Verse. 5235 (AR)

٦٦ - ٱلتَّحْرِيم

66 - At-Tahreem (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا قُوْۗا اَنْفُسَكُمْ وَاَہْلِيْكُمْ نَارًا وَّقُوْدُہَا النَّاسُ وَالْحِجَارَۃُ عَلَيْہَا مَلٰۗىِٕكَۃٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُوْنَ اللہَ مَاۗ اَمَرَہُمْ وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤْمَرُوْنَ۝۶
Ya ayyuha allatheena amanoo qoo anfusakum waahleekum naran waqooduha alnnasu waalhijaratu AAalayha malaikatun ghilathun shidadun la yaAAsoona Allaha ma amarahum wayafAAaloona ma yumaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«‌يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم» بالحمل على طاعة الله «نارًا وقودها الناس» الكفار «والحجارة» كأصنامهم منها، يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه «عليها ملائكة» خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي في (المدثر) «غلاظ» من غلظ القلب «شداد» في البطش «لا يعصون الله ما أمرهم» بدل من الجلالة، أي لا يعصون أمر الله «ويفعلون ما يؤمرون» تأكيد والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : {قُواْ أَنفُسَكُمْ } أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه، وقال مقاتل: أن يؤدب المسلم نفسه وأهله، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، وقال في «الكشاف»: {قُواْ أَنفُسَكُمْ } بترك المعاصي وفعل الطاعات، {وَأَهْلِيكُمْ } بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم، وقيل: {قُواْ أَنفُسَكُمْ } مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرىء: {وأهلوكم} عطفاً على واو {قُواْ } وحسن العطف للفاصل، و {نَارًا } نوعاً من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت، لأنها أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها، وقرىء: {وَقُودُهَا } بالضم، وقوله: {عَلَيْهَا مَلَـٰئِكَةٌ } يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم {غِلاَظٌ شِدَادٌ } في أجرامهم غلظة وشدة أي جفاء وقوة، أو في أفعالهم جفاء وخشونة، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله، رحماء على أولياء الله كما قال تعالى: {أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29] وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } يدل على اشتدادهم لمكان الأمر، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي. وقوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } لما ذكر شدة العذاب بالنار، واشتداد الملائكة في انتقام الأعداء، فقال: {لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } أي يقال لهم: لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار هو التوبة، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار، فلا ينفعكم الاعتذار، وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب في الحكمة، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أنه تعالى خاطب المشركين في قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } وقال: {أية : أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 24] جعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ نقول: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مع الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: {قُواْ أَنفُسَكُمْ } باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد. البحث الثاني: كيف تكون الملائكة غلاظاً شداداً وهم من الأرواح، فنقول: الغلظة والشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات، وهذا أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال. البحث الثالث: قوله تعالى: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } في معنى قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } فما الفائدة في الذكر فنقول: ليس هذا في معنى ذلك لأن معنى الأول أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا ينكرونها، ومعنى الثاني أنهم (يؤدون) ما يؤمرون به كذا ذكره في «الكشاف».

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة ـ وهي الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهلَه النار. قال الضحاك: معناه قُوا أنفسكم، وأهلوكم فَلْيَقُوا أنفسهم ناراً. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: قُوا أنفسكم وأْمُرُوا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يَقِيَهم الله بكم. وقال عليّ رضي الله عنه وقتادة ومجاهد: قُوا أنفسكم بأفعالكم وقُوا أهليكم بوصِيّتكم. ابن العربي: وهو الصحيح، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل؛ كقوله:شعر : عَلَفْتُهَا تِبْناً وماءً بارداً تفسير : وكقوله:شعر : ورأيتُ زَوْجَك في الوَغَى متقلِّداً سيفاً ورُمْحاَ تفسير : فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية. ففي صحيح الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعِيَّته فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عنهم والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم»تفسير : . وعن هذا عبّر الحسن في هذه الآية [بقوله:] يأمرهم وينهاهم. وقال بعض العلماء لما قال: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه. كما دخل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} تفسير : [النور:61] فلم يُفْرَدُوا بالذِّكر إفراد سائر القرابات. فيعلّمه الحلال والحرام، ويجنّبه المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام. وقال عليه السلام: «حديث : حَقُّ الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلّمه الكتابة ويزوّجه إذا بلغ»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : ما نَحَل والدٌ ولداً أفضل من أدب حسن»تفسير : . وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «حديث : مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع»تفسير : . خرّجه جماعة من أهل الحديث. وهذا لفظ أبي داود. وخرّج أيضاً عن سَمُرَة بن جُنْدُب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مُرُوا الصَّبِيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها»تفسير : . وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب؛ مستنداً في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلم: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أَوْتَر يقول:«قومي فأوْتِري يا عائشة»تفسير : . وروي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رحم الله امرءاً قام من الليل فصلّى فأيقظ أهله فإن لم تقم رَشّ وجهها بالماء. رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها فإذا لم يقم رشّت على وجهه من الماء»تفسير : . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيقظوا صواحب الحُجَر»تفسير : . ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة:2]. وذكر القشيري:حديث : أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، نقِي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال: «تنهونهم عمّا نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله»تفسير : . وقال مقاتل: ذلك حقّ عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه. قال الكِيا: فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدّين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب. وهو قوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه:132]. ونحو قوله تعالى للنبيّ صلى الله عليه وسلم: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء:214]. وفي الحديث: «حديث : مُرُوهم بالصلاة وهم أبناء سَبْع»تفسير : . {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تقدم في سورة «البقرة» القول فيه. {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} يعني الملائكة الزبانية غِلاظ القلوب لا يرحمون إذا اسْتُرْحِمُوا، خُلقوا من الغضب، وحُبّب إليهم عذاب الخلق كما حُبِّبَ لبني آدم أكل الطعام والشراب. {شِدَادٌ} أي شداد الأبدان. وقيل: غِلاظُ الأقوال شداد الأفعال. وقيل غِلاَظ في أخذهم أهل النار شدادٌ عليهم. يقال: فلان شديد على فلان؛ أي قَوِي عليه يعذّبه بأنواع العذاب. وقيل: أراد بالغلاظ ضخامة أجسامهم، وبالشدّة القوّة. قال ابن عباس: ما بين مَنْكِبَي الواحد منهم مسيرةُ سنة، وقوّة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. وذكر ابن وهب قال: وحدّثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خَزَنة جهنم: «حديث : ما بين مَنْكِبَي أحدهم كما بين المشرق والمغرب»تفسير : . قوله تعالى: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} أي لا يخالفونه في أمره من زيادة أو نقصان. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدّمونه. وقيل أي لذتهم في امتثال أمر الله؛ كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة؛ ذكره بعض المعتزلة. وعندهم أنه يستحيل التكليف غداً. ولا يخفى معتقد أهل الحق في أن الله يكلّف العبد اليوم وغدا، ولا ينكر التكليف في حق الملائكة. ولله أن يفعل ما يشاء.

البيضاوي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ} بترك المعاصي وفعل الطاعات. {وَأَهْلِيكُمْ } بالنصح والتأديب، وقرىء و «أهلوكم» عطف على واو {قُواْ }، فيكون {أَنفُسَكُـمْ } أنفس القبيلين على تغليب المخاطبين. {نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } ناراً تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب. {عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ } تلِي أمرها وهم الزبانية. {غِلاَظٌ شِدَادٌ } غلاظ الأقوال شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة. {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} فيما مضى. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } فيما يستقبل، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم أو العذر لا ينفعهم. { ي{أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } بالغة في النصح وهو صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة، وصفت به على الإِسناد المجازي مبالغة أو في النصاحة، وهي الخياطة كأنها تنصح ما خرق الذنب. وقرأ أبو بكر بضم النون وهو مصدر بمعنى النصح كالشكر والشكور، و النصاحة كالثبات والثبوت تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحاً، أو توبوا نصوحاً لأنفسكم. وسئل علي رضي الله تعالى عنه عن التوبة فقال: يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تربي نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} ذكر بصيغة الأطماع جرياً على عادة الملوك، وإشعاراً بأنه تفضل والتوبة غير موجبة وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. {يَوْمَ لاَّ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ } ظرف لـ {يدخلكم} { وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } عطف على النبي عليه الصلاة والسلام إحماداً لهم وتعريضاً لمن ناوأهم، وقيل مبتدأ خبره: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ } أي على الصراط. {يَقُولُونَ } إذا طفىء نور المنافقين. {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلاً. {ٱ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ } بالسيف {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بالحجة. {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } جهنم أو مأواهم. {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ } مَثَّلَ الله تعالى حالهم في أنهم يعاقبون بكفرهم ولا يحابون بما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النسبة بحالهما. {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ } يريد به تعظيم نوح ولوط عليهما السلام. {فَخَانَتَاهُمَا } بالنفاق. {فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } فلم يغن النبيان عنهما بحق الزواج شيئاً إغناء ما. {وَقِيلَ } أي لهما عند موتهما أو يوم القيامة. {ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلداخِلِينَ} مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام.

ابن كثير

تفسير : قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} يقول: أدّبوهم وعلّموهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} يقول: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار، وقال مجاهد: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قدعتهم عنها وزجرتهم عنها، وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه. وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها»تفسير : هذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمريناً له على العبادة؛ لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق. وقوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} وقودها أي: حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم {وَٱلْحِجَارَةُ} قيل: المراد بها: الأصنام التي تعبد؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي: هي حجارة من كبريت، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة، وروى ذلك ابن أبي حاتم رحمه الله، ثم قال: حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري، حدثنا عبد العزيز ــــ يعني ابن أبي روّاد ــــ قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنّم أعظم من جبال الدنيا كلها» تفسير : ، قال: فوقع الشيخ مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده، فإذا هو حي، فناداه قال: «حديث : يا شيخ قل: لا إله إلا الله» تفسير : فقالها، فبشّره بالجنة. قال: فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ قال: «حديث : نعم يقول الله تعالى: {ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} » تفسير : هذا حديث مرسل غريب. وقوله تعالى: {عَلَيْهَا مَلَـٰئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله (شداد) أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفاً، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها. وقوله: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله، ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية ــــ عياذاً بالله منهم ــــ وقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا؛ فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم، ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} أي توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب: سمعت النعمان بن بشير يخطب، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه، وقال الثوري عن سماك عن النعمان عن عمر قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه. وقال أبو الأحوص وغيره عن سماك عن النعمان: سئل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيىء ثم لا يعود إليه أبداً. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله: {تَوْبَةً نَّصُوحاً} قال: يتوب ثم لا يعود. وقد روي هذا مرفوعاً، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه»تفسير : ، تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والموقوف أصح، والله أعلم. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح: هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي، ردّه إليه بطريقه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم عن عبد الله بن معقل قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود، فقال: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الندم توبة»تفسير : ؟ قال: نعم. وقال مرة: نعم، سمعته يقول: «حديث : الندم توبة»تفسير : . ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بكير أبو خباب عن عبد الله بن محمد العدوي عن أبي سنان البصري عن أبي قلابة، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً. قال زر: فقلت لأبي ابن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «حديث : هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبداً»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو، حدثنا أبو عمرو بن العلاء سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح: أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه إذا ذكرته، فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجبّ ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح: «حديث : الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها»تفسير : ، وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات - كما تقدم في الحديث وفي الأثر - ثم لا يعود فيه أبداً. أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك، لا يكون ذلك ضارّاً في تكفير ما تقدم لعموم قوله عليه السلام: «حديث : التوبة تجبّ ما قبلها»تفسير : ؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضاً: «حديث : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» تفسير : ، فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم. وقوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} و عسى من الله موجبة {يَوْمَ لاَ يُخْزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} أي ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ} كما تقدم في سورة الحديد {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفىء. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن حسان عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فسمعته يقول: «حديث : اللهم لا تخزني يوم القيامة»تفسير : وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأوّل من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم» تفسير : ، فقال رجل: يا رسول الله، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: «حديث : غرٌّ محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم».

