٦٦ - ٱلتَّحْرِيم
66 - At-Tahreem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} أي واذكر إذ أسرّ النبيّ إلى حفصة «حَدِيثاً» يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكَلبيّ: أسرّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتيّ على أمّتي من بعدي؛ وقاله ابن عباس. قال: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة. روى الدَّارَقُطْنيّ في سننه عن الكَلْبي عن أبي صالح: حديث : عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} قال: اطلعت حفصة على النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم فقال:«لا تخبري عائشة» وقال لها «إن أباك وأباها سيملكان أو سَيَلِيَان بعدي فلا تخبري عائشة» قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره الله عليه، فعرّف بعضه وأعرض عن بعض. قال أعرض عن قوله: «إن أباكِ وأباها يكونان بعدي»تفسير : . كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس. {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي أطلعه الله على أنها قد نَبَّأت به. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «فلما أنبأت» وهما لغتان: أنبأ ونَبّأ. ومعنى «عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَض عَنْ بَعْضٍ» عَرَّف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها، وأعرض عن بعض تَكَرُّماً؛ قاله السُّدّي. وقال الحسن: ما استقصى كريمٌ قطّ؛ قال الله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو حديث أم ولده ولم يخبرها ببعض وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده. وقراءة العامة {عَلَيْهِ} مشدّداً، ومعناه ما ذكرناه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، يدل عليه قوله تعالى: {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} أي لم يعرّفها إياه. ولو كانت مخففة لقال في ضدّه وأنكر بعضاً. وقرأ عليّ وطلحة بن مُصَرِّف وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي والحسن وقتادة والكلبي والكسائي والأعمش عن أبي بكر «عَرَف» مخففة. قال عطاء: كان أبو عبد الرحمن السُّلَمي إذا قرأ عليه الرجل «عرف» مشدّدة حَصَبه بالحجارة. قال الفرّاء: وتأويل قوله عز وجل: «عَرَف بَعْضَهُ» بالتخفيف، أي غضب فيه وجازى عليه؛ وهو كقولك لمن أساء اليك: لاعرفَنّ لك ما فعلت، أي لأجازِيَنَّك عليه. وجازاها النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن طلّقها طلقة واحدة. فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك. فأمره جبريل بمراجعتها وشفع فيها. واعتزل النبيّ صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أمّ إبراهيم حتى نزلت آية التحريم على ما تقدم. وقيل: هَمّ بطلاقها حتى قال له جبريل: «لاتطلّقها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من نسائك في الجنة» فلم يطلّقها. {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي أخبر حفصة بما أظهره الله عليه. {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} يا رسول الله عني. فظنّت أن عائشة أخبرته، فقال عليه السلام: {نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} أي الذي لا يخفى عليه شيء. و «هذا» سدّ مسدّ مفعولي «أنْبَأ». و «نَبّأَ» الأول تعدى إلى مفعول، و «نَبَّأ» الثاني تعدّى إلى مفعول واحد، لأن نَبّأ وأنبأ إذا لم يدخلا على المبتدأ والخبر جاز أن يكتفي فيهما بمفعول واحد وبمفعولين، فإذا دخلا على الابتداء والخبر تعدّى كلّ واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين. ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثالث، لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ } هي حفصة {حَدِيثاً } هو تحريم مارية، وقال لها لا تفشيه {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } عائشة ظناً منها أن لا حرج في ذلك {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ } أطلعه {عَلَيْهِ } على المنبأ به {عَرَّفَ بَعْضَهُ } لحفصة {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } تكرُّماً منه {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أي الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَدِيثاً} أسر إلى حفصة تحريم مارية فلما ذكرته لعائشة وعلم الرسول ذلك عرفها بعض ما ذكرت {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} أدباً وإبقاءاً، أو أسرَّ إليها تحريم مارية وبشرها أن أبا بكر خليفته من بعده وأن أباها الخليفة بعد أبي بكر فذكرتهما لعائشة فلما اطلع على ذلك عرَّف ذلك التحريم {وَأَعْرَضَ} عن ذكر الخلافة لئلا ينتشر و {عَرَّفَ} مخففاً غضب منه وجازى عليه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَإِذَ أَسَرَّ}. العامل فيه "اذكر" فهو مفعول به لا ظرف. والمعنى: اذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه، يعني حفصة "حَدِيثاً" يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أن أباك عائشة يكونان [خليفتين] من بعدي على أمَّتي. وقال ابن عباس: أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة، فذكرته حفصة. روى الدارقطني في سننه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً}، قال: "حديث : اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم، فقال: "لا تُخبري عائِشَة"، قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره اللَّهُ عليه، "فَعرَّف بعضهُ، وأعْرَضَ عن بَعْضٍ"، قال: أعرض عن قولها: "إن أباك وأباها يكُونانِ خَليفَتيْنِ مِنْ بَعْدِي""تفسير : كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك بين الناس. {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أخبرت عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به. قوله: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ}. أصل "نَبَّأ وأنْبَأ، وأخبر وخبّر، وحدّث" أن يتعدى لاثنين [إلى] الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفاً، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآية فقوله: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: "نَبَّأتْ بِهِ غيْرهَا"، وقوله: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} ذكرهما، وقوله: {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} ذكرهما، وحذف الجار. وقرأ طلحة بن مصرف: "فلمَّا أنْبَأت"، وهما لغتان "نَبَّأ وأنْبَأ". قوله: {عَرَّفَ بَعْضَهُ}. قرأ الكسائي: بتخفيف الراء. قال القرطبي: "وبها قرأ علي، وطلحة بن مصرف، وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة والكلبي والأعمش عن أبي بكر". قال عطاء: كان أبو عبد الرحم السلمي إذا قرأ عليه الرجل "عَرَّفَ" مشددة حصبه بالحجارة. وقرأ الباقون: بتشديد الراء. فالتثقيل يكون المفعول الأول معه محذوفاً، أي "عرَّفَهَا بَعْضَه"، أي: وقفها عليه على سبيل العَتْب. {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}، تكرماً منه وحلماً، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى: {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}، أي: لم يعرفها إياه، ولو كانت مخففة لقال في ضده: وأنكر بعضاً. وأما التخفيف: فمعناه جازى على بعضه، وأعرض عن بعض. قال الفرَّاءُ: وتأويل قوله - عز وجل -: "عَرَفَ" بالتخفيف، أي: غضب فيه، وجازى عليه، كقولك لمن أساء إليك: "لأعرِفنَّ لك ما فعلت" أي: لأجَازِينَّك عليه. فصل في نزول الآية قال المفسرون: إنه أسرَّ إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها، فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي، وهو من قبيل قوله تعالى: {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 197] أي: يجازيكم عليه، وقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [النساء: 63]، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأن الله - تعالى - أطلعه على جميع ما أنبأت به غيرها؛ لقوله تعالى: {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}. وقرأ عكرمة: "عَرَّافَ" بألف بعد الراء. وخرجت على الإشباع، كقوله: [الرجز] شعر : 4785 - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ تفسير : وقيل: هي لغة يمانية، يقولون: "عراف زيد عمراً". وإذا ضمنت هذه الأفعال الخمسة معنى "أعلم" تعدت لثلاثة. وقال الفارسي: "تعدَّت بالهمزة أو التضعيف". وهو غلط، إذا يقتضي ذلك أنها قبل التضعيف، والهمزة كانت متعدية لاثنين، فاكتسبت بالهمزة، أو التضعيف ثالثاً، والأمر ليس كذلك اتفاقاً. فصل في تفسير الآية قال السديُّ: عرف بعضه، وأعرض عن بعض تكرماً. وقال الحسنُ: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}. وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكرٍ وعمر سيملكان بعده. قال المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم جازى حفصة، بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر، فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، واعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم، حتى نزلت آية التخيير كما تقدم. وقيل: هم بطلاقها، حتَّى قال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. قوله: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ}، أي: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، قالت: {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال - عليه السلام -: {نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} الذي لا يخفى عليه شيء. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الكراهية في وجه حفصة حين رأته مع مارية أراد أن يتراضاها فأسرَّ إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر، فأخبرت حفصة بذلك عائشة، وأطلع اللَّهُ نبيه عليه فعرف حفصة، وأخبرها بما أخبرت به عائشة، وهو تحريم الأمة {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} يعني عن ذكر الخلافة، كره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك بين الناس، {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي: أخبر حفصة بما أظهره اللَّهُ عليه، قالت حفصة: {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} أي: من أخبرك بأني أفشيت السِّرَّ؟ "قال:{نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}". قال ابن الخطيب: وصفه بكونه خبيراً بعدما وصفه بكونه عليماً لما أنّ في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم. قوله: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ}. شرط في جوابه وجهان: أحدهما: هو قوله: {فَقَدْ صَغَتْ}. والمعنى: إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التَّوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. و"صَغَتْ" مالت وزاغت عن الحق. ويدل له قراءة ابن مسعود: "فقد زاغت". قال القرطبيُّ: "وليس قوله {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} جزاء للشرط؛ لأن هذا الصغو كان سابقاً، فجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: إن تتوبا كان خيراً لكما؛ إذ قد صغت قلوبكما". والثاني: أن الجواب محذوف، وتقديره: فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما قاله أبو البقاء، ودلّ على المحذوف {فَقَدْ صَغَتْ}؛ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال شهاب الدين: "وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً". وقوله: {قُلُوبُكُمَا} من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل: "قَلبَاكُمَا"، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقد تقدم هذا في آية السرقة في المائدة. ومن مجيء التثنية قوله: [الكامل] شعر : 4786 - فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بنَوافِذٍ كنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَع تفسير : والأحسن في هذا الباب الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. وقال ابن عصفور، لا يجوز الإفراد إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الطويل] شعر : 4787 - حَمَامَةَ بَطْنِ الواديَيْنِ تَرَنَّمِي سَقاكِ من الغُرِّ الغَوادِي مَطيرهَا تفسير : وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعلهُ أحسن من التثنية. وليس بغلط لكراهةِ توالي تثنيتين مع أمن اللبس. وقوله: "إنْ تَتُوبَا" فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. فصل في المراد بهذا الخطاب. المراد بهذا الخطاب أُمَّا المؤمنين بنتا الشيخين الكريمين: عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - حثّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما} أي: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسلِ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب العسل والنِّساء. قال ابن زيد رضي الله عنه مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: فقد مالتْ قُلوبكُمَا إلى التوبة. قوله: {وَإِن تَظَاهَرَا}. أصله: "تَتَظاهَرَا" فأدغم، وهذه قراءة العامة. وقرأ عكرمة: "تَتَظَاهَرَا" على الأصل. والحسن وأبو رجاء، ونافع، وعاصم في رواية عنهما: بتشديد الظَّاء والهاء دون ألف، وكلها بمعنى المعاونةِ من الظهر؛ لأنه أقوى الأعضاء وأجلها. فصل في معنى تتظاهرا معنى تتظاهرا، أي: تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء. روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكثت سنةً، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت، حتى فرغ ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضَّأ، فلما رجع قلت: يا أمير المؤمنين، من اللَّتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم؟. فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك. وذكر الحديث. قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ}. يجوز أن يكون "هو" فصلاً، و"مَولاهُ" خبره والمبتدأ جملة "إنَّ". والمعنى: الله وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التَّظاهر منهما. قوله: {وَجِبْرِيلُ}. يجوز أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى. والمعنى: الله وليه، وجبريل وليه، فلا يوقف على "مَولاهُ" ويوقف على جبريل. ويكون {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} مبتدأ، "والملائكة" معطوفاً عليه، والخبر "ظَهِيرٌ" ورفع "جبريل" نظراً إلى محل اسم "إن" وذلك بعد استكمال خبرها وقد تقدم مذاهب الناس في ذلك. ويكون "جِبْريلٌ" وما بعده داخلين في الولاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون "جبريل" ظهيراً له بدخوله في عموم الملائكة. ويكون "الملائكةُ" مبتدأ، و"ظهيرٌ" خبره، وأفرد لأنه بزنة "فَعِيل". قال القرطبيُّ: "هو بمعنى الجمع". قال أبو علي: قد جاء "فعيل" للكثرة، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً}تفسير : [المعارج: 11]. ومعنى: "ظهيرٌ" أي: أعوان، وهو في معنى ظهراء كقوله تعالى: {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}تفسير : [النساء: 69]. ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله "مَولاهُ"، ويكون "جبريلُ" مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و"ظهيرٌ" خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين، مرة بالتنصيصِ عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكةِ. وهذا عكس ما في "البقرة" في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة: 98]، فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهناك ذكر العام بعد الخاص، ولم يذكر الناس إلا القسم الأول. وفي "جِبْريل" لغات تقدم ذكرها في "البقرة". قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}. قال المسيِّبُ ابن شريكٍ: {وَصاَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}: أبو بكر وعمر ". تفسير : وعن أسماء بنت عميسٍ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنينَ}: علي بن أبي طالب ". تفسير : وقيل: خيار المؤمنين، و"صالح": اسم جنس، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر: 1، 2]. قاله الطبريُّ. وقال العلاءُ بنُ زياد، وقتادة، وسفيان: هم الأنبياء. وقال ابن زيد: هم الملائكة. وقال السديُّ: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} ليس لفظ الواحدِ، وإنما هم "صَالِحُو المُؤمِنينَ" فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. فصل في هذا التظاهر قيل: كان التَّظاهر منهما في التحكيم على النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة، ولهذا آلى منهن شهراً واعتزلهن. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : دخل أبو بكرٍ يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فوجد النَّاس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثُمَّ أقبل عمرُ، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه، واجماً ساكتاً، قال: فلأقولن شيئاً أضحكُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "هَنُّ حَولِي كما تَرَى يَسْألنَنِي النَّفقَة" فقام أبو بكر إلى عائشة رضي الله عنها يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} [الأحزاب: 28] حتى بلغ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 29]" تفسير : الحديث. قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}. الظَّاهر أنه مفرد، ولذلك كتب بالحاء دون واو الجمع. وجوزوا أن يكون جمعاً - بالواو والنون - حذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتباراً بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى: 24]. و{أية : يَدْعُ ٱلدَّاعِ}تفسير : [القمر: 6]، و{أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق: 18]، إلى غير ذلك. ومثل هذا ما جاء في الحديث: "حديث : أهْلُ القُرآنِ أهْلُ اللَّه وخاصَّتهُ ". تفسير : قالوا: يجوز أن يكون مفرداً، وأن يكون جمعاً، كقوله: {أية : شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}تفسير : [الفتح: 11] وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لفظاً. فإذا كتب هذا، فالأحسن أن يكتب بالواو لهذا الغرض، وليس ثمَّ ضرورة لحذفها كما في مرسوم الخطِ. وجوز أبو البقاء في "جبريل" أن يكون معطوفاً على الضمير في "مولاهُ"، يعني المستتر، وحينئذٍ يكون الفصل بالضمير المجرور كافياً في تجويز العطف عليه. وجوز أيضاً: أن يكون "جبريل" مبتدأ، و"صالحُ" عطف عليه، فالخبرُ محذوفٌ، أي: مواليه. فصل في المراد بصالح المؤمنين قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد بقوله "وصَالحُ المؤمنين" يعني أبا بكر وعمر مواليين للنبي صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وناصرين له: وهو قول المقاتلين. وقال الضحاكُ: خيار المؤمنين. وقيل: كل من آمن وعمل صالحاً. وقيل: كل من برىء من النفاقِ. وقيل: الأنبياء. وقيل: الخلفاء. وقيل: الصحابة. قوله: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ}. قيل: كل "عَسَى" في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: واجب، ولكن الله - عزَّ وجلَّ - علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن. قال النحويون: "إنْ طلَّقكُنَّ" شرط معترض بين اسم "عَسَى" وخبرها، وجوابه محذوفٌ، أو متقدم، أي "إنْ طلقَكُنَّ فَعَسى". وأدغم أبو عمرو القاف في الكاف على رأي بعضهم. قال: وهو أولى من {أية : يَرْزُقُكمْ}تفسير : [يونس: 31]، ونحوه لثقل التأنيثِ. قوله: {أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً}. قرىء: مخففاً ومشدداً، كما تقدم في "الكهف". والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال. وقوله: {أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}. لأنكن لو كنتن خيراً منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال معناه السديُّ. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الآخرة نساء خيراً منهن، وكان الله عالماً بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهن تخويفاً لهن، كقوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}تفسير : [محمد: 38] وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجودِ من هو خير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فصل في الكلام على لفظ مسلمات قوله: {مُسْلِمَاتٍ} إلى آخره. إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير: يعني مخلصاتٍ. وقيل: مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله خاضعات لله بالطاعة {مُّؤْمِنَاتٍ} أي: مصدقات بتوحيد الله. وقيل: مصدقات بما أمرنَ به: ونهين عنه {قَانِتَاتٍ} مطيعات، والقنوت: الطاعة. وقيل: داعياتٍ بتوحيد الله. وقيل: مصليات "تائبات" أي: من ذنوبهن، قاله السديُّ. وقيل: راجعاتٍ إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركاتٍ لمحاب أنفسهن، {عَابِدَاتٍ} أي: كثيرات العبادةِ لله تعالى. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد {سَائِحَاتٍ} أي: صائمات، قاله ابن عبَّاس والحسن وابن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفرَّاء والقتبي وغيرهما: سمي الصائمُ سائحاً؛ لأن السائحَ لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث وجد الطعام. وقيل: يسحن معه حيثما ساح. وقيل: ذاهبات في طاعة الله تعالى، من ساح الماءُ إذا ذهب. وقد مضى في سورة براءة. وقرأ عمرو بن فائد: "سَيِّحاتٍ". فصل في الكلام على الآية. قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف تكون المبدلات خيراً منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟. فالجواب: إذا طلقهن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بهذه الصفات مع الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم خيراً منهن. فإن قيل: قوله: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ} يوهم التَّكرارَ؛ لأن المسلمات والمؤمنات سواء؟ فالجواب: الإسلام هو التصديق باللسان، والإيمان التصديق بالقلب، وقد لا يجتمعان فقوله {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ} تحقيقاً لاجتماعهما. قوله: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}. إنما توسطت الواو بين ثيبات وأبكاراً لتنافي الوصف دون سائر الصفات. و"ثَيِّباتٍ" ونحوه لا ينقاس؛ لأنه اسم جنس مؤنث، فلا يقال: نساء حورات، ولا رأيت عينات. و"الثَّيِّبُ" وزنها "فَيعِل" من "ثاب يثوب" أي: رجع، كأنها ثابت بعد زوال عذرتها. وأصله: "ثَيْوب" كـ"سيِّد وميِّت" أصلهما: "سَيْود ومَيْوت" على الإعلال المشهور. والمعنى: منهن ثيّب، ومنهن بِكْر. قيل: إنما سميت ثيِّباً؛ لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها، وإلى غيره إن فارقها. وقيل: لأنها ثابت إلى بيت أبويها. قال القرطبي: "والأول أصح؛ لأن ليس كل ثيبت تعود إلى زوج، وأما البكر: فهي العذراء، سميت بكراً؛ لأنها على أول حالتها التي خلقت بها". قال ابن الخطيب: فإن قيل: ذكر الثيبات في مقام المدحِ، وهي من جملة ما يقل رغبة الرجال فيهن؟. فالجوابُ: يمكن أن يكون بعض الثيبات خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول - عليه الصلاة والسلام - لاختصاصهن بالمال، والجمال، أو النسب، أو المجموع، وإذا كان كذلك، فلا يقدح ذكر الثَّيِّب في المدح، لجواز ذلك. وقال الكلبيُّ: أراد بالثيِّب مثل: آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل: مريم ابنة عمران. قال القرطبيُّ: "وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيراً منهن، والله أعلم".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الحرام يكفر، وقال: {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} تفسير : [الأحزاب: 21]. وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: جعلت امرأتي عليَّ حراماً فقال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا {لم تحرم ما أحل الله لك} قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة. وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت: لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} فأحل يمينه وأنفق عليه. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} قال: أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرموا شيئاً مما أحل الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وليس يدخل في ذلك الطلاق. وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: {تحلة أيمانكم} قال: يقول قد أحللت لك ما ملكت يمينك، فلم تحرم ذلك وقد فرضت لك تحلة اليمين تكفر بها يمينك؟ كل ذلك في هذا. أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال:حديث : دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير، فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية، فحرمها، فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم} . تفسير : وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن عائشة في قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في فضائل الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن علي وابن عباس قالا: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال لحفصة: "حديث : أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحداً ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران في قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال: أخبر عائشة أن أباها الخليفة من بعده، وأن أبا حفصة الخليفة من بعد أبيها. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم جارية له في يوم عائشة، وكانت حفصة وعائشة متحابتين، فأطلعت حفصة على ذلك، فقال لها: لا تخبري عائشة بما كان مني، وقد حرمتها عليَّ فأفشت حفصة سر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم} الآيات . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال: أسر إلى عائشة في أمر الخلافة بعده، فحدثت به حفصة. وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن الضحاك {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} قال: أسر إلى حفصة بنت عمر أن الخليفة من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} قال: الذي عرف أمر مارية {وأعرض عن بعض} قوله: "حديث : إن أباك وأباها يليان الناس بعدي"تفسير : مخافة أن يفشو. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: ما استقصى كريم قط لأن الله تعالى يقول: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء الخرساني قال: ما استقصى حليم قط، ألم تسمع إلى قوله: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} . أما قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه} . أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فقد صغت قلوبكما} قال: مالت وأثمت. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {صغت} قال: مالت. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {صغت} قال: مالت. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كنا نرى أن {صغت قلوبكما} شيء هين حتى سمعناه بقراءة عبدالله أن تتوبا إلى الله {فقد صغت قلوبكما} . وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد والعدني وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه، بالإِداوة فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} فقال: واعجباً لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة، ثم أنشأ يحدثني الحديث، فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، قال: وكان منزلي بالعوالي، وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوماً فآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فجاء يوماً فضرب على الباب فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: أجاءت غسان؟ قال: أعظم من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أرى ذلك كائناً، فلما صلينا الصبح شددت عليَّ ثيابي، ثم انطلقت حتى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري هوذا معتزل في المشربة. فانطلقت فأتيت غلاماً أسوداً فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليَّ فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المسجد نفر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد، فانطلقت فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً، فوليت منطلقاً فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل فقد أذن لك فدخلت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم متكىء على حصير قد رأيت أثره في جنبه، فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا قلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك فقالت: ما تنكر فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خابت من فعل ذلك منهن، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجع إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا هي قد هلكت، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم أخرى، فقلت يا رسول الله: استأنس قال: نعم. فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالساً وقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وكان قد أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفارة. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فأما الحرام فأحله الله له، وأما الإِيلاء فأمره بكفارة اليمين. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وإن تظاهرا عليه} خفيفة {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} خفيفة مرفوعة الياء {سائحات} خفيفة الألف. وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال:حديث : لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب. فدخلت على حفصة فقلت لها يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت، فإذا أنا برباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على أسكفة المشربة مدلياً رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً. فقلت يا رباح: استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغُرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح. استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إليّ بيده أن ارقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، ونظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت يا نبي الله: وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى؟ وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك.، قال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، قلت: بلى، ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت يا رسول الله: ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن، فإن الله تعالى معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله، ونزلت هذه الآية {عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} وكانت عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: أطلقتهن؟ قال: لا. قلت يا رسول الله: إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفانزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر وضحك وكان من أحسن الناس ثغراً، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت أتشبث بالجذع، ونزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت يا رسول الله: إنما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. قال: ونزلت هذه الآية {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير . تفسير : قوله تعالى: {وصالح المؤمنين} . أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبي يقرؤها {وصالح المؤمنين} أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وأخرج ابن عساكر عن عكرمة وميمون بن مهران مثله. وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأخرج ابن عساكر عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم. وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {فقد صغت قلوبكما} قال: مالت، وفي قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وصالح المؤمنين} قال: صلى الله عليه وسلم حديث : "من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" رضي الله عنهما . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: "حديث : صالح المؤمنين أبو بكر وعمر ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر بن الخطاب خاصة. وأخرج عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: صالح المؤمنين أبو بكر وعمر. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر خاصة. وأخرج الحاكم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر. وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عليّ قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: "هو عليّ بن أبي طالب" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس:حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وصالح المؤمنين} قال: "عليّ بن أبي طالب" . تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو عليّ بن أبي طالب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن العلاء بن زياد في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
السلمي
تفسير : قال تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} [الآية: 3]. روى عن الحسن البصرى - رحمة الله عليه -: أنه قال: ما استقصى كريم قط ألا ترى الله تعالى يحكى عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} فيه جواز اظهار الشيوخ للفراسة والكرامات لمريديهم ليزيد رغبتهم فى الطريقة وفيه حث على ترك الاستقصاء فيما جرى من ترك الادب فانه صفة الكرام قال الحسن البصرى ما استقصى كريم قط الا يرى الله تعالى يحكى عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله عرف بعضه واعرض عن بعض.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ اسر النبى} الاسرار خلاف الاعلان ويستعمل فى الاعيان والمعانى والسر هو الحديث المكتتم فى النفس واسررت الى فلان حديثا افضيت به اليه فى خفية فالاسرار الى الغير يقتضى اظهار ذلك لمن يفضى اليه بالسر وان كان يقتضى اخفاءه من غيره فاذا قولهم اسررت الى فلان يقتضى من وجه الاظهار ومن وجه الاخفاء والنبى رسول الله عليه السلام فان اللام للعهد واذ ظرف اى اذكر الحادث وقت الاسرار والأكثر المشهور انه مفعول اى واذكر يا محمد وقت اسرار النبى واخفائه على وجه التأنيب والتعتب او واذكروا أيها المؤمنون فالخطاب ان كان له عليه السلام فالاظهار فى مقام الاضمار بأن قيل واذ أسررت للتعظيم بايراد وصف ينبئ عن وجوب رعاية حرمته ولزوم حماية حرمه عما يكرهه وان كان لغيره عموما على الاشتراك او خصوصا على الانفراد وذكره بوصف النبى للاشعار بصدقه فى دعوى النبوة {الى بعض ازواجه} وهى حفصة رضى الله عنها تزوجها النبى عليه السلام فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل احد بشهرين وكانت ولادتها قبل النبوة بخمس سنين وقريش تبنى البيت وماتت بالمدينة فى شعبان سنة خمس واربعين وصلى عليها مروان بن الحكم وهو امير المدينة يومئذ وحمل سريرها وحمله ايضا أبو هريرة وقد بلغت ثلاثا وستين سنة وأبو حفص أبوها عمر رضى الله عنه كناه به رسول الله عليه السلام وحفص ولد الاسد {حديثا} قال الراغب كل كلام يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحى فى يقظته او منامه يقال له حديث والمراد حديث تحريم مارية او العسل اوامر الخلافة قال سعدى المفتى فيه ان تحريم العسل ليس مما اسر الى حفصة بل كان ذلك عند عائشة وسودة وصفية رضى الله عنهن {فلما نبأت به} اى اخبرت حفصة صاحبتها التى هى عائشة بالحديث الذى اسره اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفشته اليها {واظهره الله عليه} اى أطلع الله النبى على افشاء حفصة ذلك الحديث على لسان جبريل فالضمير راجع الى الحديث بتقدير المضاف واظهر ضمن معنى اطلع من ظهر فلان السطح اذا علاه وحقيقته صار على ظهره واظهره على السطح اى رفعه عليه فاستعير للاطلاع على الشئ وهو من باب الافعال بمعنى بررسانيدن كسى را برنهانى وديده وركردانيدن. قال الراغب ظهر الشئ اصله أن يحصل شئ على ظهر الارض فلا يخفى وبطن اذا حصل فى بطنان الارض فيحقى ثم صار مستعملا فى كل بارز للبصر والبصيرة {عرف} ألنبى حفصة والتعريف بالفارسية بيا كاهيدن {بعضه} اى بعض الحديث الذى افشته الى صاحبتها على طريق العتاب بأن قال لها ألم أك امرتك أن تكتمى سرى ولا تبديه لأحد وهو حديث الامامة (روى) انه عليه السلام لما عاتبها قالت والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسى فرحا بالكرامة التى خص الله بها أباها وبعض الشئ جزء منه {واعرض عن بعض} اى عن تعريف بعض تكرما وهو حديث مارية وقال بعضهم عرف تحريم الامة واعرض عن تعريف امر الخلافة كراهة أن ينتشر ذلك فى الياس وتكرما منه وحلما وفيه جواز اظهار الشيوخ الفراسة والكرامات لمريديهم لتزيد رغبتهم فى الطريقة وفيه حث على ترك الاستقصاء فيما جرى من ترك الأدب فانه صفة الكرام قال الحسن البصرى قدس سره ما استقصى كريم قط وقال بعضهم ما زال التغافل من فعل الكرام {فلما نبأها به} اى اخبر النبى حفصة بالحديث الذى أفشته بما اظهره الله عليه من انها افشت سره {قالت من انبأك هذا} من أخبرك عنى هذا تعنى افشاءها للحديث ظنت أن عائشة اخبرته وفيه تعجب واستبعاد من اخبار عائشة بذلك لانها اوصتها بالكتم ولم يقل من نبأك ليوافق ما قبله للتفنن {قال} النبى عليه السلام {نبأنى} بفتح ياء المتكلم {العليم الخبير} الذى لا يخفى عليه خافية فسكتت وسلمت ونبأ ايضا من قبيل التفنن يقال ان انبأ ونبأ يتعديان الى مفعولين الى الاول بنفسهما والى الثانى بالباء وقد يحذف الاول للعلم به وقد يحذف الجار ويتعدى الفعل الى الثانى بنفسه ايضا فقوله تعالى فلما نبأها به على الاستعمال الاول وقوله فلما نبأت به على الاستعمال الثانى وقوله من أنباك على الاستعمال الثالث وقوله العليم هو والعالم والعلامة من اسمائه سبحانه ومن أدب من علم انه سبحانه عالم بكل شئ حتى بخطرات الضمائر ووساوس الخواطر أن يستحيى منه ويكف عن معاصيه ولا يغتر بجميل ستره ويخشى بغتات قهره ومفاجأة مكره وعن بعضهم انه قال كنت جائعا فقلت لبعض معارفى انى جائع فلم يطعمنى شيأ فمضيت فوجدت درهما ملقى فى الطريق فرفعته فاذا عليه مكتوب اما كان الله عالما بجوعك حتى طلبت من غيره والخبير بمعنى العليم وقال الامام الغزالى قدس سره اذا اعتبر العلم المطلق فهو العليم مطلقا واذا أضيف الى الغيب والامور الباطنه فهو الخبير واذا أضيف الى الامور الظاهرة فهو الشهيد واذا علم العبد انه تعالى خبير بأفعاله مطلع على سره علم انه تعالى احصى عليه جميع ما عمله او اخفى فى عمله وان كان هو قد نسيه فيخجل خجلا يكاد يهلكه (حكى) ان رجلا تفكر يوما فقال عمرى كذا كذا سنة يكون كذا كذا شهرا يكون منها كذا كذا يوما فبلغ عمره من الايام ألوفا كثيره فقال لو لم اعص الله كل يوم الا معصية واحدة لكان فى ديوان عملى كذا كذا ألف معصية وانى فى كل يوم عملت كثيرا من المعاصى ثم صاح وفارق الدنيا (يقول الفقير). شعر : مذنبم كرجه ولى رب غفوريم كرست بمن افناده دهد از كرمش شايد دست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذ أَسَرَّ} أي: واذكر أيها السامع حين أَسَرَّ {النبيُّ إِلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثاً}؛ حديث تحريم مارية، أو العسل، أو إمامة الشيخين، {فلما نَبَّأَتْ به} أي: أخبرت حفصةُ عائشةَ بالحديث وأفشته، فحذف المفعول، وهو عائشة، {وأظْهَرَه اللهُ عليه} أي: أطلع اللهُ تعالى نبيَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ على إفشاء حفصة على لسان جبريل عليه السلام، أو: أظهر الله عليه الحديث، من الظهور، {عَرَّفَ بعضَه} أي: عرَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم حفصةَ بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو حديث الإمامة، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: "حديث : ألم أقل لك اكتمي عليّ "تفسير : ؟ قالت: " والذي بعثك بالحق ما ملكتُ نفسي " فرحاً بالكرامة التي خَصَّ اللهُ تعالى بها أباها. {وأَعْرَضَ عن بعضٍ} فلم يُخبرها تكرُّماً. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي: "عَرَف" بالتخفيف، أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعْرِفَنَّ لك ما فعلت، أي: لأجازينَّك عليه، فاجازاها عليه السلام بأن طلَّقها، وآلى من نسائه شهراً، وقعد في مشربة مارية حتى نزلت آية التخيير، وقيل: هَمَّ بطلاقها، فقال له جبريل: لا تُطلِّقها، فإنها صوّامة قوّامة. هـ. قيل: المعرّف: حديث الإمامة، والمعرَض عنه: حديث مارية. {فلما نَبَّأها به} أي: أخبر صلى الله عليه وسلم حفصةَ بما عرفه من الحديث، قالت حفصة للنبي عليه السلام: {مَن أنبأكَ هذا قال نبأنيَ العليمُ الخبيرُ} الذي لا تخفى عليه خافية. {إِن تتوبا إِلى الله}، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، {فقد صَغَتْ قُلوبُكما}؛ مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مِن حُب ما يُحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان عليه الصلاة والسلام شقَّ عليه تحريم مارية وكَرِهَه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط: محذوف، أي: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو: تُقبلْ توبتكما، أو هو: "فقد صغت" أي: إن تتوبا فقد زاغب قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو: فقد كان منكما ما يقضي أن يُتاب منه. قال ابن عطية: وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جواباً في اللفظ. هـ. وقُرىء "زاغت" من الزيغ. {وإِن تَظَاهرا عليه} أي: تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سرّه، والفرح بتحريم مارية، {فإِنَّ اللهَ هو مولاه}؛ وليُّه وناصره، وزيادة "هو" إيذان: أنّه يتولّى ذلك بذاته بلا واسطة، {وجبريلُ} أيضاً وليّه، الذي هو رئيس الملائكة المقرّبين، {وصالحُ المؤمنين} أي: ومَن صلح مِن المؤمنين، أي: كل مَن آمن وعمل صالحاً، وقيل: مَن برىء مِن النفاق، وقيل: الصحابة جملة، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، ورُوي مرفوعاً، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق؛ لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهَره عليه السلام بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأنَّ تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيراً في قلوب بنيتْهما، وتوهيناً في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور. قاله أبو السعود. {والملائكةُ} مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم {بعد ذلك} أي: بعد نصرةِ الله عزّ وجل، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، {ظهيراً} أي: فوْج ظهير مُعاون له، كأنهم يد واحدة على مَن يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على مَنْ هؤلاء ظُهراؤه؟ ولمّا كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال: {بعد ذلك} تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم. {عسى ربُّه إِن طَلَّقكُنَّ أن يُبْدِلَه} بالتخفيف, والتشديد للتكثير، أي: يعطيه اللهُ تعالى بدلكن {أزواجاً خيراً منكن}، قال النسفي: فإن قلتَ: كيف تكون المبدّلات خيراً منهنَ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً من أمهات المؤمنين؟ قلتُ: إذا طلّقهنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهنّ إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيراً منهن. هـ. وأجاب أبو السعود: بأنّ ما عُلّق بما لم يقع لا يجب وقوعه. هـ. وليس فيه ما يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يُطلِّق حفصة، فإنّ تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. ثم وصف المبدَلات بقوله: {مُسلماتٍ مؤمناتٍ} أي: مُقرّات مخلصات، أو: منقادات مصدّقات، {قانتاتٍ}؛ طائعات، فالقنوت: هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله، {تائباتٍ} من الذنوب {عابداتٍ}؛ متعبدات متذللات، {سائحاتٍ}؛ صائمات، وقيل للصائم: سائح؛ لأنَّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يُطعمه، فشبّه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره، أو: مهاجرات. قال زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلاَّ الهجرة، {ثيباتٍ وأبكاراً}، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار، دون سائر الصفات؛ لأنهما صفتان متباينتان، وعَطْف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً...}تفسير : [التوبة:121]. والله تعالى أعلم. الإشارة: توجه العتاب له صلى الله عليه وسلم مرتين في تحريم الجارية، وفي إخفائه لذلك، إذ فيه بعض مراقبة الخلق، والعارف لا يُراقب إلاّ الحق، فهذا قريب من قوله تعالى: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللهُ أّحَقُّ أَن تَخْشَٰهُ } تفسير : [الأحزاب:37]، ففيه من التصوُّف: أنَّ العارف يكون الناس عنده كالموتى، أو كالهباء في الهواء، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: " حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون الناس عنده كالأباعر "تفسير : إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر. وإشارة الآية على ما قال القشيري: وإذ أَسَرَّ القلبُ إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق "حديث : شاوروهنّ وخالِفوهنّ "تفسير : فلما نبأت النفسُ الهوَى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عَرَّف بعضَه وأعرض عن بعض، أي: عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلبُ النفسَ بما أفشت للهوى، قالت: مَن أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإنَّ الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن وغاب عنكن أن يُبدله أخلاقاً طيبة، ونفوساً مطمئنة، مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ، عابداتٍ سائحاتٍ بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي: تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق. ثم أمر الحقُّ تعالى بإرشاد النساء وتأديبهن، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} حديث خلافة ابى بكر وعمر، او حديث تحريم مارية وامرها بكتمانه {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} عائشة به {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ} اى اظهر اخبارها لعائشة {عَلَيْهِ} على محمّدٍ (ص) {عَرَّفَ} تلك الزّوج المأمورة بالكتمان {بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} كما مضى {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ} حفصة {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} ثمّ خاطب الله على لسان جبرئيل ومحمّدٍ (ص) حفصة وعائشة فقال: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ}.
الأعقم
تفسير : {وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه} حفصة بالإِجماع {حديثاً} قال لها وأمرها بإخفائه وذلك الحديث حديث مارية وتحريمها، وقيل: تحريم العسل {فلما نبّأت به} أخبرت حفصة بالحديث عائشة {وأظهره الله عليه} أي أطلع الله عليه رسوله، وما جرى من إفشاء سرّه {عرّف بعضه} قرأ الكسائي بالتخفيف وهي قراءة علي بن أبي طالب (عليه السلام) أي غضب عليها وجازاها بما فعلت، وقراءة الباقين بالتشديد معناه عرّف غيره، يعني عرَّف النبي حفصة ببعض الحديث وأخبرها به {وأعرض عن بعض} ولم يخبرها به، قال الحسن: ما استقصي كريم قط {فلمَّا نبَّأها به} أي أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حفصة بما أظهر الله عليه {قالت} حفصة {من أنبأك هذا قال نبَّأني العليم الخبير} بالسر، وإنما قالت من أنبأك هذا لأنها وثقت بعائشة أنها لا تخبر {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} أي مالت وزاغت إلى الإِثم واستوجبتهما التوبة {وإن تظاهرا عليه} تعاونا يعني حفصة وعائشة تظاهرا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إذائه {فإن الله هو مولاه} ناصره {وجبريل} ناصره {وصالح المؤمنين} أي خيار المؤمنين وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقيل: الأنبياء، وقيل: هو الصالحون {والملائكة بعد ذلك ظهير} أي معين {عسى ربه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنَّ} قيل: بحسن العشرة والخدمة وطاعة الرسول، وقيل: في الفضل والدين {مسلمات} أي مطيعات منقادات {مؤمنات} قيل: مصدقات لله ورسوله {قانتات} قيل: خاضعات لله تعالى {تائبات} قيل: راجعات إلى الله تعالى في أمورهن {عابدات} لله بالفرائض والسنن بالإِخلاص {سائحات} قيل: ماضيات في طاعة الله وقيل: صائمات {وأبكاراً} أي لم يكن لهن أزواج وهذا اخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه علم أنه لا يطلقهن {يأيها الذين آمنوا قوا} أي احفظوا {أنفسكم وأهليكم ناراً} أي افعلوا ما أمر الله به وأمروا أهليكم بذلك وانهوهم عن معصية الله تعالى تمنعوهم بذلك من النار {وقودها الناس والحجارة}، قيل: حطباً، وقيل: يوقد عليهم تعذيباً، وقيل: هي حجارة الأصنام التي عبدوها يعذبون بها، وعن ابن عباس: هي حجارة الكبريت وهي أشد الأشياء حراً {عليها ملائكة} يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم {غلاظ} يعني غلاظ القلوب لا يرحمون أحداً من أهل النار {شداد} أي أقوياء {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} {يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم} لما عذبوا أخذوا في الاعتذار فقال لهم: لا تعتذروا هذا جزاء فعلكم.
