٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما. أما الأول: فهو أن قوله: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ } أي: ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته، ثم كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله: {مّمَّا تَرَكَ }. وأما الثاني: ففيه وجهان: الأول: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة و{جَعَلْنَا } في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين، لأن معنى {جَعَلْنَا } خلقنا. الثاني: أن يكون التقدير: ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فقوله: {مَوَالِىَ } على هذا القول يكون صفة، والموصوف يكون محذوفا، والراجع إلى قوله: {وَلِكُلّ } محذوفا، والخبر وهو قوله: {نَّصِيبٍ } محذوف أيضا، وعلى هذا التقدير يكون {جَعَلْنَا } معتديا إلى مفعولين، والوجهان الأولان أولى، لكثرة الاضمار في هذا الوجه. المسألة الثانية: لفظ مشترك بين معان: أحدها: المعتق، لأنه ولى نعمته في عتقه، ولذلك يسمى مولى النعمة. وثانيها: العبد المعتق، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريما، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له. وثالثها: الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين. ورابعها: ابن العم، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما. وخامسها: المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ }تفسير : [محمد: 11] وسادسها: العصبة، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر».تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: عقدت بغير ألف وبالتخفيف، والباقون بالألف والتخفيف، وعقدت: أضافت العقد إلى واحد، والاختيار: عاقدت، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين. المسألة الثانية: الأيمان. جمع يمين، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد، وأن يكون معناه القسم، فإن كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد. والوجه الثاني: في المجاز: وهو أن التقدير: والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث: أن التقدير: والذين عاقدتهم، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد. أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة إلى القسم، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الإضافة، والقول في بقية المجازات كما تقدم. المسألة الثالثة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، ومنهم من قال: إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها: فالأول: هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الحلفاء في الجاهلية، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول: دمي دمك وسلمي سلمك، وحربي حربك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنفال: 75] وبقوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } الثاني: أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له، وهم المسمون بالأدعياء، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ. الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا للتوارث. واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة سببا للتوارث بقوله: {فآتوهم نصيبهم} ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي تلوناها. القول الثاني: قول من قال: الآية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها: الأول: تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم، أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم، فقوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } معطوف على قوله: {ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأقْرَبُونَ } والمعنى: ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى لا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية، وهذا تأويل أبي علي الجبائي. الثاني: المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى: {أية : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 235] فذكر تعالى الوالدين والأقربين، وذكر معهم الزوج والزوجة، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا، وهو قول أبي مسلم الاصفهاني. الثالث: أن يكون المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ عقدت أَيْمَـٰنِكُمْ } الميراث الحاصل بسبب الولاء، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. الرابع: أن يكون المراد من {ٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } الحلفاء، والمراد بقوله: {فآتوهم نصيبهم} النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، والمخالصة في المخالطة، فلا يكون المراد التوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. الخامس: نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا. السادس: قال الاصم: إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم ذكره، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده. المسألة الرابعة: القائلون بأن قوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } مبتدأ، وخبره قوله: {فآتوهم نصيبهم} قالوا: إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن «الذي» معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله: {فآتوهم نصيبهم } ويجوز أن يكون منصوبا على قولك: زيدا فاضربه. المسألة الخامسة: قال جمهور الفقهاء: لا يرث المولى الأسفل من الأعلى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق، ولأنه داخل في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ }. والجواب عن التمسك بالحديث: أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره، لأنه كان مالا لا وارث له، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء. المسألة السادسة: قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما: من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، انه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يرثه حجة الشافعي: أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم، فقد جعلنا له موالي وهم العصبة، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة، وإما العامة وهم جماعة المسلمين، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ما لم توجد العصبة الخاصة، واحتج أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده، ثم إنه تعالى نسخه بقوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنفال: 75] فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فإذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان. والجواب: أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث، بل بينا أن الآية دالة على أنه لا يرث، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيداً } وهو كلمة وعد للمطيعين، وكلمة وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه. وعلى التقدير الأول: الشهيد هو العالم، وعلى التقدير الثاني: هو المخبر.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ بيّن تعالى أن لكل إنسان ورثةً وَموالي؛ فلينتَفِع كلُّ واحدٍ بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنى مالَ غيره. وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس: { أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } تفسير : [النساء: 33] قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريُّ دون ذوي رحِمِه؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: نسختها {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}. قال أبو الحسن بن بطّال: وقع في جميع النسخ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: نسختها {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}. والصواب أن الآية الناسخة {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} والمنسوخة {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وكذا رواه الطبري في روايته. وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قوله تعالى في «الأنفال»: { أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } تفسير : [الانفال: 75]. رُوي هذا عن ابن عباس وقَتادة والحسن البَصْرِي؛ وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب «الناسخ والمنسوخ» له. وفيها قول آخر رواه الزُّهْرِي عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تَبَنَّوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيباً في الوصيّة وردّ الميراث إلى ذَوي الرَّحِم وَالعَصَبة وقالت طائفة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مُحْكَمٌ وليس بمنسوخ؛ وإنما أمر الله المؤمنين أن يُعْطُوا الحلفاء أنصباءهم من النُّصرة والنصيحة وما أشبه ذلك؛ ذكره الطبري عن ابن عباس. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النُّصرة والنصيحة والرِّفادة ويُوصى لهم وقد ذهب الميراث؛ وهو قول مُجاهد والسُّدي. قلت واختاره النحاس؛ ورواه عن سعيدبن جبير، ولا يصح النسخ؛ فإن الجمع ممكن كما بيّنه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير. وسيأتي ميراث «ذوي الأرحام» في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. الثانية ـ «كُلّ» في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة فلا بدّ أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين؛ حتى أن بعضهم أجاز مررتُ بكلٍّ، مثل قبلُ وبعدُ. وتقدير الحذف: ولكلّ أحدٍ جعلنا موالي، يعني ورثة. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني بالحلف؛ عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دَمي دَمُك، وهَدْمي هَدْمُكَ، وثأري ثأرك، وحَرْبي حربُكَ، وسِلْمي سِلْمك، وتَرِثُني وأرِثُك، وتطلب بي وأطلب بك، وتَعْقِل عني وأعْقِل عنك؛ فيكون للحليف السّدسُ من ميراث الحَليف ثم نسخ. الثالثة ـقوله تعالى: {مَوَالِيَ} اعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه؛ فيُسَمَّى المُعْتِق مَوْلىً والمُعْتَق مَوْلىً. ويقال: المَوْلَى الأسفل والأعلى أيضاً. ويُسَمَّى الناصر المَوْلَى؛ ومنه قوله تعالى { أية : وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 11] ويسمى ابن العم مَوْلىً والجار مَولىً. فأما قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} يريد عَصبة؛ لقوله عليه السلام: « حديث : ما أبقت السهام فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر » تفسير : . ومن العصبات المَوْلَى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء؛ لأن المفهوم في حق المعتق أنه المُنْعِم على المُعْتَق، كالموجِد له؛ فٱستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى؛ واحتج فيه بما روى أن رجلا أعتق عبداً له فمات المُعْتِق ولم يترك إلا المُعْتَق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المُعْتَق. قال الطحاوي: ولا معارِض لهذا الحديث، فوجب القول به: ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتِق على تقدير أنه كان كالموجِد له، فهو شبيه بالأب؛ والمولى الأسفل شبيه بالابن؛ وذلك يقتضي التّسْوية بينهما في الميراث، والأصل أن الاتصال يَعُّم. وفي الخبر: «مَوْلَى القوم منهم». والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: الميراث يَستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمُعْتِق الميراث بحكم الإنعام عَلىَ المُعْتَق؛ فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة وذلك لا ينعكس في المَوْلَى الأسفل. وأما الابن فهو أوْلَى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائماً مقامه، وليس المعتَق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتِق قد أنعم عليه فقابله الشّرع بأن جعله أحقّ بمولاه المُعْتَق، ولا يوجد هذا في المولى ٱلأسفل؛ فظهر الفرق بينهما والله أعلم. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} روى علي بن كَبْشة عن حمزة {عَقَدَتْ} بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة {عَقَّدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مخفّفة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة؛ لأن المعاقِدة لا تكون إلا من ٱثنين فصاعداً، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس: وقراءة حمزة تجوّز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانُكم الحلف، وتعدَّى إلى مفعولين؛ وتقديره: عَقدَتْ لهم أيمانُكم الحِلْف، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى: { أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ } تفسير : [المطففين: 3] أي كَالُوا لهم. وحذِف المفعول الثاني، كما يقال: كِلْتك أي كِلْتُ لك بُراً. وحذِف المفعول الأوّل لأنه متصل في الصلة. الخامسة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي قد شَهِد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يُحِبُّ الوفاء.
البيضاوي
تفسير : {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي ولكل تركة جعلنا وراثاً يلونها ويحرزونها، ومما ترك بيان لكل مع الفصل بالعامل. أو لكل ميت جعلنا وراثاً مما ترك على أن من صلة موالي. لأنه في معنى الوارث، وفي ترك ضمير كل والوالدان والأقربون استئناف مفسر للموالي، وفيه خروج الأولاد فإن الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناول الوالدين، أو لكل قوم جعلناهم موالي حظ مما ترك الوالدان والأقربون، على إن جعلنا موالي صفة كل والراجع إليه محذوف على هذا فالجملة من مبتدأ وخبر. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} موالى الموالاة، كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }تفسير : [الأنفال: 75] وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقد على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. أو الأزواج على أن العقد عقد النكاح وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط وخبره. {فَآتُوهُم نَصِيبَهُمْ} أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقولك: زيداً فاضربه، أو معطوف على الوالدان، وقوله فآتوهم جملة مسببة عن الجملة المتقدمة مؤكدة لها، والضمير للموالي. وقرأ الكوفيون {عَقَدَتْ} بمعنى عقدت عهودهم إيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه ثم حذف كما حذف في القراءة الأخرى. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً} تهديد على منع نصيبهم. {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء} يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين وهبي وكسبي فقال: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بسبب تفضيله تعالى الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوة والإِمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق. {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ} في نكاحهن كالمهر والنفقة. روي «حديث : (أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتقتص منه، فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام:أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير»تفسير : {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ} مطيعات لله قائمات بحقوق الأزواج. {حَافِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} لمواجب الغيب أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها»تفسير : وتلا الآية. وقيل لأسرارهم. {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له، أو بالذي حفظه الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن. وقرىء {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بالنصب على أن ما موصولة فإنها لو كانت مصدرية لم يكن لحفظ فاعل، والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرجال. {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن وترفعهن عن مطاوعة الأزواج من النشز. {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف، أو لا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع. وقيل المضاجع المبايت أي لا تباينوهن {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني ضرباً غير مبرح ولا شائن، والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يتدرج فيها. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بالتوبيخ والإِيذاء، والمعنى فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فاحذروه فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم، أو أنه على علو شأنه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم، أو أنه يتعالى ويتكبر أن يظلم أحداً أو ينقص حقه. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} خلافاً بين المرأة وزوجها، أضمرها وإن لم يجر ذكرهما لجرى ما يدل عليهما وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ أو لفاعل كقولهم نهارك صائم. {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا} فابعثوا أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر أو إصلاح ذات البين، رجلاً وسطاً يصلح للحكومة والإِصلاح من أهله وآخر من أهلها، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، وهذا على وجه الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز. وقيل الخطاب للأزواج والزوجات، واستدل به على جواز التحكيم، والأظهر أن النصب لإصلاح ذات البين أو لتبيين الأمر ولا يليان الجمع والتفريق إلا بإذن الزوجين، وقال مالك لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه. {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا} الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين، أي إن قصدا الإِصلاح أوقع الله بحسن سعيهما الموافقة بين الزوجين. وقيل كلاهما للحكمين أي إن قصدا الإِصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما. وقيل للزوجين أي إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} بالظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} صنماً أو غيره، أو شيئاً من الإِشراك جلياً أو خفياً {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} وأحسنوا بهما إحساناً. {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} وبصاحب القرابة. {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي الذي قرب جواره. وقيل الذي له الجوار قرب واتصال بنسب أو دين. وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحقه. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} البعيد، أو الذي لا قرابة له. وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : الجيران ثلاثة. فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإِسلام. وجار له حقان: حق الجوار وحق الإِسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب»تفسير : {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجنبك. وقيل المرأة. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المسافر أو الضعيف. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} العبيد والإِماء. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم. {فَخُوراً} يتفاخر عليهم. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بدل من قوله من كان، أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين يبخلون بما منحوا به ويأمرون الناس بالبخل به. وقرأ حمزة والكسائي ههنا وفي «الحديد» {بِٱلْبُخْلِ} بفتح الحرفين وهي لغة. {وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الغنى والعلم فهم أحقاء بكل ملامة. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، وما كان كافراً لنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإِخفاء. والآية نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار تنصيحاً: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر. وقيل في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم، في قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ} أي: ورثة، وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة، قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس:شعر : مَهْلاً بَني عَمنا مَهْلاً موالينا لا يَظْهَرَنَّ لنا ما كان مَدْفونا تفسير : قال: ويعني بقوله: {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ}، من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث؛ كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة. قال البخاري: حدثنا الصلت ابن محمد، حدثنا أبو أسامة عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قال: ورثة. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} كان المهاجرون لما قدموا المدينة، يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ} نسخت، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصى له، ثم قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} الآية، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه؛ بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} نسخت، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}. وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس، قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام» تفسير : فنسختها هذه الآية: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 75]، ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة»تفسير : . وهكذا رواه مسلم. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعيد بن إبراهيم، عن نافع، عن جبير بن مطعم، عن أبيه، به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة»تفسير : ، هذا لفظ ابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم، وأنا أنكثه» تفسير : قال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لم يصب الإسلام حلفاً إلا زاده شدة» قال: «ولا حلف في الإسلام»تفسير : ، وقد ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار. وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بتمامه. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرني مغيرة عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، قال: فقال: «حديث : ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام» تفسير : وهكذا رواه أحمد عن هشيم. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان عن جدته، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»تفسير : . وحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، قام خطيباً في الناس فقال: «حديث : يا أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام» تفسير : ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»تفسير : . وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن عثمان، عن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا، وهو ابن أبي زائدة، بإسناده مثله، ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر، به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، فقال: «حديث : ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام»تفسير : وكذا رواه شعبة عن مغيرة، وهو ابن مقسم، عن أبيه به. وقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد، وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها: {والذينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم} فقالت: لا، ولكن {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف، أمر الله أن يؤتيه نصيبه، رواه ابن أبي حاتم، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ، وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم؛ كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، هم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولىٰ رجل ذكر» تفسير : أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك، فأعطوه للعصبة. وقوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} أي: قبل نزول هذه الآية، فآتوهم نصيبهم، أي: من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف الماضي أيضاً، فلا توارث به؛ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، ويوصي له، وقد ذهب الميراث. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة، وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {وَٱلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} قال: كان الرجل يعاقد الرجل؛ أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفاً} تفسير : [الأحزاب: 6] يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهذا هو المعروف، وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله: {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفاً} تفسير : [الأحزاب: 6]. وقال سعيد بن جبير: {فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}، أي: من الميراث، قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه، رواه ابن جرير. وقال الزهري عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيباً من الوصية، رواه ابن جرير، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {فآتوهم نصيبهم}، أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد {فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكماً ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتى نسخ ذلك، فكيف يقولون إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلِكُلٍّ } من الرجال والنساء {جَعَلْنَا مَوَالِىَ } عَصَبَةً يُعطَوْن {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ } لهم من المال {وَٱلَّذِينَ عاقَدَتْ} بألف ودونها[عقدت] { أَيْمَٰنُكُمْ } جمع (يمين) بمعنى القسم أو اليد أي الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث {فَئَاتُوهُمْ } الآن {نَصِيبَهُمْ } حظوظهم من الميراث وهو السدس {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً } مطلعاً ومنه حالكم، وهذا منسوخ بقوله { أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }تفسير : [75:8].