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ } بالحمل على طاعة الله {نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ } الكفار {وَٱلْحِجَارَةُ } كأصنامهم منها، يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه {عَلَيْهَا مَلَٱئِكَةٌ } خزنتها عدّتهم {أية : تِسْعَةَ عَشَرَ }تفسير : [31,30:74] كما سيأتي في المدّثر {غِلاَظٌ } من غلظ القلب {شِدَادٌ } في البطش {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } بدل من الجلالة، أي لا يعصون أمر الله {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تأكيد، والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ } بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه {وَأَهْلِيكُمْ } بأمرهم بطاعة الله، ونهيهم عن معاصيه {نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } أي ناراً عظيمة تتوقد بالناس وبالحجارة كما يتوقد غيرها بالحطب، وقد تقدّم بيان هذا في سورة البقرة. قال مقاتل بن سليمان: المعنى: قوا أنفسكم وأهليكم بالأدب الصالح النار في الآخرة. وقال قتادة، ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن جرير: فعلينا أن نعلم أولادنا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، ومن هذا قوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا }تفسير : [طه: 132] وقوله: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 224]. {عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } أي: على النار خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ على أهل النار شداد عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم؛ لأن الله سبحانه خلقهم من غضبه، وحبب إليهم تعذيب خلقه، وقيل: المراد غلاظ القلوب: شداد الأبدان، وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال، وقيل: الغلاظ: ضخام الأجسام، والشداد: الأقوياء {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } أي: لا يخافونه في أمره، و«ما» في {مَا أَمَرَهُمْ } يجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف، أي: لا يعصون الله الذي أمرهم به، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: لا يعصون الله أمره على أن يكون ما أمرهم بدل اشتمال من الاسم الشريف، أو على تقدير نزع الخافض، أي: لا يعصون الله في أمره {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي: يؤدّونه في وقته من غير تراخ لا يؤخرونه عنه ولا يقدّمونه. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } أي: يقال لهم هذا القول عند إدخالهم النار تأييساً لهم وقطعاً لأطماعهم {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } من الأعمال في الدنيا، ومثل هذا قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } تفسير : [الروم: 57]. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } أي: تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب عنه، وصفت بذلك على الإسناد المجازي، وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم بالعزم على الترك للذنب، وترك المعاودة له. والتوبة فرض على الأعيان. قال قتادة: التوبة النصوح الصادقة، وقيل: الخالصة. وقال الحسن: التوبة النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره. وقال الكلبي: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والاطمئنان على أن لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة. قرأ الجمهور: {نصوحاً} بفتح النون على الوصف للتوبة، أي: توبة بالغة في النصح، وقرأ الحسن، وخارجة، وأبو بكر عن عاصم بضمها، أي: توبة نصح لأنفسكم، ويجوز أن يكون جمع ناصح، وأن يكون مصدراً يقال: نصح نصاحة ونصوحاً. قال المبرّد: أراد توبة ذات نصح {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } بسبب تلك التوبة، وعسى وإن كان أصلها للإطماع، فهي من الله واجبة؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدخلكم معطوف على يكفر منصوب بناصبه، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرىء بالجزم عطفاً على محل عسى، كأنه قال: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم {يَوْمٌ لاَّ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ } الظرف متعلق بـ {يدخلكم}، أي: يدخلكم يوم لا يخزي الله النبي {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } والموصول معطوف على النبي، وقيل: الموصول مبتدأ، وخبره: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ } والأوّل أولى، وتكون جملة {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة لبيان حالهم، وقد تقدّم في سورة الحديد أن النور يكون معهم حال مشيهم على الصراط، وجملة {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } في محل نصب على الحال أيضاً، وعلى الوجه الآخر تكون خبراً أخر، وهذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، كما تقدّم بيانه وتفصيله. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدّبوهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجكم الله من النار. وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال: أدّبوا أهليكم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب، يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب سئل عن التوبة النصوح، قال: أن يتوب الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبداً. وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود إليه أبداً»تفسير : ، وفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والصحيح الموقوف، كما أخرجه موقوفاً عنه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: التوبة النصوح تكفر كلّ سيئة، وهو القرآن، ثم قرأ هذه الآية. وأخرج الحاكم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى} الآية قال: ليس أحد من الموحدين إلاّ يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا }.

الماوردي

تفسير : {يا أيها الذين آمَنوا قُوا أَنفُسَكم وأهْليكم ناراً} قال خيثمة: كل شيء في القرآن يا أيها الذين آمنوا ففي التوراة يا أيها المساكين. وقال ابن مسعود: إذا قال اللَّه يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه. وقال الزهري: إذا قال اللَّه تعالى: يا أيها الذين آمنوا افعلوا، فالنبي منهم. ومعنى قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} أي اصرفوا عنها النار، ومنه قول الراجز: شعر : ولو توقى لوقاه الواقي وكيف يوقى ما الموت لاقي تفسير : وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه قوا أنفسكم، وأهلوكم فليقوا أنفسهم ناراً، قاله الضحاك. الثاني: قوا أنفسكم ومروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيكم اللَّه بهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الثالث: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم، قاله علي وقتادة ومجاهد. وفي الوصية التي تقيهم النار ثلاثة أقاويل: أحدها: يأمرهم بطاعة اللَّه وينهاهم عن معصيته، قاله قتادة. الثاني: يعلمهم فروضهم ويؤدبهم في دنياهم، قاله علي. الثالث: يعلمهم الخير ويأمرهم به، ويبين لهم الشر، وينهاهم عنه. قال مقاتل: حق ذلك عليه في نفسه وولده وعبيده وإمائه. {وَقودها الناسُ والحجارةُ} في ذكر الحجارة مع الناس ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الحجارة التي عبدوها، حتى يشاهدوا ما أوجب مصيرهم إلى النار، وقد بين اللّه ذلك في قوله {إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم}. الثاني: أنها حجارة من كبريت وهي تزيد في وقودها النار وكان ذكرها زيادة في الوعيد والعذاب، قاله ابن مسعود ومجاهد. الثالث: أنه ذكر الحجارة ليعلموا أن ما أحرق الحجارة فهو أبلغ في إحراق الناس. روى ابن أبي زائدة قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم} الآية، وعنده بعض أصحابه، ومنهم شيخ فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال والذي نفسي بيده لصخرة من جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها، فوقع الشيخ مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي، فقال: يا شيخ قل لا إله إلا اللَّه، فقال بها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول اللَّه أمِن بيننا؟ قال: نعم لقول اللَّه تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}. {عليها ملائكة غِلاظٌ شدادٌ} يعني غلاظ القلوب، شداد الأفعال وهم الزبانية. {لا يعْصُون اللّه ما أمرهم} أي لا يخالفونه في أمره من زيادة أو نقصان. {ويَفْعلون ما يُؤْمَرونَ} يعني في وقته فلا يؤخرونه ولا يقدمونه. {يا أيها الذين آمنوا تُوبوا إلى اللَّه تَوْبةً نَصوحاً} فيه خمسة تأويلات: أحدهها: أن التوبة النصوح هي الصادقة الناصحة، قاله قتادة. الثاني: أن النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره، قاله الحسن. الثالث: أن لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها. الرابع: أن النصوح هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. الخامس: أن يتوب من الذنب ولا يعود إليه أبداً، قاله عمر بن الخطاب. وهي على هذه التأويلات مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة. وفي أخذها منها وجهان: أحدهما: لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته وتوثيقه. الثاني: لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء اللَّه وألصقته بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض. ومنهم من قرأ نُصوحاً بضم النون، وتأويلها على هذه القراءة توبةَ نُصْح لأنفسكم، ويروي نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم بضالَّته يجدها بأرض فلاة عليها زاده وسقاؤه ".

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم} معناه: اجعلوا وقاية بينكم وبين النار، وقد تقدم غير مرة تعليل اللفظة، وقوله تعالى: {وأهليكم} معناه: بالوصية لهم والتقويم والحمد على طاعة الله تعالى، وفي حديث: "حديث : لا تزن فيزني أهلك"تفسير : ، وفي حديث آخر: "حديث : رحم الله رجلاً قال: يا أهلاه، صلاتكم، صيامكم، مسكينكم، يتيمكم"تفسير : ، وقرأ الجمهور: "وقَودها" بفتح الواو، وقرأ مجاهد والحسن وطلحة وعيسى والفياض بن غزوان وأبو حيوة بضمها، وقيل هما بمعنى، وقيل الضم مصدر والفتح اسم، ويروى أن {الحجارة}: هي حجارة الكبريت، وقد تقدم القول في ذلك في سورة البقرة. ويروى أنها جميع أنواع الحجارة، وفي بعض الحديث أن عيسى ابن مريم سمع أنيناً في فلاة من الأرض فتبعه حتى بلغ إلى حجر يئن ويحزن، فقال له: ما بالك أيها الحجر؟ فقال: يا روح الله، إني سمعت الله يقول: {وقودها الناس والحجارة}، فخفت أن أكون من تلك الحجارة، فعجب منه عيسى وانصرف، ويشبه أن يكون هذا المعنى في التوراة أو في الإنجيل، فذلك الذي سمع الحجر إذا عبر عنه بالعربية كان هذا اللفظ، ووصف الملائكة بالغلظة معناه في القلوب والبطش الشديد والفظاظة، كما قال تعالى لنبيه: {أية : ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : [آل عمران: 159] والشدة القوة، وقيل المراد شدتهم على الكفار، فهي بمعنى الغلظ، ووصفهم تعالى بالطواعية لربهم، وكرر المعنى تأكيداً بقوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون}، وفي قوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} ما يقتضي أنهم يدخلون الكفار النار بجد واختيار، ويغلظون عليهم، فكأنه قال بعد تقرير هذا المعنى، فيقال للكفار: {لا تعتذروا اليوم}: أي إن المعذرة لا تنفعكم، وإنما تجزون بأعمالكم فلا تلوموا إلا أنفسكم، ثم أمر عباده بالتوبة، والتوبة فرض على كل مسلم، وتاب معناه: رجع فتوبة العبد: رجوعه من المعصية إلى الطاعة، وتوبة الله تعالى على العبد إظهار صلاحه ونعمته عليه في الهداية إلى الطاعة، وقبول توبة الكفار يقطع بها على الله إجماعاً من الأمة، واختلف الناس في توبة العاصي، فجمهور أهل السنة على أنه لا يقطع بقبولها ولا ذلك على الله بواجب، والدليل على ذلك دعاء كل واحد من المذنبين في قبول التوبة ولو كانت مقطوعاً بها لما كان معنى للدعاء في قبولها، وظواهر القرآن في ذلك هي كلها بمعنى المشيئة، وروي عن أبي الحسن الأشعري أنه قال: التوبة إذا توفرت شروطها قطع على الله بقبولها لأنه تعالى أخبر بذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا المسك بظواهر القرآن، وعلى هذا القول أطبقت المعتزلة، والتوبة الندم على فارط المعصية والعزم على ترك مثلها في المستقبل، وهذا من المتمكن، وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم وحده يكفيه، والتوبة عبادة كالصلاة ونحوها، فإذا تاب العبد وحصلت توبته بشروطها وقبلت ثم عاود الذنب، فتوبته الأولى لا تفسدها عودة بل هي كسائر ما تحصل من العبادات، والنصوح بناء مبالغة من النصح إلى توبة نصحت صاحبها وأرشدته، وقرأ الجمهور: "نَصوحاً" بفتح النون، وقرأ أبو بكر عن عاصم وخارجة عن نافع والحسن والأعرج وعيسى: "نُصوحاً" بضم النون، وهو مصدر، يقال: نصح، ينصح، نصاحة، ونصاحة قاله الزجاج، فوصف التوبة بالمصدر كالعدل والزور وغيره، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح، هي أن يتوب ثم لا يعود، وقال أبو بكر الوراق: هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت كتوبة الذين خلفوا، وقوله تعالى: {عسى ربكم} الآية، ترجية، وقد روي أن {عسى} من الله واجبة، والعامل في {يوم} قوله: {يدخلكم}، وروي في معنى قوله تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي}، حديث : أن محمداً صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: "يا رب أنت أرحم بهم" فقال الله تعالى: إذا لا أخزيك فيهمتفسير : ، فهذا معنى قوله: {يوم لا يخزي الله النبي}، والخزي المكروه الذي يترك الإنسان حيران خجلاً مهموماً بأن يرى نقصه، أو سوء منزلته، وقوله تعالى: {والذين آمنوا معه} يحتمل أن يكون معطوفاً على {النبي} فيخرج المؤمنون من الخزي، ويحتمل أن يكون ابتداء، و {نورهم يسعى} جملة هي خبره، ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً مفضلاً بأنه لا يخزى، وقد تقدم القول في نظير قوله: {أية : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} تفسير : [التحريم: 8]، وقرأ سهل بن سعد: "وبإيمانهم"، بكسر الهمزة، وقوله تعالى: {ربنا أتمم لنا نورنا}، قال الحسن بن أبي الحسن هو عندما يرون من انطفاء نور المنافقين حسبما تقدم تفسيره، وقيل يقول من أعطي من النور بقدر ما يرى قدميه فقط.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} قال خيثمة كل ما في القرآن {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَاَمَنُواْ} فهو في التوراة يا أيها المساكين وقال ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ إذا قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك فإنها خير تؤمر به أو شر تنهى عنه" {قُواْ أَنفُسَكُمْ} اصرفوا عنها النار {وَأَهْلِيكُمْ} فليقوا أنفسهم أو قوا أنفسكم ومروا أهليكم حتى يقيكم الله تعالى بهم "ع" أو أنفسكم بأفعالكم وأهليكم بوصيتكم إياهم بالطاعة وترك المعصية أو بتعلم الفروض وآداب الدنيا أو بتعلم الخير والأمر به وتعلم الشر والنهي عنه {وَالْحِجَارَةُ} المعبودة أو حجارة الكبريت أو ذكر الحجارة لينبه على أن ما أحرق الحجارة فهو أبلغ في أحراق الناس {غِلاظٌ} القلوب {شِدَادٌ} الأبدان.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم} قال ابن عباس بالانتهاء عما نهاكم الله عنه والعمل بطاعته {وأهليكم} يعني مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك، {ناراً وقودها الناس والحجارة} يعني الكبريت، لأنه أشد الأشياء حراً وأسرع إيقاداً {عليها ملائكة} يعني خزنة النار وهم الزبانية {غلاظ} أي فظاظ على أهل النار {شداد} يعني أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً في النار لم يخلق الله الرحمة فيهم {لا يعصون الله ما أمرهم} أي لا يخالفون الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه {ويفعلون ما يؤمرون} أي لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامره والانتقام من أعدائه {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم} أي يقال لهم لا تعتذروا اليوم وذلك حين يعاينون النار وشدتها لأنه قد قدم إليهم الإنذار والإعذار فلا ينفعهم الاعتذار لأنه غير مقبول بعد دخول النار {إنما تجزون ما كنتم تعملون} يعني أن أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} أي ذات نصح تنصح صاحبها بترك العود إلى الذنب الذي تاب منه قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ومعاذ التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقال السن هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على أن لا يعود إليه وقال الكلبي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال سعيد بن المسيب معناه توبة تنصحون بها أنفسكم وقال محمد بن كعب القرظي التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيىء الإخوان. (فصل) وقال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاث شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية؛ والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحاً وإن فقد شرط منها لم تصح توبته فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة المتقدمة والرابع أن يبرأ من حق صاحبها فإن كانت المعصية مالاً ونحوه رده إلى صاحبه وإن كان حد قذف أو نحوه مكنه من نفسه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب العبد من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته من ذلك الذنب وبقي عليه ما لم يتب منه هذا مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة (م) عن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" تفسير : (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"تفسير : ، (ق) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة" تفسير : الحديث (م) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" تفسير : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وقوله تعالى: {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} هذا إطماع من الله تعالى لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلاً وتكرماً لا وجوباً عليه {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} أي لا يعذبهم بدخول النار {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} يعني على الصراط {يقولون ربنا} يعني إذا انطفأ نورا المنافقين {أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} تقدم تفسيره.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...} الآيةُ، {قُواْ} معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: {وَأَهْلِيكُمْ} معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «حديث : رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ]، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ»تفسير : * ت *: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً»تفسير : ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من العباداتِ، والنَّصُوح بناءَ مبالغةٍ من النُّصْحِ، أي: توبة نَصَحَتْ صَاحِبها، وأرْشَدَتْه، وعن عمرَ: التوبةَ النصوحُ: هي أن يتوبَ ثم لا يعودُ ولا يريدُ أن يعودَ، وقال أبو بكر الوَرَّاق، هي أن تَضِيقَ عليكَ الأرْضُ بما رَحُبَتْ كتوبةِ الذين خُلِّفُوا. حديث : ورُوِيَ في معنى قولِه تعالى: «يوم لا يخزي اللَّه النبي» أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَضَرَّعَ مَرَّةً إلى اللَّه ـــ عز وجل ـــ في أمْرِ أُمَّتِهِ، فأوحَى اللَّه إلَيْهِ إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسَابَهُمْ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ أَرْحَمُ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: إذَنْ لاَ أُخْزِيَكَ فِيهِمْ.تفسير : وقولُه تَعَالَى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} يَحْتَمِل: أن يكونَ معطوفاً عَلى النبيِّ فيخرجُ المؤمِنونَ من الخزي، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ مبتدأً، و{نُورُهُمْ يَسْعَىٰ}: جملةٌ هِي خبرُه، وقولهم: {أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} قال الحسنُ بن أبي الحسن: هو عِنْدَما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفَاءِ نورِ المنافقين حَسْبَمَا تقدم تفسيرُه، وقيل: يقوله من أُعْطِي منَ النور بقدر ما يَرَى موضعَ قدميه فقط، وباقي الآية بيَّن مما تقدم في غيرِ هذا الموضع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}. "قُوْا" أمر من الوقاية، فوزنه "عُو"؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، وهذا محمول عليه، واللام حذفت حملاً له على المجزوم؛ لأن أصله "أوقيوا" كـ"اضربوا" فحذفت الواو التي هي فاء لما تقدم، واستثقلت الضمة على الياء، فالتقى ساكنانِ، فحذفت الياء؛ وضم ما قبل الواو لتصح. وهذا تعليل البصريين. ونقل مكي عن الكوفيين: أن الحذف عندهم فرقاً بين المتعدي، والقاصر، فحذفت الواو التي هي فاء في "يَقِي، ويَعِد" لتعديهما، ولم يحذف من "يَوْجَلُ" لقصوره. قال: "ويرد عليهم نحو: يَرمِ، فإنه قاصر، ومع ذلك فقد حذفوا فاءه". قال شهاب الدين: وفي هذا نظر؛ لأن "يَوْجَلُ" لم تقع فيه الواو بين ياء وكسرة لا ظاهرة ولا مضمرة. وقلت: ولا مضمرة، تحرُّزاً من "تَضَع، ويَسَع، ويهب". وقرأ بعضهم: "وأهْلُوكُمْ". وخرجت على العطف على الضَّمير المرفوع بـ"قُوْا"، وجوز ذلك الفصل بالمفعول قال الزمخشريُّ بعد ذكره القراءة وتخريجها: فإن قلت: أليس التقديرُ: "قُوا أنفُسكُمْ وليَقِ أهلوكم أنفسهم"؟. قلت: لا، ولكن المعطوف في التقدير مقارن للواو، و"أنْفُسَكُمْ" واقع بعده، كأنه قيل: قوا أنتم، وأهلوكم أنفسكم، لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب. قوله: "ناراً" مفعول ثانٍ، "وقُودُهَا النَّاسُ" صفة لـ"نَاراً" وكذلك "عَليْهَا مَلائكةٌ"، ويجوز أن يكون الوصف وحده "عَليْهَا"، و"مَلائِكَةٌ" فاعل به، ويجوز أن يكون حالاً لتخصيصها بالصفة الأولى، وكذلك {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ}. وتقدم الخلاف في واو {أية : وَقُودُهَا}تفسير : [البقرة: 24] ضمًّا وفتحاً في "البقرة". فصل في معنى الآية قال الضحاك: المعنى: قو أنفسكم؛ وأهلوكم، فليقوا أنفسهم ناراً. وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر، والدعاء، حتى يقيهم الله بكم. وقال علي - رضي الله عنه - وقتادة ومجاهدٌ: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن العربي: وهو الصحيحُ، والفقهُ الذي يعطيه العطفُ الذي يقتضي التشريك بين المعطوف؛ والمعطوف عليه في معنى الفعل. كقوله: [الرجز] شعر : 4788 - عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ........................ تفسير : وكقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 4789 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا تفسير : فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله صلاح الراعي للرعيَّة. قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسْئُولٌ عن رعيَّتِهِ، فالإمامُ الَّذي على النَّاسِ راعٍ وهُوَ مَسْئُولٌ عَنهُمْ، والرَّجلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتهِ وهُوَ مسْئُولٌ عَنْهُمْ ". تفسير : قال الحسن في هذه الآية: يأمرهم، وينهاهم. وقال بعض العلماء لما قال: "قُو أنفُسَكُمْ": دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه كما دخلوا في قوله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ}تفسير : [النور: 61]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ أحلَّ مَا أكلَ الرَّجلُ من كسْبِهِ، وإنَّ ولدهُ مِنْ كسْبِهِ"تفسير : . فلم يفرد بالذّكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : حَقُّ الولدِ على الوالِدِ، أنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ، ويُعلِّمهُ الكِتابَةَ، ويزَوِّجهُ إذا بلَغَ ". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَا نَحَلَ والدٌ ولَداً أفْضَل مِنْ أدبٍ حسنٍ ". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مُرُوا أبْناءَكُمْ بالصَّلاة لسَبْعٍ؛ واضْربُوهُمْ على تَرْكِهَا لعشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنَهُم في المَضَاجِعِ ". تفسير : قال بعض العلماء: ويخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : رَحِمَ اللَّهُ امْرءاً قَامَ مِنْ اللَّيلِ يُصلِّي، فأيقظَ أهلَهُ، فإنْ لَمْ تَقُم رشَّ على وجهِهِا المَاءَ، ورحِمَ اللَّهُ امْرَأةً قَامَتْ في اللَّيْلِ تُصلِّي، وأيْقَظَتْ زوْجَهَا، فإنْ لم يَقُمْ رشَّتْ على وجْهِهِ المَاء ". تفسير : وذكر القشيريُّ قال: "حديث : فلما نزلت هذه الآية، قال رجلٌ: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟. فقال: "تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمر الله" ". تفسير : وقال مقاتلٌ: ذلك حق عليه في نفسه، وولده، وأهله، وعبيده، وإمائه. قال إلكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين، والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. وهو قوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 132]، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 14]. وتقدم الكلام على قوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} في "البقرة". فصل في مخاطبة الله تعالى للمؤمنين قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - خاطب المشركين في قوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}تفسير : [البقرة: 24]، ثم قال: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟. فالجوابُ: أن الفساق، وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكُفَّار، فإنهم مع الكُفَّار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: "قُوا أنفُسَكُمْ" باجتناب الفسوقِ ومجاورة الذين أعدت لهم هذه النار، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقِّي عن الارتداد. قوله: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ}. يعني الزَّبَانية، غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلقِ، كما حبب لبني آدم الطعام، والشراب "شِدادٌ"، أي: شداد الأبدان وقيل: غلاظ الأقوال شدادُ الأفعالِ. وقيل: "غِلاظٌ" في أخذهم أهل النار "شِدادٌ" عليهم، يقال: فلان شديد على فلان، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. وقيل: أغلاظ أجسامهم ضخمة "شِدادٌ" أي: أقوياء. قال ابن عبَّاس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة. وقال - عليه الصلاة والسلام - في خزنة جهنم: "حديث : مَا بَيْنَ منْكبَيْ أحدهِمْ كَمَا بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْربِ ". تفسير : قوله: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ}. يجوز أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: "مَا أمَرَهُمُوهُ"، والأصل: "بِهِ"، لا يقال: كيف حذف العائد المجرور، ولم يجر الموصول بمثله؟ لأنه يطرد حذف هذا الحرف فلم يحذف إلا منصوباً. وأن تكون مصدرية، ويكون محلها بدلاً من اسم الله بدل اشتمال، كأنه قيل: لا يعصون أمره. وقوله: {وَيَفْعَلُونَ}. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟. قلت: لا؛ لأن الأولى معناها: أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها. والثانية: معناها أنهم يؤدّون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه". وقال القرطبي: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} أي: لا يخالفونه في أمر من زيادة، أو نقصان {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} في وقته لا يقدمونه، ولا يؤخرونه. وقيل: أي: لذتهم في امتثال أمر اللَّهِ، كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة، ذكره بعض المعتزلة، وعندهم أنه يستحيل التكليف غداً، ولا يخفى معتقد أهل الحقِّ في أن الله يكلف العبد اليوم وغداً، ولا ينكر التكليف غداً في حق الملائكةِ، ولله أن يفعل ما يشاء.

