله ورحمته. وهو إيحاء لطيف. فأما اليمين التي يوحي النص بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حلفها، فقد فرض الله تحلتها. أي كفارتها التي يحل منها. ما دامت في غير معروف والعدول عنها أولى. {والله مولاكم}.. فهو يعينكم على ضعفكم وعلى ما يشق عليكم. ومن ثم فرض تحلة الأيمان، للخروج من العنت والمشقة.. {وهو العليم الحكيم}. يشرع لكم عن علم وعن حكمة، ويأمركم بما يناسب طاقتكم وما يصلح لكم. فلا تحرموا إلا ما حرم، ولا تحلوا غير ما أحل. وهو تعقيب يناسب ما قبله من توجيه. ثم يشير إلى الحديث ولا يذكر موضوعه ولا تفصيله، لأن موضوعه ليس هو المهم، وليس هو العنصر الباقي فيه. إنما العنصر الباقي هو دلالته وآثاره: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً}.. ومن النص نطلع على نموذج من تلك الفترة العجيبة في تاريخ البشرية. الفترة التي يعيش فيها الناس مع السماء. والسماء تتدخل في أمرهم علانية وتفصيلاً. ونعلم أن الله قد أطلع نبيه على ما دار بين زوجيه بشأن ذلك الحديث الذي أسره إلى بعض أزواجه. وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين راجعها فيه اكتفى بالإشارة إلى جانب منه. ترفعاً عن السرد الطويل، وتجملاً عن الإطالة في التفصيل؛ وأنه أنبأها بمصدر علمه وهو المصدر الأصيل: {فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض، فلما نبأها به قالت: من أنبأك هـذا؟ قال: نبأني العليم الخبير}.. والإشارة إلى العلم والخبرة هنا إشارة مؤثرة في حالة التآمر والمكايدات المحبوكة وراء الأستار! ترد السائلة إلى هذه الحقيقة التي ربما نسيتها أو غفلت عنها، وترد القلوب بصفة عامة إلى هذه الحقيقة كلما قرأت هذا القرآن. ويتغير السياق من الحكاية عن حادث وقع إلى مواجهة وخطاب للمرأتين كأن الأمر حاضر: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما. وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}.. وحين نتجاوز صدر الخطاب، ودعوتهما إلى التوبة لتعود قلوبهما فتميل إلى الله، فقد بعدت عنه بما كان منها.. حين نتجاوز هذه الدعوة إلى التوبة نجد حملة ضخمة هائلة وتهديداً رعيباً مخيفاً. ومن هذه الحملة الضخمة الهائلة ندرك عمق الحادث وأثره في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى احتاج الأمر إلى إعلان موالاة الله وجبريل وصالح المؤمنين. والملائكة بعد ذلك ظهيرا! ليطيب خاطر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحس بالطمأنينة والراحة من ذلك الأمر الخطير! ولا بد أن الموقف في حس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي محيطه كان من الضخامة والعمق والتأثير إلى الحد الذي يتناسب مع هذه الحملة. ولعلنا ندرك حقيقته من هذا النص ومما جاء في الرواية على لسان الأنصاري صاحب عمر ـ رضي الله عنهما ـ وهو يسألة: جاءت غسان؟ فيقول لا بل أعظم من ذلك وأطول. وغسان هي الدولة العربية الموالية للروم في الشام على حافة الجزيرة، وهجومها إذ ذاك أمر خطير. ولكن الأمر الآخر في نفوس المسلمين كان أعظم وأطول! فقد كانوا يرون أن استقرار هذا القلب الكبير، وسلام هذا البيت الكريم أكبر من كل شأن. وأن اضطرابه وقلقه أخطر على الجماعة المسلمة من هجوم غسان عملاء الروم! وهو تقدير يوحي بشتى الدلالات على نظرة أولئك الناس للأمور. وهو تقدير يلتقي بتقدير السماء للأمر، فهو إذن صحيح قويم عميق. وكذلك دلالة الآية التالية، وتفصيل صفات النساء اللواتي يمكن أن يبدل الله النبي بهن من أزواجه ولو طلقهن. مع توجيه الخطاب للجميع في معرض التهديد: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، سائحات، ثيبات وأبكاراً}.. وهي الصفات التي يدعوهن إليها عن طريق الإيحاء والتلميح. الإسلام الذي تدل عليه الطاعة والقيام بأوامر الدين. والإيمان الذي يعمر القلب، وعنه ينبثق الإسلام حين يصح ويتكامل. والقنوت وهو الطاعة القلبية. والتوبة وهي الندم على ما وقع من معصية والاتجاه إلى الطاعة. والعبادة وهي أداة الاتصال بالله والتعبير عن العبودية له. والسياحة وهي التأمل والتدبر والتفكر في إبداع الله والسياحة بالقلب في ملكوته. وهن ـ مع هذه الصفات ـ من الثيبات ومن الأبكار. كما أن نساءه الحاضرات كان فيهن الثيب وفيهن البكر. وهو تهديد لهن لا بد كان له ما يقتضيه من تأثير مكايداتهن في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما كان ليغضب من قليل! وقد رضيت نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد نزول هذه الآيات. وخطاب ربه له ولأهل بيته. واطمأن هذا البيت الكريم بعد هذه الزلزلة، وعاد إليه هدوؤه بتوجيه الله سبحانه. وهو تكريم لهذا البيت ورعاية تناسب دوره في إنشاء منهج الله في الأرض وتثبيت أركانه. وبعد فهذه صورة من الحياة البيتية لهذا الرجل الذي كان ينهض بإنشاء أمة، وإقامة دولة، على غير مثال معروف، وعلى غير نسق مسبوق. أمة تنهض بحمل أمانة العقيدة الإلهية في صورتها الأخيرة، وتنشئ في الأرض مجتمعاً ربانياً، في صورة واقعية يتأسى بها الناس. وهي صورة من حياة إنسان كريم رفيع جليل عظيم. يزاول إنسانيته في الوقت الذي يزاول فيه نبوته. فلا تفترق هذه عن تلك؛ لأن القدر جرى بأن يكون بشراً رسولاً، حينما جرى بأن يحمله الرسالة الأخيرة للبشر أو منهج الحياة الأخير. إنها الرسالة الكاملة يحملها الرسول الكامل. ومن كمالها أن يظل الإنسان بها إنساناً. فلا تكبت طاقة من طاقاته البانية. ولا تعطل استعداداً من استعداداته النافعة؛ وفي الوقت ذاته تهذبه وتربيه، وترتفع به إلى غاية مراقيه. وكذلك فعل الإسلام بمن فقهوه وتكيفوا به، حتى استحالوا نسخاً حية منه. وكانت سيرة نبيهم وحياته الواقعية، بكل ما فيها من تجارب الإنسان، ومحاولات الإنسان، وضعف الإنسان، وقوة الإنسان، مختلطة بحقيقة الدعوة السماوية، مرتقية بها خطوة خطوة ـ كما يبدو في سيرة أهله وأقرب الناس إليه ـ كانت هي النموذج العملي للمحاولة الناجحة، يراها ويتأثر بها من يريد القدوة الميسرة العملية الواقعية، التي لا تعيش في هالات ولا في خيالات! وتحققت حكمة القدر في تنزيل الرسالة الأخيرة للبشر بصورتها الكاملة الشاملة المتكاملة. وفي اختيار الرسول الذي يطيق تلقيها وترجمتها في صورة حية. وفي جعل حياة هذا الرسول كتاباً مفتوحاً يقرؤه الجميع. وتراجعه الأجيال بعد الأجيال.. وفي ظلال هذا الحادث الذي كان وقعه عميقاً في نفوس المسلمين، يهيب القرآن بالذين آمنوا ليؤدوا واجبهم في بيوتهم من التربية والتوجيه والتذكير، فيقوا أنفسهم وأهليهم من النار. ويرسم لهم مشهداً من مشاهدها. وحال الكفار عندها. وفي ظلال الدعوة إلى التوبة التي وردت في سياق الحادث يدعو الذين آمنوا إلى التوبة، ويصور لهم الجنة التي تنتظر التائبين. ثم يدعو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جهاد الكفار والمنافقين.. وهذا هو المقطع الثاني في السورة: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم، إنما تجزون ما كنتم تعملون. يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون: ربنآ أتمم لنا نورنا، واغفر لنآ إنك على كل شيء قدير. يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير}.. إن تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله تبعة ثقيلة رهيبة. فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله، وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك. إنها نار. فظيعة متسعرة: {وقودها الناس والحجارة}.. الناس فيها كالحجارة سواء. في مهانة الحجارة. وفي رخص الحجارة، وفي قذف الحجارة. دون اعتبار ولا عناية. وما أفظعها ناراً هذه التي توقد بالحجارة! وما أشده عذاباً هذا الذي يجمع إلى شدة اللذع المهانة والحقارة! وكل ما بها وما يلابسها فظيع رهيب: {عليها ملائكة غلاظ شداد}. تتناسب طبيعتهم مع طبيعة العذاب الذي هم به موكلون.. {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.. فمن خصائصهم طاعة الله فيما يأمرهم، ومن خصائصهم كذلك القدرة على النهوض بما يأمرهم.. وهم بغلظتهم هذه وشدتهم موكلون بهذه النار الشديدة الغليظة. وعلى المؤمن أن يقي نفسه وأن يقي أهله من هذه النار. وعليه أن يحول بينها وبينهم قبل أن تضيع الفرصة ولا ينفع الاعتذار. فها هم أولاء الذين كفروا يعتذرون وهم عليها وقوف، فلا يؤبه لاعتذارهم، بل يجبهون بالتيئيس: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم. إنما تجزون ما كنتم تعملون}.. لا تعتذروا فليس اليوم يوم اعتذار، إنما هو يوم الجزاء على ما كان من عمل. وقد عملتم ما تجزون عليه بهذه النار! فكيف يقي المؤمنون أنفسهم وأهليهم من هذه النار؟ إنه يبين لهم الطريق، ويطمعهم بالرجاء: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً، عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون: ربنآ أتمم لنا نورنا، واغفر لنآ إنك على كل شيء قدير}.. هذا هو الطريق.. توبة نصوح.. توبة تنصح القلب وتخلصه، ثم لا تغشه ولا تخدعه. توبه عن الذنب والمعصية، تبدأ بالندم على ما كان، وتنتهي بالعمل الصالح والطاعة، فهي عندئد تنصح القلب فتخلصه من رواسب المعاصي وعكارها؛ وتحضه على العمل الصالح بعدها. فهذه هي التوبة النصوح. التوبة التي تظل تذكر القلب بعدها وتنصحه فلا يعود إلى الذنوب. فإذا كانت هذه التوبة فهي مرجوة إذن في أن يكفر الله بها السيئات. وأن يدخلهم الجنات. في اليوم الذي يخزي فيه الكفار كما هم في المشهد الذي سبق في السياق. ولا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه. وإنه لإغراء مطمع، وتكريم عظيم، أن يضم الله المؤمنين إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيجعلهم معه صفاً يتلقى الكرامة في يوم الخزي. ثم يجعل لهم نوراً {يسعى بين أيديهم وبأيمانهم}. نوراً يعرفون به في ذلك اليوم الهائل المائج العصيب الرهيب. ونوراً يهتدون به في الزحام المريج. ونوراً يسعى بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة في نهاية المطاف! وهم في رهبة الموقف وشدته يلهمون الدعاء الصالح بين يدي الله: {يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير}.. وإلهامهم هذا الدعاء في هذا الموقف الذي يلجم الألسنة ويسقط القلوب، هو علامة الاستجابة. فما يلهم الله المؤمنين هذا الدعاء إلا وقد جرى قدره بأنه سيستجيب. فالدعاء هنا نعمة يمنّ بها الله عليهم تضاف إلى منة الله بالتكريم وبالنور. فأين هذا من النار التي وقودها الناس والحجارة؟ إن هذا الثواب، كذلك العقاب، كلاهما يصور تبعة المؤمن في وقاية نفسه وأهله من النار، وإنالتهم هذا النعيم في جنات تجري من تحتها الأنهار. وفي ظلال ذلك الحادث الذي كان في بيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ندرك الإيحاء المقصود هنا من وراء هذه النصوص. إن المؤمن مكلف هداية أهله، وإصلاح بيته، كما هو مكلف هداية نفسه وإصلاح قلبه. إن الإسلام دين أسرة ـ كما أسلفنا في سورة الطلاق ـ ومن ثم يقرر تبعة المؤمن في أسرته، وواجبه في بيته. والبيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة، وهو الخلية التي يتألف منها ومن الخلايا الأخرى ذلك الجسم الحي.. المجتمع الإسلامي.. إن البيت الواحد قلعة من قلاع هذه العقيدة. ولا بد أن تكون القلعة متماسكة من داخلها حصينة في ذاتها، كل فرد فيها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها. وإلا تكن كذلك سهل اقتحام المعسكر من داخل قلاعه، فلا يصعب على طارق، ولا يستعصي على مهاجم! وواجب المؤمن أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى بيته وأهله. واجبه أن يؤمن هذه القلعة من داخلها. واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً. ولا بد من الأم المسلمة. فالأب المسلم وحده لا يكفي لتأمين القلعة. لا بد من أب وأم ليقوما كذلك على الأبناء والبنات. فعبثاً يحاول الرجل أن ينشئ المجتمع الإسلامي بمجموعة من الرجال. لا بد من النساء في هذا المجتمع فهن الحارسات على النشء، وهو بذور المستقبل وثماره. ومن ثم كان القرآن يتنزل للرجال وللنساء؛ وكان ينظم البيوت، ويقيمها على المنهج الإسلامي، وكان يحمل المؤمنين تبعة أهليهم كما يحملهم تبعة أنفسهم: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}.. هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام وأن يدركوه جيداً. إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت. إلى الزوجة. إلى الأم. ثم إلى الأولاد؛ وإلى الأهل بعامة. ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم. وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولاً عن الزوجة المسلمة. وإلا فسيتأخر طويلاً بناء الجماعة الإسلامية. وسيظل البنيان متخاذلاً كثير الثغرات! وفي الجماعة المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو في أيامنا هذه.. كان قد أنشئ مجتمع مسلم ـ في المدينة ـ يهيمن عليه الإسلام. يهيمن عليه بتصوره النظيف للحياة البشرية، ويهيمن عليه بتشريعه المنبثق من هذا التصور. وكان المرجع فيه، مرجع الرجال والنساء جميعاً، إلى الله ورسوله. وإلى حكم الله وحكم رسوله. فإذا نزل الحكم فهو القضاء الأخير.. وبحكم وجود هذا المجتمع وسيطرة تصوره وتقاليده على الحياة كان الأمر سهلاً بالنسبة للمرأة لكي تصوغ نفسها كما يريد الإسلام. وكان الأمر سهلاً بالنسبة للأزواج كي ينصحوا نساءهم ويربوا أبناءهم على منهج الإسلام.. نحن الآن في موقف متغير. نحن نعيش في جاهلية. جاهلية مجتمع. وجاهلية تشريع. وجاهلية أخلاق. وجاهلية تقاليد. وجاهلية نظم. وجاهلية آداب. وجاهلية ثقافة كذلك!! والمرأة تتعامل مع هذا المجتمع الجاهلي، وتشعر بثقل وطأته الساحقة حين تهم أن تلبي الإسلام، سواء اهتدت إليه بنفسها، أو هداها إليه رجلها. زوجها أو أخوها أو أبوها.. هناك كان الرجل والمرأة والمجتمع. كلهم. يتحاكمون إلى تصور واحد، وحكم واحد، وطابع واحد. فأما هنا فالرجل يتحاكم إلى تصور مجرد لا وجود له في دنيا الواقع. والمرأة تنوء تحت ثقل المجتمع الذي يعادي ذلك التصور عداء الجاهلية الجامح! وما من شك أن ضغط المجتمع وتقاليده على حس المرأة أضعاف ضغطه على حس الرجل! وهنا يتضاعف واجب الرجل المؤمن، إن عليه أن يقي نفسه النار! ثم عليه أن يقي أهله وهم تحت هذا الضغط الساحق والجذب العنيف! فينبغي له أن يدرك ثقل هذا الواجب ليبذل له من الجهد المباشر أضعاف ما كان يبذله أخوه في الجماعة المسلمة الأولى. ويتعين حينئذ على من يريد أن ينشئ بيتاً أن يبحث أولاً عن حارسة للقلعة، تستمد تصورها من مصدر تصوره هو.. من الإسلام.. وسيضحي في هذا بأشياء: سيضحي بالالتماع الكاذب في المرأة. سيضحي بخضراء الدمن! سيضحي بالمظهر البراق للجيف الطافية على وجه المجتمع. ليبحث عن ذات الدين، التي تعينه على بناء بيت مسلم، وعلى إنشاء قلعة مسلمة! ويتعين على الآباء المؤمنين الذين يريدون البعث الإسلامي أن يعلموا أن الخلايا الحية لهذا البعث وديعة في أيديهم وأن عليهم أن يتوجهوا إليهن بالدعوة والتربية والإعداد قبل أي أحد آخر. وأن يستجيبوا لله وهو يدعوهم: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}؛ ونرجع الكرة ـ بهذه المناسبة ـ إلى طبيعة الإسلام التي تقتضي قيام الجماعة المسلمة التي يهيمن عليها الإسلام، والتي يتحقق فيها وجوده الواقعي. فهو مبني على أساس أن تكون هناك جماعة. الإسلام عقيدتها، والإسلام نظامها، والإسلام شريعتها، والإسلام منهجها الكامل الذي تستقي منه كل تصوراتها. هذه الجماعة هي المحضن الذي يحمي التصور الإسلامي ويحمله إلى النفوس، ويحميها من ضغط المجتمع الجاهلي، كما يحميها من فتنة الإيذاء سواء. ومن ثم تتبين أهمية الجماعة المسلمة التي تعيش فيها الفتاة المسلمة والمرأة المسلمة، محتمية بها من ضغط المجتمع الجاهلي حولها. فلا تتمزق مشاعرها بين مقتضيات تصورها الإسلامي وبين تقاليد المجتمع الجاهلي الضاغط الساحق. ويجد فيها الفتى المسلم شريكة في العش المسلم، أو في القلعة المسلمة، التي يتألف منها ومن نظيراتها المعسكر الإسلامي. إنها ضرورة - وليست نافلة - أن تقوم جماعة مسلمة، تتواصى بالإسلام، وتحتضن فكرته وأخلاقه وآدابه وتصوراته كلها، فتعيش بها فيما بينها، وتعيش لها تحرسها وتحميها وتدعو إليها، في صورة واقعية يراها من يدعون إليها من المجتمع الجاهلي الضال ليخرجوا من الظلمات إلى النور بإذن الله. إلى أن يأذن الله بهيمنة الإسلام. حتى تنشأ الأجيال في ظله، في حماية من الجاهلية الضاربة الأطناب.. وفي سبيل حماية الجماعة المسلمة الأولى كان الأمر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمجاهدة أعدائها: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير}.. وهي لفتة لها معناها وقيمتها بعدما تقدم من أمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار. وبالتوبة النصوح التي تكفر عنهم السيئات وتدخلهم الجنة تجري من تحتها الأنهار.. لها معناها وقيمتها في ضرورة حماية المحضن الذي تتم فيه الوقاية من النار. فلا تترك هذه العناصر المفسدة الجائرة الظالمة، تهاجم المعسكر الإسلامي من خارجه كما كان الكفار يصنعون. أو تهاجمه من داخله كما كان المنافقون يفعلون. وتجمع الآية بين الكفار والمنافقين في الأمر بجهادهم والغلظة عليهم. لأن كلا من الفريقين يؤدي دوراً مماثلاً في تهديد المعسكر الإسلامي، وتحطيمه أو تفتيته. فجهادهم هو الجهاد الواقي من النار. وجزاؤهم هو الغلظة عليهم من رسول الله والمؤمنين في الدنيا. {ومأواهم جهنم وبئس المصير} في الآخرة! وهكذا تتناسق هذه الجولة فيما بين آياتها واتجاهاتها؛ كما تتناسق بجملتها مع الجولة الأولى مع السياق.. ثم تجيء الجولة الثالثة والأخيرة. وكأنها التكملة المباشرة للجولة الأولى، إذ تتحدث عن نساء كافرات في بيوت أنبياء. ونساء مؤمنات في وسط كفار: {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين.. وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون، إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه. وكانت من القانتين}.. والمأثور في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، أنها كانت خيانة في الدعوة، وليست خيانة الفاحشة. امرأة نوح كانت تسخر منه مع الساخرين من قومه؛ وإمرأة لوط كانت تدل القوم على ضيوفه وهي تعلم شأنهم مع ضيوفه! والمأثور كذلك عن امرأة فرعون أنها كانت مؤمنة في قصره ـ ولعلها كانت أسيوية من بقايا المؤمنين بدين سماوي قبل موسى. وقد ورد في التاريخ أن أم "أمنحوتب الرابع" الذي وحد الآلهة في مصر ورمز للإله الواحد بقرص الشمس، وسمى نفسه "إخناتون".. كانت أسيوية على دين غير دين المصريين.. والله أعلم إن كانت هي المقصودة في هذه السورة أم إنها امرأة فرعون موسى.. وهو غير "أمنحوتب" هذا.. ولا يعنينا هنا التحقيق التاريخي لشخص امرأة فرعون.. فالإشارة القرآنية تعني حقيقة دائمة مستقلة عن الأشخاص. والأشخاص مجرد أمثلة لهذه الحقيقة.. إن مبدأ التبعة الفردية يراد إبرازه هنا، بعد الأمر بوقاية النفس والأهل من النار. كما يراد أن يقال لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأزواج المؤمنين كذلك: إن عليهن أنفسهن بعد كل شيء. فهن مسؤولات عن ذواتهن، ولن يعفيهن من التبعة أنهن زوجات نبي أو صالح من المسلمين! وها هي ذي امرأة نوح. وكذلك امراة لوط. {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين}.. {فخانتاهما}.. {فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً}.. {وقيل: ادخلا النار مع الداخلين}.. فلا كرامة ولا شفاعة في أمر الكفر والإيمان. وأمر الخيانة في العقيدة حتى لأزواج الأنبياء! وها هي ذي امرأة فرعون، لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه.. في قصر فرعون.. عن طلب النجاة وحدها.. وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتاً في الجنة. وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه. وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به: {ونجني من فرعون وعمله}.. وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم: {ونجني من القوم الظالمين}.. ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صوره. فقد كانت امرأة فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ. في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي.. ولكنها استعلت على هذا الإيمان. ولم تعرض عن هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شراً ودنساً وبلاء تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه! وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية.. وهذا فضل آخر عظيم. فالمرأة ـ كما أسلفنا ـ أشد شعوراً وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته. ولكن هذه المرأة.. وحدها.. في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي. في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء.. وحدها.. في خضم هذا الكفر الطاغي! وهي نموذج عال في التجرد لله من كل هذه المؤثرات وكل هذه الأواصر، وكل هذه المعوقات، وكل هذه الهواتف. ومن ثم استحقت هذه الإشارة في كتاب الله الخالد. الذي تتردد كلماته في جنبات الكون وهي تتنزل من الملأ الأعلى.. {ومريم ابنة عمران}.. إنها كذلك مثل للتجرد لله منذ نشأتها التي قصها الله في سور أخرى. ويذكر هنا تطهرها: {التي أحصنت فرجها}.. يبرئها مما رمتها به يهود الفاجرة! {فنفخنا فيه من روحنا}. ومن هذه النفخة كان عيسى عليه السلام، كما هو مفصل في السورة المفصلة لهذا المولد "سورة مريم" فلا نستطرد معه هنا تمشياً مع ظل النص الحاضر، الذي يستهدف تصوير طهارة مريم وإيمانها الكامل وطاعتها: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين}.. وإفراد امرأة فرعون بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل على المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم في الذكر. بسبب ملابسات حياتها التي أشرنا إليها. وهما الاثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة يضربهما الله لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمناسبة الحادث الذي نزلت فيه آيات صدر السورة، ويضربهما للمؤمنات من بعد في كل جيل.. وأخيراً فإن هذه السورة ـ وهذا الجزء كله ـ قطعة حية من السيرة، رسمها القرآن بأسلوبه الموحي. لا تملك روايات البشر التاريخية عن تلك الفترة أن ترسمها. فالتعبير القرآني أكثر إيحاء، وأبعد آماداً، وهو يستخدم الحادثة المفردة لتصوير الحقيقة المجردة، الباقية وراء الحادثة ووراء الزمان والمكان.. كما هو شأن القرآن..