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} وفي الموالي قولان: أحدهما: أنهم العصبة، وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: هم الورثة، وهو قول السدي، وهو أشبه بقوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي} قال الفضل بن عباس: شعر : مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تنشبواْ بيننا ما كان مَدْفوناً تفسير : {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} هي مفاعلة من عقد الحلف، ومعناه: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم. وفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل: أحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: {أية : وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنفال: 75] وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانَ والأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء:33]، وهذا قول سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في أهل العقد بالحلف ولكنهم أُمِرُوا أن يؤتوا بعضهم بعضاً من النصرة والنصيحة والمشورة والوصية دون الميت، وهذا قول مجاهد، وعطاء، والسدي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله قيس بن عاصم عن الحِلف فقال: "حديث : لاَ حِلْفَ في الإْسلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلفِ الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يُزِدْهُ الإِسْلاَمُ الإَِّ شِدَّةً ". تفسير : والرابع: أنها نزلت في الذين يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، فَأُمِرُوا في الإِسلام أن يوصوا لهم عند الموت بوصية، وهذا قول سعيد بن المسيب. والخامس: أنها نزلت في قوم جعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا فذهب نصيبهم بهلاكهم، فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، وهذا قول الحسن البصري.
ابن عطية
تفسير : "كل" إنما تستعمل مضافة ظهر المضاف إليه أو تقدر، فهي بمثابة قبل وبعد، ولذلك أجاز بعض النحاة مررت بكل، على حد قبل وبعد، فالمقدر هنا على قول فرقة، ولكل أحد وعلى قول فرقة "ولكل شيء" يعني التركة، والمولى في كلام العرب: لفظة يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتَق، والمعتِق، والوراث، والعبد، فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة، لأنها تصلح على تأويل "ولكل أحد"، وعلى تأويل، "ولكل شيء" وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم: أن "الموالي" العصبة والورثة، قال ابن ابن زيد: لما أسلمت العجم سموا موالي استعارة وتشبيهاً، وذلك في قول الله تعالى: {أية : فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} تفسير : [الأحزاب:5]. قال القاضي أبو محمد: وقد سمي قوم من العجم ببني العم، و {مما} متعلقة "بشيء "، تقديره ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا ورثة، وهي متعلقة على تأويل "ولكل أحد" بفعل مضمر تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويحتمل على هذا أن تتعلق "من" بـ {موالي}، وقوله: {والذين} رفع بالابتداء والخبر في قوله: {فآتوهم} وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر "عاقدت" على المفاعلة أي إيمان هؤلاء عاقدت أولئك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "عقَدت" بتخفيف القاف على حذف مفعول، تقديره: عقدت إيمانكم حلفهم أو ذمتهم، وقرأ حمزة في رواية على ابن كبشة عنه "عقّدت" مشددة القاف، واختلف المتأولون في من المراد بـ {الذين} ، فقال الحسن وابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم: هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد الله ذلك بهذه الآية، ثم نسخة بآية الأنفال {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : [الأنفال:75] وقال ابن عباس أيضاً: هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ ذلك بما تقدم. قال القاضي أبو محمد: وورد لابن عباس: أن المهاجرين كانوا يرثون الأنصار دون ذوي رحمهم، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فنزلت الآية في ذلك ناسخة، وبقي إيتاء النصيب من النصر والمعونة، أو من المال على جهة الندب في الوصية، وقال سعيد بن المسيب: هم الأبناء الذين كانوا يتبنون، والنصيب الذي أمر الناس بإيتائه هو الوصية لا الميراث، وقال ابن عباس أيضاً: هم الأحلاف إلا أن النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، وروي عن الحسن: أنها في قوم يوصى لهم فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. قال القاضي أبو محمد: ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح ان المراد الأحلاف لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان، و {شهيداً} معناه: أن الله شيهد بينكم على المعاقدة والصلة، فأوفوا بالعهد بحسب ذلك مراقبة ورهبة. وقوله تعالى: {الرجال قوامون} الآية، قوام فعال: بناء مبالغة، وهو من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجل على النساء هو على هذا الحد، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكاً ما، قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء، وعلى هذا قال أهل التأويل و "ما" في قوله: {بما فضل الله} مصدرية، ولذلك استغنت عن العائد، وكذلك {بما أنفقوا} والفضيلة: هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه، والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، وقيل: سبب هذه الآية أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع أبيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض الحكم الأول وقال: أردت شيئاً وما أراد الله خير، وفي طريق آخر أردت شيئاً وأراد الله غيره، وقيل: إن في هذا الحكم المردود نزلت {أية : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه} تفسير : [طه:114] وقيل سببها قول أم سلمة المتقدم، أي: لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة. والصلاح في قوله {فالصالحات} هو الصلاح في الدين، و "و القانتات" معناه: مطيعات، والقنوات الطاعة، ومعناه لأزواجهن، أو لله في أزواجهن، وغير ذلك، وقال الزجّاج: إنها الصلاة، وهذا هنا بعيد و {للغيب} معناه: كل ما غاب عن علم زوجها مما استرعته، وذلك يعم حال غيب الزوج وحال حضوره، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير النساء امرأة إذا نظرتَ إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها"، تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وفي مصحف ابن مسعود "فالصوالح قوانت حوافظ" وهذا بناء يختص بالمؤنث، وقال ابن جني: والتكسير أشبه لفظاً بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هنا، و {بما حفظ الله} الجمهور على رفع اسم الله بإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "اللهَ" بالنصب على إعمال {حفظ} فأما قراءة الرفع "فما" مصدرية تقديره: يحفظ الله، ويصح أن تكون بمعنى "الذي" ويكون العائد الذي في {الذي} وفي {حفظ} ضمير مرفوع، وأما قراءة ابن القعقاع بما حفظ الله، فالأولى أن تكون "ما" بمعنى "الذي" وفي {حفظ} ضمير مرفوع، والمعنى حافظات للغيب بطاعة وخوف وبر ودين حفظ الله في أوامره حين امتثلنها، وقيل: يصح أن تكون "ما" مصدرية، على أن تقدير الكلام بما حفظن الله وينحذف الضمير، وفي حذفه قبح لا يجوز إلا في الشعر، كما قال [الأعشى]: [المتقارب] شعر : فَإنَّ الحوادِثَ أَوْدَى بِها تفسير : يريد أَوْدَين، والمعنى: يحفظن الله في أمره حين امتثلنه، وقال ابن جني: الكلام على حذف مضاف تقديره: بما حفظ دين الله وأمر الله، وفي مصحف ابن مسعود "بما حفظ الله فأصلحوا إليهن". {واللاتي} في موضع رفع بالابتداء والخبر {فعظوهن}، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: وعظوا اللاتي تخافون نشوزهن، كقوله: {أية : والسارق والسارقة} تفسير : [المائدة: 38] على قراءة من قرأها بالنصب، قال سيبويه: النصب القياس، إلا أن الرفع أكثر في كلامهم، وحكي عن سيبويه: أن تقدير الآية عنده: وفميا يتلى عليكم اللاتي، قالت فرقة معنى {تخافون} تعلمون وتتيقنون، وذهبوا ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا في جواز وقوع الخوف بمعنى اليقين بقول أبي محجن: شعر : ولا تَدْفُنَّنِيِ بالفلاةِ فإنَّني أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذوقُها تفسير : وقالت فرقة: الخوف هاهنا على بابه في التوقع، لأن الوعظ وما بعده إنما هو في دوام ما ظهر من مبادىء ما يتخوفن، " والنشوز ": أن تتعرج المرأة وترتفع في خلقها، وتستعلي على زوجها، وهو من نشز الأرض، يقال ناشز وناشص ومنه بيت الأعشى: [الطويل] شعر : تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشَاءً فأصْبَحَتْ قَضَاعِيّةً تأتي الكواهِن ناشصا تفسير : و {عظوهن} معناه: ذكروهن أمر الله، واستدعوهن إلى ما يجب عليهن بكتاب الله وسنة نبيه، وقرأ إبراهيم النخعي "في المضجع"، وهو واحد يدل على الجمع، واختلف المتأولون في قوله: {اهجروهن} فقالت فرقة معناه جنبوا جماعهن، وجعلو {في} للوعاء على بابها دون حذف, قال ابن عباس: يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها, وقال مجاهد: جنبوا مضاجعتهن, فيتقدر على هذا القول حذف تقديره: واهجروهن برفض المضاجع أو بترك المضاجع وقال سعيد بن جبير: هي هجرة الكلام أي لا تكلموهن وأعرضوا عنهن فيقدر حذف تقديره: واهجروهن في سبب المضاجع حتى يراجعنها، وقال ابن عباس أيضاً: معناه وقولوا لهن هجراً من القول, أي إغلاظاً حتى يراجعن المضاجع, وهذا لا يصح تصريفه إلا على من حكى هجر وأهجر بمعنى واحد، وقال الطبري: معناه اربطوهن بالهجار، كما يربط البعير به، وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى اضربوهن ونحوها، ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضرباً غير مبرح " تفسير : وقال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال بالشراك ونحوه، وروي عن ابن شهاب أنه قال: لا قصاص بين الرجل وامرأته إلا في النفس. قال القاضي أبو محمد: وهذا تجاوز، قال غيره: إلا في النفس والجراح، وهذه العظة والهجر والضرب مراتب، إن وقعت الطاعة عند إحداها لم يتعد إلى سائرها. و {تبغوا} معناه تطلبوا و {سبيلاً} عليهن والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر، أي قدره فوق كل قدر ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته، فالله بالمرصاد، وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد ".