البقاعي

تفسير : ولما أبلغ سبحانه في عتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن التسمية إكراماً له صلى الله عليه وسلم وعلم اتصافهن بهذه الصفات العظيمة على سبيل الرسوخ من دوام صحبته صلى الله عليه وسلم لهن ليكن من جملة أزواجه في الجنة وكان اتصافهن بذلك الذي أداهن إلى السعادة العظمى إنما هو بحسن تأديب أوليائهن لهن وإكمال ذلك الأدب بحسن عشرته صلى الله عليه وسلم وتأدبهن بكريم أخلاقه أثمر ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق الكاملة والتأسي بأوليائهن في ذلك ليعرفن حق الله وحق الأزواج فيحصل بذلك صلاح ذات البين المثمرات للخير كله فقال تعالى متبعاً لهذه الموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب {يا أيها} مخاطبة لأدنى الأسنان إشارة إلى أن من فوقهم تأسى من حين دخوله في الإسلام فهو غني عن أمر جديد {الذين آمنوا} أي أقروا بذلك {قوا أنفسكم} أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في أدبه مع الخلق والخالق في لينه لمن يستحق اللين من الخلق تعظيماً للخالق فعاملوه قبل كل شيء بما يعاملكم به من الأدب، وكذا كونوا مع بقية الخلق. ولما كان الإنسان راعياً لأهل بيته مسؤولاً عن رعيته قال تعالى: {وأهليكم} من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم {ناراً} بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أحمد والطبراني عن سعيد بن العاص رضي الله عنه رفعه:"حديث : ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن"تفسير : ولما كانت الأشياء لا تعظم في نفسها وعند المخبر بها إلا بإخباره بما يشتمل عليه من الأوصاف قال: {وقودها} أي الذي توقد به {الناس والحجارة} أي ألين الأشياء وأصلبها، فما بين ذلك هو لها وقود بطريق الأولى. ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبعه وصف القُوَام فقال معبراً بأداة الاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها: {عليها ملائكة} أي يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئاً لتأديب الله لها {غلاظ} أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلها لاستحقاقهم لذلك بعصيانهم الملك الأعلى. ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال: {شداد} أي في كل شيء يحاولونه بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في النار من الكفار سبعين ألفاً. ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم بأهل المعاصي على مقادير استحقاقهم. بين ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر الله تعالى فقال: {لا يعصون الله} أي الملك الأعلى في وقت من الأوقات {ما أمرهم} أي أوقع الأمر لهم به في زمن ما. ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو وقت لنسيان، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما والطيالسي عن ثوبان رضي الله عنه: "حديث : استقيموا ولن تحصوا"تفسير : قال نافياً لذلك عنهم: {ويفعلون} أي مجددين مع كل أمر على سبيل الاستمرار {ما يؤمرون *} أي ما يقع لهم الأمر به في أي وقت كان من غير نقص ما، وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه الله سبحانه وتعالى. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفراً، علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن التقدير: يقولون: {يا أيها الذين كفروا} أي بالإخلال بالأدب في النبي صلى الله عليه وسلم فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر خلقه {لا تعتذروا} أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير {اليوم} فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، وإذا نهى عن المبالغة في الاعتذار لعدم نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى، وهذا قطع لرجائهم وإيجاب لباسهم ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم وإن بالغتم فيه، ولذلك استأنف قوله على سبيل الحصر: {إنما تجزون} أي في هذا اليوم {ما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة والطبع {تعملون *} أي على سبيل الإصرار ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنها عمله، ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم سبحانه أنه بمقدار استحقاقه.

