٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في النظم وجهين: الأول: قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل النفس، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس، فإما إذا رضي بما قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال. الوجه الثاني: في كيفية النظم: هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهراً عن الأفعال القبيحة، وهو الشريعة. ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة، وذلك هو الطريقة. ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، ولهذا قلنا: إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا. وقالت المعتزلة: النهي عن قول القائل: ليته وجد كذا، أو ليته لم يوجد كذا، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون. المسألة الثانية: اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية، أو بدنية، أو خارجية. أما السعادات النفسانية فنوعان: أحدهما: ما يتعلق بالقوة النظرية، وهو: الذكاء التام والحدس الكامل، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية. وثانيهما: ما يتعلق بالقوة العملية، وهي: العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة. وأما السعادات البدنية: فالصحة والجمال، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة. وأما السعادات الخارجية: فهي كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر، وكثرة الأصدقاء والأعوان، والرياسة التامة، ونفاذ القول، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم، مطاع الأمر فيهم، فهذا هو الاشارة الى مجامع السعادات، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه، وبعضها كسبية، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله، فانه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها. المسألة الثانية: أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره، ثم يعرض ههنا حالتان: إحداهما: أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان، والأخرى: أن لا يتمنى ذلك، بل يتمنى حصول مثلها له. أما الأول فهو الحسد المذموم، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه: الإحسان إلى عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة، ويزيل عن قلبه نور الإيمان، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }. واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان، أما على مذهب أهل السنة والجماعة، فهو أنه تعالى فعال لما يريد: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] فلا اعتراض عليه في فعله. ولا مجال لأحد في منازعته، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وإذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة، وطرق الاعتراضات مردودة. وأما على مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم، ولهذا المعنى قال: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الشورى: 27] وعلى التقديرين فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: «حديث : من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي» تفسير : فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها» تفسير : والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد. أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا: هذا أيضا لا يجوز، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا، فلهذا السبب قال المحققون: إنه لا يجوز للانسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي. وإذا تأمل الانسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ذكر الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله: {أية : آتنا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً } تفسير : [البقرة: 201] وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ }. المسألة الرابعة: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: قال مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية، الثاني: قال السدي: لما نزلت آية المواريث قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما في الميراث فنزلت الآية: الثالث: لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: نحن أحوج لأنّا ضعفاء، وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية. الرابع: أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء. فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا، فنزلت الآية. فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس». تفسير : ثم قال تعالى: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ }. واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا، وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة، وأن يكون ما يتعلق بهما. أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه: الأول: أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له. الثاني: كل نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به، وأن يترك الاعتراض، والاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز. الثالث: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بهذه الآية، وبين أن لكل واحد منهم نصيبا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بهذه الآية: ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه وجوه: الأول: المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه، فلا تتمنوا خلاف ذلك. الثاني: لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره: لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك. الثالث: للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على النساء، وللنساء نصيب مما اكتسبن، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش، فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب. وأما الاحتمال الثالث: فهو أن يكون المراد من الآية: كل هذه الوجوه: لأن هذا اللفظ محتمل، ولا منافاة. ثم قال تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } بغير همز، بشرط أن يكون أمراً من السؤال، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء، والباقون بالهمز في كل القرآن. أما الأول: فنقل حركة الهمزة الى السين، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها. وأما الثاني: فعلى الأصل. واتفقوا في قوله: {وَلْيَسْـئَلُواْ } أنه بالهمزة، لأنه أمر لغائب. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: {مِن فَضْلِهِ } في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه، كأنه قيل: واسألوا الله نعمته من فضله. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } تنبيه على أن الانسان لا يجوز له أن يعين شيئاً في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الاطلاق. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ روى الترمذي عن أُمّ سَلَمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؛ فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} قال مجاهد: وأنزل فيها { أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ } تفسير : [الأحزاب: 35]، وكانت أمّ سلمة أول ظَعِينة قدِمت المدينة مهاجرة. قال أبو عيسى؛ هذا حديث مرسَل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد، مُرسَل أن أم سلمة قالت كذا. وقال قتادة؛ كان الجاهلية لا يوّرثون النساء ولا الصبيان؛ فلما ورّثوا وجُعل للذّكر مثل حظ الأنثيين تمنت النساء أن لو جُعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال؛ إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهنّ في الميراث؛ فنزلت، {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} التّمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهُّف نوع منها يتعلق بالماضي؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التّمني؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغِبطَةُ، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمنّ زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك: مالك وغيره وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام: « حديث : لا حسد إلا في ٱثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار » تفسير : . فمعنى قوله؛ «لا حسد» أي لا غِبطة أعظم وأفضل من الغِبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا المعنى حيث بوَّب على هذا الحديث (باب الاغتباط في العلم والحكمة) قال المهلب: بيّن الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيّه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية: وأما التمنّي في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنّى المرء على الله من غير أن يقرن أُمنيته بشيء مما قدّمنا ذكره فذلك جائز؛ وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : وَدِدت أن أَحْيَا ثم أُقتل».تفسير : قلت: هذا الحديث هو الذي صدّر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها. وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها، فرزقه الله إياها؛ لقوله: « حديث : ما زالت أُكْلَة خَيْبَرَ تُعادُّني الآن أَوان قطعتْ أَبْهَرِي » تفسير : . وفي الصحيح: « حديث : إن الشهيد يقال له تمنّ فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتلَ في سبيلك مرة أخرى » تفسير : . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون؛ وكان يقول: « حديث : واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني » تفسير : . وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعيه إلى الحسد والتباغض، والتمني المنهى عنه في الآية من هذا القبيل؛ فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر.. وسواء تمنيّت مع ذلك أن يعود إليك أو لا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمّه الله تعالى بقوله: { أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 54] ويدخل فيه أيضاً خطبة الرجل على خِطبة أخيه وبيعه على بيعه؛ لأنّه داعية الحسد والمَقْت. وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي، والصحيح جوازها على ما بينّا، وبالله توفيقنا. وقال الضحاك: لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا: { أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ } تفسير : [القصص: 79] إلى أن قال: { أية : وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ } تفسير : [القصص: 82] حين خُسِف به وبداره وبأمواله { أية : لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } تفسير : [القصص: 82] وقال الكلبي: لا يتمنَّ الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمَه ولا دابته؛ ولكن ليقل؛ اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في التوراة، وكذلك قوله في القرآن {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}. وقال ابن عباس: نهى الله سبحانه أن يتمنّى الرجل مال فلان وأهلَه، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتّقي فيه ربّه ويصلُ به رَحِمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالاً فهو صادق النيّة يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء » تفسير : الحديث... وقد تقدّم. خرّجه الترمذي وصححه. وقال الحسن؛ لا يتمنّ أحدكُم المال وما يدريه لعلّ هلاكهَ فيه؛ وهذا إنما يصح إذا تمنّاه للدنيا، وأما إذا تمنّاه للخير فقد جوّزه الشرع، فيتمنّاه العبد ليصل به إلى الرّب، ويفعل الله ما يشاء. الثالثة ـ قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} يريد من الثواب والعقاب {وَلِلنِّسَآءِ} كذلك؛ قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة، للذّكَر مثل حظ الأنثيين؛ فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد؛ ولأن الله تعالى أعلمُ بمصالحهم منهم؛ فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} روى الترمذي عن عبدلله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : سلُوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل وأفضل العبادة ٱنتظار الفرج » تفسير : وخرّج أيضاً ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه » تفسير : . وهذا يدّل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب؛ وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال: شعر : الله يغضَب إن تركتَ سؤاله وبني آدمَ حين يُسأل يَغضبُ تفسير : وقال أحمد بن المعذّل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن: شعر : التِمس الأرزاقَ عندَ الذي ما دُونَه إن سِيَل مِن حاجِبِ مَنْ يُبغِض التاركَ تَسْأَلَهُ جوداً ومن يَرضَى عن الطالبِ ومَنْ إذا قال جَرَى قولُه بغير تَوْقِيع إلى كاتبِ تفسير : وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة». وقال سعيد بن جُبير: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} العبادة، ليس من أمر الدنيا. وقيل: سَلُوه التوفيقَ للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سلُوا ربَّكم حتى الشّبع؛ فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيّسر. وقال سفيان بن عُيَيْنة: لم يأمر بالسؤال إلا لِيعطي. وقرأ الكسائي وابن كثير: «وَسَلُوا الّلَهَ مِنْ فَضْلِهِ» بغير همزٍ في جميع القرآن. الباقون بالهمز. «واسألوا الله». وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنه تشه لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم، لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال. {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} بيان لذلك أي لكل من الرجال والنساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب ومن أجله، فاطلبوا الفضل من الله تعالى بالعمل لا بالحسد، والتمني كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : ليس الإِيمان بالتمني»تفسير : وقيل المراد نصيب الميراث وتفضيل الورثة بعضهم على بعض فيه، وجعل ما قسم لكل منهم على حسب ما عرف من حاله الموجبة للزيادة والنقص كالمكتسب له. {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} أي لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من خزائنه التي لا تنفذ. وهو يدل على أن المنهي عنه هو الحسد، أو لا تتمنوا واسألوا الله من فضله بما يقربه ويسوقه إليكم. وقرأ ابن كثير والكسائي {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} وسلهم فسل الذين وشبهه إذا كان أمراً مواجهاً به، وقبل السين واو أو فاء بغير همز وحمزة في الوقف على أصله والباقون بالهمز. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان. روي (أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث ليتنا كنا رجالاً) فنزلت.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يارسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يارسول الله، فذكره، وقال: غريب. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، فذكره. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث، فنزلت الآية، ثم أنزل الله: {أية : أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} تفسير : [آل عمران: 195] الآية، ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ، وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك، وروى ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أم سلمة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة، قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد ابن عبد الرحمن، حدثني أبي، حدثنا الأشعث بن إسحاق عن جعفر، يعني: ابن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في الآية، قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، ونحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} الآية، فإنه عدل مني وأنا صنعته. وقال السدي في الآية: فإن الرجال قالوا: أنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء: إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم: سلوني من فضلي، قال: ليس بعرض الدنيا، وقد روي عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية، قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت، لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك، نحو هذا؛ وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: «حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان، لعملت مثله، فهما في الأجر سواء»تفسير : ، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضاً؛ لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالاً فيغزون، رواه ابن جرير. ثم قال: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} أي: كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، هذا قول ابن جرير. وقيل: المراد بذلك في الميراث، أي: كل يرث بحسبه، رواه الوالبي عن ابن عباس. ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم، فقال: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئاً، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب. وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج»تفسير : ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج»تفسير : ، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً} أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، لهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } ثواب {مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ } بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ } من طاعة أزواجهنّ وحفظ فروجهن، نزلت لما قالت أم سلمة:( ليتنا كنا رجالاً فجاهَدْنا وكان لنا مثل أجر الرجال) {وَسْئَلُواْ } بهمزة ودونها [وسَلُوا]{ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } ما احتجتم إليه يعطكم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } ومنه محل الفضل وسؤالكم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ } التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته، وحكمته البالغة، وفيه أيضاً نوع من الحسد المنهى عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير. وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح: «حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» تفسير : وقد بوب عليه البخاري: «حديث : باب الاغتباط في العلم، والحكم» تفسير : وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوباً بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصاً لهذا العموم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } الخ، فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أمّ سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزي، ولا نقاتل، فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت. أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي، وقد روى نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة. والمعنى في الآية: أن الله جعل لكل من الفريقين نصيباً على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبر عن ذلك المجعول لكل فريق من فريقي النساء، والرجال بالنصيب، مما اكتسبوا، على طريق الاستعارة التبعية شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه. قال قتادة: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب، والعقاب، وللنساء كذلك. وقال ابن عباس: المراد بذلك: الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى ما ذكرنا. قوله: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } عطف على قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ } وتوسيط التعليل بقوله: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } الخ. بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير ما تضمنه النهي، وهذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله، كما قاله جماعة من أهل العلم. قوله: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ } أي: جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ميراثه، فـ {لكل} مفعول ثان قدّم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، أي: ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنى ما فضل الله به غيره عليه. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله بعدها: {وَٱلَّذِينَ عاقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } وقيل: العكس. كما روى ذلك ابن جرير. وذهب الجمهور إلى أن الناسخ لقوله {وَٱلَّذِينَ عاقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } قوله تعالى {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}تفسير : [الأنفال: 75] والموالى جمع مولى، وهو: يطلق على المعتق، والمعتق، والناصر، وابن العم، والجار قيل: والمراد هنا: العصبة، أي: ولكل جعلنا عصبة يرثون ما أبقت الفرائض. قوله: {وَٱلَّذِينَ عاقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } المراد بهم موالى الموالاة: كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل، أي: يحالفه فيستحق من ميراثه نصيباً، ثم ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية، ثم نسخ بقوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } تفسير : [الأنفال: 75] وقراءة الجمهور: {عاقدت} وروي عن حمزة أنه قرأ: «عقدت» بتشديد القاف على التكثير، أي: والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف، أو عقدت عهودهم أيمانكم، والتقدير على قراءة الجمهور: والذين عاقدتهم أيمانكم، فآتوهم نصيبهم، أي: ما جعلتموه لهم بعقد الحلف. قوله: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها الرجال الزيادة، كأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء؟ فقال: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ } الخ، والمراد: أنهم يقومون بالذب عنهنّ، كما تقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في قوله: {قَوَّامُونَ } ليدّل على أصالتهم في هذا الأمر، والباء في قوله: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ } للسببية والضمير في قوله: {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } للرجال والنساء، أي: إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال على النساء بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة، وغير ذلك من الأمور. قوله: {وَبِمَا أَنفَقُواْ } أي: وبسبب ما أنفقوا من أموالهم، وما مصدرية، أو موصولة، وكذلك هي في قوله: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ } و"من" تبعيضية، والمراد: ما أنفقوه في الإنفاق على النساء، وبما دفعوه في مهورهنّ من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد، وما يلزمهم في العقل. وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك، والشافعي، وغيرهما. قوله: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ } أي: من النساء {قَـٰنِتَـٰتٍ } أي: مطيعات لله قائمات بما يجب عليهنّ من حقوق الله، وحقوق أزواجهنّ {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } أي: لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ من حفظ نفوسهنّ، وحفظ أموالهم، «وما» في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } مصدرية، أي: بحفظ الله. والمعنى: أنهنّ حافظات لغيب أزواجهنّ بحفظ الله لهنّ ومعونته وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهنّ من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهنّ بما أوصى به الأزواج في شأنهنّ من حسن العشرة، ويجوز أن تكون «ما» موصولة، والعائد محذوف. وقرأ أبو جعفر: "بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ" بنصب الاسم الشريف. والمعنى بما حفظن الله: أي: حفظن أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهنّ للعلم به، و«ما» على هذه القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى، أي: بحفظهن الله، أو بالذي حفظن الله به. قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } هذا خطاب للأزواج، قيل: الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظنّ حدوثه، وقيل المراد: بالخوف هنا العلم. والنشوز: العصيان. وقد تقدّم بيان أصل معناه في اللغة. قال ابن فارس: يقال: نشزت المرأة: استعصت على بعلها، ونشز بعلها عليها: إذا ضربها وجفاها {فَعِظُوهُنَّ } أي: ذكروهنّ بما أوجبه الله عليهن من الطاعة، وحسن العشرة، ورغبوهنّ، ورهبوهنّ، {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } يقال: هجره، أي: تباعد عنه. والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي: تباعدوا عن مضاجعتهنّ، ولا تدخلوهنّ تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل: هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل: هو كناية عن ترك جماعها. وقيل: لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه {وَٱضْرِبُوهُنَّ } أي: ضرباً غير مبرح. وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل: إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر. وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } كما يجب، وتركن النشوز {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } أي: لا تتعرضوا لهنّ بشيء مما يكرهن لا بقول، ولا بفعل، وقيل: المعنى: لا تكلفوهنّ الحبّ لكم، فإنه لا يدخل تحت اختيارهنّ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهنّ، فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لكم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } يقول: لا يتمنى الرجل، فيقول: ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ } يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة: أن سبب نزول الآية أن النساء قلن: لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال؟ وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث. وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } قال: ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } قال: العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». تفسير : قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس. وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ } قال: ورثة {وَٱلَّذِينَ عاقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ } نسخت، ثم قال: {والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ } قال: عصبة {وَٱلَّذِينَ عاقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } قال: كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } تفسير : [الأحزاب: 6] يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام"تفسير : ، فنسختها هذه الآية: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }تفسير : [الأنفال: 75]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال: {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزل: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أردنا أمراً وأراد الله غيره"تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ } فضله عليها بنفقته، وسعيه {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ } قال: مطيعات {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } يعني: إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } قال: حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال: {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } قال: تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } يقول: إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء: أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال: بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص: أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً }»تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».