ابن عبد السلام
تفسير : {مَوَالِىَ} عصبة، أو ورثة وهو أشبه كقوله تعالى: {أية : خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ}تفسير : [مريم: 5] {عاقدت} مفاعلة من عقد الحلف حلف الجاهلية توارثوا به في الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 75]، أو الأخوة التي آخاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار توارثوا بها ثم نسخت بقوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ}، أو نزلت في أهل العقد بالحلف يؤتون نصيبهم من النصر والنصيحة دون الإرث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا حلف في الإسلام وما كان من حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة" تفسير : أو نزلت في ابن التبني، أمروا أن يوصوا لهم عند الموت، أو فيمن أوصي لهم بشيء ثم هلكوا فأمروا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولكل} يعني من الرجال والنساء {جعلنا موالي} يعني ورثة من بني عم وإخوة سائر العصبات {مما ترك} يعني يرثون مما ترك {الوالدان والأقربون} من ميراثهم فعلى هذا الوالدان والأقربون هم المورثون وقيل معناه ولكل جعلنا موالي أي ورثة مما ترك وتكون ما بمعنى يعني من من تركهم الميت ثم فسر الموالي فقال الوالدان والأقربون هم الوارثون. والمعنى ولكل شخص جعلنا ورثة ممن تركهم وهم والداه وأقربوه والقول الأول أصح لأنه مروي عن ابن عباس وغيره {والذين عاقدت أيمانكم} وقرئ عقدت بغير ألف مع التخفيف والمعاقدة المحالفة والمعاهدة والأيمان جمع يمين يحتمل أن يراد بها القسم أو اليد أو هما جميعاً وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد منهم بيد صاحبه وتحالفوا على الوفاء بالعهد والتمسك بذلك العقد. وكان الرجل يحالف الرجل في الجاهلية ويعاقده فيقول دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك وحربي حربك، وسلمي سلمك ترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون لكل واحد من الحليفين السدس في مال الآخر وكان الحكم ثابتاً في الجاهلية وابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} يعني أعطوهم حظهم من الميراث ثم نسخ الله هذا الحكم بقوله وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لما قدموا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون النسب والرحم، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان نسختها ثم قال والذين عاقدت أيمانكم من النصر والرفادة والنصحية وقد ذهب الميراث ويوصي له وفي رواية أخرى عنه. قال والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما كالآخر فنسخ ذلك بسورة الأنفال فقال {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}تفسير : [الأَنفال: 75] وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني بهذه الآية ثم نسخ ذلك وذهب قوم إلى أن الآية ليست بمنسوخة بل حكمها باقٍ والمراد بقوله والذين عاقدت أيمانكم الحلفاء والمراد من قوله فآتوهم نصيبهم يعني من النصرة والنصيحة والموافاة والمصافاة ونحو ذلك فعلى هذا لا تكون منسوخة وقيل نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر أبي بكر الصديق، فقرأت والذين عاقدت أيمانكم فقالت: لا تقرأ والذين عقدت أيمانكم إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى الإسلام فحلف أبو بكر أن لا يورثه فلما أسلم أمره الله أن يؤتيه نصيبه أخرجه أبو داود على هذا فلا نسخ أيضاً فمن قال إن حكم الآية باق قال: إنما كانت المعاقدة في الجاهلية على النصرة لا غير والإسلام لم يغير ذلك ويدل عليه ما روي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" تفسير : أخرجه مسلم. وقوله تعالى: {إن الله كان على شيء شهيداً} قال عطاء: يريد أنه لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ فعلى هذا الشهيد بمعنى الشاهد والمراد منه علمه بجميع الأشياء وقيل الشهيد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه فعلى هذا الشاهد بمعنى المخبر وفيه وعد للطائعين ووعيد للعصاة المخالفين.
ابن عادل
تفسير : "جعلنا" فيه سِتَّةُ أوْجُهٍ، وذلك يَسْتَدْعِي مقدِّمَةً قبله، وَهُوَ أنّ "كُلّ" لا بدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تُضَافُ إليْهِ. قال القُرْطُبِيُّ: "كُلّ" في كلام العربِ مَعْناهَا: الإحَاطَةُ والعموم، فإذا جَاءَتْ مُفْرَدَة، فلا بدَّ وأن يكُونَ في الكَلاَمِ حَذْفٌ عند جميع النحويين". واختلفوا في تقديرهِ: فقيل تقدِيرُهُ: ولكلِّ إنسان. وقيل: لِكُلِّ مال، وقيل: لِكُلِّ قوم، فإنْ كانَ التَّقْديرُ: لكل إنسان، ففيه ثلاثة أوجه: أحدُهَا: وَلِكُلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا موالي، أي: وُرَّاثاً مِمَّا تَرَكَ، ففي "تَرَكَ" ضميرٌ عائد على "كُلّ"، وهنا تمّ الكلام. وقيل: تَقْدِيرُهُ: ويتعلق "مِمَّا تَرَك" بـ "مَوَالي" لما فيه من معنى الوراثة، و"موالي": مَفْعُولٌ أوَّ لـ "جَعَلَ"، و"جَعَلَ" بمعنى: "صَيَّر"، و"لِكُلّ" جار ومجرور هو المفعول الثَّاني، قُدِّم على عامِلِهِ، ويرتفع "الوِلْدَان" على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدّر، أي: يرثون مما [ترك]، كأنه قيل: ومَنْ الوارثُ؟ فقيل: هم الوَالِدَان والأقْرَبُون، والأصل: "وجعلنا لكل ميت وراثاً يرثون مما تركه هم الوالدان والأقربون". والثَّانِي: أنَّ التَّقديرَ: ولكلِّ إنْسَانٍ موروث، جعلنا وراثاً مما ترك ذلك الإنسان. ثُمَّ بين الإنْسَان المضاف إليه "كُلّ" بقوله: {ٱلْوَالِدَانِ}، كأنه قيل: ومن هو هَذَا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربُونَ، والإعراب كما تقدَّمَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ، إنَّمَا الفرقُ بينهما أنَّ الوالِدَيْنِ في الأوَّلِ وارثون، وفي الثانِي مورثون، وعلى هذيْنِ الوجْهَيْنِ فالكلامُ جُمْلَتَانِ، ولا ضميرَ، محذُوف في "جعلنا"، و"موالي" مفعول أول، و"لكل" مفعول ثان. الثَّالِثُ: أن يكُونَ التَّقدِيرُ: ولكل إنسان وارِث ممَّن تركُ الولِدَانِ والأقْرَبُون جعلنا موالي، أي: موروثين، فَيُراد بالمَولى: الموْرُوثُ، ويرتفع "الوالدان" بـ: "ترك"، وتكون "مَا" بمعنى "مَنْ"، والجارّ، والمجرورُ صِفَةٌ للمضاف إليه "كُلّ"، والكلامُ على هذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وفي هذا بُعْدٌ كبير. الرَّابعُ: إذا كان التَّقديرُ وَلِكُلِّ قوْمٍ، فالمعنى: ولكل قوم جعلنهم مَوَالي نصيبٌ مِمَّا تَرَكَهُ والدُهم وأقربوهم، فـ "لكل" خبر مقدّم، و"نَصِيب" مُبْتَدَأٌ مُؤخَّرٌ، و"جعلناهم" صفة لقوم، والضَّمِيرُ العَائِدُ عليهم مفعولُ: "جعل"، و"موالي": إما ثانٍ وإمّا حالٌ، على أنَّهَا بمعنى "خلقنا"، و"مما ترك" صفةٌ للمبتدأ، ثم حُذف المُبْتَدَأ، وبقيت صفته، [وحُذِفَ المُضَافُ إليه "كُلّ" وبقيت صفته أيضاً]، وحُذف العَائِدُ على المَوْصُوفِ. ونظيره: لِكُلِّ خَلَقَهُ اللَّه إنْسَاناً مِنْ رِزْقِ اللَّه، أي: لِكُلِّ أحدٍ خلقه اللَّه إنْسَاناً نَصِيبٌ من رزقِ اللَّهِ. الخَامِسُ: إنْ كَانَ التَّقدِيرُ: ولكلِّ مالٍ، فقالوا: يكون المعنى: ولكلِّ مال مِمَّا تركه الوالدانِ والأقربون جعلنا موالي، أي: وُرَّاثاً يلونه، ويحوزونه، وجعلوا "لِكُلّ" متعلقة: بـ "جَعَلَ"، و"مِمَّا ترك" صفة لـ "كُلّ"، والوالدان فَاعِلٌ بـ "تَرَكَ"، فيكونُ الكلامُ على هذا، وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإنْ كَانَ حَسَناً، إلاّ أنَّ فيه الفَصْلَ بين الصِّفَةِ والموْصُوفِ بجملةٍ عامِلَةٍ في الموْصُوفِ. قاتل أبُو حَيَّان: "وهو نظير قولك: بكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تميميٍّ وفي جواز ذلك نَظَرٌ". قال شهَابُ الدِّينِ: "ولا يحتَاجُ إلى نَظَرٍ؛ لأنَّهُ قد وُجِدَ الفصلُ بَيْنَ الموْصُوفِ والصِّفَةِ بالجملةِ العَامِلَةِ في المُضَافِ إلى المَوصُوفِ، كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 14] فـ {فَاطِرِ} صفة لـ {ٱللَّه}، وقد فُصِلَ [بينهما] بـ {أَتَّخِذُ} العامل في {أَغَيْرَ} فهذا أولى". السَّادسُ: أنْ يكُونَ لكلِّ [مال] مفعولاً ثانياً لـ "جعَلَ" على أنَّها تصييرية، و"مَوَالي" مفعول أوَّل، والإعرابُ على ما تقدَّمَ. فصل "المَولى" لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ: أحدها: المعتِقُ؛ لأنَّهُ ولي نعمة من أعتقه، ولذلك سمي مولى النعمة. ثانيها: الْعَبْدُ المُعْتَقُ لاتِّصَالِ ولايَةِ مَوْلاَهُ به في إنْعَامِه عليه، وهذا كما سُمِّيَ الطَّالِبُ غرِيماً؛ لأنَّ له اللُّزُوم والمطالبة بحقِّه، ويسمَّى المطلوب غريماً، لِكونِ الدِّينِ لازِماً له. وثالثها: الحليفُ؛ لأنَّ المحالف يلي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمينِ. ورابعُهَا: ابْنُ العَمِّ؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ. وخامسها: المولى لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ، قال تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} تفسير : [محمد: 11]. سادسُهَا: العَصَبَةُ، وهو المُرادُ بهذه الآية؛ لقوله عليه السلامُ: "حديث : أنا أوْلَى بالمؤمنينَ، مَنْ مَات وتَرَكَ مالاً، فَمَالُهُ لمَوَالِي الْعَصَبَةِ، ومَنْ ترك ديناً؛ فأنَا وَلِيُّه ". تفسير : وقال عليه السلامُ: "حديث : ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فللأوْلَى عصبَةٍ ذكر ". تفسير : قوله {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ} في محلّهِ أربعة أوجهٍ: أحدُهَا: أنَّهُ مُبْتدأ والخبر قوله: "فآتوهم" [ودخلت الفاء في الحيز لتضمن الذي معنى الشرط]. الثَّاني: أنَّهُ منصوبٌ على الاشْتِغالِ بإضمار فعلٍ، وهذا أرجحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَعْدَهُ طلباً. والثَّالِثُ: أنَّهُ مرفوعٌ عطفاً على {ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ}، فإن أريدَ بالوالدين أنَّهُم موروثون، عادَ الضَّميرُ من "فآتوهم" على "موالي" وإن أُريد أنَّهُم وَارِثُون جازَ عودُه على "موالي" وعلى الوالدَيْنِ وما عُطِفَ عليهم. الرَّابِعُ: أنَّهُ منصوب عطفاً على "موالي". قال أبُو البَقَاءِ: [أي:] "وجعلنا الذين عاقدتْ وُرّاثاً؛ وكان ذلك ونسخ"، وردّ عليه أبُو حَيَّان بِفَسَادِ العطْفِ، قال: فإن جُعِل من عطْفِ الجُمَل، وحُذِفَ المفعولُ الثَّاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أيْ: جعلنا وُرَّاثاً لكلِّ شَيْءٍ من المال، أو لِكُلِّ إنسان، وجَعلنَا الذِينَ عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً وفيه بعد ذلِكَ تَكَلُّفٌ. انتهى. وقرأ عاصمٌ وحمْزَةُ والكسَائِيُّ: "عقدت" والباقون: "عاقدت" بألف وروي عن حمزة التَّشديد في "عقدت"، والمفاعلة هنا ظَاهِرَةٌ؛ لأنَّ المَرَادَ المخالفة. والمفعولُ محذوفٌ على كُلٍّ من القِرَاءاتِ، أي: عاقدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم، ونسبة المُعاقَدَةِ، أو العَقْدِ إلى الأيمان مجاز، سوَاءٌ أُريد بالأيْمَانِ الجَارِحَة، أم القَسمُ. وقيل: ثمَّ مُضافٌ محذوفٌ، أي: عقدت ذَوُو أيْمَانِكُم. فصل في: "معنى المعاقدة والأيمان" المُعَاقَدَةُ المُحالَفَةُ، والأيْمَانُ جمع يَمينٍ من اليد والقسَمِ، وذلك أنَّهُم كانُوا عند المُحالَفَةُ يأخذُ بعضهُمُ يدَ بَعْضٍ، على الوفَاءِ [والتمسك] بالعهد. فصل الخلاف في نسخ الآية قال بعضهم: إنَّ هذه الآية مَنْسُوخَةٌ، واسْتدلُّوا على ذلك بوجوه: أحدها: أنَّ الرَّجُلَ كان في الجاهلِيَّةِ يُعَاقِدُ غيْرَهُ، فيقُولُ: "دَميَ دمُكَ وسِلْمِي سِلْمُك، وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وترثُنِي وَأرِثُك، وَتَعْقِلُ عَنِّي، وأعْقِلُ عنك"، فيَكُونُ لهذا الحليف السّدس [من] الميراثِ، فذلك قوله: "فآتوهم نصيبهم"، فنُسِخ ذلك بقوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75]، وبقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11]. وثانيها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يتَّخِذُ أجنبياً فيجعله ابْناً له، وَهُمُ المُسَمُّوْنَ بالأدْعِيَاء في قوله تعالى: {أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ}، وكانوا يتوارثون بذلك، ثم نُسِخَ. وثالِثُهَا: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُثْبِتُ المؤاخاة بيْنَ الرَّجلين مِنْ أصحابِهِ، وكان ذلك سَبَباً للِتَّوَارُثِ، ثم نسخ. وقال آخرُونَ: الآيةُ غير مَنْسُوخَةٍ. وقال إبْراهيمُ ومُجاهِدٌ: أرادَ: "فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ولا ميراث". وقال الجبَّائِيُّ: تقدير الآية: "ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون"، {والذين عاقدت أيمانكم} معطوف على قوله: {الوالدان والأقربون}، وسمى اللَّهُ تعالى الوارث مولى، والمعنى: لا تَدفعُوا المالَ إلى الحليفِ، بل للمولى، والْوَارِثِ. وقال آخرون: المُرادُ بـ {الذين عاقدت أيمانكم} الزَّوْجُ، والزَّوْجَةُ، فأراد عقد النِّكاح قال تعالى {أية : وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} تفسير : [البقرة: 235] وهو قول أبِي مُسْلِم الأصفهانيَّ قال: ونظيره آية المواريث، لما بَيَّنَ آية ميراث الوالدَيْنِ، ذكر معهم ميراثَ الزَّوْجِ، والزَّوْجَةِ. وقيل: أراد بقوله: {الذين عقدت أيمانكم}: الميراث بِسَبَبِ [الوَلاَء] وقيل: "نزَلَتِ الآيةُ في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق، وابنه عبد الرَّحْمن، أمره اللَّه أن يؤتيه نَصِيبَهُ". وقال الأصمُّ: المُرادُ بهذا النَّصِيب على سبيل الهِبَةِ، والهديَّة بالشيءِ القَلِيلِ كأمره تعالى لمن حَضَرَ القِسمَةَ أن يجعل لَهُ نصيباً كما تقدّم. فصل الخلاف في إرث المولى الأسفل من الأعلى قال جمهور الفُقَهَاءِ: "لا يَرثُ المَولى الأسْفَل من الأعلى". وحكى الطَّحَاوِيُّ عن الحسن بنِ زيادٍ أنَّهُ قال: "يَرِثُ"، لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّ رجُلاً أعتق عبداً له؛ فَمَاتَ المُعْتِق، ولم يترك إلا المُعتَق، فجعل رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق ولأنَّهُ داخلٌ في عموم قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}. وأجيب بأنه لَعَلّ ذلك لما صار لبيت المال دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغُلامِ لحاجته، وفقره؛ لأنه كانَ مالاً لا وارث لَهُ، فَسَبيلُهُ أن يُصرف إلى الفُقَرَاءِ. ثم قال تعالى[ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : [النساء: 48] ثم قال] {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}، وهذه كلمة وعد للمطيعين، ووعيد لِلْعُصَاةِ، والشَّهِيدُ الشَّاهد، والمرادُ إمّا علمه تعالى بجميع المَعْلُومَاتِ، فيكونُ المُرَادُ بالشَّهيدِ العالم، وإمّا شهادته على الخلق يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرَادُ بالشَّهيدِ المخبر.