Verse. 527 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَلرِّجَالُ قَوّٰمُوْنَ عَلَي النِّسَاۗءِ بِمَا فَضَّلَ اللہُ بَعْضَھُمْ عَلٰي بَعْضٍ وَّبِمَاۗ اَنْفَقُوْا مِنْ اَمْوَالِہِمْ۝۰ۭ فَالصّٰلِحٰتُ قٰنِتٰتٌ حٰفِظٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اؙ۝۰ۭ وَالّٰتِيْ تَخَافُوْنَ نُشُوْزَھُنَّ فَعِظُوْھُنَّ وَاہْجُرُوْھُنَّ فِي الْمَضَاجِــعِ وَاضْرِبُوْھُنَّ۝۰ۚ فَاِنْ اَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوْا عَلَيْہِنَّ سَبِيْلًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيْرًا۝۳۴
Alrrijalu qawwamoona AAala alnnisai bima faddala Allahu baAAdahum AAala baAAdin wabima anfaqoo min amwalihim faalssalihatu qanitatun hafithatun lilghaybi bima hafitha Allahu waallatee takhafoona nushoozahunna faAAithoohunna waohjuroohunna fee almadajiAAi waidriboohunna fain ataAAnakum fala tabghoo AAalayhinna sabeelan inna Allaha kana AAaliyyan kabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الرِّجال قوَّامون» مسلطون «على النساء» يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن «بما فضَّل الله بعضهم على بعض» أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك «وبما أنفقوا» عليهن «من أموالهم فالصالحات» منهن «قانتات» مطيعات لأزواجهن «حافظات للغيب» أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن «بما حفظ» لهن «اللهُ» حيث أوصى عليهن الأزواج «والَّتي تخافون نشوزهن» عصيانهن لكم بأن ظهرت أمارته «فعظوهن» فخوِّفوهن الله «واهجروهن في المضاجع» اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز «واضربوهن» ضربا غير مبرح إن لم يرجعن بالهجران «فإن أطعنكم» فيما يراد منهن «فلا تبغوا» تطلبوا «عليهن سبيلا» طريقا إلى ضربهن ظلما «إن الله كان عليا كبيرا» فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى قال:{أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 32] وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر، فكأنه لا فضل ألبتة، فهذا هو بيان كيفية النظم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القوام؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر، يقال: هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر» تفسير : فنزلت هذه الآية: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أردنا أمراً وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير» تفسير : ورفع القصاص، ثم انه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما: قوله تعالى: {أية : بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 34]. واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء. والسبب الثاني: لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرأ ابن مسعود (فالصالحات قوانت حوافظ للغيب). المسألة الثانية: قوله: {قَـٰنِتَـٰتٌ حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } فيه وجهان: الأول: قانتات، أي مطيعات لله، {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } أي قائمات بحقوق الزوج، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج. الثاني: أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة، وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة. واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها، لأن الله تعالى قال: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ } والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة. قال الواحدي رحمه الله: لفظ القنوت يفيد الطاعة، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله: {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } واعلم أن الغيب خلاف الشهادة، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب، وذلك من وجوه: أحدها: أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره، وثانيها: حفظ ماله عن الضياع، وثالثها: حفظ منزله عما لا ينبغي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير النساء إن نظرت اليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها»، تفسير : وتلا هذه الآية. المسألة الثالثة: «ما» في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فيه وجهان: الأول: بمعنى الذي، والعائد اليه محذوف، والتقدير: بما حفظه الله لهن، والمعنى أن عليهن ان يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك. والوجه الثاني: أن تكون «ما» مصدرية، والتقدير: بحفظ الله، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل. والثاني: أن المعنى: هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول. واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات، فقال: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ }. واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل. قال الشافعي رضي الله عنه: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } النشوز قد يكون قولا، وقد يكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل مثل أن كانت تقوم اليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز. وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع، ومنه يقال للأرض المرتفعة: ونشز ونشر. ثم قال تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: أما الوعظ فإنه يقول لها: اتقي الله فإن لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا، وأيضا فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك، ثم عند هذه الهجرة إن بقيت على النشوز ضربها. قال الشافعي رضي الله عنه: والضرب مباح وتركه أفضل. روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم» ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا. قال الشافعي رضي الله عنه: فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه. وأقول: الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم. المسألة الثانية: اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فان ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال بعض أصحابنا: تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها؟ فيه احتمال، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها. ثم قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقاً على سبيل التعنت والايذاء {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } وعلوه لا بعلو الجهة، وكبره لا بكبر الجثة، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات. وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن، وأكبر درجة منهن. الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم. فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق. الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك. الرابع: أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها. الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} ابتداء وخبر، أي يقومون بالنفقة عليهن والذَّب عنهن؛ وأيضاً فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: قوّام وقَيِّم. والآية نزلت في سعد بن الربيع نَشَزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير فلطمها؛ فقال أبوها: حديث : يا رسول الله، أفرشتهُ كريمتي فلطمهاٰ فقال عليه السلام: «لِتَقْتَصّ من زوجها». فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال عليه السلام: «ارجعوا: هذا جبريل أتاني» فأنزل الله هذه الآية فقال عليه السلام: «أردنا أمْرّاً وأراد الله غيره» تفسير : . وفي رواية أُخرى؛ « حديث : أردتُ شيئاً وما أراد الله خير » تفسير : . ونقض الحكم الأوّل. وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل { أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114]. ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال وعارِم بن الفَضْل ـ واللفظ لحجاج ـ قال حدّثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول:حديث : إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زَوْجي لطم وجهي. فقال: «بينكما القصاص» تفسير : ، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}. وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}. وقال أبو رَوْق: نزلت في جميلة بنت أبيّ وفي زوجها ثابت بن قيس بن شمّاس. وقال الكلبي: نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع. وقيل؛ سببها قولُ أمِّ سلمة المتقدّم. ووجه النظم أنهنّ تكلمنّ في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت «وَلاَ تَتَمَنَّوا» الآية. ثم بيّن تعالى أنّ تفضيلهم عليهنّ في الإرث لِما على الرجال من المهر وٱلإنفاق؛ ثم فائدة تفضيلهم عائدةٌ إليهنّ. ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير؛ فجعل لهم حق القيام عليهنّ لذلك. وقيل: للرجال زيادة قوّة في النفس والطبع ما ليس للنساء؛ لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوّة وشدّة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف؛ فجعل لهم حق القيام عليهنّ بذلك، وبقوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. الثانية ـ ودّلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءَهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرّجل عِشرتها. و «قَوّام» فعّال للمبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرّجال على النساء هو علىٰ هذا الحد؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأنْ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوّة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف وٱلنهي عن المنكر. وقد راعى بعضهم في التفضيل الِّلحْيَة وليس بشيء؛ فإن الَّلحْيَة قد تكون وليس معها شيء مما ذكرنا وقد مضى الردّ على هذا في «البقرة». الثالثة ـ فَهِم العلماء من قوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاماً عليها، وإذا لم يكن قَوّاماً عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح. وفيه دلالة واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة؛ وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة؛ لا يفسخ؛ لقوله تعالى: { أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } تفسير : [البقرة: 280] وقد تقدّم القول في هذا في هذه السورة. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في مالِه وفي نفسها في حال غيبة الزوج. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خير النساء التي إذا نظرت إليها سَرّتْك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غِبْتَ عنها حفِظتك في نفسها ومالِك » تفسير : قال: وتلا هذه الآية {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} إلى آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: « حديث : ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأةُ الصالحة إذا نظر إليها سرّتْه وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته » تفسير : أخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعود « حديث : فالصّوالح قوانِت حوافِظ » تفسير : . وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جِنَّي: والتكسير أشبه لفظاً بالمعنى؛ إذا هو يعطي الكثرة وهي المقصود ها هنا. و {مَآ} في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} مصدرية، أي بحفظ الله لهنّ. ويصح أن تكون بمعنى الذي، ويكون العائد في «حفظ» ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر «بما حفط الله» بالنصب قال النحاس: الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بِحفظ الله ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفِظهن الله في مهورهن وعشرتهن. وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: بحفظهن الله؛ أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم وُحِّد الفعل؛ كما قيل: شعر : فـإن الحـوادث أَودَى بهـا تفسير : وقيل: المعنى بحفظٍ الله؛ مثل حفِظتُ الله. الخامسة: قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} اللاتي جمع التي وقد تقدّم. قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقَّنون. وقيل هو على بابه. والنُّشوز العصيان؛ مأخوذ من النَّشْز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نَشَز الرجل يُنشز وينشز إذا كان قاعداً فنهض قائماً؛ ومنه قوله عز وجل: { أية : وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ } تفسير : [المجادلة: 11] أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. فالمعنى: أي تخافون عِصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور الُّلغَوِي: النشوز كراهيةُ كلِّ واحد من الزوجين صاحبَه؛ يقال: نشزت تنشِز فهي ناشِز بغير هاء. ونَشَصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دُرَيد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنًى واحد. السادسة ـ قوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ} أي بكتاب الله؛ أي ذكّروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العِشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، ويقول: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » تفسير : . وقال: « حديث : لا تمنعه نفسَها وإن كانت على ظهر قَتَبٍ » تفسير : . وقال: « حديث : أيُّما ٱمرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبِح » تفسير : في رواية « حديث : حتى تراجع وتضع يدها في يده » تفسير : . وما كان مثل هذا. السابعة ـ قوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} وقرأ ابن مسعود والنَّخَعِيّ وغيرهما «في المضجع» على الإفراد؛ كأنه اسم جنس يؤدّي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويُولِيها ظهره ولا يجامعها؛ عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: جنِّبوا مضاجِعهن؛ فيتقدّر على هذا الكلام حذف، ويَعضُده «اهجروهن» من الهجران، وهو البعد؛ يقال: هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بُعْدُها إلا بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النَّخعِي والشّعبِيّ وقَتادة والحسن البصريّ، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، وٱختاره ابن العربي وقال: حَملُوا الأمر على الأكثر المُوفي. ويكون هذا القول كما تقول: ٱهجره في الله. وهذا أصل مالك. قلت: هذا قول حَسَن؛ فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشقّ عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مُبغِضة فيظهر النشوز منها؛ فيتبيّن أن النشوز من قِبَلها. وقيل: «اهجروهن» من الهُجر وهو القبيح من الكلام، أي غلِّظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره؛ قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدّوهن وثَاقاً في بيوتهن؛ من قولهم: هجرَ البعيرَ أي ربطه بالهِجار، وهو حبل يُشدّ به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا الموضع نظر. وقد ردّ عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديثٌ غريب رواه ابن وهبٍ عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ٱمرأةَ الزبير بن العوّام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضَرّتها، فعقد شعر واحدة بالأُخرى ثم ضربهما ضرباً شديداً، وكانت الضرّة أحسن ٱتقاء، وكانت أسماء لا تتّقي فكان الضرب بها أكثر؛ فشكَتْ إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: أيّ بُنيّة ٱصبِري فإن الزّبير رجل صالح، ولعلّه أن يكون زوجَك في الجنة؛ ولقد بلغني أن الرجل إذا ٱبتكر بٱمرأة تزوّجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع ٱحتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهرٌ؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أسَرّ إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلاً عذراً للمُولِي. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَٱضْرِبُوهُنَّ} أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً ثم بالهجران، فإن لم يَنْجَعا فالضرب؛ فإنه هو الذي يصلِحها له ويحملها على تَوْفِية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المُبَرِّح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة كاللَّكْزة ونحوها؛ فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جَرَم إذا أدّى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدّب غلامَه لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم: « حديث : ٱتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألاّ يُوطِئْنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضَرْباً غيرُ مُبَرِّح » تفسير : الحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يُدخِلن منازلكم أحداً ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب. وعلى هذا يُحمل ما رواه التّرْمذِيّ وصحّحه عن عمرو بن الأحْوَص أنه شهد حجة الودَاع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمِد الله وأثنى عليه وذكّر ووعظ فقال: « حديث : ألاَ وٱستَوْصُوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجِع وٱضربوهن ضرباً غيرَ مُبَرِّح فإن أطَعْنَكم فلا تَبْغُوا عليهن سبيلاً ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقّاً فأما حقكم على نسائكم فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم من تكرهون ألاَ وحقُّهنّ عليكم أن تحسِنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن » تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. فقوله: {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} يريد لا يُدخِلن مَن يكرهه أزواجُهن ولا يُغضِبنهم. وليس المراد بذلك الزنى؛ فإن ذلك محرّم ويلزم عليه الحدّ. وقد قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : ٱضرِبوا النساء إذا عَصَينكم في معروفٍ ضَرْباً غيرَ مُبَرِّح » تفسير : . قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غيرُ المُبَرِّح؟ قال بالسواك ونحوه. وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب ٱمرأته فعُذِل في ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : لا يُسأل الرجل فيمَ ضرب أهله ». تفسير : التاسعة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي تركوا النشوز. {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي لا تَجْنُوا عليهن بقولٍ أو فعلٍ. وهذا نهيٌ عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل: المعنى لا تكلِّفوهن الحُبَّ لكم فإنه ليس إليهن. العاشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولِين الجانب؛ أي إن كنتم تقدِرون عليهن فتذكّروا قدرة الله؛ فيَدهُ بالقدرة فوق كل يد. فلا يَستعلي أحد على ٱمرأته فالله بالمرصاد؛ فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلوّ والكبر. الحادية عشرة ـ وإذا ثبت هذا فٱعلم أن الله عزّ وجلّ لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صُراحاً إلا هنا وفي الحدود العظام؛ فسَاوى معصِيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون ٱلأئمة، وجعله لهم دون القُضاة بغير شهود ولا بينات ٱئتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء. قال المهلب: إنما جوّز ضرب النساء من أجل ٱمتناعهنّ على أزواجهنّ في المباضعة. وٱختلِف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجِب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز (ضربها) في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: والنشوز يُسقِط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضرِبها الزوج ضرب الأدب غير المُبَرِّح، والوعظُ والهجر حتى ترجِع عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها؛ وكذلك كل ما ٱقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها. ويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة؛ فأدب الرفيعة العَذْل، وأدب الدنيئة السَّوْط. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : رحِم الله ٱمرأ علّق سوطه وأدّب أهله » تفسير : . وقال: « حديث : إنّ أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتِقه » تفسير : . وقال بَشَّار: شعر : الحرُّ يُلْحَى والعصا للعبْدِ تفسير : يُلْحَى أي يلام؛ وقال ٱبن دُرَيد: شعر : وٱللَّوْمُ للحرّ مُقيمٌ رادِعٌ والعبد لا يَرْدَعهُ إلا العَصَا تفسير : قال ٱبن المنذِر: ٱتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعاً بالِغِين إلا الناشز منهنّ الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه ٱمرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملاً. وخالف ٱبن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشِز فأوجبها. وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها. ولا تَسقط نفقةُ المرأة عن زوجها لشيءٍ غير النشوز؛ لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مَغِيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جَوْرٍ غير ما ذكرنا. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» تفسير : رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء، وغير ذلك، {وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها؛ كما قال الله تعالى: {أية : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} تفسير : [البقرة: 228] الآية، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} يعني: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله، حافظة لماله، وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك. وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أن زوجها لطمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القصاص»، فأنزل الله عز وجل: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} الآية، فرجعت بغير قصاص، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه، وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حدثنا أحمد بن علي النسائي، حدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدثنا محمد بن محمد الأشعث حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبي عن جدي، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله، إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس له ذلك» تفسير : فأنزل الله تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} أي: في الأدب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أردت أمراً، وأراد الله غيره»تفسير : . وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير. وقال الشعبي في هذه الآية: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت؟ وقوله تعالى: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ} أي: من النساء {قَـٰنِتَـٰتٌ} قال ابن عباس وغير واحد: يعني: مطيعات لأزواجهن {حَـفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ} وقال السدي وغيره: أي: تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وقوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} أي: المحفوظ من حفظه الله. قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثنا أبو معشر، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» تفسير : قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} إلى آخرها، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به، مثله سواء. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» تفسير : تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف. وقوله تعالى: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز، فليعظها، وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته؛ لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها»تفسير : ، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح»تفسير : ، ورواه مسلم، ولفظه: «حديث : إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح»تفسير : ، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ}. وقوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ} قال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك، ولا يحدثها. وقال علي بن أبي طلحة أيضاً عن ابن عباس: يعظها، فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها، من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها. وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حُرة الرقاشي، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع»تفسير : قال حماد: يعني: النكاح. وفي "السنن" و"المسند" عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «حديث : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»تفسير : . وقوله: {وَٱضْرِبُوهُنَّ}، أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: «حديث : واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» تفسير : وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضرباً غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثرـ وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضواً، ولا يؤثر فيها شيئاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً، فإن أقبلت، وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تضربوا إماء الله» تفسير : فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» تفسير : رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، يعني: أبا داود الطيالسي، حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي، عن عبد الرحمن السلمي، عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر رضي الله عنه، فتناول امرأته فضربها، فقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثاً حفظتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة، عن داود الأودي، به. وقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها؛ مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ } مسلطون {عَلَى ٱلنِّسَآءِ } يؤدِّبونهن ويأخذون على أيديهِنَّ {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك {وَبِمَآ أَنفَقُواْ } عليهن {مِنْ أَمْوٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ } منهن {قَٰنِتَٰتٌ } مطيعات لأزواجهن {حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ } أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن {بِمَا حَفِظَ } لهنّ {ٱللَّهُ } حيث أوصى عليهنّ الأزواج {وَٱللَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } عصيانهنّ لكم بأن ظهرت أماراته {فَعِظُوهُنَّ } فخوّفوهنّ الله {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز {وَٱضْرِبُوهُنَّ } ضرباً غير مبرِّح إن لم يرجعن بالهجران {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } فيما يراد منهنّ {فَلاَ تَبْغُواْ } تطلبوا {عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } طريقاً إلى ضربهن ظلماً {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً }فَٱحْذَرُوهُ أن يعاقبكم إن ظلمتموهنّ.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النَّسَآءِ} يعني أهل قيام على نساءهم، في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما أوجب الله لهم عليهن. {بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} يعني في العقل والرأي. {وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أِمْوَالِهِمْ} يعني به الصداق والقيام بالكفاية. وقد روى جرير بن حازم عن الحسن أن سبب ذلك أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص فنزلت: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَي إِلَيْكَ وَحْيُهُ} تفسير : [طه: 114] ونزلت {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس. {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} يعني المستقيمات الدين العاملات بالخير، والقانتات يعني المطيعات لله ولأزواجهن. {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} يعني حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن، ولما أوجبه الله من حقه عليهن. {بِمَا حَفِظَ اللهُ} فيه قولان: أحدهما: يعني يحفظ الله لهن إذ صيّرهن كذلك، وهو قول عطاء. والثاني: بما أوجبه الله على أزواجهن من مهورهن ونفقتهن حتى صرن بها محفوظات، وهذا قول الزجاج. وقد روى ابن المبارك، سعيد بن أبي سعيد أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خَيْرُ النَّساءِ امْرَأَةً إِذا نَظَرْتَ إِلَيهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مالِهَا ونَفْسِهَا" تفسير : قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ} إلى آخر الآية. {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} في {تَخَافُونَ} تأويلان: أحدهما: أنه العلم، فعبر عنه بالخوف، كما قال الشاعر: شعر : ولا تدفنيني بالفلاة فإنني أخافُ إذا ما مِتُّ أن لا اذُوقَها تفسير : يعني فإنني أعْلَمُ والتأويل الثاني: أنه الظن، كما قال الشاعر. شعر : أتاني عن نصر كلام يقوله وما خفت يا سلامُ أنك عائبي تفسير : وهو أن يستر على نشوزها بما تبديه من سوء فعلها. والنشوز: هو معصية الزوج والامتناع من طاعته بغضاً وكراهة - وأصل النشوز: الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نُشز، فسميت الممتنعة عن زوجها ناشزاً لبعدها منه وارتفاعها عنه. {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} أما وعظها فهو أن يأمرها بتقوى الله وطاعته، ويخوفها استحقاق الوعيد في معصيته وما أباحه الله تعالى من ضربها عند مخالفته، وفي المراد بقوله: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} خمسة أقاويل: أحدها: ألا يجامعها، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أن لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع، وهو قول الضحاك، والسدي. والثالث: أن يهجر فراشها ومضاجعتها وهو قول الضحاك، والسدي. والرابع: يعني وقولوا لهن في المضاجع هُجراً، وهو الإغلاظ في القول، وهذا قول عكرمة، والحسن. والخامس: هو أن يربطها بالهجار وهو حبل يربط به البعير ليقرها على الجماع، وهو قول أبي جعفر الطبري. واستدل براوية ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حديث : حَرثَكَ فَأْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ غَيرَ أَلاَّ تَضْرِبَ آلْوَجْهَ وَلاَ تُقَبِّحْ إلاَّ في البًيْتِ، وأطْعِمْ إِذا طَعِمْتَ وَاكْسِ إِذّا اكْتَسَيْتَ، كَيْفَ وَقْدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ"، تفسير : وليس في هذا الخبر دليل على تأويله دون غيره. وأصل الهجر: الترك على قلى، والهُجر: القبيح من القول لأنه مهجور. {وَآضْرِبُوهُنَّ} فجعل الله تعالى معاقبتها على النشوز ثلاثة أشياء: وَعْظُها وهَجْرُها وضَرْبُها. وفي ترتبيها إذا نشزت قولان: أحدهما: أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها، فإن أقامت عليه ضربها. والثاني: أنه إذا خاف نشوزها وعظها، فإذا أبدت المشوز هجرها، فإن أقامت عليه ضربها، وهو الأظهر من قول الشافعي. والذي أبيح له من الضرب ما كان تأديباً يزجرها به عن النشوز غير مبرح ولا منهك، روى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اضْرِبُوهُنَّ إِذَا عَصَينَكُمْ فِي المَعْرُوفِ ضَرْباً غير مُبَرِّحٍ ". تفسير : {فَإِن أَطَعْنَكُم فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} يعني أطعنكم في المضجع والمباشرة. {فلا تبغوا عليهن سبيلاً} فيه تأويلان: أحدهما: لا تطلبواْ لهن الأذى. والثاني: هو أن يقول لها لست تحبينني وأنت تعصيني، فيصيّرها على ذلك وإن كانت مطيعة: قال سفيان: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه لأن قلبها ليس في يدها.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَوَّامُونَ} عليهن بالتأديب، والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ـ تعالى ـ ولأزواجهن. {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ} الرجال عليهن في العقل والرأي. {وَبِمَآ أَنفَقُواْ} من الصداق والقيام بالكفاية، أو لطم رجل امرأته فأتت الرسول صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص فأجابها الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} تفسير : [طه: 114] ونزلت هذه الآية، قال الزهري لا قصاص بين الزوجين فيما دون النفس. {فَالصَّالِحَاتُ} في دينهن {قَانِتَاتٌ} مطيعات لربهن وأزواجهن {حَافِظَاتٌ} لأنفسهن في غيبة أزواجهن، ولحق الله عليهن {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} بحفظه إياهن صرن كذلك، أو بما أوجبه لهن من مهر ونفقة فصرن بذلك محفوظات. {تَخَافُونَ} تعلمون. شعر : ............................. أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها تفسير : أو تظنون. شعر : أتاني عن نُصَيْب كلام يقوله وما خفت يا سلام أنكِ عائبي تفسير : يريد الاستدلال على النشوز بما تبديه من سوء فعلها، والنشوز من الارتفاع لترفعها عن طاعة زوجها. {فَعِظُوهُنَّ} بالأمر بالتقوى، والتخويف من الضرب الذي أذن الله ـ تعالى ـ فيه. {وَاهْجُرُوهُنَّ} بترك الجماع، أو لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع، أو يهجر مضاجعتها، أو يقول لها في المضجع هُجراً وهو الإغلاظ في القول، أو يربطها بالهجار ـ وهو حبل يربط به البعير ـ قاله الطبري، أصل الهجر: الترك عن قلى، وقبيح الكلام هجر، لأنه مهجور، فإذا خاف نشوزها وعظها وهجرها فإن أقامت عليه ضربها، أو إذا خافه وعظها فإن أظهرته هجرها فإن أقامت عليه ضربها ضرباً يزجرها عن النشوز غير مبرح ولا منهك. {سَبِيلاً} أذى، أو يقول لها: "لست محبة لي وأنت تبغضيني فيضربها" على ذلك مع طاعتها له.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الرجال قوامون على النساء} حديث : نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، ويقال امرأته بنت محمد بن مسلمة وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لتقتص من زوجها" فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ارجعوا هذا جبريل أتاني" فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" تفسير : فقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} أي متسلطون على تأديب النساء والأخذ على أيديهن قال ابن عباس: أمروا عليهن فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله والقوام هو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب فالرجل يقوم بأمر المرأة ويجتهد في حفظها ولما أثبت القيام للرجال على النساء بيّن السبب في ذلك فقال تعالى: {بما فضل الله بعضهم على بعض} يعني أن الله تعالى فضل الرجال على النساء بأمور منها زيادة العقل والدين والولاية والشهادة والجهاد والجمعة والجماعات وبالإمامة لأن منهم الأنبياء والخلفاء والأئمة ومنها أن الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد ومنها زيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب فكل هذا يدل على فضل الرجل على النساء ثم قال تعالى: {وبما أنفقوا من أموالهم} يعني وبما أعطوا من مهور النساء والنفقة عليهن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" تفسير : أخرجه الترمذي {فالصالحات} يعني المحسنات العاملات بالخير {قانتات} أي مطيعات لأزواجهن وقيل مطيعات لله {حافظات للغيب} لفروجهن في غيبة أزواجهن لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها ويلحق به الولد الذي هو من غيره وقيل معناه حفظ سر زوجها وحفظ ماله وما يجب على المرأة من حفظ متاع البيت في غيبة زوجها عن أبي هريرة قال حديث : قيل يا رسول الله أي النساء خير "قال التي تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره" تفسير : أخرجه النسائي ورواه البغوي بسند الثعلبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها" تفسير : ثم تلا: {الرجال قوامون على النساء} الآية. وقوله تعالى: {بما حفظ الله} يعني بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج وأمرهم بأداء المهر والنفقة إليهن (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" تفسير : وقيل في معنى الآية بما حفظن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب وقيل بما حفظ الله من حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بعدل فيهن وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان {واللاتي تخافون} أي تعلمون وقيل تظنون {نشوزهن} أي شرورهن وأصل النشوز الارتفاع ونشوز المرأة هو بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته والتكبر عليه وقيل دلالات النشوز قد تكون بالقول والفعل. فالقول مثل إن كانت تلبيه إذا دعاها وتخضع له خاطبها والفعل مثل إن كانت تقوم له إذا دخل عليها وتسرع إلى أمره إذا أمرها فإذا خالفت هذه الأحوال بأن رفعت صوتها عليه أو لم تجبه إذا دعاها ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها دل ذلك على نشوزها على زوجها {فعظوهن} يعني إذا ظهر منهن أمارات النشوز فعظوهن بالتخويف بالقول وهو أن يقول لها اتقي الله وخافيه فإن لي عليك حقاً وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك فإن أصرت على ذلك هجرها في المضجع وهو قوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} يعني إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن في المضاجع. قال ابن عباس: هو أن يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها وقيل هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر {واضربوهن} يعني إن لم ينزعن بالهجران فاضربوهن يعني ضرباً غير مبرح ولا شائن قيل هو أن يضربها بالسواك ونحوه. وقال الشافعي: الضرب مباح وتركه أفضل عن عمرو بن الأحوص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة فقال: "حديث : ألا فاستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن تأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً" تفسير : أخرجه الترمذي بزيادة فيه قوله عوان جمع عانية أي أسيرة شبه المرأة ودخولها تحت حكم زوجها بالأسير والضرب المبرح الشديد الشاق. وقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} أي لا تطلبوا عليهن طريقة تحتجون بها عليهن إذا قمن بواجب حقكم حديث : عن حكيم بن معاوية عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" تفسير : أخرجه أبو داود قوله ولا تقبح أي لا تقل قبحك الله (ق) عن عبدالله بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم لعله يجامعها أو قال يضاجعها من آخر اليوم" تفسير : عن إياس بن عبدالله بن أبي ذئاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "لا تضربوا النساء" فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: زبرت النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثيرون يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم" تفسير : أخرجه أبو داود. إياس بن عبدالله هذا قد اختلف في صحبته وقال البخاري لا يعرف له صحبة قوله زبرت يقال زبرت المرأة على زوجها نشزت واجترأت عليه وأطاف بالشيء أحاط به. ففي هذه الأحاديث دليل على أن الأولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج إلى ضربها لتأديب فلا يضربها ضرباً شديداً وليكن ذلك مفرقاً ولا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتق الوجه لأنه يجمع المحاسن ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط وقيل ينبغي أن يكون الضرب بالمنديل واليد ولا يضرب بالسوط والعصا وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء أولى في هذا الباب واختلف العلماء فقال بعضهم حكم الآية مشروع على الترتيب فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن مجرى الآية يدل على الترتيب قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها فإن أبت ضربها فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكم. وقال الآخرون هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل وقيل له أن يعظها عند خوف النشوز وهل له أن يهجرها فيه احتمال ذلك وله عند ظهور النشوز أن يعظها وأن يهجرها أو يضربها عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يُسأل الرجل فيم ضرب امرأته"تفسير : أخرجه أبو داود (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" تفسير : وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلاّ كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها" تفسير : وفي رواية: "حديث : إذا باتت مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح وفي أخرى" تفسير : حتى ترجع عن طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجته فلتأته وإن كانت على التنور" تفسير : أخرجه الترمذي وله عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا" تفسير : وله عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة" تفسير : وقوله تعالى: {فإن أطعنكم} يعني فإن رجعن عن النشوز إلى طاعتكم عند هذا التأديب فلا تبغوا عليهن سبيلاً يعني فلا تطلبوا عليهن الضرب والهجران على سبيل التعنت والإيذاء، وقيل معناه أزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ ولا تجنوا عليهن الذنوب وقيل معناه لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن {إن الله كان علياً كبيراً} العلي الكبير في صفة الله تعالى معناه الرفيع الذي يعلو عن وصف الواصفين ومعرفة العارفين بالإطلاق الذي يستحق جميع صفات المدح والتكبير هو المستغني عن غيره وذلك هو الله تعالى الموصوف بالجلال والعظمة والكبرياء وكبر الشأن الذي يصغر كل أحد لكبريائه وعظمته تعالى، والمعنى إن الله متعال من أن يكلف عباده ما لا يطيقونه. وقيل إن النساء وإن ضعفن عن دفع ظلم الرجال عنهن فإن الله علي كبير قادر على أن ينتصف لهن ممن ظلمهن من الرجال وقيل معناه أن الله مع علوه وكبريائه يقبل توبة العاصي إذا تاب ويغفر له فإذا تابت المرأة من نشوزها، فالأولى بكم أن تقبلوا توبتها وتتركوا معاتبتها واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم فأنتم أحق بالعفو عمن جنى عليكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ} بناء مبالَغَةٍ، وهو من القِيَامِ على الشيْءِ والاِستبدادِ بالنَّظَر فيه، وحِفْظِهِ، فقيامُ الرِّجَال على النساء هو علَى هذا الحدِّ، وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنَّفَقةِ يقتضي أنَّ للرجالِ علَيْهِنَّ استيلاءً، قال ابنُ عَبَّاس: الرِّجَالُ أمراء على النِّسَاءِ. قال ابنُ العَرَبِّيِّ في «أحكامه»: وللرِّجَالِ عليهنَّ درجةٌ؛ لفَضْلِ القَوَّامِيَّة، فعلَيْه أنْ يَبْذُلَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، وَحُسْنَ العِشْرة، وَيَحْجُبَهَا ويأمُرَهَا بطَاعَةِ اللَّه تعالَى، ويُنْهِيَ إِلَيْهَا شَعَائِرَ الإِسلامِ؛ مِنْ صلاةٍ، وصيامٍ؛ وما وَجَب عَلَى المُسْلمين، وعلَيْها الحِفْظُ لمالِهِ، والإِحسانُ إِلَى أهْلِهِ، والاِلتزامُ لأَمْرِهِ في الحجبة وغيرها إِلاَّ بإِذنه، وقَبُولُ قولِهِ في الطَّاعات. انتهى. و "ما" مصدريةٌ في الموضِعَيْنِ، والصَّلاَحُ في قوله: {فَٱلصَّٰلِحَٰتُ} هو الصلاحُ في الدِّين، و {قَٰنِتَٰتٌ}: معناه: مطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزواجِهِنَّ، {حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ}: معناه: لكلِّ ما غاب عَنْ عَلْم زَوْجِها ممَّا اسْتُرْعِيَتْهُ، وروى أبو هريرة، أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا"تفسير : ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وقوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ}: «ما»: مصدريةٌ، تقديره: بِحِفْظِ اللَّه، ويصحُّ أنْ تكون بمعنى «الَّذِي» ويكون العائدُ في «حَفِظَ» ضميرَ نَصْبِ، أي: بالذي حَفِظَهُ اللَّهُ، ويكون المعنَى: إِمَّا حِفْظُ اللَّهِ ورعايَتُه الَّتي لا يَتِمُّ أمْرٌ دونها، وإِما أوامره ونَوَاهيه للنساء، فكأنها حِفْظُهُ، بمعنى أنَّ النساء يَحْفَظْنَ بإِزاء ذلك وبقَدْرِهِ. وقوله تعالى: {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...} الآية: النُّشُوزُ: أنْ تتعوَّج المرأة، ويرتفع خُلُقُها، وتَسْتَعْلِيَ عَلَى زَوْجها. {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ}: قال ابن عبَّاس: يضاجِعُها، ويولِّيها ظَهْرَهُ، ولا يجامِعُهَا، وقال مجاهدٌ: جنبوا مُضاجَعَتَهُنَّ، وقال ابنُ جُبَيْر: هي هِجْرة الكلام، أيْ: لا تكلِّموهُنَّ، وأعرضوا عَنْهُنَّ، فيقدَّر حذفٌ، تقديره: واهجروهُنَّ في سبب المَضَاجِعِ، حتَّى يُرَاجِعْنَهَا. * م *: قوله: {فِي ٱلْمَضَاجِعِ}، ذكر أبو البقاءِ فيه وجْهَيْن: الأول: أنَّ «في» علَى بابها مِنَ الظرفية، أي: اهجروهنَّ في مواضِعِ الاِضطجاعِ، أي: اتركوا مضاجَعَتَهُنَّ دون تَرْك مكالمتهن. الثاني: أنَّها بمعنى السَّبَب، أي: اهجروهنَّ بِسَبَبِ المَضَاجِعِ؛ كما تقول: في هذه الجنايةِ عُقُوبَةٌ. انتهى، وكونُها للظرفيَّة أظهرُ، واللَّه أعلم. والضَّربُ في هذه الآية: هو ضَرْبُ الأدب غَيْرُ المُبَرِّح، وهو الذي لا يَكْسِرُ عَظْماً، ولا يَشِينُ جارحةً، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : اضْرِبُوا النِّسَاءَ؛ إِذا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ"تفسير : قال عطاء: قُلْتُ عَبَّاسٍ: مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟ قَالَ: بِالشِّرَاكِ وَنَحْوِه. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: قوله عزَّ وجلَّ: {وَٱضْرِبُوهُنَّ} ثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلاَّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِع، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِن انْتَهَيْنَ، فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ"تفسير : . وفي هذا دليلٌ علَى أنَّ الناشز لا نَفَقَةَ لَهَا ولا كُسْوة، وأنَّ الفاحشة هي البَذَاءُ ليس الزِّنَا؛ كما قال العلماء، ففسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الضرْبَ، وبَيَّن أنه لا يكونُ مُبَرِّحاً، أي: لا يَظْهَر له أثَرٌ على البدن. انتهى. قال * ع *: وهذه العظةُ والهَجْر والضَّرْب مراتبُ، إِنْ وقعتِ الطاعةُ عنْدَ إِحداها، لم يتعدَّ إِلى سائرها، و {تَبْغُواْ}: معناه: تَطْلُبُوا، و {سَبِيلاً}: أي: إِلى الأذَى، وهو التعنيتُ والتعسُّف بقَوْلٍ أو فعلٍ، وهذا نهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ، وحَسُنَ هنا الاِتصافُ بالعلوِّ والكِبْر، أي: قَدْرُهُ سبحانه فَوْقَ كُلِّ قدْرٍ، ويده بالقُدْرة فَوْق كلِّ يدٍ؛ فلا يستعلي أحدٌ بالظُّلْم على امرأتِهِ، فاللَّه تعالَى بالمرصاد، وينظر إِلَى هذا حديثُ أبي مسعودٍ، حديث : قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمِي، فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَصَرَفْتُ وَجْهِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ؛ أنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا العَبْدِ...» تفسير : الحديث.