اطفيش
تفسير : {وَإّذْ} مفعول اذكر {أَسَرَّ النَّبِىُّ} جاء على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة تعظيما له باسم النبوة والاصل وإذا اسررت الى بعض ازواجك فعبر بالظاهر وهو من قبيل الغيبة عن ضمير المخاطب وان جعل اذكر خطابا لكل من يصلح للذكر أو قدر اذكروا فلا التفات بينه وبين الظاهر. {إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} حفصة {حَدِيثاً} هو تحريم مارية أو العمل أو ان الخلافة بعده لابي حفصة وهو عمر وابي عائشة وهو ابو بكر ونسب بعضهم الاول للجمهور ذكر لها ذلك فقال: اكتميه فهذا هو الاسرار بكسر الهمزة الثالث لابن عباس والكلبي واقول الحق ان الحديث جميع ذلك بدليل عرف بعضه واعرض عن بعض أو انه تحريم مارية وامر الخلافة كما قال به بعض. {فَلَمَّا نَبأَتْ} الضمير للبعض باعتبار معناه لان المراد به حفصة كما مر أي فلما اخبرت حفصة عائشة وقرىء انبات بالهمزة قبل النون {بِهِ} أي بالحديث {وَأَظْهَرَهُ اللهُ} أي اظهر الله نبيه واطلعه باسكان الطاء {عَلَيْهِ} أي على الحديث الذي تكلمت به حفصة لعائشة أي أخبره بإفشائها للحديث أو الضمير للتنبئة المفهومة من بنات ولو كانت التنبئة مؤنثة لتأويلها بالمذكر وهو الاخبار أو الضمير للتنبيء بإسكان النون كالتنبئة لجواز التفعلة والتفعيل في المهموز على بسطته في النحو ويجوز كون الضمير في اظهره للحديث وفي عليه للنبي صلى الله عليه وسلم فالاظهار منا ظهور والوضوح وعلى كل فالاظهار من للظهور والوضوح وعلى كل حال فالاظهار بواسطة جبريل أو بالهام. {عَرَّفَ بَعْضَهُ} المفعول الاول محذوف أي عرف الرسول حفصة بعض ما تكلمت به أي اخبرها اني عالم به. {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} لم يخبرها ببعض ما تكلمت به تكرما وحياء وحسن عشرة قال سفيان ما زال التغافل من فعال الكرام وعن الحسن ما استقضى كريم قط ويجوز ان يكون معنى عرف عاقب أي جازاها على بعض بان طلقها اعنى حفصة وتجاوز عن بعض ويدل لهذا قراءة الكسائي بعدم تشديد الراء من قولك لاعرفن ذلك أي لاجازينك به وقيل لم يطلقها وانما هم به فقال جبريل: لا تطلقها فانها صوامة قوامة ومن نسائك في الجنة وروي انه قال الم اقل لك اكتمي علي قالت والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاب الكرامة التي خص الله بها ابي والبعض الذي عرف به حفصة امامة ابيها وأبي عائشة والمعرض عنه حديث مارية وقيل عرفها حديث مارية واعرض عن حديث الخلافة لئلا يشهر في الناس وانما حذف المفعول الاول لعرف لعدم تعلق الغرض به بل الغرض الاعلام بانه صلى الله عليه وسلم لم يوجد منه إلا تعريف البعض. قال القاضي عرف المشدد من اطلاق المسبب للسبب والمخفف بالعكس ويدل على ان التعريف بمعنى الاعلام والاخبار لابمعنى المجازاة قوله {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي بالبعض ذكر ضميرها لانه الغرض هنا {قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} أي من اعلمك اياه واخبرك به. {قَالَ نَبَّأَنِى العَلِيمُ} بما تكنة الضمائر {الخَبِيرُ} بخفي الامور وانما دل ذلك على ان المراد بالتعريف اوفق الاعلام لانه للاعلام وكانه قيل قام زيد فلما قام قال عمرو لم قمت.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَ أَسَرَّ } / أي واذكر إذ أسر {ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ } هي حفصة على ما عليه عامة المفسرين، وزعم بعض الشيعة أنها عائشة وليس له في ذلك شيعة، نعم رواه ابن مردويه عن ابن عباس وهو شاذ {حَدِيثاً } هو قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات: « حديث : لكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً » تفسير : {فَلَمَّا نَبَّأَتْ } أي أخبرت. وقرأ طلحة ـ أنبأت ـ {بِهِ } أي بالحديث عائشة لأنهما كانتا متصادقتين. وتضمن الحديث نقصان حظ ضرتهما زينب من حبيبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إنه عليه الصلاة والسلام ـ كما في البخاري وغيره ـ كان يمكث عندها لشرب ذلك وقد اتخذ ذلك عادة، كما يشعر به لفظ ـ كان ـ فاستخفها السرور فنبأت بذلك {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } أي جعل الله تعالى النبـي صلى الله عليه وسلم ظاهراً على الحديث مطلعاً عليه من قوله تعالى: { أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] والكلام على ما قيل: على التجوز، أو تقدير مضاف أي على إفشائه، وجوز كون الضمير لمصدر {نَبَأتُ } وفيه تفكيك الضمائر، أو جعل الله تعالى الحديث ظاهراً على النبـي صلى الله عليه وسلم فهو نظير ظهر لي هذه المسألة وظهرت عليَّ إذا كان فيه مزيد كلفة واهتمام بشأن الظاهر فلا تغفل. {عَرَّفَ } أي النبـي صلى الله عليه وسلم حفصة {بَعْضَهُ } أي الحديث أي أعلمها وأخبرها ببعض الحديث الذي أفشته. والمراد أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: قلت كذا لبعض ما أسره إليها قيل: هو قوله لها: « حديث : كنت شربت عسلاً عند زينب ابنة جحش فلن أعود » تفسير : {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } هو على ما قيل قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : وقد حلفت » تفسير : فلم يخبرها به تكرماً لما فيه من مزيد خجلتها حيث إنه يفيد مزيد اهتمامه صلى الله عليه وسلم بمرضاة أزواجه وهو لا يحب شيوع ذلك، وهذا من مزيد كرمه صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الشاعر: شعر : ليس الغبـي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابـي تفسير : وجوز أن يكون {عَرَّفَ } بمعنى جازى أي جازاها على بعض بالعتب واللوم أو بتطليقه عليه الصلاة والسلام إياها، وتجاوز عن بعض، وأيد بقراءة السلمي والحسن وقتادة وطلحة والكسائي وأبـي عمرو في رواية هارون عنه {عرف } بالتخفيف لأنه على هذه القراءة لا يحتمل معنى العلم لأن العلم تعلق به كله بدليل قوله تعالى: {أَظْهَرهُ ٱللَّهُ عَلَيهِ } مع أن الإعراض عن الباقي يدل على العلم فتعين أن يكون بمعنى المجازاة. قال الأزهري في «التهذيب»: من قرأ {عرف } بالتخفيف أراد معنى غضب وجازى عليه كما تقول للرجل يسىء إليك: والله لأعرفن لك ذلك، واستحسنه الفراء، وقول «القاموس»: هو بمعنى الإقرار لا وجه له هٰهنا، وجعل المشدد من باب إطلاق المسبب على السبب والمخفف بالعكس، ويجوز أن تكون العلاقة بين المجازاة والتعريف اللزوم، وأيد المعنى الأول بقوله تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ } لتعرف هل فضحتها عائشة أم لا؟ {مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ } الذي لا تخفى عليه خافية فإنه أوفق للإعلام. و(هذا) على ما في «البحر» / على معنى بهذا. وقرأ ابن المسيب وعكرمة ـ عراف بعضه ـ بألف بعد الراء وهي إشباع، وقال ابن خالويه: ويقال إنها لغة يمانية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبـي حاتم عن مجاهد أن النبـي صلى الله عليه وسلم أسر إلى حفصة تحريم مارية وأن أبا بكر وعمر يليان الناس بعده فأسرت ذلك إلى عائشة فعرف بعضه وهو أمر مارية وأعرض عن بعض وهو أن أبا بكر وعمر يليان بعده مخافة أن يفشو، وقيل: بالعكس. وقد جاء إسرار أمر الخلافة في عدة أخبار؛ فقد أخرج ابن عدي وأبو نعيم في «فضائل الصديق»، وابن مردويه من طرق « حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس قالا: إن إمارة أبـي بكر وعمر لفي كتاب الله {وَإِذَ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوٰجِهِ حَدِيثاً } قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحداً » تفسير : . وأخرج أبو نعيم في «فضائل الصحابة» عن الضحاك أنه قال في الآية: أسر صلى الله عليه وسلم إلى حفصة أن الخليفة من بعده أبو بكر ومن بعد أبـي بكر عمر، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ميمون بن مهران نحوه. وفي «مجمع البيان» للطبرسي من أجل الشيعة ((عن الزجاج قال: لما حرم عليه الصلاة والسلام مارية القبطية أخبر [حفصة] أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر فعرفها بعض ما أفشت من الخبر وأعرض عن بعض أن أبا بكر وعمر يملكان من بعدي، وقريب من ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبـي جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما في أمر مارية وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرض أن يعاتبهما في الأمر الآخر)) انتهى. وإذا سلم الشيعة صحة هذا لزمهم أن يقولوا بصحة خلافة الشيخين لظهوره فيها كما لا يخفى. ثم إن تفسير الآية على هذه الأخبار أظهر من تفسيرها على حديث العسل، لكن حديثه أصح، والجمع بين الأخبار مما لا يكاد يتأتى. وقصارى ما يمكن أن يقال: يحتمل أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم قد شرب عسلاً عند زينب كما هو عادته، وجاء إلى حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل، واتفق له عليه الصلاة والسلام قبيل ذلك أو بعيده أن وطىء جاريته مارية في بيتها في يومها على فراشها فوجدت فحرم صلى الله عليه وسلم مارية، وقال لحفصة ما قال تطييباً لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان، ونزلت الآية بعد القصتين فاقتصر بعض الرواة على إحداهما والبعض الآخر على نقل الأخرى، وقال كل: فأنزل الله تعالى { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ } تفسير : [التحريم: 1] الخ، وهو كلام صادق إذ ليس فيه دعوى كل حصر علة النزول فيما نقله فإن صح هذا هان أمر الاختلاف وإلا فاطلب لك غيره، والله تعالى أعلم. واستدل بالآية على أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه من زوجة أو صديق، وأنه يلزمه كتمه، وفيها على ما قيل: دلالة على أنه يحسن حسن العشرة مع الزوجات والتلطف في العتب والإعراض عن استقصاء الذنب، وقد روي أن عبد الله بن رواحة ـ وكان من النقباء ـ كانت له جارية فاتهمته زوجته ليلة، فقال قولاً بالتعريض، فقالت: إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن فأنشد: شعر : شهدت فلم أكذب بأن محمداً رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيـى ويحيـى كلاهما له عمل في دينه متقبل وأن التي بالجزع من بطن نخلة ومن دانها كل عن الخير معزل تفسير : / فقالت: زدني، فأنشد: شعر : وفينا رسول الله يتلو كتابه كما لاح معروف من الصبح ساطع أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا رقدت بالكافرين المضاجع تفسير : فقالت: زدني فأنشد: شعر : شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن محمداً يدعو بحق وأن الله مولى المؤمنينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا ويحمله ملائكة شداد ملائكة الإلٰه مسومينا تفسير : فقالت: أما إذ قرأت القرآن فقد صدقتك، وفي رواية أنها قالت ـ وقد كانت رأته على ما تكره ـ إذن صدق الله وكذب بصري، فأخبر النبـي صلى الله عليه وسلم فتبسم، وقال: « حديث : خيركم خيركم لنسائه ».