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء تنبيه على أن ما سيذكر بعده مما يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم والأمة ولأن سبب النزول كان من علائقه. والاستفهام في قوله: {لِمَ تحرِّم} مستعمل في معنى النفي، أي لا يوجد ما يدعو إلى أن تحرّم على نفسك ما أحلّ اللَّه لك ذلك أنه لما التزم عدم العود إلى ما صدر منه التزاماً بيمين أو بدون يمين أراد الامتناع منه في المستقبل قاصداً بذلك تطمين أزواجه اللاء تمالأْنَ عليه لِفرط غيرتهن، أي ليست غيرتهن مما تجب مراعاته في المعاشرة إن كانت فيما لا هضم فيه لحقوقهن، ولا هي من إكرام إحداهن لزوجها إن كانت الأخرى لم تتمكن من إكرامه بمثل ذلك الإِكرام في بعض الأيام. وهذا يومىء إلى ضبط ما يراعى من الغيرة وما لا يراعَى. وفعل {تحرّم} مستعمل في معنى: تجعل ما أحلّ لك حراماً، أي تحرّمه على نفسك كقوله تعالى: {أية : إلا ما حرم إسرائيل على نفسه}تفسير : [آل عمران: 93] وقرينتهُ قوله هنا: {ما أحلّ الله لك}. وليس معنى التحريم هنا نسبة الفعل إلى كونه حراماً كما في قوله تعالى: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32]، وقوله: {أية : يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً}تفسير : [التوبة: 37]، فإن التفعيل يأتي بمعنى التصبير كما يقال: وسِّعْ هذا الباب ويأتي بمعنى إيجاد الشيء على حالة مثل ما يقال للخياط: وسِّعْ طَوْق الجبّة. ولا يخطر ببال أحد أن يتوهم منه أنك غيّرت إباحته حراماً على الناس أو عليك. ومن العجيب قول «الكشاف»: ليس لأحد أن يُحرّم ما أحلّ الله لأن الله إنما أحله لمصلحة عرفها في إحلاله إلخ. وصيغة المضارع في قوله: {لِمَ تحرّم} لأنه أوقع تحريماً متجدداً. فجملة {تبتغي} حال من ضمير {تحرم}. فالتعجيب واقع على مضمون الجملتين مثل قوله: {أية : لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة}تفسير : [آل عمران: 130]. وفي الإِتيان بالموصول في قوله: {ما أحلّ الله لك} لما في الصلة من الإِيماء إلى تعليل الحكم هو أن ما أحله الله لعبده ينبغي له أن يتمتع به ما لم يعرض له ما يوجب قطعه من ضر أو مرض لأن تناوله شكرٌ لله واعترافٌ بنعمته والحاجة إليه. وفي قوله: {تبتغي مرضات أزواجك} عذر للنبي صلى الله عليه وسلم فيما فعله من أنه أراد به خيراً وهو جلب رضا الأزواج لأنه أعون على معاشرته مع الإشعار بأن مثل هذه المرضاة لا يعبأ بها لأن الغيرة نشأت عن مجرد معاكسة بعضهن بعضاً وذلك مما يختل به حسن المعاشرة بينهن، فأنبأه الله أن هذا الاجتهاد معارَض بأن تحريم ما أحلّ الله له يفضي إلى قطع كثير من أسباب شكر الله عند تناول نعمه وأن ذلك ينبغي إبطاله في سيرة الأمة. وذيل بجملة {والله غفور رحيم} استئناساً للنبي صلى الله عليه وسلم من وحشة هذا الملام، أي والله غفور رحيم لك مثل قوله: {أية : عفا الله عنك لما أذِنْتَ لهم}تفسير : [التوبة: 43].
الشنقيطي
تفسير : قول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}. الآية. تقدم في أول السورة قبلها بيان علاقة الامة بالخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في تحريم ما أحل الله له بين كونه العسل أو هو مارية جاريته صلى الله عليه وسلم، وسيأتي زيادة إيضاحه عند الكلام وعلى حكمه. وقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} ظاهر فيه معنى العتاب، كما في قوله تعالى: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}تفسير : [عبس: 1-3]. وكلاهما له علاقة بالجانب الشخصي سواء ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء صناديد قريش، وهذا مما يدل على أن التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض الشخصية فيه. وبهذا نأخذ بقياس العكس دليلاً واضحاً على بطلان قول القائلين: إن إعماره صلى الله عليه وسلم لعائشة من التنعيم كان تطييباً لخاطرها، ولا يصح لأحد غيرها. ومحل الاستدلال هو أن من ليس له حق في تحريم ما أحل الله له ابتغاء مرضاة أزواجه لا يحل له إحلال، وتجويز ما لا يجوز ابتغاء مرضاتهن، وهذا ظاهر بين ولله والحمد. أما تحلة اليمين وكفارة الحنث وغير ذلك، فقد تقدم بيانه للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}تفسير : [البقرة: 225]. أما حقيقة التحريم هنا، ونوع الكفارة، وهل كفر صلى الله عليه وسلم عن ذلك ام أن الله غفر له فلم يحتج لتكفير، فقد أوضحه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء عند هذه الآية. وفي الأضواء عند قوله تعالى في أول سورة الأحزاب {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 4]، وذلك أن للعلماء نحو عشرين قولاً، ورجح القول بأن التحريم ظهار لما يدل عليه ظاهر القرآن، وأن القول الذي يليه أنه يمين وناقش المسألة بأدلتها هناك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- يا أيها النبى لِمَ تمنع نفسك عمَّا أحل الله لك؟! تريد إرضاء زوجاتك، والله بالغ المغفرة واسع الرحمة. 2- قد شرع الله لكم تحليل أيمانكم بالتكفير عنها، والله سيَّدكم ومُتولى أموركم، وهو التام العلم، فيشرع لكم ما فيه خيركم، الحكيم فيما يشرعه لكم. 3- واذكر حين أسرَّ النبى إلى بعض أزواجه حديثاً، فلما أخبرت به، وأطلع الله نبيه على إفشائه، أعلم بها بعضاً، وأعرض - تكرماً - عن بعض، فلما أعلمها به، قالت: من أعلمك هذا؟ قال: أنبأنى العليم بكل شئ. الذى لا تخفى عليه خافية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لم تحرم ما أحل الله لك: أي لم تحرم جاريتك مارية التي أحلها الله لك. تبتغي مرضات أزواجك: أي بتحريمها. قد فرض لكم تحلة أيمانكم: أي شرع لكم تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة المائدة. وإذْ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه: هي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. حديثا: هو تحريم مارية وقوله لها لا تفشيه. فلما نبأت به: أي نبأت حفصة عائشة أي أختبرها به ظناً منها أنه لا حرج في ذلك باجتهادٍ. وأظهره الله عليه: أي أطلعه عليه أي على المنبأ به. عرف بعضه: أي لحفصة. وأعرض عن بعض: أي تكرما منه صلى الله عليه وسلم. إن تتوبا إلى الله: أي حفصة وعائشة رضي الله عنهما تقبل توبتكما. فقد صغت قلوبكما: أي مالت إلى تحريم مارية أي سرَّكما ذلك. وإن تظاهرا عليه: أي تتعاونا أي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه. فإن الله هو مولاه: أي ناصره. وصالح المؤمنين: أي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. والملائكة بعد ذلك ظهير: أي ظُهراء وأعوان له. قانتات: أي عابدات. سائحات: أي صائمات أو مهاجرات. معنى الآيات: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} في هذا عتاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إذ حرم جاريته مارية ترضية وذلك أنه صلى الله عليه وسلم خلا بها في بيت إحدى نسائه فاطلعت عليه فقالت يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي فجعلها أي مارية عليه حراماً ترضية لصاحبة الحجرة والفراش. فأنزل الله تعالى هذه الآيات مشتملة على هذه القصة فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} يعني جاريته مارية القبطية أم إبراهيم. {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} أي تطلب رضاهن {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بك فلا لوم عليك بعد هذا ولا عتاب فجاريتك لا تحرم عليك وكفر عن يمينك. إذ قال لها هي عليّ حرام ووالله لا أطؤها. وقوله تعالى {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي ما تتحللون به من أيمانكم إذا حلفتم وهي ما جاء في سورة المائدة من قوله تعالى {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ تفسير : [الآية: 89] وقوله تعالى {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أي متولي أمركم وناصركم. وهو العليم بأحوال عباده الحكيم في قضائه وتدبيره لخلقه. وقوله تعالى {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ} أي أُذكر إذ أسر النبي لبعض أزواجه حديثاً وهي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما إذ قال لها لقد حرمت فلانة ووالله لا أطأها وطلب منها أن لا تفشي هذا السر. فحدثت به عائشة وكانت متصافية معها توادها. فأطلع الله تعالى رسوله على ذلك. فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه لحفصة وأعرض عن بعض تكرماً منه صلى الله عليه وسلم. قالت أي حفصة من أنبأك هذا؟ قال نبأني العليم الخبير. وقوله: إن تتوبا الى الله أي حفصة وعائشة فقد صغت قلوبكما أي مالت إلى تحريم مارية أي سركما ذلك. وجواب الشرط تقديره تقبل توبتكما. وقوله تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أي تتعاونا عليه صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه، فإن تعاونكما يا حفصة وعائشة رضي الله عنكما لن يضره شيئاً فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين أبوبكر وعمر، والملائكة بعد ذلك ظهير له أي ظهراء وأعوان له عن كل من يؤذيه أو يريده بسوء. وقوله تعالى {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}، وفي هذا تخويف شديد لأمهات المؤمنين وتأديب رباني كبير لهن إذ وعد رسوله أنه لو طلقهن لأبدله خيراً منهن {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ} أي صائمات أو مهاجرات، {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} أي بعضهن ثيبات وبعضهن أبكاراً إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلقهن والله تعالى لم يبدله فهن زوجاته في الدنيا زوجاته في الآخرة هذا وأنبه إلى أن خلافاً كبيراً بين أهل التفسير في الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه وعاتبه ربه عليه. وأحله الله له هل هو شراب كان يحبه، أو هو جاريته مارية ومن الجائز أن يكون غير ما ذكر؛ لأن الله تعالى لم يذكر نوع ما حرم رسوله على نفسه، وإنما قال لم تحرم ما أحل الله لك. والجمهور على أن المحرم مارية، وفي البخاري أنه العسل والله أعلم فلذا أستغفر الله تعالى أن أكون قد قلت عليه أو على رسوله ما لا يرضيهما أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله إن ربي غفور رحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوته صلى الله عليه وسلم وبشريته الكاملة. 2- أخذ الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى من هذه الآية أن من قال لزوجته أنت حرام أو حرمتك وهو لم ينو طلاقها أن عليه كفارة يمين لا غير، وذكر القرطبي في هذه المسألة ثمانية عشر قولاً للفقهاء أشدها البتة وأرفقها أن فيها كفارة يمين كما هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى. 3- كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه. 4- فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
القطان