ابن عادل

تفسير : وجه النَّظْم: أنَّ النِّسَاءَ لمّا تَكلَّمْنَ في تَفْضيل [الله] الرِّجال عليهن في الميراثِ؛ بيَّن في هذه الآيَةِ أنَّهُ إنَّمَا فضَّل الرِّجَال على النِّسَاءِ في الميراث؛ لأنَّ الرِّجالَ قوَّامون على النساء؛ فهم وإن اشْترَكُوا في اسْتِمْتَاعِ كُلّ واحدٍ منهم بالآخر، فاللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ بالْقِيَامِ عليهنَّ والنفقة، ودفع المَهْرِ إليهنَّ. وَالْقَوَّامُ، والقَيِّمُ بمعنى واحد، والقوام أبْلَغُ، وهو القيم بالمصالح، والتَّدْبِيرِ، والتَّأدِيبِ، والاهتمام بالْحِفْظِ. قال مُقَاتِلٌ: "نزلت في سَعْد بْنِ الرَّبيعِ، وكان من النقباء وفي امرأته حبيبةَ بِنْتِ [زَيْدِ ابْنِ خارجة بن أبي زهير]. وقال ابْنُ عَبَّاس، والكلْبِيُّ: "حديث : امرأته عَميرَةُ بِنْتُ محمد بْن مَسْلَمةَ، وذلك أنَّها نَشَزَتْ عليه، فَلَطَمَهَا, فانْطلقَ أبُوها معها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفَرْشْتُهُ كريمَتِي فلطمَهَا، وإنَّ أثَرَ اللَّطْمَةِ بَاقٍ في وَجْهِهَا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتصِّي منه ثم قال: اصبري حتى أنظر، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام: أردْنَا أمراً، وأرَادَ اللَّهُ أمْراً، والَّذِي أرَادَ اللَّهُ خَيْر، ورَفَعَ الْقِصَاصَ ". تفسير : قوله: {عَلَى ٱلنِّسَآءِ} متعلق بـ {قَوَّامُونَ} وكذا "بما" والباء للسَّبَبيَّةِ، ويجوز أن تكُونَ لِلْحَالِ، فتتَعلَّق بِمحذُوفٍ؛ لأنَّهَا حَالٌ من الضَّميرِ في {قَوَّامُونَ} تقديره: مُسْتَحِقِّينَ بتفضيل اللِّهِ إيَّاهُمْ، و"مَا" مَصْدَريَّةٌ، وقيل: بمعنى الَّذِي، وهو ضعيفٌ لحذف العائِدِ من غَيْرِ مُسَوِّغ. والبعضُ الأوَّلُ المُرادُ به الرِّجالُ، والبَعْضُ الثَّاني: النسَاءُ، وعَدلَ عَنِ الضَّميريْن فلم يَقُل: بما فَضَّلَهم اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، للإبهام الذي في بَعْض. فصل في دلالة الآية على تأديب النساء دَلَّت الآيةُ عَلَى تأديبِ الرِّجَالِ نساءهم، فإذا حَفِظْنَ حُقُوقَ الرِّجَالِ، فلا يَنْبَغِي أن يُسِيءَ الرِّجُلُ عِشْرَتَها. فصل اعلم أنَّ فَضْلَ الرِّجَالِ على النِّسَاءِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ؛ بعضها صفات حقيقيَّة، وبعضها أحْكَامٌ شرْعيَّةٌ، فالصِّفَاتُ الحقيقيَّة [أن] عُقُولَ الرِّجَالِ وعُلُومَهُم أكْثَر، وقُدْرَتهم على الأعْمَالِ الشَّاقَّة أكْمَل، وفيهم كذَلِكَ من الْعَقْلِ والْقُوَّةِ والكِتَابَةِ في الغالب والفُرُوسيَّةِ، والرَّمْي، وفيهمُ العُلَمَاءُ، والإمَامَةُ الكُبْرَى [والصغرى]، والجهادُ والأذانُ، والخطبةُ، والجمعةُ، والاعْتِكَافُ، والشَّهَادَةُ على الحدود والقِصَاص، وفي الأنْكِحَةِ عند بعضِهِم، وزيادة نصيب الميراث، والتَّعْصيب، وتحمل الدِّية في قتل الخَطَأ، وفي القَسَامَةِ، وفي ولايةِ النِّكَاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وعَدَدِ الأزْوَاجِ، وإليهم الانتساب. وأمّا الصِّفَاتُ الشَّرعيَّةُ فقوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} والمرادُ: عطية المَهْرِ، والنَّفَقَة عليها، وكُلُّ ذلك يَدُلُّ على فَضْل الرِّجَالِ على النِّسَاءِ. قوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ} يَتَعَلَّقُ بما تَعَلَّق به الأوَّلُ، و"مَا" يَجُوزُ أنْ تكُونَ بمعنى "الّذِي" من غير ضَعْفٍ؛ لأنَّ للحذف مسوِّغاً، أي: {وبما أنفقوه من أموالهم}. {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} متعلّق بـ {أَنْفَقُواْ}، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من الضَّمير المحذُوف. فصل قال القُرْطبِيُّ: قوله: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يدلُّ على أنَّهُ متى عجز عن نَفَقَتِهَا، لم يَكُن قوَّاماً عليها [وإذا لم يكن قوّاماً] كان لها فَسْخُ العَقْدِ؛ لزوال المَقْصُودِ الَّذي شُرع لأجْلِهِ النِّكَاحُ، فدلَّ ذلك على ثبوت فَسْخِ النِّكَاحِ عند الإعسار بالنَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، وهذا مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافعيّ، وأحْمدَ. وقال أبو حنيفة: لا يُفْسَخُ لقوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280]. قوله: {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ [لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ}] "الصَّالحات" مبتدأ، وما يَعْدَهُ خبران لَهُ، و"للغيب" مُتعلِّق بـ "حَافظاتٌ" و"أل" في "الغيب" عوض من الضَّميرِ عند الكُوفييِّنَ كقوله: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4]، أي: رأسي وقوله: [البسيط] شعر : 1791- ب- لميَاءُ في شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ وَفِي اللِّثَاتِ وفِي أنْيَابِهَا شَنَبُ تفسير : أي: لثاتها. والجمهور على رفع الجلالةَ من {حَفِظَ ٱللَّهُ} وفي "مَا" على هذه القراءة ثلاثَةُ أوْجُه: أحدُهَا: أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ، والمعنى: بحظ اللَّه إيَّاهُنَّ أي: بتوفيقه لهن، أو بالوصيَّةِ منه تعالى عليهنَّ. والثاني: أن تكُونَ بمعنى الذي، والعَائِدُ محذوفٌ، أي: بالَّذي حفظه اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ مُهُورِ أزواجهِنَّ، والنّفقة عليهن، قاله الزَّجَّاجُ. والثَّالِثُ: أن تكُونَ "مَا" نكرة موصوفة، والعَائِدُ محذوفٌ أيضاً، كما تقرَّرَ في المَوْصُولَةِ، بمعنى الَّذِي. وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بنصب الجَلاَلَةِ. وفي "مَا" ثلاثة أوجه أيضاً: أحدُهَا: أنَّها بمعنى الَّذِي. والثَّانِي: [أنها] نكرةٌ موصُوفَةٌ، وفي {حَفِظَ} ضمير يعُودُ على ["ما"] أي: بما حفظ من البرِّ والطَّاعَةِ، ولا بدّ من حَذْفِ مضافٍ تقديره: بما حَفِظَ دين اللَّه، أو أمر اللَّه؛ لأنَّ الذَّات المقدَّسة لا يحفظها أحَدٌ. والثَّالِثُ: أنْ تكُونَ "مَا" مَصْدريَّة، والمعنى: بما حفظن اللَّه في امتثال أمره، وَسَاغَ عَوْدُ الضَِّميرِ مُفْرَداً على جَمْعِ الإنَاثِ؛ لأنَّهُنَّ في معنى الجنس كأنه قيل: "فمن صلح" فَعَاد الضَّميرِ مُفْرداً بهذا الاعتبارِ، ورُدَّ هذا الوجه بِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الضَّميرِ لما يعودُ عليه وهذا جوابه، وجعله ابْنُ جِنّي مثل قول الشَّاعِرِ: [المتقارب] شعر : 1792-................................... فإنَّ الحَوَادِثِ أوْدَى بِهَا تفسير : أي: أوْدَيْنَ، وَيَنْبَغِي أن يُقَالَ: الأصْلُ بما حفظت اللَّه، والحوادث أوْدَتْ، لأنَّهَا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى [جمع] الإنَاثِ كَعَوْدِهِ عَلَى الوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ، تقول: النِّسَاءُ قَامَتْ، إلاَّ أنَّهُ شَذَّ حذفُ تَاءِ التَّأنيثِ مِنَ الْفِعْلِ المُسْندِ إلى ضَميرِ المُؤنَّثِ. وقرأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ - وهي في مُصْحَفِهِ كَذَلِكَ - "فالصوالح قوانت حوافظ" بالتكسير. قال ابْن جني: وهي أشْبَهُ بالمَعْنَى لإعطائِهَا الكَثْرَة، وَهِيَ المَقْصُودَةُ هُنَا، يعني: أن "فَوَاعِل" من جُمُوعِ الكَثْرَةِ، وجمع التَّصحيح جمع قلَّةٍ، ما لم تَقْتَرِنْ بالألف واللاَّمِ. وظاهِرُ عِبَارَةَ أبِي البَقَاءِ أنه لِلقِلَّةِ، وَإنْ اقْتَرَنَ بـ "أل" فإنَّهُ قال: وجمع التَّصحيح لا يدلّ على الكثرة بوضعِهِ، وقد استعمل فيها كقوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37]. وفيما قالهُ [أبُو الفتح] وأبُو البقاءِ نَظَرٌ، فإنَّ "الصَّالِحات" في القراءةِ المَشْهُورَةِ مُعَرَّفَةٌ بِأل، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه تكُونُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ أنَّ العموم المفيد للكثرة، ليس مِنْ صيغَةِ الجَمْعِ، بل مِنْ "ألْ"، وإذا ثَبَتَ أن "الصَّالِحَاتِ" جمع كَثْرَةٍ، لَزِمَ أنْ يكُونَ "قَانِتَات" و "حَافِظَات" للكثرة؛ لأنَّهُ خبرٌ عن الجميعِ، فَيُفِييدُ الكَثْرَةَ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قلت: الرِّجَالُ قَائِمُونَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ قَائِماً، ولا يجوز أن يكُونَ بعضُهم قاعداً، فإذاً القراءةُ الشَّهيرةُ وافيةٌ بالْمعنى [المقصود]. فصل قال الواحديُّ: لفظ القنُوتِ يُفيدُ: الطَّاعَةَ، وَهُوَ عَامٌّ في طَاعَةِ اللَّهِ، وطاعة الأزْوَاجِ، وما حَالُ المرأةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فقد وصفها اللَّهُ بقوله: {قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ}، واعْلَمْ أنَّ الغيب، خلاف الشَّهَادَةِ، والمعنى: كَوْنُهنَّ حافِظَاتٌ بموجب الغَيْب، وهو أنْ تَحْفَظَ نَفْسَهَا عن الزِّنَا؛ لئلا يلحق الزَِّوْج الغَائب عار الزِّنَا، ويلحقُ به الوَلَد المتكون من نُطْفَةِ غيرِهِ، وتحفظ ماله لئلا يضيع، وتحفظ مَنْزِلَهُ عَمَّا لا يَنْبَغِي، قال عليه السَّلامُ: "حديث : خَيْرُ النِّسَاءِ امرأةٌ إن نَظَرْتَ إلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإنْ أمرتها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مَالِكَ ونفسها" تفسير : وتلا هذه الآية. قوله: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصَّالحات فقال: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ} والخَوْفُ عِبَارَةٌ عَن حَالَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، عند حُدُوثِ أمر مَكْرُوهٍ في المُسْتَقْبل. قال الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه -: دَلالَةُ النُّشوُزِ قَدْ تكُونُ قَوْلاً، وقد تكُونُ فِعْلاً، فالقول مثل أن تلبيه إذا دَعَاهَا، وتخْضَعُ لَهُ بالقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُم تغيَّرتْ، والفِعْلُ إن كَانَتْ تَقومُ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، أوْ تُسارعُ إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم [إنها] تغيرت عَنْ كل ذلك، فهذه إمارَاتٌ دالةٌ على النُّشوزِ، فحينئذٍ ظنَّ نُشُوزهَا، فهذه المقدمَاتُ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ، وأمّا النشوز فهو معصية الزَّوْج، ومُخَالَفَتَهُ، وأصْلُهُ مِنْ قولهم: نَشَزَ الشّيْءُ إذا ارتفع، ومنه يُقالُ للأرضِ المرتفعة: "نَشَزٌ"، يُقَالُ: نَشَزَ الرَّجُلُ ينشِز [وينشُز] إذا كان قاعداً فَنَهض قَائِماً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ ٱللَّهُ} تفسير : [المجادلة: 11] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور اللَّهِ تعالى. وقال أبُو منْصُورٍ اللُّغَويُّ: "النُّشُوزُ كرَاهِيَةُ كُل واحد من الزَّوْجَيْنِ صاحِبَهُ، يقال: نَشَزَتْ تَنْشُزُ، فهي نَاشِزٌ بغير هاء، وهي السَّيِّئَةُ العِشْرَةِ". وقال ابْنُ دُرَيْدٍ: "نَشَزَتْ المرْأةُ، وَنَشَسَتْ، ونَشَصَتْ بمعنى واحد". قوله: "فعظوهنّ"، أي: بالتخويف من اللَّه تعالى، فَيُقَالُ: اتَّقي الله فإنَّ عليك حقّاً لي، وارجعي عمّا أنْت عليه، واعْلَمِِي أنَّ طاعتي فرضٌ عليك، فإنْ أصرَّت على النُّشوزِ، فيهجرها في المَضْجَعِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: يوليها ظَهْرَهُ في الفِرَاشِ، ولا يُكَلِّمُها". وقال غيره: "يَعْتَزِلُ عَنْهَا إلى فِرَاشٍ آخر". قال الشَّافعيُّ: "ولا يزيد في هجره في الكلام على ثَلاثٍ، فإذَا هجرها في المَضْجَع، فإن كانت تَبْغَضُه، وافقها ذلك الهجران، فيكونُ ذلك دليلاً على كمال النُّشوزِ". ومنهم من حَمَلَ الهِجْرَانَ في المَضَاجِعِ على تَرْكِ المُبَاشَرَةِ. وقال القرطبي: وقيل: اهْجرُوهُنَّ مِنَ الهُجْرِ، وهو القَبيحُ من الكَلاَمِ، أي: غلظُوا عليْهِنَّ فِي القَوْلِ، وضاجعوهن للجماع وغيره و [قال] معناه سفيان [الثَّوْرِي]، وروي عن ابْن عَبَّاسٍ. وقيل: شدّوهن [وثاقاً] في بيوتهن، من قولهم: هجر البعيرَ، أي: ربطه بالهجار، وهو حَبْلٌ يُشَدُّ به البعيرُ، وهذا اختِيارُ الطَّبري، وقدح في سائر الأقْوالِ، ورَدَّ عليه القاضِي أبُو بَكْرٍ بْن العَرَبِيّ وقال: "يا لها من هَفْوَة عالمٍ بالقرآن والسُّنَّةِ، والَّذي حملَهُ على [هذا] التأويلِ حديثٌ غريبٌ، رواه ابْنُ وهب عن مالكٍ: أنَّ أسْمَاءَ بنتَ أبي بكر الصّديق امرأةَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوّامِ كانت قد نَشَزَتْ على زوجها فقد شعر واحدة بالأخْرَى ثم ضَرَبَهَا" الحديث. فرأى الرَّبط والعقد، مع احْتِمَالِ اللَّفْظِ، مع فعل الزُّبَيْرِ، فأقدم على هذا التَّفْسيرِ". قال القرطبيُّ: وهذا الهَجْرُ غَايَتُهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ شهر، كما فعل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين أسَرَّ إلى حَفْصَة حديثاً، فأفشته إلى عَائِشَةَ - رضي الله عنها -. قوله: {فِي ٱلْمَضَاجِعِ} فيه وجهان: أحدها: أنَّ "في" على بابها من الظرفيَّةِ متعلّق بـ {َٱهْجُرُوهُنَّ} أي: اتركوا مضاجعتهن، أي: النَّوْمَ مَعْهُنَّ دون كلامِهِنَّ ومؤاكلتهنَّ. والثَّاني: أنها للِسَّبَبِ. قال أبُو البقاءِ: {وَٱهْجُرُوهُنَّ} بسبب المضاجع، كما تَقُولُ: في هذه الجِنَايَةِ عُقُوبَةٌ، وجعل مكي هذا الوجه مُتَعَيِّناً، ومنع الأول، قال: ليس {فِي ٱلْمَضَاجِعِ} ظرفاً للهجران، وإنَّمَا هو سَبَبٌ لِهِجْرَانِ التَّخَلُّفِ، ومعناه: فاهجروهنّ من أجل تخلفهن عن المُضاجَعَةِ معكم، وفيه نَظَرٌ لا يخفى. وكلام الوحِدِي يُفْهِم أنَّهُ يجوزُ تعلَّقه بـ {نُشُوزَهُنَّ}، فإنه قال - بعدما حكى عن ابْنِ عَبَّاسٍ كلاماً -: والمعنى على هذا: "واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع"، والكلامُ الذي حَكاهُ عن ابن عباس هو قوله: هذا كُلُّهُ في المَضْجَعِ، إذا هي عَصَتْ أن تَضْطَجِعَ مَعَهُ، ولكن لا يجوزُ ذلك؛ لئلاّ يلزمَ الفَصْلُ بين المَصْدَرِ ومعموله بأجنبيّ. وقدّر بعضهم مَعْطُوفاً بعد قوله: "واللاتي تخافون"، أي: واللاتي تخافون نشوزهن، ونَشَزْنَ، كأنَّهُ يريد أنَّهُ لا يجوُزُ الإقدام على الوَعْظِ، وما بعده بِمُجَرَّدِ الخَوْفِ. وقيل: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ الخَوْفَ بمعنى اليقين [قال تعالى {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} تفسير : [البقرة: 182]، قال ابن عباسٍ: تخافون بمعنى تتيقّنون]، وقيل: غلبة الظنِّ في ذلك كافِيَةٌ. قوله: {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني: أنَّهُنّ [إن] لم ينزعن مع الهجران فاضربُوهُنَّ، يعني ضرباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولا شَائِنٍ. قال عَطَاءٌ: "[هو] ضَرْب بالسِّواكِ". وقال عليه السَّلامُ في حقّ المرْأةِ: "حديث : أنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمَتْ، وتكسوها إذا اكْتَسَيت، ولا تضرب الوَجْهَ، ولا تهجر إلاَّ في البَيْتِ ". تفسير : قال الشافِعيُّ: يكُونُ دون الأرْبَعينَ. وقال بعضُهُم: لا يَبْلغُ به عِشْرِينَ، لأنَّهُ حدٌّ كامِلٌ في حَقِّ العبد، ويكونُ بحيث لا يُفْضي إلى الهَلاَكِ، ويَكُونُ مفرقاً على بدنها، ولا تجوزُ الموالاة في مَوضعٍ واحدٍ، ويتقي الوجه. قال بعضُ العُلَمَاءِ: يكُونُ الضَّرْبُ بمنديلٍ مَلْفُوفٍ، أو بِيَدِهِ، ولا يَضْرِبُهَا بالسِّياطِ، ولا بالعَصَا، وبالجملة فالتَّخفيفُ مراعى في هَذَا البَابِ. قال الشَّافعيُّ: "الضَّرْبُ مُبَاحٌ وتركُهُ أفْضَلُ". واختلفوا: هل هذا الحُكْمُ على الترتيبِ، أم لا؟ قال عَلِيُّ بْنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -: يَعِظُهَا بِلِسَانِهِ، فإنْ أبَتْ هَجَرَهَا فِي المَضْجَعِ [فإن أبَتْ ضَرَبَهَا]، فإن لم تَتَّعِظْ بالضَّرْبِ بَعَثَ الحكم [مِنْ أهْلِهِ]. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خَوْف النُّشُوزِ أمّا عند تحقق النشوز، فلا بأس بالجمع بين الكُلِّ. قوله: "[فإن أطعنكم] فلا تبغوا عليهن سبيلاً" في نَصْبِ "سبيلاً" وجْهَانٍ: أحدهما: أنه مفعول به. والثَّانِي: أنَّهُ على إسْقَاطِ الخَافِضِ، وهذان الوَجْهَانِ مبنيان على تفسِير البَغْي هنا ما هو؟ فقيل: هو الظٌّلْمُ من قوله: {أية : فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} تفسير : [القصص: 76]، فعلى هذا يَكُونُ لازِماً، و "سبيلاً" منصوب بإسْقَاطِ الخَافِضِ أي: كسبيل. وقيل: هو الطَّلب، من قولهم: بَغَيْتُه، أي: طلبته، وفي {عَلَيْهِنَّ} وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بـ {تَبْغُواْ}. والثَّاني: أنَّهُ مُتَعَلِّق بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من {سَبِيلاً}، لأنه في الأصلِ صفة النكرة قُدِّم عليها. فصل قال بعضُهُم: معناه: لا تتجنّوا عليهنَّ بقولٍ، أو فِعْل. قال ابْنُ عيينَةَ لا تكلِّفوهُنَّ محبتكم، فإنَّ القلب ليس بأيديهن، ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} مُتعالياً عن أنْ يكلّف العبادَ ما لا يُطيقُونَهُ، فلذلك لا تُكلفوهنّ محَبَتَكُم، فإنهن لا يطقنَ ذِلكَ. وقيل: إنَّهُ مع عُلُوِّهِ، وكبريائه لا يُؤاخِذُ العَاصي إذَا تَابَ، فأنتم أولى إذا تابت المرأةُ من نُشُوزِهَا بأن تقبلوا تَوْبَتَهَا، وقيل: إنَّهُنَّ إن وضعفن عن دَفْعِ ظلمكم فاللَّهُ سبحانه كبيرٌ عليٌّ قاهر يَنْتَصِفُ لَهُنَّ مِنْكُمْ.

