٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الاسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذبا بقدر. واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الحجة الأولى: هذه الآية، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر. الحجة الثانية: قوله تعالى: {أية : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } تفسير : [القمر: 53] وقوله: {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. الحجة الثالثة: ان الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله: [حديث : الكبائر:الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس]تفسير : وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {أية : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ }تفسير : [الحجرات: 7] وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر، وثانيها: الفسوق. وثالثها: العصيان، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان. واحتج ابن عباس بوجهين: أحدهما: كثرة نعم من عصى. والثاني: إجلال من عصى، فان اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية، كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة. والجواب من وجهين: الأول: كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب. الثاني: هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب، ولكن بعضها أكبر من بعض، وذلك يوجب التفاوت. إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر، فالقائلون بذلك فريقان: منهم من قال: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها، ومنهم من قال: هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها، بل بحسب حال فاعليها، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين. أما القول الأول: فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديداً، ونحن نشير إلى بعضها، فالأول: قال ابن عباس: كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف. الثاني: قال ابن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31]الثالث: قال قوم: كل عمد فهو كبيرة. واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة. أما الأول: فلأن كل ذنب لا بد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل، فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه. وأما الثاني: فهو أيضا ضعيف، لأن الله تعالى ذكر كثيراً من الكبائر في سائر السور، ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة. وأما الثالث: فضعيف أيضا، لأنه ان أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله، فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه، وان أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية، فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون أنه معصية، وهو مع ذلك كفر كبير، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة. وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال: فهذا كله قول من قال: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها. وأما القول الثاني: وهو قول من يقول: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار أحوال فاعليها، فهؤلاء الذين يقولون: إن لكل طاعة قدرا من الثواب، ولكل معصية قدرا من العقاب، فاذا أتى الانسان بطاعة واستحق بها ثوابا، ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا، فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعادلا ويتساويا، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد، لأنه تعالى قال: {أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الشورى: 7] ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير. والقسم الثاني: أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته، وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب، ويفضل من الثواب شيء، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير. والقسم الثالث: أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب، ويفضل من العقاب شيء، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة. وهذا قول جمهور المعتزلة. واعلم أن هذا الكلام مبني علىأصول كلها باطلة عندنا. أولها: أن هذا مبني على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا الكتاب أن صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا اذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب، وكون المعصية موجبة للعقاب، وثانيها: أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة، فان ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر، فان أصروا وقالوا: بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم أصلهم، فانهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم، فان دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه، وحينئذ يبطل عليهم كل هذه القواعد، وثالثها: أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات، فكان أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئاً آخر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا، وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فان عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها، فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر، وذلك أيضاً باطل. ورابعها: أن هذا الكلام مبني على القول بالاحباط، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة اليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق. المسألة الثانية: اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا؟ فالأكثرون قالوا: إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فاذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراء له بالاقدام على تلك الصغائر، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة، أما إذا لم يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجراً له عن الاقدام عليه. قالوا: ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جميع الأوقات. والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة، وأن لا يبين أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا، فانه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما تعدون الكبائر»تفسير : فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: «حديث : الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات»تفسير : وعن عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها: استحلال آمين البيت الحرام، وشرب الخمر، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها: القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وذكر عن ابن عباس أنها سبعة، ثم قال: هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب، والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال: قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام. وأجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث أنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل. لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل، وعندنا انه دلالة ظنية ضعيفة، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة «إن» على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهذا أيضا ضعيف، ويدل عليه آيات: إحداها: قوله: {أية : وَٱشْكُرُواْ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [البقرة: 172] فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد. وثانيها: قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } تفسير : [البقرة: 283] وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك. وثالثها: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } تفسير : [البقرة: 282] والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا. ورابعها: {أية : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ }تفسير : [البقرة:283] والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده. وخامسها: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تفسير : [النور: 33] والاكراه على البغاء محرم، سواء أردن التحصن أو لم يردن. وسادسها: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل، وسابعها: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ }تفسير : [النساء:101] والقصر جائز، سواء حصل الخوف أو لم يحصل وثامنها: {أية : فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ }تفسير : [النساء:11] والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضاً حق الثنتين، وتاسعها: قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ } تفسير : [النساء: 35] وذلك جائز سواء حصل الخوف أو لم يحصل. وعاشرها: قوله: {أية : إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } تفسير : [النساء: 35] وقد يحصل التوفيق بدون إرادتيهما، والحادي عشر: قوله: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] وقد يحصل الغنى بدون ذلك التفرق، وهذا الجنس من الآيات فيه كثرة، فثبت أن المعلق بكلمة «إن» على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، والعجب أن مذهب القاضي عبد الجبار في أصول الفقه هو أن المعلق بكملة «إن» على الشيء لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ثم إنه في التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية، وذلك يدل على أن حب الانسان لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي. الوجه الثاني من الجواب: قال أبو مسلم الاصفهاني: إن هذه الآية إنما جاءت عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات، وعن عضل النساء وأخذ أموال اليتامى وغير ذلك، فقال تعالى: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في ارتكابها سالفا. وإذا كان هذا الوجه محتملا، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة. وطعن القاضي في هذا الوجه من وجهين: الأول: أن قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } عام، فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز. الثاني: أن قوله: إن باجتنابهم في المستقبل هذه المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد؛ لأنه لا يخلو حالهم من أمرين اثنين: إما أن يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فالتوبة قد أزالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر، أو لا يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك السيآت؟ هذا لفظ القاضي في تفسيره. والجواب عن الأول: أنا لا ندعي القطع بأن قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } محمول على ما تقدم ذكره، لكنا نقول: إنه محتمل، ومع هذا الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما ذكروه. وعن الثاني: أن قولك: من أين أن اجتناب هذا الكبائر يوجب تكفير تلك السيئات؟ سؤال لا استدلال على فساد هذا القسم، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال، وإذا حضر هذا الاحتمال بطل ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم. الوجه الثالث: من الجواب عن هذا الاستدلال: هو أنا إذا أعطيناهم جميع مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول: إن من لم يجتنب الكبائر لم تكفر سيآته، وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد، وعمومات الوعيد ليست قليلة، فما ذكرناه جوابا عن سائر العمومات كان جوابا عن تمسكهم بهذه الآية، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا الباب، وإذا كان كذلك لم يبق لقول الكعبي: إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه المسألة وجه. الوجه الرابع: أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيرا، بالنسبة إلى شيء، ويكون صغيراً بالنسبة إلى شيء آخر، وكذا القول في الصغائر، إلا أن الذي يحكم بكونه كبيرا على الاطلاق هو الكفر، وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } الكفر؟ وذلك لأن الكفر أنواع كثيرة: منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وشرائعه، فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفورا، وهذا الاحتمال منطبق موافق لصريح قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48]وإذا كان هذا محتملا، بل ظاهراً سقط استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا أنه لا يجب عليه شيء، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان، وقد تقدم ذكر دلائل هذه المسألة. ثم قال تعالى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ المفضل عن عاصم {يَكْفُرْ وَيُدْخِلْكُمْ } بالياء في الحرفين على ضمير الغائب، والباقون بالنون على استئناف الوعد، وقرأ نافع {مُّدْخَلاً } بفتح الميم وفي الحج مثله، والباقون بالضم، ولم يختلفوا في {مُدْخَلَ صِدْقٍ } بالضم، فبالفتح المراد موضع الدخول، وبالضم المراد المصدر وهو الادخال، أي: ويدخلكم إدخالا كريما، وصف الادخال بالكرم بمعنى أن ذلك الادخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال الله فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } تفسير : [الفرقان: 34] المسألة الثانية: أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة، بل لا بد معه من الطاعات، فالتقدير: ان أتيتم بجميع الواجبات، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة. ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب، بل ههنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي، وهو فضل الله وكرمه ورحمته، كما قال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58]،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثامٍ هي كبائر، وعَدَ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودلّ هذا على أن في الذنوب كبائرَ وصغائرَ. وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللّمسة والنظرة تُكفَّر باجتناب الكبائر قَطْعاً بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظير الكلام في هذا ما تقدّم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ}، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أُخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنّ إذا ٱجْتَنَبَ الكبائر » تفسير : . وروى أبو حاتم البُسْتيّ في صحيح مسنده عن حديث : أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات، ثم سكت فأكبّ كل رجل منا يبكي حزيناً ليَمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ما من عبد يؤدّي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفّق» ثم تلا {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}تفسير : . فقد تعاضد الكتاب وصحيحُ السنة بتكفير الصغائر قطعاً كالنظر وشِبهه. وبيّنت السنة أن المراد بـ {تَجْتَنِبُواْ} ليس كلّ الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم. وأما الأُصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظنّ وقوّة الرّجاء والمشيئةُ ثابتةٌ. ودلّ على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفيرَ صغائره قطعاً لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألاّ تِباعة فيه، وذلك نقض لعُرَى الشريعة. ولا صغيرة عندنا. قال القُشيريّ عبد الرحيم: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعاً من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي. قلت: وأيضاً فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم: ـ لا تنظرْ إلى صِغر الذنب ولكن ٱنظر من عصيت ـ كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو يخرّج كلام القاضي أبي بكر بن الطيّب والأُستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم؛ قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقُبْلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنب عندنا يُغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } تفسير : [النساء: 48] واحتجوا بقراءة من قرأ « حديث : إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ مَا تنْهَوْنَ عَنْهُ » تفسير : على التوحيد؛ وكبير الإثم الشرك. قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر. والآيةُ التي قيّدت الحكم فتردّ إليها هذه المطلَقات كلها قولُه تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. واحتجوا بما رواه مُسلم وغيرهُ عن أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «مَن ٱقتطع حق ٱمرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة» فقال له رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: «وإن كان قضيباً من أَرَاك» تفسير : . فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: الكبيرة كلّ ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية؛ وتصديقُه قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}. وقال طاوس: قيل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جُبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: اليأس من رَوح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والشِّرك بالله؛ دل عليها القرآن. وروي عن ابن عمر: هي تسع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورَمْي المحصَنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفِرار من الزّحف، والسحر، والإلحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند العلماء: القِمار والسرقة وشرب الخمر وسَبّ السَّلَف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه ـ بأن يسُبّ رجلاً فيَسُبّ ذلك الرجلُ أبويه ـ والسعي في الأرض فساداً ـ؛ إلى غير ذلك مما يكثر تَعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرّجها الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملةً وافرة. وقد ٱختلف الناس في تَعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صِحاح وحِسان لم يُقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره، فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يُغفر لنصّ الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله؛ لأن فيه تكذيب القرآن؛ إذ يقول وقوله الحق: { أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } تفسير : [الأعراف: 156] وهو يقول: لا يغفر له؛ فقد حَجَر واسعاً. هذا إذا كان معتقداً لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: { أية : إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ } تفسير : [يوسف: 87]. وبعده القنوط؛ قال الله تعالى: { أية : وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } تفسير : [الحجر: 56]. وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتّكل على رحمة الله من غير عمل؛ قال الله تعالى: { أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 99]. وقال تعالى: { أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ } تفسير : [فصلت: 23] وبعده القتل؛ لأن فيه إذهاب النفوس وإعدامَ الوجود، واللِّواطُ فيه قطع النَّسل، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه، والخَمرُ فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه تركُ إظهار شعائر الإسلام، وشهادةُ الزور فيها استباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بيّن الضرر؛ فكلّ ذنب عظّم الشرْع التوعُّدَ عليه بالعقاب وشدّده، أو عظّم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم. الثانية ـ قوله تعالى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين «مُدخلا» بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل؛ التقدير وندخلكم فتدخلون مدخَلا، ودّل الكلام عليه. ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول به، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعت أبا داود السّجستاني يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة؛ فقلت له: كيف؟ قال: يقول الله عز وجل {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } يعني الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » تفسير : . فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال علماؤنا: الكبائر عند أهل السنّة تُغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدّم. وقد يُغفر لمن مات عليها من المسلمين؛ كما قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} الآية والمراد بذلك من مات على الذنوب فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى إذ التائب من الشرك أيضاً مغفور له. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعاً قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} وقوله { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } تفسير : [النساء: 48] الآية، وقوله تعالى: { أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } تفسير : [النساء: 110]، وقوله تعالى: { أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } تفسير : [النساء: 40] وقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } تفسير : [النساء: 152]. وقال ابن عباس؛ ثمان آيات في سورة النساء، هنّ خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}، الآية، { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }،تفسير : [النساء:48] { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40] { أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ }تفسير : [النساء:110] {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } تفسير : [النساء: 147] الآية.
البيضاوي
تفسير : {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها، وقرىء كبير على إرادة الجنس. {نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم. واختلف في الكبائر، والأقرب أن الكبير كل ذنب رتب الشارع عليه حداً أو صرح بالوعيد فيه. وقيل ما علم حرمته بقاطع. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنها سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين». تفسير : وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع). وقيل أراد به ههنا أنواع الشرك لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وقيل صغر الذنوب وكبرها بالإِضافة إلى ما فوقها وما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران، فمن عن له أمران منها ودعت نفسه إليها بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرها كفر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر. ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام في كثير من خطواته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلاً عن أن يؤاخذه عليها. {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} الجنة وما وعد من الثواب، أو إدخالاً مع كرامة. وقرأ نافع هنا وفي الحج بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكان والمصدر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } وهي ما ورد عليها وعيد كالقتل والزنا والسرقة، وعن ابن عباس: هي إلى السبعمائة أقرب {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَٰتِكُمْ } الصغائر بالطاعات {وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً } بضم الميم وفتحها أي إدخالاً أو موضعاً {كَرِيماً } هو الجنة.
ابن عطية
تفسير : {تجتنبوا} معناه: تدعون جانباً، وقرأ ابن مسعود وابن جبير "إن تجتنبوا كبير" وقرأ المفضل عن عاصم " يكفّر" و " يدخلكم " على علامة الغائب، وقرأ الباقون بالنون والقراءتان حسنتان، وقرأ ابن عباس "عنكم من سيئاتكم" بزيادة "من" وقرأ السبعة سوى نافع "مُدخلاً " بضم الميم، وقرأ نافع: "مدخلاً " بالفتح وقد رواه أيضاً أبو بكر عن عاصم ها هنا وفي الحج، ولم يختلف في سورة بني إسرائيل في {أية : مدخل ومخرج صدق} تفسير : [الإسراء:80] أنهما بضم الميم، قال أبو علي: "مَدخلاً" بالفتح يحتمل أن يكون مصدراً، والعامل فيه فعل يدل عليه الظاهر، التقدير: ويدخلكم فتدخلون مدخلاً، ويحتمل أن يكون مكاناً، فيعمل فيه الفعل الظاهر، وكذلك يحتمل "مُدخلاً " بضم الميم للوجهين، وإذا لم يعمل الفعل الظاهر فمعموله الثاني محذوف، تقديره: ويدخلكم الجنة، واختلف أهل العلم في "الكبائر", فقال علي بن أبي طالب: هي سبع، الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والفرار يوم الزحف والتعرب بعد الهجرة، وقال عبيد بن عمير: الكبائر سبع في كل واحدة منها آية في كتاب الله عز وجل. قال القاضي أبو محمد: وذكر كقول علي، وجعل الآية في التعرب قوله تعالى: {أية : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} تفسير : [محمد:25]، ووقع في البخاري في كتاب الحدود في باب رمي المحصنات "حديث : اتقوا السبع الموبقات، الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" تفسير : وقال عبد الله بن عمر: هي تسع " الإشراك بالله، والقتل، والفرار، والقذف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق" قال عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي: هي في جميع ما نهى عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها وهي {إن تجتنبوا} وقال عبد الله بن مسعود: هي أربع أيضاً الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وروي أيضاً عن ابن مسعود: هي ثلاث: القنوط، واليأس، والأمن المتقدمة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: "الكبائر" كل ما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبه ذلك، وقالت فرقة من الأصوليين: هي في هذا الموضع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال، وقال رجل لابن عباس: أخبرني عن الكبائر السبع، فقال: هي إلى السبعين أقرب، وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبير، فهنا يدخل الزنا، وشرب الخمر، والزور، والغيبة، وغير ذلك مما قد نص عليه في أحاديث لم يقصد الحصر للكبائر بها، بل ذكر بعضها مثالاً، وعلى هذا القول أئمة الكلام: القاضي، وأبو المعالي، وغيرهما: قالوا: وإنما قيل: صغيرة بالإضافة إلى أكبر منها وهي في نفسها كبيرة من حيث المعصي، بالجميع واحد، وهذه الآية يتعاضد معها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الوضوء من مسلم، عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كلهتفسير : . واختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض، كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعاً بظاهر هذه الآية وظاهر الحديث، وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعاً لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة، ومحمل الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها: قوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48 و 116] و {كريماً} يقتضي كرم الفضيلة ونفي العيوب، كما تقول: ثوب كريم، وكريم المحتد، وهذه آية رجاء، روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً، قوله: {إن تجتنبوا} الآية، وقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به} تفسير : [النساء: 48 و 116] وقوله: {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم} تفسير : [ النساء: 110] وقوله أيضاً: {أية : يضاعفها} تفسير : [النساء:40] وقوله: {أية : والذين آمنوا بالله ورسله} تفسير : [النساء:152].
ابن عبد السلام
تفسير : {كَبَآئِرَ} ما نهيتم عنه من أول هذه السورة إلى رأس الثلاثين منها، أو هي سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس المحرمة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة أو تسع: الشرك، والقذف، وقتل المؤمن، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت الحرام. أو السبعة المذكورة مع العقوق والزنا والسرقة وسب أبي بكر وعمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو الإشراك بالله، والقنوط من رحمته، واليأس من روحه، والأمن من مكره، أو كل ما وعد الله ـ تعالى ـ عليه النار، أو كل ما لا تصلح معه الأعمال. {سَيّئَاتِكُمْ} مكفرة إذا تركتم الكبائر فإن لم تتركوها أُخذِتم بالصغائر والكبائر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يكفر{ و{يدخلكم} بياء الغيبة: المفضل. الباقون بالنون. {مدخلاً} بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع. الباقون بالضم {واسئلوا} وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف. {عقدت} من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون {عاقدت} من المعاقدة {بما حفظ الله} بالنصب: يزيد. الباقون بالرفع. {والجار} بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش {والجار الجنب} بفتح الجيم وسكون النون: المفضل. البقاون بضمتين {بالبخل} بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير. الباقون: بضم الباء وسكون الخاء. {حسنة} بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالنصب {يضعفها} بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون {يضاعفها} بالألف. الوقوف: {كريماً} ه {على بعض} ط {مما اكتسبن} ط {من فضله} ط {عليماً} ه {والأقربون} ط بناء على أن ما بعد مبتدأ {نصيبهم} ط {شهيداً} ه {من أموالهم} ج لأن ما يتلوا مبتدأ {بما حفظ الله} ط {واضربوهن} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {سبيلاً} ط {كبيراً} ه {من أهلها} ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام {بينهما} ط {خبيراً} ه {وابن السبيل} ط للعطف {أيمانكم} ط {فخوراً} ه لا بناء على أن الذين بدل {من فضله} ط {مهيناً } ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف {باليوم الآخر} ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان {قريناً} ه {رزقهم الله} ط {عليماً} ه {ذرة} ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه {عظيماً} ه. التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم. ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر. وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله تعالى: {أية : وكل صغير وكبير مستطر} تفسير : [القمر:53] {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} تفسير : [الكهف:49] وبأنه صلى الله عليه وسلم نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله تعالى: {أية : وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} تفسير : [الحجرات:7] ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان. فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان. حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه تعالى غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً. وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت. وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها. ذهب إلى كل واحد طائفة. فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها. وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض. وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله تعالى في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه تعالى ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص. وقيل: كل عمد فهو كبير. ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق. وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب. فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال تعالى: {أية : فريق في الجنة وفريق في السعير} تفسير : [الشورى:7] فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير. والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه تعالى لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر. فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات. هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "تفسير : وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية إلى السبعمائة. وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر. وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره. وفي بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة. وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد. وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة. وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين. وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد. احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه. والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: {أية : فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} تفسير : [البقرة:283] وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه. سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد. والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة. ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان. ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة. {وندخلكم مدخلاً} فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال. ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه. ثم إنه سبحانه لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن. أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا". وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً. ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات. وبعضها محض عطاء الله تعالى، وبعضها مما / يظن أنها كسبية. وبالحقيقة كلها عطاء منه تعالى فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟ وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: {أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} تفسير : [الشورى:27] وفي الكلمات القدسية: "حديث : من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين. ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" تفسير : قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي. وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال. أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت. وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: {أية : للذكر مثل حظ الأنثيين} تفسير : [النساء:11] قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال. وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت. وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟ فنزلت الآية. فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس. تفسير : {للرجال نصيب مما اكتسبوا} من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم. وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك. أو {للرجال نصيب مما اكتسبوا} بسبب قيامهم بالنفقة على النساء {وللنساء نصيب مما اكتسبن} بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت {واسئلوا الله من فضله} فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام. و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله {إنّ الله كان بكل شيء / عليماً} فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب. قوله سبحانه وتعالى: {ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون} يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما. والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته. ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: {مما ترك} وفيه ضمير كل. وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون {جعلنا موالي} صفة {لكل} بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله. أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له. ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال تعالى: {أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} تفسير : [محمد:11] ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " تفسير : وأما قوله: {والذين عقدت أيمانكم} فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: {فآتوهم} خبره. وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على {الوالدان} والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف. من الناس من قال: الآية منسوخة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض}تفسير : [الأنفال:75] وبقوله: {أية : يوصيكم الله} تفسير : [النساء:11] وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: {والذين} معطوف على ما / قبله. والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في {فآتوهم} للموالي قاله أبو علي الجبائي. أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: {أية : يوصيكم الله} تفسير : [النساء:11] قاله أبو مسلم. وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء. وقيل: هم الحلفاء. والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة. وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: {أية : وإذا حضر القسمة} تفسير : [النساء:8] وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس حديث : أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلامتفسير : . والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه. وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، {إنّ الله كان على كل شيء شهيداً} لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين. هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: {الرجال قوّامون} يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً. والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء. وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة. ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة. عن مقاتل حديث : أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها. فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: افرشته كريمتي فلطمها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاصتفسير : . فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا. ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة. ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" تفسير : و "ما" في قوله: {بما حفظ الله} موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: {أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} تفسير : [البقرة:229] فقوله: {بما حفظ الله} يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة. ومن قرأ {بما حفظ الله} بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها. ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: {واللاتي تخافون} تعرفون بالقرائن والأمارات {نشوزهن} عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة {فعظوهن} وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك. {واهجروهن في المضاجع} أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع. وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن. وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها. ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: {واضربوهن} والأولى ترك الضرب لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " تفسير : ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا. وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا. وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : علق سوطك حيث يراه أهلك " تفسير : {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن {إن الله كان علياً} لا بالجهة {كبيراً} لا بالجثة {فاحذروا} واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم. روي حديث : أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه. فرمى بالسوط وأعتق الغلامتفسير : . وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله تعالى قادر قاهر ينتصف لهن منكم. ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: {وإن خفتم} قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب. واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين. وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى. أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى {شقاق بينهما} شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء {فابعثوا حكماً من أهله} رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث. ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين. وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم. ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: {فابعثوا} فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان. والخطاب في قوله: {فإن خفتم} وفي {فابعثوا} لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به. وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه تعالى سماهما الحكمين. ولما روي أن علياً عليه السلام بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا. وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم. وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين. {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} فيه أربعة أوجه. الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير. الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً. الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين. الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة. وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله تعالى وتيسيره {إنّ الله كان عليماً خبيراً} فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته. وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة. / ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه {وبالوالدين إحساناً} تقديره وأحسنوا بهما إحساناً. يقال: أحسن بفلان وإلى فلان. {وبذي القربى واليتامى والمساكين} وقد مر تفاسيرها في البقرة. قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله {والجار ذي القربى} الذي قرب جواره {والجار الجنب} الذي بعد جواره. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً "تفسير : وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب. وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي. والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل. ومن قرأ {الجنب} فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف {والصاحب الجنب} وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك {وابن السبيل} المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف {وما ملكت أيمانكم} عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما ملكت أيمانكم} وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي. والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل. وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة {إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء. وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله تعالى بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط {الذين يبخلون} البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب. وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما. وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل. وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم:" حديث : إنّ الله تعالى يحب أن يرى على عبده أثر نعمته "تفسير : وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه. ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله تعالى ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان. وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس. ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة {ومن يكن الشيطان له قريناً} في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء {فساء قريناً} في الآخرة يقرن به في النار. ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: {وماذا عليهم} أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟ أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟ والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟ وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟ {وكان الله بهم عليماً} بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار. احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: {وماذا عليهم لو آمنوا} مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة. وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي. وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: {وماذا عليهم} كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً. وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل. / ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن. والذرة النملة الصغيرة. وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة. وانتصاب {مثقال} على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف. وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه تعالى غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً. وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً. وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم. ثم قال: {وإن تك} حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال. من قرأ {حسنة} بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث. والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين. عن ابن مسعود أنه قال: حديث : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته تفسير : ومصداق ذلك في كتاب الله {وإن تك حسنة يضاعفها} قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله تعالى. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" تفسير : أما قوله: {ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} فإن {لدن} بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً. يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر. ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته. والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر. ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم. التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها. ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: {ولا تتمنوا} فإنه لا يحصل بالتمني ولكن {للرجال} المجتهدين في الله {نصيب} مما جدوا في طلبه {وللنساء} وهم الذين يطلبون من الله غير الله {نصيب} على قدر همتهم في الطلب {واسألوا الله من فضله} فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً} تفسير : [النساء: 113] أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره {ولكل جعلنا موالي} لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة. والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله {فآتوهم} بالنصح وحسن التربية والتسليك {نصيبهم} الذي قدّر لهم {الرجال قوّامون على النساء} بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة {وبما أنفقوا من أموالهم} أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى. {فالصالحات} اللاتي يصلحن للكمال {قانتات} مطيعات لله لهن قلوب {حافظات} لواردات الغيب {بما حفظ الله} عليهن حقائق الغيب وأسراره. {واللاتي تخافون نشوزهن} إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: شعر : فأسكر القوم دور كاس وكان سكري من المدير تفسير : {فعظوهن} باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران {واضربوهن} بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: {أية : هذا فراق بيني وبينك} تفسير : [الكهف:78] هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال. {وإن خفتم} شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل {فابعثوا} متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين {إن يريدا إصلاحاً} بينهما بما رأيا فيه صلاحهما {يوفق الله بينهما} بالإرادة وحسن التربية {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما {إحساناً} بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.