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس {ولكل جعلنا موالي} قال: ورثة {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت، ثم قال {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس {ولكل جعلنا موالي} قال: عصبة {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} تفسير : [الأحزاب: 6] يقول: إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وهو المعروف. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {ولكل جعلنا موالي} قال: الموالي. العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسماً. فقال الله {أية : فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} تفسير : [الأحزاب: 5] فسموا الموالي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام نسختها هذه الآية {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب: 6] ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرث كل واحد منهما صاحبه، وكان أبو بكر عاقد رجلاً فورثه. وأخرج أبو داود وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ في ذلك في الأنفال فقال: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : [الأحزاب: 6]. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال فقال: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} فقذف ما كان من عهد يتوارث به وصارت المواريث لذوي الأرحام. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعاً ليس له شيء. فأنزل الله {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} فكان يعطي من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {والذين عقدت أيمانكم} الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم {فآتوهم نصيبهم} إذا لم يأت رحم يحول بينهم. قال: وهو لا يكون اليوم، إنما كان نفر آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وانقطع ذلك، وهذا لا يكون لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار، واليوم لا يؤاخى بين أحد. وأخرج ابن جرير والنحاس عن سعيد بن المسيب قال: إنما أنزلت هذه الآية في الحلفاء، والذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم. فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذم الرحم والعصبة. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس عن مجاهد {ولكل جعلنا موالي} قال: العصبة {والذين عقدت أيمانكم} قال: الحلفاء {فآتوهم نصيبهم} قال: من العقل والنصر والرفادة. وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت يتيمة في حجر أبي، فقرأت عليها {والذين عقدت أيمانكم} فقالت: لا ولكن {والذين عقدت أيمانكم} إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم أمره الله أن يورثه نصيبه. وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد، أنه كان يقرأ "عقدت أيمانكم". وأخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {والذين عقدت} خفيفة بغير ألف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: "حديث : كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم فيعقدون له، أنه رجل منهم إن كان ضراً أو نفعاً أو دماً فإنه فيهم مثلهم، ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان أنت منا فانصرنا، وإن كانت منفعة قالوا: أعطنا أنت منا، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضاً إن استنصر، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذين يأخذون منه. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه وتحرجوا من ذلك وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية. فأنزل الله {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} قال: أعطوهم مثل الذين تأخذون منهم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي مالك {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} قال: هو حليف القوم يقول: أشهدوه أمركم ومشورتكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد الفتح "حديث : فوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير والنحاس عن جبير بن مطعم. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حلف في الإسلام، وتمسكوا بحلف الجاهلية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رفعه "حديث : كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا جدة وشدة ".
ابو السعود
تفسير : {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} جملةٌ مبتدأةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها، ولكلَ مفعولٌ ثانٍ لجعلنا قُدّم عليه لتأكيد الشمولِ ودفعِ توهُّمِ تعلقِ الجعلِ بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى: {أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة، الآية 48] أي ولكل تركةٍ جعلنا ورثة متفاوتةً في الدرجة يلونها ويُحرِزون منها أنصباءَهم بحسب استحقاقِهم المنوطِ بما بـينهم وبـين المورِّثِ من العلاقة، ومما ترك بـيانٌ لكلَ قد فُصل بـينهما بما عَمِل فيه كما فُصِل في قوله تعالى:{أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام، الآية 14] بـين لفظِ الجلالةِ وبـين صفتِه بالعامل فيما أضيف إليه أعني غيرَ، أو لكل قومٍ جعلناهم مواليَ أي وارثٍ نصيبٌ معينٌ مغايرٌ لنصيب قومٍ آخرين مما ترك الوالدان والأقربون، على أن جعلنا مواليَ صفةٌ لكلَ، والضميرُ الراجعُ إليه محذوفٌ والكلامُ مبتدأٌ وخبرٌ على طريقة قولك: لكلِّ مَنْ خلقه الله إنساناً من رزق الله أي حظٌّ منه. وأما ما قيل من أن المعنى لكل أحدٍ جعلنا موالي مما ترك أي وُرّاثاً منه ــ على أن مِنْ صلةُ موالي لأنه في معنى الوارثِ وفي ترَك ضميرٌ مستكنٌّ عائدٌ إلى كل، وقولُه تعالى: {ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} استئنافٌ مفسرٌ للموالي كأنه قيل: مَنْ هم؟ فقيل: الوالدانِ ــ ففيه تفكيكٌ للنظم الكريمِ لأن ببـيان الموالي بما ذُكر يفوتُ الإبهامُ المصحِّحُ لاعتبار التفاوتِ بـينهم وبه يتحقق الانتظامُ كما أشير إليه في تقرير الوجهين الأولَيْن مع ما فيه من خروج الأولادِ من الموالي، إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناول الوالدين. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} هم موالي الموالاةِ، كان الحليفُ يرِثُ السدسَ من مال حليفِه فنُسخ بقوله تعالى: {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } تفسير : [الأنفال، الآية 75. وسورة الأحزاب، الآية 6] وعند أبـي حنيفة رحمه الله إذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أن يرثَه ويعقِلَ عنه صح وعليه عقْلُه وله إرثُه إن لم يكن له وارثٌ أصلاً، وإسنادُ العقدِ إلى الأَيْمان لأن المعتادَ هو المماسحةُ بها عند العقدِ، والمعنى عقَدَتْ أَيمانُكم عهودَهم فحُذف العهودُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه ثم حُذف، وقرىء عقّدتْ بالتشديد وعاقدَتْ بمعنى عاقدتْهم أيمانُكم وماسحتُموهم وهو مبتدأٌ متضمِّنٌ لمعنى الشرطِ، ولذلك صُدِّر الخبرُ أعني قولَه تعالى: {فَآتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ} بالفاء، أو منصوبٌ بمضمر يفسّره ما بعده كقولك: زيداً فاضرِبْه، أو مرفوعٌ معطوفٌ على الوالدان والأقربون، وقوله تعالى: {فَـئَاتُوهُمْ} الخ، جملةٌ مبـيِّنةٌ للجملة قبلها ومؤكِّدةٌ لها والضميرُ للموالي {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء} من الأشياء التي من جملتها الإيْتاءُ والمنعُ {شَهِيداً} ففيه وعدٌ ووعيد.
القشيري
تفسير : جعل المعاقدة في ابتداء الإسلام نظيرةَ النَّسَبِ في ثبوت الميراث بها فَنَسَخَ حكم الميراث وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنُّك بالمعاهدة مع الله؟ قال الله تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23]. وأنشدوا: شعر : إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى وجدوا المنيَّةَ منهلاً معسولا
اسماعيل حقي
تفسير : {ولكل} اى لكل تركة ومال {جعلنا موالى} جمع مولى اى ورثة متفاوتة فى الدرجة يلونها ويحرزون منها انصباءهم بحسب استحقاقهم المنوط بما بينهم وبين المورث {مما ترك الوالدان والاقربون} بيان لكل مع الفصل بالمعامل وهو جعلنا لان لكل مفعول ثان له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل بالبعض دون البعض. والموالى هم اصحاب الفرائض والعصبات وغيرهما من الوارث ويجوز ان يكون المعنى ولكل قوم جعلناهم موالى اى وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك الوالدان والاقربون على ان جعلنا موالى صفة لكل والضمير الراجع اليه محذوف والكلام مبتدأ وخبر على طريقة قولك لكل من خلقه الله انسانا نصيب من رزق اى حظ منه {والذين عقدت ايمانكم} هم موالى الموالة كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : [الأنفال: 75]. وعند ابى حنيفة اذا اسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على ان يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله ارثه ان لم يكن له وارث اصلا فهو مؤخر عن ذوى الارحام واسناد العقد الى الايمان لان المعتاد المماسكة بها عند العقد والمعنى عقدت ايمانكم عهودهم حذف العهود واقيم المضاف اليه مقامه ثم حذف وهو مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر اعنى قوله تعالى {فآتوهم نصيبهم} بالفاء اى حظهم من الميراث {ان الله كان على كل شىء} من الاشياء التى من جملتها الايتاء والمنع {شهيدا} اى شاهدا ففيه ترغيب فى الاعطاء وتهديد على منع نصيبهم. قال بعضهم المراد {من الذين عقدت ايمانكم} الحلفاء والمراد بقوله {فآتوهم} النصرة والنصيحة والمصافاة فى العشرة والمخالصة فى المخالطة. فعلى كل احد ان ينصر اخاه المؤمن ويخالطه على وجه الخلوص والنصيحة لا على النفاق والعداوة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". شعر : بنى آدم اعضاى يكديكرند كه در آفرينش زيك جوهرند جوعوضى بدرد آوردروز كار د كر عضو هارا نماند قرار توكز محنت ديكران بى غمى نشايد كه نامت نهند آدمى تفسير : فالواجب ان يجب المرء للناس ما يجب لنفسه من الخير وينصح لهم فى ظاهر الامر فان النصيحة عماد الدين ويزيل ما يوجب التأذى عن ظاهرهم واعمالهم بالموعظة والزجر اى المنع عما لا يليق ويعاملهم بالرحمة والشفقة ولا يذكر احدا بما يكره فان ملكا وكل بالعبد يرد عليه ما يقول لصاحبه ولا يستبشر بمكروه احد كائنا من كان شعر : مكن شادمانى بمرك كسى كه دهرت نماند بس ازوى بسى تفسير : ويتودد الى الناس بالاحسان الى برهم وفاجرهم والى من هو اهل الاحسان والى من ليس باهل له ويتحمل الاذى منهم وبه يظهر جوهر الانسان شعر : تحمل جو زهرت نمايد نخست ولى شهد كردد جو در طبع رست تفسير : ويجعل من شتمه او جفاه او آذاه ايذاء فى حل منه ولا يطمع فى السلامة من اذاهم فانه محال فان الله لم يقطع لسان الخلق عن نفسه فكيف يسلم مخلوق من مخلوق ـ روى ـ ان موسى عليه السلام قال آلهى اسألك ان لا يقال لى ما ليس فى فاوحى الله اليه ما فعلت ذلك لنفسى فكيف افعل لك ويقوم بحاجات الناس ومهماتهم ففى الحديث "حديث : من سعى فى حاجة لأخيه المسلم لله وله فيها صلاح فكأنما خدم الله ألف سنة وييسر على المعسر تيسيرا ويفرج عن الغموم فان الله تعالى فى عون العبد ما دام العبد فى عون اخيه المسلم " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ان من موجبات المغفرة ادخال السرور على قلب أخيك المسلم " .