البقاعي

تفسير : ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين، فقال - جوباً لسؤال من كأنه قال: ما للرجال فضلوا؟ - {الرجال قوامون} أي قيام الولاة {على النساء} في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي، وبين سببي ذلك بقوله: {بما فضل الله} أي الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى، هبة منه وفضلاً نم غير تكسب {بعضهم} وهم الرجال، في العقل والقوة والشجاعة، ولهذا كان فيهم الأنيباء والولاة والإمامة الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين {على بعض} يعني النساء، فقال للرجال {أية : انفروا خفافاً وثقالاً} تفسير : [التوبة: 41] وقال للنساء: {أية : وقرن في بيوتكن} تفسير : [الأحزاب: 33]. ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال: {وبما أنفقوا} أي من المهور والكسى وغيرها {من أموالهم} أي عليهن، فصارت الزيادة في أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر. ولما بان بذلك فضلهم، فأذعنت النفس لما فضلوا به في الإرث وغيره، وكان قد تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من حقوقهم وتأديب من جحدت الحق، فقال مسبباً لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من فضلهم {فالصالحات قانتات} أي مخلصات في طاعة الأزواج، ولذلك ترتب عليه {حافظات للغيب} أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن {بما} أي بالأمر الذي {حفظ الله} أي المحيط علماً وقدرة به غيبتهم بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما يرضي الله والترهيب من عصيانهم بما يسخطه، ورعي الحدود التي أشار إليها سبحانه من البقرة، وشرحتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما عرف بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال: {واللاّتي تخافون نشوزهن} أي ترفعهن عليكم عن الرتبة التي أقامهن الله بها، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق، وأصل النشوز: الانزعاج في ارتفاع، قال الشافعي: دلالات النشوز قد تكون قولاً، وقد تكون فعلاً، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها، ثم تغيرت؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا دخل إليها، أو كانت تسارع إلى أمره، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إذا تغيرت فحينئذ ظن نشوزها؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز {فعظوهن} أي ذكروهن من أمر الله بما يصدع قلوبهن ويرققها ويخيفهن من جلال الله. ولما كان الوعظ موجباً لتحقق الطاعة أو المعصية قال: {واهجروهن} أي إن لم يرجعن بالوعظ {في المضاجع} أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت، وفي ضمن الهجر امتناعه من كلامها؛ قال الشافعي: ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث {واضربوهن} أي إن أصررن ضرب تأديب غير مبرح، وهو ما لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً، ويكون مفرقاً على بدناه ولا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، ويكون دون الأربعين؛ قال الشافعي: الضرب مباح وتركه أفضل {فإن أطعنكم} أي بشيء من الوعظ، والهجر في موضع المبيت من البيت، أو الضرب {فلا تبغوا} أي تطلبوا {عليهن سبيلاً} أي طريقاً إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه، بما لكم عليهن من العلو، بل اغفروا لهن ما سلف، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي وقد علمتم ما له من الكمال {كان} ولم يزل {علياً كبيراً *} أي له العلو والكبر على الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة, فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه، بل يبدل سيئاته حسنات، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته، وخافوا سطواته، واحذروا عقوبته، بما له من العلو والكبر. ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال: {وإن خفتم} أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم {شقاق بينهما} أي الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئاً واحداً كما كانا لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما {فابعثوا} أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم {حكماً من أهله} أي الزوج {وحكماً من أهلها} أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح. ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: {إن يريدا} أي الحكمان {إصلاحاً} أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل {يوفق الله} الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة {بينهما} أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد، وهذا دالعلى أنه لا يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد عليها. ولما كان المصلح قد يظن مفسداً لصدعه بمر الحق من غير مداراة، والمفسد قد يعد مصلحاً لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر، فيظن من يخلق الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر؛ قال تعالى مزيلاً لهذا الوهم مرغباً ومرهباً: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {كان عليماً} أي مطلقاً على ما يمكن الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره {خبيراً *} أي لا يخفى عليه من ذلك خفي، ولا يغيب عنه خبيء، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح، ولم يذكر سبحانه وتعالى الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه في البقرة، ولأن مبنى هذه السورة على التواصل والتوادّ دون التفاصل والترادّ كما قال ابن الزبير، ولهذا - أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون التفاصل والاختلاف - خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء إلا قوله: {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته} تفسير : [النساء: 130] - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال‏ ‏"حديث : ‏جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ القصاص‏.‏‏.‏‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏الرجال قوامون على النساء‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فرجعت بغير قصاص ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق قتادة عن الحسن ‏ "‏حديث : أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقصها منه‏.‏ فنزلت ‏ {‏الرجال قوامون على النساء‏} ‏ فدعاه فتلاها عليه، وقال أردت أمراً وأراد الله غيره ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق جرير بن حازم عن الحسن ‏"حديث : ‏أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص‏.‏ فنزلت {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه‏} [‏طه : 114‏]‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن ‏ {‏الرجال قوامون على النساء‏} ‏ إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أردنا أمراً وأراد الله غيره ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي قال‏‏ ‏‏ "حديث : ‏أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له فقالت‏:‏ يا رسول الله إن زوجها فلان ابن فلان الأنصاري، وأنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك‏.‏ فأنزل الله ‏{‏الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض‏}‏ أي قوامون على النساء في الأدب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أردت أمراً وأراد الله غيره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ لطم رجل امرأته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم القصاص، فبينما هم كذلك نزلت الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي‏.‏ نحوه‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏الرجال قوّامون على النساء‏} ‏ قال‏:‏ بالتأديب والتعليم ‏ {‏بما أنفقوا من أموالهم‏} ‏ قال‏:‏ بالمهر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري قال‏:‏ لا تقص المرأة من زوجها إلا في النفس‏. ‏ وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال‏:‏ نحن نقص منه إلا في الأدب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏الرجال قوّامون على النساء‏} ‏ يعني أمراء عليهن، وأن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله، حافظة لماله ‏ {‏بما فضل الله‏} ‏ وفضله عليها بنفقته وسعيه ‏ {‏فالصالحات قانتات‏} ‏ قال‏:‏ مطيعات ‏ {‏حافظات للغيب‏} ‏ يعني إذا كن كذا فأحسنوا إليهن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال‏:‏ الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت فله أن يضربها ضرباً غير مبرح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه‏.‏ وأخرج عن السدي ‏ {‏الرجال قوَّامون على النساء‏} ‏ يأخذون على أيديهن ويؤدبونهن‏.‏ وأخرج عن سفيان ‏ {‏بما فضل الله بعضهم على بعض‏} ‏ قال‏:‏ بتفضيل الله الرجال على النساء ‏ {‏وبما أنفقوا من أموالهم‏} ‏ بما ساقوا من المهر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي ‏ {‏وبما أنفقوا من أموالهم‏} ‏ قال‏:‏ الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جُلِدَتْ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏فالصالحات قانتات‏} ‏ أي مطيعات لله ولأزواجهن ‏ {‏حافظات للغيب‏} ‏ قال‏:‏ حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏حافظات للغيب‏} ‏ للأزواج‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏حافظات للغيب بما حفظ الله‏}‏ يقول تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ حافظات لأزواجهن في أنفسهن بما استحفظهن الله‏.‏ وأخرج عن مقاتل قال‏:‏ حافظات لفروجهن لغيب أزواجهن، حافظات بحفظ الله لا يخن أزواجهن بالغيب‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء قال‏:‏ حافظات للأزواج بما حفظ الله يقول‏:‏ حفظهن الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏حافظات للغيب‏} ‏ قال‏:‏ يحفظن على أزواجهن ما غابوا عنهن من شأنهن ‏ {‏بما حفظ الله‏} ‏ قال‏:‏ بحفظ الله إياها أن يجعلها كذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها‏. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ إلى قوله ‏{‏قانتات حافظات للغيب‏}‏ ‏‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن طلحة بن مصرف قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏"‏فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن واللاتي تخافون‏"‏‏.‏ وأخرج عن السدي ‏"‏ ‏ {‏فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله‏} ‏ فأحسنوا إليهن‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏خير فائدة أفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب في ماله ونفسها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال‏:‏ ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق ودود ولود، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شراً من امرأة سيئة الخلق حديدة اللسان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزي قال‏:‏ مثل المرأة الصالحة عند الرجل الصالح مثل التاج المخوص بالذهب على رأس الملك، ومثل المرأة السوء عند الرجل الصالح مثل الحمل الثقيل على الرجل الكبير‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ألا أخبركم بالثلاث الفواقر‏؟‏ قيل‏:‏ وما هن‏؟‏ قال‏:‏ إمام جائر إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى حسنة غطاها وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاظتك وإن غبت عنها خانتك‏.‏ وأخرج الحاكم عن سعد‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاث من السعادة‏:‏ المرأة تراها فتعجبك وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق‏.‏ وثلاث من الشقاء‏:‏ المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك. والدار تكون ضيقة قليلة المرافق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق حصين بن محصن قال‏:‏ حدثتني عمتي قالت‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏أي هذه أذات بعل أنت‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ كيف أنت له‏؟‏ قالت‏:‏ ما آلوه إلا ما عجزت عنه‏.‏ قال‏:‏ انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏ ‏‏حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة‏؟‏ قال‏: "من حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دماً وقيحاً وصديداً فلحسته بلسانها ما أدت حقه، لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر أمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها لما فضله الله عليها" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره، ولا تخرج وهو كاره، ولا تطيع فيه أحداً، ولا تخشن بصدره، ولا تعتزل فراشه، ولا تضر به، فإن كان هو أظلم فلتأته حتى ترضيه، فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها، وإن هو لم يرض فقد أبلغت عند الله عذرها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن شبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الفساق أهل النار‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ومن الفساق‏؟‏ قال‏:‏ النساء‏.‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن وإذا ابتلين لم يصبرن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه‏ "‏‏. تفسير : ‏وأخرج عبد الرزاق والبزار والطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ ‏حديث : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال فإن يصيبوا أُجرُوا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافها بحقه تعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن ابن عباس. ‏ "حديث : أن امرأة من خثعم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإني امرأة أيم، فإن استطعت وإلا جلست أيما‏؟‏ قال‏: فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر بعير أن لا تمنعه نفسها، ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب حتى ترجع ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط‏ ‏‏ ‏"‏حديث : عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقاً على المرأة‏؟‏ قال‏: زوجها‏.‏ قلت‏:‏ فأي الناس أعظم حقاً على الرجل‏؟‏ قال‏: أمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا معشر النساء اتقين الله والتمسن مرضاة أزواجكن، فإن المرأة لو تعلم ما حق زوجها لم تزل قائمة ما حضر غداؤه وعشاؤه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو تعلم المرأة حق الزوج ما قعدت، ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو كنت آمراً بشراً يَسجدُ لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم حسنة‏:‏ العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه، والمرأة الساخط عليها زوجها، والسكران حتى يصحو‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة‏:‏ النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، ورجل زار أخاه في ناحية المصر يزوره في الله في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة الودود العدود على زوجها، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يده، ثم تقول‏:‏ لا أذوق غمضاً حتى ترضى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن زيد بن ثابت. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته‏:‏ ‏"حديث : ‏إني أبغض أن تكون المرأة تشكو زوجها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن ‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة عثمان‏:‏‏ أي بنية أنه لا امرأة لرجل لم تأت ما يهوى وذمته في وجهه، وإن أمرها أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر، أو من جبل أحمر إلى جبل أسود. فاستصلحي زوجك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏النساء على ثلاثة أصناف‏:‏ صنف كالوعاء تحمل وتضع، وصنف كالبعير الجرب، وصنف ودود ولود تعين زوجها على إيمانه خير له من الكنز‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ النساء ثلاث‏:‏ امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقليل ما تجدها، وامرأة وعاء لم تزد على أن تلد الولد، وثالثة غل قمل يجعلها الله في عنق من يشاء، وإذا أراد أن ينزعه نزعه‏.‏ وأخرج البيهقي ‏ ‏"حديث : عن أسماء بنت يزيد الأنصارية‏ أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت‏:‏ بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي - لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أموالكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله‏؟‏ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال‏: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مُساءلتها في أمر دينها من هذه‏؟ فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا‏؟‏ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها‏: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء إن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله‏.‏ فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال‏:‏ ‏ حديث : جاء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن‏:‏ ‏"‏يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، أفما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أم سلمة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد ‏ ‏"‏حديث : عن أسماء بنت يزيد قالت‏: مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في نسوة فسلم علينا فقال‏:‏ إياكن وكفران المنعمين‏.‏ قلنا يا رسول الله وما كفران المنعمين‏؟‏ قال‏:‏ لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها وتعنس فيرزقها الله زوجاً، ويرزقها منه مالاً وولداً، فتغضب الغضبة فتقول‏:‏ ما رأيت منه خيراً قط‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي بسند منقطع عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أف للحمام حجاب لا يستر، وماء لا يطهر، ولا يحل لرجل أن يدخله إلا بمنديل، مر المسلمين لا يفتنوا نساءهم ‏{‏الرجال قوّامون على النساء‏}‏ علموهن ومروهن بالتسبيح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي عن أبي أمامة قال‏:‏‏ ‏حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابن لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"حاملات والدات رحيمات، لولا ما يأتين إلى أزواجهن لدخل مصلياتهن الجنة" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ ‏‏حديث : قالت امرأة‏:‏ يا رسول الله ما جزاء غزوة المرأة‏؟‏ قال‏: "طاعة الزوج واعتراف بحقه‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏‏ ‏"حديث : ‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي النساء خير‏؟‏ قال‏: التي تسره إذا نظر، ولا تعصيه إذا أمر، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن معاذ. ‏ ‏حديث : أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فقال‏:‏ لأي شيء تفعلون هذا‏؟‏! قالوا‏:‏ هذا تحية الأنبياء‏.‏ قلت‏:‏ فنحن أحق أن نصنع بنبينا‏!‏ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرَّفوا كتابهم، لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن بريدة. ‏"حديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله علمني شيئاً أزداد به يقيناً فقال‏:‏‏ ادع تلك الشجرة فدعا بها فجاءت حتى سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها‏:‏ ارجعي فرجعت‏.‏ قال‏:‏ ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه وقال‏:‏ لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما.‏ عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم‏.‏ العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عنها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أنه قدم اليمن فسألته امرأة ما حق المرء على زوجته، فإني تركته في البيت شيخاً كبيراً‏؟‏ فقال‏:‏ والذي نفس معاذ بيده لو أنك ترجعين إذا رجعت إليه، فوجدت الجذام قد خرق لحمه وخرق منخريه، فوجدت منخريه يسيلان قيحاً ودماً، ثم ألقمتيهما فاك لكيما تبلغي حقه ما بلغت ذاك أبدا‏.‏ وأخرج أحمد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح أن يسجد بشر لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها‏.‏ والذي نفسي بيده لو أن من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم أقبلت تلحسه ما أدت حقه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس ‏"حديث : ‏أن رجلاً انطلق غازياً وأوصى امرأته لا تنزل من فوق البيت، فكان والدها في أسفل البيت فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره وتستأمره، فأرسل إليها إتقي الله وأطيعي زوجك‏.‏ ثم إن والدها توفي فأرسلت إليه تستأمره، فأرسل إليها مثل ذلك‏.‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، فأرسل إليها أن الله قد غفر لأبيك بطواعيتك لزوجك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال‏:‏ كان يقال أشد الناس عذاباً اثنان‏:‏ امرأة تعصي زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري. حديث : أن رجلاً أتى بابنته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن ابنتي هذه أبت أن تتزوّج فقال لها‏: "‏أطيعي أباك‏.‏ فقالت‏:‏ لا‏ حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته‏.‏ فقال‏:‏ حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحستها، أو ابتدر منخراه صديدا ودماً ثم لحسته ما أدت حقه‏. فقالت‏:‏ والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبداً‏.‏ فقال‏:‏ لا تنكحوهن إلا بإذنهن‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك لكان النساء يسجدن لأزواجهن‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن عائشة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنتقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، أو من جبل أسود إلى جبل أحمر، كان نولها أن تفعل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن شيبة عن عائشة قالت‏:‏ يا معشر النساء لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجهه بحر وجهها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ لو أن امرأة مصت أنف زوجها من الجذام حتى تموت ما أدت حقه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ‏{‏واللاتي تخافون نشوزهن‏} ‏ قال‏:‏ تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها، فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد‏.‏ فإن رجعت وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً ولا يجرح بها جرحاً ‏ {‏فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً‏} ‏ يقول‏:‏ إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏نشوزهن‏}‏ قال‏:‏ بغضهن‏.‏ وأخرج عن ابن زيد قال‏:‏ النشوز‏:‏ معصيته وخلافه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن‏} ‏ قال‏:‏ إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها‏:‏ اتق الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏واللاتي تخافون نشوزهن‏} ‏ قال‏:‏ العصيان ‏ {‏فعظوهن‏} ‏ قال‏:‏ باللسان ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏} ‏ قال‏:‏ لا يكلمها ‏ {‏واضربوهن‏} ‏ ضرباً غير مبرح ‏ {‏فإن أطعنكم‏} ‏ قال‏:‏ إن جاءت إلى الفراش ‏{‏فلا تبغوا عليهن سبيلاً‏}‏ قال‏:‏ لا تلمها ببغضها إياك فإن البغض أنا جعلته في قلبها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فعظوهن‏}‏ قال‏:‏ باللسان‏. ‏ وأخرج البيهقي ‏ ‏"حديث : عن لقيط بن صبرة قال‏:‏ قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي امرأة في لسانها شيء - يعني البذاء - قال طلقها‏.‏ قلت‏:‏ إن لي منها ولداً ولها صحبة‏.‏ قال‏: فمرها - يقول عظها - فإن يك فيها خير فستقبل، ولا تضربن ظعينتك ضربك أمتك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أبي حرة الرقاشي عن عمه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع "تفسير : - قال حماد‏:‏ يعني النكاح‏‏‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏}‏ قال‏:‏ لا يجامعها‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏} ‏ يعني بالهجران، أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏} ‏ قال‏:‏ لا يقربها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏} ‏ قال‏:‏ لا تضاجعها في فراشك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق أبي صالح عن ابن عباس ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏}‏ قال‏:‏ يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة ‏ {‏واهجروهن في المضاجع‏} ‏ قال‏:‏ الكلام والحديث، وليس بالجماع‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ يرقد عندها ويوليها ظهره ويطؤها ولا يكلمها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الضحى عن ابن عباس ‏ {‏واهجروهن في المضاجع واضربوهن‏} ‏ قال‏:‏ يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع، فإن أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ الهجران حتى تضاجعه، فإذا فعلت فلا يكلفها أن تحبه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله ‏ {‏واضربوهن‏} ‏ قال‏:‏ ضرباً غير مبرح‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اضربوهن إذا عصينكم في المعروف، ضرباً غير مبرح ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن حجاج قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تهجروا النساء إلا في المضاجع، واضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضرباً غير مبرح‏"‏‏تفسير : .‏ يقول‏:‏ غير مؤثِّر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ ما الضرب غير المبرح‏؟‏ قال‏:‏ بالسواك ونحوه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن إياس بن عبد الله ابن أبي ذئاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تضربوا إماء الله‏.‏ فقال عمر‏:‏ ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن‏.‏ فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ليس أولئك خياركم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت أبي بكر قالت‏:‏‏ ‏"‏حديث : كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلى بينهم وبين ضربهن ثم قال‏: ولن يضرب خياركم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم‏؟‏‏!‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص. أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال‏:‏ ‏"‏حديث : أي يوم أحرم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم‏.‏ فقال الناس‏:‏ يوم الحج الأكبر يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده، إلا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، وإن كل دم في الجاهلية موضوع وأول دم أضع من دم الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ‏{‏فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا‏ً}‏ ألا وإن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً‏.‏ فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته‏؟‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏فلا تبغوا عليهن سبيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا تلمها ببغضها إياك، فإن البغض أنا جعلته في قلبها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سفيان ‏ {‏فإن أطعنكم‏} ‏ قال‏:‏ إن أتت الفراش وهي تبغضه ‏ {‏فلا تبغوا عليهن سبيلاً‏} ‏ لا يكلفها أن تحبه لأن قلبها ليس في يديها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه النسائي والبيهقي عن طلق بن علي. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا دعا الرجل امرأته لحاجته فلتجبه وإن كانت على التنور ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن طلق قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تمنع امرأة زوجها ولو كانت على ظهر قتب‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء} كلامٌ مُستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان سببِ استحقاقِ الرجالِ الزيادةَ في الميراث تفصيلاً إثرَ بـيانِ تفاوتِ استحقاقِهم إجمالاً، وإيرادُ الجملةِ اسميةً والخبرِ على صيغة المبالغةِ للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أُسند إليهم ورسوخِهم فيه، أي شأنُهم القيامُ عليهن بالأمر والنهْي قيامَ الولاةِ على الرعية، وعلل ذلك بأمرين: وهبـيٌّ وكسبـيٌّ فقيل: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} الباءُ سببـيةٌ متعلقةٌ بقوامون أو بمحذوف وقع حالاً من ضميره وما مصدريةٌ والضميرُ البارزُ لكِلا الفريقين تغليباً أي قوامون عليهن بسبب تفضيلِ الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ، ووضعُ البعضِ موضِعَ الضميرين للإشعار بغاية ظهورِ الأمرِ وعدمِ الحاجةِ إلى التصريح بالمفضّل والمفضّل عليه أصلاً ولذلك لم يصرَّحْ بما به التفضيلُ من صفات كمالِه التي هي كمالُ العقلِ وحسنُ التدبـيرِ ورزانةُ الرأي ومزيدُ القوة في الأعمال والطاعاتِ ولذلك خُصّوا بالنبوة والإمامةِ والولايةِ وإقامةِ الشعائرِ والشهادةِ في جميع القضايا ووجوبِ الجهادِ والجمعةِ وغير ذلك {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ} الباءُ متعلقةٌ بما تعلقت به الأولى وما مصدريةٌ وموصولةٌ حُذف عائدُها من الصلة، ومِنْ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ متعلقةٌ بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوفِ أي وبسبب إنفاقِهم من أموالِهم أو بسبب ما أنفقوه من أموالهم أو كائناً من أموالهم وهو ما أنفقوه من المَهر والنفقة. روي «حديث : أن سعدَ بنَ الربـيعِ أحدَ نقباءِ الأنصارِ رضي الله عنهم نشَزَت عليه امرأتُه حبـيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبـي زُهير فلَطَمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا فقال عليه السلام: "لتقتصَّ منه" فنزلت فقال عليه السلام: "أردْنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراده الله خيرٌ"»تفسير : . {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ} شروعٌ في تفصيل أحوالِهن وبـيانِ كيفية القيامِ عليهن بحسب اختلافِ أحوالِهن أي فالصالحاتُ منهن {قَـٰنِتَـٰتٍ} أي مطيعاتٌ لله تعالى قائماتٌ بحقوق الأزواج {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} أي لِمَواجب الغيبِ أي لما يجب عليهن حفظُه في حال غيبةِ الأزواجِ من الفروج والأموال. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيرُ النساءِ امرأةٌ إن نظَرتَ إليها سرّتْك وإن أمرتها أطاعتْك وإذا غِبت عنها حفِظَتْك في مالها ونفسها» تفسير : وتلا الآية، وقيل: لأسرارهم وإضافةُ المالِ إليها للإيذان بأن مالَه في حق التصرفِ في حكم مالِها كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } تفسير : [النساء، الآية 5] الآية {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} ما مصدرية أي بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيبِ والحثِّ عليه بالوعد والوعيد والتوعيدِ والتوفيقِ له، أو موصولةٌ أي بالذي حفِظَ الله لهن عليهم من المَهر والنفقةِ والقيامِ بحفظهن والذبِّ عنهن وقرىء بما حفِظ الله بالنصب على حذف المضافِ أي بالأمر الذي حفِظ حقَّ الله تعالى وطاعتَه وهو التعففُ والشفقة على الرجال. {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} خطابٌ للأزواج وإرشادٌ لهم إلى طريق القيامِ عليهم. والخوفُ حالةٌ تحصُل في القلب عند حدوثِ أمرٍ مكروهٍ أو عند الظنِّ أو العلمِ بحدوثه وقد يُراد به أحدُهما أي تظنون عِصيانَهن وترفُّعَهن عن مطاوعتكم من النشَز وهو المرتفع من الأرض {فَعِظُوهُنَّ} فانصحوهن بالترغيب والترهيب {وَٱهْجُرُوهُنَّ} بعد ذلك إن لم ينفَع الوعظُ والنصيحةُ {فِى ٱلْمَضَاجِعِ} أي في المراقد فلا تُدْخِلوهن تحت اللحف ولا تباشِروهن فيكون كنايةً عن الجماع، وقيل: المضاجعُ المبايتُ أي لا تبايتوهن، وقرىء في المضْجَع وفي المُضْطجع {وَٱضْرِبُوهُنَّ} إن لم ينجَعْ ما فعلتم من العظة والهُجران ضرباً غيرَ مبرِّحٍ ولا شائنٍ {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} بذلك كما هو الظاهرُ لأنه منتهىٰ ما يعد زاجراً {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بالتوبـيخ والأذيةِ أي فأزيلوا عنهن التعرّضَ واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائبَ من الذنب كمن لا ذنب له. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فاحذَروه فإنه تعالى أقدرُ عليكم منكم على مَنْ تحت أيديكم أو أنه تعالى على علو شأنِه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوبُ عليكم عند توبتِكم فأنتم أحقُّ بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتِهن لكم أو أنه يتعالى ويكبُر أن يظلمَ أحداً أو ينقُصَ حقَّه، وعدمُ التعرضِ لعدم إطاعتِهن لهم للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يتحققَ أو يُفرضَ تحققُه وأن الذي يُتوقع منهن ويليق بشأنهن لا سيما بعدما كان ما كان من الزواجر هو الإطاعةُ ولذلك صُدِّرت الشرطيةُ بالفاء المُنْبئةِ عن سببـية ما قبلها لما بعدها.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} [الآية: 34]. وقال بعضهم رحمه الله: بحفظ الله لهن صرن حافظات للغيب، ولو وكلهن إلى أنفسهن لهتكن ستورهن.