الماوردي
{وَلاَ تَتَمَنَّواْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} فيه قولان: أحدهما: هو قول الإنسان ليت ما لفلان لي، ويجوز أن يقول ليت مثله لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب، وقال غيره هو تحريم. والقول الثاني: وهو الأشهر- أنها نزلت في نساءٍ تمنين كالرجال في فضلهم ومالهم، فروى عكرمة أنها نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت(431): قلت يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّل اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}. {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّآ اكْتَسَبُواْ، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة. والثاني: أن معنى ذلك للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونواْ يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس. {وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ} فيه قولان: أحدهما: إن احتجتم إلى مال غيركم فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله ولا تتمنوا مال غيركم. والثاني: العبادة التي تكسب الثواب في الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وإِنَّ أَفْضَلَ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ ". تفسير : {إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أنه قسَّم الأرزاق على ما علم وشاء فينبغي أن ترضوا بما قسم وتسألوه من فضله غير متأسفين لغيركم في عطية. والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وإنما يقول ليت مثله لي.
ابن عطية
تفسير : سبب الآية أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشركناهم في الغزو، وروي أن أم سلمة قالت ذلك أونحوه، وقال الرجال: ليت لنا في الآخرة حظاً زائداً على النساء، كما لنا عليهن في الدنيا، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: لأن في تمنيهم هذا تحكماً على الشريعة وتطرقاً إلى الدفع في صدر حكم الله، فهذا نهي عن كل تمنٍّ لخلاف حكم شرعي، ويدخل في النهي أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، إذ هذا هو الحسد بعينه، وقد كره بعض العلماء أن يتمنى أحد حال رجل ينصبه في فكره وإن لم يتمنَّ زوال حاله، وهذا في نعم الدنيا، وأما في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمناه فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي عليه السلام في قوله "حديث : وددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا فأقتل" تفسير : وفي غير موضع، ولقوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} وقوله تعالى: {للرجال نصيب} الآية قال قتادة: معناه من الميراث، لأن العرب كانت لا تورث النساء. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف ولفظة الاكتساب ترد عليه رداً بيناً، ولكنه يتركب على قول النساء: ليتنا ساوينا الرجال في الميراث، فكأنه قيل بسببهن: لا تتمنوا هذا فلكل نصيبه، وقالت فرقة: معناه من الأجر والحسنات، فكأنه قيل للناس: لا تتمنوا في أمر خلاف ما حكم الله به، لاختيار ترونه أنتم، فإن الله قد جعل لكلّ أحد نصيباً من الأجر والفضل، بحسب اكتسابه فيما شرع له. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول الواضح البيِّن الأعم، وقالت فرقة: معناه: لا تتمنوا خلاف ما حد الله في تفضيله، فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد والإنفاق وسعي المعيشة وحمل الكلف كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته وحسن التبعل وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت اللنساء. قال القاضي أبو محمد: وهذا كقول الذي قبله، إلا أنه فارقه بتقسيم الأعمال، وفي تعليقه النصيب بالاكتساب حض على العمل، وتنبيه على كسب الخير، وقرأ جمهور السبعة " واسألوا" بالهمز وسكون السين، وقرأ الكسائي وابن كثير "وسلوا" ألقيا حركة الهمزة على السين، وهذا حيث وقعت اللفظة إلا في قوله {أية : واسألوا ما أنفقتم} تفسير : [الممتحنة:10] فإنهم أجمعوا على الهمز فيه، قال سعيد بن جبير، وليث بن أبي سليم: هذا في العبارات والدين وأعمال البر ليس في فضل الدنيا، وقال الجمهور: ذلك على العموم، وهو الذي يقتضيه اللفظ، وقوله: {واسألوا} يقتضي مفعولاً ثانياً، فهو عند بعض النحويين في قوله: {من فضله} التقدير واسألوا الله فضله، وسيبويه لا يجيز هذا لأن فيه حذف "من" في الواجب، والمفعول عنده مضمر، تقديره وأسألوا الله الجنة أو كثيراً أو حظاً من فضله. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأصح، ويحسن عندي أن يقدر المفعول - أمانيكم، إذ تقدم يحسن هذا التقدير، وقوله: {بكل شيء عليماً} معناه: أن علم الله قد أوجب الإصابة والإتقان والإحكام، فلا تعارضوا بثمن ولا غيره، وهذه الآية تقتضي أن الله يعلم الأشياء، والعقائد توجب أنه يعلم المعدومات الجائز وقوعها وإن لم تكن أشياء، والآية لا تناقض ذلك، بل وقفت على بعض معلوماته وأمسكت عن بعض.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَتَمَنَّوْاْ} كقوله: "ليت لي مال فلان"، نهوا عنه نهي تحريم، أو كراهية، وله أن يقول: "ليت لي مثله" والأشهر أنها نزلت في نساء تمنين أن يكن كالرجال في الفضل والمال، أو قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا وإنما لنا نصف الميراث فنزلت.... {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ} من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وكذلك النساء، الحسنة لهما بعشر أمثالها، أو للرجال نصيب من الميراث وللنساء نصيب منه، لأنهم كانوا لا يورثون النساء. {فَضْلِهِ} نعم الدنيا، أو العبادة المكسبة لثواب الآخرة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} أصل التمني إرادة الشيء وتشهي حصول ذلك الأمر المرغوب فيه ومنه حديث النفس بما يكون وبما لا يكون وقيل التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن رؤية وأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له وقيل التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله يغزوا الرجال ولا تغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض قال مجاهد: وأنزل إن المسلمين والمسلمات وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث مرسل وقيل لما جعل الله للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث قالت النساء نحن أحق وأحوج إلى زيادة من الرجال لأنا ضعيفات وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منا فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل لما نزل قوله للذكر مثل حظ الأنثيين قالت الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات في الآخرة فيكون لنا أجرنا على ضعف أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما لنا في الميراث النصف من نصيبهم: فنزلت هذه الآية والتمني على قسمين: أحدهما أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره مع زوال تلك النعمة عن ذلك الغير فهذا القسم هو الحسد وهو مذموم لأن الله تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده وهذا الحاسد يعترض على الله تعالى فيما فعل وربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعمة من ذلك الإنسان أيضاً فهذا اعتراض على الله أيضاً وهو مذموم. القسم الثاني أن يتمنى مثل مال غيره ولا يحب أن يزول ذلك المال عن الغير وهذا هو الغبطة وهذا ليس بمذموم. ومن الناس من منع منه أيضاً قال لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين والدنيا. قال الحسن: لا تتمنى مال فلان ولا تدري لعل هلاكك في ذلك المال فيعلم العبد أن الله عزّ وجلّ أعلم بمصالح عباده فليرضَ بقضائه ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة وليقل: اللّهم اعطني ما يكون صلاحاً في ديني ودنياي ومعادي. وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} قال ابن عباس: يعني مما ترك الوالدان والأقربون من الميراث يقول للذكر مثل حظ الأنثيين وقيل هذا الاكتساب في الآخرة يعني أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء لأن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها يستوي في ذلك الرجال والنساء وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء وقيل للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما اكتسبن يعني من طاعة الأزواج وحفظ الفروج {واسألوا الله من فضله} قال ابن عباس: يعني من رزقه وقيل من عبادته وهو سؤال التوفيق للعبادة وقيل لم يأمر الله عباده بالمسألة إلا ليعطيهم وفيه تنبيه على أن العبد لا يعين شيئاً في الدعاء والطلب لكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاح دينه ودنياه وآخرته وقيل لما تمنى النساء أن يكن رجالاً وأن يكون لهن مثل ما للرجال نهاهن الله عن ذلك وأمرهن أن يسألوه من فضله فإنه أعلم بمصالح عباده {إن الله كان بكل شيء عليماً} يعني أنه تعالى عليم بما يكون صلاحاً للسائلين فليقتصر السائل على المجمل في الطلب فإن الله تعالى عليم بما يصلحه فلا يتمنى غير الذي قدر له.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ...} الآية: سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه، وقال الرِّجَالُ: لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظّاً زَائِداً عَلَى النِّسَاءِ؛ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية. قال * ع *: لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّماً على الشِّريعة وتطرُّقاً إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا..."تفسير : الحديث. وفي غير موضعٍ؛ ولقوله تعالَى: {وَسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]. قال القُشَيْرِيُّ: سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ: مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال: {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص:24] انتهى من «التحبير». وقوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ...} الآية: قالَتْ فرقة: معناه: من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس: لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالفٍ لما حكم اللَّه بِهِ؛ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيباً من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخَيْر. وقوله سبحانه: {وَاسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}، قال ابنُ جُبَيْر وغيره: هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا، وقال الجُمْهُور: ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: {وَسْأَلُواْ ٱللَّهَ} يقتضي مفْعولاً ثانياً، تقديره: واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيراً من فضله. وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ...} أي: ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ، المَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى: ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ. وقوله تعالى: {وٱلَّذِينَ} رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}. واختُلِفَ من المراد بـ «الَّذِينَ». فقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم: هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 75]. وقال ابنُ عباس أيضاً: هم الذين كَانَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ؛ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم. وقال ابنُ المسيَّب: هم الذين كانوا يُتَبَنَّوْن. قال * ع *: ولفظةُ المُعَاقَدَةِ والأَيْمَانِ ترجِّح أنَّ المراد الأَحْلاَفُ.
ابن عادل
تفسير : في كيفية النظم وجهان: أحدهما: قال القفَّالُ: "لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل، وعن قتْلِ النُّفُوسِ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض، وَقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وفي قتل النُّفُوسِ". الثَّانِي: أنَّ أخْذ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وقتلَ النُّفُوسِ من أعمال الجَوَارِحِ، فأمر أوَّلاً بتركها ليصيرَ الظَّاهِرُ طاهراً عن الأفعال القبيحة، ثُمَّ أمَرَهُ بعْدَهَا بترك التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النَّاسِ، وأموالهم بالقَلْب على سَبيلِ الحَسَدِ، ليصيرَ البَاطِنُ أيضاً طاهراً عن الأخلاق الذَّمِيمَةِ. فصل في سبب نزول الآية قال مُجاهِدٌ: "قالت أمُّ سلمةَ: يا رسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ ولا نَغْزُو، ولهم ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ المِيراثِ، فلو كُنَّا رجالاً غَزَوْنَا كما غَزَوا، وأخذْنَا مِنَ المِيراثِ مثلما أخذُوا؟ فنزلت هذه الآية". وقيل: لمّا جَعَلَ اللَّهُ للذَّكر مِثْلُ حَظِّ الانثيين في الميراثِ، قالتِ النِّسَاءُ: نَحْنُ أحْوجُ إلى الزِّيَادةِ مِنَ الرِّجَالِ؛ لأنا ضعفاء، وهم أقْويَاء، وأقدر منا على المَعَاشِ فنزلت الآية. وقال قتَادَةُ والسُّدِّيُّ: لما نزل قوله تعالى: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11]؛ قال الرِّجالُ: إنَّ لنرجو أن نُفَضَّل على النِّسَاءِ بحسناتنا في الآخرة، فيكون أجرنا على الضّعف من أجر النِّسَاءِ كما فُضِّلْنَا عليهنَّ في الميراثِ في الدُّنْيَا، فقال اللَّهُ تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]. وقيل: أتَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: رَبُّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ واحِدٌ، وأنتَ الرَّسُول إليْنَا، وإليهم، وأبونا آدَمُ، وأمُّنا حَوَّاءُ، فما السَّبَبُ في أنَّ اللَّه يَذكُرُ الرِّجَالَ، ولا يَذْكُرُنَا؛ فنزلت الآية، فقالَتْ: وقد سَبَقَنَا الرِّجَالُ بالجهادِ فمَا لَنَا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ لِلْحَامِلِ مِنْكُنَّ أجْرُ الصَّائِمِ القَائِم، فإذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ لم يدْر أحدٌ مَا لَهَا مِنَ الأجْرِ، فَإذَا أرْضَعَتْ كَانَ لَهَا بِكُلِّ مَصَّة أَجر إحيَاء نَفْسٍ ". تفسير : قوله: {مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ} "ما" موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاء في "بِهِ"، و"بعضكُم" مفعول بـ "فَضَّلَ"، و"عَلَى بَعْضٍ" متعلّق به. فصل قال القرطبِيُّ: التَّمني نوع من الإرادَةِ يَتَعلَّقُ بالمستقبلِ، واعْلَم أنَّ الإنسان إذَا شَاهَدَ أنواع الفَضَائِلِ حاصلة لإنسان، ووجد نَفْسَهُ خالياً عن جملتها، أو عن أكثرها، فحينئذٍ يتألَّمُ قلبه، ثُمَّ يعرض هاهنا حالتان: إحداهما: [أن يتمنى] زوال تِلْكَ السعادات عن ذلك الإنْسَانِ. والأخرى: لا يَتمَنَّى ذلك، بَلْ يَتَمنَّى حصول مثلها له. فالأوَّلُ هو الحَسَدُ المذْمُومُ، والثَّانِي هو الغِبْطَةُ، فأمّا كون الحسد مذموماً؛ فلأن اللَّه تعالى لمّا دَبَّر هذا العَالَم، وأفاض أنواع الكَرَمِ عليهم، فمن تمنى زوال ذلك؛ فكأنه اعْتَرَضَ على اللَّه في فعله، وفي حِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ في نفسه، أنَّهُ أحَقُّ بتلك النِّعمِ من ذلِكَ الإنْسَانِ، وهذا اعْتِرَاضٌ على اللَّهِ، فيما يلقيه من الكُفْرِ، وفساد الدِّين، وقطعَ المَوَدَّةِ، والمَحَبَّةِ، وَيَنْقَلِبُ ذلك إلى أضداده. وأما سبب المنع من الحَسَدِ، فعلى مذهَبِ أهْلِ السُّنَّة، فلأنه تعالى {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16]، {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23]، ولا اعْتراضَ علَيْه في فعله، وعلى مذْهَبِ المُعتزِلَةِ، فلأنه تعالى علاَّم الغيوب، فهو أعرف من خَلْقِهِ بوجوهِ المَصَالِح، ولهذا [المعنى] قال تعالى: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 27]، فلا بد لِكُلِّ عاقل من الرِّضَا بقضاء اللَّهِ، وممَّا يؤكِّدُ ذلك، قوله عليه السلامُ: "حديث : لاَ يَخْطبُ الرَّجُلُ علَى خِطبَةِ أخيه، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخيهِ، ولا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أخْتِهَا لتلقي مَا فِي إنَائِهَا، فإنَّ الله - تعالى - هُو رَازِقُهَا" تفسير : والمقصودُ من كُلِّ ذلِكَ المُبَالَغة في المَنْعِ مِنَ الحَسَدِ. وَأمَّا الثَّاني، وهو الغِبْطَةُ، فَمِنَ النَّاسِ من جَوَّزَهُ، ومنعه آخرون قالوا: لأنَّهُ رُبَّمَا كانت تلك النِّعْمَةُ مفسدة في دينِهِ، ومضرّة عليه في الدُّنْيَا، ولذلك لا يجُوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ أعطني دَاراً مثلَ دَارِ فُلانٍ، وزوجةً مِثْلَ زوْجَةِ فُلانٍ، بل ينبغِي أنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُون صَلاَحاً في دِيني ودنياي، وَمَعادي ومَعَاشي" وإذا تأمَّلَ الإنْسَانُ لم يجد دُعَاءً أحْسَنَ مِمَّا ذكرهُ اللَّهُ في القُرآنِ تعْلِيماً لِعبَادِهِ، وهو قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 201]، ولهذا قال: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]. وأمّا من جوّزه فاسْتَدَلَّ بقوله عليه السلامُ: "حديث : لاَ حَسَد إلاَّ في اثْنَتَيْن، رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرآنَ، فَهُو يقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فهُوَ يَنُفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ" تفسير : فمعنى قوله: "لا حسد"، أي: لا غبطة أعظم وأفضل مِنَ الغبْطَةِ في هذين الأمْرَين. قال بعضُ العُلَمَاءِ: "النَّهي [عن] التَّمنِّي المذكورِ في هذهِ الآية، هو ما لا يجوزُ تمنِّيه من عَرَضِ الدُّنْيَا، وأشباهها، وأما التَّمني في الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فحَسَنٌ قال عليه السَّلامُ: "حديث : اللَّهُمَّ وَددْتُ أنِّي أحْيَى، ثُمَّ أقتَلُ [ثم أحيى ثم أقتل"تفسير : ]، وذلك يَدُلُّ على فَضْلِ الشَّهَادةِ على سَائِر أعْمَالِ البِرّ؛ لأنَّهُ - عليه السلامُ - تمنَّاهَا دون غيرها فرزقه اللَّهُ إيَّاهَا لقوله عليه السلامُ: "حديث : مَا زَالَتْ أكْلةَ خيبرٍ تعاودني [كُل عامٍ، حتى كان هذا] أوان انقطاع أبْهري ". تفسير : وفي الصَّحِيح: "حديث : إنَّ الشَّهيد يُقالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيقُولُ: أتَمَنَّى أنْ أرجعَ إلى الدُّنْيَا، فأقتَل في سَبيلكَ مَرَّة أخْرَى" تفسير : وكان عليه السَّلامُ يتمنى إيمانَ أبي طالب وأبي لهب، وصَنَادِيد قُرَيْشٍ، مع علمه بأنَّهُ لا يكونُ. قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ} قيل: مِنَ الجِهَادِ. {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ}، أي: من طَاعَةِ أزواجهن [وحفظ فُرُوجهِنَّ]. وقيل: ما قدر لهن من الميراث، يجبُ أن يرضوا به، ويتركوا الاعتراض نهى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - عن التَّمنِّي على هذا الوجه لما فيه من دَوَاعِي الحَسَدِ، ولأنَّ اللَّه - عزّ وجلّ - أعلم بمصالحهم منهم؛ فوضَعَ القِسْمَةَ بينهم مُتَفَاوِتَةً على حَسْبِ ما علم مِنْ مصالِحِهمْ ويكونُ الاكتساب بمعنى: الإصَابَةِ. وقيل: ما يَسْتَحِقُّوهُ من الثَّواب في الآخِرَةِ. وقيل: [المرادُ] الكلُّ؛ لأنَّ اللَّفْظَةَ محتملة ولا منافاة. فصل: إثبات الهمزة في الأمر من السؤال الجمهورُ على إثْباتِ الهمْزَةِ في الأمرِ من السُّؤالِ الموجه نحو المخاطب، إذا تَقدَّمَهُ واو، أو فاء نحو: {أية : فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ} تفسير : [يونس: 94]، {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وابن كثير، والكسَائِي بنقل حركة الهمْزَة إلى السِّين تخفيفاً لكثرة استعماله. فإن لم تتقدَّمه واو، ولا فاء، فالكًُلُّ على النقل نحو: {أية : سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة: 211]، وإن كان لغائب، فالكُلُّ على الهمز نحو: {أية : وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} تفسير : [الممتحنة: 10]. وَوَهِمَ ابْنُ عَطيَّة، فنقل اتِّفَاقَ القُرَّاءِ على الهَمْزِ في نحو: {أية : وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} تفسير : [الممتحنة: 10]، وليس اتفاقهم في هذا، بل في {وليسألوا ما أنفقوا} كما تقدَّم. وتخفيف الهَمْزَةِ لغةُ الحِجَازِ، ويحتملُ أن يكُون ذلك من لغة من يقُولُ "سَالَ يَسَالُ" بألف مَحْضَةٍ، وقد تقدَّمَ تحقيق ذلك، وهذا إنَّمَا يتأتى في "سَلْ"، و"فَسَلْ" وأمّا "وسَألوا"، فلا يَتَأتَّى فيه ذلك؛ لأنَّهُ كان ينبغي أنْ يُقَالَ: سالوا كَخَافُوا، وقد يُقَالُ: إنَّهُ التزم الحذف لكثرة الورود، وقد تقدّم في البَقَرة عند {أية : سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة: 211]. وهو يَتعَدَّى لاثْنَيْنِ، والجلالة مفعول أوّل، وفي الثَّاني قولان: أحدهما: أنَّهُ محْذُوفٌ، فقدَّره ابْنُ عطيَّة: "أمانيَّكم" وقدّره أبُو عليِّ الفارسِيُّ وغيره: شيئاً مِنْ فَضْلِه، فحذفَ المَوْصُوف، وأبْقَى صِفَتَهُ نحو: "أطعمته من اللحم"، أي: شيئاً منه، و "مِنْ" تبعيضيَّة. والثَّاني: أن "مِنْ" زائدة، والتَّقديرُ: "واسألوا الله فَضْلَهُ"، وهذا إنَّما يَتَمَشَّى على رَأي الأخْفَشِ لفقدان الشَّرْطَيْنِ، وهما تنكيرُ المجْرُورِ، وكون الكلام [غير موجب]. فصل قال عليه السلامُ: "حديث : سَلوا اللَّه مِنْ فَضْلِه، فإنَّهُ يحِبُ أنْ يُسْألَ، وأفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَج"تفسير : وقال - عليه السلامُ -: "حديث : مَنْ لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عليْهِ ". تفسير : وقال القُرْطُبِيُّ: "وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأمْرَ بالسُّؤالِ للَّهِ تعالى واجبٌ، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الإنسَانَ لا يجوزُ له أنْ يعيِّن شيئاً في الدُّعَاءِ، والطَّلب، ولكن يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - تعالى - ما يكُونُ سبباً لصلاحِ دينهِ ودُنْيَاهُ". ثُمَّ قَالَ {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} ومعناه: أنَّهُ العالم بما يكونُ صلاحاً للسَّائِلينَ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد "حديث : عن أم سلمة أنها قالت "يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} وأنزل فيها {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "حديث : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله {ولا تتمنوا} فإنه عدل مني وإن صنعته" "تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة قال: إن النساء سألن الجهاد فقلن وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال. فأنزل الله {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن مجاهد وعكرمة في الآية قالا: نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي. أن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران. وقالت: النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا. فأنزل الله الآية، وقال لهم سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال وهو خير لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} يقول: لا يتمنّ الرجل فيقول: ليت لي مال فلان وأهله. فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله {للرجال نصيب مما اكتسبوا} يعني مما ترك الوالدان والأقربون للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لا تتمن مال فلان ولا مال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي شيئاً، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع. فلما لحق للمرأة نصيبها، وللصبي نصيبه، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقالت النساء لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال. وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسنات في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث. فأنزل الله {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} يقول: المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل. وأخرج ابن جرير عن أبي حريز قال: لما نزل {أية : للذكر مثل حظ الأنثيين} تفسير : [النساء: 11] قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث. فأنزل الله {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} يعني الذنوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {للرجال نصيب مما اكتسبوا} قال: من الإثم {وللنساء نصيب مما اكتسبن} قال: من الإثم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن سيرين، أنه كان إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا قال: قد نهاكم الله عن هذا {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} ودلكم على خير منه {واسألوا الله من فضله}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {واسألوا الله من فضله} قال: ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {واسألوا الله من فضله} قال: العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما سأل رجل مسلم الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره ".
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الآية: 32]. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : ليس الإيمان بالتمنى ". تفسير : وقال بعضهم رحمه الله لا تتمنوا منازل السادات والأكابر أن تبلغوها، ولم تهذبوا أنفسكم فى ابتداء إرادتكم برياضات السنن والأسرار بالتطهير على الهمم الفاسدة ولا قلوبكم عن الاشتغال بالفانية، فإن الله عز وجل قد فصَّل هذه الأحوال أولئك، فلا ترتقوا إلى الدرجات العلى وقد ضيعتم الحقوق الأدنى. وقال أبو العباس بن عطاء رحمه الله: لا تتمنوا فإنكم لا تدرون ما تحت تمنيكم، فإن تحت أنوار نعمه نيران محنته، وتحت أنوار محنته أنوار نعمه. وقال الواسطى رحمه الله فى هذه الآية: من تمنى ما قدر له فقد أساء الظن بالحق عز وجل، وإن تمنى ما لم يقدر له أساء التَّمنى على الله عز وجل بإنه ينقص قسمته من أجل تمنى عبده. وقال ابن عطاء رحمه الله فى قوله عز وجل: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} فإن عنده أبواب كرامته. قوله عز وجل: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} فى طلب المحبة وخلوص القلب منهن لكم، فإنهن غير مالكات لقلوبهن والقلوب بيد الله عز وجل، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " حديث : اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملك ".
القشيري
تفسير : لسان المعاملة أن الأمر بالتعني لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر بالحُكْم والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدَّمكم في قيامكم بحق الله، ولا تتعرضوا لنَيْلِ ما خُصُّوا به من فضل الله. قوموا بحقِّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم. ويقال لا تتمنوا مقام السادة دون أن تسلكوا سُبُلَهُم، وتلازموا سيرهم، وتعملوا عملهم.. فإن ذلك جَوْرٌ من الظن. ويقال: كُن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة (وإلاَّ) أشركت في توحيدك من حيث لم تشعر. ويقال لا تتمنَّ مقامات الرجال فإنَّ لكل مقام أهلاً عند الله، وهم معدودون؛ فما لم يمت واحد منهم لا يورثَ مكانه غيرُه، قال تعالى: {أية : جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ}تفسير : [الأنعام: 165، وفاطر: 39] والخليفة من يخلف من تقدَّمه، فإذا تمنَّيْتَ مقام وليَّ من الأولياء فكأنَّكَ استعجلتَ وفاتَه؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مُسَلَّم. ويقال خمودُك تحت جريان حكمه - على ما سبق به اختياره - أحظَى لكَ من تعرضك لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك في مُنيتك. ويقال مَنْ لم يؤدّب ظاهرهُ بفنون المعاملات، ولم يهذِّب باطنه بوجوه المنازلات فلا ينبغي أن يتصدَّى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك! {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}: الفرق بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه: يكون التمني للشيء مع غفلتك عن ربك؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحْمِلُه صِدْقُ الإرادة على التملُّق والتضرع، والتمني يخلو عن هذه الجملة. والآخر أن الله نهى عن تمني ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك. ويقال لا تتمنَّ العطاء وسَلْ الله أن يعطيك من فضله الرضا بِفَقْدِ العطاء وذلك أتمُّ من العطاء، فإنَّ التَّحرُّرَ من رقِّ الأشياء أتمُّ مِنْ تملُّكِها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} التمنى ههنا وصف النفس الامارة التى رادت الاشياء بعين الجهل وقصورها عن حقائق المقادير الازلية التى سبقت فى الجمهور على قدر مارد الله والاستعداد وذلك التمنى وهما على غير بقصد الحق من رؤية هواها ولو كان طلب القلب سنى المقامات من الحق سبحانه بنعت التواضع وصدق الافتقار لكان حقا يوجب البلوغ اليه وذلك قوله واستئلوا اله وايضا زجر الضعفاء عن جمال احكام المجاهدات تمنى مقام اهل المشهدات وقال بعضهم لا تتمنوا منازل السادات والا كابر ان تبلغوها ولم تهذبوا انفسكم فى ابتداء ارادتكم برياضيات السنن ولا اسراركم بالتطهير عن لهم الفاسدة ولا قلوبكم عن الاشتغال بالفانية فان الله فضل بهذه اللاحوال اولئك فلا تقربوا الى الدرجات الا على وقد ضيقتم الحقوق الادنى قال ابو العباس بن عطا لا تموتوا فانكم لا تدرون ما تحب تمنكم فان تحت انوار نعمة نيران محنة وتحت نيران محنة انوار نعمة قال الواسطى فى هذه الأية ان تمنى ما قدر له فقد ساء الظن بالحق وان تمنى ما يقدر له فقد اساء الثنا على الله بان ينقص قسمته من اجل تمنى عبده قوله تعالى {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} بالسوال ونهى عن التمنى الان السوال افتقار والتمنى اختبار والسوال استراد النعمة والتمنى الاقتحام فى المحنة وعرف تعالى طلابه عظم فسحة سرادق كبريائه وجلاله ووسع عطايا ازليته اى انتم يا دنيات الهمم لا تنظروا الى فقيرات الفيض فانى واسع الفضل والعطاء عطى الف جنان فى طرفه عين الى عبد واحد لم ينقض من ملكى ذرة اين وقعتم من روية جلال قدمى وبحار منى انظروا منى والى واسلوا زيادة نضل فانى وهاب كريم واقهم ان للسؤال مقامات ولتلك المقامات ادب ينبغى ان يعرفها العبد فان من ترك السوال فى مقام الانبساط وسال فى مقام الهيبة استعمل سؤ الادب ويسقط من عين اله ووبخ الله سبحانه بهذه الاية اهل دناءة الهمة والمقصرين فى طلب ماشدته وحيث خاطبهم لا تتمنوا فقال وسائلوا الله من فضله حجبهم جميعا بالفض عن رؤية جماهل ولو كانواعلى محل التحقيق من معرفته ومحبت لم يحلمهم الى الفضل بل يردهم الى نفسه كما وصف صفية عليها السلام حيث اعرش اليه الاكوان والحدثان فى مقام المشاهدة ما زاغ سره اليها بقوله ما زاغ البصر وما طغى قال ابن عطا فى قوله واسئلوا الله من فضله فان عنده انوار كرمه قال الواسطى لو لم يعط الا على السوال لكان الكرامة ما هو امر المعروف بالكرم من يبتدى بالعطاء قبل السوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تتمنوا} التمنى عبارة عن ارادة ما يعلم او يظن انه لا يكون {ما فضل الله به بعضكم على بعض} اى عليكم ان لا تتمنوا ما اعطاه الله بعضكم من الامور الدنيوية كالجاه والمال وغير ذلك مما يجرى فيه التنافس دونكم فان ذلك قسمة من الله تعالى صادرة عن تدبير لائق باحوال العباد مترتب على الاحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها. فعلى كل احد من المفضل عليهم ان يرضى بما قسم له ولا يمتنى حظ المفضل ولا يحسده عليه لما انه معارضة لحكمة القدر فالانصباء كالاشكال وكما ان اختلاف الاشكال مقتضى حكمة الهية لم يطلع على سرها احد فكذلك الاقسام. وقيل لما جعل الله تعالى فى الميراث للذكر مثل حظ الانثيين قالت النساء نحن احوج ان يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لانا ضعفاء وهم اقوياء واقدر على طلب المعاش منا فنزلت وهذا هو الانسب بتعليل النهى بقوله تعالى {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} فانه صريح فى جريان التمنى بين فريقى الرجال والنساء والمعنى لكل من الفريقين فى الميراث نصيب معين المقدار مما اصابه بحسب استعداده وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاء حاله لنصيبه باكتسابه اياه تأكيدا لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه الى غيره فان ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمنى المذكور {واسئلوا الله من فضله} اى لا تتمنوا ما يختص بغيركم من نصيبه المكتسب له واسألوا الله تعالى ما تريدون من خزائن نعمه التى لا نفاد لها فانه يعطيكموه {ان الله كان بكل شىء عليما} فهو يعلم ما يستحقه كل انسان ففضله عن علم وحكمة وتبيان وفى الحديث "حديث : لن يزال الناس بخير ما تباينوا " .تفسير : اى تفاوتوا "حديث : فاذا تساووا هلكوا " .تفسير : وذلك لاختلال النظام المرتبط بذلك. وقد يقال معناه انه لا يغتم لتفاوت الناس فى المراتب والصنائع بان يكون مثلا بعضهم اميرا وبعضهم سلطانا وبعضهم وزيرا وبعضهم رئيسا وبعضهم اهل الصنائع لتوقف النظام عليه. واعلم ان مراتب السعادات اما نفسانية كالذكاء التام والحدس الكامل والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية كالعفة والشجاعة وغير ذلك واما بدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل فى ذلك مع اللذة والبهجة واما خارجية ككثرة الاولاد الصلحاء وكثرة العشائر وكثرة الاصدقاء والاعوان والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوبا لقلوب الناس حسن الذكر فيهم فهى مجامع السعادات والانسان اذا شاهد انواع الفضائل حاصلة لانسان ووجد نفسه خاليا عن جملتها او عن اكثرها فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ثم يعرض ههنا حالتان احداهما ان يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الانسان والاخرى ان لا يتمنى ذلك بل يتمنى حصول مثلها له والاول هو الحسد المذموم لان المقصود الاول لمدبر العالم وخالقه الاحسان الى عبيده والجود اليهم وافاضة انواع الكرم عليهم فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله فيما هو المقصود بالقصد الاول من خلق العالم وايجاد المكلفين وايضا ربما اعتقد فى نفسه انه احق بتلك النعم من ذلك الانسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا فى حكمته وكل ذلك مما يلقيه فى الكفر وظلمات البدعة ويزيل عن قلبه نور الايمان وكما ان الحسد سبب الفساد فى الدين فكذلك هو سبب الفساد فى الدنيا فانه يقطع المودة والمحبة والموالاة وينقلب كل ذلك الى اضدادها فلهذا السبب نهى الله عباده عنه بقوله {ولا تتمنوا} الآية فلا بد لكل عاقل من الرضى بقضاء الله تعالى ـ حكى ـ الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة انه قال "حديث : من استسلم لقضائى وصبر على بلائى وشكر لنعمائى كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائى ولم يصبر على بلائى ولم يشكر لنعمائى فليطلب ربا سواى". شعر : حاشا كه من ازجور وجفاى توبنالم بيداد لطفيان همه لطفست وكرامت تفسير : فهذا هو الكلام فيما اذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الانسان. ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن ابن هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يخطب الرجل على خطبة اخيه ولا يسوم على سوم اخيه ولا تسأل المرأة طلاق اختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها " .تفسير : والمقصود من كل ذلك المبالغة فى المنع من الحسد اما اذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك الا ان المحققين قالوا هذا ايضا لا يجوز لان تلك النعمة ربما كانت مفسدة فى حقه فى الدين ومضرة عليه فى الدنيا فلهذا السبب قال المحققون انه لا يجوز للانسان ان يقول اللهم اعطنى دارا مثل دار فلان وزوجة مثل زوجة فلان بل ينبغى ان يقول اللهم اعطنى ما يكون صلاحا فى دينى ودنياى ومعادى ومعاشى واذا تأمل الانسان كثيرا لم يجد احسن مما ذكره الله فى القرآن تعليما لعباده وهو قوله {أية : ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة} تفسير : [البقرة: 201]. وعن الحسن لا يتمنى احد المال فلعل هلاكه فى ذلك المال كما فى حق ثعلبة وهذا هو المراد من قوله {واسألوا الله من فضله}. قال الشيخ كمال الدين القاشانى {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} من الكمالات المترتبة بحسب استعداد الاولية فان كل استعداد يقتضى بهويته فى الازل كمالا وسعادة تناسبه وتختص به وحصول ذلك الكمال الخاص لغيره محال ولذلك ذكر طلبه بلفظ التمنى الذى هو طلب ما يمتنع حصوله للطالب لامتناع سببه {للرجال} اى الافراد الواصلين {نصيب مما اكتسبوا} بنور استعدادهم الاصلى {وللنساء} اى الناقصين القاصرين عن الوصول {نصيب مما اكتسبن} بقدر استعدادهم {واسألوا الله من فضله} اى اطلبوا منه افاضة كمال يقتضيه استعدادكم بالتزكية والتصفية حتى لا يحول بينكم وبينه فتحتجبوا وتعذبوا بنيران الحرمان منه {ان الله كان بكل شىء} مما يخفى عليكم كامنا فى استعدادكم بالقوة {عليما} فيجيبكم بما يليق بكم كما قال تعالى {أية : وَءاتَٰاكُم من كل ما سألتموه} تفسير : [إبراهيم: 34]. اى بلسان الاستعداد الذى ما دعاه احد به الا اجاب كما قال تعالى {أية : ادعونى استجب لكم} تفسير : [غافر: 60]. انتهى وعلى هذا التأويل يكون قوله {ولا تتمنوا} نهيا ومنعا عن طلب المحال الذى فوق الاستعداد الازلى ويكون قوله {واسألوا الله من فضله} امرا وحثا على طلب الممكن الذى هو قدر استعدادكم كى لا تضيع فضيلة الانسانية فان بعض المقدورات قد يكون معلقا على الكسب. فينبغى ان لا يتكاسل العبد فى العبادات وكسب الفضائل لينال الكمالات الكامنة فى خزانة الاستعداد ويسأل الله تعالى دائما من فضله فانه مجيب الدعوات وولى الهداية والرشاد فمن طلب شيئاً وجدّ وجد ومن قرع بابا ولجّ ولج: قال مولانا جلا الدين قدس سره شعر : جون دَرِ معنى زنى بازت كنند برّ فكرت زن كه شبهازت كنند جون طلب كردى بجد آيد نظر جد خطا نكند جنين آمدخبر جون زجاهى ميكنى هرروزخاك عاقبت اندر رسى در آب باك كفت بيغمبر كه جون كوبى درى عاقبت زان دربرون آيد سرى در طلب زن دائما توهردودست كه طلب درراه نيكور هبرست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تتمنوا ما فضَّل الله به} من الميراث {بعضكم على بعض}، كتضعيف الذكر على الأنثى، فللرجال {نصيب مما اكتسبوا} أي: مما أصابوا وأحرزوا في القسمة، {وللنساء نصيب مما اكتسبن} منه، قلَّ أو كثر، فلتقنع بما قسم الله لها، ولا تعترض على أحكام الشريعة، ولكن {اسألوا الله من فضله} يُعطكم من غير الميراث، هكذا فسرها ابن عباس. وقال مجاهد: قالت أُم سلمة: يغزو الرجال ولا نغزو، فليتنا رجال نغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال. فنزلت. فيكون المعنى: ولا تتمنوا ما فضل اللهُ به الرجال على النساء كالغزو وغيره، فللرجال نصيب مما اكتسبوا من ثواب الجهاد وسائر أعمالهم، {وللنساء نصيب مما اكتسبن} من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهم وسائر بقية أعمالهن. والتحقيق أنها عامة في جميع المراتب الدينية والدنيويه لأن ذلك ذريعة إلى التحاسد والتعادي، ومعربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وإلى التشهي لحصول الشيء له من غير طلب، وهو مذموم؛ لأن تمنّي ما لم يقدر له، معارضة لحِكمة القدر، وتمنّي ما قدر له بكسب، بطالة وتضييع حظ، وتمنّي ما قدر له بغير كسب، ضياع ومحال، قاله البيضاوي. فللرجال نصيب من أجل ما اكتسبوا من الأعمال، وتحملوا من المشاق، فيعطيهم الله على قدر ما اكتسبوا {وللنساء نصيب مما اكتسبن} كذلك، فلا فائدة في تمني ما للناس، ولكن {اسألوا الله من فضله} يُعطكم مثله، أو أكثر من خزائنه التي لا تنفذ. {إن الله كان بكل شيءٍ عليمًا} وهو يعلم ما يستحقه كل إنسان، فيُفَضِّل من شاء بما شاء عن علم وبيان، ومناسبة الآية حينئِذ لما قبلها: أن تجنب الكبائر فضل من الله ونعمة، وهو أفضل ممن يقع فيها، لكن لا ينبغي تمني ذلك من غير عمل، ولكن يسأل الله من فضله حتى يُلحقه بأهل العصمة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وقع التفضيل في مقامات الأولياء كالأنبياء، لكن لا ينبغي تعيين الفاضل من المفضول، لِما يؤدي إليه من التنقيص فيؤدي إلى الغيبة، والتفضيل يقع بزيادة اليقين وصحة التمكين، والترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد. يكون أيضًا بهداية الخلق على يده، وظهور إحسانه ورفده، فإذا رأى العبدُ أنه لم يبلغ إلى مقام غيره فلا يتمنى ذلك المقام بعينه، فقد يكون مقامه عند الله في عمله أعظم، وقد يكون أدون، فيُسيء الأدب، فالخير كله في العبودية والرضى بأحكام الربوبية، فللأقوياء نصيب مما اكتسبوا بالقوة والمجاهدة التي خلق الله فيهم، حكمةً وفضلاً، وللضعفاء نصيب مما اكتسبوا قسمة وعدلاً، ولكن يسأل الله من فضله العظيم، فإن الله بكل شيء عليم، فقد يُعطى بلا سبب ويُبَلِّغ بلا تعب. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سَلُوا الله مِن فَضلِهِ فَإنَّ اللهَ يُحِبُ أن يُسألَ" تفسير : . وفي حديث أخر: " حديث : مَن لَم يَسألِ اللهَ يَغضَب عَلَيهِ "تفسير : . وقال الورتجبي: أمر بالسؤال ونهى عن التمني؛ لأن السؤال افتقار، والتمني، اختيار. هـ. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير، والكسائي "وسلوا" بغير همزة، وكذلك كلما كان أمر للمواجه في جميع القرآن، الباقون بالهمزة، ولم يختلفوا في: {أية : وليسألوا ما أنفقوا }تفسير : لأنه أمر لغائب. قال أبو علي الفارسي. كلاهما جيد، إن ترك الهمزة واثباتها. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت: (يا رسول الله لا نغزو مع الرجال، ولنا نصف الميراث، يا ليت كنا رجالا، فكنا نقاتل معهم) فنزلت هذه الآية، في قول مجاهد. وقال الزجاج: قال الرجال: ليتنا كنا فضلنا في الآخرة على النساء، كما فضلنا عليهن في الدنيا، وبه قال السدي. اللغة: والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا لما لم يكن، وليت لم يكن كذا لما كان. وفي الناس من قال: هو معنى في القلب. وقال الرماني: هو ما يجب على جهة الاستمتاع به، ومن قال: هو معنى في القلب قال: ليس هو من قبيل الشهوة، ولا من قبيل الارادة، لأن الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه، والتمني قد يتعلق بما مضى، والشهوة أيضاً كالارادة في أنها لا تتعلق بما مضى. المعنى: وظاهر الخطاب يقتضي تحريم تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض وقال الفراء: هو على جهة الندب والاستحباب، والاول هو حقيقة التمني، والذي قلناه هو قول أكثر المفسرين، ووجه تحريم ذلك أنه يدعو الى الحسد، وأيضاً فهو من دنايا الاخلاق، وأيضاً فان تمني الانسان لحال غيره قد يؤدي الى تسخط ما قسم الله له، ولا يجوز لأحد أن يقول ليت مال فلان لي، وإنما يحسن أن يقول: ليت مثله لي. وقال البلخي: لا يجوز للرجل أن يتمنى أن كان امرأة، ولا للمرأة أن تتمنى لو كانت رجلا، بخلاف ما فعل الله، لأن الله لا يفعل من الأشياء إلا ما هو أصلح، فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، أو ما يكون مفسدة. ويمكن أن يقال: إن ذلك يحسن بشرط أن لا يكون مفسدة، كما يقول في حسن السؤال سواء. وقوله: {وللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} قيل في معناه أقوال: أحدها - أن لكل واحد حظاً من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات بحسن تدبيره، فمتى فعل ذلك استحق به علوّ المنزلة، فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير، لما فيه من حرمان الحظ الجزيل. الثاني - أن كل أحد إنما له جزاء ما اكتسب، فلا يضيعه بتمني ما لغيره، مما يؤدي إلى إبطال عمله، فكأنه قيل: لا تضيع ما هو لك، بتمني ما لغيرك. والثالث - أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيباً مما اكتسب من نعيم الدنيا، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من أنواع المكاسب، فينبغي أن يقنع ويرضى بما قسم له. وروي عن ابن عباس أنه قال: ذلك في الميراث، للرجال نصيب منه، وللنساء نصيب منه. والأجوبة الأولى أقرب، لأن الميراث ليس مما يكتسبه الرجال والنساء، وإنما هو شيء يورثهم الله تعالى، والآية تضمنت أن لهم نصيباً مما اكتسبوا، وذلك لا يليق إلا بما تقدم. وقوله: {واسألوا الله من فضله} معناه: إن احتجتم إلى ما لغيركم، فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله، بشرط أن لا يكون فيه مفسدة لكم ولا لغيركم، لأن المسألة لا تحسن إلا كذلك، وقال سعيد بن جبير: واسألوا الله العبادة، وبه قال السدي،، ومجاهد. وقوله: {إن الله كان بكل شيء عليماً} معناه: إنه قسم الأرزاق على ما علمه من الصلاح للعباد، بدلا من الفساد، فينبغي أن ترضوا بما قسمه، وتسألوه من فضله، غير منافسين لغيركم في عطيته.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} التّمنّى طلب امر محال او طلب شيءٍ من غير تهيّة اسباب وصوله ويجوز ان يراد كلّ من المعنيين والمراد بما فضّل الله امّا النّعم الصّورية من سعة العيش والامن والصحّة والقوّة والعظمة فى الجسم والجاه والمسكن والزّوج والقوى والجوارح وغيرها او النّعم الباطنة من الاخلاق والعلم والحكمة وحسن التّدبير والالفة والزّهد والطّاعة وغيرها، والتّعبير عن النّعم بما فضّل الله للاشارة الى علّة النّهى عن التمنّى والامر بالسّؤال من فضله ولمّا كان النّهى وارداً على التمنّى اى الطّلب من دون حصول الاسباب مقيّداً بكون المطلوب النّعم المتفضّل بها الله على البعض كان المراد النّهى عن كلّ من التمنّى وقيده كأنّه قال: لا تطلبوا شيئاً بدون اسباب حصوله لانّه {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} فتوسّلوا بالاسباب ولا تطلبوا نعم بعضكم لانّها من فضل الله عليه فتوجهّوا الى الله {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} فاشار الى علّة النهيين ومفهوم مخالفتهما مع ايجاز، والسّؤال امّا بلسان القال ولا اعتداد به فانّ الاجابة والافضال بقدر الاستعداد، او بلسان الاستعداد والحال سواء كان مقترناً بلسان القال او لم يكن فانّه لا يخفى على الله قدر الاستعداد وخفايا الاستحقاق {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} فكيف يخفى عليه قدر استحقاقكم ولمّا اشار فى هذه الآية الى توقّف الافضال على الاستعداد والاستحقاق بالكسب وتوجّه ان يقال انّ الله تعالى قد يتفضّل على عباده بمال مورّثهم ولا استعداد بالكسب لهم هنا اشار تعالى الى الاستعداد والكسب هناك ايضاً فانّ الاستعداد والكسب اعمّ من ان يكونا بالاختيار او بالتّكوين فانّ التّوارث لا يكون الا بين متناسبين بالنّسبة الجسمانيّة وبهذه النّسبة يكتسب كلّ من المتوارثين كيفيّة من الآخر وسنخيّة له بها يستحقّ افضال الله بمال احدهما على الآخر وايضاً كلّ منهما لحمة من الآخر او كاللّحمة فكسب احدهما اختياراً كأنّه كسب الآخر او بين متناسبين بالنّسبة الكسبيّة الاختياريّة كعقد الملك فى مولى المعتق وعقد ضمان الجريرة فى ضامن الجريرة وعقد الاسلام والايمان فى النّبىّ (ص) او الامام (ع) فقال {وَ} ليس للرّجال والنّساء ان يرثهم كلّ احد منتسباً او غير منتسب بل {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}. ذكر بعضهم قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي؛ وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع. فلما ألحق الله للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقالت الرجال، إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}؛ يقول: المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل. وتفسير مجاهد: تقول النساء: يا ليتنا كنا رجالاً فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال. قال: {وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. وقال الحسن: لا يتمنّى مال فلان، ولا دار فلان، لعله يكون هلاكه فيه. قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}. بنو الأم. قال بعضهم: هم العصبة. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: أعياني بنو الأم، يتوارثون دون بنى العلات؛ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. والأخ من الأب والأم أولى من الأخ للأب. والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم. وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب. وابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب والأم. وابن الأخ للأب أولى من العم. والعم أخو الأب للأب والأم أولى من العم أخ الأب للأب. والعم أخو الأب للأب أولى من ابن العم للأب والأم. وابن العم للأب والأم أولى من ابن العم للأب. وابن العم للأب أولى من ابن ابن العم للأب والأم. ولا تكون النساء عصبة في قرابة ولا ولاء. ولكن الأخوات من الأب والأم، أو من الأب إذا لم تكن الأخوات من أب وأم، فإنهن مع البنات عصبة، لهن الفضل: إلا أن يكون مع الأخوات إخوة أو أخ فيصيرون جميعاً عصبة. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت الفرائض فلأولى رحم ذكر . تفسير : ذكروا عن علي أنه كان يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا الزوج والزوجة. وكان ابن مسعود لا يرد. قال بعضهم: وكان زيد بن ثابت يجعل ما يبقى في بيت مال المسلمين؛ وهذا إذا أخذ كل ذي سهم نصيبه ولم يكن ذو رحم ذكر يرث الفضل. قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}. قال بعضهم: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية ويقول: دمي دمك، وهَدَمي هدَمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم فنسختها هذه الآية: (أية : وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تفسير : [الأنفال:75] فذهب ما كان من عقد يُتوارث به وصارت المواريث لذوي الأرحام.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}: التمنى: حبك الشىء والرغبة فى أن يكون لك، وأصله تقدير الشىء، وذلك كما قال مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث، تمنت أن تغزو النساء وأن يكون ميراثهن كالرجل، وكذا قالت معها نسوة. قيل: قالت أم سلمة مع ذلك "ليتنا كنا رجالا، فنزلت الآية ناهية عن تمنى ذلك، ولم يقل ولا تتمنين بنون الإناث، ليشمل نهى الرجال عن أن يتمنى أحدهم ما للآخر أو للنساء، لأن واو الجماعة تكون للذكور وحدهم، وتكون للذكور والإناث معاً، تغليباً لهم عليهن، كما قالت: نعبد الله، وتعبده الرجال، ويذكرون ولا نذكر، فنزل {أية : إن المسلمين والمسلمات..