تفسير : تحرّم: تمتنع عن. تبتغي: تطلب. فرض: شرع، وبين لكم. تحلَّة أيمانكم: تحليلها بالكفارة. بعض ازواجه: حفصة. نبأت به: اخبرت عائشة به. عرف بعضه: اعلمها ببعض الحديث الذي أفشته. وأعرض عن بعض: لم يخبرها به. ان تتوبا: يعني حفصة وعائشة. صغت قلوبكما: مالت الى ما يجب للرسول الكريم من تعظيم واجلال. وان تظاهرا عليه: تتظاهرا وتتعاونا على ايذاء الرسول. ظهير: معين. مسلمات: خاضعات لله بالطاعة. مؤمنات: مصدقات بتوحيد الله. قانتات: مواظبات على الطاعة. تائبات: مقلعات عن الذنوب. سائحات: صائمات وذاهبات في طاعة الله كل مذهب. الحديث في هذه الآيات الكريمة عما كان يجري في بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول الكريم بشَرٌ يجري في بيته ما يكونُ في بيوت الناس، من شِجارٍ بين أزواجه وغيرةٍ وما شابه ذلك. وقد وردتْ رواياتٌ متعدّدة في سبب نزول الآيات، من أصحِّها أنه شربَ عسلاً عند زينبَ بنتِ جحش، فغارت عائشةُ وحفصةُ من ذلك. واتّفقتا أنّ أيَّ واحدةٍ منهما دخلَ عليها النبي الكريم تقول له: إنّي أجِدُ منك ريحَ مغافير. (والمغافيرُ صَمغٌ حلو له رائحةٌ كريهة). وأولَ ما دخل على حفصةَ قالت له ذلك، فقال لها: بل شربتُ عسلاً عند زينبَ بنتِ جحش، ولن أعودَ له. وأُقسِم على ذلك، فلا تُخبري بذلك أحدا. فأخبرت حفصةُ بذلك عائشةَ وكانتا، كما تقدّم، متصافيتَين متفقتين.... فعاتبَ الله تعالى نبيَّه على تحريمِه ما أحلَّه الله له كي يُرضيَ بعضَ زوجاته. وبعدَ عتابِه الرقيق وندائه: يا أيّها النبيّ.... قال تعالى {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ثم بيّن له أنّه يمكن ان يكفّر عن يمينه بقوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} بالكفّارة عنها. وقد رُوي أنه عليه الصلاةُ والسلام كفّر عن يمينه فأعتق رقبة. {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} واللهُ متولِّي أمورِكم وناصرُكم، وهو العليم بما يُصلحكم فيشرّعه لكم، والحكيمُ في تدبيرِ أموركم. {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. وقد تمّ شرحُ هذا فيما سبق. اما "عرّف بعضَه وأعرضَ عن بعض" فهو أن الله أطلَع رسولَه على ما دار بين حفصة وعائشة، وأخبر الرسول حفصةَ ببعض الحديث الذي أفشَتْه، وأعرضَ عن بعض الحديث وهو قولُه: وقد حلفتُ. {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}. فلما أخبر حفصةَ أنه يعرف ما دار بينَهما استغربتْ وسألتْه: من الذي أخبرك بهذا؟ قال: أخبرني به اللهُ العليم بكل شيء، الخبيرُ الذي لا تخفَى عليه خافية. ثم وجّه تعالى الخطابَ إلى حفصةَ وعائشة مبالغةً في العتاب والتحذير فقال: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إن ترجعا الى الله بالتوبة عن مثلِ هذه الأعمال التي تؤذي النبيَّ فقد مالت قلوبُكما الى الحقّ والخير. ثم بيّن الله أنه حافظٌ لرسوله الأمين وحارسُه فلا يَضُرُّه أذى مخلوقٍ فقال: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}. ان تتعاونا يا عائشة وحفصة في العمل على ما يؤذي النبيَّ ويسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء السر - فلن يضرّه ذلك شيئا، فالله ناصرهُ وجبريلُ والمؤمنون الصالحون والملائكة كلّهم مظاهرون له ومعينون. ثم حذّرهما ألاّ تعودا لمثلِ ذلك بقوله: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}. احذرْنَ أيتها الزوجات من إيذاء رسول الله والتألُّب عليه، والعملِ على ما يسوؤه فإنه اذا أُحرِج يمكن ان يطلقكن ويبدله الله خيراً منكن في الدينِ والصلاح والتقوى. ولا شيءَ أشدُّ على المرأة من الطلاق. وفي هذا تنويهٌ كبير بشأن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قراءات: قرأ اهل الكوفة: تظاهرا بفتح التاء والظاء من غير تشديد. وقرأ الباقون: تظاهرا بفتح التاء والظاء المشددة. وقرأ الكسائي وحده: عرف بعضه بفتح العين والراء بلا تشديد، والباقون عرَّف بتشديد الراء المفتوحة. وقرأ حفص ونافع وابو عمرو وابن عامر: جبريل بكسر الجيم والراء من غير همزة. وقرأ ابو بكر: جبرئيل بفتح الجيم والراء وهمزة قبل الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {مَرْضَاةَ} {أَزْوَاجِكَ} (1) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ إِثْرَ حَادِثٍ بَسِيطٍ وَقَعَ، وَكَانَ مِنْ نَتِيجَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَلَفَ عَلَى أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ العَسَلَ (وَقِيلَ بَلْ حَلَفَ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَمَتَهُ مَارِيَةَ القِبْطِيَّةَ). فَوَفْقاً لِلْرِوَايَةِ الأُولَى - كَمَا رَوَتْهَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ شُرْبَ العَسَلِ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، وَكَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسََلاً، فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنْ يَقُلْنَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيْهنَّ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. (والمَغَافِيرُ نَوْعٌ مِنْ صِمْغِ بَعْضِ الشَّجَرِ) أَكَلْتَ مَغَافِيرَ. وَكَانَتْ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ مُتَصَافِيَتَيْنَ، مُتَظَاهِرَتَينِ عَلَى سَائِرِ أَزْواجِ النَّبِيِّ. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ. فَقَالَ النَّبِيُّ لاَ، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِري أَحَداً بِذَلِكَ؛ وَلَكِنَّ حَفْصَةَ أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا تَمَّ. وَوَفْقاً لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابَ جَارِيَته مَارِيَةَ (أُمَّ ابنِهِ إِبْرَاهِيمَ عَليهِ السَّلاَمُ) فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: أَيْ رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي؟ فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ عَليهِ حَرَاماً. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُعَاتِبُهُ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ عَنْ يَمِينِهِ فَفَعَلَ. وَمَعْنَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِكَ شَيْئاً أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ بِتَحْرِيمِهِ مرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ؟ وَاللهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَدْ غَفَرَ لَكَ امْتِنَاعَكَ عَمَّا أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لاَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ أَنْ غَفَرَهُ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وذلك حديث : أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلّى الغداة دخل على نسائهِ امرأة امرأة، وكان أهديت لحفصة بنت عمر عكّة عسل، فكان إذا دخل عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مُسلِّماً حبستهُ وسقته منها، وإنّ عائشة أنكرت احتباسهُ عندها؛ فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها: حصن: إذا دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على حفصة فادخلي عليها وانظري ماذا يصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت عائشة وأرسلت إلى صَواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلن: إنّا نجد منّك ريح مغافير، وهو صمغ العرفط، كريه الرائحة، وكان رسول اللّه يكرهه. قال: فدخل رسول اللّه على سودة، قالت: فما أردت أنْ أقول ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم أنّي فرقت من عائشة فقلتُ: يا رسول اللّه ما هذه الريح التي أجدُها منك ؟ أكلت المغافير ؟ فقال: "لا، ولكن حفصة سقتني عسلا". ثمَّ دخل رسول على امرأة امرأة وهنَّ يقلنّ له ذلك، ثمّ دخل على عائشة فأخذت بأنفها. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "ما شأنك؟" قالت: أجدُ ريح المغافير، أكلتها يا رسول اللّه ؟ قال: "لا؛ بل سقتني حفصة عسلا". قالت: حرست إذاً نحلها العرفط، فقال لها صلى الله عليه وسلم "واللّه لا أطعمهُ أبداً" فحرّمهُ على نفسه . تفسير : وقال عطاء بن أبي مسلم: إنَّ التي كانت تسقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أُم سلمة. أخبرنا عبد اللّه بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسن، حدّثنا علي بن الحسن، حدّثنا علي ابن عبد اللّه، حدّثنا حجّاج بن محمد الأعور عن إبن جريج قال: حديث : زعم عطاء أنّهُ سمع عبيد بن عمير قال: سمعتُ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها تخبر أنَّ رسول اللّه كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، قالت: فتواطأتُ أنا وحفصة أيَّتُنَا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلنقل: إني أجدُ منك ريح مغافير، فدخل على احداهما، فقالت له ذلك، فقال: "لا بل شربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له"تفسير : . فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ...} الآيات. حديث : قالوا: وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قسّم الأيام بين نسائهِ فلمّا كان يوم حفصة قالت:يا رسول اللّه، إنّ لي إلى أبي حاجة نفقة لي عندهُ، فأذنْ لي أنْ أزوره وآتي، فأذن لها، فلمّا خرجت أرسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية أُم إبراهيم وكان قد أهداها المقوقس فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مُغلقاً فحُبست عند الباب، فخرج رسول اللّه (عليه السلام) ووجههُ يقطرُ عرقاً وحفصة تبكي، فقال: ما يُبكيكِ ؟ قالت: إنّما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أَمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حُرمة وحقاً؟ ما كنتَ تصنعُ هذا بامرأة منهنّ؟ فقال رسول اللّه (عليه السلام): "أليس هي جاريتي قد أحلّها اللّه لي؟ اسكتي فهي حرام عليَّ ألتمس بذلك رضاكِ، فلا تخبري بهذا امرأة منهن هو عندك أمانة" . تفسير : فلمّا خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أُبشركِ أنّ رسول اللّه قد حرّم عليه أمته مارية، فقد أراحنا اللّه منها، فأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين، متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة فلم تزل بنبي اللّه صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها؛ فأنزل اللّه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} يعني العسل ومارية. وقال عكرمة: نزلت في المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه والسلام، ويُقال لها أُم شريك؛ فأبى النبي (عليه السلام) أن يصلها لأجل امرأته {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أن تكفروها إذا حنثم، وهي قولهُ في سورة المائدة. {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} فأمرهُ أنْ يكفِّر حنثه، ويُراجع أَمته. {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} وهو تحريمهُ صلى الله عليه وسلم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحداً. وقال الكلبي: أسرّ إليها أنْ أباكِ وأبا عائشة يكونان خليفتين على أُمتي من بعدي. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قراءة عليه، أخبرنا عمر بن الحسن، حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد، حدّثنا أُبي، حدّثنا حصين عن الحر المسلي عن خلف بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} قال: أسرَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر الخلافة بعده؛ فحدّثت به حفصة. أخبرنا عبد اللّه بن حامد، أخبرنا نصر بن محمد بن شيرزاد، حدّثنا الحسن بن سعيد البزار، حدّثنا خالد بن العوام البزار، حدّثني فرات بن السائب عن ميمون بن مهران في قول اللّه تعالى {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} قال: أسرَّ إليها أنّ أبا بكر خليفتي من بعدي. {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} خبّرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صاحبتها. {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} اي وأطلع اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم على أنّها قد نبّأت به. وقرأ طلحة بن مصرف: فلمّا أنبأت به بالألف. {عَرَّفَ بَعْضَهُ} قرأ علي وأَبُو عبد الرّحمن والحسن البصري وقتادة والكسائي: عرف بالتخفيف. أخبرنا محمد بن عبدوس، حدّثنا محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن الجهم، حدّثنا الفرّاء، حدّثني شيخ من بني أسد يعني الكسائي عن نعيم بن عَمُرو عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن قال: كان إذا قرأ عليه الرجل عرّف بالتشديد حصبه بالحصباء، ومعناه على هذه القراءة: عرف بعض ذلك ما فعلت الفعل الذي فعلته من إفشاء سِرّه أي غضب من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن اساء إليه: لأعرفنّ لك بمعنى لأجازينّك عليه. قالوا وجازاها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بإنّ طلّقها، فلمّا بلغ ذلك عُمر قال: لو كان في آل عمر خير لما طلقك رسول اللّه