القشيري

تفسير : خصَّ الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم؛ فالحمل على حسب القوة. والعبرة بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث. قوله: {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ}: أي ارتقوا في تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإنْ صَلُحَ الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا بالضرب، فالآية تتضمن آداب العِشْرة. ثم قال: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}: يعني إن وَقَفَتْ في الحال عن سوء العشرة (.....) ورجعت إلى الطاعة فلا تَنْتَقِمْ منها عمَّا سَلَفَ، ولا تتمنع من قبول عذرها والتأبِّي عليها. يقال: {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب من نقمتك.

البقلي

تفسير : {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فالصالحات العارفات بالله بحقوق الله وبامر الله وبعفوا الله وبعقوبة بما وجب عليهن من حققو ازواجهن فى حسن معاشرتهن معهم والنصيحة فى امرهم والقانتات قائمات على باب الله بخلوص نيتهن عن عبوديته العيب وانوار القرب حتى لا يطلع عليهن احد حياء من الله وسترا على حالهم لئلا يخرجن من حدة الوجد وصفاء الرد ومتابعة قول الله سبحانه بما امرهن قال وقرن فى بيوتكن ولما رق زجاجات قلوبهن بنيران الخوف ونور الرجاء ولطف لمراقبة وسنا الشهود ورقة الملازمة فى البيوت وشهوقهن الى عالم الأخرة علم النبى صلى الله عليه وسلم ذلك منهن وامر الحادى بالسكوت عن انشاد الشعر فقال يا فلان اياك والقواري لا يكون ذلك لا بما حفظهن اله من الغلبات والخروج من الحجرات فتولى حفظهن بنفسه يعنى حفظهن انفسهن بحفطى ايهن كما خبر من لطفه تعالى على امر موسى عند غلبات شوقها الى موسى فقال ان كادت لتبدى به لولا ان ربطنا على قلبها وايضا حافظات للغيب اى ما راين من ازواجهن من الكرامات واسرار الله التى انكشفت لهم فلا يقلن عند احد وايضا بما راين من فقرهم ومجاهدتهم وعبادتهم لئى يفتنوا برياء والخلق ولا تقعن فى الشكاية عنهم وايضا حافظات لفروجهن وعوراتهن من خوف الله فان خوف الله يمنعهن من هتك الاستار قال بعضهم بحفظ الله لهن صرف حافظفات للغيب ولو كلهن الى انفسهن لهتك ستورهن { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} اختلف طينة الاشباح فى التدانى والتباعد وهكذا جوهر الارواح وقت ايجادها فوقعت بينها منازعة لتفاوت الاخلاق والحالات والمقامات قال عليه السلام الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تشارك منها اختلف من هناك وقعت النشور والخلاف بين الازواج لتفاوت السجيات فاذا جعل بالممارسة والمجاهدة والرياضة صوره طاعة طاعة الرجال فلا ينبغى ان يطلبوا منهن مرافقة الطباع ومجانسة الاشباح والارواح فان ذلك منازع القدر وهذا معنى قوله فلا تبغوا عليهن سبيلا الا تكلفوهن بما لا يكون لهن من تبديل الخلق قال تعالى لا تبديل الخلق الله وقيل لا يبتغوا فيهن المحبة وخواص الينة معكم فان قلوبهن بيدا الله ولذلك قال عليه السلام اللهم هذا قسمى فيما املك ولا تواخذنى بما تملك والا املك.

اسماعيل حقي

تفسير : {الرجال قوامون على النساء} قائمون بالامر بالمصالح والنهى عن الفضائح قيام الولاة على الرعية مسلطون على تأديبهن وعلل ذلك بامرين وهبى وكسبى فقال {بما فضل الله بعضهم على بعض} الضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا اى بسبب تفضيله الرجال على النساء بالحزم والعزم والقوة والفتوة والمير والرمى والحماسة والسماحة والتشمير لخطة الخطبة وكتبة الكتابة وغيرها من المخايل المخيلة فى استدعاء الزيادة والشمائل الشاملة لجوامع السعادة {وبما انفقوا من اموالهم} اى وبسب انفاقهم من اموالهم فى نكاحهن كالمهر والنفقة وهذا ادل على وجوب نفقات الزوجات على الازواج "حديث : ـ روى - ان سعد بن الربيع احد نقباء الانصار رضى الله عنهم نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن ابى زهير فلطمها فانطلق بها ابوها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا فقال عليه السلام "لنقتص منه" فنزلت فقال صلى الله عليه وسلم "اردنا امرا واراد الله امرا والذى اراد الله خير" " .تفسير : ورفع القصاص فلا قصاص فى اللطمة ونحوها والحكم فى النفس وما دونها مذكور فى الفروع {فالصالحات} منهن {قانتات} مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الازواج {حافظات للغيب} اى لمواجب الغيب اى لما يجب عليهن حفظه فى حال غيبة الازواج من الفروج والاموال والبيوت. وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : خير النساء امرأة ان نظرت اليها سرتك وان امرتها اطاعتك واذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها " .تفسير : وتلا الآية واضافة المال اليها للاشعار بان ماله فى حق التصرف فى حكم مالها {بما حفظ الله} ما مصدرية اى بحفظه تعالى اياهن اى بالامر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له. او موصولة اى بالذى حفظ الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن {واللاتى تخافون نشوزهن} خطاب للازواج وارشاد لهم الى طريق القيام عليهن والخوف حالة تحصل فى القلب عند حدوث امر مكروه او عند الظن او العلم بحدوثه وقد يراد به احدهما اى تظنون عصيانهن وترفعهن عن مطاوعتكم {فعظوهن} فانصحوهن بالترغيب والترهيب. قال الامام ابو منصور العظة كلام يلي القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة وهى بتذكير العواقب {واهجروهن} بعد ذلك ان لم ينفع الوعظ والنصيحة والهجر الترك عن قلى {فى المضاجع} اى فى المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن جمع مضجع وهو موضع وضع الجنب للنوم {واضربوهن} ان لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران غير مبرح ولا شائن ولا كاسر ولا خادش فالامور الثلاثة مترتبة ينبغى ان يدرج فيها {فان اطعنكم} بذلك كما هو الظاهر لانه منتهى ما يعد زاجرا {فلا تبغوا عليهن سبيلا} بالتوبيخ والاذية اى فازيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له {ان الله كان عليا} اى اعلى عليكم قدرة منكم عليهن {كبيرا} اى اعظم حكما عليكم منكم عليهن فاحذروا واعفوا عنهن اذا رجعن لانكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فانتم احق بالعفو عمن جنى عليكم اذا رجع. قال فى الشرعة وشرحها اذا وقف واطلع من زوجته على فجور اى فسق او كذب او ميل الى الباطل فانه يطلقها الا ان لا يصبر عنها فيمسكها ـ روى ـ انه "حديث : جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لى امرأة لا تردّ يد لامس قال "طلقها" قال احبها قال "امسكها"" تفسير : خوفا عليه بانه ان طلقها اتبعها وفسد هو ايضا معها فرأى ما فى دوام نكاحه من دفع الفساد عنه مع ضيق قلبه اولى فلا بد للرجال من تحمل المكاره الا انه لا ينبغى للمرء ان يكون ديوثا كما قال بعض العارفين شعر : كريز از كفش دردهان نهنك كه مردن به از زندكانى به ننك تفسير : وكان بعض العلماء يقول التحمل على اذى واحد من المرأة احتمال فى الحقيقة من عشرين اذى منها مثلا فيه نجاة الولد من اللطمة ونجاة القدر من الكسر ونجاة العجل من الضرب ونجاة الهرة من الزجر اى المنع من اكل فضول الخوان وسقاطه والثوب من الحرق والضيف من الرحيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " .تفسير : وقال ايضا "حديث : ايما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة " .تفسير : وقال ايضا "حديث : لا تؤذى امرأة زوجها فى الدنيا الا قالت زوجه من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فانما هو عندك دخيل يوشك ان يفارقك الينا " .تفسير : قال النبى عليه السلام مخاطبا لعائشة رضى الله عنها "حديث : "ايما امرأة تؤذى زوجها بلسانها الا جعل الله لسانها يوم القيامة سبعين ذراعا ثم عقد خلف عنقها. يا عائشة وايما امرأة تصلى لربها وتدعو لنفسها ثم تدعو لزوجها الا ضرب بصلاتها وجهها حتى تدعو لزوجها ثم تدعو لنفسها. يا عائشة وايما امرأة جزعت على ميتها فوق ثلاثة ايام احبط الله عملها. يا عائشة وايما امرأة ناحت على ميتها الا جعل الله لسانها سبعين ذراعا وجرت الى النار مع من تبعها. يا عائشة ايما امرأة اصابتها مصيبة فلطمت وجهها ومزقت ثيابها الا كانت مع امرأة لوط ونوح فى النار وكانت آيسة من كل خير وكل شفاعة شافع يوم القيامة يا عائشة وايما امرأة زارت المقابر الا لعنها الله تعالى ولعنها كل رطب ويابس حتى ترجع فاذا رجعت الى منزلها كانت فى غضب الله ومقته الى الغد من ساعته فان ماتت من وقتها كانت من اهل النار. يا عائشة اجتهدى ثم اجتهدى فانكن صواحبات يوسف وفاتنات داود ومخرجات آدم من الجنة وعاصيات نوح ولوط. يا عائشة ما زال جبريل يوصينى فى امر النساء حتى ظننت انه سيحرم طلاقهن. يا عائشة انا خصم كل امرأة يطلقها زوجها" ثم قال "يا عائشة وما من امرأة تحبل من زوجها حين تحبل الا ولها مثل اجر الصائم بالنهار والقائم بالليل الغازى فى سبيل الله. يا عائشة ما من امرأة اتاها الطلق الا ولها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة. يا عائشة ايما امرأة خففت عن زوجها من مهرها الا كان لها من العمل حجة مبرورة وعمرة متقبلة وغفر لها ذنوبها كلها حديثها وقديمها سرها وعلانيتها عمدها وخطأها اولها وآخرها. يا عائشة المرأة اذا كان لها زوج فصبرت على اذى زوجها فهى كالمتشحطة فى دمها فى سبيل الله وكانت من القانتات الذاكرات المسلمات المؤمنات التائبات"" تفسير : كذا فى روضة العلماء وفيه تطويل قد اختصرته وحذفت بعضه. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء لان وجودهن تبع لوجودهم وهم الاصول وهن الفروع فكما ان الشجرة فرع الثمرة بانها خلقت منها فكذلك النساء خلقن من ضلوعهم فكما كان قيام حواء قبل خلقها وهى ضلع بآدم عليه السلام وهو قوام عليها فكذلك الرجال على النساء بمصالح امور دينهن ودنياهن قال تعالى {أية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} تفسير : [التحريم: 6]. واختص الرجال باستعدادية الكمالية للخلافة والنبوة فكان وجودهم الاصل ووجودهن تبعا لوجودهم للتوالد والتناسل قال عليه السلام "حديث : كمل من الرجال كثير وما كمل من النساء الا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .تفسير : ومع هذا ما بلغ كمالهن الى حد يصلحن للخلافة او النبوة وانما كان كمالهن بالنسبة الى النسوة لا الى الرجال لانهن بالنسبة اليهم ناقصات عقل ودين حتى قال فى عائشة رضى الله عنها مع فضلها على سائر النساء "حديث : خذوا ثلثى دينكم عن هذه الحميراء " .تفسير : فهذا بالنسبة الى الرجال نقصان حيث لم يقل خذوا كمال دينكم ولكن بالنسبة الى النساء كمال لانه على قاعدة قوله تعالى {أية : للذكر مثل حظ الانثيين} تفسير : [النساء: 11]. يكون حظ النساء من الدين الثلث فكماله كان الثلثين بمثابة الذكور بمثل حظ الانثيين: قال الفقير جامع هذه المجالس النفيسة شعر : مرد بايد تا كه اقدامى كند در طريقت غيرت نامى كند جون نه كامل زمردى دم مزن جون نه دلبر مكو از حسن تن زن كه كامل شد زمردان دست برد مرد ناقص جون زن ناقص بمرد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فالصالحات} مبتدأ، وما بعده إخبار عنه، وأتى بالفاء المؤذنة بالنسببية والتفريع، وكأنه تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء، فمن كانت صالحة قام عليها بما تستحقه من حسن المعاشرة، ومن كانت ناشزة عاملها بما تستحقه من الوعظ وغيره. وكل ما هنا من لفظ (ما) فهي مصدرية. إلا ما قرأ به أبو جعفر: [بما حفظ الله] بالنصب، فهي عنده موصولة اسمية، أي: بالأمر الذي حفظ الله؛ وهو طاعتها لله فحفظها بذلك، وقيل إنها مصدرية. انظر الثعلبي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الرجال قوّامون على النساء} أي: قائمون عليهن قيام الولاة على الرعية، في التأديب والإنفاق والتعليم، ذلك لأمرين: أحدهما وهبي، والآخر كسبي؛ فالوهبي: هو تفضيل الله لهم على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصوا بالنبوة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة، في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالطلاق. والكسبي هو: {بما أنفقوا من أموالهم} في مهورهن، ونفقتهن، وكسوتهن. فيجب على الزوج أن يقوم العدل في أمر نسائه، فالمرأة الصالحة القانتة، أي: المطيعة لزوجها ولله تعالى، الحافظة للغيب، أي: لما غاب عن زوجها من مال بيته وفرجها وسر زوجها، حفظت ذلك بحفظ الله، أي: بما جعل الله فيها من الأمانة والحفظ، وبما ربط على قلبها من الديانة، أو بحفظها حق الله، فلما حفظت حقوق الله حفظها الله بعصمته، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : احفَظَ اللهَ يَحفَظكَ "تفسير : . فمن كانت على هذا الوصف من النساء فيجب على الزوج حُسن القيام بها، ومقابلتها في القيام بما قابلته من الإحسان، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " حديث : خير النساء أمرأةٌ إن نَظَرتَ إلَيهَا سَرَّتكَ، وإن أمرتها أطَاعَتكَ، وإن غِبتَ حفظتك في مَالِها ونَفسِهَا " تفسير : . وتلا هذه الآية. وأما النساء التي {تخافون} أي: تتيقنون {نشوزهن} أي: ترفعهن عن طاعة أزواجهن وعصيانهن، {فعظوهن} بالقول، فإن لم ينفع فاهجروهن في المضاجع، أي: لا تدخلوا معهن في لحاف، أو لا تجامعوهن، فإن لم ينفع فاضربوهن ضربًا غير مؤلم ولا شائن. قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : عَلِّق السَّوطَ حَيثُ يَرَاهُ أهلُ البيت "تفسير : . وعن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: ( كنتُ رابعَ نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا، ضربها بعود المِشجب، حتى ينكسر). والمشجب: أعواد مركبة يجعل عليها الثياب. {فإن أطعنكم} يا معشر الأزواج، أو عقدن التوبة مما مضى، {فلا تبغوا عليهن سبيلاً} أي: لا تطلبوا عليهن طريقًا تجعلونه سبيلاً لإيذائهن، بل اجعلوا ما كان منها من النشوز كأن لم يكن، ( فإنَّ التَّائِبَ مِن الذَّنبِ كَمَن لا ذَنَب لَهُ). وقال ابن عُيَيْنَة: أي لا تكلفوهن بحبكم. هـ. وقال الورتجبي: إذا حصل منهن صورة طاعة الرجال فلا يطلب منهن موافقة الطباع، فإن ذلك منازعة للقدر. قال تعالى: {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ } تفسير : [الرُّوم:30]، وذكر حديث: "حديث : الأروَاح جُنودٌ مُجنَّدةٌ ". تفسير : ثم هدد الأزواج فقال: {إن الله كان عليًّا كبيراً} فاحذروه، فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت ولايتكم، أو: إنه على علو شأنه، يتجاوز عن سيئاتكم، فأنتم أولى بالعفو عن نسائكم، أو: أنه يتعالى ويَكبر أن يظلم أحدًا أو يُنقص حقه. وسبب نزول الآية: أن سَعدَ بنَ الرَّبِيع، وَكَانَ مِن النُقَبَاءِ، لَطَمَ امرأته حَبيبَةَ بِنتَ زَيدِ بن أبي زُهَيرِ، وكانت نَشَزَتَ عَليهِ، فَانطَلَقَ أبُوُها معَهَا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفرَشتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: حديث : لِتقتَصَّ مِنهُ، تفسير : فَانصرَفَت لتقتصّ منه فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : ارجعوا، هذا جِبرِيلُ أتَاني وأنزَلَ الله هَذِهِ الآية: {الرجال قوامون على النساء} تفسير : إلى آخرها، فقال عليه الصلاة والسلام: " حديث : أَرَدنَا أمرًا، وأرَادَ اللهُ أمرًا، والَّذِي أرَاد اللهُ خَير"تفسير : فرفع القِصَاص. وقيل: نزلت في غيره ممن وقع له مثل هذا من النشوز. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرجال الأقوياء قوامون على نفوسهم قهارون لها، بفضل القوة التي مكنهم الله منها، وبما أنفقوا عليها من المجاهدات والرياضات، فهم ينظرون إليها ويتهمونها في كل حين، فإن صلحت وأطاعت وانقادت لما يراد منها من أحكام العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، عاملوها بالإكرام والإجمال، ورفعوا عنها الآداب والنكال، وإن نشزت وترفعت أدبوها وهجروها عن مواطن شهواتها ومضاجع نومها، وضربوها على قدر لجاجها وغفلتها. وكان الشيخ أبو يزيد يأخذ قبضة من القضبان ويذهب إلى خلوته، فكلما غفلت ضربها، حتى يكسرها كلها، وكان بعض أصحابنا يأخذ خشبة ويذهب إلى خلوته، فكلما غفل ضرب رأسه به، حتى يأتي رأسُه كلَّه مفلول، وبلغني أن بعض أصحابنا كان يُدخل في لحمة رجله سكيناً كلما غفل قلبه، وهذا إغراق، وخير الأمور أوسطها. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : القراءة والنزول: قرأ أبو جعفر المدني: {بما حفظ الله} - بالنصب - ومعناه: بالذي حفظ الله، ويحتمل أن يكون معناه: بحفظ الله وهو ضعيف، لأنه يكون حذف الفاعل وهو ضعيف. وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج، والسدي: أن رجلا لطم امرأته فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) تلتمس القصاص، فنزلت الآية: {الرجال قوّامون على النساء}. المعنى واللغة: والمعنى: {الرجال قوّامون على النساء} بالتأديب والتدبير لما {فضل الله} الرجال على النساء في العقل والرأي. وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس. ويقال: رجل قيم، وقوّام، وقيام. ومعناه: إنهم يقومون بأمر المرأة بالطاعة لله ولهم. وقوله: {فالصالحات قانتات} قال قتادة: وسفيان: معنى {قانتات} مطيعات لله ولأزواجهن. وأصل القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. وقوله: {حافظات للغيب بما حفظ الله} معناه: قال قتادة، وعطاء، وسفيان: حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعايته وحاله، وما يلزم من صيانتها نفسها له، {وبما حفظ الله} قال عطاء، والزجاج: أي بما حفظهن الله في مهورهن، وألزم الزوج النفقة عليهن. وقال بعضهم: معناه، والله أعلم: بالشيء الذي يحفظ أمر الله، ودين الله. وقوله: {واللاتي تخافون} قيل فيه قولان: أحدهما - تعلمون، لأن خوف النشز للعلم بموقعه، فلذلك جاز أن توضع مكان تعلم، كما قال الشاعر: شعر : ولا تدفنني بالفلاة فانني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها تفسير : وقال آخر: شعر : أتاني كلام عن نصيب يقوله وما خفت يا سلام انك عائبي تفسير : وقال الفراء: معناه: ما ظنت، ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): حديث : أمرت بالسواك حتى خفت أن أدرد . تفسير : الثاني - الخوف الذي هو خلاف الأمن، كأنه قال: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذنة به، ذكره محمد بن كعب. ومعنى النشوز ها هنا: قال ابن عباس، والسدي، وعطاء، وابن زيد: انه معصية الزوج، وأصله الترفع على الزوج بخلافه، مأخوذاً من قولهم: هو على نشز من الارض، أي ارتفاع، يقال: نشزت المرأة تنشز وتنشز، قرئ بهما: {أية : وإذا قيل انشزوا فانشزوا} تفسير : فالنشوز يكون من قبل المرأة خاصة، والشقاق منهما. وقوله: {فهظوهن} أي خوّفوهن بالله، فان رجعن وإلا فاهجروهن في المضاجع. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هجر الكلام. وقال سعيد بن جبير: هو هجر الجماع. وقال مجاهد، والشعبي، وابراهيم: هو هجر المضاجعة، وهو قول أبي جعفر (ع). وقال: يحول ظهره إليها. وقال بعضهم: "اهجروهن" اربطوهن بالهجار، من قولهم: هجر الرجل البعير إذا ربطه بالهجار، وقال امرؤ القيس: شعر : رأت هلكاً بنجاف الغبيط فكادت تجدَّ لذاك الهجارا تفسير : وهذا تعسف في التأويل، ويضعفه قوله: {في المضاجع} ولا يكون الرباط في المضجع. وأما الضرب فانه غير مبرِّح بلا خلاف قال أبوجعفر (ع): هو بالسواك. والمضاجع جمع مضجع، وأصله الاستلقاء، يقال: ضجع ضجوعاً واضطجع اضطجاعاً إذا استلقى للنوم، وأضجعته إذا وضعت جنبه بالارض، فكل شيء أملته فقد أضجعته. وقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن} أي لا تطلبوا، تقول: بغيت الضالة إذا طلبتها، قال الشاعر يصف الموت: شعر : بغاك وما تبغيه حتى وجدته كأنك قد واعدته أمس موعدا تفسير : وأصل الهجر الترك عن قلى، تقول: هجرت فلاناً أي تركت كلامه عن قلى، والهجر القبيح من الكلام، لأنه مهجور، والهجار حبل يشد به البعير، لأنه يهجر به التصرف، والهاجرة نصف النهار، لأنه وقت يهجر فيه العمل. وقوله: {إن الله كان علياً كبيراً} أي متعالياً عن أن يكلف إلا بالحق، ومقدار الطاقة، وقد قيل: معناه إنه قادر عليه، قاهر له، وليس المراد به علوّ المكان، لأن ذلك يستحيل عليه تعالى. والكبير السيد، يقال: لسيد القوم كبيرهم، والمعنى: فان استقمن لكم فلا تطلبوا العلل في ضربهن، وسوء معاشرتهن، فان الله تعالى قادر على الانتصاف لهن.