} تفسير : الآية وكانت هى أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة، وكما قيل: لما جعل الله للذكر مثل حظ الأنثيين قالت: النساء نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منا، فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِه}. وقيل: لما نزل {أية : للذكر مثل حظ الأنثيين}تفسير : قالت الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء فى الآخرة فيكون أجرنا ضعف أجر النساء، كما فضلنا عليهن فى الميراث، وقالت النساء: إنا لنرجوا أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كان لنا نصف الميراث، فنزلت الآية تحريماً لتمنى خلاف ما شرع الله تعالى، لأن تمنى خلافه رد له وتعرض لحكمة القدر مع عدم تمنى زوال النعمة عمن هى عنده، وتحريماً للحسد الحاصل بذلك أن نضم إليه تمنى زوالها عمن هى عنده، فإن تمنى زوالها حسد، سواء تمنى انتقالها إلى نفسه أو غيره، أو مطلق الزوال الآن بتمنى زوالها لأنه ضر صاحبها بها الناس، قال بعض: والآية أيضاً تحريم لتمنيك مثل ما لغيرك بدون حب زواله عنه، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة فى حقك فى الدين والدنيا أو فيهما، قال الحسن: لا تتمن مال فلان، ولا مال فلان، يعنى مثل مال فلان، ولا مثل مال فلان، ولا تدرى لعل هلاكك فى ذلك المال وليعلم العبد أن الله أعلم بمصالح عباده، فليرض بقضائه، ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة، وليقل: اللهم أعطنى ما يكون صلاحاً لى فى دينى ودنياى، ومعادى. والمشهور أنت تمنى المثل بلا حب زوال جائز، ويسمى غبطة، والمنع إنما هو فى الأمر الدنيوى كالجاه والمال، وهو مذهب المحققين. وقالوا: لا يجوز للإنسان أن يقول اللهم أعطنى داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وذلك أنه إذا اعتبر ما بيده غيره، فقد يؤد به اعتباره إلى حسده ومعارضته قضاء الله، وعدم الرضى بقسم الله ومعاداة صاحبه، وقد فسر بعضهم الآية بالمنع من غبطة أمر الدنيا، فالتقدير: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِه} لأن تمنى ما فضل به غيرك هو الحسد لا الغبطة، إذ لا يكون لك إلا بزواله عنه، وفى الغبطة فى أمر الدنيا تشتهى حصول الشىء له بلا طلب مذموم، وذلك فيما يحصل بالطلب، أو ما طلب فيما يحصل بدون طلب فضائع، وذلك كالذكاء التام، واعتدال الأعضاء، وإما بلا طلب فيما يصل به فضائع أيضاً، وأما الغبطة فى أمر الدين فجائزة قطعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم؛ "حديث : وددت أن أقتل فى سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل"تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا فى اثنين ألا لاغبطة إلا فيها، ولا غبطة أفضل من غبطتهما: رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار"تفسير : وأما تمنى منازل الآخرة والاقتصار عليه دون اجتهاد فبطالة. {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}: أى للإنسان نصيب فى الآخرة مترتب على عمله كطاعة المرأة زوجها، وحفظ فرجها، وصلاتها، وجهاد الرجل، وزكاته، وسائر عملهما، لا على التمنى المجرد، فمن أراد أن يفوق غيره أو يساويه فبالعمل، لا بمجرد الغبطة أو الحسد. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الإيمان بالتمنى"تفسير : . وأراد بالإيمان: الطاعة، وما متعلق بمحذوف، ونعت لـ {نَصِيب}، أى ثابت أو صادر مما اكتسبوه واكتسبنه، أو متعلق بمتعلق الظرف الخبرى، ويجوز أن تكون ما مصدرية، ومن فى ذلك كله للابتداء، ويجوز أن تكون سببية، وإذا جعلنا النصيب هو الحسنات، جاز لك كله، وجاز أيضاً كونها للبيان، كما إذا جعلنا النصيب: الميراث. كما روى عن ابن عباس فإنها حينئذ للبيان، إلا أنه يكون الاكتساب فى هذا الوجه مجازاً، إذ لا اكتساب فى الإرث، وإنما هو فيه بمعنى ما عليه الإنسان من ذكورة أو أنوثة، سمى كونه ذكراً أو أنثى كسباً لأنه أمر حاصل له كما يحصل له كسبه، أو سمى استحقاقه إرث الذكور أو إرث الأنثى كسباً لاقتضاء ذكورته أو أنوثته له، كأنه اكتسبه، وقيل: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ} من الجهاد، و{لِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} من طاعة الأزواج وحفظ الفروج. {وَاسْأَلُواْ اللَّهَ}: الجنة أو مصالحكم أو ما رغبتم فيه. {مِن فَضْلِهِ}: فإنه واسع وخزائنه لا تنفذ، ولا تتمنوا أنصباء غيركم حسداً، ولا غبطة بدنياه، وذلك يعك فضل الدنيا، وفضل الآخرة عند الجمهور، وقال سعيد بن جبير: هذا فى فضل العبادات والدين، لا فى فضل الدنيا، وعن ابن عباس يعنى من رزقه، وقيل: فضله توفيقه للعبادة، وهو من معنى قول سعيد. وقيل: المعنى اسألوا الله الرزق وحوائجكم بما يقربه إليكم من الأعمال الصالحة، فإن الله يعطى من أشغلته عبادته أكثر مما يعطى من أشغله الدعاء عنها، وينبغى تعميم الدعاء بما يصلح دينه ودنياه وآخرته، إجمالا إذ يعرف الإنسان مصلحته فى أمر معين يقصده إلا الجنة وتوفيق العمل. وقرأ ابن كثير والكسائى فعل الأمر من السؤال بعد الفاء أو الواو فى جميع القرآن، بفتح السين نقلا عن الهمزة بعده وإسقاط همزة الوصل بعده، سواء الجمع والمفرد، وكذا حمزة فى الوقف وأما فى الوصل فكالجمهور يسكن السين معتبر الهمزة الوصل قبلها، ويثبت الهمزة مفتوحة بعدها، قال فى كتاب "حياة الحيوان": رأيت فى كتاب "النصائح" لابن ظفر: قال دخلت ثغراً من ثغور الأندلس فلقيت به شاباً متفقهاً من أهل قرطبة فآنسنى بحديثه، وذاكرنى طرفاً من العلم، ثم إنى دعوت فقلت: يا من قال: {وَاسْأَلُواْ اللَّه مِن فَضْلِهِ} فقال: ألا أحدثك عن هذه الآية بعجب قلت: بلى. فحدثنى عن بعض سلفه أنه قال: مر علينا من طليطلة راهبان كان عظيمى القدر بها وكانا يعرفان اللسان العربى، فأظهرا الإسلام وتعلما القرآن والفقه، فظن الناس بهما الظنون. قال: فضممتهما إلى وقمت بأمرهما وتحسست عليهما، فإذا هما على بصيرة من أمرهما، وكانا شيخين فقال: ما لبث أحدهما حتى توفى وأقام الآخر أعواماً ثم مرض فقلت له يوماً: ما سبب إسلامكما؟ فكره مسألتى فرفقت به. فقال: إن أسيرا من أهل القرآن كان يخدم كنيسة نحن فى صومعة منها، فاختصصنا به لخدمتنا، وطالت صحبته لنا حتى فقهنا اللسان العربى، وحفظنا آيات كثيرة من القرآن لكثرة تلاوته له فقرأ يوماً {وَاسْأَلُواْ اللَّه مِن فَضْلِهِ} فقلت لصاحبى وكان أشد منى رأياً وأحسن فقهاً: أما تسمع دعاوى هذه الآية، فزجرنى. ثم إن الأسير قرأ يوماً: {أية : وقال ربكم ادعونى أستجب لكم} تفسير : فقلت لصاحبى: هذه أشد من تلك. فقال ما أحسب الأمر إلا على ما يقولون، وما بشر عيسى إلا بصاحبهم. قال: واتفق يوماً أنى غصصت بلقمة والأسير قائم علينا، يسقينا الخمر على طعامنا فأخذت الكأس منه، فلم أنتفع بها فقلت فى نفسى: يا رب إن محمداً قال عنك إنك قلت {وَاسْأَلُواْ اللَّه مِن فَضْلِهِ} وإنك قلت {أية : ادعونى أستجب لكم}تفسير : فان كان صادقاً فاسقنى فإذا صخرة يتفجر منها الماء، فبادرت فشربت منه، فلما قضيت حاجتى انقطع، ورآنى ذلك الأسير فشك فى الإسلام، ورغبت أنا فيه وأطلعت على أمرى فأسلمنا معاً، وغدا علينا الأسير يرغب فى أن نعمده وننصره، فانتهرناه وصرفناه عن خدمتنا، ثم إنه فارق دينه وتنصر فحرنا فى أمرنا، ولم نهتد لوجه الخلاص، فقال صاحبى وكان أشد منى رأياً: لما لا ندعوا بتلك الدعوة، فدعونا بها فى التماس الفرج، ونمنا القائلة، فأريت فى المنام أن ثلاثة أشخاص نورانية دخلوا معبدنا، فأشاروا إلى صور فيه، فانمحت، فأتوا بكرسى فنصبوه ثم أتى جماعة مثلهم فى النور والبهجة، وبينهم رجل ما رأيت أحسن خلفا منه فجلس على الكرسى، فقمت إليه فقلت له أنت السيد المسيح فقال لا، بل أنا أخوه أحمد أسلم فأسلمت، ثم قلت يا رسول الله كيف لنا بالخروج إلى بلاد أمتك؟ فقال للشخص قام بين يديه اذهب إلى ملكهم، وقل له يحملها مكرمين إلى حيث أحبا من بلاد المسلمين، وأن يحضر الأسير فلان، ويعرض عليه العود إلى دينه فإن فعل فخل سبيله، وإن لم يفعل فليقتله، قال فاستيقظت من منامى، وأيقظت صاحبى وأخبرته بما رأيت، وقلت له الحيلة؟ فقال قد فرج الله أما ترى الصورة ممحوة، فنظرت فوجدتها ممحوة فأزددات يقينا، ثم قال لى صاحبى قم بنا إلى الملك فأتيناه فجرى فى تعظيمنا على عادته وانكر قصدنا له، فقاله صاحبى أفعل ما أمرت به فى أمرنا وفى أمر فلان الأسير، فانتقع لونه وارعد، ثم دعا بالأسير وقال: أنت مسلم أو نصرانى فقال بل نصرانى، فقال له أرجع إلى دينك، فلا حاجة لنا فيمن لا يحفظ دينه، فقال: لا ارجع إليه أبدا فاخترط الملك سيفه وقتله بيده، ثم قال لنا سراً إن الذى جاء إلىِّ وإليكما شيطان، ولكن ما لذى تُرِيدان؟ قلنا الخروج إلى بلاد المسلمين قال: افعلا ما تريدان، لكن اظهرا أنكما تريدان بيت المقدس، فقلنا له نفعل، فجهزنا وأخرجنا مكرمين. انتهى. ولم يأمر الله عباده بالمسئلة إلا ليعطيهم.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَتَمنَّوْا} التمنى حب الشىء والميل لوقوعه ولو محالا، وهو للحال وما بعده، والتلهف لما مضى، وأكثر التمنى لا يتحقق، ويكون فيما يعلم أن يظن وبرؤية ودونها: شعر : أَمَانِىُّ إنْ تُدْرَكْ فَيَا غَايَةَ المنَى وَإلاّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْداً تفسير : {مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ} فى المال، والنكاح، والولد، والجاه، وصحة البدن، والعلم و الصنائع، والطبائع على جهة الانتقال، وذلك حسد محرم مؤد إلى التباغض، وفيه الاعتراض على الله، وعدم الرضى بالقسم، ولا سيما من اعتقد أنه أحق، وتشهى حصْول شىء بلا كد مذموم وتمنى ما لم يقدر معارضة للقدر، وتمنى ما قدر له بكسب بطالة، وتمنى ما قدر له بلا كسب ضائع، كتمنى الذكاء وصحة الزواج ونحوهما، مما لا قدرة للعبد عليه، حتى قيل: إن الغبطة منهى عنها بهذه الآية، وهى تمنَّى مثل ما للغير، ونسب لمالك، والمحققين، قلت، أما إن أريد تحريمها فلا، والحق حلها والحظ إليها فى عمل الآخرة لا يسوغ منعه، وإن أريد الكراهة صح غير عمل الآخرة، لحديث: لا حسد إلا فى اثنتين والله أعلم بصالح عباده، ولعل نحو المال المتمنى حسداً أو غبطة هلاك، وإنما يتمنى زيادة العمل الصالح، وليقل اللهم أعطنى ما يصلح لدينى وديناى {لِلّرِّجَالِ نَصِيبٌ} فى الجنة، وعن ابن عباس، المعنى ما أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيباً مقدراً فى الأزل من نعيم الدنيا، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من المكاسب، فلا يتمن خلاف ما قسم له {مِّمَّا اكْتَسَبُوا} من أعمال الآخرة كالجهاد، وهو نصيب عظيم، إلا أن المقام ليس مقام ذكر عظمة، وكذا فى قوله {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} فى الجنة {مِّمَّا اكْتَسَبْنَّ} من أعمال الخير لطاعة الأزواج، وحفظ الفروج، وإنما المقام لبيان أن لكلِّ نصيباً محدوداً لا يبذل، لا يدخل فيه غيره، كما روى أن الآية نزلت إلى قوله عليما فى قول أم سلمة رضى الله عنها: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا، وكان لنا مثل أجر الرجال ولنا نصف الميراث، ولو كنا رجالا أخذنا ما أخذوا، وهى أول ظعينة قدمت مهاجرة إلى المدينة، وفى قول النساء لما نزل للذكر مثل حظ الأنثيين، نحن أحق بالزيادة من الرجال، لضعفنا، وهم أقوياء على أقوياء على طلب المعيشة،وقول الرجال إنا لنرجو أن يكون الأجر لنا على الحسنات ضعف النساء كالميراث، وقول النساء نرجو أن يكون وزرنا نصف وزر الرجل كالميراث وإذا فسرنا النصيب بالمقدار من الميراث فالاكتساب استعارة أصلية عن اقتضاء حاله، من ذكورة أو أنوثة لنصيبه، واشتق منه على التبعية اكتسب فى الآية استعمال الاكتساب فى الخير {وَسئَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ} ما تحتاجون إليه يعطيكموه، فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ فلا تزاحموا بالحسد والتمني، بل بالعمل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الإيمان بالتمنى" تفسير : ، فحذف المفعول الثانى للعموم، أو لدلالة السياق عليه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتمنين أحدكم مثل مال أخيه، وليقل اللهم ارزقنى، اللهم أعطنى مثله"تفسير : ، أى كداره وزوجه، قلت ويزاد على ذلك، واجعله صلاحا لدنياى وآخرتى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلوا الله من فضله، فإن الله تعالى يحب أن يسأل" تفسير : ، وإن من أفضل العبادة أنتظار الفرج، وقال ابن سيرين: الآية نهى عن تمنى الدنيا، وأمر بطلب الآخرة وكذا سعيد بن جبير {إنَّ اللهَ كَانَ بِكُلَّ شَىءٍ عَلِيماً} فهو عالم بالفضل ومحله وسؤالكم.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} قال القفال: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي إليه من الطمع في أموالهم، وقيل: نهاهم أولاً عن التعرض لأموالهم بالجوارح، ثم عن التعرض لها بالقلب على سبيل الحسد لتطهر أعمالهم الظاهرة والباطنة، فالمعنى؛ ولا تتمنوا ما أعطاه الله تعالى بعضكم وميزه به عليكم من المال والجاه وكل ما يجري فيه التنافس، فإن ذلك قسمة صادرة من حكيم خبير وعلى كل من المفضل عليهم أن يرضى بما قسم له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده لأن ذلك أشبه الأشياء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه ودبر العالم بحكمته البالغة ونظمه.شعر : وأظلم خلق الله من بات (حاسداً) لمن بات في نعمائه يتقلب تفسير : وإلى هذا الوجه ذهب ابن عباس وأبو عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقد روي عنهما في الآية لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي فإن ذلك يكون حسداً ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، ويفهم من هذا أن التمني المذكور كناية عن الحسد، وجعل بعضهم المقتضي للمنع عنه كونه ذريعة للحسد ولكل وجهة، وزعم البلخي أن المعنى لا يجوز للرجل أن يتمنى أن لو كان امرأة ولا للمرأة أن لو كانت رجلاً لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما هو الأصلح فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، ونقل شيخ الإسلام أنه لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: نحن أحوج لأن يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لأنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر على طلب المعاش منا فنزلت، ثم قال: وهذا هو الأنسب بتعليل النهي بقوله: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} فإنه صريح في جريان التمني بين فريقي الرجال والنساء، ولعل صيغة المذكر في النهي لما عبر عنهن بالبعض، والمعنى لكل من الفريقين في الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده، وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاه حاله لنصيبه باكتسابه إياه تأكيداً لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجب الانتهاء عن التمني المذكور انتهى، وهذا المعنى الذي ذكره للآية مروي عن ابن / عباس رضي الله تعالى عنهما لكن القيل الذي نقله تبعاً للزمخشري في سبب النزول لم نقف له على سند، والذي ذكره الواحدي في ذلك ثلاثة أخبار: الأول: ما أخرجه عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى الآية، والثاني: ما أخرجه عن عكرمة أن النساء سألنا الجهاد فقلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فنزلت، والثالث: ما أخرجه عن قتادة والسدي قالا: لما نزل قوله تعالى: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} إلى آخرها، وذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» نحو ذلك، ولا يخفى أن القيل الذي نقله ظاهر في حمل التمني المنهي عنه على الحسد، والخبر الأول. والثاني: مما أخرجه الواحدي ليسا كذلك إذ عليهما يجوز حمله على الحسد أو على ما هو ذريعة له، وربما يتراءى أن حمله على الثاني نظراً إليهما أظهر، وأما الخبر الثالث: فيأباه معنى الآية سواء كان التمني كناية عن الحسد أو ذريعة إلا بتكلف بعيد جداً، ومعنى الآية على الأولين أن لكل من الرجال والنساء حظاً من الثواب على حسب ما كلفه الله تعالى من الطاعات بحسن تدبيره فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير، وروي ذلك عن قتادة، وفيه استعمال الاكتساب في الخير وقد استعمل في الشر، واستعمل الكسب في الخير في قوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286] وعن مقاتل وأبـي جرير أنهما قالا المراد مما اكتسبوا من الإثم، وفيه استعمال اللام مع الشر دون على، وهو خلاف ما في الآية، وقيل: المراد لكل، وعلى كل من الفريقين مقدار من الثواب والعقاب حسبما رتبه الحكيم على أفعاله إلا أنه استغنى باللام عن على وبالاكتساب عن الكسب ـ وهو كما ترى ـ ويرد على هذه المعاني أنه لا يساعدها النظم الكريم المتعلق بالمواريث وفضائل الرجال. ولعل من يذهب إليها يجعل الآية معترضة في البين. وذكر بعضهم أن معنى الآية على الوجه الأول المروي عن أبـي عبد الله وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيباً مقدراً في أزل الآزال من نعيم الدنيا بالتجارات والزراعات وغير ذلك من المكاسب فلا يتمنّ خلاف ما قسم له. {وَاسْـئَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} عطف على النهي بعد تقرير الانتهاء بالتعليل كأنه قيل: لا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر فإن خزائنه مملوءة لا تنفد أبداً، والمفعول محذوف إفادة للعموم أي واسألوا ما شئتم فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء، أو لكونه معلوماً من السياق، أي واسألوا مثله، ويقال لذلك: غبطة. وقيل: (من) زائدة أي واسألوا الله تعالى فضله، وقد ورد في الخبر «حديث : لا يتمنين أحدكم مال أخيه ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله» تفسير : وذهب بعض العلماء ـ كما في «البحر» ـ إلى المنع عن تمني مثل نعمة الغير ولو بدون تمني زوالها لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة له في دينه ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز عنده أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان ولا زوجاً مثل زوجه بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرض لمن فضل عليه، ونسب ذلك للمحققين وهم محجوجون بالخبر اللهم إلا إذا لم يسلموا صحته، وقيل: المعنى لا تتمنوا الدنيا بل اسألوا الله تعالى العبادة التي تقربكم إليه، وإلى هذا ذهب ابن جبير وابن سيرين، وأخرج ابن المنذر عن الثاني أنه إذا سمع الرجل يتمنى الدنيا يقول: قد نهاكم الله تعالى عن هذا / ويتلو الآية، والظاهر العموم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج»تفسير : وقال ابن عيينة: لما يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب مراتب استعداداتهم وتفاوت قابلياتهم. ويحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى لم يزل ولا يزال عليماً بكل شيء فيعلم ما تضمرونه من الحسد ويجازيكم عليه..