تفسير : قال الشيخ نجم الدين الكبرى فى قوله تعالى {والذين عقدت ايمانكم} يعنى الذين جرى بينكم وبينهم عقد الاخوة فى الله بان اخذتم بايمانكم ايمانهم بالارادة وصدق الالتجاء وتابوا على ايديكم {فآتوهم} بالنصح وحسن التربية والاهتمام بهم والقيام بمصالحهم على شرائط الشيخوخة والتسليك بهم {نصيبهم} الذى اودع الله تعالى لهم عندكم بعلمه وحكمته {ان الله كان على كل شىء} من الودائع اينما اودعه ولمن اودعه {شهيدا} يشهد عليكم يوم القيامة ان يخونوا فى اعطاء ودائهم بالخيانة ويسألكم عنها ويشهد لكم بالامانة ويجازيكم عليها خير الجزاء انتهى فالكاملون لا يخونون فى الامانات بل يسلمون الودائع الى الارباب بحسب الاستعدادات ولا يفشون السر الى من ليس له اهلية فى هذا الباب والا يلزم الخيانة فى اسرار رب الارباب: قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره شعر : عارفانكه جام حق نوشيده اند رازها دانسته وبوشيده اند هركرا اسرار كار آموختند مهر كردندو دهانش دوختند برلبش قلست ودردل رازها لب خموش و دل براز آوازها كوش آن كس نوشد اسرار جلال كوجو سوسن صد زبان افتادولال تانكوئى سر سلطانرا بكس تانزيزى قندرا بيش مكس درخور دريا نشد جزمرغ آب فهم كن والله اعلم بالصواب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: التنوين في "كل": للعوض، و {مما ترك} بيان للمعوض منه، أي: ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي: أي: ورثة، وهم الذرية والعصبة يرثون من ذلك المال، والوالدان على هذا فاعل، ويحتمل أن يكون مبتدأ والتنوين عوض عن الميت الموروث، أي: ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون مما ترك ذلك الميت، وهم الوالدان والأقربون فيوقف على {ترك}، و {مما} يتعلق بمحذوف، و {الذين} مبتدأ، و {فآتوهم} خبر، دخلت الفاء لما في المبتدأ من العموم. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولكل ميت جعلنا وَرَثَة يرثون {مما ترك} ذلك الميت، وهم {الوالدان والأقربون}، أو لكل تركة جعلنا لها {موالي} أي: ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، {والذين عقدت أيمانكم} وهم موالي الحِلف، كانوا يتحالفون في الجاهلية على النصرة والمؤازرة، يقول الرجل لآخر: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك. فيضرب بعضهم على يد الآخر في عقد ذلك الحلف. فلذلك قال: {عقدت أيمانكم} فكان في أول الإسلام يرث من حليفه السدس، وإليه أشار بقوله: {فآتوهم نصيبهم}، ثم نسخ. وقيل: نزلت في المؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان يرث السدس، ثم نُسخ بقوله { أية : وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}تفسير : [الأنفال:75]. وعن أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. وقال ابن عباس: آتوهم نصيبهم من النصرة التي تعاقدوا عليه، فيُوفي لهم بها، فلا نسخ. {إن الله كان على كل شيء شهيدًا}، هو تهديد لم تعدى الحدود، ونقض العهود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولكل زمان جعلنا أولياء كبراء، يرثون مما ترك أشياخهم من خصوصية الولاية وسر العناية، إلى يوم القيامة؛ فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة ويظهر المحجة، فيقال لهم: والذين عقدت أيمانكم في الصحبة معكم، فظهر صدقهم، وبانت خدمتهم، فآتوهم نصيبهم مما خصكم الله به من سر الولاية ولطف العناية، {إن الله كان على كل شيء شهيدًا}، لا يخفى عليه من يستحق الخلافة ويرث سرَ الولاية. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة، والاعراب، والحجة: قرأ أهل الكوفة {عقدت} بغير ألف، الباقون بألف، فمن قرأ باثبات الالف، قال: لأن المعاقدة تدل على عقد الحلف باليمين من الفريقين، وقال بعضهم إنه يعني عن ذلك جميع الأيمان، قال الرماني: هذا خطأ، لأنها قد تجمع لردها على أحد الفريقين الحالف بها، قال أبو علي الفارسي: الذكر الذي يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون منصوباً، فالتقدير: والذين عاقدتم أيمانكم، فجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فعاقدت أشبه بهذا المعنى، لأن لكل نفس من المعاقدين يميناً على المحالفة. ومن قال: {عقدت أيمانكم} كان المعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف الحلف، وأقام المضاف إليه مقامه، والأولون حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين، ومن قال: {عقدت} حمل على اللفظ، لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، وإنما أسند إلى الأيمان. المعنى واللغة: ومعنى الآية جعلنا الميراث لكل من هو مولى الميت، والموالي المذكورون في الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: هم العصبة، وقال السدي: هم الورثة: وهو أقواها، والتقدير ولكلكم جعنا ورثة مما ترك الوالدان والأقربون، ثم استأنف: والذين. وأصل الموالي من ولي الشيء يليه ولاية، وهو الاتصال للشيء بالشيء، من غير فاصل، والمولى على وجوه: فالمولى المعتق، والمولى المعتق، والمولى العصبة، والمولى إبن العم، والمولى الحليف، والمولى الولي، والمولى الأولى بالشيء والاحق. فالمعتق مولي النعمة بالعتق، والمعتق لأنه مولى النعمة، والمولى الورثة، لأنهم أولى بالميراث، والمولى الحليف، لأنه يلي المحالف أمره بعقد اليمين، والمولى إبن العم، لأنه يلي النصرة لتلك القرابة، والمولى الولي، لأنه يلي بالنصرة. وفي التنزيل: {أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} تفسير : أي لا ناصر لهم، وهو ناصر المؤمنين، والمولى السيد. لأنه أولى بمن يسوده. قال الاخطل: شعر : فاصبحت مولاها من الناس كلهم وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا تفسير : والمولى الأولى والأحق، ومنه قوله (ع): "حديث : أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل" تفسير : أي بغير إذن من هو أولى بها وأحق. وقال الفضل ابن العباس في المولى بمعنى ابن العم: شعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهرون لنا ما كان مدفونا تفسير : والمراد بقوله: {والذين عاقدت أيمانكم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: إنهم الحلفاء. الثاني - قال الحسن، وسعيد بن المسيب: هم رجال كانوا يتبنون، على عادة الجاهلية. ليجعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا، فذهب نصيبهم بهلاكهم. الثالث - في رواية أخرى عن ابن عباس، وابن زيد انهم قوم آخى بينهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). والاول أقوى وأظهر في أقوال المفسرين. وقال أبو مسلم: أراد بذلك عقد المصاهرة والمناكحة. وقال أبو علي: الحليف لم يؤمر له بشيء أصلا، لأنه عطف على قوله {ترك الوالدان والأقربون} أي: وترك الذين عاقدت أيمانكم، فآتوا كلا نصيبه من الميراث. وهذا ضعيف لأنه يفيد التكرار، لأن قوله: {الوالدان والأقربون} عام في كل أحد. وعلى ما قال المفسرون، يكون قوله: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان} إذا كانوا مناسبين له، ثم استأنف حكم الحلفاء، فقال: {فآتوهم نصيبهم}. فان قيل: بم يتصل قوله: {مما ترك الوالدان} وما العامل فيه؟ قيل فيه قولان: أحدهما - يتصل بـ "موالي" على جهة الصفة، والعامل الاستقرار، كأنه قال: موالي مما خلف الوالدان والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الورثة. الثاني - يتصل بمحذوف، والتقدير: موالي يعطون مما ترك الوالدان والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الميراث. وقال أبو علي الجبائي تقديره: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارث من الميراث. قال الرماني: وهذا لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف بما عمل في الموصوف، نحو: لكل رجل - جعلت درهما - فقير. والنصيب الذي أمر به للحليف قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: انه نصيب على ما كانوا يتوارثون بالحلف في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بقوله: {وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والسدي: انه النصيب من النصرة والنصيحة دون الموارثة، فعلى هذا الآية غير منسوخة. وروي عنه أنه قال: لا حلف في الاسلام، فأما ما كان في الجاهلية فلم يزده الاسلام إلا شدة. وقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيداً} أي: شاهداً، وذلك دالّ على أنه عالم به، لأنه لا يشهد إلا بما علم.
الجنابذي
تفسير : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} مخصوصة في الارث اى اقارب مخصوصة او ذوى نسب مخصوصة نتفضّل عليهم باستحقاق نسبة القرابة او نسبة العقد يرثون {مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} عقد الملك او عقد ضمان الجريرة او عقد الاسلام والايمان يعنى اذا لم يكن قريب نسبىّ فالمولى المعتق بالتّفصيل الّذى ذكر فى الفقه، فان لم يوجد فضامن الجريرة، فان لم يوجد فالنّبىّ (ص) او الامام (ع), وعلى ما بيّناه فلا حاجة الى القول بالنّسخ فى الآية كما قيل انّه كان الرّجل يعاقد الرّجل بنحو عقد ضمان الجريرة فيكون للحليف السّدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله تعالى: واولوا الارحام بعضهم اولى بعضٍ {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} المقرّر فانّ لهم استحقاقاً وكسباً {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} فيشهد دقائق الاستحقاق بحسب النّسب واتى هنا بشهيداً وهناك بعليماً لدقّة الكيفيّة الحاصلة من النّسب كأنّها لا يمكن تمييزها الاّ بالمشاهدة فانّ العلم فى الاغلب يستعمل فى كلّيّات الامور وفى العمل الحصولىّ والشّهود فى جزئيّات الامور والعلم الحضورىّ.
اطفيش
تفسير : {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}: لكل متعلق بمحذوف مفعول ثان، لجعل، أو يتعلق يجعل على أنه مفعولاً واحدا أى اثبتا، وموالى جمع مَوْلى بمعنى مَن يلى التركة بأن يأخذها بالإرث، وتقدير الإضافة هكذا: ولكل تركه جعلنا موالى، أى وراثا، ومما بيان لتركه، المحذوف للتبعيض وهو متعلق بمحذوف نعت لتركة، وفصل بين البيان والمبين بما ليس أجنبيا، والوالدن فاعل ترك، ويجوز أن يقدر ولكل ميت جعلنا موالى، أى وارثا مما ترك فى هذا الوجه تتعلق من موالى لانه يتضمن معنى وارث، وهى للابتداء، فعلى هذا يكون فى ترك حصر يعود إلى كل ميت، ويكون الوالدن مبتدأ خبره {آتوهم} وما بعده معطوف عليهِ، لكن فى هذا الوجه الإختيار بالأمر، ويصح الاشتغال لرفع {الأَقْرَبُون} أو الوالدان مبتدأ خبره محذوف، أى سواء الوالدان والأقربون وفى هذين الوجهين فى إعراب الوالدان الأخيرين، بيان لموالى، وفيهما خروج الأولاد فإن {الأَقْرَبُون} لايتناولهم، كمالا يتناول الوالدان، وكذلك إذا جعلنا الوالدن خبر المحذوف، أى هم الوالدان والأقربون، ويجوز أن يقدر "ولكل قوم جعلناهم موالى "حظ" مما ترك الوالدان والأقربون" فيكون لكل متعلقا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ هو لفظ "حظ" حذف وبقى نعته ونعته هو قوله {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} وجملة جعلنا موالى، نعت قوم، والرابط محذوف أى ولكل قوم جعلناهم موالى حظ مما ترك الوالدان، والأقربون كما علمت، قال ابن عباس الموالى هنا العصبة والورثة، وكذا قال غيره وعبارة بعض أن الموالى العصبة. {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} الذين مبتدأ خبره جملة الأمر بعده، زيدت الفاء بعده لشبهه باسم الشرط، أو منصوب على الاشتغال وزيدت الفاء فى المشغول لذلك أيضاً، أو معطوف على الوالدان، أو على الأقربون، وفى الوجهين السلامة على الإخبار بالطلب، وعلى الاخبار فالهاء للموالى، والجملة عليهِ مسببه عن الجملة المتقدمة، مؤكدة لها، والمعاقدة المحالفة والمعاهدة، وهى مفاعلة على بابها يعاهد كل من الرجلين الآخرَ عَلى أن عدوّ كل مِنا عدو للآخر، وحربُه، سلمهُ سلمهُ. والإيمانِ جمع يمين، بمعنى اليد اليمنى، أو بمعنى الحلف، وأسند المعاقدة إلى الأيدى لأنهم يتما سكون، بأيديهم اليمنى عند المعاقدة قصد الالتزام بالوفاء أو إلى الحلف، لأن العقد يؤكد به، فكان اليد أو الحلف هو المعاقد، ورابط الموصول محذوف، أى عاقدتهم إيمانكم، على حذف مضاف، أى عاقد عهودهم إيمانكم بنصب عهود وقرأ الكوفيون بإسقاط ألف عاقدت بتشديد القاف وإسقاط الألف، وهو مبالغة، فالذى عاقدت إيمانكم هم الخلفاء، يتوارثون بالحلف، والنصرة وكذا يعقد كل على الآخر، وذلك فى الجاهلية، وصدر الإسلام، وكان الحليف يرث السدس من مال حليفة، فنسخ بآيات الإرث بقوله تعالى: {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : فلو حالف ولم يترك وارثا ولا رحما لكان لحليفه السدس بلا نسخ، وقال أبو حنيفة الذين عاقدت إيمانكم أن يسلم الرجل من أهل الحرب فيقول للذى أسلم فى يديه: "واليتك على" أى أن مت فميراثى لك، وإن جنيت فعقلى عليك، وعلى عاقلتك فيقبل الآخر، فإذا جنى المولى الأسفل فعقله على عاقلة المولى الأعلى ولا يرث إلا أسفل منه ويرث الأعلى من الأسفل، إن لم يكن للأسفل وارث غيره. وعلى القولين ذكر الله ميراث القرابة والأزواج، ثم ذكر ميراث الحليف، وأجيز أن يراد بالذين عاقدت إيمانكم الأزواج الذكور والإناث فتكون المعاقدة، عقدة النكاح لأن الرجل عقدها والمرأة والوالى عقداها، فذلك مفاعلة لو "عقد" على الآخر عقدة لنفسه، وعقد نفسه لهُ والولى عقدها لهُ، وألزمه بها، والمشهور فى الآية أنها فى إرث المتحالفين كما فسرت به أولا وهو أنسب بالمعاقدة والإيمان، وبه قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن، وفى رواية عن ابن عباس المراد الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم كانوا يتوارثون بهذه الآية ثم نسخ بأولى الأرحام وعن سعيد بن المسيب المراد الذين كانوا يتبنون. ثم نسخ إرثهم بأولى الأرحام وقيل النسخ فى ذلك كله بقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} ولا نسخ إذا فسرنا الآية بالأزواج وكذا الانسخ إذا فسرنا الذين عاقدت أيمانكم بالمتحَالفين والنصيِب بالنصيب من النصرة، على الإسلام، والوفاء بحق الأخوة الإسلامية، وكذا إذا قيل إن الحلف فى الجاهلية كان على النصرة لا غير، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"تفسير : أى بأن تكون النصرة بعد الإسلام على الإسلام، روى أنه صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال: "حديث : ما كان من حلف فى الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لن يزده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً فى الإسلام" تفسير : ولفظ مسلم عن جبير بن مطعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حلف فى الإسلام وإنما حلف كان فى الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة"تفسير : ، وكذا إن قلنا نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر: أبى الإسلام فحلف أبو بكر لا يورثه، فأسلم فنزلت الآية ذكرت ذلك لداود بن الحصين أم سعد بنت الربيع، كانت يتيمة فى حجر أبى بكر الصديق. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً} رقيباً عليه لا يخفى عنه، قاله عطاء وقيل: يشهد على الخلق يوم القيامة، بما فعلوا فى الدنيا وهو تهديد ووعيد على مخالفة أمر الله من ترك إعطاء النصيب وغير ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَلِكُلٍّ} من الرجال والنساء، الموتى، أو يموتون بعد، أو لكل مال، أو تركة، قيل: أو لكل قوم، ولا يصح إلا لمعنى أنواع الوارثين {جَعَلْنَا مَوَالِىَ} ورثة مالكين عاصبين كالإخوة والأعمام وبنيهم {مِمَّا تَرَك الوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ} تتعلق بموالى، لتضمنه معنى وارث، وفى ترك ضمير كل والوالدان خبر لمحذوف، أى هم الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون وراثون، وهذا التفسير لا يشمل الأولاد فإن الأقرب لا يتناولهم فى عرف الشرع، كما لم يتناول الوالدين فعطف الأقربون على الوالدان، أو جملة جعلنا موالى نعت كل، أو نعت ما أضيف إليه كل، والرابط بين الصفة والموصوف محذوف، أى ولكل قوم جعلناهم موالى، أى وراثاً، فيكون لكل على هذا خبر، والمبتدأ محذوف، أى نصيب مما ترك، والوالدان فاعل ترك، فالوالدان والأقربون موروثون، ويجوز أن يكون المعنى ولكل تركة جعلنا ورثة، فقوله مما ترك بيان لكل، لأن كل تركة هو ما ترك، فالوالدان فاعل ترك أيضاً، ولا يلزم أن يكون لكل ميت وارث، فضلا عن أن يكون من الوالدين والأقربين، وقد يكون للميت والدان وأقربون وقد يكون له والدان فقط، أو أقربون فقط، وقد ينتفى من ذلك كله {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ} أى عاقدتم، أى حالفتهم وعاهدتهم أى عاقدت عهودهم، فحذف المضاف وهو مبتدأ خبره آتوهم، قرن بالفاء كاسم الشرط للعموم، أو منصوب على الاشتغال، فيقدر ناصبه مقدما، إذ لا حصر، أو معطوف على الوالدان الموروثين فهاء نصيبهم لموالى، أو على الوالدان الوارثين فالهاء لموالى أو للوالدان وما عطف عليهم، وهو الأقربون والذين عاقدت الخ {أَيْمَانُكُمْ} جمع يمين، بمعنى الحلف أو بمعنى اليد اليمنى، يأخذ كل واحد يد صاحبه، ويحلف، أن دمى دمك، وهدفى هدفك، أعقل عنك وتعقل عنى، وأرثك وترثنى، فيرث منه السدس فى الجاهلية وصدر الإسلام، والهدف بفتحتين أو إسكان الدال الهدر، وإذا وقع بيننا قتيل فهو هدر، وعن ابن عباس: نزلت فيمن آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ويرثون السدس، ونسبة المعاقدة إلى الحلف، أو الأيدى مجاز لعلاقة الآلة، أو يقدر ذوو أيمانكم، أو الذين عاقدت الخ الأزواج، للزوج الإرث من زوجه، أخر ذكرهم عن آية الإرث إلى هنا، فالعقد النكاح، لكن لم تعهد إضافة العقد إلى الأيمان فى النكاح، وقال أبو حنيفة فى رجل يسلم على يد رجل ويعقدان على أنه يرثه ويعقل عنه، وإن كان له وارث لم يرثه {فَآتُوهُمْ نَصِيبهُمْ} أى السدس، ونسخ ذلك بآيات الإرث، ولو تقدم بعضها، أو بقوله {أية : وأولوا الأرحام} تفسير : [الأحزاب: 6، الأنفال: 75] الخ، أو بقوله، {ولكل جعلنا موالى}، وإن قلنا الذين عاقدت الخ هم الأزواج فلا نسخ، والنصيب الثمن، أو الربع، أو النصف، وعن أبى حنيفة، لو أسلم رجل على يد رجل أو يد امرأة أو امرأة على يد أحدهما وعقد أن يتوارثا ويتعاقلا صح، والعقل على المرأة، وروى البخارى وأبو داود والنسائى: آخى النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجر يرث الأَنصارى دون رحمه، فنسخ بقوله: ولكل جعلنا الخ، ونزل: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، أى من الرفادة والنصر، والنصح والإرث ويوصى له {إنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً} فمن لم يؤت النصيب عاقبه.
الالوسي
تفسير : {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} لا بد فيه من تقدير مضاف إليه أي لكل إنسان أو لكل قوم، أو لكل مال أو تركة وفيه على هذا وجوه ذكرها الشهاب نور الله تعالى مرقده: الأول: أنه على التقدير الأول معناه لكل إنسان موروث جعلنا موالي أي وراثاً مما ترك وهنا تم الكلام، فيكون {مّمَّا تَرَكَ} متعلقاً بموالي أو بفعل مقدر، و {مَوَالِىَ} مفعولاً أولا ـ لجعل ـ بمعنى صير، و {لِكُلّ} هو المفعول الثاني له قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل ببعض دون بعض، وفاعل {تَرَكَ} ضمير (كل)، ويكون {ٱلْوَالِدَانِ} مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، والثاني: أن التقدير لكل إنسان موروث جعلنا وراثاً مما تركه ذلك الإنسان، ثم بين ذلك الإنسان بقوله سبحانه: {ٱلْوَالِدَانِ} كأنه قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون وإعرابه كما قبله غير أن الفرق بينهما أن {ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} في الأول: وارثون، وفي الثاني: موروثون، وعليهما فالكلام جملتان، والثالث: أن التقدير ولكل إنسان وارث ـ مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي ـ أي موروثين، ـ فالمولى ـ الموروث و (الوالدان) مرفوع بـ {تَرَكَ } و (ما) بمعنى من، والجار والمجرور صفة (ما) أضيفت إليه كل، والكلام جملة واحدة، والرابع: أنه على التقدير الثاني معناه، ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب ـ مما تركه والداهم وأقربوهم ـ، فلكل خبر نصيب المقدر مؤخراً وجعلناهم صفة قوم؛ والعائد الضمير المحذوف الذي هو مفعول جعل، وموالي: إما مفعول ثان أو حال و {مّمَّا تَرَكَ} صفة المبتدأ المحذوف الباقي صفته كصفة المضاف إليه وحذف العائد منها. ونظيره قولك: لكل من خلقه الله تعالى إنساناً من رزق الله تعالى، أي لكل واحد خلقه الله تعالى إنساناً نصيب من رزق الله تعالى، والخامس: أنه على التقدير الثالث معناه: لكل مال أو تركة مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي وراثاً يلونه ويحوزونه، ويكون {لِكُلّ} متعلقاً ـ بجعل ـ و {مّمَّا تَرَكَ} صفة كل، واعترض على الأول والثاني بأن فيهما تفكيك النظم الكريم مع أن المولى يشبه أن يكون في الأصل اسم مكان لا صفة فكيف تكون (من) صلة له؟ وأجيب عن هذا بأن ذلك لتضمنه معنى الفعل كما أشير إليه على أن كون المولى ليس صفة مخالف لكلام الراغب فإنه قال: إنه بمعنى الفاعل والمفعول أي الموالي والموالى لكن وزن مفعل في الصفة أنكره قوم، وقال ابن الحاجب في «شرح المفصل»: إنه نادر، فإما أن يجعل من النادر أو مما عبر عن الصفة فيه باسم المكان مجازاً لتمكنها وقرارها في موصوفها، ويمكن أن يجعل من باب المجلس السامي، واعترض على الثالث بالبعد وعلى الرابع بأن فيه حذف المبتدأ الموصوف بالجار والمجرور وإقامته مقامه وهو قليل، وبأن لكل قوم من الموالي جميع ما ترك الوالدان والأقربون لا نصيب وإنما النصيب لكل فرد، وأجيب عن الأول بأنه ثابت مع قلته كقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن: 11]؛ / وعن الثاني بأن ما يستحقه القوم بعض التركة لتقدم التجهيز والدين والوصية إن كانا، وأما حمل (من) على البيان للمحذوف فبعيد جداً، وتعقب الشهاب الجواب عن الأول بأن فيه خللاً من وجهين: أما أولاً: فلأن ما ذكر لا شاهد له فيه لما قرره النحاة أن الصفة إذا كانت جملة أو ظرفاً تقام مقام موصوفها بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن، أو في، وإلا لم تقم مقامه إلا في شعر، وما ذكر داخل فيه دون الآية، وأما ثانياً: فلأنه ليس المراد بقيامها مقامه أن تكون مبتدأ حقيقة بل المبتدأ محذوف وهذا بيانه كما أشير إليه في التقرير فلا وجه لاستبعاده، نعم ما ذكروه وإن كان مشهوراً غير مسلم، فإن ابن مالك صرح بخلافه في «التوضيح»، وجوز حذف الموصوف في السعة بدون ذلك الشرط، فالحق أنه أغلبـي لا كلي، واعترض على الخامس بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملة عاملة في الموصوف نحو ـ بكل رجل مررت تميمي ـ وفي جوازه نظر، ورد بأنه جائز كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَضِ} تفسير : [الأنعام: 14] ففاطر صفة الاسم الجليل وقد فصل بينهما ـ باتخذ ـ العامل في غير، فهذا أولى، والجواب بأن العامل لم يتخلل بل المعمول تقدم فجاء التخلل من ذلك فلم يضعف إذ حق المعمول التأخر عن عامله وحينئذٍ يكون الموصوف مقروناً بصفته تكلف مستغنى عنه، واختار جمع من المحققين هذا الخامس والذي قبله، وجعلوا الجملة مبتدأة مقررة لمضمون ما قبلها، واعترضوا على الوجه الأول بأن فيه خروج الأولاد لأنهم لا يدخلون في الأقربين عرفاً كما لا يدخل الوالدان فيهم، وإذا أريد المعنى اللغوي شمل الوالدين، ورد بأن هذا مشترك الورود على أنه قد أجيب عنه بأن ترك الأولاد لظهور حالهم من آية المواريث كما ترك ذكر الأزواج لذلك، أو بأن ذكر الوالدين لشرفهم والاهتمام بشأنهم فلا محذور من هذه الحيثية تدبر. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} هم موالي الموالاة. أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بـي وأطلب بك فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال [75] بقوله سبحانه: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}. تفسير : وروي ذلك من غير ما طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذلك عن غيره، ومذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إذا أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه إن لم يكن له وراث أصلاً، وخبر النسخ المذكور لا يقوم حجة عليه إذ لا دلالة فيما ادعى ناسخاً على عدم إرث الحليف لا سيما وهو إنما يرثه عند عدم العصبات وأولي الأرحام. والأيمان هنا جمع يمين بمعنى اليد اليمنى، وإضافة العقد إليها لوضعهم الأيدي في العقود أو بمعنى القسم وكون العقد هنا عقد النكاح خلاف الظاهر إذ لم يعهد فيه إضافته إلى اليمين؛ وقرأ الكوفيون {عَقَدَتْ} بغير ألف، والباقون {عاقدت} بالألف، وقرىء بالتشديد أيضاً، والمفعول في جميع القراءات محذوف أي عهودهم، والحذف تدريجي ليكون العائد المحذوف منصوباً كما هو الكثير المطرد، وفي الموصول أوجه من الإعراب: الأول: أن يكون مبتدأ وجملة قوله تعالى: {فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} خبره وزيدت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والثاني: أنه منصوب على الاشتغال؛ قيل: وينبغي أن يكون مختاراً لئلا يقع الطلب خبراً لكنهم لم يختاروه لأن مثله قلما يقع في غير الاختصاص وهو غير مناسب هنا، ورد بأن زيداً ضربته إن قدر العامل فيه / مؤخراً أفاد الاختصاص، وإن قدر مقدماً فلا يفيده، ولا خفاء أن الظاهر تقديره مقدماً فلا يلزم الاختصاص والثالث: أنه معطوف على {ٱلْوَالِدَانِ} فإن أريد أنهم موروثون عاد الضمير من ـ فآتوهم ـ على ـ موالى ـ وإن أريد أنهم وارثون جاز عوده على {مَوَالِىَ} وعلى (الوالدين) وما عطف عليهم، قيل: ويضعفه شهرة الوقف على (الأقربون) دون (أيمانكم)، والرابع: أنه منصوب بالعطف على موالي وهو تكلف. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجها البخاري وأبو داود والنسائي وجماعة أنه قال في الآية: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبـي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ} نسخت، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة ـ وقد ذهب الميراث ويوصي له ـ وروي عن مجاهد مثله، وظاهر ذلك عدم جواز العطف إذ من عطف أراد {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من الإرث {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيداً} أي لم يزل سبحانه عالماً بجميع الأشياء مطلعاً عليها جليها وخفيها فيطلع على الإيتاء والمنع، ويجازي كلاً من المانع والمؤتي حسب فعله، ففي الجملة وعد ووعيد.