الجنابذي

تفسير : {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} قائمون عليهنّ قيام الولاة على رعيتّهم مراقبون احوالهنّ مقيمون اعوجاجهنّ كأنّ المنظور كان بيان وجه استحقاق التّوارث بينهما فانّه وان كان مستفاداً من ذكر عقد الايمان لكن لظهور عقد الايمان فى الثّلاثة السّابقة كان يمكن اختفاء هذا ثمّ اتبعه ببيان آداب المعاشرة بين الازواج {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بتفضيله الرّجال فى الجثّة والقوّة والادراك وحسن التّدبير وكمال العقل {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يعنى لهم فضيلة ذاتيّة وفضيلة عرضيّة بكلّ يستحقّون التّفضيل والتّسلّط فعليهم مراقبتهنّ وسدّ فاقتهنّ وقضاء حاجتهن وعليهنّ الانقياد وقبول نصحهم وحفظ غيبهم {فَٱلصَّالِحَاتُ} منهنّ لا يخرجن ممّا هو شأنهنّ وحكمهنّ بل هنّ {قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ} لانفسهنّ واموال ازواجهنّ {لِّلْغَيْبِ} اى فى غيبهنّ عن الازواج او غيب الازواج عنهنّ على ان يكون الّلام بمعنى فى او حافظات للاشياء الغائبة عن نظر ازواجهنّ من اموالهم وانفسهنّ {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} نسب الحفظ هنا والتّفضيل هناك الى نفسه اشارة الى انّ كلّ من اتّصف بصفة كمال انّما هو من الله لا من نفسه {وَ} امّا غير الصّالحات {ٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} خروجهنّ عن طاعتكم فآداب المعاشرة معهنّ مداراة بالنّصح وان لم يكففن فبالمهاجرة قليللاً بحث لا تنافى قسامتهنّ فان لم تنجع فيضربهنّ بحيث لم يقطع لحماً ولم يكسر عظماً {فَعِظُوهُنَّ} بالقول {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} بالاستدبار عنهنّ {وَٱضْرِبُوهُنَّ} فبين الافراد ترتيب {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بالايذاء والتّحكّم بما لم يرخّصه الشّارع {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فلا تغفلوا فى اعلائكم على النّساء عن علوّ الله عليكم فيورثكم الغفلة التّعدّى عليهنّ.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} حديث : وروي أن سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: افرشيه كريمتي فلطمها ورفع إليه الخبر فقال: "تقتصّ منه" فنزلت الآية فقال: "أردنا أمراً فأراد الله أمراً والذي أراد الله خير"تفسير : ، ورفع القصاص واختلف في ذلك، قيل: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجَّها لكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلا في الجراح والقتل وأما اللطمة ونحوها فلا {قانتات} مطيعات قائمات بما عليهنَّ للأزواج {حافظات للغيب} الغيب خلاف الشهادة أي حافظات لمواجيب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين حفظهنَّ ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من البيوت والفروج والأموال، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها" تفسير : وتلا الآية قوله تعالى: {بما حفظ الله} قال جار الله: بما حفظهنَّ حين أوصى بهنَّ الأزواج في كتابه، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً" تفسير : أو بما حفظهنَّ الله عصمهنَّ ووفقهنَّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهن حين وعدهنَّ الثواب الجزيل على حفظ الغيب وأوعدهنَّ العذاب الشديد على الخيانة {واللاتي تخافون نشوزهن} قيل: النشوز عصيان المرأة الزوج والاستعلاء عليه، وأن لا تجيبه إلى فراشه، أو تخرج من بيته بغير إذنه، ذكره ابن عباس، وقيل: إذا لم تطمئن عنده، قوله تعالى: {فعظوهنَّ} أي رهبوهن بتقوى الله وطاعته وخوفه واستحقاق الوعيد في معصية الزوج، وفي الحديث: "حديث : أيما امرأة عبدت عبادة مريم بنت عمران ولم يرض منها زوجها ما قبل الله منها وأدخلها النار مع المنافقين" تفسير : {واهجروهنَّ في المضاجع} أي في المراقد، أي لا تداخلوهنَّ تحت اللحف وهو كناية عن الجماع {واضربوهنَّ} أمر تعالى بوعظهن أولاً ثم بهجرهنَّ في المضاجع ثم بالضرب وقالوا: يجب أن يكون ضرباً غير مبرح لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويتجنب الوجه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : علق سوطك حيث يراه أهلك" تفسير : قوله تعالى: {إن الله كان علياً كبيراً} فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم، قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} أي يفعل كلاهما ما يشق على صاحبه، ويميل إلى شق غير شقه، والموافقة والمساواة والتوفيق اللطف، {فابعثوا حكماً} والحكم رجل يصلح للحكومة وإنما اختير من الأقارب لأنه أعرف ببواطن الأحوال، وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان، وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جار {إن الله كان عليماً خبيراً} يعلم كيف يوافق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين {أية : لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 63].

الهواري

تفسير : قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أي مسلَّطُون على أدب النساء والأخذ على أيديهن. {بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} جعل شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، وفضلوا في الميراث {وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يعني الصّداق. ذكروا أن رسول الله قال: حديث : المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج. قيل: وإن كان لها مال. قال نعم: وإن كان لها مال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} . تفسير : ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن رجلاً لطم امرأته على عهد النبي عليه السلام فأتت المرأة نبيّ الله. فأراد نبي الله أن يَقُصّها منه، فأنزل الله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}. ذكروا عن الحسن أن رجلاً لطم امرأته فَرُفِع ذلك إلى النبي فقال: بئس ما صنعت فأنزل الله: {الرَّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}. وقال الحسن: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون الموضحة. أي: أنه يرى ذلك أدباً. قوله: {فَالصَّالِحَاتُ} يعني المحسنات إلى أزواجهن {قَانِتَاتٌ} أي: مطيعات لأزواجهن في تفسير الحسن. وقال غيره: مطيعات لله ولأزواجهن {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} أي لغيب أزواجهن في فروجهن. {بِمَا حَفِظَ اللهُ} أي بحفظ الله إياهن في تفسير الحسن. وقال غيره: حافظات لما استودعهن الله من حقِّه، حافظات لغيب أزواجهن. قوله: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنُّ} [عصيانهن، يعني تنشز على زوجها فلا تدعه أن يغشاها] {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}. قال بعضهم: يبدأ فيعظها بالقول، فإن أبت هجرها، فإن أبت ضربها ضرباً غير مبرح، أي غير شائن. قال بعضهم: ثم يرتفعان إلى السلطان. قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي إذا تركته يغشاها فلا يطلب عليها العلل. وقال الحسن في قوله: واهجروهن في المضاجع: لا يقربها. وقال الكلبي: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي: لاَ تكلفوهن الحب: فإنما جعلت الموعظة لهن في المضجع والسبّ في المضجع، والضرب في المضجع؛ ليس على الحبّ، ولكن على حاجته إليها. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}. قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي: اختلافاً، أي: إن نشزت المرأة حتى تشاقّ زوجها {فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ} أي من أهل الرجل {وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا} أي: من أهل المرأة {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}. أي إذا نشزت ورفع ذلك إلى الإِمام بعث الإِمام حكماً من أهل المرأة وحكماً من أهل الرجل يُصلحان بينهما، ويجمعان ولا يُفرّقان، وينظران من أين يأتي الضرر والمدافعة؛ فإن اصطلحا فهو من الله، وإن أبيا ذلك وأبت المرأة إلا النشوز وقّفها الإِمام على النشوز؛ فإن افتدت من زوجها حلّ له أن يخلعها، والخلع جائز عند السلطان وغيره. وقال بعضهم: فابعثوا حَكَماً عدلاً مِن أَهلها وحَكَماً عدلاً من أهل الرجل ينظران في النصيحة لهما فيعظان الظالم. وذلك أنه يخلو حَكَم الرجل بالرجل فيقول: أخبرني بما في نفسك فإني لا أستطيع أن أفرّق أو أجمع إلا بأمرك. فإن كان الرجل هو الناشز الظالم قال له: فرّق بيني وبينها، فلا حاجة لي فيها. وإن لم يكن هو الناشز قال له: أرضها من مالي بما أحبّت ولا تفرّق بيني وبينها. ويخلو حكم المرأة بالمرأة فيقول: أخبريني بما في نفسك. فإن كانت هي الناشزة قالت له: أعطه من مالي ما شاء وفرّق بيني وبينه. فإن لم تكن هي الناشزة قالت له: اتق الله ولا تفرق بيني وبينه، ولكن استزده لي في نفقتي، ومره أن يحسن إلي. ثم يلتقي الحكمان. وقد علم كل منهما ما قال له صاحبه. فإن أرادا إصلاحاً بين الرجل والمرأة أخذ كل منهما على صاحبه يميناً لتصدقني وأصدقك. فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه عرفا من أيٍّ جاء النشوز. فإن كان من قِبل الرجل قالا له: اتّقِ الله، فإنك أنت الظالم الناشز، فارجع إلى أمر الله، فيأمرانه بالعدل، ويأخذانه بالنفقة حتى يرجع إلى أمر الله ولا يطلقها. وإن كانت المرأة هي الناشز، الظالمة لزوجها، قالا لها: أنت الناشز الظالمة لزوجك، فيأمرانها بالعدل، لعل الله يُصلح ما بينهما على أيديهما. وقال بعضهم: إنما يُبعث الحكمان ليُصلحا. فإن أعياهما أن يُصلحا بينهما شهدا على الظالم بظلمه وليس بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك. وبلغنا عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين: ذلك إليكما إن رأيتما أن تفرّقا ففرّقا.

اطفيش

تفسير : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ} كقيام الأمراء على الرعايا بتدبير أمر النساء، وحفظهن وتأديبهن وتعليمهن. {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ} أى أن الله فضل. {بَعْضَهُمْ} وهم الرجال، والهاء عاتدة إلى الرجال والنساء. {عَلَى بَعْضٍ} هن النساء أى بتفضيل الله الرجال عليهن، وما مصدرية أو بما فضلهم الله به عليهن، فما اسم موصول، لكن فيه حذف العائد المجرور بالحرف المتعلق بما لم يتعلق الموصول بمثله، فالأولى أن لا تخرج الآية عليه، نعم أجاز بعضهم قياس ذلك إذا علم الجار فإنه لا يخفى هنا أن المقدر الياء، فليس كما قيل إنه ليست اسما موصولا لعدم تعين الجار، وتخريج القرآن عليه، والحديث، وكلام العرب، وكان تفضيل الله تعالى الرجال عليهن بزيادة العقل، والدين، والإمامة العامة فى الصلاة، والإمامة الكبرى، والقضاء، والعمل فى جباية الزكاة، والتجرد عن النساء فى الشهادة، ولو فيما يمكن للنساء نظره أو حضوره، ووجوب الجمعة، والنبوة والرسالة، والشهادة فى الحدود: الزنى وغيره، والتزوج بأربع، والتسرى بلا عدد، والجهاد، والنصيب فى الميراث، والتعصب المحض فى الميراث، والتزويج، والتطليق والرجعة، والأذان والخطبة والإقامة والاعتكاف، وتكبير التشريق عند أبى حنيفة، والقسامة، والعلم والحزم والعزم والقوة، والكتابة والفروسية والرمى، والمرأة لا تكون إماما وأجيزت إمامتها للنساء فى النفل، قيل والفرض. ولا يجوز النساء وحدهن فى الشهادة، إلا فى ما لا يرى الرجل، ولا فى الحد، وأجيزت إلى فى الزنى، وربما جاهدن بلا وجوب، وإن قصدهن العدو وجب عليهم الدفع، واختلف فى تزويجها أمتها وعبدها، وشهادتها فى النكاح، وجاز تطليق علق بيدها، إلى شىء، وأجيز لها الاعتكاف مع محرم، أو حيث لا تخاف الإقامة أو إلى الشهادة، وقد تكتب. {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فى تزويجهم بهن، وهو الصداق وعليهن فى نفقتهن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المرأة مسكينة، ما لم يكن لها زوج" قيل: وإن كان لها مال قال: "نعم وإن كان لها مال، الرجال قوامون على النساء" تفسير : وذكر أن رجلا لطم أمرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت المرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يقتص منه، فنزل {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ}، قال الحسن، ليس بين الرجل والمرأة، قصاص فيما دون الموضحة أى لا تفعل به ما فعل بها إن كان الأرش دون أرش الموضحة فإن كان أدباً أو ادعاء فلا قصاص ولا أرش وإن تبين الظلم فلا أرش، وقيل: لا قصاص فيما دون النفس بينهما وقيل: لا قصاص إلا فى النفس، والجرح بينهما حديث : والمرأة هى امرأة سعد بن الربيع وكان نقيبا من نقباء الأنصار، واسمها حبيبة بنت زيد بن أبى زهير نشزت عليه فلطمها، وانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتى فلطمها؛ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "نقتص منه" فنزلت الآية تفسير : فقال أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذى أراد الله خير، ررفع القصاص، بقوله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ} قال ابن عباس: أمروا عليهن أى كونوا عليهن أمراء بالتدبير والرعاية، وفى رواية عنه الرجال أمراء على النساء* {فَالصَّالِحَاتُ} مبتدأ. {قَانِتَاتٌ} خبره أى النساء العاملات بالخير، معطيات لأزواجهن فى حقوقهم، وقيل: لله وقيل ولأزواجهن، والأول قول الحسن، وطاعة الله تعم ذلك لأن الله جل وعلا أمره بطاعتهم* {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} أى يحفظن غيبة أزواجهن، فالغيب مفعول لحافظات، قوى إليه باللام والمحفوظ إنما هو أبدانهن ورائحتهن وزينتهن، وفرجهن وأصواتهن، وأموالهم ولزوم بيوتهم، وما جعلوا فى أيديهن ولكن اسند الحفظ لغيبتهم، لوقوع حفظ ما ذكر فى غيبتهم، كما يحفظنه فى حضورهم، قال أبو هريرة حديث : قيل يا رسول الله: أى النساء خير؟ قَاَل: التى تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها وماله، إلى ما يكرهتفسير : ، وعن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالك ونفسها"تفسير : وروى فى مالها ونفسها ثم تلا {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ} الآية وقيل المعنى: حافظات لأسرار أزواجهن، أى حافظات لما غاب عن الناس من أسرارهم فسمى سرهم غيبا، لأنه يقع فى غيبة عن الناس، أو لأن حفظه فى غيبة الأزواج إذ الكلام على ذلك، ومعلوم أنهن بحفظنه فى حضورهم * واللفظ أخبار لفظان معنى أى النساء التى لم يتصفن بالفساد: هن اللاتى يقنتن ويحفظن الغيب، ولزم أمرهن بذلك وقيل معنى الأمر أى كن يا معشر صالحات القنوت وحفظ الغيب* {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أى يحفظ الله لهن قاله الحسن - فما مصدرية، والمفعول محذوف، أى بما حفظهن الله إذا أمرهن بالقنوت، وحفظ الغيب وحثهن بالوعد والوعيد، ووقف من وقف منهم، ولولا ذلك لكنّ ضائعات غير محفوظات، ويجوز أن يكون {ما} اسما موصولا أى: بما خفطه الله لهن على أزواجهن من الصداق: والمئونة، والصون، والذب عنهن، ومعنى حفظ الله ذلك لهن، إلزامه لهن وإثباته إذا لم يجعله غير واجب فكأنه قيل: يقنتن ويحفظن الغيب فى مقابلة ما أوجب الله جل جلاله لهن، من الصداق وسائر الحقوق، عليهن، ومنها العدل، وإمساك بالمعروف، وإن شاءوا سرحوا بإحسان، قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما فى الضلع أعلاه، فأن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء"تفسير : وقرىء بنصب لفظ الجلالة على أن {ما} اسم موصول وفى حفظ ضمير ما، وهو الرابط أى بالأمر الذى حفظ الله، والله جل وعلا لا يحفظه حافظ، فيقدر مضاف أى بالأمر الذى حفظ حق الله، أو طاعة الله، أو دين الله أو نحو ذلك، وذلك الأمر هو التعفف، والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، وحق الله ما ألزم الله من طاعته، وطاعة زوجها، فإنها إن لم تتعفف وتشفق وتنصح لم تؤد هذا الحق وتنازع فاتنت وحفظت فى قوله بما حفظ الله، وقرأ ابن مسعود: فالصوالح، قوانت، حوافظ للغيب بما حفظ الله، فاصلحوا إليهن. {وَاللاَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}: النشوز الترفع، نشز المكان: ارتفع ونشز الإنسان فصل مقاعده من الأرض، وثبت على رجليهِ، أو على بنانهما أو نهض من قعود إلى قيام، وإذا قيل انشزوا وأى ارتفعوا إلى حرب أوامر من أمر الله فسمى الله عصيان المرأة زوجها فى حقه نشوزا، إلا أنهُ تصعب وامتناع، وقيل النشوز: كراهة كل واحد من الزوجين صاحبه، وذلك أنها لا يعذرها الله فى ترك بعض حقه، ولو كرهته فهى مع الكراهة توعظ وتهجر وتضرب ويبرأ منها على تركه، قسم الله جل وعلا النساء إلى قانتات حافظات للغيب لما حفظ الله وإلى ناشزات، وأباح الله جل وعلا الهجر والضرب لهم مع مجرد خوف نشوزهن، دون تحققه، وذلك بأن يرى الزوج أمارة النشوز فيفعل ذلك، فإن لم يكن نشوز بل أمر اتعذر فيه أفصحت به أو كنت فيرفع الهجر والضرب، فإن لم تفصح حملت على النشوز، ولو لم يكن بها، ولا يكلف الغيب، وذلك مثل أن تكون تلبية إذا دعاها وتخضع له بالقول إذا خاطبها، ثم تغيرت فكانت لا تلبيه، أو لا تخضع له، ومثل أن تكون إذا دخل عليها قامت إليه، وإذا أمرها سارعت إلى الامتثال، وإذا التمسها تبادرت إلى فراشه باستبشار، ثم تغيرت فيظن الزوج أن ذلك نشوز منها فيعظها بأن يقول لها مثلا: اتق الله فإن الله عز وجل فرض عليك طاعتى، ولا يضربها حال الوعظ لإمكان أن تتعظ بالوعظ، وإن أصرت هجرها فى المضجع، وذلك تتعظن إلا يكلمها وكل ذلك إصلاح لها ينويه. وصرح ابن عباس بترك كلامها، إذ قال: يهجرها بأن يوليها ظهره فى الفراش، ولا يكلمها. وقال غيره: معنى هجرهن فى المضاجع أن لا يضطجع فى فراشها، بل فى غيره، ونسب لمجاهد وقال ابن جبير: هجرهن فى المضاجع: ألا يكلمها فى مرقده، ويقاس عليه غيره، لأنه إذا قطع الكلام فيه فأولى فى غيره، وقال الكلبى: المعنى أن يغلظ عند المضجع بالهجر من الكلام، وقيل: معناه ألا بيبت فى البيت الذى تبيت فيه، وقال الحسن: معناه أن لا يجامعها ولا يلصق جلده بجلدها، ولو بات معها فى فراش غير مذبر عنها، لأن إضافة الهجران إلى المضاجع تفيد ذلك، ولا يترك تكليمها فوق ثلاثة أيام، فإذا وعظها وهجرها فإن تابت لمشقة ذلك أو حُبِّهَا له أو خوف الله تعالى، فذاك. والأول على تحقق النشوز فعند ذلك يضربها ضرباً غير مبرح، غير مؤثر فيها شيئاً، وعيباً كعور وسمة فى بدنها، وجرح، وكسر، ولا يضربها فى وجهها، ويفرق الضرب فى بَدَنها، ولا يبلغ الضرّبُ عشرةَ أسواطٍ، والضرب بالسوط أو العصا أو نحوها، وقيل: ينبغى باليد أو المنديل لا بالسوط والعصا، وذلك على الترتيب، ولا ترتيب فى ظاهر الآية، لكن يفهم فهماً إذ لا معنى لضربها وقد أمكن أن تتعظ بالوعظ لأن ذلك فى حق نفسه، مع احتمال، وليس ذلك يوجب أحداً فى حق غيره، وقد قال على: يعضها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها وإن أبت هجرها فى المضجع، وإن أصرت على الإباء ضَرَبَها، وإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكم، وقيل: هذا الترتيب مرعى عند خوف النشوز، وأما عند تحققه فلا بأس بجمع ذلك كله: يعظها، ويهجرها، ويضربها، ولو بتقديم وتأخير. حديث : قال عمر بن الخطاب: كنا معشر قريش تملك رجالنا نساءهم فقدمنا المدينة، فوجدنا نساءهم يملكن رجالهم، فاختلط نساؤنا بنسائهم فدبرن على أزواجهن أى نشزن أو اجترأن، فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال "لا تضربوا النساء" فقلت له: دبرت النساء على أزواجهن، فأذن فى ضربهن فطاف بحجر نساء النبى صلى الله عليه وسلم جمع من النساء كلهن يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: "قد طاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئكم خياركم"تفسير : ، أى ليس من ضرب زوجته أفضل ممن لن يضرب، واستدل الشافعى بهذا الحديث، على أن ترك الضرب أولى وإذا ضرب فليقتصر على الكفاية، ويدل لذلك الترقى من الوعظ إلى الهجر، ومنه إلى الضرب. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته"تفسير : قال حكيم بن معونة عن أبيه، حديث : قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح"تفسير : . أى لا تقل قبحك الله، أو لا تقل ما أقبح وجهك. قال عبد الله بن زمعة، قال رسول الله: "حديث : لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها"تفسير : أو قال: "حديث : يضاجعها عن آخر اليوم"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : علق سوطك حيث تراه أهلك"تفسير : وعن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنه: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها، وروى عن الزبير أنه قال: شعر : ولولا بنوها حولها لخبطتها كخبطة فروج ولم أتعلثم تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اضربوا النساء إذا عصينكم ضرباً غير مبرح" تفسير : قال عطاء، قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالشراك ونحوه وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أيها الناس إن لكم على نسائكم حقاً لكم عَلَيهن أن لا يُوطِئنْ فِرُوشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن، وكسوتهن بالمعروف"تفسير : والحديث دليل على أن لا نفقة لناشز ولا كسوة، وأن الفاحشة سلاطة اللسان لا الزنى، وزعم البعض أن المعنى: أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وقرىء فى المضجع بالإفراد، وفى المضجع بالإفراد وضم الميم وفتح الجيم. والمضطجع والمضجع موضع الاضطجاع، وهو صالح للفراش الذى يرقد عليه، وللبيت الذى فيه ذلك الفراش، ويجوز أن يكون ذلك مصدراً ميميا أى فى الاضطجاع إلى اسم زمان ميما أى وقت الاضطجاع. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}: لا تطلبوا عليهن طريقاً إلى أيلامهن بكلام أو ضرب فإن التائب من الذنب كمن لم يذنب، فاقطعوا عنهن الضرب والهجران، وإلى تكليفهن أن يجيبنكم، فإن القلق ليس بأيديهن، وهو قول الكلبى، وعن أبى هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجىء فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح"تفسير : . وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذى نفسى بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذى فى السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها"تفسير : . ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نامت مهاجرة فراش زَوْجها لعنتها الملائكة حتى تصبح"تفسير : وروى "حديث : حتى ترجع"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعا الرجل امرأته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور"تفسير : . وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه: لا تؤذى امرأة زوجها فى الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله. أى لعنك، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا. وعن أم سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة". تفسير : {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}: رفيع الشان، عظيماً بالاستغناء عن غيره، - فاحذروه فى ضربهن وهجرهن فيعاقبكم، فإنه أقدر عليكم منكم عليهن، ومثله حديث صحيح الربيع حديث : أن مسعود الأنصارى كان يضرب غلاماً له بالسوط فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اعلم أبا مسعود" فلم يعقل لما فيه من الغضب حتى حضر عنده وعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمى السوط من يده، واعتق الغلام، وحلف لا يضرب غلاماً أبداً وقال: "اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"تفسير : بمعنى أن معصيتك لله أعظم وأكثر من معصية الغلام لك، وقدرة الله عليك أعظم من قدرتك على الغلام ولم يعاقبك، ويجوز أن يكون المعنى: إن الله على علو شأنه يتجاوز عنكم إذا تبتم فأنتم أحق بالعفو عنهن إذا تبن، ويجوز أن يكون المعنى: إن الله يتنزه ويعظم عن أن يظلم أحداً، فلا تظلموهن، أو عن أن ينقص حق أحد والمصلحة لكم فيما قال ففيه الوفاء بحقكم وحقهن.