ابو السعود

تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ} بتركِ المعاصِي وفعلِ الطاعاتِ {وَأَهْلِيكُمْ} بأنْ تأخذوهم بما تأخذونَ به أنفسَكُم وقُرِىءَ أهلُوكم عطفاً على واو قُوا فيكونَ أنفسَكُم عبارةً عن أنفسِ الكلِّ على تغليبِ المخاطبـينَ أي قُوا أنتُم وأهلُوكم أنفسكُم {نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} أي ناراً تتقدُ بهمَا اتقادَ غيرِها بالحطبِ وأمرَ المؤمنينَ باتقاءِ هذه النارِ المعدةِ للكافرينَ كما نصَّ عليهِ في سورةِ البقرةِ للمبالغةِ في التحذيرِ {عَلَيْهَا مَلَـٰئِكَةٌ} أي تَلي أمرَها وتعذيبَ أهلِهَا وهم الزبانيةُ {غِلاَظٌ شِدَادٌ} غلاظُ الأقوالِ شدادُ الأفعالِ أو غلاظُ الخُلقِ شدادُ الخَلقِ أقوياءُ على الأفعالِ الشديدةِ {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} أي أمرَهُ على أنَّهُ بدلُ اشتمالٍ من الله أو فيما أمرَهُم بهِ على نزعِ الخافضِ أي لا يمتنعُون من قبولِ الأمرِ ويلتزمونَهُ {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي ويؤدونَ ما يُؤمرونَ بهِ من غيرِ تثاقلٍ ولا توانٍ. وقولُه تعالَى: {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ} مقولٌ لقولٍ قد حُذفَ ثقةٍ بدلالةِ الحالِ عليهِ أي يُقالُ لهِم ذلكَ عند إدخالِ الملائكةِ إياهم النارَ حسبما أُمروا بهِ {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدُّنيا من الكفرِ والمعاصِي بعدَ ما نُهيتُم عنهُما أشدَّ النَّهي وأُمرتم بالإيمانِ والطاعةِ فلا عذرَ لكُم قطعاً. {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} أي بالغةً في النصحِ وُصفتْ التوبةُ بذلكَ على الإسنادِ المجازِي وهو وَصفْ التائبـينَ وهو أنْ ينصحُوا بالتوبةِ أنفسَهُم فيأتُوا بها على طريقتِهَا وذلكَ أن يتوبُوا عن القبائحِ لقُبحِها نادمينَ عليها مغتمينَ أشدَّ الاغتمامِ لارتكابِهَا عازمينَ على أنَّهم لا يعودونَ في قبـيحٍ من القبائحِ موطِّنينَ أنفسَهُم على ذلكَ بحيثُ لا يَلويهم عنه صارفٌ أصلاً. عن عَلي رضيَ الله عنهُ: أنَّ التوبةَ يجمعها ستةُ أشياءٍ: على الماضِي من الذنوبِ الندامةُ وللفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ واستحلالُ الخصومِ وأن تعزمَ على أنْ لا تعودَ وأن تذيبَ نفسكَ في طاعةِ الله كما ربـيتها في المعصية وأن تذيقَها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ. وعن شهرِ بنِ حَوْشَبَ أنْ لا يعودَ ولو حُزِّ بالسيفِ وأُحرقَ بالنَّارِ، وقيلَ نصوحَاً من نصاحةِ الثوبِ أي توبةٌ ترفُو خروقَكَ في دينكَ وترمُّ خللك وقيل خالصةٌ من قولِهم عسلٌ ناصحٌ إذا خلصَ من الشمعِ. ويجوزُ أنْ يرادَ توبةً تنصحُ الناسُ أي تدعُوهم إلى مثلِها لظهورِ أثرِها في صاحبِها واستعمالِه الجدَّ والعزيمةَ في العملِ بمقتضياتِهَا وقُرِىءَ توباً نصوحاً، وقُرِىءَ نُصوحاً وهو مصدرُ نصحَ فإنَّ النُّصحَ والنُّصوحَ كالشكرِ والشُكورِ أي ذاتُ نصوحٍ أو تنصحُ نصوحاً أو توبُوا لنصحِ أنفسِكُم على أنَّه مفعولٌ له {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} ورودُ صيغةِ الإطماعِ للجريِ على سنَنِ الكبرياءِ والإشعارِ بأنَّهُ تَفضُلٌ والتوبةُ غيرُ موجبةٍ له وأن العبدَ ينبغِي أن يكونَ بـين خوفٍ ورجاءٍ وإنْ بالغَ إقامةِ وظائفِ العبادةِ. {يَوْمٌ لاَّ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ} ظرفُ ليدخلَكُمْ {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ} عطفٌ على النبـيِّ وفيهِ تعريضٌ بمن أخزاهُم الله تعالَى من أهلِ الكفرِ والفسوقِ واستحمادٌ إلى المؤمنينَ على أنَّ عصمَهُم من مثلِ حالِهِم وقيلَ هو مبتدأٌ خبرُهُ قولُهُ تعالَى: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ} أيْ على الصراطِ وهو على الأولِ استئنافٌ أو حالٌ وهذا قولُه تعالَى: {يَقُولُونَ} الخ وعلى الثاني خبرٌ آخرُ للموصولِ أي يقولونَ إذا طُفىءَ نورُ المنافقينَ {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} وقيلَ يدعونَ تقرباً إلى الله مع تمامِ نورِهِم وقيلَ تتفاوتُ أنوارُهُم بحسبِ أعمالِهِم فيسألونَ إتمامَهُ تفضُّلاً وقيلَ السابقونَ إلى الجنةِ يمرونَ مثلَ البرقِ على الصراطِ وبعضُهم كالريحِ وبعضُهُم حَبْواً وزحفاً وأولئكَ الذينَ يقولونَ ربنا أتممْ لنا نورَنَا.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}[6] قال: يعني بطاعة الله واتباع السنن.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [الآية: 6]. قال سهل: بطاعة الله واتباع السنن. وقال ابن عطاء: بقبول نصيحة الناصحين. قال أبو عثمان: أمرنا باستماع المواعظ وقبولها والعمل بها. وقال أبو الحسن الوراق: علموهم الفرائض والسنن لتنقذوهم بها من النار. وقال يحيى: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً يا أيها الناس النار التى لو أعدت للحديد لم يقم لها فكيف تطيق الأبدان احتمال عذابها وكيف لها الصبر على أليم عقابها. أهلها فيها لا ينامون ولا فيها حل بهم من المصائب يقرّون ولا يعزون بكلمات ولا يؤذن لهم فيعتذرون. قال القاسم: زينوا أنفسكم بالطاعات واحملوا عليها أهاليكم ليستتروا بها عن النار.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}. أي: فَقَّهوهم، وأَدِّبوهم، وادعوهم إلى طاعة الله، وامنعوهم عن استحقاق العقوبة بإرشادهم وتعليمهم. ودلَّت الآيةُ: على وجوبِ الأمرِ بالمعروف في الدِّين للأقرب فالأقرب. وقيل: أظْهِروا من أنفسكم العبادات ليتعلَّموا منكم، ويعتادوا كعادتكم. ويقال: دلُّوهم على السُّنَّةِ والجماعة. ويقال: عَلِّموهم الأخلاقَ الحِسان. ويقال: مُرُوهم بقبول النصيحة. {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}: الوقود: الحطب. ويقال: أمر الناس يصلح بحجرة أو مَدَرَة، فإن أصل الإنسان مدرة، ولو أنه أقام حَجَرَةٌ مقامَ مَدَرة فلا غروَ من فَضْلِ الله. اللهمَّ فأَلْقِ فيها بَدَلنا حَجَراً وخلِّصْنا منها. قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. إذا فاتَ الوقتُ استفحل الأمرُ، وانغلق البابُ، وسقطت الحِيَلُ.... فالواجبُ البِدارُ والفرارُ لتصل إلى رَوْحِ القَرار. قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. التوبةُ النصوحُ: هي التي لا يَعقُبها نَقْضٌ. ويقال: هي التي لا تراها من نَفْسِك، ولا ترى نجاتَكَ بها، وإنما تراها بربِّك. ويقال: هي أنْ تجدَ المرارةَ في قلبك عند ذكر الزَّلَّة كما كُنْتَ تجد الراحة لنفسِك عند فِعْلِها. قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. لا يُخزِي اللَّهُ النبيَّ بِتَرْكِ شفاعته، والذين آمنوا معه بافتضاحِهم بعد ما قَبِلَ فيهم شفاعته. {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} عبَّر بذلك عن أنَّ الإيمانَ من جميع جهاتهم. ويقال: بأَيمانهم كتابُ نجاتهم: أراد نور توحيدهم ونور معرفتهم ونور إيمانهم، وما يخصُّهم اللَّهُ به من الأنوارِ في ذلك اليوم. {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}: يستديمون التضرُّعَ والابتهالَ في السؤال.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} اى قدسوا انفسكم واهاليكم من محبة الدنيا والاشتغال بها واقبلوا على الله ببذل المهج والصحو اهاليكم كى يكونوا صحالين بمتابعتكم فاذا رغبتم فى الدنيا فهم يشتغلون بها فان زلة الامان زلة المامون قال سهل اى بطاعة الله واتباع السنن وقال ابن عطا بقبول نصيح الناصحين قال الوارق علموهم الفرائض والسنن لتنقذوهم بها من النار قال ابو عثمان فى طلب الحلال لانفسكم ولاهاليكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم} امر من الوقاية بمعنى الحفظ والحماية والصيانة اصله او قيوا كاضربوا والمراد بالنفس هنا ذات الانسان لا النفس الامارة والمعنى احفظوا وبعدوا أنفسكم وبالفارسية نكاه داريد نفسهاى خودرا ودور كنيد. يعنى بترك المعاصى وفعل الطاعت {وأهليكم} بالنصح والتأديب والتعليم اصله أهلين جمع اهل حذفت النون بالاضافة وقد يجمع على اهالى على غير قياس وهو كل من فى عيال الرجل والنفقته من المرأة والولد والأخ والاخت والعم وابنه والخادم ويفسر بالاصحاب ايضا ودلت الآية على وجوب الأمر بالمعروف للأقرب فالأقرب وفى الحديث "حديث : رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم فى الجنة"تفسير : وفى الحديث"حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"تفسير : وهو من الرعاية بمعنى الحفظ يعنى كلكم ملتزم بحفظ ما يطالب به من العدل ان كان وليا ومن عدم الخيانة ان كان موليا عليه وكلكم مسئول عما التزم حفظه يوم القيامة فالامام على الناس راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولد وعبد الرجل راع على مال سيده والكل مسئول وقيل أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل اهله وخص الأهلين بالنصيحة مع ان حكم الاجانب كحكمهم فى ذلك لان الاقارب اولى بالنصيحة لقربهم كما قال تعالى {أية : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}تفسير : وقال تعالى {أية : وانذر عشيرتك الاقربين}تفسير : ولان شرآئط الامر والنهى قد لا توجد فى حق الاجانب بخلاف الاقارب لا سيما الاهل فان الرجل سلطان اهله وقال بعض اهل الاشارة فى الآية طهروا أنفسكم عن دنس محبة الدنيا حتى تكون اهاليكم صالحين بمتابعتكم فاذا رغبتم فى الدنيا فهم يشتغلون بها فان زلة الامام زلة المأمومين وقال القاشانى رحمه الله الأهل بالحقيقة هو الذى بينه وبين الرجل تعلق روحانى واتصال عشقى سوآء اتصل به اتصالا جسمانيا ام لا وكل ما تعلق به تعلقا عشقيا فبالضرورة يكون معه فى الدنيا والآخرة فوجب عليه وقايته وحفظه من النارى كوقاية نفسه فان زكى نفسه عن الهيئات الظلمانية وفيه ميل ومحبة لبعض النفوس المنغمسة فيها لم يزكها بالحقيقة لانه بتلك المحبة ينجذب اليها فيكون معها فى الهاوية محجوبا بها سوآء كانت قواه الطبيعية الداخلة فى تركيبه ام نفوسا انسانية منتكسة فى عالم الطبيعة خارجة عن ذاته ولهذا يجب على الصادق محبة الاصفياء والاولياء ليحشر معهم فان المرء يحشر مع من احب {نارا} نوعا من النار {وقودها} ما يوقد به تلك النار يعنى حطبها وبالفارسية آتش انكيزوى. فالوقود بالفتح اسم لما توقد به النار من الحطب وغيره والوقود بالضم مصدر بمعنى الانقاد وقرئ به بتقدير اسباب وقودها او بالحمل على المبالغة {الناس} كفار الانس والجن وانما لم يذكر الجن ايضا لان المقصود فى الآية تحذير الانس ولان كفار الجن تابعة لكفار الانس لان التكذيب انما صدر اولا من الانس {والحجارة} اى تتقد بها ايضا اتقاد غيرها بالحطب ففيه بيان لغاية احراقها وشدة قوتها فان اتقاد النار بالحجارة مكان الحطب من الشجرة يكون من زيادة حرها ولذلك قال عليه السلام حديث : ناركم جزء من سبعين جزأ من نار جهنم تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى حجارة الكبريت وهى اشد الاشياء حرا اذا اوقد عليها ولها سرعة الاتقاد ونتن الرآئحة وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالابدان فيكون العذاب بها اشد وقيل وقودها الناس اذا صاروا اليها والحجارة قبل أن يصيروا اليها (قال الكاشفى) تابتان سنكين كه كفارمى برستند. دليله قوله تعالى {أية : انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : وقرن الناس بالحجارة لانهم نحتوها واتخذوها اربابا من دون الله يا كنجهاى زروسيم كه منشأ آن سنكست شعر : زدوسيمند سنك زرد وسفيد اندرين سنكها مينداميد دلى ازسنك سختتربايد كه زسمكيش راحت افزايد دل ازين سنك اكرتوبرنكنى سرز حسرت بسى بسنك زنى تفسير : وقيل أراد بالحجارة الذين هم فى صلابتهم عن قبول الحق كالحجارة كمن وصفهم بقوله {أية : فهى كالحجارة او اشد قسوة}تفسير : كما قال فى التأويلات النجمية يا أيها الذينان آمنوا بالايمان العلمى قوا أنفسكم واهليكم من القوى الروحانية نار حجاب البعد والطرد التى يوقدها حطب وجود الناسين ميثاق ألست بربكم قالوا بلى وحجارة قلوبهم القاسية وهم الصفات البشرية الطبيعية الحيوانية البهيمية السبعة الشيطانية انتهى وامر الله المؤمنين باتقاء هذه النار المعدة للكافرين كما نص عليه فى سورة البقرة حيث قال {أية : فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين} تفسير : للمبالغة فى التحذير ولان الفساق وان كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فانهم تبع للكفار فى دار واحد فقيل للذين آمنوا قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مجاورة الذين اعدت لهم هذه النار اصالة ويبعد أن يأمرهم بالتوقى عن الارتداد كما فى التفسير الكبير {عليها} اى على تلك النار العظيمة {ملائكة} تلى امرهم وتعذيب اهلها وهم الزبانية التسعة عشر واعوانهم فليس المراد بعلى الاستعلاء الحسى بل الولاية والقيام والاستيلاء والغلبة على ما فيها من الامور قال القاشانى هى القوى السماوية والملكوتيه الفعالة فى الامور الارضية التى هى روحانيات الكواكب السبعة والبروج الاثنى عشر المشار اليها بالزبانية التسعة عشر وغيرها من المالك الذى هو الطبيعة الجسمانية الموكلة بالعالم السفلى وجميع القوى والملكوت المؤثرة فى الاجسام التى لو تجردت هذه النفوس الانسانية عنها ترقت من مراتبها والصلت بعالم الجبروت وصارت مؤثرة فى هذه القوى الملكونية ولكنها لما انغمست فى الامور البدنية وقرنت أنفسها بالاجرام الهيولانية المعبر عنها بالحجارة صارت متأثرة منها محبوسة فى اسرها معذبة بأيديها {غلاظ} غلاظ القلوب بالفارسية سطبر جكران. جمع غليظ بمعنى خشن خال قلبه عن الشفقة والرحمة {شداد} شداد القوى جمع شديد بمعنى القوى لانهم اقوياء لا يعجزون عن الانتقام من اعدآء الله على ما مروا به وقيل غلاظ الاقوال شداد الافعال اقوياء على الافعال الشديده يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم اذا استرحموا لم يرحموا لانهم خلقوا من الغضب وجبلوا على القهر لا لذة لهم الا فيه فمقتضى جبلتهم تعذيب الخلق بلا مرحمة كما ان مقتضى الحيوان الاكل والشرب ما بين منكبى احدهم مسيرة سنة او كما بين المشرق والمغرب يضرب احدهم بمقمعته ضربة واحدة سبعين ألفا فيهوون فى النار {لا يعصون الله ما امرهم} اى امره فى عقوبة الكفار وغيرها على انه بدل اشتمال من الله وما مصدرية او فيما امرهم به على نزع الخافض وما موصولة اى لا يمتنعون من قبول الامر ويلتزمونه ويعزمون على اتيانه فليست هذه الجملة مع التى بعدها فى معنى واحد (وقال الكاشفى) شعر : برشوت فرفته نشوند تامخالفت امربايد كرد كأعوان ملوك الدنيا يمتنعن بالرشوة تفسير : {ويفعلون ما يؤمرون} اى يؤدون ما يؤمرون به من غير تثاقل وتوان وتأخير وزيادة ونقصان وقال القاضى لا يعصون الله ما امرهم فيما مضى ويستمرون على فعل ما يؤمرون به فى المستقبل قال بعضهم لعل التعبير فى الامر اولا بالماضى مع نفى العصيان بالمستقبل لما ان العصيان وعدمه يكونان بعد الامر وثانيا بالمستقبل لما امرهم بعذاب الاشقياء يكون مرة بعد مرة قال بعض الكبار فى هذه الآية دليل على عصمة جميع الملائكة السماوية وذلك لانهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة فيهم مطيعون بالذات بخلاف البشر والملائكة الارضية الذين لا يصعدون الا السماء فان من الملائكة من لا يصعد من الارض الى السماء ابدا كما ان منهم من لا ينزل من السماء الى الارض ابدا وفيها دليل ايضا على انه لا نهى عند هؤلاء الملائكة فلا عبادة للنهى عندهم ففاتهم اجر ترك المنهيات بخلاف الثقلين وملائكة الارض فانهم جمعوا بين اجر عبادة الامر واجر اجتناب النهى قال الكرمانى فى شرح البخارى ان قلت التروك ايضا عمل لان الاصح ان الترك كف النفس فيحتاج الى النية قلت نعم اذا كان المقصود امتثال امر الشارع وتحصيل الثواب اما فى اسقاط العقاب فلا فالتارك للزنى يحتاج فيه لتحصيل الثواب الى النية وما اشتهر ان التروك لا تحتاج اليها يريدون به فى الاسقاط يعنى لو أريد بالتروك وتحصيل الثواب وامتثال امر الشارع لابد فيها من قصد الترك امتثالا لامر الشارع فتارك الزنى ان قصد تركه امتثال الا مريثات