ابن عاشور
تفسير : هذا تذكير وموعظة بما جرى في خلال تينك الحادثتين ثني إليه عنان الكلام بعد أن قضي ما يهم من التشريع للنبي صلى الله عليه وسلم بما حرّم على نفسه من جرَّائهما. وهو معطوف على جملة {أية : يا أيها النبي لِمَ تحرّم ما أحلّ الله لك}تفسير : [التحريم: 1] بتقدير واذكر. وقد أعيد ما دلت عليه الآية السابقة ضمناً بما تضمنته هذه الآية بأسلوب آخر ليبنى عليه ما فيه من عبر ومواعظ وأدب، ومكارم وتنبيه وتحذير. فاشتملت هذه الآيات على عشرين معنى من معاني ذلك. إحداها ما تضمنه قوله: {إلى بعض أزواجه}. الثاني: قوله: {فلما نبأت به}. والثالث: {وأظهره الله عليه}. الرابع: {عرف بعضه}. الخامس: {وأعرض عن بعض}. السادس: {قالت من أنبأك هذا}. السابع: {قال نبّأني العليم الخبير}. الثامن والتاسع والعاشر: {أية : إن تتوبا إلى الله} تفسير : [التحريم: 4] إلى {أية : فإن الله هو مولاه}تفسير : [التحريم: 4]. الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: {أية : وجبريلُ وصالحُ المؤمنين والملائكة}تفسير : [التحريم: 4]. الرابع عشر والخامس عشر: {أية : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً}تفسير : [التحريم: 5]. السادس عشر: {أية : خيراً منكن}تفسير : [التحريم: 5]. السابع عشر: {أية : مُسلمات}تفسير : [التحريم: 5] إلخ. الثامن عشر: {أية : سائحات}تفسير : [التحريم: 5]. التاسع عشر: {أية : ثيبات وأبكاراً}تفسير : [التحريم: 5]، وسيأتي بيانها عند تفسير كل آية منها. العشرون: ما في ذكر حفصة أو غيرها بعنوان {بعض أزواجه} دون تسميته من الاكتفاء في الملام بذكر ما تستشعِر به أنها المقصودة باللوم. وإنما نبّأها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه علم إفشاءها الحديث بأمر من الله ليبني عليه الموعظة والتأديب فإن الله ما أطلعه على إفشائها إلا لغرض جليل. والحديث هو ما حصل من اختلاء النبي صلى الله عليه وسلم بجاريته مارية وما دار بينه وبين حفصة وقوله لحفصة: «هي عليّ حرام ولا تخبري عائشة» وكانتا متصافيتين وأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أن حفصة أخبرت عائشة بما أسرّ إليها. والواو عاطفة قصة على قصة لأن قصة إفشاء حفصة السرّ غير قصة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه بعض ما أحلّ له. ولم يختلف أهل العلم في أن التي أسر إليها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث هي حفصة ويأتي أن التي نَبأتْها حفصة هي عائشة. وفي «الصحيح» عن ابن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه فلما رجع ببعض الطريق قلت: يا أمير المؤمنين مَن اللتان تظاهرتا على رسول الله من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة وساق القصة بطولها. وأصل إطلاق الحديث على الكلام مجاز لأنه مشتق من الحدثان فالذي حدث هو الفعل ونحوه ثم شاع حتى صار حقيقة في الخبر عنه وصار إطلاقه على الحادثة هو المجاز فانقلب حال وضعه واستعماله. و{أسر} أخبر بما يراد كتمانه عن غير المخبر أو سأله عدم إفشاء شيء وقع بينهما وإن لم يكن إخباراً وذلك إذا كان الخبر أو الفعل يراد عدم فشوّه فيقوله صاحبه سرّاً والسرّ ضد الجهر، قال تعالى: {أية : ويعلم ما تسرون وما تعلنون}تفسير : [التغابن: 4] فصار {أسرّ} يطلق بمعنى الوصاية بعدم الإِفشاء، أي عدم الإِظهار قال تعالى: {أية : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم}تفسير : [يوسف: 77]. و{أسر}: فعل مشتق من السرّ فإن الهمزة فيه للجعل، أي جعله ذا سرّ، يقال: أسرّ في نفسه، إذا كتم سرّه. ويقال: أسرّ إليه، إذا حدثه بسرّ فكأنه أنهاه إليه، ويقال: أسرّ له إذا أسرّ أمراً لأجله، وذلك في إضمار الشر غالباً وأسرّ بكذا، أي أخبر بخبر سرّ، وأسرّ، إذا وضع شيئاً خفياً. وفي المثَل «يُسِرّ حَسْواً في ارتغاء». و{بعض أزواجه} هي حفصة بنت عمر بن الخطاب. وعدل عن ذكر اسمها ترفعاً عن أن يكون القصد معرفة الأعيان وإنما المراد العلم بمغزى القصة وما فيها مما يجتنب مثله أو يقتدى به. وكذلك طي تعيين المنبَّأة بالحديث وهي عائشة. وذكرت حفصة بعنوان بعض أزواجه للإِشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع سِرّه في موضعه لأن أولى الناس بمعرفة سرّ الرجل زوجهُ. وفي ذلك تعريض بملامها على إفشاء سرّه لأن واجب المرأة أن تحفظ سرّ زوجها إذا أمرها بحفظه أو كان مثله مما يجب حفظه. وهذا المعنى الأول من المعاني التهذيبية التي ذكرناها آنفاً. ونبَّأ: بالتضعيف مرادف أنبأ بالهمز ومعناهما: أخبر، وقد جمعهما قوله: {فلما نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}. وقد قيل: السرّ أمانة، أي وإفشاؤه خيانة. وفي حديث أم زرع من آدابهم العربية القديمة قالت الحادية عشرة: «جَارية أبي زرع فَما جارية أبي زرع لا تَبث حديثنا تبثيثاً ولا تنفث ميرثنا تنفيثاً». وكلام الحكماء والشعراء في السرّ وحفظه أكثر من أن يحصى. وهو المعنى الثاني من المعاني التهذيبية التي ذكرناها. ومعنى و{وأظهره الله عليه} أطلعه عليه وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب. استعير الإِظهار إلى الإِطْلاَع لأن إطلاع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على السرّ الذي بين حفصة وعائشة كان غلبةً له عليهما فيما دبرتاه فشبهت الحالة الخاصة من تآمر حفصة وعائشة على معرفة سرّ النبي صلى الله عليه وسلم ومن علمه بذلك بحال من يغالب غيره فيغلبه الغير ويكشف أمره. فالإِظهار هنا من الظهور بمعنى الانتصار. وليس هو من الظهور ضد الخفاء، لأنه لا يتعدى بحرف (على). وضمير {عليه} عائد إلى الإِنباء المأخوذ من {نَبَّأت به} أو على الحديث بتقدير مضاف يدل عليه قوله: {نبَّأت به} تقديره: أظهره الله على إفشائه. وهذا تنبيه إلى عناية الله برسوله صلى الله عليه وسلم وانتصاره له لأن إطلاعه على ما لا علم له به مما يهمه، عناية ونصح له. وهذا حاصل المعنى الثالث من المعاني التي اشتملت عليها الآيات وذكرناها آنفاً. ومعفول {عرّف} الأولُ محذوف لدلالة الكلام عليه، أي عرفها بعضه، أي بعض ما أطْلعه الله عليه، وأعرض عن تعريفها ببعضه. والحديث يحتوي على أشياء: اختلاء النبي بسريته مارية، وتحريمها على نفسه، وتناوله العسل في بيت زينب، وتحريمه العودة إلى مثل ذلك، وربّما قد تخلل ذلك كلام في وصف عثور حفصة على ذلك بغتة، أو في التطاول بأنها استطاعت أن تريحهن من ميله إلى مارية. وإنما عرّفها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليوقفها على مخالفتها واجب الأدب من حفظ سرّ زوجها. وهذا هو