اطفيش

تفسير : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ} عظام القيام وكثيروه {عَلَى النِسَّآءِ} بالنفقة والكسوة، والسكنى، والتأديب وتعليم الدين , والمنع عن الخروج، والظهور إلا لضرورة، والحفظ، نشزت حبيبة بنت زيد زوج سعد بن الربيع، أحد نقباء الأنصار، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: قد لطم كريمتى، فقال لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص من زوجها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارجعوا فهذا جبريل أتانى، ونزل علىَّ بقوله تعالى الرجال قوامون على النساء"تفسير : ، وفى الأثر قصاص بين الزوجين فيما دون الموضحة {بِِمَا قَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَبِمَآ أَنفَقُوا} كمؤونة وصداق {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} إلى خبيرا، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذى أراد الله خير" تفسير : ، وقيل الآية والقصة فى سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن سلمة، وقيل فى جميلة بنت عبد الله ابن أبى، وزوجها ثابت بن قيس بن شماس، والبعض الفضل هم الرجال، والبعض المفضل عليهم هم النساء، والهاء للذكور والإناث، وغلبهم وأجمل إذا لم يقل بما فضلهم الله عليهن، لظهور أن المفضل الرجال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النساء ناقصات عقل ودين"تفسير : ، وجاء أنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، آسية، مريم، وخديجة، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، والتفضيل أيضاً، فحمل لظهوره، وهو بالقوة والعلم والعقل، وقوة العمل والتدبير، ولذلك خصوا بالنبوة وبإمامة الصلاة للرجال والسناء، والإمامة العظمى، وزيادة النصيب فى الميراث، وتزوج أربع، وكون شهادة الواحد شهادة اثنتين، وتزويج القرابة والعبيد والإماء والموالى، والفرقة، إلا إن جعلت فى يد امرأة بوجه جائز، والأذان والإقامة، والخطبة، وشهادة الحدود، والقصاص، والنكاح، وأجاز بعضهم شهادتهن في النكاح والحدود غير القتل وإذا كان الرجل قواماً على زوجته فله الحجر عليها فى مالها، لا تتصرف فيه إلا بإذنه، وله تأديبها، وإن ضيعها فى النققة والكسوة لفقره لم ينفسخ بل نظرة إلى ميسرة وقال الشافعى ومالك يجوز فسخه {فَالصَّالِحَاتُ} منهن {قَانِتَاتٌ} عابدات الله عز وجل مطيعات لأزواجهن {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} أى لموجَب غيبته أو غيبتها بفتح الجيم، أى لما يوجبه الغيب وهو أن تحفظ نفسها عن الزنى، لئلا يلحق زوجها عار الزانى، ولئلا يكون له ولد من ماء الزنى، وتحفظ ماله عن الضياع، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالك ونفسها"تفسير : ، فقرأ الآية حافظات لما غاب عن الناس من سره وأمر فراشه وحاله معها، والكلام إخبار بأن الصالحات منهن من كن على ذلك الوصف ولا حاجة إلى دعوى أنها بمعنى الأمر {بِمَا حَفِظَ اللهُ} بحفظ إياهن، بأن يوفقهن لحفظ أنفسهن لأزواجهن، وحفظ أحوالهم وأسرارهم، وبالوعيد على خلاف ذلك، والوعيد على وفاقه، أو بالذى حفظ الله لهن على أزواجهن من الصداق، والمؤونات، والقيام بحفظهن، والذب عنهن {والَّلاتِي تَخَافُونَ} تظنون، ويكون الخوف بمعنى العلم أيضا كما بعد، وحمله القراءة على العلم، وأصله حالة تحصل في القلب عند حدوث أمر مكروه في المستقبل {نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن أو كراهتهن لكم، وأصله الترفع عن الشىء، أو إلى الشىء والنشز أيضاً المكان المرتفع، وذلك بظهور إمارته فى قولها، مثل أن تكون تقوم إليه إذا دخل، وتبادر إلى أمره وفراشه، باستبشار إذا التمسها وتركت ذلك، أو تكون بعيدة عن ذلك من أول وفى الآية عقابها على ما لم يتحقق، وقدر بعض تخافون نشوزهن ونشزن، وقدر بعض تخافون دوام نشوزهن، أو ازدياده إلى أقصاه، وهو الفرار عن المرقد، قلت بل تؤدب على النشوز مطلقا، وعلى أمارته بل ترك إجابتها نشوز {فَعِظْوهُنَّ} يقول لها: اتقى الله، فإن لى عليك حقَّا واحذرى عقابه، وارجعى عما أنت عليه، واعلمى أن طاعتى واجبة عليك {وَاهْجُرُوهُنَّ فِى المَضَاجِعِ} الفرش التى للرقاد إذا تحقق نشوزهن، فبيتوا فى غير بيت يبتن فيه، أو فى بيوتهن فى غير فرشهن، أو فى فرشهن بلا ملامسة وبلا مداخلة فى لحاف واحد، أو تولية ظهورهم ولا جماع، وذلك على ترتيب أحوالهن، وفى ضمن ذلك أن لا يظلمها، فإن كانت تحبه شق ذلك عليها، وإلا دل على بغضها له وكمال النشوز، فيضربها كما قال الله عز وجل {وَاضْرُبُوهُنَّ} ضرباً غير مبرح، ولا مورثاً عيباً فى بدنها، وهكذا تحمل الآية على الترتيب، كما قال عليّ: يعضها بأسنانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجرها فى المضجع، وإن أصرت على الإِباء ضربها وإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين، وقيل الترتيب فى خوف النشوز، وإذا تحقق فله الجمع بين الوعظ والهجر والضرب، وفى الآية تدريج من خفة إلى ثمل، وتضرب على ترك الصلاة أو الغسل أو الوضوء، وعلى ترك الصوم، وعلى ترك التزين إن أراده، وترك الإجابة، وعلى الخروج من البيت بلا عذر، وكان الزبير بن العوام يضرب من أغضبه من نسائه، وهن أربع، يعود المشجب حتى يكسر، كما روت زوجته أسماء بنت الصديق عنه، وفى الحديث الإشارة إلى أن ترك الضرب أولى، وقد أباحه الله، إذ قال أيضربها كالعبد أول النهار ثم يجامها آخره، معطوف على إلا إِن ترك الضرب، أو إلى أن جماعها قريباً منه ضربها تجسير لها ونقض لضربها، وإبهام أنه مضطر إليها، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اضربوهن، ولا يضربهن إلا شراركم"تفسير : ، رواه القاسم بن محمد مرسلا {فَإِن أطْعنَكُمْ} فى مرادكم {فَلاَ تَبْغُوا} تطلبوا {عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أو لا تظلموهن بسبيل مضرة، وذلك بضرب بعد الطاعة، أو توبيخ، وإيذاء وتعيير بما مضى، أو لا تكلفوهن ما يكون فى القلب كالحب {إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيَّا كَبِيراً} احذروا عقابه، فإنه أقدر عليكم منكم عليهن، ومع هذا يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم، وأنتم أحق بأن تتجاوزوا عنهن، وأنه أعظم من أن يجوز على أحد أو ينقص حقه، فاتصفوا أنتم بهذه الصفة، والله عفو يحب العفو، وقد أخرج الربيع بن حبيب وغيره حديث أن أبا مسعود رفع السوط على غلام ليضربه، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعلم أبا مسعود، أن الله أقدر عليك منك عيله" تفسير : ، فرمى السوط... الحديث.

الالوسي

تفسير : {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء} أي شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك. واختيار الجملة الإسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم، وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث كما أن فيما تقدم رمزاً إلى تفاوت مراتب الاستحقاق، وعلل سبحانه الحكم بأمرين: وهبي وكسبي فقال عز شأنه: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فالباء للسببية وهي متعلقة بـ {قَوَّامُونَ} كعلى ولا محذور أصلاً، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً من ضميره والباء للسببية أو للملابسة و (ما) مصدرية وضمير الجمع لكلا الفريقين تغليباً أي قوّامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين بالتفضيل، وعدل عن الضمير فلم يقل سبحانه بما فضلهم الله عليهن للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية، وقيل: للإبهام للإشارة إلى أن بعض النساء أفضل من كثير من الرجال وليس بشيء، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزاً إلى أنه غني عن التفصيل، وقد ورد أنهن ناقصات عقل ودين، والرجال بعكسهن كما لا يخفى، ولذا خصوا بالرسالة والنبوة على الأشهر، وبالإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة وتكبيرات التشريق عند إمامنا الأعظم ـ والاستبداد بالفراق وبالنكاح عند الشافعية ـ وبالشهادة في أمهات القضايا وزيادة السهم في الميراث والتعصيب إلى غير ذلك {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ} عطف على ما قبله فالباء متعلقة بما تعلقت به الباء الأولى، و (ما) مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف، و {مِنْ} تبعيضية أو ابتدائية متعلقة ـ بأنفقوا ـ أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوف وأريد بالمنفق ـ كما قال مجاهد ـ المهر، ويجوز أن يراد بما أنفقوه ما يعمه، والنفقة عليهنّ، والآية ـ كما روي عن مقاتل ـ حديث : نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبـي زهير وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا هذا جبرائيل عليه السلام أتاني وأنزل الله هذه الآية فتلاها صلى الله عليه وسلم ثم قال: أردنا أمراً وأراد الله تعالى أمراً والذي أراده الله تعالى خير»تفسير : . / وقال الكلبـي: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن سلمة وذكر القصة، وقال بعضهم: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبـيّ وزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذكر قريباً منه، واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته إلا في معصية الله تعالى، وفي الخبر «حديث : لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها» تفسير : واستدل بها أيضاً من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة وهو مذهب مالك والشافعي لأنه إذا خرج عن كونه قواماً عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وعندنا لا فسخ لقوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280] واستدل بها أيضاً من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه لأنه سبحانه جعل الرجل قواماً بصيغة المبالغة وهو الناظر على الشيء الحافظ له. {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ} أي منهن {قَٰنِتَٰتٌ} شروع في تفصيل أحوالهن وكيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، والمراد فالصالحات منهن مطيعات لله تعالى ولأزواجهن {حَـ{فِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} أي يحفظن أنفسهن وفروجهن في حال غيبة أزواجهن، قال الثوري وقتادة: أو يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، فاللام بمعنى في، والغيب بمعنى الغيبة، وأل عوض عن المضاف إليه على رأي، ويجوز أن يكون المراد حافظات لواجب الغيب أي لما يجب عليهن حفظه حال الغيبة، فاللام على ظاهرها، وقيل: المراد حافظات لأسرار أزواجهن أي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة، ومنه المنافسة والمنافرة واللطمة المذكورة في الخبر، وحينئذٍ لا حاجة إلى ما قيل في اللام، ولا إلى تفسير الغيب بالغيبة إلا أن ما أخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهم من حديث أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ} إلى الغيب»تفسير : يبعد هذا القول؛ ومن الناس من زعم أنه أنسب بسبب النزول {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} أي بما حفظهن الله تعالى في مهورهن، وإلزام أزواجهن النفقة عليهن قاله الزجاج، وقيل: بحفظ الله تعالى لهن وعصمته إياهن ولولا أن الله تعالى حفظهن وعصمهن لما حفظن ـ فما ـ إما موصولة أو مصدرية، وقرأ أبو جعفر {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بالنصب، ولا بد من تقدير مضاف على هذه القراءة ـ كدين الله، وحقه ـ لأن ذاته تعالى لا يحفظها أحد، و (ما) موصولة أو موصوفة، ومنع غير واحد المصدرية لخلو حفظ حينئذٍ عن الفاعل لأنه كان يجب أن يقال بما حفظن الله، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون فاعله ضميراً مفرداً عائداً على جمع الإناث لأنه في معنى الجنس كأنه قيل. فمن حفظ الله، وجعله ابن جني كقوله:شعر : فإن الحوادث أودى بها تفسير : ولا يخفى ما فيه من التكلف، وشذوذ ترك التأنيث ومثله لا يليق بالنظم الكريم كما لا يخفى، ثم إن صيغة جمع السلامة هنا للكثرة أما المعرف فظاهر، وأما المنكر فلأنه حمل عليه فلا بد من مطابقته له في الكثرة، وإلا لم يصدق على جميع أفراده، وقد نص على ذلك في «الدر المصون». وقرأ ابن مسعود (فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن)، وأخرج ابن جرير عنه زيادة (فأصلحوا إليهن) فقط. {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي ترفعهن عن مطاوعتكم وعصيانهن لكم، من النشز ـ بسكون الشين وفتحها ـ وهو المكان المرتفع ويكون بمعنى الارتفاع {فَعِظُوهُنَّ} أي فانصحوهن/ وقولوا لهن اتقين الله وارجعن عما أنتن عليه، وظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز وإن لم يقع وإلا لقيل نشزن، ولعله غير مراد ولذا فسر في «التيسير» {تَخَافُونَ} بتعلمون، وبه قال الفراء ـ كما نقله عنه الطبرسي ـ وجاء الخوف بهذا كما في «القاموس»، وقيل: المراد: تخافون دوام نشوزهن أو أقصى مراتبه كالفرار منهم في المراقد. واختار في «البحر» أن في الكلام مقدراً وأصله: واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن فعظوهن، وهو خطاب للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن. {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} أي مواضع الاضطجاع، والمراد: أتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا تدخلونهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل: المراد أهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه ولعله كناية أيضاً عن ترك الجماع، وقيل: المضاجع المبايت أي أهجروا حجرهن ومحل مبيتهن، وقيل: {فِى} للسببية أي أهجروهن بسبب المضاجع أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن أبـي شيبة من طريق أبـي الضحى، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول، وزعم بعضهم أن المعنى أكرهوهن على الجماع واربطوهن من هجر البعير إذا شده بالهجار، وتعقبه الزمخشري بأنه من تفسير الثقلاء، وقال ابن المنير: «لعل هذا المفسر يتأيد بقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} فإنه يدل على تقدم إكراه في أمر ما، وقرينة (المضاجع) ترشد إلى أنه الجماع، فإطلاق الزمخشري لما أطلقه في حق هذا المفسر من الإفراط» انتهى، وأظن أن هذا لو عرض على الزمخشري لنظم قائله في سلك ذلك المفسر، ولعدّ تركه من التفريط؛ وقرىء (في المضطجع) و (المضجع). {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني ضرباً غير مبرح ـ كما أخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وفسر غير المبرح بأن لا يقطع لحماً ولا يكسر عظماً. وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه، والذي يدل عليه السياق والقرينة العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة فإذا خيف نشوز المرأة تنصح ثم تهجر ثم تضرب إذ لو عكس استغنى بالأشدّ عن الأضعف، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء في {فَعِظُوهُنَّ} لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر، وفي «الكشف» الترتيب مستفاد من دخول الواو على أجزئه مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر مدرج، فإنما النص هو الدال على الترتيب. هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو في معنى الأربع ترك الزينة والزوج يريدها وترك الإجابة إذا دعاها إلى فراشه وترك الصلاة في رواية والغسل، والخروج من البيت إلا لعذر شرعي، وقيل: له أن يضربها متى أغضبته، فعن أسماء بنت أبـي بكر رضي الله تعالى عنه كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فإذا غضب على واحدة منا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها، ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن إلا لداع قوي، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله تعالى عنه قالت: «حديث : كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: «ولن يضرب خياركم»»تفسير : وذكر الشعراني قدس سره «أن الرجل إذا ضرب زوجته ينبغي أن لا يسرع في جماعها بعد الضرب» وكأنه أخذ ذلك مما أخرجه الشيخان وجماعة عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : / أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم»تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره» وللخبر محمل آخر لا يخفى. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن من طاعتكم بذلك كما هو الظاهر {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً إلى التعدي عليهن، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فالبغي إما بمعنى الطلب، و {سَبِيلاً} مفعوله والجار متعلق به، أو صفة النكرة قدم عليها، وإما بمعنى الظلم، و {سَبِيلاً} منصوب بنزع الخافض، وعن سفيان بن عيينة أن المراد فلا تكلفوهن المحبة، وحاصل المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فاحذروه فإن قدرته سبحانه عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم منهن، أو أنه تعالى على علو شأنه وكمال ذاته يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم إذا تبتم فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم واعفوا عنهن إذا تبن، أو أنه تعالى قادر على الانتقام منكم غير راض بظلم أحد، أو أنه سبحانه مع علوه المطلق وكبريائه لم يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن..