ابن عاشور
تفسير : الجملة معطوفة على جملة {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] باعتبار كونه جامعاً لمعنى النهي عن الطمع في مال صاحب المال، قُصد منها استكمال تبيين من لهم حقّ في المال. وشأنُ (كُلّ) إذا حذف ما تضاف إليه أن يعوّض التنوين عن المحذوف، فإن جرى في الكلام ما يدلّ على المضاف إليه المحذوف قُدّر المحذوف من لفظه أو معناه، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ولكل وجهة}تفسير : في سورة البقرة (148)، وكذلك هنا فيجوز أن يكون المحذوف ممّا دلّ عليه قوله - قبله - {أية : للرجال نصيب وللنساء نصيب}تفسير : [النساء: 7] فيقدّر: ولكلّ الرجال والنساء جعلنا موالَي، أو لكلّ تارككٍ جعلنا موالي. ويجوز أن يقدّر: ولكلّ أحد أو شيء جعلنا موالي. والجعل من قوله: {جعلنا} هو الجعل التشريعي أي شَرعْنا لكلّ موالي لهم حقّ في ماله كما في قوله تعالى: {أية : فقد جعلنا لوليه سلطانا}تفسير : [الإسراء: 33]. والموالي جمعُ مَولى وهو محلّ الوَلْيِ، أي القرب، وهو مَحلّ مجازي وقرب مجازي. والولاء اسم المصدر للوَلْي المجازي. وفي نظم الآية تقادير جديرة بالاعتبار، وجامعة لمعان من التشريع: الأوّل: ولِكلّ تاركٍ، أي تارك مالا جعلنا موالي، أي أهل ولاء له، أي قرب، أي ورثة. ويتعلّق {مما ترك} بما في موالي من معنى يَلُونه، أي يرثونه، ومِن للتبعيض، أي يرثون ممّا ترك. وما صدق (ما) الموصولة هو المال، والصلة قرينة على كون المراد بالموالي الميراث، وكون المضاف إليه (كلّ) هو الهالك أو التارك. {ولكل} متعلّق بــــ (جعلنا)، قدّم على متعلّقه للاهتمام. وقوله: {الوالدان} استئناف بياني بيّن به المراد في (موالي)، ويصلح أن يبيّن به كلّ المقدّر له مضاف. تقديره: لكلّ تارك. وتبيين كلا اللفظين سواءٌ في المعنى، لأنّ التارك: والد أو قريب، والموالي: والدون أو قرابة. وفي ذِكر {الوالدان} غنية عن ذكر الأبناء لتلازمهما، فإن كان الوالدان من الورثة فالهالك ولد وإلاّ فالهالك والد. والتعريف في {الوالدان والأقربون} عوض عن مضاف إليه أي: والداهِم وأقربوهم، والمضاف إليه المحذوفُ يدلّ عليه الموالي، وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله: {أية : للرجال نصيب مما اكتسبوا}تفسير : [النساء: 32]، أي ولكلّ من الصنفين جعلنا موالي يرثونه، وهو الجَعل الذي في آيات المواريث. والتقدير الثاني: ولكلّ شيء ممّا تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي قوماً يلونه بالإرث، أي يرثونه، أي يكون تراثاً لهم، فيكون المضاف إليه المحذوف اسماً نكرة عامّا يبيّن نوعه المقام، ويكون {مما ترك} بيانا لما في تنوين (كلّ) من الإبهام، ويكون {والأقربون} فاعلا (لتَرَك). وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله: {أية : ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] أي في الأموال، أي ولكلّ من الذين فضّلنا بعضهم على بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال، فلا تتمنّوا ما ليس لكم فيه حقّ في حياة أصحابه، ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه. التقدير الثالث: ولكلّ منكم جعلنا موالي، أي عاصبين من الذين تركهم الوالدان، مثل الأعمام والأجداد والأخوالِ، فإنّهم قرباء الأبوين، وممّا تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعدّدوا، وأبناء الأخوات كذلك، فإنّهم قرباء الأقربين، فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى العصبة عند الجمهور، وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء، وذلك إذا انعدم الورثة الذين في آية المواريث السابقة، وهو حكم مجمل بيّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألْحِقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكر»تفسير : ، وقوله: «حديث : ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم»تفسير : رواه أبو داود والنسائي، وقوله: «حديث : الخال وارثُ من لا وارث له»تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي، وقوله تعالى: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}تفسير : [الأنفال: 75]، وبذلك أخذ أبو حنيفة، وأحمد، وعليه فــــ (ما) الموصولة في قوله: {مما ترك} بمعنى (من) الموصولة، ولا بدع في ذلك. وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله تعالى بعد آية المواريث {أية : تلك حدود الله}تفسير : [البقرة: 187] فتكون تكملة لآية المواريث. التقدير الرابع: ولكلّ منكم أيّها المخاطبون بقولنا: {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] جعلنا موالي، أي شَرَعْنا أحكام الولاء لمن هم موال لكم، فحكم الولاء الذي تركه لكم أهاليكم: الوالدان والأقربون، أي أهل الولاء القديم في القبيلة المنجرّ من حلف قديم، أو بحكم الولاء الذي عاقدتْه الأيمان، أي الأحلاف بينكم وبينهم أيّها المخاطبون، وهو الولاء الجديد الشامل للتبنّي المحدث، وللحلف المحدث، مثل المؤاخاة التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. فإنّ الولاء منه ولاء قديم في القبائل، ومنه ما يتعاقد عليه الحاضرون، كما اشار إليه أبو تمّام.شعر : أعطيت لي دية القتيل وليس لي عقل ولا حلف هناك قَدِيمُ تفسير : وعلى هذا التقدير يكون {والذين عاقدت أيمانكم} معطوفة على {الوالدان والأقربون} وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئاً عن قوله تعالى: {أية : تلك حدود الله}تفسير : [البقرة: 187] فتكون هذه الآية تكملة لآيات المواريث. وللمفسّرين تقادير أخرى لا تلائم بعض أجزاء النظم إلا بتعسّف فلا ينبغي التعريج عليها. وقوله: {والذين عاقدت أيمانكم} قيل معطوف على قوله: {الوالدان والأقربون}، وقيل هو جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنّه قيل: من هم الموالي؟ فقيل: {الوالدان والأقربون} الخ، على أنّ قوله: {فأتاهم نصيبهم} خبر عن قوله: {والذين عاقدت}. وأدخلت الفاء في الخبر لتضمّن الموصول معنى الشرط، ورجّح هذا بأنّ المشهور أنّ الوقت على قوله: {والأقربون} وليس على قوله: {أيمانكم}. والمعاقدة: حصول العقد من الجانبين، أي الذين تعاقدتم معهم على أن يكونوا بمنزلة الأبناء أو بمنزلة الإخْوَة أو بمنزلة أبناء العمّ. والأيمان جمع يَمين: إمّا بمعنى اليد، أسند العقد إلى الأيدي مجازاً لأنّها تقارن المتعاقديِن لأنّهم يضعون أيدي بعضهم في أيدي الآخرين، علامة على انبرام العقد، ومن أجل ذلك سمّي العقد صَفقة أيضاً؛ لأنّه يصفّق فيه اليَدُ على اليد، فيكون من باب {أية : أو ما ملكت أيمانكم}تفسير : [النساء: 3]؛ وإمَّا بمعنى القَسَم لأنّ ذلك كان يَصحبه قَسَم، ومن أجل ذلك سمّي حِلْفا، وصاحبه حَليفاً. وإسناد العقد إلى الأيمان بهذا المعنى مجاز أيضاً؛ لأنّ القسم هو سبب انعقاد الحلف. والمراد بــــ{الذين عاقَدَتْ أيمانكم}: قيل موالي الحلف الذي كان العرب يفعلونه في الجاهلية، وهو أن يَحالف الرجل الآخر فيقول له «دمي دَمُك وهَدْمي هَدْمُك ــــ أي إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقّه يمضي على الآخر ــــ وثَأرِي ثَأرُكَ وحَرْبي حَرْبُك وسلْمي سلْمُك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عنّي وأعقل عنك». وقد جمع هذين الصنفين من الموالي الحُصَين بن الحُمَامِ من شعراء الحماسة في قوله:شعر : مواليكمُ مولَى الوِلاَدَةِ منكمُ ومولَى اليمين حَابِس قد تُقِسِّمَا تفسير : قيل: كانوا جعلوا للمولى السدس في تركة الميت، فأقرّته هذه الآية، ثم نسختها آية الأنفال: {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}تفسير : [الأنفال: 75] قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن جبير، ولعلّ مرادهم أنّ المسلمين جعلوا للمولَى السدس وصية لأنّ أهل الجاهلية لم تكن عندهم مواريث معيّنة. وقيل: نزلت هذه الآية في ميراث الإخوة الذين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة، فكانوا يتوارثون بذلك دون ذوي الأرحام، ثم نسخ الله ذلك بآية الأنفال، فتكون هذه الآية منسوخة. وفي أسباب النزول للواحدي، عن سعيد بن المسيّب، أنّها نزلت في التبنّي الذي كان في الجاهلية، فكان المتبنَّي يرث المتبنِّي (بالكسر) مثل تبنّي النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة الكلبي، وتبنّي الأسود بن عبد يغوث المقداد الكَندي، المشهور بالمقداد بن الأسود، وتبنّي الخطاب بن نُفَيل عامراً بنَ ربيعة، وتبنّي أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة سالماً بن معقل الأصطخري، المشهور بسالمٍ مولى أبي حذيفة، ثم نسخ بالمواريث. وعلى القول بأنّ {والذين عاقدت أيمانكم} جملة مستأنفة فالآية غير منسوخة؛ فقال ابن عباس في رواية ابن جبير عنه في «البخاري» هي ناسخة لتوريث المتآخِين من المهاجرين والأنصار، لأنّ قوله: {مما ترك الوالدان والأقربون} حَصَر الميراث في القرابة، فتعيّن على هذا أنّ قوله: {فأتوهم نصيبهم} أي نصيب الذين عاقدت أيمانُكم من النصر والمعونة، أو فآتوهم نصيبهم بالوصية، وقد ذهب الميراث. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في التبنّي أمراً بالوصية للمتبنَّى. وعن الحسن أنّها في شأن الموصَى له إذا مات قبل موت المُوصي أن تجعل الوصية لأقاربه لزوماً. وقرأ الجمهور: {عاقدت} ــــ بألف بعد العين ــــ. وقرأه حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: {عَقَدَتْ} بدون ألف ومع تخفيف القاف. والفاءُ في قوله: {فأتوهم نصيبهم} فاءُ الفصيحةِ على جعل قوله: {والذين عاقدت أيمانكم} معطوفاً على {الوالدان والأقربون}، أو هي زائدة في الخبر إن جعل {والذين عقدت} مبتدأً على تضمين الموصول معنى الشرطية. والأمر في الضمير المجرور على الوجهين ظاهر.