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا قُو أنفسَكم} أي: نَجُّوها من النار، بترك المعاصي وفعل الطاعات، {وأهليكم} بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، أو بان تُعلِّموهم وتُرشدوهم. قال القشيري: أظهٍروا من أنفسكم الطاعات ليتعلموا منكم ويقتادوا بأفعالكم. هـ. وفي الحديث: "حديث : رحِم الله امرءاً قال: يا أهلاه، صلاتَكم صيامَكم مسْكينَكم، يتيمَكم" تفسير : أي: الزموا ما ينفعكم، فمَن له أهل وأهملهم من التعلُّم والإرشاد عُوتب عليهم، أي: احملوهم على الطاعة، لتَقُوهُمْ {ناراً وقُودُهَا الناسُ والحجارةُ} أي: نوعاً من النار لا تتّقد إلاّ بالناس والحجارة، كما تتّقد غيرها بالحطب. قال ابن عباس: هي حجارة الكبريت، فهي أشد الأشياء حرًّا. {عليها ملائكةٌ} تلي أمرها والتعذيبَ بها، وهي الزبانية، {غِلاظٌ شِدادٌ}؛ غلاظُ الأقوال، شِدادُ الأحوال، أو: غلاظُ الخلْق، شِداد الخُلُق، أقوياءُ على الأفعال الشديدة، لم يخلق اللهُ فيهم رحمة، {لا يَعْصُون اللهَ ما أَمَرَهم} أي: لا يعصون أمره، فهو بدل اشتمال من "الله" أو: فيما أمرهم، على نزع الخافض, {ويفعلون ما يؤمرون} من غير تراخ ولاتثاقل، وليست الجملتان في معنى واحد؛ إذ معنى الأولى: أنهم يمتثلون أمره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يُؤدون ما يُؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوَانون فيه. ويُقال للكفرة يوم القيامة عند دخولهم النار: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليومَ} إذ لا ينفعكم عذركم؛ حيث فرَّطتم في الدنيا، {إِنما تُجْزَون} اليوم {ما كنتم تعملون} في الدنيا من الكفر والمعاصي، بعدما نُهيتُم عنها، وأُمرتم بالإيمان والطاعة، فلا عُذر لكم قطعاً. الإشارة: قُوا أنفسكم نارَ الحجبة والقطيعة، بتخليتها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، ليلحقوا بكم في درجاكم. ونار القطيعة وقودها الناس، أي: عامة الناس والقلوب القاسية، عليها ملائكة غِلاظ شِداد، وهم القواطع القهرية، فمَن كفر بطريق الخصوصية لا ينفعه يوم القيامة اعتذاره، حين يسقط عن درجة المقرَّبين الأبرار وبالله التوفيق. ولمّا حضَّ المتظاهرين على الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة، أمر بها الجميع، إذ لا يخلو أحد من ذنب أو عيب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ {نصوحاً} بضم النون حماد ويحيى الباقون بفتحها، وهما لغتان، وقال قوم: من فتح النون جعله نعتاً للتوبة وحمله على الكثرة. ومن ضمه جعله مصدراً هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين صدقوا بتوحيد الله واخلاص العبادة له وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله يأمرهم بأن يقوا أنفسهم أي يمنعونها، ويمنعون أهليهم ناراً، وانما يمنعون نفوسهم بأن يعملوا الطاعات، ويمنعون أهليهم بأن يدعوهم اليها ويحثوهم على فعلها، وذلك يقتضي أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي ان يكون للأقرب فالاقرب. وقال مجاهد وقتادة: معنى {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصيته. ثم وصف تعالى النار التي حذرهم منها فقال {وقودها الناس والحجارة} قيل حطب تلك النار الناس والحجارة كوقود الكبريت وهو اشد ما يكون من العذاب {عليها ملائكة غلاظ} في الاخلاق وإن كانوا رقاق الاجسام، لان الظاهر من حال الملك انه روحاني فخروجه عن الروحانية كخروجه عن صورة الملائكة {شداد} في القوى {لا يعصون الله ما أمرهم} به. وفي ذلك دلالة على ان الملائكة المؤكلين بالنار وبعقاب العصاة معصومون عن فعل القبيح لا يخالفون الله في أمره ويمتثلون كل ما يأمرهم به، وعمومه يقتضي انهم لا يعصونه في صغيرة ولا كبيرة. وقال الرماني: لا يجوز أن يعصي الملك في صغيرة ولا كبيرة لتمسكه بما يدعو اليه العقل دون الطبع. وكل من تمسك بما يدعو اليه العقل دون الطبع، فانه لا يقع منه قبيح. وقد اختارهم الله على ما في المعلوم منهم وقيل: هم غلاظ شداد يعذبون على قدر قواهم بأنواع العذاب. وقال الجبائي قوله {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} يعني - في دار الدنيا - لان الآخرة ليست دار تكليف. وإنما هي دار جزاء. وإنما أمرهم الله بتعذيب اهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة. ثم حكى ما يقال للكفار يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول {يا أيها الذين كفروا} نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا يستحقها، وكذبوا أنبيائي ورسلي {لا تعتذروا اليوم} فان اليوم دار جزاء لا دار توبة واعتذار {إنما تجزون} على قدر {ما كنتم تعملون} في الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم، وعلى المعاصي بالعقاب ودخول النار، وانتم مستحقون لذلك. ثم عاد إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله} من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته {توبة نصوحاً} أي توبة خالصة لوجه الله. فمن قرأ - بضم النون - وهو أبو بكر عن عاصم أراد المصدر، ومن فتح النون جعله صفة للتوبة ونعتاً لها. والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الانسان نفسه باخلاص الندم مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح. وقوله {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم} معناه متى تبتم توبة نصوحاً كفر الله عنكم سيئاتكم، وغفر لكم فان {عسى} من الله واجبة {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} مضافاً إلى تكفير السيئآت والعفو عنها {يوم لا يخزي الله النبي} ولا يخزي {الذين آمنوا معه} أي لا يذلهم ولا يعاقبهم بل يعزهم بادخال الجنة. ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين معه فقال {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} قال ابن عباس: معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى {يقولون ربنا} في موضع الحال، وتقديره قائلين {ربنا أتمم لنا نورنا} قال: يقول ذلك المؤمنون حين يطفئ نور المنافقين ويبقون فى الظلمة فيسأل المؤمنون حينئذ إتمام نورهم {واغفر لنا} أي استر علينا معاصينا ولا تهلكنا بها {إنك على كل شيء قدير} لا يعجزك شيء. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} قيل: معناه جاهد الكفار بالقتال والحرب، والمنافقين بالقول الذي يردع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود، فلذلك سماه جهاداً. وفي قراءة اهل البيت {جاهد الكفار بالمنافقين} لأنه صلى الله عليه وآله كان يجاهد الكفار وفي عسكره جماعة من المنافقين يقاتلون معه. وقوله {واغلظ عليهم} أي اشدد عليهم. قال الحسن: اكثر من كان يصيب الحدود فى ذلك الزمان المنافقون. فأمر الله أن يغلظ عليهم فى إقامة الحدود. ثم قال {ومأواهم} يعني مأوى الكفار والمنافقين ومستقرهم {جهنم وبئس المصير} لما فيها من أنواع العقاب. وقوله {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} قال ابن عباس: كانت امرأة نوح وأمرأة لوط منافقتين {فخانتاهما} قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة، تقول للناس انه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما لهما، وما زنت امرأة نبي قط، لما فى ذلك من التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، فمن نسب أحداً من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطاء عظيماً، وليس ذلك قولا لمحصل. ثم قال {فلم يغنيا عنهما} أي لم يغن نوح ولوط عن المرأتين {من الله شيئاً} أي لم ينجياهما من عقاب الله وعذابه {وقيل} لهما يوم القيامة {ادخلا النار مع الداخلين} من الكفار. وقال الفراء: هذا مثل ضربه الله تعالى لعائشة وحفصة، وبين انه لا يغنيهما ولا ينفعهما مكانهما من رسول الله إن لم يطيعا الله ورسوله، ويمتثلا أمرهما، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط كونهما تحت نبيين. وفي ذلك زجر لهما عن المعاصي وامر لهما أن يكونا كآسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران فى طاعتهما لله تعالى وإمتثال أمره ونهيه.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة النّبويّة، او بالبيعة الخاصّة الولويّة {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} وقاية الشّخص لنفسه من النّار بحفظه لها عن اتّباع الشّهوات والغضبات والحيل الشّيطانيّة، ووقايته لاهليه بأمرهم بالمعروف وتعليمه لهم ونهيهم عن المنكر وتعليمه لهم وترغيبهم فى الخيرات وتحذيرهم عن الشّرور واعلامهم بما هو غاية الغايات ونهاية النّهايات من الولاية واتّباع ولىّ الامر، عن الصّادق (ع): لمّا نزلت هذه الآية جلس رجل من المسلمين يبكى وقال: عجزت عن نفسى كُلِّفت اهلى، فقال رسول الله (ص): "حديث : حسبك ان تأمرهم بما تأمر به نفسك وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك"تفسير : ، وبهذا المضمون ورد عنهم اخبارٌ كثيرةٌ {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وهو حال او مستأنفٌ بتقدير القول من الملائكة او من الله.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} أي: بطاعة الله ناراً. قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا، فكيف نقي أهلينا. قال: تأمرونهم بطاعة الله. قوله عز وجل: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} أي: حطبها الناس والحجارة، أي: تأكل الناس وتأكل الحجارة في تفسير الحسن، وهي حجارة من كبريت أحمر. قال عز وجل: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} أي: على أعداء الله. قال أبو العوام: الملك منهم في يده مرزبة من حديد لها شعبتان يضرب بها الضربة فيهوى بها سبعين ألفاً. {لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

اطفيش

تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسِكُمْ} بامتثال ما امرتم به واجتناب ما نهيتهم عنه واجعلوا ذلك وقاية لك. {وَأَهْلِيكُمْ} بالنصح والتأديب والحمل على الخير وفي الحديث "حديث : رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معكم في الجنة"تفسير : وذكر ان أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل اهله، بتشديد الهاء أي أوقعهم في الجهل بان منعهم من التعلم أو لم يعلمهم وقرىء واهلوكم عطفا على واو قوا والوجود الفصل وعليه فالانفس انفس المخاطبين واهلهم والخطاب في انفسكم شامل للاهل تغلبا له على الغيبة. {نَاراً} مفعول ثاني لقوا {وَقُودُهَا} أي ما تتقد به اتقاد غيرها بالحطب وقرىء وقودها بضم الواو على المصدرية بمعنى اسم معفول أو بتقدير مضاف أي ذو وقودها. {النَّاسُ وَالحِجَارَةُ} التي اتخذت اصناما وحجارة الكبريت لانها أشد اتقاداً وحراً وحجارة غير ذلك يعلمها الله. {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ} قولا {شِدَادٌ} فعلا أو غلاظ الخلق اقوياء على الافعال الشديدة يدفع الواحد منهم سبعين الفاً دفعة واحدة في النار لم يخلق الله الرحمة فيهم وهم الزبانية التسعة عشرا واعوانهم اعاذنا الله من الجميع ببركة بسم الله الرحمن الرحيم وفيهم اقصى الخشونة لا تأخذهم رأفة في انفاذ امر الله والغضب له. {لا يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ} في الماضي اولا يمتنعون عن قبول الاوامر والتزامها. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} في المستقبل أو يؤدونه ولا يتوانون عنه وفي الحديث "حديث : أذن الله لي ان أتحدث من ملك من الملائكة ان مابين شحمة اذنه وعاتقه لخفقان الطائر سبعين عاما"تفسير : وما في الموضعين مصدرية والمصدر في الاول بدل من اسم الجلالة وفي الثاني مفعول يفعلون أو اسم فيهما وحذف والعائد شذوذ أي به وان قدر ما امرهم الله اياه ويؤمرونه على تعدية امر لمفعول ثان مقيد لم يكن شذوذا والنار اعدت للكافرين ولكن خاطب المسلمين بتوقي مساكنة الذين أعدت لهم هذه النار باجتناب الفسق أو أمرهم بالتقوى عن الارتداد والندم على الدخول في الاسلام أو الخطاب للمنافقين فآمنوا بمعنى اقروا ويدل له قوله تعالى.