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29]. والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين: أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها. وقد أصبح هذا التمنّي في زماننا هذا فتنة لِطوائف من المسلمين سرت لهم من أخلاق الغلاة في طلب المساواة ممّا جرّ أمما كثيرة إلى نحلة الشيوعية فصاروا يتخبَّطون لطلب التساوي في كلّ شيء ويعانون إرهاقاً لم يحصّلوا منه على طائل. فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور. وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد. ولقد كثر ما انتبهت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل. والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم. وإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاطها، ومن إعطاء أنصباء الورثة كما قسم الله لهم. وكلّ ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق. وقد أبدى القفّال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته. وفي «سنن الترمذي» عن مجاهد، عن أمّ سلمة أنّها قالت: «يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنّما لنا نصف الميراث، فأنزل الله {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}». قال الترمذي: هذا حديث مرسل. قال ابن العربي: ورواياته كلّها حسان لم تبلغ درجة الصحّة. قلت: لمّا كان مرسلا يكون قوله: فأنزل الله {ولا تتمنوا} إلخ. من كلام مجاهد، ومعناه أنّ نزول هذه الآية كان قريباً من زمن قول أمّ سلمة، فكان في عمومها ما يردّ على أمّ سلمة وغيرها. وقد رويت آثار: بعضها في أنّ هذه الآية نزلت في تمنّي النساء الجهاد؛ وبعضها في أنّها نزلت في قول امرأة «إنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك»؛ وبعضها في أنّ رجالاً قالوا: إنّ ثواب أعمالنا على الضعف من ثواب النساء؛ وبعضها في أنّ النساء سألن أجر الشهادة في سبيل الله وقلن لو كُتب علينا القتال لقاتلنا. وكلّ ذلك جزئيات وأمثلة ممّا شمله عموم {ما فضل الله به بعضكم على بعض}. والتمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب. وذلك له أحوال؛ منها أن يتمنّى ما هو من فضل الله غير ملتفت فيه إلى شيء في يد الغير، ولا مانع يمنعه من شرع أو عادة، سواء كان ممكن الحصول كتمنّي الشهادة في سبيل الله، أم كان غير ممكن الحصول كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وَلَوَدِدْتُ أني أقْتَلُ في سبيل الله ثم أُحيى ثم أقتل ثم أُحيى ثم أقتل»تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليتنا نرى إخواننا» تفسير : يعني المسلمين الذين يجيئون بعده. ومنها أن يتمنّى ما لا يمكن حصوله لمانع عادي أو شرعي، كتمنّي أمّ سلمة أن يغزو النساء كما يغزو الرجال، وأن تكون المرأة مساوية الرجل في الميراث؛ ومنها أن يتمنّى تمنيّا يدلّ على عدم الرضا بما ساقه الله والضجر منه، أو على الاضطراب والانزعاج، أو على عدم الرضا بالأحكام الشرعية. ومنها أن يتمنّى نعمة تماثل نعمة في يد الغير مع إمكان حصولها للمتمنّي بدون أن تسلب من التي هي في يده كتمنّي عِلم مثل علم المجتهد أو مال مثل مال قارون. ومنها أن يتمنّى ذلك لكن مثله لا يحصل إلاّ بسلب المنعَم عليه به كتمنّي مُلك بلدة معيّنة أو زوجة رجل معيّن. ومنها أن يتمنّى زوال نعمة عن الغير بدون قصد مصيرها إلى المتمنّي. وحاصل معنى النهي في الآية أنّه: إمّا نهي تنزيه لتربية المؤمنين على أن لا يشغلوا نفوسهم بما لا قبل لهم بنواله ضرورة أنّه سمّاه تمنّيا، لئلا يكونوا على الحالة التي ورد فيها حديث: «حديث : يتمنى على الله الأماني»تفسير : ، ويكون قوله: {واسألوا الله من فضله} إرشاد إلى طلب الممكن، إذ قد علموا أنّ سؤال الله ودعاءه يكون في مرجوّ الحصول، وإلاّ كان سوء أدب. وإمّا نهي تحريم، وهو الظاهر من عطفه على المنهيات المحرّمة، فيكون جريمة ظاهرة، أو قلبية كالحسد، بقرينة ذكره بعد قوله: {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29]. فالتمنّي الأوّل والرابع غير منهي عنهما، وقد ترجم البخاري في صحيحه «باب تمني الشهادة في سبيل الله وباب الاغتباط في العلم والحكمة»، وذكر حديث: «حديث : لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هَلَكته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها الناس»تفسير : . وأمّا التمنّي الثاني والثالث فمنهي عنهما لأنّهما يترتّب عليهما اضطراب النفس وعدم الرضا بما قسم الله والشكّ في حكمة الأحكام الشرعية. وأمّا التمنّي الخامس والسادس فمنهي عنهما لا محالة، وهو من الحسد، وفي الحديث «حديث : لا تسأل المرأة طلاقَ أختها لتستفرغ صحفتها» تفسير : ، ولذلك نهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، إلاّ إذ كان تَمَنِّيه في الحالة الخامسة تمنّيَ حصول ذلك له بعد من هي بيده بحيث لا يستعجل موته. وقد قال أبو بكر، لمّا استَخْلَف عمر، يخاطب المهاجرين: «فكلّكم ورم أنفه يريد أن يكون له الأمر دونه». والسادس أشدّ وهو شرّ الحسدين إلاّ إذا كان صاحب النعمة يستعين به على ضرّ يلحق الدين أو الأمّة أو على إضرار المتمنّي. ثم محلّ النهي في الآية: هو التمنّي، وهو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه، لأنّ ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء، فأمّا طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضرّ بالغير فلا نهي عنه، لأنّه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية، أمّا طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير فيه. وحكمة النهي عن الأقسام المنهي عنها من التمنّي أنّها تفسد ما بين الناس في معاملاتهم فينشأ عنها التحاسد، وهو أوّل ذنب عُصي الله به، إذْ حسد إبليس آدم، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود، وقد قال تعالى: {أية : ومن شر حاسد إذا حسد}تفسير : [الفلق: 5]. وكان سبب أوّل جريمة في الدنيا الحسد: إذ حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله، ثم إنّ تمنّي الأحوال المنهي عنها يَنْشأ في النفوس أوّلَ ما ينشأ خاطراً مجرّدا، ثم يربو في النفس رويداً رويداً حتّى يصير ملكة، فتدعو المرء إلى اجترام الجرائم ليشفي غلّته، فلذلك نهوا عنه ليزجروا نفوسهم عند حدوث هاته التمنّيات بزاجر الدين والحكمة فلا يَدعوها تربو في النفوس. وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتزاز الأموال بعناوين مختلفة إلاّ من تمنّي ما فضّل به الله بعض الناس على بعض، أو إلاّ أثر من آثار ما فضّل الله به بعض الناس على بعض. وقوله: {بعضكم على بعض} صالح لأن يكون مراداً به آحاد الناس، ولأن يكون مراداً به أصنافهم. وقوله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا} الآية: إن أريدَ بذكر الرجال والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يُذكر المشرق والمغرب، والبر والبحر، والنجد والغَوْر، فالنهي المتقدّم على عمومه. وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعاً لعذر المُتمَنّين، وتأنيساً بالنهي، ولذلك فصلت؛ وإن أريد بالرجال والنساء كلاّ من النوعين بخصوصه بمعنى أنّ الرجال يختصّون بما اكتسبوه، والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال، فالنهي المتقدّم متعلّق بالتمنّي الذي يفضي إلى أكلّ أموال اليتامى والنساء، أي ليس للأولياء أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكلّ من هؤلاء ما اكتسب. وهذه الجملة علّة لجملة محذوفة دلّت هي عليها، تقديرها: ولا تتمنّوا فتأكلوا أموال مواليكم. والنصيب: الحظّ والمقدار، وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظّ في الدنيا، وتقدّم آنفاً. والاكتساب: السعي للكسب، وقد يستعار لحصول الشيء ولو بدون سعي وعلاجٍ. و(مِن) للتبعيض أو للابتداء، والمعنى يحتمل أن يكون استحقّ الرجال والنساء كلّ حظّه من الأجر والثواب المنجرّ له من عمله، فلا فائدة في تمنّي فريق أن يعمل عمل فريق آخر، لأنّ الثواب غير منحصر في عمل معيَّن، فإنّ وسائل الثواب كثيرة فلا يسوءكم النهي عن تمنّي ما فضّل الله به بعضكم على بعض. ويحتمل أنّ المعنى: استحقّ كلّ شخص، سواء كان رجلاً أم امرأة، حظّه من منافع الدنيا المنجرّ له ممّا سعى إليه بجهده، أو الذي هو بعض ما سعى إليه، فتمنّي أحد شيئاً لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه، هو تمنّ غير عادل، فحَقَّ النهي عنه؛ أو المعنى استحقّ أولئك نصيبهم ممّا كسبوا، أي ممّا شُرع لهم من الميراث ونحوه، فلا يحسد أحدٌ أحداً على ما جعل له من الحقّ، لأنّ الله أعلم بأحقّيّة بعضكم على بعض. وقوله: {واسألوا الله من فضله} إن كان عطفاً على قوله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا} الخ، الذي هو علّة النهي عن التمنّي، فالمعنى: للرجال مَزاياهم وحقوقهم، وللنساء مزاياهنّ وحقوقهنّ، فمن تمنّى ما لم يُعَدَّ لصنفه فقد اعتدى، لكن يسأل الله من فضله أن يعطيه ما أعدّ لصنفه من المزايا، ويجعل ثوابه مساوياً لثواب الأعمال التي لم تُعدّ لصنفه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «حديث : لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور»تفسير : ؛ وإن كان عطفاً على النهي في قوله: و{لا تتمنوا} فالمعنى: لا تتمنّوا ما في يد الغير واسألوا الله من فضله فإنّ فضل الله يسع الإنعام على الكلّ، فلا أثر للتمنّي إلاّ تعب النفس. وقرأ الجمهور: {واسألوا} ــــ بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي عين الفعل ــــ وقرأه ابن كثير، والكسائي ــــ بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفاً ــــ. وقوله: {إن الله كان بكل شيء عليماً} تذييل مناسب لهذا التكليف، لأنّه متعلّق بعمل النفس لا يراقِب فيه إلاّ ربّه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تتمنوا: التمني: التشهي والرغبة في حصول الشيء، وأداته، ليت، ولو، فإن كان مع زوال المرغوب فيه عن شخص ليحصل للمتمني فهو الحسد. ما فضل الله بعضكم: أي ما فضل الله به أحداً منكم فأعطاه علماً أو مالاً أو جاهاً أو سلطاناً. نصيب مما اكتسبوا: أي حصة وحظ من الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية. موالي: الموالي من يلون التركة ويرثون الميت من أقارب. عقدت إيمانكم: أي حالفتموهم وتآخيتم معهم مؤكدين ذلك بالمصافحة واليمين. فآتوهم نصيبهم: من الرفادة والوصيّة والنصرة لأنهم ليسوا ورثة. معنى الآيتين: صح أو لم يصح أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ليتنا كنا رجالاً فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال فإن الله سميع عليم، والذين يتمنون حسداً وغير حسد ما أكثرهم ومن هنا نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة [32] عباده المؤمنين عن تمني ما فضل الله تعالى به بعضهم على بعض فأعطى هذا وحرم ذاك لحكم اقتضت ذلك، ومن أظهرها الابتلاء بالشُّكرِ والصبر، فقال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ} - من علم أو مال. أو صحة أو جاه أو سلطان - {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} وأخبر تعالى أن سنته في الثواب والعقاب الكسب والعمل فليعمل من أراد الأجر والمثوبة بموجبات ذلك من الإِيمان والعمل الصالح، ولا يتمنى ذلك تمنياً، وليكف عن الشرك والمعاصي من خاف العذاب والحرمان ولا يتمنى النجاة تمنياً كما على من أراد المال والجاه فليعمل له بسننه المنوطة به ولا يتمنى فقط فإن التمني كما قيل بضائع النوكى أي الحمقى، فلذا قال تعالى {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ}، فرد القضية إلى سنته فيها وهي كسب الإِنسان. كقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8] ثم بين تعالى سنة أخرى في الحصول على المرغوب وهي دعاء الله تعالى فقال {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} فمن سأل ربّه وألح عليه موقناً بالإجابة أعطاه فيوفقه للإِتيان بالأسباب، ويصرف عنه الموانع، ويعطيه بغير سبب إن شاء، وهو على كل شيء قدير، بل ومن الأسباب المشروعة الدعاء والإِخلاص فيه. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [33] فإن الله تعالى يخبر مقرراً حكماً شرعياً قد تقدم في السياق وهو أن لكل من الرجال والنساء ورثة يرثونه إذا مات فقال {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ} أي أقارب يرثونه إذا مات، وذلك من النساء والرجال أما الذين هم موالي بالحلف أو الإِخاء فقط أي ليسوا من أولي الأرحام فالواجب إعطاؤهم نصيبهم من النصرة والرفادة. والوصية لهم بشيء إذ لا حظ لهم في الإِرث لقوله تعالى: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 75]، ولما كان توزيع المال وقسمته تتشوق له النفوس وقد يقع فيه حيف أو ظلم أخبر تعالى أن على كل شيء شهيد فلا يخفى عليه من أمر الناس شيء فليتق ولا يُعص. فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} لا يخفى عليه من أمركم شيء فاتقوه وأطيعوه ولا تعصوه. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- قبح التمني وترك العمل. 2- حرمة الحسد. 3- فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد. 4- تقرير مبدأ التوارث في الإِسلام. 5- من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإِرث فلا حق له لنسخ ذلك. 6- وجوب مراقبة الله تعالى، لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد.
القطان
تفسير : التمني: تشهِّي حصول الأمر المرغوب فيه. من فضله: من احسانه ونعمه المتكاثرة. في هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن التحاسد وتمنّي ما فضّل الله به بعض الناس من المال والجاه ونحوه، مما يجري فيه التنافس. وذلك ليطهُر المجتمع الاسلامي ظاهراً وباطناً. ان الله كلفّ كلاً من الرجال والنساء أعمالاً، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، فعلى المسلم الحقيقي ان يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل اليه كسبه. واسألوا الله من إحسانه وإنعامه فان خزائنه مملوءة لا تنفد، ولا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فُضل عليكم. وقد روى الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله "حديث : سلوا الله من فضله، فان الله عز وجل يحبّ ان يُسأل، وأفضلُ العبادة انتظارُ الفَرج ". تفسير : قراءات: قرأ ابن كثير والكسائي "وسلوا".