القطان
تفسير : موالي: جمع مولى وهو بمعنى الوالي الذي يتولى غيره. ومعناه: لكل انسان جعلنا ورثة يرثونه. الذين عقدت ايمانكم: الازواج، فان كلاً من الزوجين له حق الإرث بالعقد. ولكل من الرجال والنساء جعلنا مستحقين لتركتهم يرثونهم، وهم الوالدان والأقربون من الأصول والفروع والحواشي والازواج، والذين عَقَدَ المتوفى لهم عقداً مقتضاه ان يرثوه اذا مات من غير قرابة، وينصروه اذا احتاج الى نصرتهم في مقابل ذلك. وكان هؤلاء أربعة أنواع: الأول: عقد ولاء العتق، وهو النظام الذي يصبح بمقتضاه الرقيق بعد عتقه بمنزلة العضو في أسرة معتقِه، اذا مات ولم يترك أحدا من عصبته. الثاني: عقد الموالاة، وهو ان يأتي غير العربي فيرتبط بعقد مع عربي فيصبح بمنزلة عضو في أُسرة مولاه. وهذا يرثه اذا مات بدون وارث. الثالث: العقد الذي عقده الرسول بين المهاجرين والانصار وكانوا بذلك العقد يتوارثون. الرابع: كأن يعاقد الرجلُ الرجلَ ويقول: "ترثني وأرثك". ثم أبطل الاسلام معظم هذه العقود وجعل الميراث سببه القرابة. قراءات: قرأ غير الكوفيّين: {عاقدت أيمانكم}.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَوَالِيَ} {ٱلْوَالِدَانِ} {أَيْمَانُكُمْ} {فَآتُوهُمْ} (33) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجَالِ الذِينَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا، وَمِنَ النِّسَاءِ اللَّواتِي لَهُنَّ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ، مَوَالِيَ (وَرَثَةٌ)، لَهُمْ حَقُّ الوِلاَيَةِ عَلَى مَا يَتْرُكُونَ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ المَوَالِي هُمْ جَمِيعُ الوَرَثَةِ مِنَ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ وَالحَوَاشِي وَالأزْوَاجِ، وَالذِينَ عَقَدَ المُتَوَفَّى مَعَهُمْ عَقْداً مِنْ مُقْتَضَاهُ أنْ يَرِثُوهُ إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ قَرَابَةٍ، فَأعْطُوا هَؤُلاءِ المَوَالِيَ نَصِيْبَهُمُ المُقَدَّرُ لَهُمْ، وَلا تُنْقِصُوهُمْ مِنْهُ شَيئاً فَإِنَّ اللهَ رَقِيبٌ شَاهِدٌ عَلَى تَصَرُّفَاتِكُمْ، فَلاَ يَطْمَعُ مَنْ كَانَ المَالُ بِيَدِهِ أنْ يَأْكُلَ مِنْ نَصِيبِ أحَدِ الوَرَثَةِ شَيْئاً، سَوَاءٌ أكَانَ ذَكَراً أوْ أُنْثَى، صَغِيراً أوْ كَبِيراً. (وَيُقَالُ إنَّ المُهَاجِرِينَ فِي المَدِينَةِ آخَى الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الأَنْصَارِ، فَكَانَ المُتآخِيَانِ يَتَوارَثَانِ بِسَبَبِ هذِهِ المُؤَاخَاةِ دُونَ سَائِرِ الوَرَثَةِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا التَّعَامُلُ بِهَذِهِ الآيَةِ). (وَقَدْ عَرَفَ المُجْتَمَعُ الإِسْلاَمِيُّ أنْواعاً مِنَ العُقُودِ أَقَرَّتْهَا الشَّرِيعَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ، وَجَعَلَتْ فِيها الإِرْثَ يَذْهَبُ أحْيَاناً لِغَيْرِ الأقْرِبَاءِ، مِنَها عَقْدُ وَلاَءِ العِتْقِ فَكَانَ المُتَوَفَّى يَرِثُهُ مَوْلاَهُ إذَا مَاتَ دُونَ عَصَبَتِهِ. وَعَقْدُ المُوَالاَةِ هُوَ عَقْدٌ يُبِيحُ لِغَيْرِ العَرَبِّي أنْ يَرْتَبِطَ بِعَقْدٍ مَعَ عَرَبيّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ عَصَبَتِهِ فَيَرِثُهُ إذَا مَاتَ. وَعَقْدُ المُؤَاخَاةِ الذِي عَقَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَقَدْ أُبْطِلَتْ هَذِهِ العُقُودُ دُونَ أثَرٍ رَجْعِيٍّ). جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ - وَرَثَةً عَصَبَةً يَرِثُونَ مِمّا يَتْرُكُ. الذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ - حَالَفْتُمُوهُمْ وَعَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَى التَّوارُثِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة ترى لفظة "لكل" وتجدها منونة، فاعرف أن هناك حاجة مقدرة، وأصلها "لكل إنسان"، وحذف الاسم وجاء بدلاً منه التنوين، مثل قوله: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 83-84]. ونجد التنوين في "حينئذٍ" أي حين بلغت الروح الحلقوم، فحذف حين بلغت الروح الحلقوم وعوض عنها التنوين في "حينئذٍ" إذن فالتنوين جاء بدلاً من المحذوف. وقول الحق: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ..} [النساء: 33]، و"الموالي" جمع "مَوْلى". وقبل أن تنزل آيات الميراث، آخى النبي بين الأنصار والمهاجرين، فكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة، وكان هناك شيء اسمه "مولى المناصرة" وهو أن يستريح اثنان لبعضهما ويقول كل منهما للآخر: أنا أخوك وأنت أخي، حربي حربك، وسلمي سلمك، ودمي دمك، وترث مني وأرث منك، وتعقل عني وأعقل عنك، أي أن فعلتُ جناية تدفع عني، وإن فعلتَ أنت جناية أدفع عنك. مؤاخاة. هؤلاء كان لهم نصيب في مال المتوفي، فالحق يبيّن: لكل إنسان من الرجال والنساء جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان، والأقربون؛ أي لهم نصيب من ذلك ولأولياء المناصرة بعض من الميراث كذلك. فإياكم أن تأتوا أنتم وتقولوا: لا، لابد أن تعطوهم نصيبهم الذي كان مشروطاً لهم وهو السدس. لكن أظل الحكم؟ لا، لقد نسخ وأنزل الله قوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 75]. فما دام الله قد قال: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ..} [النساء: 33]. أي ولكل إنسان من الموالي شيء من آثار ما ترك الوالدان والأقربون. فإياكم أن تقولوا: هم ذهبوا فلا نعطيهم شيئاً، لا ما كانوا متفقين فيه وعقدوا أيمانهم عليه آتوهم نصيبهم مصداقاً لقوله الحق: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} [النساء: 33] فالله شهيد على هذه. وشهيد على أنكم تنفذون أو لا تنفذون. وبعد ذلك جاء ليتكلم في قضية متصلة بقول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [النساء: 32] فقال: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ} معناهُ وَرَثةٌ. والمَولى: ابن العَم. والمَولى: المُنْعِمُ المُعتِقُ. والمَولى: المُعتَقُ. والمَولى: الحَلِيفُ والنَّاصِرُ. والمولى: الوَلِي. والمَولى: المُسْلِمُ على يَدَيهِ. والمَولى: المسلم على يد الرَّجلِ!.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال {وَلِكُلٍّ} [النساء: 33] طالب صادق، {جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ} [النساء: 33]؛ أي: جعلناه في الأزل مستعداً للوراثة ومستحقها، {مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} [النساء: 33]؛ يعني: مما ترك والده وأقربوه طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة، ثم أورثناه فضلاً منا ورحمة من عندنا، ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]؛ يعني: الذي جرى بينكم وبينهم عند الأخوة في الله، وأخذتكم بإيمانكم إيمانهم بالإرادة وصدق الالتجاء، وتابوا على أيديكم فأتوهم بالنصح وحسن التربية والاهتمام بهم، والقيام بمصالحهم على شرائط الشيخوخية والتسليك، ثم {نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]؛ الذي أودع الله تعالى لهم عندكم بعلمه وحكمته، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [النساء: 33] من الودائع أينما أودعه لمن أودعه، {شَهِيداً} [النساء: 33] يشهد عليكم يوم القيامة أن تخونوا في إعطاء ودائعهم بالخيانة، ويسألكم عنها ويشهد لكم بالأمانة، ويجازيكم عليها خير الجزاء. ثم أخبر عن أحوال الرجال بالفضل والنوال بقوله تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 34]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل الرجال قوامون على النساء؛ لأن وجودهن تبع لوجودهم وهم الأصول وهن الفروع، فكما أن الشجرة فرع الثمرة فإنها خلقت منها، فكذلك النساء فروع الرجال فإنهن خلقن من ضلع، فلما كان قيام حواء قبل خلقها وهي ضلع بآدم عليه السلام وهو قوام عليها، فكذلك الرجال قوامون على النساء بمصالح أمور دينهن ودنياهن، كقوله تعالى: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم: 6]. ثم قال تعالى: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [النساء: 34]؛ أي: بما فضل الله الرجال على النساء وهو استعداد الكمالية للخلافة والنبوة، كما قال تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]، وما صلحت النساء للخلافة والنبوة، واختص الرجال بهما، فكان وجودهم الأصل ووجودهن تبعاً لوجودهم للتوالد والتناسل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كمل من الرجال كثير، وما كمل من النساء إلا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وفضل عائشة - رضي الله عنها - على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام"تفسير : ، ومع هذا ما بلغ كمالهن إلى حد يصلحن للخلافة والنبوة، وإنما كان كمالهن بالنسبة إلى النسوة لا إلى الرجال؛ لأنهن بالنسبة إلى الرجال ناقصات عقل ودين، حتى قال صلى الله عليه وسلم في حق عائشة - رضي الله عنها - مع فضلها على سائر النساء: "حديث : خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء"تفسير : ، فهذا بالشبه إلى الرجال نقصان، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا ثلثي دينكم"تفسير : ، ما قال كمال دينكم، ولكن بالنسبة إلى النساء كمال؛ لأنه على قاعدة قوله تعالى: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] يكون حظ النساء من الدين الثلث، فكملتها كان لها الثلثان بمثابة الذكور مثل حظ الأنثيين. {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} [النساء: 34]؛ يعني: بتجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى فضلوا على النساء، {فَٱلصَّٰلِحَٰتُ} [النساء: 34]؛ يعني: الذي يصلحن للكمال بعد الرجال هن {قَٰنِتَٰتٌ} [النساء: 34]؛ أي: مطيعات لله تعالى مستسلمات لأحكامه تعالى، {حَٰفِظَٰتٌ} [النساء: 34]، الواردات {لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} [النساء: 34] عليهن حقائق الغيب وأنواره وأسراره، {وَٱلَّٰتِي} [النساء: 34]؛ يعني: منهن {تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء: 34]؛ يعني: إذا دارت عليهن كؤوس واردات الغيب، وسقين بأقداح الأرواح شراب طهور التجلي من ساقي، {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]، فكوشفن بلغة الجمال، وأسكرن بشهود الجلال، كما قال بعضهم: شعر : فأسكَرَ القومَ دَرُ كأسٍ وكان سكري من المُديرِ تفسير : فعند غلبات السكر يخفن النشوز والنفور،؛ لضعف الحال وقوة سطوة النوال {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، فالخطاب بالعظة والهجران لأهل الكمال من الرجال القوامين على النسوان؛ وهن الضعفة من الطلاب، يشير إلى التخويف بالهجران لتأدب الشكر إن كان، كما كان حال الخضر مع موسى عليه السلام فلما دارت بينهما كؤوس المصاحبة وبلغ السيل زبى المراقبة، تساكر موسى عليه السلام وقال بلسان المعاتبة: {أية : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 71]، فخوفه الخضر بضرب من تعريض الهجران فقال: {أية : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 72]، إلى أن عارضه مرة أخرى ووقع الحافر الكدي ضربه بعد الامتحان بعضا الهجران و{أية : قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}تفسير : [الكهف: 78]، هذا قانون أرباب الكمال المسلكين بالأصحاب إلى حضرة الحال، {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} [النساء: 34]، فإن رأوا عنهم في أثناء السلوك نشوزاً من الملال أو عربة من غلبات الأحوال، يعظوهم بالمقال، فإن لم يتعظوا فبالفعال، فإن لم ينتفعوا فبالانتقال، فلمن تتعظوا بأن يطعن لكم ويتأذين، {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النساء: 34] بانتقام ما جرى فيهن، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} [النساء: 34]، لا يؤاخذ ضعف الطلبة عند العجز والغفلة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلِكُلٍّ } من الناس { جَعَلْنَا مَوَالِيَ } أي: يتولونه ويتولاهم بالتعزز والنصرة والمعاونة على الأمور. { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } وهذا يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، هؤلاء الموالي من القرابة. ثم ذكر نوعا آخر من الموالي فقال: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: حالفتموهم بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة والاشتراك بالأموال وغير ذلك. وكل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردا. قال تعالى: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } أي: آتوا الموالي نصيبهم الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأدنين من الموالي. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } أي: مطلعا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 212 : 38 : 29 - سفين عن رجل عن مجاهد {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ} قال، هم العصب. [الآية 33]. 213 : 39 : 30 - سفين عن رجل عن مجاهد {والذين عاقدت إيمانكم} قال، حلف كان في الجاهلية. فأمروا في الاسلام أن يعطوهم نصيبهم من المشورة والعقل والنصر. ولا ميراث. [الآية 33]. 214 : 40 : 32 - سفين عن الأعمش قال، اعطاه أبو بكر السدس. يعني المعاقد.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} [33] 123- أنا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، نا إدريس بن يزيد، نا طلحة بن مُصَرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصار - دون رَحِمِه - للأُخوَّة التي آخا النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت الآية {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} قال: فنسختها {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والنَّصيح والرِّفادة، ويوصي له وقد ذهب الميراث.
همام الصنعاني
تفسير : 564- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ}: [الآية: 33]، قال الموالي، الأولياء الأب والأخ أو ابن الأخ أو غيره مِنَ العصبةِ. 565- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثّوري، عن مَنْصُور، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ}: [الآية: 33]، قال: هم الأولياء. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ}: [الآية: 33]، قال: كان هذا حِلْفاً في الجاهلية، فلما كان الإِسلام، أُمِروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والولاء والمشورة ولا ميراث. 566- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ}: [الآية: 33]، قال: كان الرجل في الجاهلية يُعاقِدُ الرّجُلَ فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطْلب بكَ، فلمَّا جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأُمِرُوا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهُوَ السّدسُ، ثُمَّ نُسِخَ ذلك بالمِيراثِ فقال: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}: [الأنفال: 75].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):