اطفيش

تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} نوعا عظيما من النار لا ضوء له وهو نار الآخرة ونعتها بقوله {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} الذى تتقد به الناس والحجارة كما تتقد نار الدنيا بالحطب، وكما تتقد فى هذا العصر حجارة بالنار لإِجراء السفن ونحوها ولمصالح غير الإِجراء ويسمونها الفحم الحجرى، وازدادت على نار الدنيا أنها كما تشتعل فحجارتها تشتعل بأَبدان داخليها من الناس والجن، ولم يذكر الجن لأَنهم تبع للناس، أو أراد بالناس ما يشملهم، ووقاية النفس أداء الفرائض وترك المعاصى، وإِن شئت فأَداء الفرائض لأَن ترك المعاصى فريضة، وإِن شئت فترك المعاصى لأَن ترك الفرائض معصية، ومعنى وقاية الأَهل نهى الأَولاد والأَزواج والمماليك واللقيط ومن قام عليه الإِنسان بنحو استخلاف عن فعل المعصية وترك الفرائض وتعليمهم التوحيد وعلم ما يجب علمه والأَدب، وعنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنَّ من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله"تفسير : ، قال عمر يا رسول الله نقى أنفسنا فكيف لنا بأَهلينا فقال تنهوهم عما نهاكم الله وتأَمروهم بما أمركم الله فيكون ذلك وقاية بينهم وبين النار، ويروى هن مكان هم فى ذلك كله فإِما لدخول الأَولاد فى الأَنفس كما قال بعض فى الآية وإِما للعلم بالقياس عليهن، والنهى من باب أولى قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم" تفسير : . {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} الجملة نعت آخر وهم الزبانية التسعة عشر وأعوانهم أو التسعة عشر تسعة عشر نوعاً لا فرداً، ويروى ما بين منكبى أحدهم مسيرة مائة عام، فإِن كان هذا الطول حقا من الحديث آمنا به وإِن كان كذبا فما الداعى إِليه، وقد كان يكفى أن يكون كالآدمى يقويه الله أن يضرب جبلاً، أو يجعله دكاً تسفيه الرياح، وليس ذلك الكذب يزيد خشوعا، ولو كان النارى يكبر حتى أن سنه كجبل أُحد، ونؤمن بملائكة النار هكذا إِجمالا وبغلظهم وشدتهم هكذا وأنهم خلقوا للتعذيب يضرب النارى فيصير كله طحناً. {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ} هذا لنفى العناد والاستكبار عنهم كقوله تعالى "أية : لا يستكبرون عن عبادته"تفسير : [الأعراف: 206، الأنبياء: 19]، ولإِثبات القبول باطناً فإِن العصيان صفة الباطن، الجملة نعت ثالث لملائكة وما مصدرية والمصدر بدل من لفظ الجلالة بدل اشتمال هكذا نقول اصطلاحاً، أى لا يعصون أمره كقوله تعالى {أية : أفعصيت أمري} تفسير : [طه: 93] فأَوقع المعصية على الأَمر، ولا حاجة إِلى تقدير فى أمره أو فى ما أمرهم به بتقدير (ما) اسما وتقدير فى والروابط. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ} نعت رابع بواسطة العطف، أى يفعلون أمره أى يتبعونه ولا يخالفونه، ضد عصوا أمره، وقدر بعض ما يؤمرون به على أن (ما) اسم والرابط مجرور مقدر للعلم به ولو لم تف شروطه، وهذه الجملة لنفى الكسل والتثاقل كقوله تعالى {أية : ولاَ يَسْتَحسرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 19 - 20] فلا تتكرر مع الجملة قبله التى لنفى العناد، والمضارع فيهما للتجدد والاستمرار، أو لا يعصون الله فيما مضى والمضارع لحكاية الحال، ويفعلون ما يؤمرون للتجدد والاستمرار فى المستقبل، وكل زمان له ماض يحكى ومستقبل يتجدد وذلك من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرر أولهما مفهوم الثانى ويقرر الثانى مفهوم الأَول مبالغة فى أنهم لا يقصرون عما كلفوه من أمر أهل النار {يَا أيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} مقول لقول مستأنف أو لقول حال من واو يؤمرون، يقولون ذلك للكفار عند إِدخال النار، والحال محكية والفعل لما يؤمرون بعد الإِدخال، وإِن كان حال التعذيب فمقارنة، (وال) فى اليوم للعهد الحضورى، وإِنما نهوهم عن الاعتذار لأَنه لا عذر لهم، ولأَنه لا ينفعهم، ويجوز أن يكون المقول المقدر حالياً لا قالياً أى يعذبونهم عذاب من لا عذر لهم، وما كانوا يعملون هو ترك ما فرض أو ندب إِليه، وفعل ما حرم أو كره، كذا قيل وفيه أنه لا يتعلق عقاب بالمندوب إِليه تركاً ولا بالمكروه فعلاً.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } أي نوعاً من النار {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب، ووقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ووقاية الأهل بحملهم على ذلك بالنصح والتأديب، وروي " حديث : أن عمر قال حين نزلت: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تنهوهن عما نهاكم الله عنه وتأمروهن بما أمركم الله به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار » تفسير : . وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم. والمراد بالأهل على ما قيل: ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأمة. واستدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بعض من أبيه، وفي الحديث « حديث : رحم الله رجلاً قال: يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معه في الجنة »تفسير : ، وقيل: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله. وقرىء ـ وأهلوكم ـ بالواو وهو عطف على الضمير في {قُواْ } وحسن العطف للفصل بالمفعول، والتقدير عند بعض: وليق أهلوكم أنفسهم ولم يرتضه الزمخشري، وذكر ما حاصله أن الأصل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم وأنفسهم بأن يقي ويحفظ كل منكم ومنهم نفسه عما يوبقها، فقدم أنفسكم، وجعل الضمير المضاف إليه الأنفس مشتملاً على الأهلين تغليباً فشملهم الخطاب، وكذا اعتبر التغليب في {قُواْ }، وفيه / تقليل للحذف وإيثار العطف المفرد الذي هو الأصل والتغليب الذي نكتته الدلالة على الأصالة والتبعية. وقرأ الحسن ومجاهد {وقودها } بضم الواو أي ذو وقودها، وتمام الكلام في هذه الآية يعلم مما مر في سورة البقرة {عَلَيْهَا مَلَٰئِكَةٌ } أي إنهم موكلون عليها يلون أمرها وتعذيب أهلها وهم الزبانية التسعة عشر قيل: وأعوانهم {غِلاَظٌ شِدَادٌ } غلاظ الأقوال شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة، أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن أبـي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكبـي أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه. {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } صفة أخرى ـ لملائكة ـ و {مَا } في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره تعالى كقوله تعالى: { أية : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } تفسير : [طه: 93] أو على إسقاط الجار أي لا يعصون فيما أمرهم به {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي الذي يأمرهم عز وجل به. والجملة الأولى لنفي المعاندة والاستكبار عنهم صلوات الله تعالى عليهم فهي كقوله تعالى: { أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19]، والثانية لإثبات الكياسة لهم ونفي الكسل عنهم فهي كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ }تفسير : [الأنبياء: 19] إلى { أية : لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20]، وبعبارة أخرى إن الأولى لبيان القبول باطناً فإن العصيان أصله المنع والإباء، وعصيان الأمر صفة الباطن بالحقيقة لأن الإتيان بالمأمور إنما يعدّ طاعة إذا كان بقصد الامتثال فإذا نفي العصيان عنهم دل على قبولهم وعدم إبائهم باطناً، والثانية لأداء المأمور به من غير تثاقل وتوان على ما يشعر به الاستمرار المستفاد من {يَفْعَلُونَ } فلا تكرار، وفي «المحصول» {لاَّ يَعْصُونَ } فيما مضى - على أن المضارع لحكاية الحال الماضية - {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } في الآتي. وجوز أن يكون ذلك من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس مبالغة في أنهم لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله عز وجل والغضب له سبحانه.

ابن عاشور

تفسير : كانت موعظة نساء النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة لتنبيه المؤمنين لعدم الغفلة عن موعظة أنفسهم وموعظة أهليهم وأن لا يصدّهم استبقاء الودّ بينهم عن إسداء النصح لهم وإن كان في ذلك بعض الأذى. وهذا نداء ثان موجه إلى المؤمنين بعد استيفاء المقصود من النداء الأول نداءِ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك}تفسير : [التحريم: 1]. وجه الخطاب إلى المؤمنين ليأتنسوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أهليهم. وعبر عن الموعظة والتحذير بالوقاية من النار على سبيل المجاز لأن الموعظة سبب في تجنب ما يفضي إلى عذاب النار أو على سبيل الاستعارة بتشبيه الموعظة بالوقاية من النار على وجه المبالغة في الموعظة. وتنكير «نار» للتعظيم وأجرى عليها وصف بجملة {وقودها الناس والحجارة} زيادة في التحذير لئلا يكونوا من وقود النار. وتذكيراً بحال المشركين الذي في قوله تعالى: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حَصبُ جهنم}تفسير : في سورة [الأنبياء: 98]. وتفظيعاً للنار إذ يكون الحجر عِوضاً لها عن الحَطب. ووصفت النار بهذه الجملة لأن مضمون هذه الجملة قد تقرر في علم المسلمين من قبل نزول هذه الآية بما تقدم في سورة [البقرة: 24] من قوله تعالى:{أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}تفسير : وبما تقدمهما معاً من قوله: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : في سورة [الأنبياء: 98]. {والحجارة}: جمع الحجر على غير قياس فإن قياسه أحجار فجمعوه على حِجارٍ بوزن فِعال وألحقوا به هاء التأنيث كما قالوا: بِكارة جمع بَكر، ومِهارة جمع مُهْر. وزيد في تهويل النار بأنَّ عليها ملائكة غلاظاً شداداً وجملة {عليها ملائكة} إلى آخرها صفة ثانية. ومعنى {عليها} أنهم موكلون بها. فالاستعلاء المفاد من حرف (على) مستعار للتمكن كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وفي الحديث «حديث : فلم يكن على بابه بوّابون»تفسير : . و{غلاظ} جمع غليظ وهو المتصف بالغلظة. وهي صفة مشبهة وفعلها مِثل كَرُم. وهي هنا مستعارة لقساوة المعاملة كقوله تعالى: {أية : ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}تفسير : [آل عمران: 159] أي لو كنت قاسياً لما عاشروك. و«شداد»: جمع شديد. والشدة بكسر الشين حقيقتها قوة العمل المؤذي والموصوف بها شديد. والمعنى: أنهم أقوياء في معاملة أهل النار الذين وكلوا بهم: يقال: اشتدّ فلان على فلان، أي أساء معاملته، ويقال: اشتدّت الحرب، واشتدت البأساء. والشدة من أسماء البؤس والجوع والقحط. وجملة {لا يعصون الله ما أمرهم} ثناء عليهم أعقب به وصفهم بأنهم غلاظ شداد تعديلاً لما تقتضيانه من كراهية نفوس الناس إياهم، وهذا مؤذن بأنهم مأمورون بالغلظة والشدة في تعذيب أهل النار. وأما قوله: {ويفعلون ما يؤمرون} فهو تصريح بمفهوم {لا يعصون الله ما أمرهم} دعا إليه مقام الإِطناب في الثناء عليهم، مع ما في هذا التصريح من استحضار الصورة البديعة في امتثالهم لما يؤمرون به. وقد عُطف هذا التأكيد عطفاً يقتضي المغايرة تنويهاً بهذه الفضيلة لأن فعل المأمور أوضح في الطاعة من عدم العصيان واعتبار لمغايرة المعنيين وإن كان قالهما واحد ولك أن تجعل مرجع {لا يعصون الله ما أمرهم} أنهم لا يعصون فيما يكلفون به من أعمالهم الخاصة بهم، ومرجع {ويفعلون ما يؤمرون} إلى ما كلفوا بعمله في العصاة في جهنم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قوا أنفسكم وأهليكم: أي اجعلوا لها وقاية بطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم. ناراً وقودها الناس والحجارة: أي توقد بالكفار والأصنام التي تعبد من دون الله، لا بالحطب ونحوه. لا تعتذروا اليوم: أي لأنه لا ينفعكم اعتذار، يقال لهم هذا عند دخولهم النار. توبة نصوحا: أي توبة صادقة بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يراد العود إليه. يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا: أي بإدخالهم النار. يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم: أي أمامهم ومن كل جهاتهم على قدر أعمالهم. ربنا أتمم لنا نورنا: أي إلى الجنة، لأن المنافقين ينطفيء نورهم. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} هذا نداء الله إلى عباده المؤمنين يعظهم وينصح لهم فيه أن يقوا أنفسهم وأهليهم من زوجة وولد، ناراً عظيمة، وقودها أي ما توقد به الناس من المشركين والحجارة التي هي أصنامهم التي كانوا يعبدونها يقون أنفسهم بطاعة الله ورسوله تلك الطاعة التي تزكي أنفسهم وتؤهلهم لدخول الجنة بعد النجاة من النار. وقوله تعالى {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي على النار قائمون عليها وهم الخزنة التسعة عشرة غلاظ القلوب والطباع شداد البطش إذا بطشوا ولا يعصون الله أي لا يخالفون أمره، وينتهون إلى ما يأمرهم به وهو معنى ويفعلون ما يؤمرون. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ} هذا يقال لأهل النار ينادون ليقال لهم: لا تعتذروا اليوم حيث لا ينفع الاعتذار. وإنما تجزون ما كنتم تعملون الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} هذا هو النداء الثاني الذي ينادي فيه الله تعالى عباده المؤمنين يأمرهم فيه بالتوبة العاجلة النصوح التي لا يعود صاحبها إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ويعدهم ويبشرهم يعدهم بتكفير سيئآتهم، يبشرهم بالجنة دار النعيم المقيم فيقول {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ} أي بعد ذلك {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} أي بإدخالهم الجنة. وقوله تعالى {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} أي وهم مجتازون الصراط يسألون ربهم أن يبقي لهم نورهم لا يقطعه عنهم حتى يجتازوا الصراط وينجوا من السقوط في جهنم كما يسألونه أن يغفر لهم ذنوبهم التي قد يُردُّون بها إلى النار بعد اجتياز الصراط. وقولهم: إنك على كل شيء قدير هذا توسل منهم لقبول دعائهم حيث توسلوا بصفة القوة والقدرة لله تعالى فقالوا إنك على كل شيء قدير فأتمم لنا نورنا واغفر لنا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب العناية بالزوجة والأولاد وتربيتهم وأمرهم بطاعة الله ورسوله ونهيهم عن ترك ذلك. 2- وجوب التوبة الفورية على كل من أذنب من المؤمنين والمؤمنات وهي الإِقلاع من الذنب فوراً أي تركه والتخلي عنه، ثم العزم على أن لا يعود إليه في صدق، ثم ملازمة الندم والاستغفار كلما ذكر ذنبه استغفر ربه وندم على فعله وإن كان الذنب متعلقاً بحق آدمي كأخذ ماله أو ضرب جسمه أو انتهاك عرضه وجب التحلل منه حتى يعفو ويسامح.