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي لذكر تشريع في حقوق الرجال وحقوق النساء والمجتمع العائلي. وقد ذُكر عقب ما قبلَه لمناسبة الأحكام الراجعة إلى نظام العائلة، لا سيما أحكام النساء، فقوله: {الرجال قوامون على النساء} أصل تشريعي كُلِّيّ تتفرّع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدّمة. وقوله: {فالصالحات} تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] فيما تقدّم. والحكم الذي في هذه الآية حكم عامّ جيء به لتعليل شرع خاصّ. فلذلك فالتعريف في {الرجال} و{النساء} للاستغراق، وهو استغراق عرفي مبني على النظر إلى الحقيقة، كالتعريف في قول الناس «الرجل خير من المرأة»، يؤول إلى الاستغراق العرفي، لأنّ الأحكام المستقراة للحقائق أحكام أغلبية، فإذا بني عليها استغراق فهو استغراق عرفي. والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية. والقَوَّام: الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، يقال: قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم، وكلّها مشتقّة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأنّ شأن الذي يهتمّ بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيامُ بعلاقة اللزوم. أو شُبِّه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل. فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، أي الصنف المعروف من النوع الإنساني، وهو صنف الذكور، وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني، وليس المراد الرجال جمعَ الرجل بمعنى رَجُل المرأة، أي زوجها؛ لعدم استعماله في هذا المعنى، بخلاف قولهم: امرأةُ فلان، ولا المراد من النساء الجمعُ الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن}، بل المراد ما يدلّ عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى: {أية : وللنساء نصيب مما اكتسبن}تفسير : [النساء: 32]، وقول النابغة:شعر : ولا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرا تفسير : يريد أزواجه وبناته وولاياه. فموقع {الرجال قوامون على النساء} موقُع المقدّمة للحكم بتقديم دليله للاهتمام بالدليل، إذ قد يقع فيه سوء تأويل، أو قد وقع بالفعل، فقد روي أنّ سبب نزول الآية قول النساء «ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشَرَكْناهم في الغزو». وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال: {بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} أي: بتفضيل الله بعْضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم، إن كانت (ما) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضّل الله به بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم، إن كانت (ما) فيهما موصولة، فالعائدان من الصلتين محذوفان: أمّا المجرور فلأنّ اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جُرَّ به الضمير المحذوف، وأمّا العائد المنصوب من صلة {وبما أنفقوا} فلأنَّ العائد المنصوب يكثر حذفه من الصلة. والمراد بالبعض في قوله تعالى: {فضل الله بعضهم} هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله: {وبما أنفقوا من أموالهم} فإنّ الضميرين للرجال. فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها، كما قال عَمرو بن كلثوم:شعر : يَقُتْنَ جيادَنا ويقُلْن لستم بُعُولتنا إذا لَمْ تمنعونا تفسير : فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مرّ العصور والأجيال، فصار حقّا مكتسبا للرجال، وهذه حجّة بُرهانية على كون الرجال قوّامين على النساء فإنّ حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرّة وإن كانت تقوى وتضعف. وقوله: {وبما أنفقوا} جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات. وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارَة والأبنية، ونحو ذلك، وهذه حجّة خَطابية لأنّها ترجع إلى مصطلَح غالب البشر، لا سيما العرب. ويَنْدُر أن تتولّى النساء مساعي من الاكتساب، لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسَها وتنمية المرأة مالاً ورثتْه من قرابتها. ومن بديع الإعجاز صوغ قوله: {بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} في قالب صالح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأنّ القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأنّ سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين: عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثي:شعر : سَلِي إن جَهِلْتِ الناس عنّا وعنهم فليس سواء عالم وجهول تفسير : ولأنّ في الإتيان بــــ(بما) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جَزَالةً لا توجد في قولنا: بتفضيل الله وبالإنفاقِ، لأنّ العرب يرجّحون الأفعال على الأسماء في طرق التعْبير. وقد روي في سبب نزول الآية: أنّها قول النساء، ومنهن أمّ سلمة أمّ المؤمنين: «حديث : أتغزو الرجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث» تفسير : فنزل قوله تعالى: {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] إلى هذه الآية، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط بذلك التمنّي. وقيل: نزلت هذه الآية حديث : بسبب سعد بن الربيع الأنصاري: نشزت منه زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فشكاه أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية في فور ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أردتُ شيئاً وأراد الله غيرهتفسير : ، ونقض حكمه الأول، وليس في هذا السبب الثاني حديث صحيح ولا مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنّه ممّا رُوي عن الحسن، والسدّي، وقتادة. والفاء في قوله: {فالصالحات} للفصيحة، أي إذا كان الرجال قوّامين على النساء فمن المهمّ تفصيل أحوال الأزواج منهنّ ومعاشرتهنّ أزواجهنّ وهو المقصود، فوصف الله الصالحات منهن وصفا يفيد رضاه تعالى، فهو في معنى التشريع، أي ليَكُنَّ صالحات. والقانتات: المطيعات لله. والقنوت: عبادة الله، وقدّمه هنا وإن لم يكن من سياق الكلام للدلالة على تلازم خوفهنّ الله وحفظ حقّ أزواجهنّ، ولذلك قال: {حافظات للغيب}، أي حافظات أزواجهنّ عند غيبتهم. وعلّق الغيب بالحفظ على سبيل المجاز العقلي لأنّه وقته. والغيب مصدر غاب ضدّ حضر. والمقصود غيبة أزواجهنّ، واللام للتعدية لضعف العامل، إذ هو غير فِعل، فالغيب في معنى المفعول، وقد جعل مفعولا للحفظ على التوسّع لأنّه في الحقيقة ظرف للحفظ، فأقيم مقام المفعول ليشمل كلّ ما هو مظنّة تخلّف الحفظ في مدّته: من كلّ ما شأنه أن يحرسه الزوج الحاضر من أحوال امرأته في عرضه وماله، فإنّه إذا حضر يكون من حضوره وازعان: يزعها بنفسه ويَزعها أيضاً اشتغالها بزوجها، أمّا حال الغيبة فهو حال نسيان واستخفاف، فيمكن أن يبدو فيه من المرأة ما لا يرضي زوجها إن كانت غير صالحة أو سفيهة الرأي، فحصل بإنابة الظرف عن المفعول إيجاز بديع، وقد تبعه بشّار إذ قال:شعر : ويصُون غَيْبَكُم وإن نَزَحا تفسير : والباء في {بما حفظ الله} للملابسة، أي حفظا ملابساً لما حفظ الله، و(ما) مصدرية أي بحفظِ اللَّهِ، وحفظُ اللَّه هو أمره بالحفظ، فالمراد الحفظ التكليفي، ومعنى الملابسة أنهنّ يحفظن أزواجهنّ حفظاً مطابقاً لأمر الله تعالى، وأمرُ الله يرجع إلى ما فيه حقّ للأزواج وحدهم أو مع حقّ الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة، ويخرج عن ذلك ما أذن الله للنساء فيه، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم هندا بنت عتبة: أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدَها بالمعروف. لذلك قال مالك: إنّ للمرأة أن تُدْخِل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد وكما أذن لهن النبي أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين. وقوله: {واللاتي تخافون نشوزهن} هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز، أي الكراهية للزوج، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر، وقد يكون لقسوة في خُلق الزوج، وذلك كثير. والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد، ومنه نَشَزُ الأرض، وهو المرتفع منها. قال جمهور الفقهاء: النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي بعد أن عاشرته، كقوله: «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا». وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة. وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار مَحْمَل الأباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعُدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعدّه النساء أيضاً اعتداء، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجِرَانِ العَوْد.شعر : عَمِدْتُ لِعَوْدٍ فَالْتَحَيْتُ جِرَانَهُ ولَلْكَيْسُ أمضى في الأمور وأنجح خُذا حَذراً يا خُلَّتيَّ فإنّني رأيتُ جران العَوْد قد كاد يصلح تفسير : والتحيْت: قشرّت، أي قددت، بمعنى: أنّه أخذ جلداً من باطن عنق بعير وعمله سوطا ليضرب به امرأتيه، يهدّدهما بأنّ السوط قد جَفّ وصلح لأن يضرب به. وقد ثبت في «الصحيح» أنّ عمر بن الخطاب قال: (كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار). فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون وُلاة الأمور، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهِية دون الفاحشة، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعُدّون صدوره من الأزواج إضراراً ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلاّ بشيء من ذلك. وقوله: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل والمتبادر في العطف بالواو، قال سعيد بن جبير: يعظها، فإن قبلت، وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت، وإلاّ ضربها، ونُقل مثله عن علي. واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز. وقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} احتمال ضمير الخطاب فيه يجري على نحوما تقدّم في ضمائر {تخافون} وما بعده، والمراد الطاعة بعد النشوز، أي إن رجعن عن النشوز إلى الطاعة المعروفة. ومعنى: {فلا تبغوا عليهن سبيلاً} فلا تطلبوا طريقاً لإجراء تلك الزواجر عليهنّ، والخطاب صالح لكلّ من جعل له سبيل على الزوجات في حالة النشوز على ما تقدّم. والسبيل حقيقتُه الطريق، وأطلق هنا مجازاً على التوسّل والتسبّب والتذرّع إلى أخذ الحقّ، وسيجيء عند قوله تعالى: {أية : ما على المحسنين من سبيل} تفسير : في سورة براءة (91)، وانظر قوله الآتي {وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}. و{عليهنّ} متعلّق بــــ(سبيلا) لأنّه ضمّن معنى الحكم والسلطان، كقوله تعالى: {أية : ما على المحسنين من سبيل}تفسير : [التوبة: 91]. وقوله: {إن الله كان علياً كبيراً} تذييل للتهديد، أي إنّ الله عليٌّ عليكم، حاكم فيكم، فهو يعدل بينكم، وهو كبير، أي قويّ قادر، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه، وبوصف القدرة يُحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه. ومعنى {تخافون نشوزهن} تخافون عواقبه السيّئة. فالمعنى أنّه قد حصل النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال، فإنّ ذلك قلّما يخلو عنه حال الزوجين، لأنّ المغاضبة والتعاصي يعرضان للنساء والرجال، ويزولان، وبذلك يبقى معنى الخوف على حقيقته من توقّع حصول ما يضرّ، ويكون الأمر بالوعظ والهجر والضرب مراتبَ بمقدار الخوف من هذا النشوز والتباسه بالعدوان وسوء النية. والمخاطب بضمير {تخافون} إمَّا الأزواج، فتكون تعْدية (خاف) إليه على أصل تعدية الفعل إلى مفعوله، نحو {أية : فلا تخافوهم وخافون}تفسير : [آل عمران: 175] ويكون إسناد {فعظوهن واهجروهن واضربوهن}على حقيقته. ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من وُلاَة الأمور والأزواج؛ فيتولّى كلّ فريق ما هو من شأنه، وذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة (229) {أية : ولا يَحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله}تفسير : إلخ. فخطاب (لكم) للأزواج، وخطاب {أية : فإن خفتم}تفسير : [البقرة: 229] لولاة الأمور، كما في «الكشّاف». قال: ومثل ذلك غير عزيز في القرآن وغيره. يريد أنّه من قبيل قوله تعالى في سورة الصفّ (11): {أية : تؤمنون بالله ورسوله} تفسير : إلى قوله: {أية : وبشر المؤمنين} تفسير : الصفّ (13) فإنّه جعل (وبشّر) عطفاً على (تؤمنون) أي فهو خطاب للجميع لكنّه لمّا كان لا يتأتّى إلاّ من الرسول خصّ به. وبهذا التأويل أخذ عطاء إذ قال: لا يضرب الزوج امرأته ولكن يغضب عليها. قال ابن العربي: هذا من فقه عطاء وفهمه الشريعة ووقوفه على مظانّ الاجتهاد علم أنّ الأمر بالضرب هنا أمر إباحة، ووقف على الكراهية من طريق أخرى كقول النبي «حديث : ولن يضرب خياركم »تفسير : . وأنا أرى لعطاء نظرا أوسع ممّا رآه له ابن العربي: وهو أنّه وضع هاته الأشياء مواضعها بحسب القرائن، ووافقه على ذلك جمع من العلماء، قال ابن الفرس: وأنكروا الأحاديث المرويَّة بالضرب. وأقول: أو تأوّلوها. والظاهر أنّ الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة بين الزوجين فأذن للزوج بضرب امرأته ضرب إصلاح لقصد إقامة المعاشرة بينهما؛ فإن تجاوز ما تقتضيه حالة نشوزها كان معتديا. ولذلك يكون المعنى {واللاتي تخافون نشوزهن} أي تخافون سوء مغبّة نشوزهنّ، ويقتضي ذلك بالنسبة لولاة الأمور أنّ النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج، وأنّ إسناد {فعظوهن} على حقيقته، وأمّا إسناد {واهجروهن في المضاجع} فعلى معنى إذن الأزواج بهجرانهنّ، وإسناد {واضربوهن} كما علمت. وضمير المخاطب في قوله: {فإن أطعنكم} يجري على التوزيع، وكذلك ضمير {فلا تبغوا عليهن سبيلاً}. والحاصل أنّه لا يجوز الهجر والضرب بمجرّد توقّع النشوز قبل حصوله اتّفاقاً، وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة أزواجهم النواشز بواحدة من هذه الخصال الثلاث، وكان الأزواج مؤتمنين على توخّي مواقع هذه الخصال بحسب قوّة النشوز وقدره في الفساد، فأمّا الوعظ فلا حدّ له، وأمّا الهجر فشرطه أن لا يخرج إلى حدّ الإضرار بما تجده المرأة من الكمد، وقد قدّر بعضهم أقصاه بشهر. وأمّا الضرب فهو خطير وتحديده عسير، ولكنّه أذن فيه في حالة ظهور الفساد؛ لأنّ المرأة اعتدَتْ حينئذ، ولكن يجب تعيين حدّ في ذلك، يبيّن في الفقه، لأنّه لو أطلق للأزواج أن يتولّوه، وهم حينئذ يشْفُون غضبهم، لكان ذلك مظنّة تجاوز الحدّ، إذ قلّ من يعاقب على قدر الذنب، على أن أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة. بيد أنّ الجمهور قيّدوا ذلك بالسلامة من الإضرار، وبصدوره ممّن لا يعدّ الضرب بينهم إهانة وإضراراً. فنقول: يجوز لولاة الأمور إذا علموا أنّ الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعَها، ولا الوقوفَ عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة، ويعلنوا لهم أنّ من ضرب امرأته عوقب، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج، لا سيما عند ضعف الوازع.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء، ولم يبين هل يحصل من الرجال نشوز أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أن النشوز أيضاً قد يحصل من الرجال، وهو قوله تعالى {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} تفسير : [النساء: 128] الآية. وأصل النشوز في اللغة الارتفاع، فالمرأة الناشز كأنها ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها، وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج، وكأن نشوز الرجل ارتفاعه أيضاً عن المحل الذي فيه الزوجة وتركه مضاجعتها والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 34- الرجال لهم حق الرعاية للنساء، والقيام بشئونهن بما أعطاهم الله من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق، وبسبب أنهم هم الذين يكدِّون ويكدحون لكسب المال الذى ينفقونه على الأسرة، فالصالحات مطيعات لله ولأزواجهن، حافظات لكل ما يغيب عن أزواجهن بسبب أمر الله بهذا الحفظ وتوفيقه لهن. والزوجات اللاتى تظهر منهن بوادر العصيان، فانصحوهن بالقول المؤثِّر، واعتزلوهن فى الفراش، وعاقبوهن بضرب خفيف غير مبرح ولا مُهين عند التمرد، فإن رجعن إلى طاعتكم فى أى سبيل من هذه السبل الثلاث، فلا تتطلبوا السبيل التى هى أشد منها بغياً عليهن، إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن. 35- وإن حدث خلاف بين الزوجين وخفتم منه حدوث انشقاق بينهما يعرضهما للانفصال، فاختاروا حكمين: أحدهما من أهله والآخر من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما فى الوصول إلى ما هو خير للزوجين من معاشرة بالمعروف أو تسريح بإحسان. إن الله كان مطلَّعاً على ظواهر العباد وبواطنهم. 36- واعبدوا الله - وحده - ولا تجعلوا معه شريكاً فى الألوهية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه، وإلى أقربائكم وإلى اليتامى، والذين افتقروا بسبب عجزهم أو ذهاب الكوارث بأموالهم، وبالجار القريب النسب والجار الأجنبى، والرفيق لك فى عمل أو طريق أو جلوس، والمسافر المحتاج الذى لا قرار له فى بلد معين، وبما ملكتم من الأرقاء فتيانا وفتيات. إن الله لا يحب من كان متعالياً على الناس، لا تأخذه بهم رحمة، كثير التمدح بنفسه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قوامون: جمع قوام: وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً. بما فضل الله بعضهم: بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة. وبما أنفقوا من أموالهم: وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة. الصالحات: جمع صالحة: وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها. قانتات: مطيعات لله ولأزواجهن. حافظات للغيب: حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن. نشوزهن: النشوز: الترفع عن الزوج وعدم طاعته. فعظوهن: بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية. فلا تبغوا عليهن سبيلاً: أي لا تطلبوا لهن طريقاً تتوصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم. شقاق بينهما: الشقاق: المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل. حكماً: الحكم: الحاكم، والمحكم في القضايا للنظر والحكم فيها. معنى الآيتين: يروى في سبب نزول هذه الآية أن سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} فقال وليّ المرأة أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير. ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالباً ويُعد نظر في مبادىء الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها بما لا يشين جارحة أو يكسر عضواً فيكون ضربه لها كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإِحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: {فَٱلصَّٰلِحَٰتُ}، وهن: الائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام {قَٰنِتَٰتٌ}: أي مطيعات لله تعالى، وللزوج، {حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ} أي حافظاتٌ مالَ الزوج وعرضه لحديث: "حديث : وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله"تفسير : ، {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} أي بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإنْ قَل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإِحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً نبهت عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف. وقوله تعالى: {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}. فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت أي ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي ترفُعهن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي: {فَعِظُوهُنَّ} أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي أن يضربها ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضواً. وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيّتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي الأزواج {فَلاَ تَبْغُواْ} أي تطلبوا {عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} لأذيتهنّ باختلاق الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهنّ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تذييل للكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه. هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة [34] أما الآية الثانية [35] فقد تضمنت حكماً اجتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام وذلك لصعوبة الحال فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث ولي الزوجة حكماً من قبله، ويبعث ولي الزوج حكماً من قبله، أو يبعث الزوج نفسه حكماً وتبعث الزوجة أيضا حكما من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك الكل جائز لقوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ} وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلا عالماً بصيرا حتى يمكنه الحكم والقضاء. بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولا مع طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوجين من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضا الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما وجب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}، والخوف هنا بمعنى التوقع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى {إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً} فإنه يعني الحكمين، {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} أي إن كان قصدهما الإِصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتها ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}. ذكر تعليلاً لما واعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجري في صدورهما من إرادة الإصلاح أو الإِفساد. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته. 2- وجوب إكرام الصالحات والإِحسان إليهن. 3- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانيا، ثم بضربها ثالثا. 4- لا يحل اختلاق الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره. 5- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.

القطان

تفسير : قوامون: يقومون عليهن ويهتمون بأمرهن وجميع شئونهن. قانتات: عابدات بخضوع وسكون. نشوزهن: عصيانهن، وترفّعهن على أزواجهن. البغي: الظلم. في هذه الآية الكريمة تنظيم لشئون الأُسرة، وتحديد اختصاص أعضائها. فللرجال حق الصيانة والرعاية للنساء والقيام بشئونهن، كي يمكن المرأة ان تقوم بوظيفتها الفطرية وهي الحمل وتربية الاطفال وهي آمنة مكفيّة ما يهمّها من أمور أرزاقها وحاجاتها. ثم فصّل حال النساء في الحياة المنزلة وبين أنهن قسمان: فالنساء الصالحات مطيعات للأوزاج حافظات لما يجري بينهن وبينهم في الشؤون الخاصة بالزوجية، وكذلك بحفظ بيوتهن وأموال أزواجهن، خضوعاً لأمر الله في ذلك. والذي يُرزق واحدة منهن يعيش في نعيم مقيم. والقسم الثاني: الزوجات اللاتي تظهر منهن بوادر العصيان والترفع، وتخافون ألاّ يقمن بحقوق الزوجية، فانصحوهن بالقول الليّن المؤثر واعتزِلوهن في الفراش. واذا لم ينفع ذلك كله عاقبوهن بضرب خفيف غير مبرّح، فان رجعن الى طاعتكم فلا تبغوا عليهِنَّ ولا تتجاوزوا ذلك الى غيره. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} ان سلطان الله علكيم فوق سلطانكم على نسائكم، فاذا بغيتم عليهن عاقبكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَوَّامُونَ} {أَمْوَالِهِمْ} {فَٱلصَّالِحَاتُ} {قَانِتَاتٌ} {حَافِظَاتٌ} {وَٱللاَّتِي} (34) - مِنْ شَأْنِ الرَّجُلِ أنْ يَقُومَ عَلَى المَرْأَةِ بِالحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، وَلِذَلِكَ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى الجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالجِهَادُ مِن أخَصِّ شُؤُونِ الحِمَايَةِ. وَقَدْ فَضَّلَ اللهُ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الخِلْقَةِ، وَأعْطَاهُمْ مَا لَمْ يُعْطَ النِّسَاءُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، كَمَا فَضّلَهُمْ بِالقُدْرَةِ عَلَى الإِنْفَاقِ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ أَمْوالِهِمْ، فَإِنَّ فِي المُهُورِ تَعْوِيضاً لِلْنِّسَاءِ، وَمُكَافَأَةً لَهُنَّ عَلَى الدُّخُولِ تَحْتَ رِئَاسَةِ الرَّجُلِ، وَقَبُولِ القِيَامَةِ عَلَيْهِنَّ. وَالقِيَامَةُ تَعْنِي الإِرْشَادَ وَالمُرَاقَبَةَ فِي تَنْفِيذِ مَا تُرْشَدُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَمُلاَحَظَةَ أَعْمَالِهِنَّ، وَمِنْ ذَلِكَ حِفْظُ المَنْزِلِ، وَعَدَمُ مُفَارَقَتِهِ إلاَّ بإذْنٍ، وَالانْصِرَافُ إلى وَظِيفَتِهِنَّ الفِطْرِيَّةِ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ وَتَرْبِيَةٍ. وَالنِّسَاءُ الصَّالِحَاتُ مُطِيعَاتٌ لأَزْوَاجِهِنَّ، حَافِظَاتٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ فِي خَلْوَاتِهِمْ، لاَ يُطْلِعْنَ عَلَيهِ أَحَداً، وَيَحْفَظْنَّ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ أيدِي العَابِثِينَ، وَعَلَيْهِنَّ أنْ يَحْفَظْنَ أمْوَالَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الضَّيَاعِ، وَهَذا الصّنْفُ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ لِلرِّجَالِ عَلَيِهِنَّ سُلْطَانُ التَّأديب. أمَّا اللَّوَاتِي تَخْشَوْنَ مِنْهُنَّ أنْ لاَ يَقُمْنَ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى الوَجْهِ الذِي تَرْضَونَ، فَعَلَى الرِّجَالِ مُعَامَلَتُهُنَّ، مُبْتَدِئِينَ بِالوَعْظِ وَالإِرْشَادِ، وَالتَّذْكِيرِ بِوَاجِبَاتِهِنَّ، فَقَدْ يَكْفِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُجْدِ ذَلِكَ، فَجَرِّبُوا الهَجْرَ فِي المَضْجَعِ، وَالإِعْرَاضَ عَنْهُنَّ، فَقَدْ يُفِيدُهُنَّ ذَلِكَ فَيَفِئْنَ إلَى الصَّوَابِ. وَإذَا لَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فَجَرِّبُوا الضَّرْبَ غَيْرَ المُبَرِّحِ وَغَيْرَ المُؤْذِي، وَهَذا لاَ يُلجَأ إليهِ إلاَّ إذَا يَئِسَ الرَّجُلُ مِنْ رُجُوعِ المَرْأَةِ عَنْ نُشُوزِهَا إلاَّ بِهِ. وَإذا أطَاعَتِ المَرْأَةُ زَوْجَهَا فِيمَا يُرِيدُهُ مِنْهَا، مِمَّا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ مِنْها، فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبَهَا، وَلاَ هُجْرَانُها، وَلاَ إِسَاءَةُ مُعَامَلَتِهَا. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ إذا بَغَوْا عَلَى النِّسَاءِ بَغْيِرِ سَبَبٍ، وَيُعْلِمُهُمْ بِأنَّهُ وَليُّهُنَّ، وَأنَّهُ سَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ يَبْغِي عَلَيْهِنَّ. قَوَّامُونَ - قِيَامَ الوُلاَةِ المُصْلِحِينَ عَلَى الرَّعِيَّةِ. قَانِتَاتٌ - مُطِيعَاتٌ لأزْوَاجِهِنَّ. حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ - صَائِنَاتٌ لِلْعِرْضِ وَالمَالِ فِي الغَيْبَةِ. بِمَا حَفِظَ اللهُ - لَهُنَّ مِنْ حُقُوقِهِنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ. النُّشُوزُ - عَدَمُ المُطَاوَعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34]، أول ما نلتفت إليه أن بعضهم لم يفسروا الآية إلاّ على الرجل وزوجته على الرغم من أنَّ الآية تكلمت عن مطلق رجال ومطلق نساء، فليست الآية مقصورة على الرجل وزوجه، فالأب قوام على البنات، والأخ على أخواته. ولنفهم أولاً {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34] وماذا تعني؟ وننظر أهذه تعطي النساء التفوق والمركز أم تعطيهن التعب. والحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم قضية كونية، فهو الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه وأوضح القضية الإيمانية {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 34] والذي يخالف فيها عليه أن يوضح - إن وجد - ما يؤدي إلى المخالفة، والمرأة التي تخاف من هذه الآية، نجد أنها لو لم ترزق بولد ذكر لغضبت، وإذا سألناها: لماذا إذن؟ تقول: أريد ابناً ليحمينا. كيف وأنت تعارضين هذا الأمر؟ ولنفهم ما معنى "قوَّام"، القوَّام هو المبالغ في القيام. وجاء الحق هنا بالقيام الذي فيه تعب، وعندما تقول: فلان يقوم على القوم؛ أي لا يرتاح أبداً. إذن فلماذا تأخذ {قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34] على أنه كتم أنفاس؟ لماذا لا تأخذها على أنه سعي في مصالحهن؟ فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أي أن يقوم بأداء ما يصلح الأمر. ونجد أن الحق جاء بكلمة "الرجال" على عمومها، وكلمة "النساء" على عمومها، وشيء واحد تكلم فيه بعد ذلك في قوله: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 34] فما وجه التفضيل؟ إن وجه التفضيل أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها. وفي قصة آدم عليه السلام لنا المثل، حين حذر الحق سبحانه آدم وزوجته من الشيطان، إبليس الذي دُعي إلى السجود مع الملائكة لآدم فأبى، وبذلك عرفنا العداوة المسبقة من إبليس لآدم، وحيثيتها: {أية : قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. وأوضح الحق لآدم: إذا هبطت إلى الأرض فاذكر هذه العداوة. وأعلم أنه لن يتركك، وسيظل يغويك ويغريك؛ لأنه لا يريد أن يكون عاصياً بمفرده، بل يريد أن يضم إليه آخرين من الجنس الذي أبى أن يسجد هو لأبيهم آدم يريد أن يغويهم، كما حاول إغواء آدم: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ ..} تفسير : [طه: 117]. وهل قال الحق بعدها: فتشقيا أو فتشقى؟ قال سبحانه: {أية : فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117]. فساعة جاء الشقاء في الأرض والكفاح ستر المرأة وكان الخطاب للرجل. وهذا يدل على أن القوامة تحتاج إلى تعب، وإلى جهد، وإلى سعي، وهذه المهمة تكون للرجل. ونلحظ أنه ساعة التفضيل قال: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 34] لقد جاء بـ {بَعْضَهُمْ ..} [النساء: 34] لأنه ساعة فضل الرجل لأنه قوّام فضل المرأة أيضاً لشيء آخر وهو كونها السكن حين يستريح عندها الرجل وتقوم بمهمتها. ثم تأتي حيثية القوامة: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..} [النساء: 34]. والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، فالذي يتعب نقول له: أنت قوّام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بذلك؛ لأنه سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك. ولكن مهمتها وإن كانت مهمة عظيمة إلا أنها تتناسب والخصلة المطلوبة أولاً فيها: الرقة والحنان والعطف والوداعة. فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل؛ لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله: {قَوَّامُونَ ..} [النساء: 34] يعني مبالغين في القيام على أمور النساء. ويوضح للنساء: لا تذكرن فقط أنها حكاية زوج وزوجة. قدرن أن القيام يكون على أمر البنات والأخوات والأمهات. فلا يصح أن تأخذ "قوام" على أنها السيطرة؛ لأن مهمة القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة عليه أن يبالغ في القيام على أمر مَنْ يتولى شئونهن. {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..} [النساء: 34] إذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر. والاثنان يستمتعان ويريدان استبقاء النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة وطلب الذرية أيضاً مشتركاً فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما، ولكنها جاءت على الرجل فقط .. صداقاً ونفقة حتى ولو كانت المرأة غنية لا يفرض عليها الشرع حتى أن تقرض زوجها. إذا فقوامة الرجال جاءت للنساء براحة ومنعت عنهن المتاعب. فلماذا تحزن المرأة منها؟ فـ {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34] أي قائمون إقامة دائمة؛ لأنه لا يقال قوّام لمطلق قائم، فالقائم يؤدي مهمة لمرة واحدة، لكن "قوّام" تعني أنه مستمر في القوامة. {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..} [النساء: 34] وما دمنا نكدح ونتعب للمرأة فلابد أن تكون للمرأة مهمة توازن ذلك وهي أن تكون سكناً له، وهذه فيها تفضيل أيضاً. لقد قدم الحق سبحانه وتعالى في صدر الآية مقدمة بحكم يجب أن يُلتزم به؛ لأنه حكم الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه، فأوضح القضية الإيمانية: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34] ثم جاء بالحيثيات فقال: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..} [النساء: 34] ويتابع الحق: {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ..} [النساء: 34] والمرأة الصالحة هي المرأة التي استقامت على المنهج الذي وضعه لها من خلقها في نوعها، فما دامت هي صالحة تكون قانتة، والقنوت هو دوام الطاعة لله، ومنه قنوت الفجر الذي نقنته، وندعو ونقف مدة أطول في الصلاة التي فيها قنوت. والمرأة القانتة خاضعة لله، إذن فحين تكون خاضعة لله تلتزم منهج الله وأمره فيما حكم به من أن الرجال قوامون على النساء، {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ..} [النساء: 34] وحافظات للغيب تدل على سلامة العفة. فالمرأة حين يغيب عنها الراعي لها والحامي لعرضها كالأب بالنسبة للبنت والابن بالنسبة للأم، والزوج بالنسبة للزوجة، فكل امرأة في ولاية أحد لابد أن تحفظ غيبته؛ ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما حدد المرأة الصالحة قال في حديث عن الدنيا: "حديث : الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ". تفسير : لقد وضع صلى الله عليه وسلم قانوناً للمرأة الصالحة يقول فيه: "حديث : خير النساء التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره ". تفسير : وأي شيء يحتاج الرجل إليه أحسن من ذلك. وكلمة "إن نظرت إليها سرّتك" إياك أن توجهها ناحية الجمال فقط، جمال المبنى، لا، فساعة تراها اجمع كل صفات الخير فيها ولا تأخذ صفة ولا تترك صفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من أن نأخذ صفة في المرأة ونترك صفة أخرى، بل لابد أن نأخذها في مجموع صفاتها فقال: "حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ". تفسير : المطلوب ألا تنظر إلى زاوية واحدة في الجمال، بل انظر إلى كل الزوايا، فلو نظرت إلى الزاوية التي تشغل الناس، الزاوية الجمالية، لوجدتها أقل الزوايا بالنسبة إلى تكوين المرأة؛ لأن عمر هذه المسألة "شهر عسل" - كما يقولون - وتنتهي، ثم بعد ذلك تبدو المقومات الأخرى. فإن دخلت على مقوم واحد وهي أن تكون جميلة فأنت تخدع نفسك، وتظن أنك تريدها سيدة صالون! ونقول لك: هذه الصفة أمدها بسيط في عمر الزمن، لكن ما يبقى لك هو أن تكون أمينة، أن تكون مخلصة، أن تكون مدبرة؛ ولذلك فالفشل ينشأ في الأسرة من أن الرجال يدخلون على الزواج بمقياس واحد هو مقياس جمال البنية، وهذا المقياس الواحد عمره قصير، يذهب بعد فترة وتهدأ شِرَّته. وبعد ذلك تستيقظ عيون الرجل لتتطلع إلى نواحي الجمال الأخرى، فلا يجدها. فيحدث الفشل؛ لذلك لا بد أن تأخذ مجموعة الزوايا كلها. إياك أن تأخذ زاوية واحدة، وخير الزوايا أن يكون لها دين. وكذلك المقياس بالنسبة لقبول المرأة للزوج، أيضاً خير الزوايا أن يكون له دين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إذا أتاكم مَنْ ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ". تفسير : وعندما استشار رجل سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: زَوّجها من ذي الدين، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. إذن فالدين يرشدنا: لابد أن ننظر إلى المسألة التي سيكون لها عمر طويل في الحياة الممتدة، وبعد ذلك إذا أرادت أن تكون ناجحه فعليها أن ترى إطار نوعيتها وتنبغ فيه، ومن الممكن إن كان عندها وقت أن توسع دائرة مهمتها في بيتها، فإذا كان عندها أولاد فعليها أن تتعلم الحياكة وتقوم بتفصيل وحياكة ملابسها وملابس أولادها فتوفر النقود، أو تتعلم التطريز كي لا تدفع أجرة، أو تتعلم التمريض حتى إذا مرض ولدها استطاعت أن تمرضه وترعاه، أن تتعلم كي تغني عن مدرس خصوصي يأخذ نقوداً من دخل الأسرة، وإن بقي عندها وقت فلتتعلم السباكة فتوفر أجرة السباك إذا فسد صنبور ماء، أو تتعلم إصلاح الكهرباء لتصلح مفتاح الإضاءة. وتستطيع المرأة أن تقوم بأي عمل وهي جالسة في بيتها وتوفر دخلاً لتقابل به المهام التي لا تقدر أن تفعلها، والمرأة تكون من "حافظات الغيب" ليس بارتجالٍ من عندها أو باختيار، بل بالمنهج الذي وضعه الله لحفظ الغيب؟. فما المنهج الذي وضعه الله لحفظ الغيب؟ تحافظ على عرضها وعلى مال زوجها في غيبته، فتنظر المنافذ التي تأتي منها الفتنة وتمتنع عنها، لا تخرج إلى الشوارع إلا لحاجة ماسة أو ضرورة كي لا ترى أحداً يفتنها أو يفتن بها؛ لأن هذه هي مقدمات الحفظ، ولا تذهب في زحمة الحياة، وبعد ذلك نقول لها: "حافظي على الغيب" بل عليها أن تنظر ما بيّنه الله في ذلك. فإن اضطررت أن تخرجي فلتغضي البصر؛ ولذلك قال سبحانه: {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ..} تفسير : [النور: 31]. فالمرأة إن لم تغض النظر يحدث التفات عاطفي؛ لأن كل شعور في الإنسان له ثلاث مراحل: مرحلة أن يدرك، ومرحلة أن يجد في نفسه، ومرحلة أن ينزع، أي يحول الأمر إلى سلوك، ونضرب دائماً المثل بالوردة. وأنت تسير ترى وردة في بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا إدراك، وإذا أعجبتك الوردة وعشقتها وأحببتها فهذا اسمه وجدان. وإذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية نزوعية، فكم مرحلة؟ ثلاث مراحل: إدراك، فوجدان. فنزوع. ومتى يتدخل الشرع؟ الشرع يتدخل في عملية النزوع دائماً. يقول لك: أنت نظرت الوردة ولم نعترض على ذلك، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئاً، لكن ساعة جئت لتمدّ يدك لتأخذها قلنا لك: لا، الوردة ليست لك. إذن فأنت حرّ في أن تدرك، وحرّ في أن تجد في نفسك، إنما ساعة تنزع نقول لك: لا، هي ليست لك، وإن أعجبتك فازرع لك وردة في البيت، أو استأذن صاحبها مثلاً. إذن فالتشريع يتدخل في منطقة النزوع، إلا في أمر المرأة فالتشريع يتدخل من أول الإدراك؛ لأن الذي خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالاً، نظرنا له، وستتولد عندنا مواجيد بالنسبة للأشياء التي نراها ونشتهيها، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لا يمكن أن ينفصل هذا عن النزوع؛ لأنك - كرجل - مركب تركيباً كيميائياً بحيث إذ أدركت جمالاً ثم حدث لك وجدان واشتهاء، فالاشتهاء لا يهدأ إلا بنزوع، فيبيّن لك الشرع: أنا رحمتك من أول الأمر، وتدخلت من أول المسألة. وكل شيء أتدخل فيه عند النزوع إلا المرأة فقد تدخلت فيها من أول الإدراك؛ لذلك أمر الحق الرجل أن يغض البصر، وكذلك أمر المرأة. لماذا؟ لأنك إن أدركت فستجد، وإن وجدت فستحاول أن تنزع ونزوعك سيكون عربدة في أعراض الناس، وإن لم تنزع فسيبقى عندك كبت؛ لذلك حسم الحق المسألة من أولها وقال: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ..} تفسير : [النور: 30-31]. فامنعوا المسألة من أول مراحلها لماذا؟ لأنني عندما أرى وردة، ثم قالوا لي: هي ليست لك فلا تقطفها، فلا يحدث عندي ارتباك في مادتي، لكن عندما يرى الرجل امرأة جميلة وتدخل في وجدانك فسيحدث عنده النزوع؛ لأن له أجهزة مخصوصة تنفعل لهذا الجمال، ولذلك يوضح لك الحق: أنا خالقك وسأتدخل في المسألة من أول الأمر، فقوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ..} [النساء: 34] أي بالمنهج الذي وضعه الله للحفظ: ألا أعرض نفسي إلى إدراك فينشأ عنه وجدان، وبعد ذلك أفكر في النزوع، فإن نزعت أفسدت، وإن لم تنزع تعقدت، فيأتي شرّ من ذلك، هذا معنى: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ..} [النساء: 34]، يعني انظروا إلى المنهج الذي وضعه الله لأن تحفظ المرأة غيبة زوجها، وهي تحفظه ليس بمنهج من عندها. بل المنهج الذي وضعه خالقها وخالقه. وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى حينما يربّى من عبده حاسة اليقظة قال: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ..} فالنشوز لم يحدث بل مخافة أن يحدث، فاليقظة تقتضي الترقب من أول الأمر، لا تترك المسألة حتى يحدث النشوز، و "النشوز" من "نشز" أي ارتفع في المكان. ومنه "النشز" وهو المكان المرتفع، وما دام الحق قد قال: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 34] فالمعنى هنا: مَنْ تريد أن تتعالى وتوضع في مكانة عالية؟؛ ولذلك فالنشاز حتى في النغم هو: صوت خارج عن قواعد النغم فيقولون: هذه النغمة نشاز، أي خرجت عن قاعدة النغمة التي سبقتها. وكذلك المرأة المفروض فيها أنها تكون متطامنة، فإن شعرت أن في بالها أن تتعالى فإياك أن تتركها إلى أن تصعد إلى الربوة وترتفع. بل عليك التصرف من أول ما تشعر ببوادر النشوز فتمنعه، ومعنى قوله: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ ..} [النساء: 34] يعني أن النشوز أمر متخوف منه ومتوقع ولم يحدث بعد. وكيف يكون العلاج؟ يقول الحق: {فَعِظُوهُنَّ ..} [النساء: 34] أي ساعة تراها تنوي هذا فعظها، والوعظ: النصح بالرقة والرفق، قالوا في النصح بالرقة: أن تنتهز فرصة انسجام المرأة معك، وتنصحها في الظرف المناسب لكي يكون الوعظ والإرشاد مقبولاً فلا تأت لإنسان وتعظه إلا وقلبه متعلق بك. ولنفترض أن ابناً طلب من والده طلباً، ولم يحضره الأب، ثم جاءت الأم لتشكو للأب سلوك الابن، فيحاول الأب إحضار الطلب الذي تمناه الابن، ويقول له: - تعال هنا يا بني، إن الله قد وفقني أن أحضر لك ما طلبت. وفي لحظة فرح الابن بالحصول على ما تمنى، يقول له الأب: لو تذكرت ما قالته لي أمك من سلوكك الرديء لما أحضرته لك. ولو سب الأب ابنه في هذه اللحظة فإن الابن يضحك. لماذا؟ لأن الأب أعطى الابن الدرس والعظة في وقت ارتباط قلبه وعاطفته به. ولكن نحن نفعل غير ذلك. فالواحد يأتي للولد في الوقت الذي يكون هناك نفور بينهما، ويحاول أن يعظه؛ لذلك لا تنفع الموعظة، وإذا أردنا أن تنفع الموعظة يجب أن نغير من أنفسنا، وأن ننتهز فرصة التصاق عواطف مَنْ نرغب في وعظه فنأتي ونعطي العظة. هكذا {فَعِظُوهُنَّ ..} [النساء: 34] هذه معناها: برفق وبلطف، ومن الرفق واللطف أن تختار وقت العظة، وتعرف وقت العظة عندما يكون هناك انسجام، فإن لم تنفع هذه العظة ورأيت الأمر داخلاً إلى ناحية الربوة؛ والنشوز فانتبه. والمرأة عادة تَدِل على الرجل بما يعرف فيه من إقباله عليها. وقد تصبر المرأة على الرجل أكثر من صبر الرجل عليها؛ لأن تكوين الرجل له جهاز لا يهدأ إلا أن يفعل. لكن المرأة تستثار ببطء، فعندما تنفعل أجهزة الرجل فهو لا يقدر أن يصبر، لكن المرأة لا تنفعل ولا تستثار بسرعة، فأنت ساعة ترى هذه الحكاية، وهي تعرفك أنك رجل تحب نتائج العواطف والاسترسال؛ فأعط لها درساً في هذه الناحية، اهجرها في المضجع. وانظر إلى الدقة، لا تهجرها في البيت، لا تهجرها في الحجرة، بل تنام في جانب وهي في جانب آخر، حتى لا تفضح ما بينكما من غضب، اهجرها في المضجع؛ لأنك إن هجرتها وكل البيت علم أنك تنام في حجرة مستقلة أو تركت البيت وهربت، فأنت تثير فيها غريزة العناد، لكن عندما تهجرها في المضجع فذلك أمرٍ يكون بينك وبينها فقط، وسيأتيها ظرف عاطفي فتتغاضى، وسيأتيك أنت أيضاً ظرف عاطفي فتتغاضى، وقد يتمنى كل منكما أن يصالح الآخر. إذن فقوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ ..} [النساء: 34] كأنك تقول لها: إن كنت سَتُدِلِّينَ بهذه فأنا أقدر على نفسي. ويتساءل بعضهم: وماذا يعني بأن يهجرها في المضاجع؟. نقول: ما دام المضجع واحداً فليعطها ظهره وبشرط ألا يفضح المسألة، بل ينام على السرير وتُغلق الحجرة عليهما ولا يعرف أحد شيئاً؛ لأن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت، وساعة يخرج الرجل وعواطفه تلتهب قليلاً، يرجع ويتلمسها، وهي أيضاً تتلمسه. والذي يفسد البيوت أن عناصر من الخارج تتدخل، وهذه العناصر تورث في المرأة عناداً وفي الرجل عناداً؛ لذلك لا يصح أن يفضح الرجل ما بينه وبين المرأة عند الأم والأب والأخ، ولنجعل الخلاف دائماً محصوراً بين الرجل والمرأة فقط. فهناك أمر بينهما سيلجئهما إلى أن يتسامحا معاً. {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ..} [النساء: 34] وقالوا: إن الضرب بشرط ألا يسيل دماً ولا يكسر عظماً، أي يكون ضرباً خفيفاً يدل على عدم الرضا؛ ولذلك فبعض العلماء قالوا: يضربها بالسواك. وعلمنا ربنا هذا الأمر في قصة سيدنا أيوب عندما حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة، قال له ربنا: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ..} تفسير : [ص: 44]. والضغث هو الحزمة من الحشيش يكون فيها مائة عود، ويضربها ضربة واحدة فكأنه ضربها مائة ضربة وانتهت. فالمرأة عندما تجد الضرب مشوباً بحنان الضارب فهي تطيع من نفسها، وعلى كل حال فإياكم أن تفهموا أن الذي خلقنا يشرع حكماً تأباه العواطف، إنما يأباه كبرياء العواطف، فالذي شرع وقال هذا لابد أن يكون هكذا. {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ..} [النساء: 34] أي ضرباً غير مبرح، ومعنى: غير مبرح أي ألا يسيل دماً أو يكسر عظماً ويتابع الحق: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ..} [النساء: 34]. فالمسألة ليست استدلالاً. بل إصلاحاً وتقويماً، وأنت لك الظاهر من أمرها، إياك أن تقول: إنها تطيعني لكن قلبها ليس معي؛ وتدخل في دوامة الغيب، نقول لك: ليس لك شأن لأن المحكوم عليه في كل التصرفات هو ظاهر الأحداث. أما باطن الأحداث فليس لك به شأن ما دام الحق قال: {أَطَعْنَكُمْ ..} [النساء: 34]؛ فظاهر الحدث إذن أن المسألة انتهت ولا نشوز تخافه، وأنت إن بغيت عليها سبيلاً بعد أن أطاعتك، كنت قوياً عليها فيجب أن تتنبه إلى أن الذي أحلها لك بكلمة هو أقوى عليك منك عليها وهذا تهديد من الله. ومعنى التهديد من الله لنا أنه أوضح: هذه صنعتي، وأنا الذي جعلتك تأخذها بكلمتيّ "زوجني .. زوجتك"، وما دمت قد ملكتها بكلمة مني فلا تتعال عليها؛ لأنني كما حميت حقك أحمي حقها. فلا أحد منكما أولى بي من الآخر، لأنكم صنعتي وأنا أريد أن تستقر الأمور، وبعد هذا الخطاب للأزواج يأتي خطاب جديد في قول الحق من بعد ذلك: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم / 13و / قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن، الحسن، وأَبو جعفر الرازي، عن يونس بن عبيد عن الحسن وحماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: حديث : لطم رجل امرأَته، فأَتت النبي، صلى الله عليه وسلم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لزوجها: القصاص القصاص. فأَنزل الله على النبي، صلى الله عليه وسلم، الوحي. ونزل عليه: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} إِلى آخر [الآية: 34]. فقرأَها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليهم وقال: أَردنا أَمرا وأَراد الله أَمرا غيره. وما أَراد الله، عز وجل، خيرتفسير : . وفي حديث حماد بن سلمة: جرح رجل امرأَته. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {قَانِتَاتٌ} [الآية: 34]. مطيعات. أنبا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن مغيرة عن إِبراهيم، في قوله، عز وجل: {وَٱهْجُرُوهُنَّ} [الآية: 34]. قال الهجر في المضجع. أخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن المغيرة، عن الشعبي قال: لا تهجر إِلا في المضجع [الآية: 34]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} [الآية: 35] قال: يعني الحكمين.