ابن عادل
تفسير : قرأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابنُ مَسْعُود: "كَبِيرَ" بالإفراد والمرادُ به الكُفْرُ وقرأ المفضّلُ: "يُكَفِّر"، "ويدخلكم" بياء الغَيْبَةِ للَّهِ تعالى. وقرأ ابْنُ عَبَّاسٍ: "من سيئاتكم" بزيادة "من". وقَرَأَ نَافِعٌ وحده هنا وفي الحج: "مَدْخَلاً" بفتح الميم، والباقُونَ بضمها، ولم يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ التي في الإسراء. فأما مَضْمُومُ الميم، فإنَّهُ يحتملُ وجهين: أحدهُمَا: أنَّهُ مَصْدرٌ وقد تَقَرَّر أنَّ اسْمَ المصْدَرِ من الرُّبَاعِيّ فما فَوْقَهُ كاسْمِ المفعُولِ، والمدخول فيه على هذا مَحْذُوفٌ أي: "ويدخلكم الجنة إدخالاً". والثَّانِي: أنَّهُ اسمُ مَكَانِ الدُّخُولِ، وفي نصبه حينئذٍ احتِمَالاَنِ" أحدهُمَا: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرْفِ، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْهِ. والثَّاني: أنَّهُ مفعولٌ به، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهكذا كُلُّ مكان مختص بعد "دخل" فإنَّ فيه هذين المذْهَبَيْنِ، وهذه القِرَاءَةُ واضحةٌ، لأنَّ اسم المصْدَرِ، والمكان جَارِيَانِ على فعليهما. وَأمَّا قِرَاءةُ نافِع، فتحتاجُ إلى تأويل، وذلك لأنَّ الميمَ المفتوحة إنَّما هو من الثُّلاثِيُّ، والفعل السَّابقُ لهذا رُباعِيّ فقيل: إنَّهُ منصوبٌ بفعل مقدّر مطاوع لهذا الفِعْلِ، والتقدِيرُ: يدخلكم، فتدخلون مدخلاً. و "مَدْخَلاً" مَنْصُوبٌ على ما تقدَّمَ: إمَّا المصدريّة، وإما المَكَانِيَّة بوجهيها. وقيل: هُوَ مصْدَرٌ عَلَى حَذْفِ الزَّوائِدِ نحو: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] على أحد القَوْلَيْنِ. فصل روى ابْنُ عمرو عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : أكبر الكَبَائِرُ الإشْرَاكُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ وعقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ ". تفسير : وقال عليه السَّلام: حديث : "ألاَ أنبِئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِر؟" ثلاثاً. فقالوا: بَلَى يا رسُولَ اللَّهِ. قال: "الإشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِديْنِ - وَكَانَ مُتّكئاً فَجَلَسَ - وَقَالَ: ألاَ وَقَوْلُ الزُّورِ" تفسير : فما زال يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ. حديث : وعن عُمَرَ بْنِ شراحيل عن عَبْدِ اللَّهِ قال: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ. قال: "أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدَّاً وَهُوَ خَالِقُكَ" قال: ثُمَّ أي. قال: "أنْ تَقْتَلُ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أنْ يَأكُلَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثمَّ أيْ. قال "أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جَارِك" تفسير : فأنزلَ اللَّهُ - تعالى - تَصديقَ قَوْلِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} تفسير : [الفرقان: 68] وعن أبي هريرةَ عنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ قالُوا يا رَسُول اللَّهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بالحقِّ وأكْلُ الرَِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليتيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المُحْصنَاتِ الغَافِلاَتِ ". تفسير : وقال عبدُ الله بْنُ مسعودِ: أكْبَرُ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ باللَّهِ، والأمن من مَكْرِ اللَّه والقنوط من رحمة اللَّه، واليأسُ من روح اللَّهِ. وعن النَّبَيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مِنْ أكْبَر الكبَائِر أن يسبُّ الرَّجُلِ وَالديْهِ: قالَ وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالدَيْهِ قال: [يَسُبُّ الرجُل أبَا الرجل وَأمه] فَيَسُب أباهُ وَيسُبُّ أمَّهُ ". تفسير : وعن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلاً سألَ ابْنَ عباس عن الكبائِرِ أسَبْعٌ هي قال: هي إلى السبعمائة أقرب [غير] أنه لاَ كبيرَةَ مع الاستغْفَارِ، ولا صغيرَةَ معَ الإصْرَارِ، وقال: كُلُّ شيْءٍ عصي اللَّه به، فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها، فَلْيَسْتَغْفِر اللَّهَ فإنَّ اللَّه لا يخلد في النَّارِ من هذه الأمَّةِ إلاَّ من كان راجعاً عن الإسلامِ، أو جاحداً فريضته، أو مكذباً بقدره. قال ابْنُ الخطيبِ: وهذا القول ضعيف؛ لأنَّهُ لا فرقَ بينهما كقولهِ: يكفر، وما لا يكفرون في الحديث: تعيين أشيَاء من الكبائرِ منها: الشركُ، واليمينَ الغَمُوسُ [والرِّبا] وعُقوقُ الوالدين، والقَتْلُ، وغيرهما ولقوله تعالى: {أية : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} تفسير : [الحجرات: 7] فالكبائِرُ هي الفُسُوقُ والصغائر هي العصيان حتى يصحّ العطف. احتجّ ابنُ عبَّاس ما إذا اعتبر المعاصي بالنِّسْبَةِ إلى جلال اللَّه تعالى، وعظمته كانت كبائر بالنِّسْبَةِ لِكثَرةِ نعمه تعالى، فذلك لعدم تناهيها، فَكُلُّ ذنبٍ كبيرة. والجوابُ كما أنَّهُ سبحانه وتعالى أجلُّ الموجودات، وأشرفهم، وهو أرحمُ الراحِمينَ، وأغنى الأغنياءِ عن الطَّاعات وذلك يوجب خفة الذنب ثم إنَّهَا وإن كان كبيرة فبعضها أكبر مِنْ بعض. فصل قال بعضهم: لتمييز الكبيرةِ عن الصَّغيرة بذاتها، وقيل: إنَّما تتميزُ بحسب [حال فاعليها] فالأولون لهم أقوال، أوَّلُهَا: قال ابْنُ عبَّاسٍ: كلُّ ما قرن بذكر الوعيد، فهو كبيرةٌ كالقَتْلِ، والقذف. الثَّاني: عن ابْنِ مسعُودٍ: كلّ ما نهي عنه من أوَّلِ النِّسَاءِ إلى ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة لقوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}. الثالث: قتل كل عمد فهو كبيرةٌ على الأوَّل لأنَّ كل ذنٍ لا بُدّ أن يكون متعلّق الذَّم عاجلاً، والعقاب آجلاً وهذا يقتضِي أنَّ كُلَّ ذنْبٍ كبيرة، وعلى الثَّانِي أنَّ الكبائِرَ مذكورة في سائر السور، فلا معنى لتخصيصها بهذه السُّورة، وعن الثَّالث إنْ أرادَ بالعَمْدِ أنَّهُ ليس بساهٍ فهذا هو الذي نهي عنه، فيكونُ كُل ذنب كبيرة، وإنْ أرَاد انه يَفْعَلُهُ مع العِلْمِ به، فإنَّهُ معصيةٌ فمعلومٌ أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يكفُرُونَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا يعلمون أنه معصيةٌ، وذلك كفرٌ وكبيرةٌ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثةُ. وأما القولُ الثَّاني أنَّ الكبائر تمتازُ عن الصّغَائِرِ باعْتِبَارِ فاعلها، فهو قَوْلُ مَنْ يقولُ للطَّاعَةِ قدر من الثواب وللمعصية قدر من العقاب فالقِسْمَةُ العقْلِيَّةُ تقتضي أقْسَامَ التَّساوي والتعادل، ورُجْحَان الثَّوابِ، ورجحان العِقَابِ فالأوَّلُ ممكنٌ عقلاً إلا أن الدليل السمعي دل على أنه لا يوجد لقوله تعالى: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7] ولو وجد ذلك لم يكن في الجنَّةِ، ولا في السَّعيرِ. والثَّاني: ينحبط العقابُ بما يُساويه مِنَ الثَّوابِ، والمعصية هي الصَّغيرة تسمى الانحباط بالتَّكفير. والثَّالثُ: ينحبطُ الثَّوابُ بما يساويه من العقاب، ويسمى الكبيرة، وسمي الانحبَاط بالإحباط، فَظَهَرَ الفرقُ بين الكبيرةِ والصغيرةِ، وهذا قول جمهور المُعتزِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ على أصُولٍ باطلةٍ: الأول: أنَّ الطَّاعةَ توجبُ ثواباً والمعصية توجب عقاباً، وهو بَاطِلٌ لما تقدَّم من أنَّ الفعل يتوقَّفُ على دَاعِيَةٍ مِن اللَّه تعالى، وذلك يَمْنَعُ الإيجاب. ولأنَّ من اشْتَغَلَ بالعِبَادَةِ والتَّوحيدِ ثمانين سنة، ثم شَرِبَ قطرة خمر، فإنْ قالوا بالإحْبَاطِ خالف الضرورة والإجماع، وإن خالف وقالوا بترجيح الثَّوابِ نقضوا أصْلَهُم مِنَ التحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن فتبطل قواعدهم. ولأنَّه سمى الله تعالى كبيرة لسابقه [على الطاعة] وموجبة لها [فأوَّلُ واجب] لا يستحقّ ثواباً، فيكون عِقَاب كُلّ معصية أن لا بد مِنْ ثَوَاب فاعلها، فتكون جميع المعاصي كبائر، وهو بَاطِلٌ، وقد تقدَّم القول بإبطال القَوْلِ بالإحْبَاط. فصل قال ابنُ الخطيبِ: الأكثرُونَ على أنَّ اللَّه تعالى لم يُميِّز الكبائِرَ، ولم يُعَيِّنْهَا، قالوا: لأنَّ تمييزها وتعيينها مع إخباره بأن اجتنابها يكفِّر الصَّغَائِرَ إغراء بالإقدام على الصغائر، وذلك قَبيحٌ لا يليقُ بالحكمة، أمَّا إذَا لم يميِّزْهَا، كتحرير كَوْنِ المعْصيَةِ كبيرة زاجراً عن الإقدام عليها كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى ووقت الموت مع تجوز تعيين بعض الكبائر كما ورد في الحديث والآيات كما ذكر عن ابن عباس أنها سَبْعَةٌ فقال هي إلى السّبعمائة أقرب. فصل احتج الكعبيُّ بهذه الآية على القَطْعِ بوعيد أصْحَابِ الكبائرِ قال: لأنَّهُ تعالى بَيَّن أنَّ من اجتنب الكبَائِرَ يكفر عنه سيئاته، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لَمْ يَجْتنبها لم تكفَّرْ عَنْهُ، ولو جَازَ أنْ يغفرَ الكبائِرَ، والصَّغائِرَ، لم يَصِحَّ هذا الكلامُ. والجوابُ مِنْ وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنكم إما أن تستدِلوا بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، فذلك باطل عِندْ المُعتزِلَةِ، وعِنْدَنَا دلالتُهُ ظَنيَّةٌ ضعيفةٌ. وإما أن تستدلوا به من حيث أنَّ المعلق على الشيء بكلمة "إن" عدم عند عدم ذلكَ، فهذا أيضاً ضعيفٌ لقوله تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [النحل: 114] والشكر واجب مطلقاً ولقوله تعالى {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} تفسير : [البقرة: 283] وأداء الأمانة واجب مطلقاً ولقوله تعالى {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} تفسير : [البقرة: 282] يجوزُ شهادَتُهُم مع وُجُودِ الرِّجَالِ وقوله: {أية : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} تفسير : [البقرة: 283]، {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33]، {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]. وقوله {أية : أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [النساء: 101]. {أية : فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} تفسير : [النساء: 11] {أية : إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} تفسير : [النساء: 35]، {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [النساء: 130]. وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على العدمِ بهذا الكلامِ، والعَجَبُ أنَّ القَاضِي عَبْدَ الجبَّارِ لا يرى أنَّ المعلّق على الشَّيءِ كلمة "إنْ" عدمٌ عنه العدمِ، واسْتَحْسنَ في التَّفْسير استدلاله على الكفر بهذه الآية. الجوابُ الثَّاني: قال أبُو مُسْلِمِ: جَاءَت هذه الآيةُ عقيبَ نِكَاحِ المحرَّمات، وعضل النِّسَاء، وأخذ أمْوالِ اليتامى [وأكل المال بالباطل و] غير ذلك فالمُرادُ إن تجتنبوا هذه الكبائرِ التي نهيناكم عنها، كَفرنَا عنكم سَيِّئاتِكُمْ [أي: ما سلف] من ارتكابها وإذا احْتملَ هذَا؛ لم يَتَعيَّن ما ذكرهُ المعتزِلَةُ، واعترضه القاضي بوجهين: أحدهُمَا: أنَّ الآية عامَّة، فلا تخْصيصَ بِذَلِكَ. الثَّانِي: أن اجتنابهم إمّا أنْ يكُونَ مع التَّوْبَة، والتَّوْبَةُ قد أزالت العقاب أو بدونها، فمن أيْنَ أنَّ اجتنابَ هذه الكبائِر، تُوجِبُ تكفيرَ تلك السَّيِّئَاتِ. والجواب عن الأوَّلِ: أنّا لا نَدْفَعُ القَطْعَ بذلك، بل نَقُولُ: هو يحتمل، فلا يَتعيَّن ما ذكرتموه. وعن الثَّاني: أنَّ ما ذكروه لا يَقْدَحُ في الاحتمال المذكور [هنا]. الجوابُ الثَّانِي: أنَّ المَعَاصِي: قد تكُونُ كبيرَة بالنِّسْبَةِ إلى شيء، صغيرة بالنسبة إلى شَيْءٍ آخر، وكذلك العكسُ، فليس ثمّة ما يكونُ كبيرةً مطلقاً، إلا الكُفْر، وأنواعه [كثيرة]، فلمَّا لم يكن المراد إن تجتنبوا الكُفْرَ بأنواعِهِ، يغفر لكم ما وَرَاءَهُ، وهذا احْتِمَالٌ ظاهرٌ مُطابقٌ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]، سقط استدلالهم بذلك. فصل قال القرطبِيُّ: قال الأصولِيُّونَ: لا يَجِبُ القَطْعُ بِتكْفيرِ الصَّغائِرِ باجتناب الكبائر، وإنَّمَا محمل ذلك على غلبَةٍ الظَّنِّ، وقوَّةِ الرَّجَاءِ، والمشيئة ثابتةٌ، ودلَّ على ذلك: أنا لو قَطَعْنَا لمجتنب الكبائِرِ، وممتثلِ الفرائِضِ، تكفيرَ صَغَائِرهِ قطعاً؛ لكانت لَهُ في حُكْمِ المُبَاحِ الذي يقطع بأن أتباعه عليه، وذلك نَقْضٌ لعُرَى الشَّريعة، ولا صغيرةَ عِنْدَنَا. قال القُشَيْرِيُّ: والصَّحيحُ أنها كَبَائِر ولكن بعضُهَا أعْظُم وقعاً من بعضٍ، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي. قال القرطبي: وأيضاً مَنْ نظر إلى بعض المُخالفَةِ كما قالَ بعضهُمُ: لا تنظر إلى صغر الذَّنْبِ، ولكن انظُرْ مَنْ عَصيتَ [فإن كان الأمْرُ كذلِكَ] كانت الذنوب بهذه النِّسْبَةِ كُلِّها كبائر، وعلى هذا النَّحْوِ يُخَرَّجُ كلامُ القُشَيْريّ، وأبي إسْحَاقَ الإسفراييني والقاضي أبي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّب قالوا: وإنَّما يقالُ لبعضها صغيرة بالإضَافَةِ إلى ما هو أكْبرُ منها كما يقالُ: الزنا صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقُبْلَةُ المحرَّمَةُ صغيرَةٌ بالنِّسْبَة إلى الزِّنَا، ولا ذنبَ عِنْدَنَا يُغْفَرُ باجْتِنَابِ ذنبٍ آخر، بل كُلُّ ذنْبٍ كبيرةٌ ومرتكبُهُ في المشيئةِ، غير الكُفْرِ لقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] قالوا: هذه الآية يردُّ إليها جميع الآيات المُطلقةُ، يزيدُ عليها قوله عليه السلام: "حديث : من اقْتطعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بيمينه فقدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وحرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ فقال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله، وإنْ كَانَ شيئاً يَسِيراً فقَالَ: وَإنْ كَانَ قَضِيباً مِنَ أراك"تفسير : فقد جاء الوَعِيدُ الشَّديدُ على اليَسيرِ، كما جَاءَ على الكثير. وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ [مسعود: "ما نَهَى اللَّه عنْهُ في تلكَ السُّورَةِ إلى قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} فهو كبيرة. وقال [علي] بن] أبي طلحة: الكبيرة: كلُّ ذنب ختمه اللَّهُ بِنَارٍ، أو غضَبٍ، أو لَعْنَةٍ، أو عَذابٍ [أو آثامٍ]". وقال الضحاك: "الكبيرة ما أوعد الله عليه حَدَّا في الدُّنْيَا، وعَذَاباً في الآخرة". وقال الحُسَيْنُ [بنُ الفضل]: ما سمّاه اللَّهُ في القرآن كَبيراً، أو عظيماً نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 2]، {أية : إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 31]، {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]، {أية : إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 53]. وقال سُفْيانُ الثَّورِيُّ: "الكَبَائِرُ هي المظالِمُ بَيْنكَ وبَيْنَ العِبادِ، والصَّغَائِرُ: ما كان بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ، إن اللَّه كَريمٌ يَعْفُو [ويصفح]". وقال مالك بن مغول: "الكبَائِرُ: ذُنُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والسّيئات: ذُنُوبُ أهْلِ السّنة [الصَّغَائِر]". وقيل: "الكَبَائِرُ ذُنُوب العَمْدِ، والسيئات الخَطأ والنِّسيان، وما أكْره عَلَيْهِ، وحديث النَّفْسِ المرفوعة عَنْ هذه الأمَّةِ". وقال السُّدِّيُّ: الكَبَائِرُ ما نهى اللَّهُ عنه من [الذُّنُوب] الكبائر والسَّيِّئات مقدّماتُها وتوابعها، وما يَجْتَمِعُ فيه الصَّالحُ والفاسق مثل النَّظْرَةِ، واللَّمْسَةِ، والقُبْلَةِ، وأشباهها. قال عليه السلامُ: "حديث : الْعَيْنَانِ تَزْنيانِ، واليَدَانِ تَزْنيانِ، والرِّجْلانِ تَزْنيانِ، وَيُصدِّقُ ذلك الفَرْجُ، أو يُكذِّبُهُ ". تفسير : وقيل: الكَبَائِرُ الشِّرْكُ، وما يؤدِّي إليْهِ، وما دُونَ الشِّرْكِ، فهو من السَّيِّئاتِ. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. قوله: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. قال المفسِّرُون: أي من الصَّلاة إلى الصَّلاةِ، ومن الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ، ومن رَمضَان إلى رمضَان، لقوله عليه السلامُ: "حديث : [الصَّلَوَاتُ] الخمسُ والجمعةُ إلى الجُمعةِ ورَمضَانُ إلى رَمضَان مُكَفِّراتٌ لِّمَا بَيْنهُنَّ إذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ ". تفسير : {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} أي حسناً وهو الجنة.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله تعالى {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الآية. وقوله {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة...} تفسير : [النساء: 40] الآية. وقوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به...} تفسير : [النساء: 48] الآية. وقوله {أية : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} تفسير : [النساء: 64] الآية. وقوله {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه...} تفسير : [النساء: 110] الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا عز وجل، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، أن تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها. يقول الله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}. وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: هان ما سألكم ربكم {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أنس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ثم تلا هذه الآية {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم...} الآية ". تفسير : وأخرج النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة، حتى أنها لتصطفق، ثم تلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أنس قال: ما لكم والكبائر، وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر. وأخرج ابن جرير بسند حسن عن الحسن، أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك فقال: اجمعهم لي. فجمعهم له، فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: لا. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال: فثكلت عمر أمه أتكلفونه على أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات، وتلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} هل علم أهل المدينة فيما قدمتم؟ قال: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اجتنبوا الكبائر، وسددوا وأبشروا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة يعني النظرة. وأخرج ابن جرير عن أبي الوليد قال: سألت ابن عباس عن الكبائر؟ فقال: كل شيء عُصِيَ الله فيه فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل ما وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو من الكبائر. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الكبائر كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحدُّ، فهو من الكبائر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس. أنه سئل عن الكبائر أَسَبْعٌ هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير. أن رجلاً سأل ابن عباس كم الكبائر؟ سبع هي؟ قال: قال إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد قال: قال ابن عباس: كل ذنب أصر عليه العبد كبير، وليس بكبير ما تاب منه العبد. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". تفسير : وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكبائر سبع. أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والإنقلاب على الأعراب بعد الهجرة ". تفسير : وأخرج علي بن الجعد في الجعديات "حديث : عن طيسلة قال: سألت ابن عمر عن الكبائر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هن تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً ". تفسير : وأخرج ابن راهويه والبخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن المنذر والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن وابن المنذر بسند حسن من طريق طيسلة عن ابن عمر قال: "الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النسمة، يعني بغير حق، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والذي يستسحر، وإلحاد في المسجد الحرام، وإنكاء الوالدين من العقوق". وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عمير الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أولياء الله المصلون، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ومن يصوم رمضان يحتسب صومه، ويجتنب الكبائر. فقال رجل من الصحابة: يا رسول الله وكم الكبائر؟ قال: هن تسع: أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير الحق، والفرار يوم الزحف، وقذف المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه "حديث : عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة ادخل بسلام. قيل أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال: نعم. عقوق الوالدين، والإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عبد الله لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة. فسأله رجل ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف ". تفسير : وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال "حديث : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم "تفسير : . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قول الزور أو شهادة الزور ". تفسير : وأخرج الشيخان والترمذي وابن المنذر "حديث : عن أبي بكرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور. ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم حديث : عن ابن عمرو. أنه سئل عن الخمر فقال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أنه كان يعد الخمر أكبر الكبائر. وأخرج عبد بن حميد في كتاب الإيمان عن شعبة مولى ابن عباس قال: قلت لابن عباس: حديث : إن الحسن بن علي سئل عن الخمر أمن الكبائر هي؟ فقال: لا. فقال ابن عباس: قد قالها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا شرب سكر وزنى وترك الصلاة، فهي من الكبائر" . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شك شعبة - واليمين الغموس ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يَسُبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويَسُبُّ أمه فيسب أمه ". تفسير : وأخرج أو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال: قُرِئَ علينا كتاب عمر، من الكبائر جمع بين الصلاتين. يعني بغير عذر، والفرار من الزحف، والنميمة. وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والآمن من مكر الله" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في التوبة عن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأخرج ابن المنذر عن علي أنه سئل ما أكبر الكبائر؟ فقال: الأمن لمكر الله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله. وأخرج ابن جرير بسند حسن عن أبي أمامة. حديث : أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار يوم الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين تجعلون {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} [آل عمران: 77] إلى آخر الآية؟" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعاً "حديث : الضرار في الوصية من الكبائر "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وأخرج البزار وابن المنذر بسند ضعيف عن بريدة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أن أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء، ومنع الفحل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة قال: إن أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: ما أخذ على النساء فمن الكبائر. يعني قوله {أية : أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين...} تفسير : [المتحنة: 12] الآية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيتم الزاني، والسارق، وشارب الخمر، ما تقولون فيهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش، وفيهن عقوبة، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، ثم قرأ {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} [النساء:48] وعقوق الوالدين، ثم قرأ {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] وكان متكئاً فاحتفز فقال: ألا وقول الزور ". تفسير : وأخرج عبدُ بن حميد عن ابن مسعود قال: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول لصاحبه اتق الله، فيقول: عليك نفسك من أنت تأمرني. وأخرج ابن المنذر عن سالم بن عبد الله التمار عن أبيه أن أبا بكر وعمر وأناساً من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك، وتواثبوا إليه جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتله إن أبى. فاختار شرب الخمر، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أحد يشربها فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة، وإن مات في الأربعين مات ميتة جاهلية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول {أية : لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} تفسير : [يوسف: 87]، والأمن لمكر الله، لأن الله يقول {أية : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} تفسير : [الأعراف: 99]، وعقوق الوالدين، لأن الله جعل العاق جباراً عصياً، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله يقول {أية : فجزاؤه جهنم...} تفسير : [النساء: 93] إلى آخر الآية، وقذف المحصنات، لأن الله يقول {أية : لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} تفسير : [النور: 23]، وأكل مال اليتيم، لأن الله يقول {أية : إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} تفسير : [النساء: 10]، والفرار من الزحف، لأن الله يقول {أية : ومن يولهم يومئذ دبره...} تفسير : إلى قوله {أية : وبئس المصير} تفسير : [الأنفال: 16]، وأكل الربا، لأن الله يقول {أية : الذين يأكلون الربا لا يقومون...} تفسير : [البقرة: 275] الآية، والسحر، لأن الله يقول {أية : ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} تفسير : [البقرة: 102]، والزنا، لأن الله يقول {أية : يلق أثاماً} تفسير : [الفرقان: 68] الآية، واليمين الغموس الفاجرة، لأن الله يقول {أية : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم...} تفسير : [آل عمران: 77] الآية، والغلول، لأن الله يقول {أية : ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} تفسير : [آل عمران: 161]، ومنع الزكاة المفروضة، لأن الله يقول {أية : فتكوى بها جباههم...} تفسير : [التوبة: 35] الآية، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول {أية : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} تفسير : [البقرة: 283]، وشرب الخمر لأن الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة متعمداً، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله ورسوله" تفسير : ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله يقول {أية : لهم اللعنة ولهم سوء الدار} تفسير : [الرعد: 25]. وأخرج عبد بن حميد والبزار وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود أنه سئل عن الكبائر قال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى قوله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود. أنه سئل عن الكبائر؟ فقال: افتتحوا سورة النساء فكل شيء نهى الله عنه حتى تأتوا ثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قرأ مصداق ذلك {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه...} الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ من النساء حتى بلغ ثلاثين آية منها، ثم قرأ {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} مما في أول السورة إلى حيث بلغ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم قال: كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة، سورة النساء إلى هذه الموضع {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان، ويقولون اعرابية بعد الهجرة. قيل لابن سيرين: فالسحر... قال: إن البهتان يجمع شراً كثيراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيرة قال: كان يقال: شَتْمُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر. وأخرج ابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن الأوزاعي قال: كان يقال: من الكبائر أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. أنه قرأ "تكفر" بالتاء ونصب الفاء. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} قال: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {نكفر عنكم سيئاتكم} قال: الصغار {وندخلكم مدخلاً كريماً} قال: الكريم: هو الحسن في الجنة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه كان يقول: المدخل الكريم. هو الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ {مدخلاً} بضم الميم.
ابو السعود
تفسير : {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} أي كبائرَ الذنوبِ التي نهاكم الشرعُ عنها مما ذكر هٰهنا وما لم يُذكرْ، وقرىء كبـيرَ على إرادة الجنسِ {نُكَفّرْ عَنْكُمْ} بنون العظمةِ على طريقة الالتفاتِ، وقرىء بالياء بالإسنادِ إليه تعالى، والتكفيرُ إماطةُ المستحَقِّ من العقاب بثوابٍ أُريد أو بتوبة أي نغفِرْ لكم {سَيّئَاتِكُمْ} صغائرَكم ونمحُها عنكم، قال المفسرون: «الصلاةُ إلى الصلاة والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بـينهن من الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائرُ». واختلف في الكبائر والأقربُ أن الكبـيرةَ كلُّ ذنبٍ رتّب الشارعُ عليه الحدَّ أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: ما عُلم حرمتُه بقاطع، وعن النبـي صلى الله عليه وسلم أنها سبعٌ:حديث : الإشراكُ بالله تعالى وقتلُ النفسِ التي حرمها الله تعالى وقذفُ المحصناتِ وأكلُ مالِ اليتيمِ والربا والفِرارُ من الزحف وعقوقُ الوالدينتفسير : . وعن علي رضي الله عنه: التعقيبُ بعد الهجرةِ مكان عقوقِ الوالدين، وزاد ابنُ عمر رضي الله عنهما: السحرَ واستحلالَ البـيتِ الحرامِ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: الكبائر سبعٌ، قال: هي إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبع، وروي عنه إلى سبعين إذْ لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبـيرةَ مع الاستغفار، وقيل: أريد به أنواعُ الشركِ لقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} وقيل: صِغرُ الذنوب [وكِبَرُها] بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلِها [فقط] بل بحسب الأوقاتِ والأماكنِ أيضاً، فأكبرُ الكبائرِ الشركُ وأصغرُ الصغائرِ حديثُ النفسِ، وما بـينهما وسائطُ يصدُق عليه الأمران فمن له أمرانِ منهما ودعت نفسُه إليهما بحيث لا يتمالك فكفّها عن أكبرهما كُفّر عنه ما ارتكبه لِما استحق على اجتناب الأكبرِ من الثواب {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً} بضم الميم اسمُ مكانٍ هو الجنة {كَرِيماً} أي حسَناً مَرْضياً أو مصدرٌ ميميٌّ أي إدخالاً مع كرامةً، وقرىء بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكانَ والمصدر، ونصبُه على الثاني بفعل مقدرٍ مطاوِعٍ للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً أو دخولاً كريماً كما في قوله: [الطويل] شعر : وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع من المال إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ تفسير : أي لم تدع فلم يبْقَ إلا مسحتٌ الخ. {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي عليكم، ولعل إيثارَ الإبهامِ عليه للتفادي عن المواجهة بما يشُقُّ عليهم. قال القفال: لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموالِ الناسِ بالباطل وقتلِ الأنفسِ عقّبه بالنهي عما يؤدّي إليه من الطمع في أموالهم وتمنّيها، وقيل: نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرّض لها بالقلب على سبـيل الحسدِ لتطهير أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ فالمعنى لا تتمنَّوْا ما أعطاه الله تعالى بعضَكم من الأمور الدنيويةِ كالجاه والمالِ وغيرِ ذلك مما يجري فيه التنافسُ دونكم فإن ذلك قسمةٌ من الله تعالى صادرةٌ عن تدبـير لائقٍ بأحوال العبادِ مترتبٍ على الإحاطة بجلائلِ شؤونِهم ودقائقِها فعلى كلّ أحدٍ من المفضّل عليهم أن يرضىٰ بما قسم الله له ولا يتمنى حظَّ المفضَّلِ ولا يحسُده عليه لما أنه معارَضةٌ لحكمِ القدرِ المؤسسِ على الحِكَم البالغةِ لا لأن عدمَه خيرٌ له ولا لأنه لو كان خلافَه لكان مفسدةً له كما قيل إذ لا يساعدُه ما سيأتي من الأمر بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطِقٌ بأن المنهيَّ عنه تمنِّي نصيبِ الغيرِ لا تمنِّي ما زاد على نصيبه مطلقاً. هذا وقد قيل: لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثلَ حظِّ الأنثيـين قالت النساءُ: نحن أحوجُ أن يكون لنا سهمانِ وللرجال سهمٌ واحد لأنا ضعفاءُ وهم أقوياءُ وأقدرُ على طلب المعاشِ منا فنزلت وهذا هو الأنسبُ بتعليل النهي بقوله عز وجل: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} فإنه صريحٌ في جريان التمني بـين فريقي الرجالِ والنساءِ، ولعل صيغةَ المذكرِ في النهي بالبعض والمعنى لكلَ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معينُ المقدارِ مما أصابه بحسَب استعدادِه، وقد عُبّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارةِ التبعيةِ المبنيةِ على تشبـيه اقتضاءِ حالِه لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كلَ منهما لنصيبه وتقويةً لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجبه الانتهاءُ عن التمني المذكور. وقوله تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} عطفٌ على النهي، وتوسيطُ التعليلِ بـينهما لتقرير الانتهاءِ مع ما فيه من الترغيب في الامتثالِ بالأمر كأنه قيل: لا تتمنَّوا ما يختصُّ بغيركم من نصيبه المكتَسبِ له واسألوا الله تعالى من خزائن نِعمِه التي لا تنفَذُ، وحُذف المفعولُ الثاني للتعميم، أي واسألوه ما تريدون فإنه تعالى يعطيكُموه، أو لكونه معلوماً من السياق أي واسألوه مثلَه، وقيل: مِنْ زائدةٌ والتقديرُ واسألوه فضلَه وقد جاء في الحديث: «حديث : لا يتمنّينّ أحدُكم مالَ أخيه ولكن ليقل: اللهم ارزُقني اللهم أعطِني مثلَه» تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإنَّهُ يُحِبُّ أن يُسألَ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ».تفسير : وحملُ النصيبِ على الأجر الأُخرويِّ وإبقاءُ الاكتسابِ على حقيقته ــ بجعل سببِ النزولِ ما رُوي أن أمَّ سلَمةَ رضي الله عنها قالت: «ليت الله كتب علينا الجهادَ كما كتبه على الرجال فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لَهم» على أن المعنى لكلَ من الفريقين نصيبٌ خاصٌّ به من الأجر مترتبٌ على عمله، فللرجال أجرٌ بمقابلة ما يليق بهم من الأعمال كالجهاد ونحوِه فلا تَتَمنَّ النساءُ خصوصيةَ أجرِ الرجالِ ولْيَسألْنَ من خزائن رحمتِه تعالى ما يليق بحالهن من الأجر ــ لا يساعده سياقُ النظمِ الكريمِ المتعلق بالمواريث وفضائلِ الرجالِ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً} ولذلك جعل الناسَ على طبقات ورفَع بعضَهم على بعض درجاتٍ حسب مراتبِ استعداداتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبـية.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[31] وقال: روي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر من أول النساء إلى هذه الآية. قال سهل: الكبائر ما أوعد الله تعالى النار عليه في كتابه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [الآية: 31]. قال أبو تراب اليخشبى رحمه الله: أمر الله عز وجل باجتناب الكبائر، وهى الدعاوى الفاسدة والإشارات الباطلة وإطلاق الألفاظ من غير حقيقة.
القشيري
تفسير : الكبائر - على لسان العلم - ها هنا الشِّرْكُ بالله، وعلى بيان الإشارة أيضاً الشِّرْكُ الخَفِيّ. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم، والإغماض على حق الله بسببهم. ويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة الحد فهو بعيد عن التكفير. ويقال أكبر الكبائر إثباتُك نَفْسَك فإذا شاهدت نَفْيَها تخلَّصْتَ من أسر المحن. {وَنُدْخِلْكُمْ} في أموركم {مُّدْخَلاً كَرِيماً} إدخالاً حسناً لا ترون منكم دخولكم ولا خروجكم وإنما ترون المُصَرِّفَ لكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الكبائر ههنا فى الاشارة روية العبودية فى مشهد الربوبية وروية الاعواض فى الخدمة ومل النفس الى غير الله من العرش الى الثرى والسكون والوقفة فى مقام الكرامات واظهار المقامات قبل بلوغها برسوم المرسومات والخطرات السارقة الجارية بخفيات ضمائر الرضا فى بطنان ضمرائر الاسرار وهذه المحن حجبات اهل المعارف من بقى فها تقاعد عن سلوم المعرفة واحتجب بنفسه عن نور المشاهدة وانه تعالى نيهنا ان من اجتنب عنها وان باشرها يعينه ويؤيده بتخليصه عنها وبرفع الوحشة الكدورة التى بقيت عنها فى قلبه عن شره وذلك قوله تعالى {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ومن خرج عن هذه الظلمات ادرك ما فاته من المقامات وزاد قربه فى المشاهدات بقوله تعالى {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} والمدخل الكريم وصال جماله وادراك لطائف نواله قال ابو تراب امرا لله باجناب الكبائر وهى الدعاوى الفاسدة الاشارات الباطلة واطلاق اللفظ بغير الحقيقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان تجتنبوا} الاجتناب التباعد ومنه الاجنبى {كبائر ما تنهون عنه} كبائر الذنوب التى نهاكم الله ورسوله عنها {نكفر عنكم} التكفير اماطة المستحق من العقاب بثواب ازيد او بتوبة والاحباط نقيضه وهو اماطة الثواب المستحق بعقاب ازيد او بندم على الطاعة المعنى نغفر لكم {سيآتكم} صغائركم ونمحها عنكم {وندخلكم مدخلا} بضم الميم اسم مكان هو الجنة {كريما} اى حسنا مرضيا او مصدر ميمى اى ادخالا مع كرامة. قال المفسرون الصلاة الى الصلاة والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر اذا اجتنب الكبائر. واختلف فى الكبائر والاقرب ان الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد فيه. قال انس بن مالك رضى الله عنه انكم تعملون اليوم اعمالا هى فى اعينكم ادق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر. وقال القشيرى الكبائر على لسان اهل الاشارة الشرك الخفى ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق واستجلاب قلوبهم والتودد اليهم والاغماض عن حق الله بعينهم. واعلم ان اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وعند انتفاء الصغائر والكبائر يمكن الدخول فى المدخل الكريم وهو حضرة اكرم الاكرمين قال عليه السلام "حديث : ان الله طيب لا يقبل الا الطيب " .تفسير : وجملة الكبائر مندرجة فى ثلاثة اشياء احدها اتباع الهوى والهوى ميلان النفس الى ما يستلذ به من الشهوات فقد يقع الانسان به فى جملة من الكبائر مثلا البدعة والضلالة والارتداد والشبهة وطلب الشهوات واللذات والتنعمات وحظوظ النفس بترك الصلاة والطاعات كلها وعقوق الوالدين وقطع الرحم وقذف المحصنات وامثال ذلك ولهذا قال تعالى {أية : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} تفسير : [ص: 26]. وقال عليه السلام "حديث : ما عبد اله ابغض على الله من الهوى". شعر : غبار هوا جشم عقلت بدوخت سموم هوس كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فردا شوى سرمه درجشم خاك تفسير : وثانيها حب الدنيا فانه ميطة كثير من الكبائر مثل القتل والظلم والغصب والنهب والسرقة والربا وأكل مال اليتيم ومنع الزكاة وشهادة الزور وكتمانها واليمين الغموس والحيف فى الوصية وغيرها واستحلال الحرام ونقض العهد وامثاله ولهذا قال تعالى {أية : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20]. وقال عليه السلام "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة " .تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : اتانى جبريل وقال ان الله تعالى قال وعزتى وجلالى انه ليس من الكبائر كبيرة هى اعظم عندى من حب الدنيا". شعر : عاقلان ميل بسويت نكند اى دنيا هم اميد كرم ولطف توجاهل دارد هركه خواهد بكنداز تومر ادى حاصل حاصل آنست كه انديشه باطل دارد تفسير : وثالثها رؤية الغير فان منها ينشأ الشرك والنفاق والرياء وامثاله ولهذا قال تعالى {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48و116]. وقال عليه السلام "حديث : اليسير من الرياء شرك" .تفسير : وقال بعض المشايخ وجودك ذنب لا يقاس به ذنب آخر فمن تخلص من ذنب وجوده فلا يرى غير الله فلا ينتشىء منه الشرك ولا حب الدنيا وتخلص من الهوى فيتحقق له الوصول واللقاء قال تعالى {أية : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} تفسير : [الكهف: 110]. لعمرى ان هذا لهو المدخل الكريم والفوز العظيم والنعيم المقيم. فعلى العاقل ان يتخلص من الاغيار ويشاهد فى المجالى انوار الواحد القهار شعر : كرجه زندانست برصاحب دلان هركجا بويى زوصل يار نيست هيج زندان عاشق محتاج را تنك تراز صحبت اغيار نيست تفسير : ولذا قيل الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وما سوى الحق اغيار. قال ابراهيم عليه السلام {أية : فإنهم عدو لى إلا ربَّ العالمين} تفسير : [الشعراء: 77]. فلا بد للسالك ان يجتهد فى سلوكه ويتخلص من رق الغير كى يصل الى المراد والعاشق الصادق لا يكون فى عبودية غير معشوقه ولا يتسلى عن الدنيا والآخرة الا بوصاله فليس له مطلب سواه شعر : عاشق كه زهجردوست دادى خواهد يابر در وصلش ايستادى خواهد ناكس ترا زو كس نبود درعالم كزدوست بجزدوست مرادى خواهد تفسير : وهذا مقام شريف ومطلب عزيز اوصلنا الله تعالى واياكم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: المدخل ـ بالضم: مصدر، بمعنى الإدخال، وبالفتح: المكان، ويحتمل المصدر. يقول الحقّ جلّ جلاله: إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي تُنهون عنها {نكفر عنكم سيئاتكم} الصغائر {وندخلكم مُدْخلاً كريمًا} وهو الجنة، أو إدخالاً مصحوبًا بالكرامة والتعظيم، واختلف في الكبائر، هل تعرف بالعد أو بالحد؟ فقيل: سبع، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة، وقيل: كل معصية فهي كبيرة. عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ: الإشراك باللهِ، والسَّحرَ، وقَتلَ النَّفس بغير حقها، وأكلَ الرَبّا، وأكلَ مَالِ اليَتِيمِ، والفرار مِن الزَّحفِ، ورَمي المُحصنَاتٍ الغَافِلاتِ المُؤمِنَاتِ ". تفسير : قال ابن جزي: لا شك أن هذه مِنَ الكبائر لنص الشارع عليها، وزاد بعضهم عليها أشياء ورد النص عليها في الحديث أنها من الكبائر، منها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرّز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في عرض أخيه، والجور في الحكم. وقيل في حدّها: كل جريمة تؤذن بقلة الدين ورقة الديانة، وقيل: ذنوب الظاهر صغائر، وذنوب الباطن كبائر. وقيل: كل ما فيه حق الغير فهو كبائر، وما كان بينك وبين الله تعالى صغائر، واحتج هذا بقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : يُنَادِي يومَ القيامة مناد من بُطنان العرش: يا أمّة أحمد، إنّ الله تعالى يقول: أمَّا ما كان لي قِبلَكُمُ فقد وهبتهُ لكم، وبقيت التباعات، فَتواهبُوها، وادخلوا الجنة ". تفسير : الأشارة: كل ما يُبعد العبد عن حضرة ربه فهو من أكبر الكبائر، فمن اجتنب ذلك واتقى كل ما يشغله عن الله أدخله الله مدخلاً كريمًا، وهو حضرة الشهود والتلذذ برؤية المعبود، والترقي في أسرار الحبيب الودود. قال الورتجبي: قال أبو تراب: أمر الله باجتناب الكبائر، وهي الدعاوى الفاسدة، والإشارات الباطلة، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة. هـ.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ نافع، وأبو بكر، عن عاصم: مدخلا - بفتح الميم - الباقون بضمها، وهو الأقوى، لأنه من ادخلوا والآخر جائز، لأن فيه معنى: فيدخلون، وليس كقول الشاعر: شعر : الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا تفسير : ويروى بفتح الميم فيهما، أنشده البلخي في البيت، لأنه ليس فيه فعل، ولكن قد حكي بالفتح على التشبيه بالأول، ويحتمل أن يكون من قرأ بفتح الميم أراد: مكاناً كريماً، كما قال: {أية : ومقام كريم } تفسير : وقرأ المفضل، عن عاصم "يكفر" "ويدخلكم" بالياء فيهما، الباقون بالنون، وهو الأجود، لأنه وعد على وجه الاستئناف، فالاحسن ألا يعلق بالأول من جهة ضمير الغائب، واختاره الاخفش، ومن قرأ بالياء رده إلى ذكر الله في قوله: {إن الله كان بكم رحيماً}. المعنى: والمعاصي وإن كانت كلها عندنا كبائر، من حيث كانت معصية لله تعالى، فانا نقول: إن بعضها أكبر من بعض، ففيها إذاً كبير بالاضافة إلى ما هو أصغر منه. وقال ابن عباس: كلما نهى الله عنه فهو كبير. وقال سعيد بن جبير: كلما أوعد الله عليه النار فهو كبير، ومثله قال أبو العالية، ومجاهد، والضحاك. وعند المعتزلة أن كل معصية توعد الله تعالى عليها بالعقاب، أو ثبت ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أو كان بمنزلة ذلك، أو أكبر منه، فهو كبير، وما ليس ذلك حكمه فانه يجوز أن يكون صغيراً، ويجوز أن يكون كبيراً، ولا يجوز أن يعين الله الصغائر، لأن في تعيينها الاغراء بفعلها، فمن المعاصي المقطوع على كونها كبائر: قذف المحصنات، وقتل النفس التي حرم الله، والزنا، والربا، والفرار من الزحف في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، ومثله عن أبي عبد الله (ع)، وزاد: وعقوق الوالدين، والشرك، وإنكار الولاية. وقال ابن مسعود: كلما نهى الله عنه، من أول السورة إلى رأس الثلاثين، فهو كبير. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: حديث : عقوق الوالدين، وشهادة الزور، كبير . تفسير : فعلى مذهب المعتزلة: من اجتنب الكبائر، وواقع الصغائر، فان الله يكفر الصغائر عنه، ولا يحسن مع اجتناب الكبائر عندهم المؤآخذة بالصغائر، ومتى آخذه بها كان ظالماً. وعندنا أنه يحسن من الله تعالى ان يؤآخذ العاصي بأي معصية فعلها، ولا يجب عليه إسقاط عقاب معصية لمكان اجتناب ما هو أكبر منها، غير أنا نقول: إنه تعالى وعد تفضلا منه أن من اجتنب الكبائر فانه يكفر عنه ما سواها، بأن يسقط عقابها عنه تفضلا، ولو أخذه بها لم يكن ظالماً، ولم يعين الكبائر التي إذا اجتنبها كفر ما عداها، لأنه لو فعل ذلك لكان فيه إغراء بما عداها، وذلك لا يجوز في حكمته تعالى. وقوله: {إن تجتنبوا كبائر} معناه من تركها جانباً والمدخل الكريم: هو الطيب الحسن المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أكبر الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم وقتل النفس التي حرّم الله وأكل أموال اليتامى وعقوق الوالدين وقذف المحصنة والفرار من الزحف وإنكار ما أنزل الله. أما [أ، ب: فأما] الشرك بالله العظيم فقد بلغكم ما أنزل الله وما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فردّوا على الله وعلى رسوله. وأما قتل النفس الحرام فقتل الحسين [بن علي. ر] [عليهما السلام، ر، أ] وأصحابه [رحمهم الله تعالى. ر]. وأما أكل أموال اليتامى فقد ظلموا فيئنا [ر، أ: فينا] وذهبوا فيه. وأما عقوق الوالدين فقد قال الله تعالى في كتابه: {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} تفسير : [6/الأحزاب] وهو أب لهم فعقوه في ذريته [و. أ، ب] في قرابته. وأما قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة الزهراء بنت [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] [ر: النبي {وزوجة الولي.ر، أ (خ ل) عليهم السلام والتحية والإكرام] على منابرهم. وأما الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب. ر] عليه السلام [على. ر] البيعة طائعين غير كارهين ثم فروا عنه وخذلوه. وأما إنكار ما أنزل الله فقد أنكروا حقنا وجحدوا به، هذا ما لا يتعاجم فيه [ب: به] أحد، إن الله [تبارك. أ، ب] وتعالى يقول في كتابه {إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن معلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله جعفر الصادق عليه السلام يقول: الكبائر سبع فينا نزلت ومنا استحلت فأكبر الكبائر الشرك بالله وقتل النفس التي حرّم الله وقذف المحصنة وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وإنكار حقنا. فأما الشرك بالله فقد أنزل الله فينا ما أنزل وقال النبي فينا ما قال فكذبوا [ر: فقد كذبوا] الله وكذبوا برسوله. و[أما. ب، أ] قتل النفس [التي حرم الله. أ، ب] فقد قتلوا الحسين في [ب: و] أهل بيته. و[أما. ب، أ] قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة [بنت رسول الله (ص.ب) على منابرهم. أ، ب]. و[أما. أ، ب] عقوق الوالدين فقد عقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ر: النبي] في ذريته. و[أما. أ، ب] أكل مال اليتيم فقد منعوا حقنا من كتاب الله. و[أما. أ، ب] الفرار من الزحف فقد [أعطوا أمير المؤمنين بيعته طائعين غير كارهين ثم. ب، أ] فروا عنه وخذلوه. و[أما. ب، أ] إنكار حقنا فوالله ما يتعاجم في هذا أحد.