القطان

تفسير : قُوا أنفسكم: احفظوها، واجعلوا لها وقاية من النار بترك المعاصي. الوقود: حطب النار وكل ما توقد به. الحجارة: الاصنام التي تعبد من دون الله. غلاظ: شديدون لا يرحمون. توبة نصوحا: توبة خالصة. واغلُظ عليهم: شدد عليهم. مأواهم جهنم: مكانهم يوم القيامة جهنم. بعد ان عالجت الآياتُ السابقة ما يجري في بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعاتَبَ الله تعالى الرسولَ الكريم على تحريمه بعضَ ما أحلّ الله له، كما شدّد على نسائه أن يلتزمن الطاعةَ والتوبة والإخلاصَ للرسول الكريم - بيّن هنا للمؤمنين عامةً أن يحفظوا أنفسَهم وأهلِيهم من النار بالتزامِ طاعةِ الله ورسوله، تلك النار التي سيكون وقودُها يومَ القيامة العصاةَ من الناس والحجارةَ التي كانت تُعبَد من دونِ الله كما قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98]، ويقومُ على أمر هذه النار ملائكةٌ شديدون، يفعلون ما يُؤمرون. وفي ذلك اليومِ العصيب يُقال لِلّذين كفروا بربّهم وبرسالة رسوله الكريم: لا تعتذِروا اليوم فقد فاتَ الأوان، وانما تَلقَون جزاءَ ما عملتم في الدنيا. ثم أمر المؤمنين أن يتوبوا الى الله ويرجعوا إليه بإخلاص، عسى الله أن يمحُوَ عنهم سيئاتِهم ويدخلَهم جناتٍ تجري من تحتِ قصورها وأشجارِها الأنهار. وفي ذلك اليوم يرفعُ الله شأنَ النبيّ والذين آمنوا معه، نورُهم يسعى بين أيدِيهم حينَ يمشون، وبأيمانِهم حين الحساب... حيث يتناولون كُتبَهم بأيمانهم وفيه نورٌ وخير لهم. ويسألون ربّهم بقولهم: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. اللهم أجبْ دعاءنا ولا تخيّب رجاءنا. ثم بعد الأمرِ النَّصوحِ والرجوع إليه - أمر رسولَه بالجهاد في سبيل الدعوة فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. يا أيّها النبيّ: جاهِدِ الكفارَ الذين أعلنوا كفرهم والمنافقين الّذين أبطنوه، بكلّ وسيلةٍ من قوةٍ وحجّة، و اشتدَّ على الفريقين في جهادك، ان منازلَهم يوم القيامة في جهنّم وبئس المسكنُ والمأوى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {مَلاَئِكَةٌ} (6) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَاتَّقُوا مَعْصِيَتَهُ، وَأمُرُوا أَهْلَكُمْ بِالذّكْرِ والتَّقْوَى، وَعَلِّمُوهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِمْ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأمُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللهِ لِتُنقِذُوهُمْ وَأَنْفُسَكُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، التِي يَكُونُ وَقُودُهَا النَّاسُ مِنَ الكَفَرَةِ، وَالحِجَارَةُ، وَتَقُومُ عَلَيهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَشِدَّاءُ َعَلَيهِمْ، لاَ يُخَالِفُونَ رَبَّهُمْ فِي أَمْرٍ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ. قوا أَنْفُسَكُمْ - جَنِّبُوا أَنْفُسَكُم النَّارَ بِطَاعَةِ اللهِ. غِلاَظٌ شِدَادٌ - قُسَاةٌ أَقْوِيَاءُ - وَهُمُ الزَّبَانِيَةُ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [وَأَهْلِيكُمْ]} معناه امنعُوها أَنفسكم. وعلموا أَهاليكُم وأَولادُكُم وادبُوهم.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أوصى سبحانه لعموم المؤمنين ما يصلح لهم، ويليق بحالهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عليكم حفظ النفس عن مطلق المهالك الدينية {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} عن ارتكاب المعاصي، والالتفات نحو المنكرات، والتوجه نحو المحظورات {وَأَهْلِيكُمْ} إي: من في حفظكم وحضانتكم من أزواجكم وأولادكم عن الوقوع في المهالك والفتن، وأنواع الآثام الموجبة للخذلان والحرمان، وبالجملة: اتقوا {نَاراً} وأيّ نار، ناراً {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} أي: ما يتقد به النار أجسام الأنام والحجارة؛ وذلك من شدة حرارتها وإحراقها، بخلاف سائر النيران فإن وقودها الحطب. ومع ذلك يوكل {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ} يوقدونها، وهم الزبانية، صفتهم: إنهم {غِلاَظٌ} في أقوالهم وهياكلهم، لا يتأتى منهم الملاينة والملاطفة أصلاً {شِدَادٌ} في البطش وعموم التعذيب {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ} ولا يتجاوزون عن أمره سبحانه في عموم أوامره، بل يمضونها على الوجه المأمور بلا فوت شيء منها بعذر وشفاعة، أو شفقة أو مروءة، بل يفعلون {مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] على وجهه خوفاً من غيرته سبحانه وغضبه. وبعدما نادى سبحانه عموم المؤمنين بما نادى، نادى أيضاً عموم الكافرين على مقتضى المقابلة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وكذَّبوا رسله المبعوثين إليكم؛ ليرشدوكم إلى سبيل الهداية والسلامة، فأنكرتم بهم وبجميع ما جاءوا به بلا تأمل وتوقف، عليكم أن {لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ} بأن أعمالكم دون عذابكم وأنقص منه، بل {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ} من العذاب على مقتضى {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التحريم: 7] من الكفر والإنكار. ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق من شأن إيمانكم تطهير قلوبكم عن مطلق المعاصي والآثام المنافية لصرافة وحدة الذات، ولا يتيسر لكم هذا إلاَّ بالتوبة والرجوع على وجه الندم والإخلاص {تُوبُوۤاْ} أيها المخلصون المبتلون بقتنة الذنوب {إِلَى ٱللَّهِ} الملك القدوس، المنزه ساحة عز حضوره عن سمة الحدوث والإمكان مطلقاً {تَوْبَةً نَّصُوحاً} خالصة لوجه الله، قالعة لعرض الالتفات إلى غير الله، نادمة على الذنوب الصادرة عنكم فيما مضى، مجتنبة عن التي سيأتي، مصفية للنفس عن مطلق الكدورات المتعلقة بالغير، محلية لها بالتقوى عن مطلق الرذائل العائقة عن التوجه الخالص نحو المولى. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ} بعدما تبتم ورجعتم نحوه بكمال التبتل والإخلاص {أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ويعفو عنكم، ولم ينتقم منكم {وَيُدْخِلَكُمْ} تفضلاً عليكم، وإحساناً {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والدين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار المعارف والحقائق المتجددة، الجارية من أزل اللذات إلى أبد الأسماء والصفات. وكيف لا يكفِّر، ولا يدخل سبحانه خلَّص عباده في جنة وحدته {يَوْمَ لاَ يُخْزِى} ولا يُرى {ٱللَّهُ} المنعم المفضل على خلَّص عباده، سيما {ٱلنَّبِيَّ} المؤيَّد من عنده بأنواع الكرامة والتعظيم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} واهتدوا بهدايته، مع أن شأنهم هكذا {نُورُهُمْ} الذي اقتبسوه من مشكاة النبوة المصطفوية {يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} أي: محيطاً بهم، محفوفاً عليهم وقت عبورهم من الصراط؟! ثمَّ لمَّا تفاوتت أنوارهم بحسب الجلاء والخفاء المترتب على أعمالهم واستعداداتهم الفطرية {يَقُولُونَ} مناجين: {رَبَّنَآ} يا من ربَّانا على الهداية والرشاد {أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} تفضلاً علينا، ومزيد إحسان بنا {وَٱغْفِرْ لَنَآ} ذنوبنا؛ أي: استر أنانيتنا عن عيوب بصائرنا {إِنَّكَ} بمقتضى جودك {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} يدخل في حيطة علمك وإرادتك {قَدِيرٌ} [التحريم: 8]. ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المبعوث؛ لإعلاء كلمة التوحيد {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} الذين سرتوا بكغيوم هوياتهم الباطلة شمس الحق، وأنكروا وجودها عناداً ومكابرةً، وقاتل معهم بلا مبالاة بشوكتهم، وكثرة عَددهم وعُددهم، هم {وَٱلْمُنَافِقِينَ} أيضاً، مع أنك مؤيَّد من لدنا بالحجج القاطعة، والبينات الساطعة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} بالأقوال والأفعال، ولا تكن معهم بعد اليوم، مثل ملاينتك معهم قبله، بل اشدد عليهم، فإن الله معينك وناصرك، وهم سيغلبون عن قريب في الدنيا {وَ} في الآخرة {مَأْوَاهُمْ} المعدّ لهم {جَهَنَّمُ} البعد والحرمان، وسعير الطرد والخذلان {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التحريم: 9] مصيرهم ومورجعهم جنهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يا من من الله عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه. فـ { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله، والقيام بأمره امتثالا ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل [والأولاد]، بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه. ووصف الله النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال: { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } كما قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }. تفسير : { عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ } أي: غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر الله، الذي حتم عليهم العذاب وأوجب عليهم شدة العقاب، { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وهذا فيه أيضًا مدح للملائكة الكرام، وانقيادهم لأمر الله، وطاعتهم له في كل ما أمرهم به.

همام الصنعاني

تفسير : 3254- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}: [الآية: 6]، قال: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله". 3255- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصور، عن رَجُلٍ، عن علي في قوله تعالى: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}: [الآية : 6]، قال عليّ بن أبي طالب: عَلِّموا أنفسكم وأهلِيكُم الخَيْرَ".