شهراً، فجاءه جبرائيل (عليه السلام) وأمرهُ بمراجعتها، واعتزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، وقعد في مشربة أُم إبراهيم مارية حتى نزلت آية التخيير، فقال مقاتل بن حيّان: لم يطلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حفصة وإنّما همَّ بطلاقها فأتاهُ جبرائيل (عليه السلام) فقال: لا تطلّقها؛ فإنّها صوّامة قوّامة، وإنّها من أحدى نسائك في الجنة، فلم يطلقها. وقرأ الباقون: عرّف بالتشديد يعني: إنّهُ عرّف حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به، واختاره أَبُو حاتم وأَبُو عبيدة قال: لأنّه في التفسير أنّهُ أخبرها ببعض القول الذي كان منها، ومما يحقق ذلك قوله: {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} يعني: إنّه لم يعرّفها أياهُ ولم يخبرها به. ولو كانت {عَرَّفَ بَعْضَهُ} مخففه لكان ضدّه وأنكر بعضاً، ولم يقل أعرّض عنه. قال الحسن: ما استقصى كريم قط، قال اللّه تعالى {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. قال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قال لعائشة، فلم يخبرها بقولها أجمع، عرّف حفصة بعضهُ وأعرض عن بعض الحديث بأنّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي. {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي أخبر حفصة بما أظهره اللّه عليه. {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {تَحِلَّةَ} تحليل اليمين بالكفارة {صَغَتْ} مالت عن الحقِّ وزاغت، وأصغى الإِناء أماله {قَانِتَاتٍ} مطيعات من القنوت وهو ملازمة الطاعة مع الخضوع {نَّصُوحاً} خالصة صادقة، والتوبةُ النَّصوح هي التي لا عودة بعدها إِلى الذنب، سميت نصوحاً لما فيها من الصدق والإِخلاص يقال: هذا عسلٌ ناصح إِذا خلص من الشمع {ٱغْلُظْ} من الغلظة وهي الشدة {أَحْصَنَتْ} عفَّت وصانت نفسها عن مقارفة الفاحشة. سَبَبُ النّزول: أ- روي حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبويها فأذن لها، فلما خرجت أرسل إِلى جاريته "مارية القبطية" فعاشرها في بيت حفصة، فرجعت فوجدتها في بيتها، فغارت غيرةً شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في غيابي وعاشرتها على فراشي؟! ما أراك فعلت هذا إِلا لهواني عليك! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسترضياً لها: إِني حرمتها عليَّ ولا تخبري بذلك أحداً، فلما خرج من عندها قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة - وكانتا متصافيتين - وأخبرتها بسرِّ النبي صلى الله عليه وسلم فغضب رسول الله وحلف ألا يدخل على نسائه شهراً واعتزلهن تفسير : فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ..} الآية. ب - وروي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زوجه "زينب" رضي الله عنها فيشرب عندها عسلاً، فاتفقت عائشة وحفصة على أن تقول له كل واحدة إِذا دنا منها: أكلتَ مغافير - وهو طعام حلوٌ كريه الريح - فلما مرَّ على حفصة قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له مثل ذلك - وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه رائحة كريهة - فقال عليه السلام : لا ولكني شربت عسلاً عند زينب ولن أعود له وحلف تفسير : فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ..} الآيات. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} الخطاب بلفظ النبوة مشعرٌ بالتوقير والتعظيم، والتنويه بمقامه الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله "يا إِبراهيم، يا نوحُ، يا عيسى بن مريم" وإِنما خاطبه بلفظ النبوة أو الرسالة، وذلك أعظم دليلٍ وبرهانٍ على أنه - صلوات الله عليه - أفضل الأنبياء والمرسلين ومعنى الآية: يا أيها الموحى إِليه من السماء، المنبأ بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، لماذا تمنع نفسك ما أحلَّ الله لك من النساء؟! قال المفسرون: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بأم ولده "مارية" في بيت حفصة وعلمت بذلك فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي فنزلت الآية {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} وفي افتتاح العتاب من حسن التلطف ما لا يخفى، فقد عاتبه على إِتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضاة أزواجه، كأنه يقول: لا تتعب نفسك في سبيل أزواجك، وأزواجك يسعين في مرضاتك، فأرح نفسك من هذا العناء {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}؟ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحلَّ الله لك؟ قال في التسهيل: يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإِنما تركه لرائحته {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية، وإِنما عاتبك رحمة بك، وفي هذا إِشارة إِلى أن عتابه في ذلك إِنما كان كرامةً له، وإِنما وقع العتاب لتضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كان له فيه أُنسٌ ومتعة، وبئس ما قاله الزمخشري في أن هذا كان منه صلى الله عليه وسلم زلة لأنه حرَّم ما أحل الله له الخ فإِن هذا القول قلة أدب مع مقام النبوة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه صلوات الله عليه تحريمٌ للحلال كما زعم حتى تعتبر مخالفة ومعصية، وإِنما امتنع عن بعض إِمائه تطييباً لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقاً به، وتنويهاً بقدره، وإِجلالاً لمنصبه عليه السلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جرياً على ما أُلف من لطف الله تعالى به {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي قد شرع الله لكم يا معشر المؤمنين ما تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أي واللهُ وليُكم وناصركم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو العليم بخلقه الحكيم في صنعه، فلا يأمر ولا ينهى إِلا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ثم شرع تعالى في بيان القصة التي حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض زوجاته فقال {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} أي واذكر حين أسرَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم إِلى زوجته حفصة خبراً واستكتمها إِياه قال ابن عباس: هو ما أسرَّ إِلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه، كما أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبي بكر وعمر، وطلب منها ألا تخبر بذلك أحداً {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي فلما أخبرت بذلك السرِّ عائشة وأفشته لها {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي وأطلع الله نبيه بواسطة جبريل الأمين على إفشائها للسرِّ {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} أي أعلمها وأخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحديث الذي أفشته معاتباً لها، ولم يخبرها بجميع ما حصل منها حياءً منه وكرماً، فإِن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب قال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام قال الخازن: المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية على نفسه، وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه صلى الله عليه وسلم كره أن ينتشر ذلك في الناس {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي فلما أخبر الرسول حفصة بأنها قد أفشت سرِّه {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} أي قالت: من أخبرك يا رسول الله بأني أفشيتُ سرك؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة أن عائشة فضحتها - وكانت قد استكتمتها - فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبت، فأخبرها أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به فسكتت وسلَّمت {قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} أي فقال عليه السلام: أخبرني بذلك ربُّ العزة، العليم بسرائر العباد، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} الخطاب لحفصة وعائشة، خاطبهما بطريق الالتفات ليكون أبلغ من معاتبتهما وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإِيذاء لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إِن تبتما كان خيراً لكما من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإِيذاء {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الإِخلاص لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أي وإِن تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بما يسوءه، من الوقيعة بينه وبين سائر نسائه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ} أي فإِنَّ الله تعالى هو وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما {وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عوناً له عليه الصلاة والسلام عليهما قال في التسهيل: معنى الآية: إِن تعاونتما عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوءه من إِفراط الغيرة، وإِفشاء سره ونحو ذلك، فإِنَّ له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يشقُّ عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهنَّ فإِنَّ الله معك وملائكته وجبريل، وأبو بكرٍ وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح المؤمنين أعوانٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من عاداه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصارهُ؟! أفرد {جِبْرِيلُ} بالذكر تعظيماً له، وإِظهاراً لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذُكر مرتين: مرةً بالإِفراد، ومرةً في العموم، ووسَّط {صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} بين جبريل والملائكة تشريفاً لهم، واعتناءً بهم، وإِشادةً بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر {الْمَلاَئِكَةُ} أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي عليه السلام ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إِذ هم بمثابة جيشٍ جرارٍ، يملأ القفار، نصرةً للنبي المختار، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوىء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؟ ثم خوَّف تعالى نساء النبي بقوله {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} قال المفسرون: {عَسَىٰ} من الله واجبٌ أي حقٌ واجب على الله إِن طلقكنَّ رسوله {أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} أي أن يعطيه عليه السلام بدلكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ خيراً وأفضل منكنَّ قال القرطبي: هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساءً خيراً منهن، والله عالمٌ بأنه لا يطلقهن، ولكنْ أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو طلقهن، لأبدله خيراً منهن، تخويفاً لهنَّ.. ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهنَّ فقال {مُسْلِمَاتٍ} أي خاضعات مستسلماتٍ لأمر الله تعالى وأمر رسوله {مُّؤْمِنَاتٍ} أي مصدقاتٍ بالله وبرسوله {قَانِتَاتٍ} أي مطيعاتٍ لما يُؤمرن به، مواظباتٍ على الطاعة {تَائِبَاتٍ} أي تائباتٍ من الذنوب، لا يصررن على معصية {عَابِدَاتٍ} أي متعبداتٍ لله تعالى يكثرن العبادة، كأنَّ العبادة امتزجت بقلوبهن حتى صارت سجيةً لهن {سَائِحَاتٍ} أي مسافراتٍ مهاجراتٍ إِلى الله ورسوله {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} أي منهنَّ ثيباتٍ، ومنهن أبكاراً قال ابن كثير: قسمهن إِلى نوعين ليكون ذلك أشهى إِلى النفس، فإنَّ التنوع يبسط النفس، وإِنما دخلت واو العطف هنا {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سرَّ القرآن.. ولما وعظ نساء الرسول موعظةً خاصة، أتبع ذلك بموعظةٍ عامةٍ للمؤمنين فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} أي يا من صدقتم بالله ورسوله وأسلمتم وجوهكم لله، احفظوا أنفسكم، وصونوا أزواجكم وأولادكم، من نارٍ حامية مستعرة، وذلك بترك المعاصي وفعل الطاعات، وبتأديبهم وتعليمهم قال مجاهد: أي اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله وقال الخازن: أي مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم حتى تقوهم بذلك من النار، والمراد بالأهل النساءُ والأولاد وما ألحق بهما {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} أي حطبها الذي تُسعَّر به نار جهنم هو الخلائق والحجارة قال المفسرون: أراد بالحجارة حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حراً، وأسرع اتِّقاداً، وعنى بذلك أنها مفرطة الحرارة، تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه قال ابن مسعود: حطبها الذي يلقى فيها بنو آدم، وحجارةٌ من كبريت، أنتن من الجيفة {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} أي على هذه النار زبانيةٌ غلاظ القلوب، لا يرحمون أحداً، مكلفون بتعذيب الكفار قال القرطبي: المراد بالملائكة الزبانية، وهم غلاظ القلوب لا يرحمون إِذا استرحموا، لأنهم خلقوا من الغضب، وحُبّب إِليهم عذاب الخلق كما حُبب لبني آدم أكل الطعام والشراب {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} أي لا يعصون أمر الله بحالٍ من الأحوال {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي وينفِّذون الأوامر بدون إِمهال ولا تأخير.. ثم يقال للكفار عند دخولهم النار {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ} أي لا تعتذروا عن ذنوبكم وإِجرامكم، فلا ينفعكم اليوم الاعتذار، لأنه قد قُدّم إِليكم الإِنذار والإِعذار {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي إِنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئاً كقوله تعالى {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [غافر: 17] ثم دعا المؤمنين إِلى التوبة الصادقة الناصحة فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} أي توبوا إِلى الله من ذنوبكم توبةً صادقةً خالصة، بالغةً في النصح الغاية القصوى، سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: هي أن يتوب ثم لا يعود إِلى الذنب، كما لا يعود اللبن إِلى الضَّرْع قال العلماء: التوبة النصوح هي التي جمعت ثلاثة شروط: الإِقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، والعزم على عدم العودة إِليه، وإِن كان الحق لآدمي زيد شرط رابع وهو: ردٌّ المظالم لأصحابها {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي لعل الله يرحمكم فيمحو عنكم ذنوبكم قال المفسرون: "عسى" من الله واجبة بمنزلة التحقيق، وهذا إِطماعٌ من الله لعباده في قبول التوبة، تفضلاً منه وتكرماً، لأن العظيم إِذا وعد وفَّى، وعادة الملوك أنهم إِذا أرادوا فعلا قالوا "عسى" فهو بمنزلة المحقق {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ويدخلكم في الآخرة حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} أي يوم لا يفضح الله النبي وأتباعه المؤمنين أمام الكفار، بل يعزهم ويكرمهم قال أبو السعود: وفيه تعريضٌ بمن أخزاهم اللهُ تعالى من أهل الكفار والفسوق {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} أي نور هؤلاء المؤمنين يضيء لهم على الصراط، ويسطع أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، كإِضاءة القمر في سواد الليل {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} أي يدعون الله قائلين: يا ربنا أكمل علينا هذا النور وأدمه لنا، ولا تتركنا نتخبط في الظلمات قال ابن عباس: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، يدعون ربهم به إِشفاقاً حتى يصلوا إِلى الجنة {وَٱغْفِرْ لَنَآ} أي وامح عنا ما فرط من الذنوب {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إِنك أنت القادر على كل شيء، من المغفرة والعقاب، والرحمة والعذاب.. ثم أمر تعالى بجهاد أعداء الله من الكفرة والمنافقين فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} أي جاهد الكفار بالسيف والسِّنان، والمنافقين بالحجة والبرهان، لأن المنافقين يظهرون الإِيمان، فهم مسلمون ظاهراً فلذلك لم يؤمر عليه الصلاة والسلام بقتالهم {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي وشدِّد عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم بالرأفة واللين، إِرعاباً وإِذلالاً لهم، لتنكسر صلابتهم وتلين شكيمتهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي ومستقرهم في الآخرة جهنم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي وبئست جهنم مستقراً ومصيراً للمجرمين.. ثم ضرب الله تعالى مثلاً للكفار في عدم انتفاعهم بصلة القرابة أو المصاهرة أو النكاح، لأن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة ولا ينفع إِلا العمل الصالح فقال {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ} أي مثلَّ تعالى للكفار في عدم استفادتهم بقرابة المؤمنين، بحال امرأة نوحٍ وامرأة لوط {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} أي كانتا في عصمة نبيين عظيمين هما "نوح و "لوط" عليهما السلام، وإِنما وصفهما بالعبودية تشريفاً وتكريماً لهما بإِضافتهما إِليه تعالى {فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي فخانت كل واحدة زوجها بالكفر وعدم الإِيمان، فلم يدفعا عن امرأتيهما - مع نبوتهما - شيئاً من عذاب الله {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} أي وتقول لهما خزنة النار يوم القيامة: ادخلا نار جهنم مع سائر الداخلين، من الكفرة المجرمين قال القرطبي: ضرب تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني في الآخرة أحدٌ عن قريبٍ ولا نسيب، إِذا فرَّق بينهما الدين، كما لم يدفع نوح ولوط - مع كرامتهما على الله تعالى - عن زوجتيهما لما عصتا شيئاً من عذاب الله {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} وهذا مثلٌ آخر للمؤمن في عدم تضرره ببقاء قريبه على الكفر إِذا كان هو مؤمناً قال أبو السعود: أي جعل حالها مثلاً لحال المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم، حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله "فرعون" وهي في أعلى غرف الجنة قال المفسرون: واسمها "آسية بنت مزاحم" آمنت بموسى عليه السلام، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فنجَّاها الله من شره، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} أي حين دعت ربها قائلةً: يا ربِّ اجعل لي قصراً مشيداً بجوار رحمتك في جنة النعيم قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام فقد اختارت الجار قبل الدار حيث قالت {ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور، وفي الآية دليل على إِيمانها وتصديقها بالبعث {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} أي وأنقذني من كفر فرعون وطغيانه {وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي وأنقذني من الأقباط، أتباع فرعون الطاغين، قال الحسن: لما دعت بالنجاة نجَّاها الله تعالى أكرم نجاة، فرفعها إِلى الجنة تأكل وتشرب وتتنعم {وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ} أي ومريم ابنة عمران مثلٌ آخر في الإِيمان {ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي حفظت فرجها وصانته عن مقارفة الفواحش، فهي عفيفةٌ شريفة طاهرة، لا كما زعم اليهود عليهم لعنة الله، أنها زنت وأن ولدها عيسى ابن زنى {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} أي فنفخ رسولنا جبريل في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إِلى فرجها فحملت بعيسى قال ابن كثير: إِن الله بعث جبريل فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى عليه السلام {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} أي وآمنت بشرائع الله القدسية، وكتبه السماوية {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} أي وكانت من القوم المطيعين، العابدين لله عز وجل، وهو ثناءٌ عليها بكثرة العبادة والطاعة، والخشوع، وفي الحديث "حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إِلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بن خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين حرَّم وأحلَّ {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ} وبين {عَرَّفَ.. وَأَعْرَضَ} وبين {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} وكلها من المحسنات البديعية التي تزيد في جمال الكلام. 2- الإلتفات من الغيبة إِلى الخطاب {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} زيادةً في اللوم والعتاب. 3- صيغ المبالغة {ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} {نَّصُوحاً} {ظَهِيرٌ} {قَدِيرٌ} الخ. 4- ذكر العام بعد الخاص {وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ} فقد خصَّ جبريل بالذكر تشريفاً، ثم ذكره ثانية مع العموم اعتناءً بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ووسَّط صالح المؤمنين بين الملائكة المقربين. 5- المجاز المرسل {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} ذكر المسبَّب وأراد السبب أي لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله. 6- المقابلة بين مصير أهل الإِيمان ومصير أهل الطغيان {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} و{ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}. 7- التغليب {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} غلَّب الذكور على الإِناث. 8- السجع المرصَّع كأنه اللؤلؤ والمرجان، وهو كثير في القرآن فتدبره بإِمعان.