الهواري
تفسير : قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ثم قال: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الكبائر تسع: الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين المسلمين، وقذف المحصنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والفرار من الزحف، واستحلال البيت الحرام قبلتكم التي إليها تَوَجَّهُون . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر. وقال بعضهم: الفرار يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين مجتمعون يومئذ كما كانوا يوم بدر. قال الحسن: "حديث : ذكرت الكبائر عند النبي عليه السلام فقال: أين تعدون اليمين الغموس ". تفسير : ذكروا أن أبا العالية الرياحي قال: يقولون: الكبائر سبع، وأنا أراها سبعاً وسبعاً وسبعاً حتى عدّ أربعين أو أكثر. جماع الكبائر أن كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا فهو كبيرة. وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما تعدّون السرقة والزنا وشرب الخمر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فواحش وفيهن عقوبة. تفسير : ثم قال: أكبر الكبائر الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر غدرته يركز عند دبره، ألا ولا غدرة أكبر من غدرة أمير عامة . ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن ولا يقتل النفس وهو مؤمن فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه . تفسير : وقوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي التي دون الكبائر: وندخلكم مدخلاً كريماً أي الجنة. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا إن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهما لمن اجتنب الكبائر . تفسير : ذكروا عن أنس بن مالك أنه قرأ هذه الآية {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} فقال: قد تجاوز لكم عن السيئات، فما بال الكبائر. ذكروا أن رجلاً من أصحاب النبي قال: الذنوب درجات فأعظمها القتل: ألا إن الإِشراك بالله مقتلة.
اطفيش
تفسير : {إِنْ تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً}: وقرىء كبير بالإفراد على إرادة الجنس، والناهى لله أو رسوله، والسيئة الصغيرة، والمدخل الكريم: الجنة، والمدخل إسم مكان من الثلاثى، ولا مانع من أعمال الفعل الرباعى أو غيره فى اسم مكان الثلاثى، أو إسم الزمان الثلاثى نحو: أجلست إبنى مجلس الأمير أى: موضع جلوس الأمير، ولا مانع من ذلك، فلا حاجة إلى ما قيل من أن عامله ثلاثى محذوف، أى وندخلكم فتدخلوا بضم الخاء، مدخلا كريماً ولا إلى ما قبل إنه إسم مكان من الرباعى بحذف الزيادة بمعنى أن أصله من أدخل، حذفت همزته، فكان من دخل كما هو وجه فى {نباتاً} من قوله تعالى {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : أصله إنباتاً، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً من ثلاثى يقدر له، أى ندخلكم فتدخلوا دخولا كريماً، أو ينصب بالرباعى قبله على حذف الزائد، على حد ما ذكر، وقرأ غير نافع بضم الميم على أنه إسم مكان رباعى أو مصدر ميمى رباعى، أى إدخالا كريماً، ومعنى كون الإدخال أو الدخول كريماً أنه ذو كرامة، أى حسن وقبول، فإذا كان مدخل بفتح الميم أو ضمها، إسم مكان فهو معمول لدخل، ظرف، أو مفعول به، أو منصوب على نزع الخافض، على الخلاف فى منصوب دخل الثلاثى، وإذا كان مصدراً ميمياً، فمفعول ندخل محذوف، أى ندخلكم الجنة إدخالا كريماً، والكبيرة: ما رتب الشارع عليه حداً أو وعيداً، قال على بن أبى طالب وابن عباس فى رواية: كل ذنب ختمه الله بالنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة. وأراد بالعذاب: الحد أو عذاب الآخرة. قال عبد الله بن عمرو ابن العاص، إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"تفسير : وروى أن إعرابياً سأله فأجابه بذلك، أراد صلى الله عليه وسلم التمثيل بهذه لا الحصر فإنه إذا ذكر لهم ذلك، عرفوا أن حكم مثلها حكمهما لإجتماع الكل فى الوعيد، والنهى، ويدل لذلك ذكره صلى الله عليه وسلم غيرهن فى الأحاديث والنقض منهن، فقد جاء حديث : أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الشرك بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قال: واليمين الغموس؟ قال: "يقتطع مال امرء مسلم بيمين هو فيها كاذب"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : "من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قالوا: وهل يلعن الرجل والديه؟ قال: "نعم يلعن الرجل منهم أبا الرجل وأمه فيلعن أباه وأمه"تفسير : . وعن ابن مسعود رضى الله عنه: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن يجعل لله نداً وهو خلقك" قلت: ثم أى؟ قال:"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" ثم قلت: أى قال: "أن تزنى بحليلة جارك" تفسير : ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد كان عنده ما يلى الأولى وما يلى الثانية، ثم لم يذكره حتى كان ابن مسعود رضى الله عنه يقول ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ فهذا يناسب أنه إذا ذكر شيئاً من الكبائر علمنا أنه أراد التمثيل لا الحصر، وعن أنس بن مالك: ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال"حديث : الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس"تفسير : ، وقال: "حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور أ"تفسير : ، أو قال "حديث : شهادة الزور"تفسير : ، وفى رواية أبى بكر رضى الله عنه، قال ثلاثاً: حديث : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" قلنا بلى يا رسول الله. قال: "الشرك بالله" وساق الحديث إلا أنه قال "إلا وشهادة الزور وقول الزور" وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكتتفسير : . وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل يا رسول الله ما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"تفسير : . وعن ابن مسعود: أكبر الكبائر الشرك بالله، والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله. وعن سعيد بن جبير: أن رجلا سال ابن عباس عن الكبائر أسبع هى؟ قال: هى إلى سبعمائة أقرب وفى رواية: إلى السبعين إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، وقال: كل ما عصى الله به، وفى رواية: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وعن سفيان الثورى: الكبائر ما كان فيه المظالم فيما بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، يعنى غير ما ذكر فى الحديث من المظالم التى بينك وبين الله، أنهُ كبيرة ومع هذا التأويل فلعله لا تصح عنه هذه الرواية، وروى أنه قال بذلك محتجاً برواية أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه ينادى يوم القيامة مناد من بطنان العرش: يا أمة محمد إنَّ الله قد عفا عنكم جميعاً المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتى"تفسير : . ولا حجة له وهذا فيما ثبت عنه. وقيل - الكبائر ذنوب العمد، والسيئات: الخطأ والنسيان، وما أكره عليه. وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة، وليس كذلك لأن هذه الأنواع لا ذنب فيها ولا عقاب، اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب، وقال السدى: الكبائر: ما نهى الله عنه من الذنوب والسيئات مقدماتها وتوابعها، الذى يقع فيها الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة ولبس كما قال فإن النظرة واللمسة والقبلة كبائر، ودليل النظرة الحديث: "حديث : من نظر نظرة حراماً بشهوة كحلت عيناه بمسامير من النار"تفسير : والحديث: "حديث : إن العين تزنى وكذا ما بعد النظر ولو كذبهن الفرج"تفسير : بمعنى أنهن زنى هو دون الزنى بالفرج، وأنهن زنى مقدمات للزنى بالفرج، لكن لم يقع والقبلة ولو لم تذكر فى الحديث لكن فيه القلب يهوى ويتمنى، والقلب نمرة تمنى القلب، وكل جارحة عملت عملها فى مقدمات الزنى فقد زنت، لأنها عملت عن تمنية الزنى ولفظ الحديث فى بعض الروايات عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى وهو مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها اللمس، والرِّجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه"تفسير : . وقيل الكبائر: الشرك وما يؤدى إليه، وما دونه فهو من السيئات. وليس كذلك فكم كبيرة صح فى الحديث أنها كبيرة، ولا يظهر لنا أنها تؤدى إلى الشرك إلا بوجه تشترك معها الصغيرة، وعن على: الكبائر سبع الشرك، والقتل، والقذف، والزنى، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والتغرب بعد الهجرة. وزاد ابن عمر: السحر، واستحلال البيت الحرام. وعن أما الحرمين والباقلانى: الكبيرة ما نهى الله عنه، كما مر عن ابن عباس وليس كذلك لأن الصغائر منهى عنها لأنها معاصى، ولا شىء من المعاصى غير منهى عنه، والآية دليل إذ قال عز وجل {كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْن} احترازاً عن صغائر ما نهينا عنه وهى المكفرة، باجتناب الكبائر، وهذا التكفير قطعى عند الفقهاء والمحدثين، وزعم قوم من الفقهاء المخالفين وأصحاب الأصول منهم وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين المسلمين، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والفرار عند الزحف، واستحلال البيت الحرام قبلتكم التى إليها تتوجهون"تفسير : . وعن الحسن: الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر، وقال بعضهم: الفرار يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين يجتمعون يومئذ، كما لم يكن يوم بدر من المسلمين إلا من حضر القتال، وستكون هذه الوقعة قيل تكون فى قسطيلية ولعلها هى قسطينة المغرب التى هى آخر أعمال الجزائر إلى جهة تونس، حديث : قال الحسن: ذكرت الكبائر عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال "اين تعدون: اليمين الغموس"تفسير : ، وذكروا أن أبا العالية الرياحى قال: يقولون الكبائر السبع وأنا أراها سبعاً وسبعاً وسبعاً حتى عد أربعين أو أكثر. وعن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "ما تعدون الزنى والسرقة وشرب الخمر" قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: "فواحش وفيهم عقوبة" ثم قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين"، وكان متكئاً فجلس ثم قال: "ألا وقَوْلِ الزورِ إلا وقول الزور إلا إن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر عذرته يركز عند دبره" تفسير : وعن الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزنى الزانى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يقتل النفس وهو مؤمن، فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه"تفسير : . وأعظم الكبائر: الإشراك بالله سبحانه وتعالى عز وجل، وبعده القتل، قيل: أكبر الكبائر الشرك، وأصغر الصغائر حديث النفس، وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران فمن عرض له أمران منها ولم يتمالك فكف عن أكبرهما، كفَّر عنه ما ارتكب لاجتناب الأكبر، ولكثيراً ما يعد شىء ذنباً فى حق إنسان دون آخر ومن الكبائر: أكل مال الناس بالكذب أو بالغش أو بالبخس أو بالسرقة أو الغصب أو المداراة، وكل إتلاف مال ولو أقل قليل عندنا إلا ما تسمح به النفس، أو بالزنى، أو لمعصية، وشرب ما يسكر أو أكله، سواء شهر باسم الخمر، أو باسم النبيذ أو غيره، ولو أقل قليل، والميسر، والميتة، والدم، ولحم الخنزير، والبول، والغائط، وإخراء بنى آذم وفضلاتهم ولو طاهرة، وعقوق الأب أو الأم، والقذف، والكذب مطلقاً. وقيل: على الله أو رسوله. وقيل: على أحدهما أو كذب هرق به دم أو تلف به مال، وترك الاختتان حين لا عذر، والغيبة والنميمة، والغلول وهو داخل فى أكل المال بالباطل، والتنابز بالألقاب، والإعزاء بين البهائم والطفال أو الناس، وقسمة المواريث بغير ما أنزل الله، والحكم بغير ما أنزل الله، والرشوة فى الحكم، وكتمان الشهادة، وتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى، وهذان دخلا فى الشرك، وترك الصلاة المفروضة، ومنع الزكاة، والإفطار فى رمضان، وترك الحج والإيصاء له، والكبر، والحسد، والرياء، وسوء الظن بالمداومة عليه، حتى يكون قاطعاً أو كالقاطع، والإياس من رحمة الله تعالى، ولو رحمة الدنيا. والأمن من عذاب الله، ولو عذاب الدنيا، وأما الإياس من مخلوق، والأمن من مكره فليس من ذلك، وطلب العلو، وحب الثناء، وسخط المقدور، والمكر، والخديعة، والبخل، والرغبة، والرهبة، وجهل الفرائض، والفخر، وتعظيم الأغنياء، واحتقار الفقراء، والمداهنة فى الدين، وإتيان المرأة فى دبرها، وإتيانها فى الحيض - الحديث أنهما ذنبان عظيمان - لا كما قيل إن إتيانها فى الحيض ليس كبيرة، وإذا كنا نعد أنواع الشرك وأنواع أكل المال بالباطل، وأنواع ترك الصلاة كترك الوضوء، وترك الاستنجاء، وترك الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس، وأنواع ما أشبه ذلك فقد يجتمع سبعمائة أو أكثر، ومنها ضرب الطبل لعباً مع الاجتماع عليه، والمزامير ونحوها من آلات اللهو، والنداء بالقبائل والحمية، والعجب والركون إلى الباطل، ومنع الحق، والزنى بالجارحة كاليد، وسحاق النساء، وكشف العورة، وقطع الرحم، والدخول بلا إذن، خلافاً لمن وهم فى ذلك، وترك رد السلام خلافاً لمن وهم فى ذلك، واستقصاء المرأة الحرة صوتها بلا ضرورة، وقيل ولو لم تستقص إذا جهرت قدر ما يسمع، وبينه وبين السامع سبع حرمات كبار وقيل غير ذلك، ونشوزها وعصيان الأمة والعبد سيدهما، وبيع الحر، ووضع السلاح للعدو، وقيل: إن لم يكن عنده آخر، وقيل: إن قتله به أو ضره به، واللطمة، وقيل صغيرة، وأكل الطين، وحلق اللحية أو قصها أو نتفها، وعدم اعتدال فى الركوع على الصحيح، وهو مما يدخل فى ترك الصلاة؛ وترك إنفاق من لزمت نفقته، وتعذيب الحيوان بما لا يجوز، كالمثلة به، والطعن فى الدين، والهمز والغمز واللمز، وقتل الحيوان بلا ذكاة، والاستماع إلى استنجاء أو قضاء حاجة الإنسان أو قضاء حاجة الإنسان تلذذاً، وقصد المرأة أن يشم الرجل رائحتها، وقيل المراد أنواع الشرك فى الآية لقوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به.. } تفسير : الآية وليس كذلك لأنه خلاف الظاهر، ولأن الشرك وما دونه متعلقان بالمشيئة من حيث الغفران، فلو شاء الله غفرهما بالتوفيق للتوبة وفيه صغر للذنوب، وكبرها سىء.
اطفيش
تفسير : {إن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الكبائر التى من جملة الذنوب التى نهاكم الله عنها، كبائر الموبقات السبع، الإشراك، وقتل النفس التى حرم الله، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وسائر الكبائر، فعن ابن عباس: هى إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، ومن الكبائر ترك الطاعة الواجبة، فاجتناب الكبائر صادق بأداء الفرائض، ويعد فى حق الأنبياء ذنبا ما لا يعد فى حقنا ذنبا، كعدم العفو عمن أساء والاقتصار على الأسهل من العبادة ميلا إلى النفس {نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} صغائركم والكبيرة ماجاء الوعيد فيه حدا ولم يكن فيه، وما يقاس على ذلك، أو ما علم حرمته بقاطع ولو خبر آحاد {وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً} مصدر ميمى نائب عن اسم المصدر، أي وندخلكم دخولا، أى إدخالا، أو اسم مكان من الثلاثى نائب عن اسم المكان من الرباعى، وكأنه قيل مدخلا بضم الميم، أى موضع إدخال، أو اعتبر فى ندخلكم معنى نصيركم داخلين، ولفظ داخلين من الثلاثى، أو يقدر له ثلاثى، أى ندخلكم فتدخلوا مدخلا، أو مكاناً كريماً، كما جاء ومقام كريم {كَرِيماً} موضع الدخول، والإدخال الجنة ونعيمها، والإدخال الكريم والدخول الكريم دخول الجنة ونعيمها.