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱسْأَلُواْ} (32) - قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ أمُّ سَلَمَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا): يَا رَسُولَ اللهِ يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ نَغْزُو، وَلَنَا نِصْفُ المِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَتَمَنَّى الرَجُلُ فََيَقُولُ: لَيْتَ لِي مَالَ فُلاَنٍ، وَلُوْ أنَّ لِي مَالَ فُلاَنٍ. فَإنَّ اللهَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَسَأَلُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ. وَلِكُلٍّ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَزَاءُ عَمَلِهِ بِحَسبِهِ إنْ خَيْراً فَخْيراً، وَإنْ شَرّاً فَشَرّاً. وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الدُّنْيَا فَيُعْطِيهِ مِنْهَا، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الفَقْرَ فَيُفْقِرُهُ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الآخِرَةَ فَيُهَيِّئُ لَهُ أَعْمَالَها، وَلِذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ مَرَاتِبِ اسْتِعْدَادِهِمْ، وَتَفَاوُتِ اجْتِهَادِهِمْ فِي الحَيَاةِ. التَّمَنِّي - هُوَ تَشَهِّي الأمْرِ المَرْغُوبِ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى خلق الكون وفيه أجناس، وكل جنس يشمل أنواعاً أو نوعين، وتحت كل نوع أفراد. فإذا ما رأيت جنساً من الأجناس انقسم إلى نوعين، فاعلم أنهما يشتركان في مطلوب الجنس، ثم يختلفان في مطلوب النوع، ولو كانا متحدين لما انقسما إلى نوعين. كذلك في الأفراد. وإذا نظرنا إلى الجماد وجدنا الجماد جنساً عاماً ولكنه انقسم إلى عناصر مختلفة، لكل عنصر من هذه العناصر مهمة مختلفة، فمثلاً إذا أردنا إقامة بناء، فهذا البناء يتطلب رملاً، ويتطلب أسمنتاً، ويتطلب آجُراً، ويتطلب حديداً، فجنس الجماد كله مشترك في إقامة البناء، ولكن للأسمنت مهمة، وللجبس مهمة، وللرمل مهمة، وللمرو - وهو الزلط - مهمة، فلا تأخذ شيئاً في مهمة شيء آخر. وكذلك انقسم الإنسان إلى نوعين، إلى ذكورة تتمثل في الرجال، وإلى أنوثة تتمثل في النساء، وبينهما قدر مشترك يجمعهما كجنس، ثم بينهما اختلاف باختلاف نوعيهما. فلو أردت أن تضع نوعاً مكان نوع لما استطعت. إذن فمن العبث أن يخلق الله من جنس نوعين، ثم تأتي لتقول: إن هذا النوع يجب أن يكون مثل هذا النوع. وأيضاً نعرف ذلك عن الزمن، فالزمن ظرف للأحداث، أي أن كل حدث لا بد له من زمن، لكن لكل زمن حدث يناسبه. فالزمن وهو النهار ظرف للحدث في زمنه، والليل أيضاً ظرف للحدث في زمنه. ولكن الليل حدثه السكون والراحة، والنهار حدثه الحركة والنشاط. فإن أردت أن تعكس هذا مكان هذا أحلت وجمعت بين المتناقضين. لقد أوضحنا أن الله يلفتنا إلى شيء قد نختلف فيه بشيء قد اتفقنا عليه، فيبين لك: هذا الذي تختلف فيه ردّه إلى المتفق عليه. فالزمن لا خلاف في أنك تجعل الليل سكناً ولباساً وراحة وهدوءاً، والنهار للحركة. وكل الناس يصنعون ذلك. فالحق سبحانه وتعالى يوضح: كما جعل الزمن ظرفاً لحركة إلا أن حركة هذا تختلف عن حركة هذا، وهل معنى ذلك أن الليل والنهار نقيضان أو ضدان أو متكاملان؟ إنهما متكاملان؛ لأن راحة الليل إنما جُعلت لتصح حركة النهار. فأنت تنام وترتاح لتستأنف نشاطاً جديداً. إذن فالليل هو الذي يعين النهار على مهمته، ولو أن إنساناً استيقظ ليلة ثم جاء صباحاً لما استطاع أن يفعل شيئاً. إذن فما الذي أعان حركة النهار؟ إنه سكون الليل، فالحق سبحانه وتعالى بيّن: أن ذلك أمر متفق عليه بين الناس جميعاً متدينين وغير متدينين، فإذا اختلفتم في أن الذكورة والأنوثة يجب أن يتحدا في العمل والحركة والنوع نقول لكم: لا، هذا أمر متفق عليه في الزمن، فخذوا ما اتفقتم عليه دليلاً على صحة ما اختلفتم فيه. ولذلك ضرب الله المثل فقال: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} تفسير : [الليل: 1]. فعندما يغشى الليل يأتي السكون، وقال الحق بعد ذلك: {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 2] {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 3-4]. أي أن لكل جنس مهمة. وهكذا نعرف أن الإنسان ينقسم إلى نوعين: الذكورة والأنوثة وفيهما عمل مشترك وخاصية مشتركة. وأن كلا منهما إنسان له كرامة الإنسان وله حرية العقيدة فلا يوجد رجل يرغم امرأة على عقيدة، وضربنا المثل بامرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون. إذن فالقدر المشترك هو حرية الاعتقاد، فلا سلطان لنوع على نوع، وكذلك حرية التعقل في المهمات، وعرفنا كيف أن أم سلمة - رضي الله عنها - أشارت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية إشارة أنقذت المسلمين من انقسام فظيع أمام حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفنا قصة بلقيس - ملكة سبأ - التي استطاعت أن تبرم أمراً تخلّى عنه الرجال، إذن فمن الممكن أن يكون للمرأة تعقل وأن يكون للمرأة فكر، وحتى قبل أن يوجد الإسلام كانت هناك نساء لهن أصالة الرأي، وحكمة المشورة في نوع مهمتها. فمثلاً يحدثنا التاريخ أن ملك "كندة" سمع عن جمال امرأة اسمها "أم إياس" بنت عوف بن محل الشيباني، فأراد أن يتزوجها، فدعا امرأة من "كِندة" يقال لها: "عصام" وكانت ذات أدب وبيان وعقل ولسان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف. أي أرسلها خاطبة. فلما ذهبت إلى والدة "أم إياس" واسمها "أمامة بنت الحارث" وأعلمتها بما جاءت له. وأرسلت الأم تستدعي الابنة من خيمتها، وقالت لها: هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخلق ونَاطقِِيها فيما استنطقتك به. فلما اختلت "عصام" بالبنت فعلت مثل ما أمرتها أمها. وكشفت للخاطبة "عصام" عن كل ما تريد من محاسنها، فقالت الخاطبة كلمتها المشهورة: "ترك الخداع ما انكشف القناع"، وصار هذا القول مثلاً، أي أن القناع عندما يزول يرى الإنسان الحقيقة، وعادت الخاطبة "عصام" إلى الملك فسألها: ما وراءك يا "عصام" إنه يسأل: أي خبر جئت به من عند "أم إياس"؟. فقالت: أبدى المخض عن الزبد. والمخض هو: هزّ الحليب في القربة ليفصل الزبد عن اللبن. وذلك يعني أن رحلتها قد جاءت بنتيجة. فقال لها: أخبريني. قالت: أخبرك حقاً وصدقاً. ووصفتها من شعرها إلى قدمها وصفاً أغرى الملك. فأرسل إلى أبيها وخطبها وزفت إليه. وفي ليلة الزفاف نرى الأم العاقلة توصي ابنتها في ميدان عملها، في ميدان أمومتها، في ميدان أنوثتها، قالت الأم لابنتها: "أي بنية، إن النصيحة لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك - أي أنها كأم تثق في أدب ابنتها ولا تحتاج في هذا الأمر لنصيحة - ولكنها معونة للغافل وتذكرة للعاقل. إنك غداً ستذهبين إلى بيت لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. فكوني له أمةً يكن لك عبداً. واحفظي عني عشر خصال تكن لك ذخراً". وانظروا إلى الخصال التي استنبطتها المرأة من ميزان رسالتها، تستمر كلمات الأم: "أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالسمع والطاعة والرضا بالقناعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموقع عينه وموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. والخامسة والسادسة: التفقد لوقت طعامه والهدوء عند منامه فإن تنغيص النوم مغضبة، وحرارة الجوع ملهبة. أما السابعة والثامنة: فالتدبير لماله والإرعاء على حشمه وعلى عياله. وأما التاسعة والعاشرة: فألا تفشي له سرّاً ولا تعصي له أمراً؛ فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، وإياك بعد ذلك والفرح إن كان ترحاً والحزن إن كان فرحاً". فذهبت أم إياس بهذه النصائح إلى زوجها وأنجبت له البنين والبنات وسعدت معه وسعد معها. تلك نصيحة من أم تدل على منتهى التعقل، ولكن في أي شيء؟. في ميدان مهمتها. إذن فالمرأة يمنحها الله ويعطيها أن تتعقل ولها ميدان ولا يأتي هذا التعقل غالباً إلا في ميدانها. لأن ميدان الرجل له حركة تتطلب الحزم، وتتطلب الشدة، والمرأة حركتها تتطلب العطف والحنان؛ والأمثال في حياتنا اليومية تؤكد ذلك، إن الرجل عندما يدخل بيته ويحب أن ينام، قد يأتي له طفله صارخاً باكياً، فيثور الأب على زوجته ويسب الولد ويسب أمه، وقد يقول ألفاظاً مثل: "اكتمي أنفاسه إني أريد أن أستريح". وتأخذ الأم طفلها وتذهب تربت على كتفه وتسكته، ويستجيب لها الطفل، فهذه مهمة الأم، ولذلك نجد أن الأحداث التاريخية العصيبة تبرز الرجل في مكانه والمرأة في مكانها. فمثلاً: سيدنا إبراهيم عليه السلام أسكن هاجر وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، قالت له: أتتركنا في مكان ليس فيه حتى الماء، أهذا نزلته برأيك أم الله أنزلك فيه؟. قال لها: أنزلني الله هذا المكان. فقالت له: اذهب كما شئت فإنه لا يضيعنا. هذه المهمة للمرأة. هاجر مع طفل في مكان ليس فيه مقوم الحياة الأول وهو الماء، فانظروا عطفها وحنانها، ماذا فعلت؟ لقد سعت بين الصفا والمروة، صعدت الجبل إلى أن أنهكت قواها. إن الذي يذهب إلى الحج أو العمرة ويجرب الأشواط السبعة هذه يعرف أقصى ما يمكن أن تتحمله المرأة في سبيل ابنها؛ لأن هذا موقف عطف وحنان، ابنها يريد أن يشرب. وكأن الله قال لها: إنك قد سعيت ولكني سأجعل رزقك من حيث لا تحتسبين، أنت سعيت بين الصفا والمروة، والماء ينبع تحت قدمي ولدك. إذن فصدقت في قولها: إنه لا يضيعنا، ولو أن سعيها جاء بالماء لظننا جميعاً أن السعي هو الذي يأتي بالماء، ولكن اسع ولا تعتقد في السعي، بل اعتقد في الرزّاق الأعلى، تلك مسألة ظاهرة في أمنا هاجر. وحينما جاء موقف الابتلاء بالذبح، اختفت هاجر من المسرح، وجاء دور سيدنا إبراهيم بحزمه وعزمه ونبوته. ورأى في الرؤيا أنه يذبح ابنه، أين أمه في هذا؟ اختفت من المسرح؛ لأن هذا موقف لا يتفق مع عواطفها وحنانها. إذن فكل واحد منهما له مهمة. والنجاح يكون على قدر هذه المهمة. ولذلك يقول الحق: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 32] فساعة ترى جنساً أخذ شيئاً وجنساً آخر أخذ شيئاً، إياك أن تشغل بالك وتتمنى وتقول: "أريد هذه"، ولكن اسأل الله من فضله؛ لأن كلمة {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ..} [النساء: 32] هي نهي عن أن تتمنى ما فضل الله به بعضاً على بعض، ولذلك يقول: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ ..} [النساء: 32]. وما دمت تسأل الله من فضله؛ فهنا أمل أن يعطيك. وقد يرى البعض هنا مشكلة فيتساءل: كيف ينهانا الله عن أن نتمنى ما فضل الله به بعضنا على بعض فقال: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 32] مع أن فضل الله من شأنه أن يفضل بعضنا على بعضٍ بدليل قوله: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..} تفسير : [الأنعام: 165] فضلاً على أنني أطمع في أن أسأل الله ليعطيني؛ لأنه - سبحانه - ما أمرنا بالسؤال إلاّ ليعطينا. ونقول: لا، التمني عادة أن تطلب شيئاً يستحيل أو لم تجر به العادة، إنما السؤال والدعاء هو مجال أن تأتي إلى شيء تستطيع الحصول عليه، فأوضح: لا تذهب إلى منطقة التمني، ولذلك ضربوا المثل للتمني ببيت الشاعر: شعر : ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب تفسير : تمنّى الشاعر أن يعود الشباب يوماً فهل هذا يتأتى؟ إنه لا يتأتى. أو أن يقول قائل: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها، هل يمكن أن يحدث ذلك؟ لا. ولكن هذا القول يدل على أن هذا الشيء محبوب وإن كان لم تجر به العادة، أو هو مستحيل، إذن فالسؤال يجب أن يكون في حدود الممكن بالنسبة لك. والحق يوضح: لا تنظروا إلى ما فضل الله به بعضكم على بعض. وما دام الله قد فضل بعضاً على بعض فليسأل الإنسان لا في منطقة ما فضل الله غيره عليه ويطلبه لنفسه ويسلبه من سواه، ولكن في منطقة أن توفق في إبراز ما فضلك الله به؛ ولذلك نجد الحق في آيات التفضيل يقول: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ..} تفسير : [النحل: 71]. وما هو الرزق؟ هل هو نقود فقط؟ لا، بل الرزق هو كل ما ينتفع به، فالحلم رزق، والعلم رزق، والشجاعة رزق، كل هذا رزق، وقوله الحق: {مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 32] يجعلنا نتساءل: مَنْ هو المفضل ومَنْ هو المفضل عليه؟ لأنه قال: {بَعْضَكُمْ ..} [النساء: 32]. لم يبينها لنا، إذن فبعض مفضل وبعض مفضل عليه. وسؤال آخر: وأي بعض مفضل وأي بعض مفضل عليه؟ إن كل إنسان هو فاضل في شيء ومفضول عليه في شيء آخر، فإنسان يأخذ درجة الكمال في ناحية، وإنسان يفتقد أدنى درجة في تلك الناحية، لكنه يملك موهبة أخرى قد تكون كامنة ومكتومة. وهذا يعني التكامل في المواهب، وهذا التكامل هو أسنان الحركة في المجتمع. لننتبه إلى التروس، نحن نجد الترس الزائد يدخل في الترس الأقل، فتدور الحركة، لكن إذا وضعنا ترساً زائداً مقابل ترس زائد مثله فلن تحدث الحركة. إذن فلابد أن يكون متميزاً في شيء والآخر متميزاً في شيء آخر فيحدث التكامل بينهما، ومثل ذلك قلنا: الليل والنهار، الليل يعينني على حركة النهار، وقلنا: إن السيف في يد الفارس يضرب به ويقتل، ولو لم يسنّه خبير في الحدادة ويشحذه ويصقله لما أدى السيف مهمته، وقد لا يستطيع هذا الخبير في صقل السيوف الذهاب للمعركة، وقد يخاف أن يضرب بالسيف، لكن له فضل مثل فضل المحارب بالسيف. إن كل واحد له مهمة يؤديها، والأقدار تعطي الناس مواهبهم المتكاملة وليست المتكررة المتعاندة، وما دامت المواهب متكاملة فلا أحسد مَنْ تفوّق عليّ في مجال ما؛ لأنني أحتاج إليه، وهو لا يحسدني إن تفوقت عليه في موهبة أو عمل لأنه يحتاج إلي، إذن فأنا أريده أن يتفوق، وهو يريدني أن أتفوق، وذلك مما يحبب الناس في نعم ومواهب الناس، فأنا أحب النعمة التي وهبها الله للآخر، وهو يحب النعمة والموهبة التي عندي. مثال ذلك عندما نجد رجلاً موهوبا في تفصيل الملابس ويحيك أجود الجلابيب فالكل يفرح به، وهذا الرجل يحتاج إلى نجار موهوب ليصنع له باباً جيداً لدكانه، ومن مصلحة الاثنين أن تكون كل نعمة عند واحد محمودة، ولذلك سمانا الله "بعضاً" و "بعضاً" ويتكون الكل من بعض وبعض، فأنت موهوب في بعض الأمور ولا تؤدي كل الأمور أبداً، ولكن بضميمة البعض الآخر نملك جميعاً مواهب بعضنا بعضاً. ويتابع الحق: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ..} [النساء: 32] فمهمة النجاح للرجل أو المرأة هو أن يكون كل منهما صالحاً ومؤدياً للمهمة التي خُلق من أجلها، بعد ذلك يكون حساب الثواب والعقاب وكل واحد على قدر تكليفه. فالثواب والعقاب يأتي على مقدار ما يقوم كل مخلوق مما كلف به. والمثال على اختلاف مهمة الرجل عن مهمة المرأة، يتجلى في أننا نجد الرجل عندما تغضب امرأته أو تمرض، ويكون عنده ولد رضيع، فهل يستطيع هو أن يرضع الطفل؟ طبعاً لا؛ لأن لكل واحد مهمة؛ فالعاقل هو مَنْ يحترم قدر الله في خلقه، ويحترم مواهب الله حين أعطاها، وهو يسأل الله من فضله، أي مما فضله به ليعطي له البركة في مقامه. وحين يقول الحق: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ..} [النساء: 32] نلحظ أن هذه تساوي تلك تماماً. {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء: 32] ومن واسع علمه سبحانه أنه وزع المواهب في خلقه حتى يتكامل المجتمع ولا يتكرر؛ لأن تكرار المجتمع هو الذي يولد الشقاق، أما تكامله فيولد الوفاق، وسبب نزول الآية {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 32] أن النساء قلن: إننا لم يكتب علينا الجهاد وأعطانا ربنا نصف الرجل من الميراث، وقد أوضح الحق من قبل للمرأة أنها أخذت نصف الرجل لأنها محسوبة على غيرها ولن تصرف وتنفق من دخلها على نفسها، بل سيصرف الرجل وينفق عليها، والمسألة بذلك تكون عادلة. وكذلك قال الرجال: ما دام الله قد فضلنا في الميراث، وأعطانا ضعف نصيب المرأة فلعله يفضلنا في الآخرة ويعطينا ضعف ثوابها، فيصنع الرجل العمل الواحد ويريد الضِّعف!. وانظر لذكاء المرأة، حينما قالت: ما دام ربنا أعطانا نصف ميراثكم فلماذا لا يعطينا نصف العقوبة إذن؟ فأوضح لهم الله: اهدأوا {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 32] أي أن على كل واحد أن يرضى بما قسمه الله له. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ} [الآية: 32] قال: هذا قول النساءِ: ليتنا كنا رجالا فنغزو ونبلغ ما بلغوا. فنزلت {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ}. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [الآية: 33]. يعني من العقل والنصر والرفد.