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ} الآية هذه السورة مدنية وسبب نزولها لما يأتي ذكره في تفسير أوائلها ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر جملة من أحكام زوجات المؤمنين ذكر هنا ما جرى من بعض زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ويا أيها النبي نداء إقبال وتشريف وتنبيه بالصفة على عصمته مما يقع فيه من ليس بمعصوم لم تحرم سؤال تلطف ولذلك قدم مثله يا أيها النبي ومعنى تحرم تمنع وليس التحريم المشروع بوحي من الله تعالى وإنما هو إقناع لتطييب خاطر بعض من تحسن معه العشرة. {مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ} هو مباشرة مارية جاريته وكان ألم بها في بيت بعض نسائه فغارت من ذلك صاحبة البيت فطيب خاطرها بامتناعه منها واستكتمها ذلك فأفشته إلى بعض نسائه وقيل هو عسل كان شربه عند بعض نسائه فكان ينتابها بذلك فغار بعضهن من دخوله بيت التي عندها العسل وتواصين على أن يذكرن له أن رائحة ذلك العسل ليس بطيبة فقال: لا أشره وتبتغي في موضع الحال أو استئناف أخبار. {تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} مصدر حلل ككرم تكرمه. {إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} هي حفصة والحديث هو بسبب مارية. {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي أخبرت عائشة وقيل الحديث إنما هو شرب العسل. {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ} أي أطلعه عليه أي على إفشائه وكان قد تكوتم فيه وذلك بإِخبار جبريل عليه السلام وجاءت الكناية هنا عن المفشية والحذف للمفشي إليها بالسر حياطة وصوناً عن التصريح بالإِسم إذ لا يتعلق بالتصريح بالاسم غرض وقرىء عرف بالتشديد والتخفيف. {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} أي تكرماً وحياءً وحسن عشرة قال الحسن ما استقصى كريم قط. وقال سفيان ما زال التغافل من فعل الكرام ومفعول عرف المشدد محذوف أي عرفها بعضه أي أعلم ببعض الحديث وقيل المعرف حديث العسل والذي أعرض عنه حديث مارية ولما أفشت حفصة الحديث لعائشة واكتمتها إياه ونبأها الرسول صلى الله عليه وسلم به ظنت حفصة أن عائشة فضحتها فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبت فأخبرها أن الله هو الذي نبأه به فسكنت وسلمت. {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} إنتقال من غيبة إلى خطاب ويسمى الإِلتفات والخطاب لحفصة وعائشة. {فَقَدْ صَغَتْ} أي مالت على الصواب وأتى بالجمع في قوله: {قُلُوبُكُمَا} وحسن ذلك إضافة إلى مشى وهو ضميرها والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من المثنى والتثنية دون الجمع وقرن تظاهرا بالتشديد وأصله تتظاهر أو بالتخفيف والأصل تتظاهر أو المعنى وأن تتعاونا عليه أي في إفشاء سره والإِفراط في الغيرة. {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ} أي مظاهره ومعينه. {وَجِبْرِيلُ} مبتدأ وما بعده معطوف عليه والخبر ظهر فيكون ابتداء الجملة بجبريل وهو أمين وحي الله تعالى واختتامه بالملائكة وبدىء بجبريل وأفرد بالذكر تعظيماً له وإظهاراً لمكانته عند الله تعالى ويكون قد ذكر مرتين مرة بالنص ومرة في العموم واكتنف صالح المؤمنين جبريل والملائكة تشريفاً لهم واعتناءً بهم إذ جعلهم بين الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فعلى هذا جبريل داخل في الظهراء لأني الولاية ويختص الرسول بأن الله هو مولاه وفصل بين عسى وخبرها بالشرط وهو إن طلقكن ودل ذلك على أنه عليه السلام لم يقع منه طلاق والمبدل به محذوف تقديره أن يبدله بكن وخيراً صفة وهي أفعل التفضيل ولذلك عديت بمن و. و{مُسْلِمَاتٍ} وما بعدها صفة لقوله أزواجاً وأبكاراً معطوف على ثيبات وهما تقسيم للأزواج ولما وعظ أزواج الرسول موعظة خاصة اتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين وأهليهم وعطف وأهليكم على أنفسكم لأن رب المنزل وهو مسؤول عن رعيته ومعنى وقايتهم حملهم على الطاقة وإلزامهم أداء ما فرض الله عليهم حديث : قال عمر: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا قال: تنهونهن عما نهاكم الله عنه وتأمرونهن بما أمركم الله به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار تفسير : ودخل الأولاد في وأهليكم وانتصب ما أمرهم على البدل أي لا يعصون أمره تعالى كقوله: {أية : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}تفسير : [طه: 93] أو على إسقاط حرف الجر أي فيما أمرهم. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} قيل كرر المعنى توكيداً. {لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ} خطاب لهم عند دخولهم النار أي لأنه لا ينفعكم الإِعتذار ولا فائدة فيه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} بفتح النون صفة للتوبة وبضمها هو مصدر وصف به التوبة على سبيل المبالغة وروي عن عمر وعبد الله أنها التي لا دعوة بعدها كما لا يعود اللبن للضرع ورافعه معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم. {يَوْمَ لاَ يُخْزِى} منصوب بيدخلكم ولا يخزى تعريض عن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر والنبي هو محمد صلى الله عليه وسلم وفي الحديث حديث : أنه عليه السلام تضرع في أمر أمته فأوحى الله تعالى إليه إن شئت جعلت حسابهم إليك فقال يا رب أنت أرحم بهم مني فقال تعالى: (إذاً لا أخزيك فيهم) . تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} ضرب تعالى المثل لهم بامرأة نوح وامرأة لوط في أنهم لا ينفعهم مع كفرهم لملة نسب ولا وصلة صهر والكفر قاطع العلائق بين الكافر والمؤمن وإن كان المؤمن في أقصى درجات الصلاح ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود: 46] كما لم ينفع تينك المرأتين مع كونهما زوجتي نبيين وجاءت الكناية عن إسميهما العلمين بقوله: {عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} لما في ذلك من التشريف بالإِضافة إلى الله تعالى ولم يأت التركيب بالضمير عنهما فيكون تحتهما لما قص من ذكر وصفهما بقوله: {صَالِحَيْنِ} لأن الصلاح هو الذي يمتاز به من اصطفاه تعالى كقوله في حق إبراهيم عليه السلام {أية : وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [البقرة: 130]. {فَخَانَتَاهُمَا} وذلك بكفرهما وقول امرأة نوح عليه السلام هو مجنون ونميمة امرأة لوط عليه السلام بمن ورد عليه من الأضياف قاله ابن عباس وقال: لم تزن امرأة نبي قط ولا ابتلي في نسائه بالزنا. {فَلَمْ يُغْنِيَا} أي لوط ونوح. {عَنْهُمَا} عن امرأتيهما. {مِنَ ٱللَّهِ} أي من عذاب الله تعالى. {وَقِيلَ ٱدْخُلاَ} أي وقت موتهما أو يوم القيامة. {مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} مثل تعالى حال المؤمنين في أن وصلة الكفار لا تضرهم ولا تنقص من ثوابهم بحال إمرأة فرعون واسمها آسية بنت مزاحم ولم يضرها كونها كانت تحت فرعون بل نجاها منه إيمانها وبحال مريم إذا أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً. {عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} هذا يدل على إيمانهم وتصديقها بالبعث قيل كانت عمة موسى عليه السلام وآمنت حين سمعت بتلقف عصاه ما أفك السحر طلب من ربها القرب من رحمته وكان ذلك أهم عندها فقدمت الظرف وهو عندك بيتاً ثم بينت مكان القرب فقالت في الجنة. {وَنَجِّنِي} قيل دعت بهذه الدعوات فنجاها الله تعالى أحسن نجاة والقوم الضالين هم القبط. {وَمَرْيَمَ} معطوف على امرأة فرعون وجمع تعالى في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييباً لأنفسهن وقرىء كلماته جمعاً فاحتمل أن تكون الصحف المنزلة على إدريس عليه السلام وسماها كلمات لقرصا وقرىء وكتبه على الجمع وكتابه على الأفراد والكتاب هو الإِنجيل. {وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} غلب الذكورية على التأنيث القانتين شامل للذكور والإِناث ومن للتبعيض.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيد بالوحي والإلهام من عند العليم العلام، القدوس السلام مقتضى نبوتك وتأييدك: ألاَّ تخالف حكم الله، ولا تبادر إلى الخروج عما قضى الله {لِمَ تُحَرِّمُ} وتمنع عن نفسك من عندك بلا ورود نهي من قِبَل الحق {مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} وأباحه عليك بمقتضى حكمته وعدالته {تَبْتَغِي} بتحريم الحلال على نفسك {مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} وتترك رضا الله بمخالفة حكمه؟! فارتدع عن فعلك هذا، واستغفر الله لزلتك {وَٱللَّهُ} المطلع على نيتك وإخلاصك {غَفُورٌ} يعفو عنك ما صدر منك {رَّحِيمٌ} [التحريم: 1] يرحمك ويقبل توبتك. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بأَمَته مارية في يوم حفصة، فاطلعت حفصة على ذلك فعاتبته، فقال صلى الله عليه وسلم: حرمت مارية على نفسي لأجلك، لا تقولي لأحد من أزواجي، واستكتمي عنهن هذا التحريم، وأيضاً الخلافة بعدي لأبي بكر وبعده لعمر، ولا تفش لأحد قط، فأخبرت حفصة عائشة بكلا الخبرين؛ لكونهما متصادقتين، فأخبرت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فغضب صلى الله عليه وسلم وطلق حفصة طلاقاً رجعياً، وعزل نساءه تسعاً عشرين يوماً؛ لأجل هذه الواقعة، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}. ثمَّ لمَّا نهى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه المبالغة والتأكيد، أراد سبحانه أن يبين كفارة اليمين الواقعة من المؤمنين فقال: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ} وشرع {لَكُمْ} على سبيل الوجوب {تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي: بتحليل أيمانكم وتكفيركم عنها {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوالكم {مَوْلاَكُمْ} ومُولي أموركم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} لعموم مصالحكم ومفاسدكم {ٱلْحَكِيمُ} [التحريم: 2] في ضبطها وإصلاحها. {وَ} اذكر {إِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} يعني: حفصة {حَدِيثاً} وهو حديث مارية، وحديث خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - بعده صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا نَبَّأَتْ} وأخبرت حفصة {بِهِ} عائشة {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ} وأطلع سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم {عَلَيْهِ} أي: على إفشاء حفصة الحديث المعهود الذي أوصاها بالإسرار، فغضب صلى الله عليه وسلم على حفصة؛ لذلك {عَرَّفَ بَعْضَهُ} أي: بعض الحديث، وهو حديث تحريم مارية، وطلقها طلاقاً رجعياً انتقاماً عنها {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} وهو قصة الخلافة ولم يعرفها؛ لئلا يقع الفتنة بين المسلمين، ومع ذلك قد وقعت، وبعدما أطلع الله نبيه على إفشاء حفصة الحديث معاتباً عليها {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ} حفصة ظناً منها أنها صدرت هذا من عائشة: {مَنْ أَنبَأَكَ} وأعلمك {هَـٰذَا قَالَ} صلى الله عليه وسلم في جوابها: {نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ} بالسرائر والخفايا {ٱلْخَبِيرُ} [التحريم: 3] بما يجري في الضمائر والنيات. ثمَّ قال سبحانه في قِبَل نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخطاب المبنئ عن العتاب: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} أنت وعائشة عما صدر عنكما توبةً صادرة عن محض الندم والإخلاص، منبئة عن كمال الموافقة والاختصاص مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جبرتما ما كسرتما، وإلاَّ {فَقَدْ صَغَتْ} زاغت ومالت {قُلُوبُكُمَا} عن موافقة الرسول ومخالصته، فجئتما بما يكرهه صلى الله عليه وسلم وبكراهتكما ما يحبه صلى الله عليه وسلم {وَإِن تَظَاهَرَا} وتعاونا {عَلَيْهِ} أي: على ما أنتما عليه من مخالفة الرسول فلن تضرا له صلى الله عليه وسلم شيئاً من الضرر، وكيف يلحقه صلى الله عليه وسلم ضرر منكما {فَإِنَّ اللَّهَ} المراقب لعموم أحواله {هُوَ} سبحانه {مَوْلاَهُ} ناصره ومعينه، ومولي عموم أموره {وَجِبْرِيلُ} رئيس الكروبيين قرينه وملازمه {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أتباعه وأعوانه {وَالْمَلاَئِكَةُ} أي: عموم الملائكة {بَعْدَ ذَلِكَ} أي: بعد نصر أولئك المظاهرين {ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] له سبحانه على سبيل التعريض لعموم أزواجه صلى الله عليه وسلم؟! {عَسَىٰ رَبُّهُ} الذي رباه على الكرامة الأصلية، والنجابة الجبلية {إِن طَلَّقَكُنَّ} جميعاً {أَن يُبْدِلَهُ} بمقتضى قدرته وإرادته {أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} صورة وسيرة، أخلاقاً وأعمالاً {مُسْلِمَاتٍ} في الاعتقاد، مسلمات عن العيوب {مُّؤْمِنَاتٍ} بوحدة الحق، مصدقات لعموم ما نزل من عنده {قَانِتَاتٍ} راسخات على الطاعات، مواظبات على عموم الخيرات، خاضعات خاشعات لله في عموم الأوقات {تَائِبَاتٍ} عن عموم المنكرات والمحظورات {عَابِدَاتٍ} على وجه التذلل والخضوع، وكمال