الالوسي
تفسير : {إِن تَجْتَنِبُواْ} أي تتركوا جانباً {كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ} أي ينهاكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم {عَنْهُ} أي عن ارتكابه مما ذكر ومما لم يذكر، وقرىء (كبير) على إرادة الجنس فيطابق القراءة المشهورة، وقيل: يحتمل أن يراد به الشرك {نُكَفِّرْ} أي نغفر ونمحو واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران، وقرىء (يكفر) ـ بالياء التحتانية {عَنْكُمْ} أيها المجتنبون {سَيّئَاتِكُمْ} أي صغائركم كما قال السدي، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال: الأول: أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وإليه ذهب بعض الشافعية، والثاني: أنها كل معصية أوجبت الحد، وبه قال البغوي وغيره، والثالث: أنها كل ما نصب الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، والرابع: أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وبه قال الإمام، والخامس: أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد، وبه قال الماوردي في «فتاويه»، والسادس: أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي، والسابع: أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، وقال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة انتهى. وقال شيخ الإسلام البارزي: التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل معصوماً فظهر أنه مستحق لدمه، أو وطىء امرأة ظاناً أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته، وقال بعضهم: كل ما ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟ وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبطها بحد، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا؛ وقيل: هي سبع، ويستدل له بخبر «الصحيحين» «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»تفسير : ، وفي رواية لهما «حديث : الكبائر الإشراك بالله تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس» تفسير : . زاد البخاري «واليمين الغموس» ومسلم بدلها «وقول الزور» والجواب أن ذلك محمول على أنه صلى الله عليه وسلم ذكره قصداً لبيان المحتاج منها وقت الذكر لا لحصره الكبائر فيه ـ وممن صرح بأن الكبائر سبع ـ علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير، وقيل: تسع لما أخرجه علي بن الجعد حديث : عن ابن عمر أنه قال حين سئل عن الكبائر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هن تسع الإشراك بالله تعالى وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياءاً وأمواتاً»تفسير : ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث؛ وعنه أيضاً أنها عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين في «الإرشاد». وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في «تفسيره» فقال: معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة وكبيرة بالإضافة، وأوَّلَ الآية بما ينبو عنه ظاهرها، وقالت المعتزلة: الذنوب على ضربين: صغائر وكبائر؛ وهذا ليس بصحيح انتهى، وربما ادعى في بعض المواضع اتفاق الأصحاب على ما ذكره واعتمد ذلك التقى السبكي، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر، ويوافق هذا القول ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذكر عنده الكبائر فقال: «كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة»، وفي رواية «كل ما عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة» ـ قاله العلامة ابن حجر ـ وذكر أن جمهور العلماء على الانقسام، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله تعالى وشدة عقابه وإجلالاً له عز وجل عن تسمية معصيته صغيرة لأنها إلى باهر عظمته تعالى كبيرة وأيّ كبيرة. ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم بل قسموها إلى قسمين ـ كما يقتضيه صرائح الآيات والأخبار ـ لا سيما هذه الآية وكون المعنى: ـ إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال وغير ذلك مما تقدم نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف، ونظير ذلك من التنزيل {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38] ـ بعيد غاية البعد، ولذلك قال حجة الإسلام الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين الصغائر والكبائر وقد عرفتا من مدارك الشرع، نعم قد يقال لذنب واحد: كبير وصغير باعتبارين لأن الذنوب تتفاوت في ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، ومن هنا قال الشاعر:شعر : لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة في السهو فيها للوضيع معاذر (فكبائر) الرجل الصغير (صغائر) وصغائر الرجل الكبير كبائر تفسير : قال سيدي ابن الفارض قدس سره:شعر : ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي تفسير : وأشار إلى التفاوت من قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، هذا وقد استشكلت هذه الآية مع ما في / حديث مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصلوات الخمس مكفرة لما بينها ما اجتنبت الكبائر»تفسير : ووجهه أن الصلوات إذا كفرت لم يبق ما يكفره غيرها فلم يتحقق مضمون الآية، وأجيب عنه بأجوبة أصحها ـ على ما قاله الشهاب ـ إن الآية والحديث بمعنى واحد لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه: «ما اجتنبت» الخ دال على بيان الآية لأنه إذا لم يصل ارتكب كبيرة وأي كبيرة فتدبر {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً} الجمهور على ضم الميم، وقرأ أبو جعفر ونافع بفتحها، وهو على الضم إما مصدر ومفعول {ندخلكم} محذوف أي ندخلكم الجنة إدخالاً، أو مكان منصوب على الظرف عند سيبويه، وعلى أنه مفعول به عند الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل فيه الخلاف، وعلى الفتح قيل: منصوب بمقدر أي ندخلكم فتدخلون مدخلاً ونصبه كما مر، وجوز كونه كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] ورجح حمله على المكان لوصفه بقوله سبحانه: {كَرِيماً} أي حسناً، وقد جاء في القرآن العظيم وصف المكان به فقد قال سبحانه، {أية : وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 58].
ابن عاشور
تفسير : اعتراض ناسب ذكره بعد ذكر ذنبين كبيرين: وهما قتل النفس، وأكل المال بالباطل، على عادة القرآن في التفنّن من أسلوب إلى أسلوب، وفي انتهاز الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه. وقد دلّت إضافة {كبائر} إلى {ما تنهون عنه} على أنّ المنهيات قسمان: كبائر، ودونها؛ وهي التي تسمّى الصغائر، وصفا بطريق المقابلة، وقد سمّيت هنا سيّئات. ووعد بأنّه يغفر السيّئات للذين يجتنبون كبائر المنهيات، وقال في آية النجم (32) {أية : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم} تفسير : فسمّى الكبائر فواحشَ وسمّى مقابلها اللَّمم، فثبت بذلك أنّ المعاصي عند الله قسمان: معاص كبيرة فاحشة، ومعاص دون ذلك يكثر أن يُلمّ المؤمن بها، ولذلك اختلف السلف في تعيين الكبائر. فعن علي: هي سبع الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار يوم الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. واستدلّ لجميعها بما في القرآن من أدلّة جازِمِ النهي عنها. وفي حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اتّقوا السبع الموبقات... "تفسير : فذكر التي ذكرها عليّ إلاّ أنّه جعل السحر عوض التعرّب. وقال عبد الله بن عمر: هي تسع بزيادة الإلحاد في المسجد الحرام، وعقوق الوالدين. وقال ابن مسعود: هي ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هنا. وعن ابن عبّاس: كلّ ما ورد عليه وعيد نار أو عذاب أو لعنة فهو كبيرة. وعن ابن عباس: الكبائر ما نهى الله عنه في كتابه. وأحسن ضبطِ الكبيرة قول إمام الحرمين: هي كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته. ومن السلف من قال: الذنوب كلّها سواء إن كانت عن عمد. وعن أبي إسحاق الإسفرائيني أنّ الذنوب كلّها سواء مطلقاً، ونفَى الصغائر. وهذان القولان واهيان لأنّ الأدلّة شاهدة بتقسيم الذنوب إلى قسمين، ولأنّ ما تشتمل عليه الذنوب من المفاسد متفاوت أيضاً، وفي الأحاديث الصحيحة إثبات نوع الكبائر وأكبر الكبائر. ويترتّب على إثبات الكبائر والصغائر أحكام تكليفية: منها المخاطبة بتجنّب الكبيرة تجنّبا شديداً، ومنها وجوب التوبة منها عند اقترابها، ومنها أنّ ترك الكبائر يعتبر توبة من الصغائر، ومنها سلب العدالة عن مرتكب الكبائر، ومنها نقض حكم القاضي المتلبّس بها، ومنها جواز هجران المتجاهر بها، ومنها تغيير المنكر على المتلبّس بها. وتترتّب عليها مسائل في أصول الدين: منها تكفير مرتكب الكبيرة عند طائفة من الخوارج، التي تَفرّق بين المعاصي الكبائر والصغائر؛ واعتباره منزلة بين الكفر والإسلام عند المعتزلة، خلافاً لجمهور علماء الإسلام. فمن العجائب أن يقول قائل: إنّ الله لم يميّز الكبائر عن الصغائر ليكون ذلك زاجراً للناس عن الإقدام على كلّ ذنب، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، هكذا حكاه الفخر في التفسير، وقد تبيّن ذهول هذا القائل، وذهول الفخر عن ردّه، لأنّ الأشياء التي نظَّروا بها ترجع إلى فضائل الأعمال التي لا يتعلّق بها تكليف؛ فإخفاؤها يقصد منه الترغيب في توخّي مَظانّها ليكثر الناس من فعل الخير، ولكن إخفاء الأمر المكلّف به إيقاع في الضلالة، فلا يقع ذلك من الشارع. والمدخل - بفتح الميم - اسم مَكان الدخول، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً. والمعنى: ندخلكم مكانا كريماً، أو ندخلكم دخولاً كريماً. والكريم هو النفيس في نوعه. فالمراد إمّا الجنة وإمّا الدخول إليها، والمراد به الجَنّة. والمُدخل - بصمّ الميم - كذلك مكانُ أو مَصدرُ أدْخل. وقرأ نافع، وأبو جعفر: مَدْخلا - بفتح الميم - وقرأ بقية العشرة - بضمّ الميم -.
الواحدي
تفسير : {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} وهي كلُّ ذنبٍ ختمه اللَّهُ بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ، أو وعيدٍ في القرآن {نكفر عنكم سيئاتكم} التي هي دون الكبائر بالصَّلوات الخمس {وندخلكم مدخلاً كريماً} أَيْ: الجنَّة. {ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض...} الآية. قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، ليتنا كنَّا رجالاً، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرِّجال، فنزلت هذه الآية. {للرجال نصيب} ثواب {مما اكتسبوا} من الجهاد {وللنساء نصيبٌ} [ثوابٌ] {ممَّا اكتسبن} من حفظ فروجهنَّ وطاعة أزواجهنَّ {واسألوا الله من فضله} إن احتجتم إلى مَا لِغَيركم فيعطيكم من فضله. {ولكلٍّ} أَيْ: ولكلِّ شخصٍ من الرِّجال والنِّساء {جعلنا موالي} عصبة وورثة {ممَّا ترك الوالدان والأقربون} أَيْ: ممَّن تركهم والداه وأقربوه، أَيْ: تشعَّبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين، ثمَّ ابتدأ فقال: {والذين عقدت أيمانكم} وهم الحلفاء، أَيْ: عاقدت حلفَهم أيمانُكم، وهي جمع يمين من القَسَم، وكان الرَّجل في الجاهليَّة يعاقد الرَّجل، ويقول له: دمي دمُّك، وحربي حربُك، وسلمي سلمُك، فلمَّا قام الإِسلام جعل للحليف السُّدس، وهو قوله: {فآتوهم نصيبهم} ثمَّ نسخ ذلك بقوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضُهم أولى ببعضٍ في كتاب الله} تفسير : {إنَّ الله كان على كلّ شيء شهيداً} أَيْ: لم يغب عنه علم ما خلق. {الرجال قوَّامون على النساء} على تأديبهنَّ والأخذ فوق أيديهنَّ {بما فضَّل الله} الرِّجال على النِّساء بالعلم، والعقل، والقوَّة في التَّصرف، والجهاد، والشَّهادة، والميراث {وبما أنفقوا} عليهنَّ {من أموالهم} أَي: المهر والإِنفاق عليهنَّ {فالصالحات} من النِّساء اللواتي هنَّ مطيعاتٌ لأزواجهنَّ، وهو قوله: {قانتات حافظاتٌ للغيب} يحفظن فروجهنَّ في غيبة أزواجهنَّ {بما حفظ الله} بما حفظهنَّ الله في إيجاب المهر والنَّفقة لهنَّ، وإيصاء الزَّوج بهنَّ {واللاتي تخافون} تعلمون {نشوزهنَّ} عصيانهنَّ {فعظوهنَّ} بكتاب الله، وذكِّروهنَّ الله وما أمرهنَّ به {واهجروهن في المضاجع} فرِّقوا بينكم وبينهم في المضاجع [في الفرش] {واضربوهنَّ} ضرباً غير مبرِّح شديد، وللزَّوج أن يتلافى نسوز امرأته بما أذن الله تعالى فيه، يعظها بلسانه، فإنْ لم تنتهِ هجر مضجعها، فإنْ أبت ضربها، فإن أبت أن تتَّعظ بالضرب بُعثَ الحكمان {فإن أطعنكم} فيما يُلتمس منهنَّ {فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً} لا تتجنَّوا عليهنَّ من العلل. {وإنْ خفتم} [علمتم] {شقاق بينهما} علمتم خلافاً بين الزَّوجين {فابعثوا حكماً} أَيْ: حاكماً وهو المانع من الظُّلم من أقاربه {وحَكَماً من أهلها} حتى يجتهدا وينظرا الظَّالم منهما، فيأمراه بالرُّجوع إلى ما أمر الله، أو يُفرِّقا إنْ رأيا ذلك {إن يريدا} أَي: الحكمان {إصلاحاً يوفق الله بينهما} مِن الزَّوج المرأة بالصَّلاح {إنَّ الله كان عليماً خبيراً} بما في قلوب الزَّوجين والحكمين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أن تجتنبوا: تبتعدوا لأن الاجتناب ترك الشيء عن جنب بعيداً عنه لا يقبل عليه ولا يقربه. كبائر ما تنهون عنه: الكبائر: ضد الصغائر، والكبيرة تعرف بالحد لا بالعد فالكبيرة ما توعد الله ورسوله عليها، أو لعن الله ورسوله فاعلها أو شرع لها حدّ يقام على صاحبها، وقد جاء في الحديث الصحيح بيان العديد من الكبائر، وعلى المؤمن أن يعلم ذلك ليجتنبه. نكفر: نغطي ونستر فلا نطالب بها ولا نؤاخذ عليها. مدخلاً كريماً: المدخل الكريم هنا: الجنة دار المتقين. معنى الآية الكريمة: يتفضل الجبار جل جلاله وعظم إنعامه وسلطانه فيمن على المؤمنين من هذه الأمة المسلمة بأن وعدها وعد الصدق بأن من اجتنب منها كبائر الذنوب كفر عنه صغائرها وأدخله الجنة دار السلام وخلع عليها حلل الرضوان فقال تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} ما أنهاكم عنه أنا ورسولي {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} التي هي دون الكبائر وهي الصغائر، {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} الذي هو الجنة ولله الحمد والمنة. لهذا كانت هذه الآية من مبشرات القرآن لهذه الأمة. هداية الآية: من هداية الآية: 1- وجوب الإبتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت. 2- الذنوب قسمان كبائر وصغائر ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. 3- الجنة لا يدخلها إلا ذوُو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش.
القطان
تفسير : الكبائر: جمع كبيرة وهي الذنب العظيم كالشرك بالله وقتل النفس وغير ذلك. السيئات: الذنوب الصغيرة. نكفّر: نمحو، ونغفر، ونعفو. إن تتركوا عمل الذنوب العظيمة وتبتعدوا عنها نمحُ عنكم ما دونها من السيئات وصغائر الذنوب، فلا نؤاخذكم بها. وقد ورد في الصحيحين عن ابي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق، والسِّحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنَات المؤمنات الغافلات ". تفسير : وقد وردت أحاديث كثيرة بتعداد الكبائر، وهي في بعضها سبع، وبعضها تسع، والحقيقة انه لا حصر لها. وقال بعض العلماء: كل ذنب رتّب عليه الشارع حداً أو صرّح فيه بوعيد فهو كبيرة. وفي هذه الآية الكريمة فرَجٌ كبير على المسلمين، والعلماء يقولون: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. قراءات: قرأ نافع: "مدخلاً" بفتح الميم.
د. أسعد حومد
تفسير : {كَبَآئِرَ} (31) - إذَا اجْتَنَبْتُمْ مُقَارَفَةَ كَبَائِرِ الآثَامِ وَالذُّنُوبِ التِي نَهَاكُمُ اللهُ عَنْهَا، كَفَّرَ عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ، وَأَدْخَلَكُمْ فِي جَنَّتِهِ، وَرَحِمَكُمْ مَا دُمْتُمْ بَاذِلِينَ جُهْدَكُمْ فِي الاسْتِقَامَةِ. وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي عَدَدَ الكَبَائِرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا سَبْعٌ: (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّها أكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الكَبَائِرُ إلى سَبْعِينَ أقْرَبُ، إذْ لاَ صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ. وَيُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ الذَنْبَ يُرْتَكَبُ لِعَارِضٍ مِنْ ثَوْرَةِ شَهْوَةٍ، أوْ غَضَبٍ، وَصَاحِبُهُ يَخَافُ اللهَ، وَلاَ يَسْتَحِلُّ مَحَارِمَهُ فَهُوَ مِنَ السَّيِّئَاتِ يُكَفِّرُهَا اللهُ. وَكُلُّ ذَنْبٍ يُرْتَكَبُ مَعَ التَّهَاوُنِ بِالأَمْرِ، وَعَدَمِ المُبَالاَةِ يُعَدُّ كَبِيراً مَهْمَا صَغُرَ ضَرَرُهُ، إذا كَانَ فِيهِ إِصْرَارٌ وَاسْتِهْتَارٌ. الاجْتِنَابُ - التَّرْكُ وَالابْتِعَادُ. السَّيِّئَاتُ - صَغَائِرُ الذُّنُوبِ. مُدْخَلاً كَرِيماً - مُدْخَلاً حَسَناً شَرِيفاً (الجَنَّةَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية هي إحدى ثماني آيات قال عنها ابن عباس - رضي الله عنه -: في هذه السورة - سورة النساء - ثماني آيات خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، وقلنا: إن هذه الآيات تبدأ بقوله سبحانه: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ..} تفسير : [النساء: 26]، {أية : وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 27]، {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 28]، ثم جاءت: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ..} [النساء: 31]. و "الاجتناب" ليس معناه عدم مزاولة الحدث أو الفعل، ولكن عدم الاقتراب من مظان الحدث أو الفعل حتى يسدّ المؤمن على نفسه مخايلة شهوة المعصية له وتصوره لها وترائيها له. هذه الآيات الكريمات كانت خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، لأنها تحمي من حمق الاختيار الذي وجد في الإنسان حين لا يلتزم بمنهج الله، ولو أن الإنسان كان مسيَّراً وَمُكْرَهاً على الفعل لارتاح من هذا الاختيار. وتعب الإنسان جاء من ناحية أن اغترّ بميزته على سائر خلق الله، والميزة التي ميِّز الله بها الإنسان هي العَقل الذي يختار به بين البديلات. بينما سائر الأجناس كلها رضيت من الله أن تكون مسخرة مقهورة على ما جعلها له بدون اختيار. ونعرف أن الحق قال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فالإنسان قد ظلم نفسه، لأنه أرجح نفسه عند اختيار الشهوة أو اختيار مرادات منهج الله، بينما المقهورون أو المسخرون ليست عندهم هذه المسألة. وكل كائن منهم يقوم بعمله آلياً وارتاح من حمق الاختيار - فهذه الآيات طمأنت الإنسان على أنه إن حمق اختياره في شيء فالله يريد أن يبصره، والله يريد أن يتوب عليه، والله يريد أن يخفف عنه. والله يريد إن اجتنب الكبائر أن يرفع عنه السيئات ويكفرها. كل هذه مطمئنات للنفس البشرية حتى لا تأخذها مسألة اليأس من حمق الاختيار، فيوضح: أنا خالقك وأعرف أنك ضعيف لأنَّ عندك مسلكين: كل مسلك يغريك، تكليف الله بما فيه من الخير لك وما تنتظره من ثواب الله في الآخرة يُغري، وشهوة النفس العاجلة تُغري. وما دامت المسألة قد تخلخلت بين اختيار واختيار فالضعف ينشأ؛ لذلك يوضح سبحانه: أنا أحترم هذا فيك لأنه وليد الاختيار، وأنا الذي وهبت لك هذا الاختيار. والحق حين وهب الاختيار لهذا الجنس الذي هو سيد الأجناس كلها، يُحبُّ أن يأتي لربه راغباً محبّاً: لأن هناك فارقاً بين أن يسخر المسخَّر ولا يستطيع أن ينفلت عما قدر له أن يعمله، وتلك تؤديها صفة القدرة لله، لكن لم تعط لله صفة المحبوبية؛ لأن المحبوبية أن تكون مختاراً أن تطيع ومختاراً أن تعصي ثم تطيع، هذه صفة المحبوبية، والله يريد من الإنسان أن يثبت بطاعته صفة المحبوبية له سبحانه، فالإنسان المحب لمولاه برغم أنه مختار أن يفعل الطاعة أولا يفعلها ينحاز بالإيمان إلى جانب الطاعة. {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ..} [النساء: 31] كأن الله بعد تكليفاته في أمور الأعراض والأموال وتكليفاته في الدماء من قتل النفس وغيرها، أوضح: إياكم أن تستقبلوا الأشياء استقبالاً يجعلكم تيأسون من أنكم قد تعجزون عن التكليف لبعض الأمور، فأنا سأرضى باجتناب الكبائر من المساوئ: فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والجمعة للجمعة كفارة، ومن رمضان لرمضان كفارة، لكن بشرط ألا يكون عندكم إصرار على الصغائر لماذا؟ لأنك إن قدرت ذلك فقدر أنك لا تقدر على استبقاء حياتك إلى أن تستغفر، فلا تقل: سأفعل الذنب ثم أستغفر، هذه لا تضمنها، وأيضاً تكون كالمستهزئ بربّه. {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ..} [النساء: 31] في السيئات يقول: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ..} [النساء: 31] وقلنا: إن "الكفر" هو "الستر" أي يسترها - ومعنى نسترها يعني لا نعاقب عليها، فالتكفير إماطة للعقاب، والإحباط إماطة للثواب. فإن ارتكب إنسان أمراً يستحق عليه عقاباً وقد اجتنب الكبائر يكفر عنه الله أي يضع ويستر عنه العقاب، أَمّا مَنْ عمل حسنة ولم يقبلها الله، فهو يحبطها، إذن فالتكفير - كما قلنا - إماطة العقاب، و "الإحباط" إماطة للثواب كما في قوله: {أية : فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 217]. أي ليس لهم على تلك الأعمال ثواب؛ لأنهم فعلوها وليس في بالهم الذي يعطي الثواب وهو الله. بل كان في بالهم الخلق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فعلت ليقال وقد قيل). أنت فعلت ليقال وقد قيل، وقالوا عنك إنك محسن كبير، قالوا: إنك بنيت المسجد، وقرأوا اللافتة التي وضعتها على المسجد وسط احتفال كبير. ويقول الحق: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. أنت فعلت ليقال وقد قيل؛ ولذلك فالذين عملوا مثل هذه ووضعوا لافتات من رخام عليهم أن يفطنوا لهذا الأمر، وإن كان الواحد منهم حريصاً على أنه يأخذ الثواب من يد الله فليرفع هذه اللافتة ويسترها وتنتهي المسألة، فالله سبحانه وتعالى يحب ممن يتصدق أن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: "حديث : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". تفسير : فأنت حين تتصدق لماذا تفضح من يتقبل الصدقة. والحق يقول: {إِن تَجْتَنِبُواْ ..