المعنى الرابع من المعاني التي سبقت إشارتي إليها. وإعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته من كرم خلقه صلى الله عليه وسلم في معاتبة المفشية وتأديبها إذ يحصل المقصود بأن يعلم بعضَ ما أفشته فتوقن أن الله يغار عليه. قال سفيان: ما زَال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط، وما زاد على المقصود بقلب العتاب من عتاب إلى تقريع. وهذا المعنى الخامس من مقاصد ذكر هذا الحديث كما أشرنا إليه آنفاً. وقولها: {من أنبأك هذا} يدل على ثقتها بأن عائشة لا تفشي سرّها وعلمت أنه لا قبل للرسول صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك إلا من قبل عائشة أو من طريق الوحي فرامت التحقق من أحد الاحتمالين. والاستفهام حقيقي ولك أن تجعله للتعجب من علمه بذلك. وفي هذا كفاية من تيقظها بأن إفشاءها سرّ زوجها زَلة خُلقية عظيمة حجبها عن مراعاتها شدة الصفاء لعائشة وفرط إعجابها بتحريم مارية لأجلها، فلم تتمالك عن أن تبشر به خليلتها ونصيرتها ولو تذكرت لتبين لها أن مقتضى كتم سرّ زوجها أقوى من مقتضى إعلامها خليلتها فإن أواصر الزوجية أقوى من أواصر الخلة وواجب الإِخلاص لرسول الله أعلى من فضيلة الإِخلاص للخلائل. وهذا هو الأدب السادس من معاني الآداب التي اشتملت عليها القصة وأجملنا ذكرها آنفاً. وإيثار وصفي {العليم الخبير} هنا دون الاسم العَلَم لما فيهما من التذكير بما يجب أن يعلمه الناس من إحاطة الله تعالى علماً وخُبْراً بكل شيء. و{العليم}: القوي العلم وهو في أسمائه تعالى دالّ على أكمل العلم، أي العلم المحيط بكل معلوم. و{الخبير}: أخص من العليم لأنه مشتق من خبر الشيء إذا أحاط بمعانيه ودخائله ولذلك يُقال خبرته، أي بلوته وتطلعتُ بواطن أمره، قال ابن بُرَّجان (بضم الموحدة وبجيم مشددة) في «شرح الأسماء»: «الفرق بين الخُبر والعلم وسائر الأشياء الدالة على صفة العلم أن تتعرف حصول الفائدة من وجه وأضِف ذلك إلى تلك الصفة وسَم الفائدة بذلك الوجه الذي عنه حَصَلَتْ فمتى حصلت من موضع الحُضور سميت مشاهدة والمتصف بها هو الشاهد والشهيد. وكذلك إن حصلت من وجه سمع أو بصر فالمتصف بها سميع وبصير. وكذلك إن حصَلت من عِلْم أو علامة فهو العلم والمتصف به العالم والعليم، وإن حصلت عن استكشاف ظاهر المخبُور عن باطنه بِبَلوى أو امتحان أو تجربة أو تبليغ فهو الخبْر. والمسمّى به الخبير» اهـ. وقال الغزالي في «المقصد الأسنى»: «العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خِبرة وسمي صاحبها خبيراً اهـ». فيتضح أن أتباع وصف {العليم} بوصف {الخبير} إيماء إلى أن الله علم دخيلة المخاطبة وما قصدته من إفشاء السرّ للأخرى. وقد حصل من هذا الجواب تعليمها بأن الله يطلع رسول صلى الله عليه وسلم على ما غاب إن شاء قال تعالى: {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26، 27] وتنبيهاً على ما أبطنته من الأمر. وهو الأدب السابع من آداب هذه الآيات. واعلم أن نبّأ وأنبأ مُترادفان وهما بمعنى أخبر وأن حقهما التعدية إلى مفعول واحد لأجل ما فيهما من همزة تعدية أو تضعيف. وإن كان لم يسمع فعل مجرد لهما وهو مما أميت في كلامهم استغناء بفعل علم. والأكثر أن يتعديا إلى ما زاد على المفعول بحرف جر نحو: نَبأتُ به. وقد يحذف حرف الجر فيعدّيان إلى مفعولين، كقوله هنا: {من أنبأك هذا} أي بهذا، وقول الفرزدق: شعر : نبئت عبد الله بالجو أصبحت كراماً مواليها لآماً ما صميمها تفسير : حمله سيبويه على حذف الحرف . وقد يضمنان معنى: اعلم، فيعديان إلى ثلاثة مفاعيل كقول النابغة: شعر : نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إليّ غرائب الأشعار تفسير : ولكثرة هذا الاستعمال ظن أنه معنى لهما وأغفل التضمين فنسب إلحاقهما بـ(اعلم) إلى سيبويه والفارسي والجرجاني وألْحَق الفراء خبّر وأخبر، وألحق الكوفيون حدَّث. قال زكريا الأنصاري: لم تسمع تعديتها إلى ثلاثة في كلام العرب إلا إذا كانت مبنية إلى المجهول. وقرأ الجمهور "عرّف" بالتشديد. وقرأه الكسائي "عَرَف" بتخفيف الراء، أي علم بعضه وذلك كناية عن المجازاة، أي جازى عن بعضه التي أفشته باللوم أو بالطلاق على رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ولم يصح وقد يكنى عن التوعد بفعل العلم. ونحوه كقوله تعالى: {أية : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم}تفسير : [النساء: 63]. وقول العرب للمسيء: لأعرفن لك هذا. وقولك: لقد عرفت ما صنعت.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجِهِ} (3) - وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى زَوْجِهِ حَفْصَةَ حَدِيثاً فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ العَسَلَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ، وَقَالَ لَنْ أَعُودَ إِلَى شُرْبِهِ وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَداً. فَلَمَّا أَخْبَرَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ بِالحَدِيثِ الذِي اسْتَكْتَمَهَا النَّبِيُّ عَلَيهِ. وَأَطْلَعَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَا فَعَلَتْهُ حَفْصَةُ مِنْ إِفْشَائِهَا مَا اسْتَكْتَمَهَا النَّبِيُّ عَليْهِ أَخْبَرَ حَفْصَةَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ الذِي أَفْشَتْهُ (وَهُوَ قَوْلُهُ كُنْتُ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ)، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ بَعْضِ الحَدِيثِ الذِي أَفْشَتْهُ (وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَدْ حَلَفْتُ فَلاَ تُخْبِرِي أَحَداً)، فَلَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ تَكَرُّماً مِنْهُ لِكَيْلاَ يَزِيدَ فِي خَجَلِهَا مِنْهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ حَفصَةَ بِمَا دَارَ بَيْنَهَا وَبَينَ عَائِشَةَ قَالَتْ مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ فَضَحَتْهَا وَنَقَلَتِ الحَدِيثَ إِلَى الرَّسُولِ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي العِلِيمُ بِالسِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَالخَبِيرُ بِكُلِّ مَا فِي الوُجُودِ. نَبَّأَتْ بِهِ - أَخْبَرَتْ بِهِ غَيْرَهَا. أَظْهَرَهُ اللهَ عَلَيهِ - أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَى إِفْشَائِهِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} معناه أَخبرَها بِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):