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المحرمات من النساء وذكر قبلها تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، جاءت الآيات تنهى عن تمني ما خصّ الله به كلاً من الجنسين لأنه سبب للحسد والبغضاء، ثم ذكر تعالى حقوق كلٍ من الزوجين على الآخر، وأرشد إِلى الخطوات التي ينبغي التدرج بها في حالة النشوز والعصيان. اللغَة: {مَوَالِيَ} المَوْلى: الذي يتولى غيره يقال للعبد مَوْلى وللسيد مَوْلى لأن كلاً منهما يتولى الآخر والمراد به هنا الورثة والعصبة {قَوَّامُونَ} قوّام: مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته أي يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية {قَانِتَاتٌ} مطيعات وأصل القنوت دوام الطاعة {نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن وترفعهن وأصله المكان المرتفع ومنه تلٌّ ناشز ويقال: نشزت المرأة إِذا ترفعت على زوجها وعصته {ٱلْمَضَاجِعِ} جمع مضجع وهو المرقد {شِقَاقَ} الشقاق: الخلاف والعداوة مأخوذ من الشق بمعنى الجانب لأن كلاً من المتشاقين يكون في شق غير شق صاحبه أي في ناحية {ٱلْجُنُبِ} البعيد الذي ليس له قرابة تربطه بجاره، وأصل الجنابة: البعد {مُخْتَالاً} المختال: ذو الخيلاء والكبر {مِثْقَالَ} وزن {ٱلْغَآئِطِ} الحدث وأصله المطمئن من الأرض وكانوا إِذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا منخفضاً من الأرض فكني عن الحدث بالغائط. سَبَبُ النّزول: أ - عن مجاهد قال: قالت "أم سلمة" يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو وإِنما لنا نصف الميراث فأنزل الله {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} الآية. ب - روي حديث : أن سعد بن الربيع - وكان نقيباً من نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته "حبيبة بنت زيد" فلطمها فانطلق أبوها معها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لتقتصَّ منه فنزلت {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} فقال صلى الله عليه وسلم: (أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير). تفسير : التفسِير: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي لا تتمنوا أيها المؤمنون ما خصّ الله تعالى به غيركم من أمر الدنيا أو الدين ذلك يؤدي إِلى التحاسد والتباغض قال الزمخشري: نُهوا عن الحسد وعن تمني ما فضل الله بعض الناس على بعض من الجاه والمال لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} أي لكلٍ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معين المقدار قال الطبري: كلٌ له جزاء على عمله بحسبه إِن خيراً فخير وإِن شراً فشر {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} أي وسلوا الله من فضله يعطكم فإِنه كريم وهاب {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي ولذلك جعل الناس طبقات ورفع بعضهم درجات {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي ولكل إِنسانٍ جعلنا عصبةً يرثون ماله ممّا تركه الوالدان والأقارب من الميراث {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإِرث فأعطوهم حظهم من الميراث، وقد كان هذا في ابتداء الإِسلام ثم نسخ قال الحسن: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسبٌ فيرث أحدُهما الآخر فنسخ الله ذلك بقوله {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنفال: 75] وقال ابن عباس: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي مطلعاً على كل شيء وسيجازيكم عليه.. ثم بيّن تعالى أن الرجال يتولون أمر النساء في المسئولية والتوجيه فقال {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} أي قائمون عليهن بالأمر والنهي، والإِنفاق والتوجيه كما يقوم الولاة على الرعية {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصهم به من الكسب والإِنفاق، فهم يقومون على النساء بالحفظ والرعاية والإِنفاق والتأديب قال أبو السعود: "والتفضيلُ للرجل لكمال العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي ومزيد القوة، ولذلك خصوا بالنبوة والإِمامة والولاية والشهادة والجهاد وغير ذلك" {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} هذا تفصيل لحال النساء تحت رياسة الرجل، وقد ذكر تعالى أنهن قسمان: قسم صالحات مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فالنساء الصالحات مطيعات لله ولأزواجهن، قائمات بما عليهن من حقوق، يحفظن أنفسهن عن الفاحشة وأموال أزواجهن عن التبدير كما أنهن حافظات لما يجري بينهن وبين أزواجهن مما يجب كتمه ويجمل ستره وفي الحديث "حديث : إِن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرجلُ يُفْضي إِلى امرأته وتُفْضي إِليه ثم ينشر أحدهما سرَّ صاحبه" تفسير : {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} هذا القسم الثاني وهنَّ النساء العاصيات المتمردات أي واللاتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج فعليكم أيها الرجال أن تسلكوا معهن سبل الإِصلاح {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} أي فخوفوهنَّ الله بطريق النصح والإِرشاد، فإِن لم ينجح الوعظ والتذكير فاهجروهنَّ في الفراش فلا تكلموهن ولا تقربوهن قال ابن عباس: الهجر ألا يجامعها وأن يضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، فإِن لم يرتدعن فاضربوهن ضرباً غير مبرّح {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي فإِن أطعن أمركم فلا تلتمسوا طريقاً لإِيذائهن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} أي فإِن الله تعالى أعلى منكم وأكبر وهو وليهن ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.. انظر كيف يعلمنا سبحانه أن نؤدب نساءنا وانظر إِلى ترتيب العقوبات ودقتها حيث أمرنا بالوعظ ثم بالهجران ثم بالضرب ضرباً غير مبرح ثم ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن قدرة الله فوق قدرة الزوج عليها وأنه تعالى عون الضعفاء وملاذ المظلومين!! {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} أي وإِن خشيتم أيها الحكام مخالفةً وعداوةً بين الزوجين فوجهوا حكماً عدلاً من أهل الزوج وحكماً عدلاً من أهل الزوجة يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} أي إِن قصدا إِصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما وأوقع الله بين الزوجين الوفاق والألفة وألقى في نفوسهما المودة والرحمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} أي عليماً بأحوال العباد حكيماً في تشريعه لهم {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وحدوه وعظموه ولا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيره، واستوصوا بالوالدين برّاً وإِنعاماً وإِحساناً وإِكراماً {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} أي وأحسنوا إِلى الأقارب عامة وإِلى اليتامى والمساكين خاصة {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي الجار القريب فله عليك حق الجوار وحق القرابة {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} أي الجار الأجنبي الذي لا قرابة بينك وبينه {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال ابن عباس: هو الرفيق في السفر، وقال الزمخشري: "هو الذي صحبك إِما رفيقاً في سفر، أو جاراً ملاصقاً، أو شريكاً في تعلم علم، أو قاعداً إِلى جنبك في مجلس أو غير ذلك، من له أدنى صحبةٍ التأمت بينك وبينه فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وقيل: هي المرأة" {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي المماليك من العبيد والإِماء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} أي متكبراً في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخوراً على الناس مترفعاً عليهم يرى أنه خير منهم، وهذه آية جامعة جاءت حثاً على الإِحسان واستطراداً لمكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر أغنتْه عن كثير من مواعظ البلغاء، ونصائح الحكماء. ثم بين تعالى صفات هؤلاء الذين يبغضهم الله فقال {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} أي يمنعون ما أوجب الله عليهم من الإِنفاق في سبيل الله ويأمرون غيرهم بترك الإِنفاق، والآية في اليهود نزلت في جماعة منهم كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم في الجهاد والصدقات، وهي مع ذلك عامة {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي يخفون ما عندهم من المال والغنى، ويخفُون نعته عليه السلام الموجود في التوراة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي هيأنا للجاحدين نعمة الله عذاباً أليماً مع الخزي والإِذلال لهم {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} أي ينفقونها للفخار والشهرة لا ابتغاء وجه الله {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ولا يؤمنون الإِيمان الصحيح بالله واليوم الآخر، والآية في المنافقين {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} أي من كان الشيطان صاحباً له وخليلاً يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} الإِستفهام للإِنكار والتوبيخ أي ماذا يضيرهم وأي تبعةٍ ووبالٍ عليهم في الإِيمان بالله والإِنفاق في سبيله؟ قال الزمخشري: وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟ وللعاقّ: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟ وهو ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً} وعيد لهم بالعقاب أي سيجازيهم بما عملوا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي لا يبخس أحداً من عمله شيئاً ولو كان وزن ذرة وهي الهباءة وذلك على سبيل التمثيل تنبيهاً بالقليل على الكثير {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} أي وإِن كانت تلك الذرة حسنة ينمّها ويجعلها أضعافاً كثيرة {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} أي ويعط من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل أجراً عظيماً وهو الجنة {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} أي كيف يكون حال الكفار والفجار حين نأتي من كل أمةٍ بنبيها يشهد عليها، ونأتي بك يا محمد على العصاة والمكذبين من أمتك تشهد عليهم بالجحود والعصيان؟! كيف يكون موقفهم؟ وكيف يكون حالهم؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ} أي في ذلك اليوم العصيب يتمنى الفجار الذين جحدوا وجدانية الله وعصوا رسوله {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} أي لو يدفنوا في الأرض ثم تُسوّى بهم كما تُسوَّى بالموتى، أو لو تنشق الأرض فتبتلعهم ويكونون تراباً كقوله {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} أي لا يستطيعون أن يكتموا الله حديثاً لأن جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه.. ثم أمر تعالى باجتناب الصلاة في حال السكر والجنابة فقال {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} أي لا تصلوا في حالة السكر لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع بمناجاته سبحانه وتعالى، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر روى الترمذي عن علي كرم الله وجهه أنه قال "صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت "قل يا أيها الكافرون * أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون" فأنزل الله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} الآية {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ} أي ولا تقربوها وأنتم جنب أي غير طاهرين بإِنزالٍ أو إِيلاج إِلا إِذا كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء فصلوا على تلك الحالة بالتيمم {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} أي وإِن كنتم مرضى ويضركم الماء، أو مسافرين وأنتم محدثون أو أحدثتم ببولٍ أو غائطٍ ونحوهما حدثاً أصغر ولم تجدوا الماء {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} قال ابن عباس: هو الجماع {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} أي فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} أي اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به وامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} أي يرخّص ويسهّل على عباده لئلا يقعوا في الحرج. البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبيان والبديع ما يلي: 1- الإِطناب في قوله {نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} و {نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} وفي {حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وفي {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}. 2- الاستعارة في {مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} شبه استحقاقهم للإِرث وتملكهم له بالإِكتساب واشتق من لفظ الاكتساب اكتسبوا على طريقة الاستعارة التبعية. 3- الكناية في {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} فقد كنى بذلك عن الجماع وكذلك في {لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآء} قال ابن عباس معناه: جامعتم النساء كما كنى عن الحدث بالغائط في قوله {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ}. 4- صيغة المبالغة في {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ} لأن فعّال من صيغ المبالغة ومجيء الجملة إسمية لإِفادة الدوام والاستمرار. 5- السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع في قوله {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا} يراد بها التقريع والتوبيخ. 6- جناس الاشتقاق في {حَافِظَاتٌ... بِمَا حَفِظَ} وفي قوله {بِشَهِيدٍ.... وَشَهِيداً}. 7- التعريض في {مُخْتَالاً فَخُوراً} عرّض بذلك إِلى ذم الكبر المؤدي لاحتقار الناس. 8- الحذف في عدة مواضع مثل {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي أحسنوا إلى الوالدين إحساناً. الفوَائِد: الأولى: لم يذكر الله تعالى في الآية إِلا "الإِصلاح" في قوله {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق وفي ذلك إِشارة لطيفة إِلى أنه ينبغي على الحكمين أن يبذلا جهدهما للإِصلاح لأن في التفريق خراب البيوت وتشتيت الأولاد وذلك مما ينبغي أن يجتنب. الثانية: ختم تعالى الآية بهذين الإِسمين العظيمين {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} وذلك لتهديد الأزواج عند التعسف في استعمال الحق فكأن الآية تقول: لا تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن وأكبر درجة منهن فإِن الله عليٌّ قاهر ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فالله أعلى منكم وأقدر عليكم منكم عليهن فاحذروا عقابه. الثالثة: روى البخاري حديث : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إِقرأ عليَّ القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: نعم فإِني أحب أن أسمعه من غيري!! فقرأت سورة النساء حتى أتيت إِلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} فقال: حسبك الآن فنظرتُ فإِذا عيناه تذرفان . تفسير : تنبيه: ورد النظم الكريم {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} ولو قال: بتفضيلهم عليهن لكان أخصر وأوجز ولكنَّ التعبير ورد بتلك الصيغة لحكمة جليلة وهي إِفادة أن المرأة من الرجل بمنزلة عضوٍ من جسم الإِنسان وكذلك العكس، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن ولا ينبغي أن يتكبر عضوٌ على عضو، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته ورأسه أشرف من يده فالكل يؤدي دوره بانتظام ولا غنى لواحدٍ عن الآخر وهذا هو سر التعبير بقوله {بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فظهر أن الآية في نهاية الإيجاز والإِعجاز. "كلمة حول تأديب النساء" لعل أخبث ما يتخذه أعداء الإِسلام للطعن في الشريعة الإِسلامية زعمهم أن الإِسلام أهان المرأة حين سمح للرجل أن يضربها ويقولون: كيف يسمح القرآن بضرب المرأة {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} أفليس هذا إِهانة للمرأة واعتداءً على كرامتها؟! والجواب: نعم لقد أذن الحكيم العليم بضربها ولكن متى يكون الضرب؟ ولمن يكون؟ إِن الضرب - ضرباً غير مبرِّح - كما ورد به الحديث الشريف أحد الطرق في معالجة نشوز المرأة وعصيانها لأمر الزوج، فحين تسيء المرأة عشرة زوجها وتركب رأسها وتسير بقيادة الشيطان وتقلب الحياة الزوجية إِلى جحيم لا يطاق فماذا يصنع الرجل في مثل هذه الحالة؟! لقد أرشدنا القرآن الكريم إِلى الدواء فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإِرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإِذا لم تنجح كل هذه الوسائل فلا بدَّ من سلوك طريق آخر هو الضرب غير المبرِّح لكسر الغطرسة والكبرياء، وهذا أقل ضرراً من إِيقاع الطلاق عليها، وإِذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأكبر كان حسناً وجميلاً وما أحسن ما قيل "وعند ذكر العمى يُستحسن العَوَر" فالضرب طريق من طرق العلاج ينفع في بعض الحالات التي يستعصي فيها الإِصلاح باللطف والإِحسان والجميل {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 78]!!
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجردا لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها. ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب. وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه. ولهذا قال تعالى: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا } أي: من أعمالهم المنتجة للمطلوب. { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } فكل منهم لا يناله غير ما كسبه وتعب فيه. { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا. فهذا كمال العبد وعنوان سعادته لا من يترك العمل، أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه، أو يجمع بين الأمرين فإن هذا مخذول خاسر. وقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } فيعطي من يعلمه أهلا لذلك، ويمنع من يعلمه غير مستحق.
همام الصنعاني
تفسير : 561- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن شيخ من أهْلِ مكة في قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}: [الآية: 32]، قال: كانتِ النِّساءُ يقُلْنَ: ليْتنا كُنَّا رجالاً نجاهِدُ كَما يُجَاهِدُ الرِّجَالُ، ونَغْزُوا في سبيل اللهِ، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}: [الآية: 32]. 562- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: لا تتمنَ زوجة أخيك، ولا مال أخيك، واسألِ الله أنت من فضله. 563- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله، أيغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}: [الآية: 32].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):