} [النساء: 31]، و "الاجتناب" هو إعطاء الشيء جانباً، ولذلك يقولون: فلان ازورّ جانبه عني، أي أنه عندما قابلني أعطاني جانبه، والمراد في قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ ..} [النساء: 31] هو التباعد، والحق ساعة يطلب منك ألا تصنع الحدث ويطلب منك بأسلوب آخر أن تجتنبه، فهذا يدل على أن الاجتناب أبلغ، لأن الاجتناب معناه ألا تكون مع المنهي عنه في مكان واحدٍ فعندما يقول الحق: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ..} تفسير : [الحج: 30]. وعندما يقول: {أية : وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تفسير : [الحج: 30]. فاجتنبوه أي: ابتعدوا عنه. لماذا؟ لأن حمى الله محارمه.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومَنْ وقع في المشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه.. ". تفسير : والحق يقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. واجتنابه يكون بألا توجد معه في مكان واحد يخايلك ويشاغلك ويتمثل لك، فعندما تكون مثلاً في منطقة الذين يشربون الخمر يقول لك الحق: اجتنبها. أي لا تذهب إليها؛ لأن الخمر عندما توجد أمامك وترى مَنْ يشربون وهم مستريحون مسرورون، فقد تشربها، لكن عندما تجتنب الخمر ومجالسها فأنت لا تقع في براثنها وإغرائها، ولذلك قلنا: إن الاجتناب أبلغ من التحريم، وهناك أناس يبررون الخمر لأنفسهم ويقولون: إن الخمر لم يرد فيها تحريم بالنص!! نقول لكل واحد منهم: حسبك أن شرب الخمر قُرن بالرجس من الأوثان، فالحق يقول: {أية : وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ..} تفسير : [النحل: 36]. فاجتناب الطاغوت ليس معناه ألا تعبده، بل إياك أن تراه، إذن فاجتناب الخمر ليس بألا تشربها، بل إياك أن تكون في محضرها. "والكبائر" جمع "كبيرة"، وما دام فيه "كبيرة" يكون هناك مقابل لها وهي "صغيرة" و "أصغر"، فالأقل من "الكبيرة"، ليس "صغيرة" فقد؛ لأن فيه "صغيرة"، وفيه "أصغر" من "الصغيرة" وهو "اللمم". والحق يقول: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ..} [النساء: 31] و "السيئات" منوطة بالأمر الصغير وبالأصغر، لكن هذه المسألة وقف فيها العلماء، قالوا: معنى ذلك أننا سنغري الناس بفعل السيئات ما داموا قد اجتنبوا الكبائر فقد يفعلون الصغائر. نقول: لا، فالإصرار على الصغيرة كبيرة من الكبائر؛ لذلك لا تجز الصغائر لنفسك؛ فالحق يُكَفِّر ما فلت منك فقط؛ ولذلك يقول الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} تفسير : [النساء: 17]. يفعلون الأمر السيىء بدون ترتيب وتقدير سابق وهو سبحانه قال بعد ذلك: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ ..} تفسير : [النساء: 18]. إذن فمعنى أنك تصرّ على صغيرة وتكررها إنّها بذلك تكون كبيرة، وإن لم نجتنب الكبائر ووقعنا فيها فماذا يكون؟. يقول العلماء الذين جعلهم الله هبات لطف ورحمة على الخلق: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. فإن أخذت هذه فخذ تلك، خذ الاثنتين، فلا كبيرة مع الاستغفار، ومقابلها لا صغيرة مع الإصرار. وحينما أراد العلماء أن يعرفوا الكبيرة قالوا: الكبيرة هي ما جاء فيها وعيد من الله بعذاب الآخرة، أو جاء فيها عقوبة كالحد مثلاً فهذه كبيرة، والتي لم يأت فيها حد فقد دخلت في عداد السيئة المغفورة باجتناب الكبيرة أو الصغيرة أو الأصغر. وأن سيدنا عمرو بن عبيد عالم من علماء البصرة وزاهد من زهادها، وهو الذي قال فيه أحد الخلفاء: كلهم طالب صيد غير عمرو بن عبيد، أي أن كل العلماء يذهبون إلى هناك ليأخذوا هبات وهدايا إلا عمرو بن عبيد، إذن فقد شهد له، هذا العالم عندما أراد أن يعرف مدلول الكبيرة، وأصر ألا يعرف مدلولها بكلام علماء، بل قال: أريد أن أعرفها من نص القرآن، الذي يقول لي على الكبيرة يأتيني بنص من القرآن. ودخل ابن عبيد البصري على سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، ونعرف سيدنا جعفر الصادق وهو أولى الناس بأن يُسأل؛ لأنه عالم أهل البيت، ولأنه قد بحث في كنوز القرآن وأخرج منها الأسرار وعاش في رحاب الفيض، فقال ابن عبيد: هذا هو مَنْ أسأله، فلما سلّم وجلس قرأ قول الله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ ..} تفسير : [النجم: 32]. ثم سكت!! فقال له سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق: ما أسكتك يا بن عبيد؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله. وانظروا إلى الثقة بمعرفة كنوز القرآن، ساعة قال له: "أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله" قال أبو عبد الله: نعم، أي على خبير بها سقطت، أي جئت لمَنْ يعرفها، ثم قال: "الشرك بالله، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النساء: 48]. وقال تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ ..} تفسير : [المائدة: 72]. وأضاف: واليأس من رحمة الله فإن الحق قال: {أية : إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 87]. وهكذا جاء سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق بالحكم وجاء بدليله، وأضاف: ومَنْ أمن مكر الله؛ لأنه سبحانه قال: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 99]. والكبيرة الرابعة: عقوق الوالدين؛ لأن الله وصف صاحبها بأنه جبار شقي قال تعالى: {أية : وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} تفسير : [مريم: 32]. وقتل النفس. قال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 93]. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 23]. وأكل الربا. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ..} تفسير : [البقرة: 275]. والفرار يوم الزحف، أي إن هوجم المسلمون من أعدائهم وزحف المسلمون فرّ واحد من الزحف. فقد قال تعالى في شأنه: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الأنفال: 16]. وأكل مال اليتيم. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10]. والزنَى. قال تعالى: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} تفسير : [الفرقان: 68-69] . وكتمان الشهادة. قال تعالى: {أية : وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ..} تفسير : [البقرة: 283]. واليمين الغموس وهو أن يحلف إنسان على شيء فَعَله وهو لم يفعله أو أقسم أنه لم يفعله، وهو قد فعله، أي القسم الذي لا يتعلق بشيء مستقبل. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 77]. والغلول أي أن يخون في الغنيمة. قال تعالى: {أية : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..} تفسير : [آل عمران: 161]. وشرب الخمر؛ لأن الله قرنه بالوثنية. قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. وترك الصلاة؛ لأن الله قال: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المدثر: 42-43]. ونقض العهد، وقطيعة الرحم وهو مما أمر الله به أن يوصل. قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [البقرة: 27]. إذن فكل هذه، هي الكبائر بنص القرآن، وكل كبيرة معها حكمة، عرضها لنا سيدنا ابن عبيد لأنه خاطب عالماً، فإذا ما نظرنا إلى الاستنباط الذي جاء به سيدنا ابن سيدنا "جعفر الصادق" عندما سأله، ثم يجيبه بهذا الترتيب وبشجاعة مَنْ يقول لابن عبيد "نعم" أي إن جوابك عندي، ثم يذكرها رتيبة بدون تفكير، وهذا دليل على أنها مسألة قد اختمرت في ذهنه، وخصوصاً أنها ليست آيات رتيبة مسلسلة متتابعة! بل هي آيات يختارها من هنا ومن هناك، مما يدل على أنه يُعايش أسرار القرآن. لقد نشأ هذا الرجل في بيت سيدنا جعفر الصادق وهو الذي وضع للمؤمن منهجاً بحيث لا يصيبه شيء في نفسه إلا وجد له علاجاً ودواء في كتاب الله، إنه وجد أن الزوايا التي تعكِّر على الإنسان أَنّه يخاف من شيء، والذي يخاف من شيء يكون هذا الشيء - غالبا - محدوداً معروفاً. أنا أخاف من الشيء الفلاني، ولكنَّ واحداً يصيبه غمّ وهمّ لا يدري سببه، فيقول لك: أنا مغتمّ دون أعرف السبب. إذن ففيه انقباض لا يعرف سببه، وهناك مثلاً إنسان يكيد له أناس كثيرون ويمكرون ويأتمرون به، وهناك ثالث يحب الدنيا ويريد أن تكون الدنيا عنده، كل هذه هي مشاغل النفس البشرية: أن تخاف من شيء، أن تغمّ من شيء، أن تشفق من مكر بك وكيد لك، أن تتطلب أمراً من أمور الدنيا، وسيدنا جعفر هو الذي قال: عجبت لمَنْ خاف ولم يفزع إلى قول الله سبحانه: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173]. انظر لاستنباط الدليل، الذي يقوله سيدنا جعفر: فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ..} تفسير : [آل عمران: 174]. انظر دقة الأداء، يقول: سمعت الله، ولم يقل: قرأت، كأن الإنسان ساعة يقرأ قرآناً لابد أن يتأكد أن الله هو الذي يتكلم. وجلال القديم يغطي على جدية الحادث، فالذي يقرأ أمامك حادث، لكنه يقرأ كلام الله، إذن فجلال القديم يغطي على جدية الحادث. ويضيف سيدنا جعفر: وعجبت لمَنْ اغتم ولم يفزع إلى قول الله سبحانه: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87]. ثم يقول: فإني سمعت الله يعقبها يقول: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنبياء: 88]. ويضيف سيدنا جعفر: وعجبت لمَنْ مُكِرَ به ولم يفزع إلى قول الله سبحانه: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [غافر: 44]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ..} تفسير : [غافر: 45]. وعجبت لمَنْ طلب الدنيا كيف لا يفزع إلى قول الله سبحانه: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الكهف: 39]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..} تفسير : [الكهف: 39-40]. هذه هي الاستنباطات الإيمانية، والاستنباطات هنا والاستنباطات هناك، وإذا ما نظرت إلى الاستنباطات التي قالها سيدنا جعفر تجدها تغطي زوايا النفس الاجترائية؛ لأن التكليف حينما يأتي يحدّ حركة الإنسان عن الشهوات، فالآيات جاءت لتحدّ من الاجتراء، وتجدها تأخذ بالقمة من أول الاجتراء على الوحدانية في الألوهية إلى قطيعة الرحم، وقد غطت الآيات كل جوانب الاجتراءات في النفس البشرية، أول اجتراء: هو الشرك؛ لأنه قال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] والظلم الذي نعرفه: أنك تحكم بشيء للغير وليس من حقه، فبالله عندما تحكم أن ربنا له شريك، أليس هذا أعظم الظلم، وهو ظلم لنفسك، فإياك أن تظن أنك تظلم الله؛ لأن ربنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ ولذلك يقول في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". تفسير : إن هذا ظلم لنفسك؛ لأنك حين تعتقد أنْ لله شركاء فقد أتعبت نفسك تعب الأغبياء. واقرأ قول الله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..} تفسير : [الزمر: 29]. فعبد مملوك لعشرة أسياد، وياليت العشرة الأسياد متفقون، بل هذا يقول له: اذهب، وهذا يقول له: تعال، إذن فقد أتعب نفسه وأرهقها. إذن فقد ظلمها. قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [يونس: 44]. إن الإيمان بإله واحد يجعلك غير خاضع إلا لوجهة واحدة، ولا أوامر من جهة أخرى أبداً، إذن فقد أرحت نفسك، وهذه قضية يثبتها الواقع؛ لأن الله قد أنزل في قرآنه المحفوظ المتلو المقروء: {أية : لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَا ..} تفسير : [طه: 14]. فالمؤمن يقول: هذه كلمة صدق، والكافر يقول - والعياذ بالله - : هذه الكلمة غير صدق، والمسألة على أي تقدير منتهية، واحد جاء وأخذ الكون وقال: لا يوجد إله إلا أنا، والذي أخذ منه الكون إله ولكن أَعَلِمَ أن الكون أخذ منه أم لم يعلم بذلك؟ إن لم يكن قد دري تكون مصيبة في هذا الإله، وإن كان قد درى فما الذي أسكته؟ فالمسألة - إذن - محلولة، هذه مسألة الشرك. إن الإيمان بوحدانية إله جاءت لتريح النفس البشرية من كثرة تلفتاتها إلى آلهة متعددين، إنّه هو الحق، وهو الذي ينفع ويضر، إنكم حين تكونون لإله واحد كمثل العبد يكون لمالك واحد، أما عندما تعبدون آلهة متعددين تكونون كمثل العبد الذي له شركاء وياليتهم متفقون؛ بل هم مختلفون. بعد ذلك يأتي في المرحلة الثانية وهي: اليأس من رَوْح الله، و "الرَّوْح" من "الرائحة" وهي النسيم، فساعة تكون في ضيق والجو حار تلتفت لتجد واحة فتأوي إلى ظلها وهوائها وتلجأ إلى حضنها، هذه الراحة يعطيها الله لمَنْ لا ييأس من روْح الله فتعطيه صلابة إيمانية لاستقبال أحداث الحياة؛ لأن الحياة أغيار، وأحداثها متعددة، وللعالم وللكون الظاهر سنن في الأسباب والمسببات. هَبْ أن أسبابك ضاقت بشيء ولم يعد عندك أسباب له أبداً، فالذي لا يؤمن بإله قوي يخرق الأسباب، ماذا يفعل؟ ينتحر كما قلنا. إذن فاليأس من روْح الله هو من جعل قوة الله العليا التي خلقت النواميس متساوية مع النواميس بحيث إذا ضاقت وعزت أسبابها البشرية في شيء يئس منها، أما المؤمن فنقول له: أنت لا تيأس؛ لأنك مؤمن بإله قادر فوق النواميس؛ فالذي ييأس من روْح الله كأنه يعطل طلاقة القدرة الإلهية على النواميس الكونية، إنّ الله، هو خالق هذه النواميس. فعندما ييأس إنسان من روح الله، يكون قد سوّى الله - بطلاقة قدرته - بالنواميس، إنّ الذي تأباه النواميس فسبحانه قادر أن ييسره. وبعد ذلك جاء بـ "عقوق الوالدين" وهما الخلية الأولى التي يواجهها الإنسان، وهما السبب المباشر في إيجادك؛ لأنك حين تعق وتعصي مَنْ كان سبباً مباشراً لوجودك تكون قد عققت وعصيت مَنْ كان سبباً مباشراً لوجودك، وهو الله الذي لم تره، إذن فاحترامهما والبّر بهما ليس - فقط - لأنهما سبب في وجودك وإنما - أيضاً - لأنهما ربياك صغيراً فعليك بالبر بهما، وهذا يحثك ويدفعك إلى أن تحفظ الجميل لمَنْ كان سبباً في إيجادك، وتربيتك، وعندما ترقيها وتتساءل: مَنْ أوجد أباك؟ جدّك؟ ومَنْ أوجد جدّك؟ تصل إلى أين؟ لا يمكن أن تكون لها نهاية إلا أن تتصل بمَنْ لا نهاية له، وهو أن الله قد خلق آدم. ثم قال: قتل النفس، والقتل هو نقض بنية الكائن، وهو يختلف عن الموت، فالموت أن يموت الإنسان وبنيته سليمة، لكن إن تلقى ضربة على رأسه فهو يموت منها، هذا هو نقض البنية سواء أكان الضرب بحجر أم برصاصة أم بأي شيء. ولنقرأ القرآن بإمعان، إنَّ الحق يقول: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 144]. فالموت هو سلب الحياة بدون نقض بنية، وهذا لا يجريه إلا الله، إنما القتل بهدم البنية، فأي إنسان يستطيع أن يفعله، فتخرج الروح بإذن الله، وليس معنى ذلك أن أحداً عجّل بأجل القتيل، لا، ولكنه تدخل في بنيان أقامه الله فهدمه، ولو لم يتدخل أحد في بنيان الله ليهدمه لكان أجله قد جاء. إذن فالقاتل يُعاقب لأنه تدخل في هدم البنية وهو يعرف أن هذه الروح لا تحل إلا في بنيان له مواصفات خاصة تقتضي أن يكون المخ سليماً، وكذلك القلب، وبقية أجزاء الجسم. لكن حين يجيء الأجل يموت الإنسان ولو لم ينقض أحد البنية. وضربنا مثلاً لنقرِّب هذا الأمر - ولله المثل الأعلى: إنّ هذه الروح نشبهها بالكهرباء، فأنت لا تعرف الروح ولم ترها ولم تسمعها ولم تشمّها ولم تذقها، إذن فبأي وسيلة من وسائل الإدراك أنت لا تعرفها. لكنك تعرف أنها تدير حياة جسمك كله، بدليل أن الروح عندما تُسحب من الجسم يصير رِمّة. وقد جعلها الله كدليل ذاتي في النفس البشرية على وجود إله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، تقول: لا نرى الله. نقول لك: نعم، فهو سبحانه يقول: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. إن الحق لا يطالبك بأن تبصر ما في الكون فقط من آيات، بل إن الأدلة لا تتعداك أنت أولاً، فروحك التي تدير جسمك أين هي؟ ما شكلها؟ ما لونها؟ ما رائحتها؟ أتعرف؟ لا، ولكنها موجودة فيك وأنت لا تراها، فكيف تطلب أن ترى إلهاً وقد خلق شيئاً لم تقو على أن تراه؟ أمخلوق لا تقدر أن تراه، وبعد ذلك تريد أن ترى خالقه. إذن فمن عظمته أنه لا يُدْرَك، ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لحظة تنزل الروح في الجسم: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 72]. لأنه سيكون إنساناً سوياً، فإن شبهنا تلك الروح بالكهرباء - ولله المثل الأعلى - هل تعرف ما هي هل رأيتها؟. لم ترها، هل أحد عرفها؟ الذين اكتشفوها، أعرفوا ما هي؟ لم يعرفوا، إنما نعرفها بآثارها، فساعة نرى المصباح منيراً نقول: جاءت الكهرباء، وساعة تدور المروحة تقول: الكهرباء جاءت. إذن فأنت تعرفها بآثارها، كذلك تعرف الشخص أنه مات عندما لا تجد له حركة. وعندما تخف الحركة وتَخْفُت يقولون: خذ الحركة من شيء إن وقف يكون الموت، وليس من اليد، لأن اليد قد لا تتحرك لإصابتها بالشلل، بينما الإنسان ما زال حياً؛ ولذلك هات المرآة وضعها أمام مخرج النفس، فإن وجدت بخاراً على المرآة فهذا يعني أن هذا الإنسان ما زال حياً، وفيه روح، وكذلك عندما ينكسر المصباح الكهربائي فالكهرباء لا تعمل عملها؛ لأن الكهرباء لا تظهر إلا في قالب من هذا النوع، زجاجة مفرغة الهواء مصنوعة بشكل خاص إن انكسرت أو تلفت يذهب النور. إذن فعندما نهدم الجسم لا تجد الروح الوعاء الذي تظهر فيه، فكذلك المصباح الكهربائي إن انكسر تكون الكهرباء موجودة في الأسلاك إنما لا يوجد نور، وعندما تأتي بمصباح جديد يأتي النور، كذلك الروح لا تظهر إلا في الجسد الذي له مواصفات خاصة، هذا وإن القتل هو دليل عجز القاتل، لأن القاتل حين يقتل خصمه فهذه شهادة منه أنه أعجز من خصمه، صحيح أنه قد قدر عليه وضربه وأماته وهذا مظهر قدرة بشرية حمقاء. لكن في الواقع أن هذا عجز. إن معنى القتل ونقض الحياة أن القاتل يعلن أمام الملأ أنه لا يستطيع أن يواجه حركة حياة خصمه، ولا يرتاح إلا إذا مات هذا الإنسان، إذن فقد شهد القاتل حين يقتل بعجزه. فلو علم القاتل أن قتله لنفس أخرى ليس دليل قدرة وقوة له ولكنها شهادة عجز، وأنه لا يمكن أن يواجه حياة هذا الحي إلا بأن يميته لما قتله، والحق يحمي النفس البشرية من القتل حتى لا يكون أي إنسان مهدداً، وحتى لا تتعطل الخلافة التي أرادها الله في الكون. ثم تأتي كبيرة أخرى وهي: قذف المحصنات الحرائر، ونعرف أن ركناً من أركان المجتمع السليم أن تظل الحرائر مصونات كي لا يعاني النشء والنسل الذي ينسل منهم من ظن الريبة والعار، وحين لا تظن النفس البشرية بريبة فهي تواجه الحياة بمنتهى طلاقتها وبمنتهى قدرتها؛ لذلك فالذي يحب أن تشيع الفاحشة ويقذف المحصنات والحرائر بغير ما اكتسبن فهو يحدث زلزلة في المجتمع، زلزلة في نسب أفراد المجتمع، ويضار بها مَنْ ليس له ذنب، ويضار بها الأولاد الصغار، وما ذنبهم وقد قال تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..} تفسير : [فاطر: 18]. وبعد ذلك قال: أكل الربا؛ لأن الربا يصنع خللاً اقتصادياً فهو يحمل غير الواجد أن يزيد ثروة الواجد. والزنَى كبيرة من الكبائر والحق يقول: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32]. فالزنَى يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة استمتاع فقط، والعلاقة الأولى التي أرادها الله حينما أوجد حواء لآدم هي أن تكون المرأة سكناً وليست أداة استمتاع فقط، والاستمتاع إنما جاء لحفظ النوع وأطلقه في النفس البشرية؛ لأن آثار هذا الاستمتاع تبعتها طويلة من تربية للأطفال الذين تطول طفولتهم ويحتاجون لرعاية، ولو لم يربطها بهذا الاستمتاع لكان كثير من الناس يزهد في الأولاد. وكذلك الفرار يوم الزحف كبيرة من الكبائر، لأن الفرار يصنع خللاً في المجتمع الإيماني؛ لأن معنى الزحف أن أعداء الإسلام أغاروا علينا، وما داموا قد أغاروا علينا فكل مسلم يقف على ثغرة من ثغور الإسلام، حتى لا يمكِّن أعداء الإسلام من ديار الإسلام، ولتظل كلمة الله هي العليا، ففرار المسلم يعطي أسوة على ضعف الإيمان في النفس، ولذلك لا تغتروا بأن هذا صار مؤمناً وذاك صار مؤمناً، فلو كان مؤمناً حقاً ووثق بالغاية فهو لا يهاب القتال؛ لأنه إن قتل صار شهيداً ومبشراً من الله بكذا وكذا؛ لذلك فالفرار في يوم الزحف يعطي أسوة سيئة ليس في الحرب فقط، بل سيعطي شيوع خلخلة إيمانية في النفس البشرية، والحق سبحانه وتعالى أوضح أن المؤمن عندما يدخل الحرب يرغب في أحد أمرين كلاهما حسن: النصر أو الشهادة، فقال سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ..} تفسير : [التوبة: 52]. والمؤمن يتربص بالكافر ليحقق ما قاله الله: {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ..} تفسير : [التوبة: 52]. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يثبت يقين إيمانه بأن يفقد الحياة التي هي سبب التمسك بمظاهر الحياة لأنه ذاهب لحياة أحسن، ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يحب للمؤمنين أن يقدموا على عمليات انتحارية إلا حين تكون هناك مظنة للنصر بدليل قوله الحق: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأنفال: 16]. فالإنسان لا يدخل في معركة وهو غير مستعد لها، أو ليس لديه مظنة النصر، إنه إن فعل ذلك فإنما ينقص المسلمين واحداً، فماذا أفادنا؟ إن على المؤمن أن يقبل على الاستشهاد بثمن يخصه وهو الجنة، وبثمن يُبقي للجماعة الأمان أو النصر. وبعد ذلك قال: واليمين الغموس. واليمين الغموس تمثل قضية من قضايا خلل المجتمع؛ لأن اليمين الغموس هي السبب الذي يغمس صاحبه في النار؛ لأنه حلف على شيء أنه كان وهو لم يكن، أو على شيء لم يكن وهو قد كان، وبهذا يتسلل الكذب إلى الصدق، ولا يعرف القاضي التمييز حين يفصل في الحقوق، هناك إنسان يكذب ويشهد ويحلف اليمين أن هذا حدث ويؤدي ذلك إلى ضرر بالغير، فمَنْ يريد أن يظلم لن يعدم شاهدين على باب المحكمة يحلفان له، عندئذ يصبح الإنسان غير مطمئن إلى حركة حياته ولا إلى مصالحه. وتأتي كبيرة أخرى وهي الغلول. وتعني أن المسلمين حين يلتحمون بأعدائهم ويأخذون منهم الغنائم وهي ما نسميها "السَلَب"، وهي أسلحة الأعداء وما عندهم من أشياء، فبالله مَنْ يدخل معركة بهذا الشكل ويجد غنيمة ويأخذها، أيكون قد نقض عملية الحرب في سبيل الله أم لا؟ إنه ينقض عملية الحرب في سبيل الله، إن الحرب في سبيل الله شرعت لتكون كلمة الله هي العليا، ولذلك يقول الحق: {أية : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..