الانكسار والخشوع {سَائِحَاتٍ} صائمات أو مهاجرات {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} [التحريم: 5] يعني: سواء كن ثيبات أو أبكاراً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا أيها المحرّم على نفسك لابتغاء مرضاة اللطيفة القابلة - التي هي زوجك عند مشاهدتها بعد رفع الحجبات المظلمة في أثناء السلوك آيات الأنفسية، وإطلاعها على حصول الحجبات من اللقمات، والاشتغال بالشهوات - ما أحل الله لك من الحظوظ المباحة التي بها يمكن بقاء الحقوق، أما تسمع ما يخاطب ربك به حبيبه عليه السلام في كلامه القديم حيث يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1]، وتحرم ما أحل الله لك بحكمته، وفيه مزيد درجتك وقوة ارتقائك إلى عالم الحق، وبه يمكن التجاوز على عالم الروحانية، أما تعلم أني لا أحب المعتدين كما لا أحب المسرفين؛ فالإسراف إفراط، والاعتداء تفريط، وكلاهما مذمومان، وأنت خير الناس وأحب الخلق علي؛ فكن أمةً وسطاً قائماً على الصراط المستقيم بين الإفراط والتفريط {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التحريم: 1]، يعني: غفور اللمة التي صدرت عنك بتحريم ما أحل الله لك {رَّحِيمٌ} عليك بأمره، كلوا وأشربوا، ورخصته لك في الاشتغال بالشهوت المباحة المصعدة إلى الحق. {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، يعني: ما وجب عليكم أن تكفروها إذا حنثتم، والسنة لأجل هذا وردت: بأن الرجل إذا حلف أن لا يتكلم مع والديه، ورأى الاشتغال بذلك خيراً وأحب عند الله فليتكلم؛ وليكفر عن يمينه {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} [التحريم: 2]، يعني: نصيركم ووليكم ومعينكم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [التحريم: 2]، يعلمكم بعلمه القديم ما كان فيه لكم خير عظيم، وبحكمته خلقكم محتاجين إلى الأكل والشرب والنكاح؛ ليقرب البعيد برحمته، ويبعد القريب بعزته، ويبقي النسل بحكمته. {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} [التحريم: 3]، يعني: إذ أسرَّ اللطيفة الخفية إلى بعض قوى اللطيفة القالبية {حَدِيثاً} [التحريم: 3]، من الحقائق {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} [التحريم: 3]، يعني: تلك القوة بذلك الحديث {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} [التحريم: 3]، يعني: أطلع الله اللطيفة على ما أنبأت القوة نظائرها {عَرَّفَ بَعْضَهُ} [التحريم: 3]، أي: غضب بما عرف بعضه؛ فلعله من إفشاؤه سره يعني: أخبرت اللطيفة القوة القابلة بحقيقة سر الربوبية المودعة فيها، وبحقيقة سر الخلافة المودعة؛ فما الروح، أو على ترك ما يكن للقوة القابلة لجهلها بحقيقة ما أحل الله لها؛ {فَلَمَّا نَبَّأَتْ} القوة القابلة لنظائرها بترك اللطيفة وتحريمها لابتغاء رضاء القوة القابلة ما أحل الله لها، عرفت اللطيفة إفشاء بعض الأسرار التي سارتها بها معها وغضبت {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} [التحريم: 3]، يعني: ما أفشت أسرار الربوبية والخلا فة {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} [التحريم: 3]، يعني: فلما أنبأت اللطيفة الخفية بما أطلع الله لها عليه {قَالَتْ} [التحريم: 3]، القوة القابلة {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} [التحريم: 3]، يعين: من أخبرك بأني أفشيت سرك {قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [التحريم: 3]، يعني: نبأني من يعلم ضمائر الصدور وسرائر القلوب وخفايا الأرواح، ويخبر بصفة خبير [تنبيهاً] لمن أراد. {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، يعني: تتوب القوة القابلة ونظيرها إلى الله ويرجعا إلى حضرته بالتضرع والإبهام لئلا تفشيا أسرار اللطيفة الخفية يقبل الله توبتهما {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، يعني: زاغت عن الحق واستوجبت العقوبة حين سرت قلوبكما بتحريم اللطيفة الخفية على نفسها ما أحل الله لها {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} [التحريم: 4]، يعني: تعاونا وتتظاهر على تحريم اللطيفة الخفية على نفسها ما أحل الله لها {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، يعني: أنا وليها وناصرها والقوى السرية والقوى المؤمنة اللوامية والقوى الملهمية الملكية ظهيرها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته "مارية" أو شرب العسل، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله [تعالى] هذه الآيات { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ } أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } من الطيبات، التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك. { تَبْتَغِيَ } بذلك التحريم { مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه، سببًا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى حاكما حكما عاما في جميع الأيمان: { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا } تفسير : إلى أن قال: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } . تفسير : فكل من حرم حلالا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينًا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: { وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ } أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم تحلة أيمانكم، لتبرأ ذممكم، { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما خلقه وحكم به، فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم. [وقوله:] { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا } قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وأمر أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلى الله عليه وسلم، ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرمًا منه صلى الله عليه وسلم، وحلمًا، فـ { قَالَتْ } له: { مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا } الخبر الذي لم يخرج منا؟ { قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى. [وقوله:] { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } الخطاب للزوجتين الكريمتين من أزواجه صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة رضي الله عنهما، كانتا سببًا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم واحترامه، وأن لا يشققن عليه، { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } أي: تعاونا على ما يشق عليه، ويستمر هذا الأمر منكن، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } أي: الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره ممن يناوئه مخذول، وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين، حيث جعل الباري نفسه [الكريمة]، وخواص خلقه، أعوانًا لهذا الرسول الكريم. وهذا فيه من التحذير للزوجتين الكريمتين ما لا يخفى، ثم خوفهما أيضا، بحالة تشق على النساء غاية المشقة، وهو الطلاق، الذي هو أكبر شيء عليهن، فقال: { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } . { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } أي: فلا ترفعن عليه، فإنه لو طلقكن، لم يضق عليه الأمر، ولم يكن مضطرًا إليكن، فإنه سيلقى ويبدله الله أزواجًا خيرًا منكن، دينا وجمالا وهذا من باب التعليق الذي لم يوجد، ولا يلزم وجوده، فإنه ما طلقهن، ولو طلقهن، لكان ما ذكره الله من هذه الأزواج الفاضلات، الجامعات بين الإسلام، وهو القيام بالشرائع الظاهرة، والإيمان، وهو: القيام بالشرائع الباطنة، من العقائد وأعمال القلوب. القنوت هو دوام الطاعة واستمرارها { تَائِبَاتٍ } عما يكرهه الله، فوصفهن بالقيام بما يحبه الله، والتوبة عما يكرهه الله، { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا } أي: بعضهن ثيب، وبعضهن أبكار، ليتنوع صلى الله عليه وسلم، فيما يحب، فلما سمعن -رضي الله عنهن- هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الوصف منطبقًا عليهن، فصرن أفضل نساء المؤمنين، وفي هذا دليل على أن الله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أكمل الأحوال وأعلى الأمور، فلما اختار الله لرسوله بقاء نسائه المذكورات معه دل على أنهن خير النساء وأكملهن.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةُ التَّحْرِيمِ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} [1] 627 - أناني إبراهيم/ بنُ يونس بن محمدٍ، نا أبي، نا حمادُ بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمةٌ يطؤها فلم تزل به عائشةُ وحفصةُ حتى حرَّمها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ} إلى آخر الآية. 628 - أنا قتيبة بن سعيدٍ، نا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، أنه سمع عُبيد بن عُميرٍ قال: حديث : سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكثُ عند زينب، ويشربُ عندها عسلاً، فتواصيتُ وحفصة أيَّتُنا ما دخل النبيُّ عليها فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك لهُ، فقال: "بل شربتُ عسلاً عند زينب" وقال لي: "لن أعود له" فنزلت {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} [1] {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} [4] {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} [3] لقولِهِ: "بل شربتُ عسلاً ". تفسير : - كُلُّهُ في حديثِ عطاء. 629 - أخبرني عبد الله بن عبد الصمد بن عليٍّ، نا مخلدٌ، نا سفيان، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أتاهُ رجلٌ فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حراماً، قال: كذبت ليست عليك بحرامٍ ثم تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} عليك أغلظُ الكفارات: عتقُ رقبةٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 3246- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، والشّعبي في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}: [الآية: 1]، قالا: حَرَّمَ النبي جاريته، قال الشعبي: حلف النبي صلى الله عليه وسلم بيمين مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجَعَل له كَفَّارة اليمين. 3247- قال عبد الرزاق، قال معمر وأما قتادة فقال: حَرَّمَها فكانت يميناً. 3248- معمر عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذَا صَلَّى الصُّبْح دَخلَ على أَزْواجِهِ امرأة امرأة، فَيُسلّم عليهن، وكانت حفصة قد أُهدي لَهَا عَسَلٌ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ عَلَيْها خاضت له من ذلك العسل فسقته منه، فيجلس عِنْدَها، فغارت عائشة، فجمعتهن، فقالت لأزْوَجِ النبي صلى الله عليه وسلم امرأة امرأة إذا دخل عليكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولي: ما هذه الريح التي أجدها مِنْكَ يا رسول الله؟ أكلت مغافير؟ فإنَه سيَقُول: سقتني حفصة عَسَلاً، فقولي: جرست نحلة العرفط قال: فدخل على سَوْدَة، قالت فأردت أن أقول له قبل أن يَدْخُلَ خوفاً من عائشة، قالت: فلما خل قلت: ما هذه الريح التي أجدها منك يا رسول الله؟ أأكَلْتَ مغافير قال: لاَ ولكن سقتني عَسَلاً، فقالت: جَرَسَتْ نحله العرفط، ثم دخل عليهن امرأة امرأة، وهُنَّ يَقُلْنَ له ذلِكَ، ثم دخل على عائشة فقالت له أيضاً ذلِكَ، فلما كَان الْغَدِ دَخل على حفصة فسقته، فأبى أن يشرب، وحرمه عليه، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: [الآية: 1].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):