} تفسير : [آل عمران: 161]. لقد قلنا: إن كان قد غلّ بقرة، فسيحملها يوم القيامة، وسيكون لها خوار. وإن غل في أسمنت فسيأتي حامله يوم القيامة، ومن غلّ في حديد أو استورد لحوماً فاسدة أو سمكاً نتناً فإنه سيأتي وهو يحمله يوم القيامة. ثم تأتي كبيرة وهي شهادة الزور. فشهادة الزور أيضاً ركن من أركان فساد المجتمعات كلها؛ لأنها لا تجعل المؤمن مطمئناً على حقه. أما السحر فهو كبيرة تهدد المجتمع بما يفزع كيانه؛ لأنه ينتهي إلى قوة خفية، إذ ليس أمام الذي يتعرض للإصابة به عدو مباشر يواجهه، حتى يرتب لنفسه الحماية منه. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ..} تفسير : [البقرة: 102]. أي ليس له نصيب في الآخرة، وربما يقول قائل: إذا كانت هذه مضرة السحر في هدم كيان المجتمع وتفزيعه، فلماذا وجد؟ نقول له: إن الكائنات مخلوقة لله، وكل كائن له قانون، وقد يكون قانون كائن أخف وأسرع من قانون آخر، فأفراد الجنس الواحد محكومون بقانون واحد. وحين يوجد لأفراد الجنس الواحد قانون يحكم حركته يكون قد وجد في ذلك الجنس تكافؤ الفرص، بمعنى أن لك فرصة هي لغيرك. أما أن توجد لك فرصة ولا توجد لغيرك، فهذا يمثل خللاً في تكافؤ الفرص في الجنس الواحد. إن تكافؤ الفرص هو الأمر الذي يحمي المجتمع، بأن تكون فرصك أنت وفرصي أنا متساوية، فيكون صاحب الحركة في مادة الكون هو الذي يتغلب، وبذلك لا آخذ أنا فرصة غير موجودة عندك. فتكافؤ الفرص هو الذي يرحم البشرية. وإذا كانت قوة الشرق تتمثل في الشيوعية في روسيا قد سقطت وبقيت قوة في الغرب تتمثل في أمريكا، فهناك قوي جديدة تحاول أن تعدل الميزان، اليابان، ألمانيا الموحدة، وأوروبا التي تبحث عن الوحدة، وكل ذلك من أجل أن تتوازن القوى في الفرص المادية الموجودة. وهذا هو ما يحمي الكون من الدمار؛ لأن أي واحد يفكر في أي شر جارف يخاف من رد الفعل، ويخاف أن يردوا عليه بشر أشد، ولو تيقنوا أن واحدة أقوى من الأخرى لجاء الخراب، إذن فحماية الجنس البشري إنما تنشأ من تكافؤ الفرص بين أفراده، ولكن الإنسان جنس، والجن جنس آخر، والإنس والجن مكلفان من الله، فعنصر الاختيار موجود فيهما، ولذلك حكى القرآن: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} تفسير : [الجن: 1-2]. وعندما قسموا قال القرآن: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} تفسير : [الجن: 11]. إذن فهم مثلنا .. لكنهم لهم قانون ولنا قانون: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. إذن فقانون الجن أنه يرى الإنسان، والإنسان لا يراه، وقانونه أخف من قانون الإنسان؛ لأن كل جنس يستمد قانونه من جرثومة تكوينه الأولى، فنحن البشر مخلوقون من طين.. أي أن لنا مادية محسة وكثيفة. والجن مخلوق من النار، والمخلوق من مادة الطين مثلنا، النبات والحيوان، تفاحة مثلاً مخلوقة من مادة الطين لأنها أخذت عناصر غذائها وتكوينها من تربة الأرض وخصوبتها. هب أنها خلف جدار وأنت جالس. أيتعدّى طعمها لك؟ أتتعدّى رائحتها لك؟ أيتعدّى لونها لك؟ لا، إذن فالجرمية المحيزة لا تجعلك تنتفع به. لكن هب أن ناراً موضوعة وراء الجدار، وبعد مضي مدة ستشعر بالحرارة، أي أن الحرارة قد نفذت. والجن له شفافية وله خفة في قانونه وفي انتقاله ولا توجد مثل هذه الشفافية والخفة للإنسان، ولذلك لاحظوا أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد أن يبين لنا هذا، ضرب لنا المثل بسيدنا سليمان عليه وعلى نبينا السلام الذي سخر الله له الجن: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ..} تفسير : [سبأ: 13]. وحينما اجتمع في جنوده ومَنْ حوله من الناس قال: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20]. وبعد ذلك جاءه الهدهد وقال له: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 22-23]. وهذا كله ليس بمهم، إنما المهم هو قول الهدهد: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النمل: 24]. وهذا ما يهم سيدنا سليمان كرسول. فسيدنا سليمان يتميز بأنه رسول وملك، فجاء بالملكية أولاً: {أية : إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] هذه مقومات المُلك، أما المسألة التي تهم سيدنا سليمان: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النمل: 24]، والسجود للشمس من دون الله ضايق الهدهد وهو الطائر، كأن الهدهد عارف لقضية التوحيد وقضية الإيمان بدليل أنه غضب، ثم يقول: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النمل: 25]. إذن فهو يعرف مَنْ الذي يستحق السجود، ولاحظ أنه جاء بـ "الخَبْءَ" لأن طعامه دائماً من تحت الأرض، ينقر ويُخرج رزقه. واستمرت القصة حتى قال سليمان لمن يجلس معه: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38]. وهذا يدل على أن سليمان عليه السلام كان على علم بأن بلقيس - ملكة سبأ - في الطريق إليه، ومعنى أن يقول: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38] معناها أن الذي يتصدّى لهذا الأمر عليه أن يذهب من عند بيت المقدس إلى اليمن ويحلّ ويحمل العرش ويأتي به قبل أن تأتي بلقيس. بالله هل من قانون بشري يأتي به؟ وكيف ذلك؟. ولذلك لم يتكلم إنسيُّ عادي، فالإنس العادي يعرف أن قانونه البشري لا يقدر على تلك المهمة، لأن سليمان قال: {أية : قَبْلَ أَن يَأْتُونِي ..} تفسير : [النمل: 38]، وما دام قال ذلك فقد علم أنهم في الطريق. فهل يذهب إنسان عادي ويحلّ العرش ويحمله ويأتي به قبل أن يأتوا؟ لا، ولذلك عرفنا من هذه قول الحق: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [الإسراء: 36]. وهنا يتصدّى أحد الأذكياء من الجن قائلاً: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} تفسير : [النمل: 39]. ومَنْ يقول ذلك ليس بجن عادي، فالجن أيضاً فيهم عفاريت أذكياء وفيهم مَنْ هو عاجز قليل الذكاء، مثل الإنسان، ومَنْ قال ذلك أكد أنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فكم يمكث من الوقت؟ لا نعرف، تُرى هل يجلس سليمان مع القوم ساعتين أو ثلاث ساعات لا نعرف، إذن فتأخذ هذه العملية زمن مقامه، لكن ها هو ذلك الإنْسيّ الذي أعطاه الله فتحاً من الكتاب وعلماً يقول: {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} تفسير : [النمل: 40]. الإنسيّ العادي لم يتكلم، والعفريت من الجن قال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..} تفسير : [النمل: 39] أما الإنسيّ الذي أعطاه الله الفتح من الكتاب فقد قال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} تفسير : [النمل: 40] ولذلك انظر إلى الأداء العاجل في القرآن أداء الحركة: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ..} تفسير : [النمل: 40]. فالمسألة حدثت على الفور. والمهم لنا هنا أن نعرف أن الجن قال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..} تفسير : [النمل: 39]، ومنها نعرف أن له قانوناً في الحركة والسرعة، والإنسان الذي وهبه الله علماً بالكتاب له قدرة وحركة. إذن فكل جنس من الأجناس له القانون المناسب له. وقد يقف بعض الناس كما وقف كثير من سطحيي المفكرين قائلين: ما الجن والملائكة والعالم الخفيّ الذين تحدثوننا به؟ نقول: ألا تؤمن إلا بالمحُسّ بالنسبة لك؟ فما رأيك في الميكروبات التي ظهرت الآن بعدما اختُرع المجهر؟ لقد كانت موجودة، أكنت تعرفها؟ لقد كانت غيباً عنك، فلماذا لا تأخذ من أن شيئاً لم يكن موجوداً تحت حسّك وغير مُدرك بإدراكك، كان موجوداً وكنت لا تملك آلة إدراكه، لماذا لا تأخذ من ذلك دليلاً على وجود أجناس غير مُدركة، وعندما يحدثك القرآن عن هذه الأجناس غير المدركة تتساءل عنها؟ فما المشكلة في هذا؟ وبعد ذلك عندما يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "حديث : وإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". تفسير : قد تتساءل: وهل الشيطان يجري مجرى الدم، أهو سائل أم ماذا؟ نقول: هو خلق لطيف خفيّ له قانونه الخاص، فربنا فضح الفكر الملحد وفضح التشكيك في الغيبيات التي يذكرها الله، واكتشفنا أن هناك مخلوقات هي الميكروبات، وهي من الجنس المادي من الطين، لكنها ضئيلة جداً، وماذا يفعل الميكروب؟ إنه ينفذ في الجسم ولا تدري أنت به وهو داخل في جسمك، وبعد ذلك ماذا يفعل في حرارتك؟ وماذا يفعل في جسمك؟- فعندما يقول لك الرسول المبلغ عن الله: إن الشيطان سيجري منك مجرى الدم فما التناقض في هذا؟ إذا كان هناك شيء من مادتك ضئيل ولا تعرف كيف دخل، ولا تشعر به وهو داخل، ثم يقلب ميزانك في الحرارة ويمارس العبث بكل جسمك، فتهيج الكرات البيضاء لتقاومه وتخرج الصديد. أي تناقض إذن؟ إن ربنا ترك من غيبيات كونه المادي ما يثبت صدقه في التحدث بغيبيات أخرى: {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} تفسير : [النمل: 40]، لقد جاء الحق بواحد من الإنس حتى لا يظن الجن أنه أخذ خفة قانونه وشفافيته وسرعته من عنصر تكوينه بل إنه أخذها بإرادة المكون - سبحانه - إذن فالمسألة ليست عنصرية بل هي إرادة الله إنه - جلت قدرته - أوضح: أنا أستطيع أن أجعل من الجنس القوي بقانونه وهو الجن محكوماً لواحد من الإنس، ويجعله يعمل ما يريده. ولم يطلقها الله كطاقة ممنوحة لكل البشر حتى لا تحدث فتنة عند مَنْ يعرفها؛ لأنها ستعطيه فرصة ليست موجودة عند غيره. وقد يطغى بها وهذا هو السحر. وأوضحنا ذلك عند قوله سبحانه: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ..} تفسير : [البقرة: 102]. فتنة، لماذا؟، لأنك تأخذ فرصة ليست موجودة لغيرك، وعندما توجد عندك فرصة ليست موجودة لغيرك فأنت لا تضمن نفسك أن تستعملها في الضار فقد تستعملها في ذلك؛ فستذهب بك إلى النار. والحق يقول: {أية : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 102]. إذن فالحق سبحانه وتعالى من طلاقة قدرته يعطي للجنس الضعيف وهو الإنسان شيئاً يستطيع به أن يسخّر الأقوى وهو الجن، والجن يعرف هذه الحكاية. ولذلك فكل الذين يتمثل لهم الجن لا يَأتي ويَدوم بل يَأتي لمحة خاطفة؛ لأنه لا يستطيع أن يستقر على صورته التي يتمثل فيها، فلو تمثل بإنسان أو بحيوان مثلاً لحكمته الصورة، وإن حكمته الصورة، واستطاع مَنْ يراه أن يطلق عليه رصاصة من "مسدسه" لقتله! ولذلك فالجن يأتي لمحة مثل ومضة البرق ويختفي، إنها طلاقة قدرة الحق التي يمكن أن تعطي للجنس الأقل - الإنسان - قوة القدرة على أن يُسخِّر الجنس الأقوى - الجن -، لكن هذه ليست في مصلحة الإنسان، ولذلك فالمؤمن من الجنّ يقول: أنا أكتفي في جنسي بقانوني، فربما يجعلني عدم تكافؤ الفُرص طاغياً، لأن مَنْ يملكون هذه القُدرة يطغون في الناس. والذي يقوم بعمل تكره به المرأة زوجَها ويكره به الزوج امرأته هو نفسه مَنْ يَحِلّ مثل هذ العمل، ومن مصلحته أن تستمر هذه الحكاية. ولذلك لا أحد يتغلب على تلك المسألة إلا إذا استحضر قول الحق: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 102] فالسحر وارد بنص القرآن، لكن يجب أن تعلم أن هذه ليست طبيعية في السحرة ولا ذاتية فيهم، وإذا أراد الله ألا يضار الإنسان بالسحر فلن ينفع السحر، وإن اتسعت المعرفة بهذا الأمر تكون فتنة للناس، والذي يتبع هؤلاء السحرة ويذهب لهم ليفكّوا له السحر، ويذهب لهم ليسحروا له الخصوم، وينفتن فيهم يعيش طوال عمره مُرهقاً مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 6]. صحيح أنهم يقدرون أن يسحروا، لكن ذلك السحر يزيد المتسبب فيه رهقاً وتعباً. وعلى المؤمن أن يحمي نفسه بهذا الدعاء: "اللهم قد أقدرت بعض خلقك على السحر، واحتفظت لذاتك بإذن الضر، فأعوذ مما أقدرت عليه بما احتفظت به". عندئذ لن يخافهم ولن يجدوا سبيلاً لهم إليه، فهم يستغلون الضعيف فقط، والسحر يُوجد عدم تكافؤ فرص، ويفتن الناس في الناس، ويؤدي إلى إخلال توازن المجتمع. وبعد ذلك تجيء كبيرة منع الزكاة، والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا أن نُزكي، إنما يلفتنا إلى أننا لم نأت بشيء من عندنا؛ فالعقل الذي يخطط للعمل مخلوق لله، والجوارح التي تعمل مخلوقة لله، والأرض التي تعمل فيها أو الصنعة التي نصنعها مخلوقة لله. إذن فكل حاجة لله، لكنه أوضح لك: سأحترم عملك، وعليك أن تعطي أخاك الفقير بعضاً مما رزقتك به. ويقول قائل: ما دام هو ربُّ الكلّ، فلماذا يترك واحداً فقيراً؟ نقول: لكي يُثبت الأغيار في الكون، ويعرف الغنيّ أن الفقر قد يلحقه، ويعرف القوي أن الضعف قد يلحقه، إذن فالمسألة جاءت لنظام الكون، فيحُنن الخالق قلب الواجد على المعدم ليعطيه، فيوم تمنع الزكاة يظهر أثر ذلك في الكون لأنها مسألة محسوبة بحساب دقيق، ولذلك فإذا رأيت واحداً جوعان بحق فاعرف أن واحداً ضيع زكاته فلم يؤدها، وإن رأيت عورة في المجتمع فاعرف أن فيه حداً مضيّعاً لله، لأن ربنا جعل المجتمع متساوياً والنقص هنا يكمّله من هناك، فإن رأيت نقصاً عاماً فاعرف أن فيه حقاً لله مضيعاً. وبعد ذلك حدثنا سيدنا جعفر الصادق عن كبيرة ترك الصلاة، ونعرف أن الصلاة هي إعلان دوام الولاء للإله الواحد، فأنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مرّة واحدة في العمر، وتُزكيّ إن كنت واجداً وقادراً مرّة واحدة في السنة، وتحجُ مرّة واحدة في العمر، وتصوم شهراً واحداً في السنة، وإن كنت مريضاً لا تصوم وقد يسقط عنك هذا الركن إذا كان هناك مرض لا يرجى شفاؤه أو أصبح الشخص لا يقوى على الصوم لكبر سنه، وإذا كنت فقيراً لا تزكي، فقد سقطت الزكاة عنك أيضاً، وإن كنت غير مستطيع فلا تحج ويسقط عنك الحج. ها هي ذي ثلاثة أركان لك عذر إن لم تفعلها. وبقي ركنان اثنان من أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، وشهادة أن لا إله إلا الله يكفي أن تقولها في العمر مرة، فماذا بقي من أركان الإسلام؟ بقيت الصلاة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة عمود الدين ". تفسير : إذن فترك الصلاة معناه: أنه تمرد على إعلان العبودية والولاء للحق. وقد طلبها الله في اليوم خمس مرات، وحتّم الجماعة فيها في يوم الجمعة في الأسبوع. لماذا؟ حتى يرانا كل العبيد لله عبيداً لله. فلا يعبد واحد ربنا سراً وبعد ذلك لا يرى أحد منا أحداً فكلنا نسجد لله ولا بد من إعلان الولاء لله، فيوم تُترك الصلاة ينعدم إعلان الولاء له - سبحانه -. ومن العجيب أن الصلاة فرضها الله عليك بأنك تذهب له خمس مرات في اليوم، هذا بالأمر والتكليف، وإن لم تذهب تأثم إنه ما أغلق الباب اذهب له في أي وقت تجده في استقبالك في أي مكان تقف وتقول: الله أكبر تكون في حضرة ربنا، وقلنا سابقاً: إن مَنْ له السيادة في الدنيا حين تطلب لقاءه تقدم طلباً حتى تلقاه، ويحدد لك الميعاد، وبعد ذلك يسألك أحد رجاله: ستتكلم في ماذا، وقد يقف المسئول أو السيد في الدنيا وينهي المحادثة، لكن ربنا ليس كذلك، أنت تذهب له في أي وقت وفي أي زمان وتطيل كما تحب ولن ينهي المقابلة إلا إذا أنهيتها أنت. ولذلك يقولون: شعر : حسبُ نفسي عزاً بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد ربّ هو في قدسه الأعزُّ ولكن أنا ألقَى متى وأيْن أُحِبّ تفسير : صحيح هو يأمرني أن ألقاه خمس مرات في اليوم، لكن الباب مفتوح للقائه في أي وقت، وأوضحنا سابقاً - ولله المثل الأعلى - هب أن صنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم - أيوجد فيها عطب؟ لا. وأنت تعرض على خالقك وصانعك كل يوم خمس مرات. والصنعة العادية يُصلحها صانعها بسلك أو بمسمار أو بوصلة يضعها، أما أنت المخلوق لله وربّك غيب وهو يُصلح جهازك بما يراه مناسباً. وبعد ذلك بقي من الكبائر نقض العهد وقطيعة الرحم، ونقض العهد لا يجعل إنساناً يثق في وعد إنسان آخر. فينتشر التشكك في نفوس الجماعة الإيمانية بعضها من بعض، والوعد قد يحل مشاكل للناس المعْسرين، فعندما يقول قادر لغير قادر: أعدك بكذا. ويعطيه ما وعده به، فإن وعده المدين بسداد الدين وأخلفه مرة فلن يصدقه بعد ذلك. وإن وعده وصدق ثم وعده وصدق ثم وعده وصدق، يصبح صادقاً، وكل ما عند الناس يصبح عنده، ولذلك يقولون: مَنْ يأخذ ويعطي يكون المال ماله. وبعد ذلك تأتي كبيرة قطيعة الرحم: لأن الحق سبحانه وتعالى اشتق للرحم اسماً من اسمه فهو القائل في الحديث القدسي: "أنا الرحمن خلقت الرحِم وشققت لها اسماً من اسمي فمَنْ وصلها وصلته ومَنْ قطعها قطعته". ونعلم جميعاً حكاية سيدنا معاوية عندما دخل عليه الحاجب وقال له: يا أمير المؤمنين هناك واحد بالباب يقول: إنه أخوك، فيقول معاوية للحاجب: أي إخوتي هو؟ ألا تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: إنه يقول: إنه أخوك. فلما دخل الرجل، سأله معاوية: أأنت أخي؟ قال: نعم فقال معاوية: وأي إخوتي أنت؟. فقال: أنا أخوك من آدم! فقال معاوية: رَحِمٌ مقطوعة، لأكونن أول مَنْ وصلها. تلك هي الكبائر التي ذكرها سيدنا جعفر الصادق وهي تمثل ما يمكن أن يكون نقضاً للمجتمع كله من أساسه، فكل كبيرة تنقض ناحية من نواحي المجتمع، وهذا يخالف الإيمان، لأن الإيمان هو منهج إن اتبعناه جميعاً عشنا في أمن. والإسلام أيضاً منهج إن اتبعناه جميعاً عشنا في سلام، فيوم تأتي - أيها المسلم - كبيرة من هذه الكبائر فأنت تزلزل بها ركناً من الأركان، وحينئذ لا يكون هناك أمان ولا سلام، ولذلك يقول الحق سبحانه: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ..} [النساء: 31] وعندما ندقق في كلمة "تنهون عنه" نلتفت إلى أن أصل الفضائل: أن تسلب نقيصة وأن توجب كمالاً، فقبلما توجب الكمال بالأوامر اسلب النقائص بالنواهي؛ ولذلك يقولون: التخلية قبل التحلية. {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ..} [النساء: 31] و "نكفر" أي نستر، لأن الكفر هو الستر، وقلنا: إن التكفير للذنوب إماطة للعقاب، والإحباط إماطة للثواب، {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31] فلن نسقط عنكم العذاب فقط بل نعطيكم المدخل الكريم - يقول الحق: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ..} تفسير : [يونس: 26]. وقد كان يكفي ألا تعاقب، لكنك حينما تتجنب الكبائر لا يسقط عنك العقاب فقط، بل يدخلك الله مدخلاً كريماً، والمدخل الكريم يتناسب مع من يدخلك في مدخله، فانظر، إلى المدخل الكريم من الله وما شكله؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرأوا إن شئتم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ". تفسير : وبذلك تنتقل الصورة إلى شيء جديد، وهو: التوازن بين أفراد الجنس الإنساني، كل هذا الكلام كي يُحفظ الجنس الإنساني مع بعضه، وبعد ذلك يريد الله أن يقيم توازناً ومصالحة إيمانية بين نوعي الجنس الإنساني، والجنس الإنساني فيه ذكورة وفيه أنوثة. ونعرف أن كل جنس من الأجناس لا ينقسم إلى نوعين إلا إذا كان فيه قدر مشترك يجمع النوعين من الجنس، وفيه شيء مفترق يجعل هذا نوعاً وهذا نوعاً ولو لم يكن فيه شيء مفترق لما كان نوعين، إذن فما دام الجنس الواحد نوعين فلا بد أن يجمعهما في شيء مشترك، وما دام الجنس الواحد قد انقسم لنوعين فكل نوع له مهمة. والذكورة والأنوثة هما نوعان لجنس البشر، فالذكر والأنثى يشتركان في مطلوبات الجنس، وبعد ذلك ينفردان في مطلوبات النوع، وبعد ذلك كل نوع ينقسم إلى أفراد. والأفراد أيضاً ليسوا مكررين، بل فيه قدر مشترك يجمع كل الأفراد، وبعد ذلك كل واحد له موهبة وله ريادة وله شطارة في مجال كذا أو كذا، وبذلك يتكامل أفراد الجنس البشري. وما دام الجنس البشري قد انقسم لنوعين، فيكون للرجال خصوصية وللنساء خصوصية. وربنا سبحانه وتعالى لا يأتي حتى في البنية العامة ليجعل الجنسين مستويين في خصائص البنية، صحيح البنية واحدة: رأس وجذع وأرجل، إنما يأتي ويميز بنية كل نوع بشيء، الرجل له شكل مميز، والمرأة لها شكل مميز. ولذلك فالذين يقولون: نساوي الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل نقول لهم: المرأة لها تكوين خاص، والرجل له تكوينه الخاص، فإذا ساويت المرأة بالرجل أعطيت لها مجالات الرجل، وبقيت مجالاتها التي لا يمكن للرجل أن يشاركها فيها، معطلة لا يقوم بها أحد. إذن فأنت حملتها فوق ما تطيق وأنت مخطئ؛ لأنك تأتيها بمتاعب أخرى. إن الحق سبحانه وتعالى ساعة يخلق جنساً، وساعة يقسم الجنس إلى نوعين، يوضح: تنبهوا أن كل نوع له مهمة وفيه شيء مشترك، المشترك بين الأنوثة والذكورة، ما هو؟ إن هذا إنسان وذلك إنسان، وإن هذا من ناحية الإيمان مُطالب منه أن يكون له عقيدة إيمانية ولا أحد يسيطر على الآخر في عقيدته الإيمانية، الأثنان متساويان فيها، ولا يفرضها واحد على الآخر، وضرب الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً على تشخص الذكورة وتشخص الأنوثة في الأمر الأولي للإيمان، وإن اختلفت في الأمر الثانوي للأحكام، فيقول: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} تفسير : [التحريم: 10]. وهذان رسولان، ومع ذلك لم يستطيعا إقناع زوجتيهما بالتوحيد إذن فكل إنسان له حرية العقيدة والتعقل، ولا أحد تابع لآخر في هذه المسألة أبداً. ويقول الحق: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التحريم: 11]. فرعون الذي ادعى الألوهية لم يقدر أن يرغم امرأته على أن تكفر والحق سبحانه وتعالى قال فيها: {أية : إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ..} تفسير : [التحريم: 11]. إذن ففي مسألة العْقيدة الكل فيها سواء، الذكورة والأنوثة، فيها عقل وفيها تفكير. ولعل المرأة تشير برأي قد يعزّ على كثير من الرجال. ولنا المثل من زوج رسول الله (أم سلمة) وموقفها في صلح الحديبية فعندما يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليعقد المعاهدة، ويحزن أصحابه ومنهم عمر رضي الله عنه الذي قال: أنقبل الدنية في ديننا فيقول له سيدنا أبو بكر: الزم غرزك يا عمر إنه رسول الله. فدخل رسول الله مغضباً، طبعاً من حمية عمر وحزن الصحابة، لأنها مسألة تعز على النفس البشرية، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب فيجد أم سلمة فيقول لها: هلك المسلمون "حديث : ألا ترين إلى الناس آمرْهم بالأمر فلا يفعلونه وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي؟ فقالت يا رسول الله: لا تلمهم فإنه قد داخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصْلح ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرج إليهم ولا تكلم أحداً كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك ". تفسير : لقد وقّع رسول الله صلح الحديبية وانتهت المسألة، ولكن رحمة الله بالمؤمنين الذين وقفوا أمام رسول الله في هذه المسألة، ورحمة الله لهم بأم سلمة أوضح لهم الرسول: سأبين لكم: أنتم لو دخلتم مكة وفيها أناس مسلمون لا تعرفونهم إنهم يكتمون إيمانهم وإسلامهم، والبيت الكافر قد يكون فيه واحد مسلم، وقد تقتلون أناساً مسلمين لا تعرفونهم فتصيبكم معرة أي ما تكرهونه ويشق عليكم مصداقاً لقول الحق تعالى: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. لو تزيلوا أي لو تميز المؤمنون في منطقة لعاقبنا الكافرين عقاباً شديداً. إذن لقد أوضح لهم العلة، فرضي الكل، ولنا أن نلتفت إلى أن المسألة جاءت من سيدتنا أم سلمة، وهذا دليل على أن الله لا يمنع أن يكون لامرأة عقل وتفكير ناضج، ولذلك نجد القرآن يؤكد ذلك في قصة بلقيس، لقد فكرت بلقيس في الرجل الآتي ليزلزل ملكها: يا ترى هل هو طالب ملك، فجاء على لسانها في القرآن الكريم. {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تفسير : [النمل: 29-32]. فماذا قال القادة؟ قالوا: لا، هذه ليست مسألتنا، وجاء القرآن بقولهم: {أية : قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} تفسير : [النمل: 33]. كان رجل الحرب يُؤتمر فقط، يحارب أو لا يحارب، لكن الذي يقدر هذا هم الساسة الذين ليس عندهم حمية وحركية القتال. نقول لقائد الجند: أنت تنتظر الأمر، وتجعل الساسة الهادئين يفكرون في عواقب الأمور؛ لذلك قال قادة الجند لبلقيس: {أية : نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ ..} تفسير : [النمل: 33] لقد وضعوا الأمر في رقبتها وهي امرأة، ففكرت: سأجرب وأختبره وأنظر أهو طالب مُلك أم صاحب دين - فأرسلت هدية له، فلما جاءته الهدية جاء القرآن بما قاله سيدنا سليمان عندما تلقى الهدية: {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} تفسير : [النمل: 36]. فعرفت بلقيس أن المُلْك ليس هدفه، وبعد ذلك عرفت أنه صاحب رسالة، فقالت: أذهب له وأسلم، انظر أداء العبارة القرآنية عندما تصور إيمان ملكه قالت: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44]. يعني: أنا وهو أصحبنا عبيداً لله، هذه رفعة الإيمان؛ فلا غضاضة ما دامت هي وهو عبيداً لإله واحد، وبلقيس امرأة ولم يحرمها ربنا من الرأي الحسن أيضاً ومن الأداء الجميل، وهي عندما ذهبت ووجدت عرشها وقد جاء به مَنْ عنده علم من الكتاب وأقامه، لقد تركت العرش في بلدها وجاءت إلى سليمان فوجدت عرشها، وكان لابد أن يلتبس عليها الأمر، وقالوا لها: أهكذا عرشك؟: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ..} تفسير : [النمل: 42]. فأجابت إجابة دبلوماسية وكياسة: {أية : قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ..} تفسير : [النمل: 42]. هي امرأة ولم يحرمها الله من تميز الفكر؛ لذلك لا يصح أن نحرم المرأة من أن يكون لها فكر. لكن المهم أن تعلم أن لها حدوداً في إطار نوعيتها، ولا تعتبر النقص في شيء للرجل أنه نقص فيها، فإذا ما كان عندها كمال لا يوجد عند الرجل فلتعلم أنه حتى في البنية يختلف الرجل عن المرأة؛ الرجل فيه خشونة وفيه صلابة وفيه قوة، والمرأة فيها رقة وفيها ليونة ومستميلة، ولها عاطفة فياضة، وفيض حنان، والرجل فيه صلابة حزم وعزم، إذن فكل واحد معدّ لمهمة. فلا يقولن أحد: أنا ناقص في هذه، لكن انظر غيرك إنه ناقص في ماذا وهو عندك أيضاً كامل. ويأتي الدين ليوضح: يا مؤمنون، الحرير حرام على الذكور وحلال للإناث الذهب حرام على الذكور وحلال للإناث، أي تدليل أكثر من هذا؟ لقد حرم على الرجال التمتع بالحرير والذهب وأعطاهما للنساء، والدين يطلب أن تكون المرأة سكناً للرجل، فالمفروض أن الرجل هو الذي يتحرك حركة الحياة خارجاً، وعندما يعود لمنزلة فهو يسكن لزوجه، والذي يصقل السيف ويحده، مثل الشجاع الذي يضرب به تماماً كل له عمل يكمل عمل الآخر، وكذلك الرجل عندما يدخل منزله ويجد حياته مرتبة بفضل جهد زوجته فهو يرتاح ويشكر لها ما شاركته من أعباء الحياة. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية مناسبتها لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما ذكر الوعيد على فعل بعض الكبائر ذكر الوعد على اجتناب الكبائر والظاهر أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وسيئات وهي التي عبّر عنها أكثر العلماء بالصغائر. قال ابن عباس: الكبائر كلما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبهه ذلك وإلى نحو من هذا ذهب الوزير أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفارسي القرطبي رحمه الله تعالى قال: قد أطلت التفتيش عن هذا منذ سنين فصح لي أن كل ما توعد الله عليه بالنار فهم من الكبائر ووجدناه عليه السلام قد أدخل في الكبائر بنص لفظه أشياء غير التي ذكر في الحديث يعني الذي في البخاري فمنها قول الزور وشهادة الزور وعقوق الوالدين والكذب عليه صلى الله عليه وسلم وتعريض المرء أبويه للسّبّ بأن يسبّ آباء الناس وذكر عليه السلام الوعيد الشديد بالنار على الكبر وعلى كفر نعمة المحسن في الحق، وعلى النياحة في المآتم، وحلق الشعر فيها، وحذق الجيوب، والنميمة، وترك التحفظ من البول، وقطيعة الرحم، وعلى الخمر؛ وعلى تعذيب الحيوان بغير الذكاة، لأكل ما لا يحل أكله منها أو ما أبيح أكله منها، وعلى إسبال الإزار على سبيل التجوه، وعلى المنّان بما يفعل من الخير، وعلى المنفق سلعته بالحلف الكاذب، وعلى مانع فضل مائة من الشارب، وعلى الغلول، وعلى مبايعة الأئمة للدنيا فإِن أعطى منها وفي لهم وإن لم يعط منها لم يوف لهم، وعلى المقتطع بيمينه حق امرىء مسلم، وعلى الامام الغاش لرعيته، وعلى من ادعى لغير أبيه، وعلى العبد الآبق، وعلى من غل، ومن ادعى ما ليس له، وعلى لا عن من لا يستحق اللعن، وعلى بغض الأنصار، وعلى تارك الصلاة، وعلى تارك الزكاة، وعلى بغض عليّ رضي الله عنه، ووجدنا الوعيد الشديد في نص القرآن قد جاء على الزناة وعلى المفسدين في الأرض بالحرابة فصح بهذا قول ابن عباس. انتهى كلام ابن حزم رضي الله عنه. وقرىء: {مُّدْخَلاً} بضم الميم وهو مصدر أو مكان الادخال، وبفتح الميم وهو مكان الدخول أو مصدر وهو منصوب بفعل محذوف تقديره فتدخلون مدخلاً حذف الدلالة الفعل المطاوع عليه. {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} الآية قال قتادة والسدي: لما نزل للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال: انا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات كالميراث: وقال النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزير علينا نصف ما على الرجال كالميراث فنزلت للرجال نصيب الآية. المعنى أن الله تعالى جعل لكل من الصنفين مكاسب تختص به فلا يتمنى أحد منهما ما جعل للآخر فجعل للرجال الجهاد والانفاق في المعيشة وحمل التكاليف الشاقة كالاحكام والامارة والحسبة وغير ذلك، وجعل للنساء الحمل ومشقته وحسن التبعل وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت. وقيل: المعنى مما اكتسب من نعيم الدنيا فينبغي أن يرضى بما قسم. وهذه الأقوال الثلاثة هي بالنسبة لأحوال الدنيا. وقال الزمخشري: جعل ما قسم بما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله في حاله الموجبة للبسط والقبض كسبالة. "انتهى". وفي قوله عرف الله نظر فإِنه لا يقال في الله عارف نص الأئمة على ذلك لأن المعرفة في اللغة تستدعي قبلها جهلاً بالمعروف وذلك بخلاف العلم فإِنه لا يستدعي جهلاً قبله وتسميته ما قسم الله له كسباً له فيه نظر أيضاً فإِن الاكتساب يقتضي الاعتمال والتطلب كما قلناه إلا ان قلنا ان أكثر ما قسم له يستدعي اكتساباً من الشخص فأطلق الاكتساب على جميع ما قسم له تغليباً للأكثر، وفي تعليق النصيب بالاكتساب حض على العمل وتنبيه على كسب الخير. {وَٱسْأَلُواْ} قرىء بسكون السين وبالهمز إذا كان أمر مخاطب وقبله الفاء أو الواو. وقرىء بفتح السين فاحتمل أن يكون أصله بالهمز ونقلت حركتها إلى السين وحذفت الهمزة. واحتمل أن يكون من سأل يسأل كخاف يخاف فعين الفعل واو فهما مادتان ولذلك قيل: يتساءلان ويتساولان. ووهم ابن عطية في ذكره الإِجماع على قوله: واسألوا ما أنفذتم، انه بالهمز لم يقرأ بغيره ونصوص المقرئين على خلاف قوله ونص على الخلاف فيه بخصوصه ابن شيطاني كتابه المستنير. {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ} الآية لما نهى عن التمني المذكور وأمر بسؤال الله من فضله أخبر تعالى بشيء من أحوال الميراث ولما ذكر أن للرجال نصيباً مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وهو مما حصل بالتطلب والتكسيب ذكر حالهم فيما يحصل لهم بغير تعب ولا طلب فقال: ولكل، وهي مضافة لمحذوف تقديره ولكل إنسان جعلنا موالي، أي يكون أمره في قسمة ما يرث مما ترك أي من أجل ما ترك. ومن: للسبب. {ٱلْوَٰلِدَانِ} أي والدا ذلك الانسان وأقربوه. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ} هو في الزوج والمعنى أن الذين يقولون أمر الميراث ويوصلونه لمن يستحقه أمروا بأن يؤتى ما يحصل من الميراث لذلك الإِنسان. ويكون الأمر في قوله: فآتوهم، الذين يتولون النظر في ذلك، والضمير المنصوب في فآتوهم وفي نصيبهم عائد على كل إنسان مراعاً فيه الجمع وهذا الذي فهمته من الآية. وذكرنا في البحر في ذلك أقوالاً يوقف عليها فيه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} لما ذكر تشريع التوريث وأمر بإِيتاء النصيب أخبر أنه مطلع، على كل شيء فهو المجازي به وفي ذلك تهديد للعاصي ووعيد للمطيع وتنبيه على أنه شهيد على المعاقدة بينكم. والصلة: فأوفوا بالعهد.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه امتناناً على المؤمنين، تفضلاً وإشفاقاً وجذباً من جانبه: {إِن تَجْتَنِبُواْ} وتجوزوا أيها المحبوسون في مهادي الإمكان ومضيق الحدثان {كَبَآئِرَ} أعاظم {مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} وهي الشرك بالله بأنواعه من إثبات الوجود لغيره، وإسناد الحوادث إلى الأسباب وغير ذلك {نُكَفِّرْ} نمحو ونتجاوز {عَنْكُمْ} تفضلاً عليكم {سَيِّئَـٰتِكُمْ} خطاياكم اللاحقة لنفوسكم من لوازم بشريتكم ومقتضى طبيعتكم {وَ} بعدما غفرناكم {نُدْخِلْكُمْ} بمحض جودنا ولطفنا {مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31] هو فضاء التوحيد الذي ليس فيه هوةاء ولا ماء ولا غدو ولا مساء، بل فيها إفناء وبقاء ولقاء، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى. وفقنا بكرمك وجودك لما تحبه عنا وترضى. {وَ} من مقتضى إيمانكم أيها المؤمنون المحمديون المتوجهونن نحو توحيد الذات من محجة الفناء والرضا بما نفذ عليه القضاء، فعليكم أن {لاَ تَتَمَنَّوْاْ} تمني المتحسر المتأسف حصول {مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ} في النشأة الأولى {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} من الجاه ولمال والمكانة الرفيعة في عالم الصورة؛ إذ هي ابتلاء واختبار لهم وفتنة تبعدهم عن طريق الفناء، وتوقعهم في التكثر والتشتت، والموحدون المحمديون لا بد له أن يقتفوا أثر نبيهم صلى الله عليه وسلم في ترك الدنيا وعدم الالتفات نحوها إلا ستر عورة وسد جوعة؛ إذ الإضافة والتمليك مطلقاً مخل بالتوحيد، والغنى المطغي جالب للعذاب الأخروي. ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذاباها كان غراماً. واعملوا أيها المحمديون السالكون سبيل الفناء لتفوزوا بجنة البقاء أن لكم عند ربكم درجات ومداخل متفاوتة بتفاوت استعداداتكم المترتبة على ترتيب الأسماء والصفات الإلهية؛ إذ {لِّلرِّجَالِ} أي: للذكور الكمل لكل منكم على تفاوت طبقاتهم {نَصِيبٌ} حظ من التوحيد الذاتي هو مقرهم وغاية مقصدهم حاصل لهم {مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} من الرياضات والمجاهدات المعدة لفيضان المكاشفات والمشاهدات {وَ} كذا {لِلنِّسَآءِ} منكم مع تفاوت طبقاتهن {نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} في تلك الطريق؛ إذ كل ميسر لما خلق له وعليكم التوجه نحو مقصدكم {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} يا عباده لييسر لكم ما يعينكم ويجنبكم عما لا يعنيكم ويغويكم {إِنَّ ٱللَّهَ} الميسر لأمور عباده {كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ} مما صدر عنهم من صلاح وفساد {عَلِيماً} [النساء: 2] بعلمه الحضروري، يصلح لهم وييسر عليهم الهدى بقدر استعداداتهم وقابلياتهم. ثم قال سبحانه: {وَلِكُلٍّ} من الأسلاف الذين مضوا {جَعَلْنَا} من محض جودنا وحكمتنا {مَوَٰلِيَ} أخلافاً يولونهم ويوالونهم ويأخذون {مِمَّا} أي: من الأموال التي {تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَ} كذا مما ترك {ٱلأَقْرَبُونَ} من ذوي الأرحام {وَ} كذا من متروكات {ٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} بالنكاح والزواج على الوجه المشروع {فَآتُوهُمْ} أيها الحكام {نَصِيبَهُمْ} أي: نصيب كل من الولاة على الوجه المفروض {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لمصالح عباده {كَانَ} في سابق علمه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الحوادث الكائنة {شَهِيداً} شيهداً [النساء: 44] حاضراً مطلقاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر أن الاجتناب عن الكبائر المنهي عنها بقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]، يوجب تكفير الصغائر، لقوله تعالى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [النساء: 31]، وعند انتفاء الصغائر والكبائر يمكن الدخول في المدخل الكريم وهو حضرة أكرم الأكرمين، لقوله تعالى: {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} تفسير : [النور: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"تفسير : ، وتفاصيل الكلام مر ذكرها وإن جملتها مندرجة في ثلاثة أشياء: إحداها: إتباع الهوى، فقد يقع الإنسان به في جملة من الكبائر، مثل: البدعة والضلالة، والارتداد والشبهة، وطلب الشهوات واللذات، والتمتعات وحظوظ الأنفس بترك الصلاة والطاعات كلها، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، وقذف المحصنات وأمثالها، ولهذا قال: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]، وقال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]، وأهله الله على علم. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عُبد إلهٌ في الأرض أبغض على الله من الهوى ". تفسير : وثانيها: حب الدنيا، فإنها مظنة كثيرة من الكبائر مثل: القتل والظلم والغضب، والنهب والسرقة، والربا وأكل مال اليتيم، ومنع الزكاة، وشهادة الزور وكتمانها، واليمين الغموس، والحيف في الوصية وغيرها، واستحلال الحرام ونقض العهد وأمثاله، ولهذا قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أكبر الكبائر الإشراك بالله ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليسير من الرياء شرك ". تفسير : وقال المشايخ: وجودك ذنب، فمن تخلص عن ذنب وجوده فلا يرى غير الله، فلا ينشأ منه الشرك ولا حب الدنيا، ومن تخلص من الهوى فيتحقق له الوصول واللقاء، كقوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}تفسير : [الكهف: 110]، لعمري أن هذا هو المدخل الكريم، والفوز العظيم، والنعيم المقيم. ثم أخبر أن نيل هذه المقامات والكرامات ليس بالتمني، بل بالجد والسعي بقوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} [النساء: 32]، إشارة في الآيتين: أن ما فضل الله به بعض الإنسان على بعض من كمالات الدين ومراتب أهل اليقين لا تحصل بمجرد التمني، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الدين بالتمني"تفسير : ، فقال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [النساء: 32]، فإنه لا يحصل بالتمني، ولكن {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} [النساء: 32]؛ أي: الذين {أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37] والقائمين بأمر الله المجتهدين في طلب الله المعرضين عن غير الله، {نَصِيبٌ} [النساء: 32] مما جدوا في طلبه واجتهدوا حق الجهاد بالسعي الجميل والصبر الجزيل، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}تفسير : [النجم: 39-40]، {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} [النساء: 32]؛ أي: من فيه نوع الأنوثة من التواني في الطلب، ودناءة الهمة في المطلوب والمقصود، وهو الذي يطلب من الله غير الله، فلهن نصيب {مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، على قدر الهمة في الطلب، كقوله تعالى: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}تفسير : [الشورى: 20]. ثم علم عباده حسن السؤال بعلو الهمة بقوله تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وفيه معنيان: أحدهما: اسألوه من فضله الخاص الذي {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الحديد: 21]؛ ليؤتك ويفضلك به على أهل زمانك، وحقيقة الفضل؛ هي المعرفة والعلم اللدني يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113]. والثاني: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 32]؛ أي: اسألوه منه ولا تسألوا منه غيره، فإنه يعطيكم من فضله وكرمه، وإن اجتهدتم في الاكتساب وجاهدتم {أية : فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} تفسير : [الحج: 78]، ولا يجهدكم كسبكم، فإنه بالجهد يهدي إلى سبله، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]، بالفضل يهدي إليه، كما قال تعالى: أية : يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13]، ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 32] في الأزل {بِكُلِّ شَيْءٍ} [النساء: 32]؛ أي: من أحوال عباده {عَلِيماً} [النساء: 32] يعلم بالعلم القديم الأزلي، فأعطى كل واحد منهم في بدء الخلقة استعداداً لقبول الفيض الإلهي كما يشاء بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]، وكان {عَلِيماً} [النساء: 32] بمن يسأل من الله غيره ممن لا يسأل منه إلا هو، فأشار إليهم وخاطبهم على قدر استعدادهم {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 32].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات غفر لهم جميع الذنوب والسيئات وأدخلهم مدخلا كريما كثير الخير وهو الجنة المشتملة على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكبا كبيرة، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصوم رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " . تفسير : وأحسن ما حُدت به الكبائر، أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة، أو غضب عليه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [31] 119- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا النَّضر، نا شعبة، عن عبيد الله ابن أبي بكر بن أنس قال: سمعت أنسا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور ". تفسير : 120- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا بقيَّة، نا بَحير بن سعد، عن خالد بن / معدان، أن أبا رُهم، السَّمعي حدثه أن، ابا أيوب الأنصاري حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من جاء يعبد الله، ولا يشرك به شيئا ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر، فإن له الجنة" فسألوه عن الكبائر فقال: "الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف ". تفسير : 121- أخبرني عبدة بن عبد الرحيم، أنا ابن شُميل، أنا شعبة، نا فراس قال: سمعت الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ". تفسير : 122- أنا موسى بن عبد الرحمن، نا أبو أسامة، عن بُريد، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم اغفر لعبدي الله بن قيس، وثِبْه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما ". تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [ {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [31]] 10/ 745- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد [بن الحارث]، قاتل: حدثنا شعبة، عن عُبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ح (وأنبأنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النَّضر، نا شُعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال: سمعت أنسا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكبائر: الشِّرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النَّفس، وقول الزُّور ".
همام الصنعاني
تفسير : 554- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}: [الآية: 31]، الكبائر: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل الرِّبا، وقذف المحصنات، وأكْلُ مال اليتيم، واليَمين الفاجِرَة، والفِرارُ مِنَ الزحف. 555- عبد الرزاق، قال: أبنأنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع! قال هي إلى السبعين أقرب. 556- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق عن وبرة، عن عامر أبي الطفيل، عن عبد الله بن مَسْعُود، قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمْنُ من مكر الله، والقنوط من رحمةِ الله، واليأس من روح الله. 557- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أَنَّ عمر بن الخطاب قال: أنا فئة كل مسلم. 558- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: أن أبا عبيد الثقفي استعمله عمر بن الخطاب على جَيْشٍ فَقُتِلَ في أرض فارس هو وجيشُهُ، فقال عمر: لَوْ انْحازوا إليَّ كُنْتُ لهُم فِئةٌ. 559- قال معمر عن قتادة: إنَّهم كانوا يرون أَنَّ ذلك في يوم بدر، ألا ترى أنه يقول: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً}تفسير : : [الأنفال: 16]. 560- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن رجلٍ عن ابن مسْعُودٍ قال: خمس آيات في سورة النساء لَهُنَّ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدنيا جميعاً: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ} [النساء: 31]، وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا}تفسير : [النساء: 40]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : : [النساء: 48]، وقولُهُ تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : : [النساء: 110] وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : : [النساء: 152].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):