الصابوني

تفسير : [4] وسائل معالجة الشقاق بين الزوجين التحليل اللفظي {قَوَّٰمُونَ}: قوّام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوام على امرأته كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي، والحفظ والصيانة. {قَٰنِتَٰتٌ}: أصل القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الصلاة والمراد أنهن مطيعات لله ولأزواجهن. {نُشُوزَهُنَّ}: عصيانهن وترفعهن عن طاعتكم، وأصل النشز المكان المرتفع ومنه تلّ ناشز أي مرتفع. قال في "اللسان": النشوز يكون بين الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النَشَز وهو ما ارتفع من الأرض، ونشز الرجل إذا كان قاعداً فنهض قائماً ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} تفسير : [المجادلة: 11]. {فَعِظُوهُنَّ}: أي ذكّروهن بما أوجب الله عليهن من الطاعة وحسن العشرة للأزواج. {ٱلْمَضَاجِعِ}: المراد بهجر المضاجع هجر الفراش والمضاجعة. قال ابن عباس: الهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها. وقيل: أن يعزل فراشه عن فراشها. {شِقَاقَ}: الشقاق: الخلاف والعداوة وهو مأخوذ من الشق بمعنى الجانب، لأن كلاً من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر بسبب العداوة والمباينة. {حَكَماً}: الحكم من له حق الحكم والفصل بين الخصمين المتنازعين. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}: الجار البعيد أو الذي ليس له قرابة تربطه بجاره وأصله من الجنابة ضد القرابة. {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}: هو الرفيق في السفر، أو طلب العلم، أو الشريك وقيل: هي الزوجة. {مُخْتَالاً فَخُوراً}: قال ابن عباس: المختال البطر في مشيته، والفخور المفتخر على الناس بكبره. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: الرجال لهم درجة الرياسة على النساء، بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصّهم به من الكسب والإنفاق، فهم يقومون على شؤون النساء كما يقوم الولاة على الرعايا بالحفظ والرعاية وتدبير الشؤون. ثمّ فصّل تعالى حال النساء تحت رياسة الرجل، وذكر أنهن قسمان: قسم صالحات مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فالنساء الصالحات مطيعات للأزواج، حافظات لأوامر الله، قائمات بما عليهن من حقوق، يحفظن أنفسهن عن الفاحشة، وأموال أزواجهن عن التبذير في غيبة الرجال، فهنّ عفيفات، أمينات، فاضلات. وأما القسم الثاني وهنّ النساء الناشزات المتمردات المترفعات على أزواجهن، اللواتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج، فعليكم أيها الرجال أن تسلكوا معهن طريق النصح والإرشاد، فإن لم يجد الوعظ والتذكير فعليكم بهجرهن في الفراش مع الإعراض والصد، فلا تكلموهن ولا تقربوهن، فإذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبّرح، ضرباً رفيقاً يؤلم ولا يؤذي، فإن أطعنكم فلا تلتمسوا طريقاً لإيذائهن، فإن الله تعالى العلي الكبير أعلى منكم وأكبر، وهو وليهن ينتقم ممن ظلمهم وبغى عليهن. ثمّ بيّن تعالى حالةً أخرى، وهي ما إذا كان النفور لا من الزوجة فحسب بل من الزوجين، فأمر بإرسال (حكمين) عدلين، واحد من أقربائها والثاني من أقرباء الزوج، ليجتمعا وينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة، إن رأيا التوفيق وفّقا، وإن رأيا التفريق فرّقا، فإذا كانت النوايا صحيحة، والقلوب ناصحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما الوفاق والألفة بين الزوجين، وما شرعه الله إنما جاء وفق الحكمة والمصلحة لأنه من حكيم خبير. ثم ختم تعالى هذه الآيات بوجوب عبادته تعالى وعدم الإشراك به، وبالإحسان إلى الوالدين، وإلى الأقرباء واليتامى والمساكين، ومن له حق الجوار من الأقارب والأباعد. سبب النزول نزلت الآية الكريمة في (سعد بن الربيع) مع امرأته (حبيبة بنت زيد) وكان سعد من النقباء وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتقتصّ من زوجها" فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعوا هذا جبريل أتاني وأنزل الله {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمراً، وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير" ورفع القصاص. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: علّل تعالى قوامة الرجال على النساء بتعليلين: أحدهما: وهبي، والآخر كسبي، وأورد العبارة بصيغة المبالغة {قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}، للإشارة إلى كامل الرئاسة والولاية عليهن كما يقوم الولاة على الرعايا، فلهم حق الأمر، والنهي، والتدبير والتأديب، وعليهم كامل المسؤولية في الحفظ والرعاية والصيانة، وهذا هو السر في مجيء الجملة اسمية. اللطيفة الثانية: قال صاحب "الكشاف": ذكروا في فضل الرجال أموراً منها: العقل، والحزم، والعزم، والقوة، وأن منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة الكبرى، والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والشهادة في الحدود، والقصاص، والزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك. اللطيفة الثالثة: ورد النظم الكريم {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} ولو قال "بما فضلهم عليهن" أو قال "بتفضيلهم عليهن" لكان أوجز وأخصر، ولكنّ التعبير ورد بهذه الصيغة لحكمة جليلة، وهي إفادة أن المرأة من الرجل، والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من جسم الإنسان، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن، ولا ينبغي أن يتكبر عضو على عضو لأن كل واحد يؤدي وظيفته في الحياة، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته، ورأسه أشرف من يده، فالكل يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحدٍ عن الآخر. ثم للتعبير حكمة أخرى وهي الإشارة إلى أن هذا التفضيل إنما هو للجنس، لا لجميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم، والدين، والعمل، وكما يقول الشاعر: شعر : ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال تفسير : وبهذين المعنيين اللذين ذكرناهما ظهر أن الآية في نهاية الإيجاز والإعجاز. اللطيفة الرابعة: لم يذكر الله تعالى في الآية إلاّ (الإصلاح) ولم يذكر ما يقابله وهو (التفريق) بين الزوجين، وفي ذلك لطيفة دقيقة، وإرشاد من الله تعالى للحكمين إلى أنه ينبغي أن لا يدَّخراً وسعاً في الإصلاح، فإن في التفريق خراب البيوت، وفي التوفيق الألفة والمودة والرحمة، وغرضُ الإسلام جمع القلوب على المحبة والوئام. اللطيفة الخامسة: قال الزمخشري: "وإنما كان الحكمان من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإليهم تسكن نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض، وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته، وما يزويانه عن الأجانب، ولا يحبان أن يطلعوا عليه". اللطيفة السادسة: ذكر الشعبي أن شريحاً تزوج امرأة من بني تميم يقال لها (زينب) فلما تزوجها ندم حتى أراد أن يرسل إليها بطلاقها، ثم قال: لا أعجل حتى يجاء بها، فلما جيء بها تشهّدت ثم قالت: أما بعد فقد نزلنا منزلاً لا ندري متى نظعن منه، فانظر الذي تكره، هل تكره زيارة الأخْتان؟ فقلت: إني شيخ كبير لا أكره المرافقة، وإني لأكره ملال الأخْتان، قال: فما شرطتُ شيئاً إلاّ وفت به، فأقامت سنة ثم جئت يوماً ومعها في الحَجَلة إنس، فقلت: إنّا لله، فقالت: أبا أمية إنها أمي، فسلّم عليها فقالت: انظر فإن رابك شيء منها فأوجع رأسها، قال: فصحبتني ثم هلكت قبلي، قال: فوددت أني قاسمتها عمري، أو مت أنا وهي في يوم واحد، وأنشد شريح: شعر : رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلّت يميني حين أضرب زينباً تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي الخطوات التي أرشد إليها الإسلام لمعالجة نشوز المرأة؟ أرشدت الآية الكريمة إلى الطريقة الحكيمة في معالجة نشوز المرأة ودعت إلى الخطوات التالية: أولاً: النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ}. ثانياً: الهجران بعزل فراشه عن فراشها وترك معاشرتها لقوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ}. ثالثاً: الضرب غير المبرح بسواك ونحوه تأديباً لها، لقوله تعالى: {وَٱضْرِبُوهُنَّ}. رابعاً: إذا لم تُجْد كل هذه الوسائل فينبغي التحكيم لقوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}. وأما الضرب فقد وضّحه عليه السلام بقوله: "حديث : فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبّرح ". تفسير : قال ابن عباس وعطاء: الضرب غير المبّرح بالسواك، وقال قتادة: ضرباً غير شائن. وقال العلماء: ينبغي أن لا يوالي الضرب في محل واحد وأن يتقي الوجه فإنه يجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا عصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأنيب على أبلغ الوجوه. وقد سئل عليه السلام: حديث : ما حق امرأة أحدنا عليه؟ فقال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت" . تفسير : ومع أن الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أن تركه أفضل لقوله عليه السلام: "حديث : ولن يضرب خياركم ". تفسير : الحكم الثاني: هل هذه العقوبات مشروعة على الترتيب؟ اختلف العلماء في العقوبات الواردة في الآية الكريمة هل هي مشروعة على الترتيب أم لا؟ فقال جماعة من أهل العلم إنها على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، ثم الضرب، ولا يباح الضرب عند ابتداء النشوز، وهذا مذهب أحمد، وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. ومنشأ الخلاف بين العلماء اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى الترتيب قال إن (الواو) لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع، فللزوج أن يقتصر على إحدى العقوبات أياً كانت، وله أن يجمع بينها. ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ يدل على الترتيب، والآية وردت على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي ثم إلى الأقوى فإنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بوجوب الترتيب، فإذا حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد. أقول: لعل هذا هو الأرجح لظاهر الآية الكريمة والله أعلم. قال ابن العربي: (من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول (سعيد بن جبير) فقد قال: "يعظها فإن هي قبلت وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت وإلاّ ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فينظران ممن الضرر وعند ذلك يكون الخلع). وروي عن علي كرم الله وجهه ما يؤيد ذلك فإنه قال: "يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين". الحكم الثالث: هل يجوز في الحكمين أن يكونا من غير الأقارب؟ ظاهر الآية أنه يشترط في الحكمين أن يكونا من الأقارب لقوله تعالى: {حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وأن ذلك على سبيل الوجوب، ولكن العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا: إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين، طلباً للإصلاح من الأجانب، وأبعد عن التهمة بالميل لأحد الزوجين، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة. قال الألوسي: "وخُصّ الأهل لأنهم أطلب للصلاح، وأعرف بباطن الحال، وهذا على وجه الاستحباب، وإن نصّبا من الأجانب جاز". الحكم الرابع: من المخاطب في الآية الكريمة {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}؟ الخطاب في الآية السابقة للأزواج لقوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} وهذا من حق الزوج، والخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأن للزوج أن يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، بيّن تعالى أنه إذا لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم ويتوجه حكمه عليهما وهو السلطان الذي بيده سلطة الحكم والتنفيذ. وروي عن السُدّي أن الخطاب للزوجين. وهذا القول مرجوح. وظاهر الأمر في قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ} أنه للوجوب وبه قال الشافعي رحمه الله، لأنه من باب رفع الظُّلامات وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة. الحكم الخامس: هل للحكمين أن يفرقا بين الزوجين بدون إذنهما؟ اختلف الفقهاء في الحكمين هل لهما الجمع والتفريق بدون إذن الزوجين أم ليس لهما تنفيذ أمر بدون إذنهما؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنه ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى الزوجين لأنهما وكيلان عنهما، ولا بدّ من رضى الزوجين فيما يحكمان به، وهو مروي عن (الحسن البصري) و(قتادة) و(زيد بن أسلم). وذهب مالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين بدون إذنهما ما يريا فيه المصلحة، فإن رأيا التطليق طلّقا، وإن رأيا أن تفتدي المرأة بشيء من مالها فعلا، فهما حاكمان موليان من قبل الإمام وينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة وهو مروي عن (علي) و(ابن عباس) و(الشعبي). وللشافعي في المسألة قولان. وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلٍ من الرأيين. فالحجة للرأي الأول: أن الله تعالى لم يضف إلى الحكمين إلا الإصلاح {إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً} وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما، ولأنهما وكيلان ولا ينفذ حكمهما إلا برضى الموكل. والحجة للرأي الثاني: أن الله تعالى سمّى كلاً منهما حكماً {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه رضي أم سخط. قال الجصاص: "قال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلاّ أن يرضى الزوج، وذلك لأنه لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما، ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع، ولا على ردّ مهرها، فكذلك بعد بعث الحكمين لا يجوز إلا برضى الزوجين" وهو اختيار الطبري. قال الطبري: "وليس للحكمين ولا لواحد منهما الحكم بالفرقة بينهما، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك". أقول: ولعلّ الرأي الأول هو الأرجح لقوة الدليل وهذا ما اختاره الطبري رحمه الله والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - للزوج حق تأديب زوجته ومنعها من الخروج من المنزل إلا بإذنه. 2 - على الزوجة طاعة زوجها في حدود ما أمر الله لا في المعصية. 3 - ضرورة التحكيم إذا لم تُجْد جميع وسائل الإصلاح من قبل الزوج. 4 - على الحكمين أن يبذلا أقصى ما في وسعهما للإصلاح بين الزوجين. خاتمة البحث حكمة التشريع قضت السنة الكونية وظروف الحياة الاجتماعية، أن يكون في الأسرة قيّم، يدير شؤونها، ويتعهد أحوالها، وينفق من ماله عليها، لتؤدي رسالتها على أكمل الوجوه، ولتكون نواة للمجتمع الإنساني الذي ينشده الإسلام، إذ في صلاح الأسرة صلاح المجتمع، وفي فساد الأسرة وخرابها خراب المجتمع. ولما كان الرجل أقدر على تحمل هذه المسؤولية من المرأة، بما وهبه الله من العقل، وقوة العزيمة والإرادة، وبما كلّفه من السعي والإنفاق على المرأة والأولاد، كان هو الأحق بهذه القوامة، التي هي في الحقيقة درجة (مسؤولية وتكليف) لا درجة (تفضيل وتشريف) إذ هي مساهمة في تحمل الأعباء، وليست للسيطرة والاستعلاء، إذ لا بدّ لكل أمر هام من رئيس يتولى شؤون التدبير والقيادة. وقد جعل الله للرجال حق القيام على النساء بالتأديب والتدبير، والحفظ والصيانة، ولعل أخبث ما يتخذه أعداء الإسلام ذريعة للطعن في دين الله، زعمهم أن الإسلام أهان المرأة حين سمح للرجل أن يضربها ويقولون: كيف يسمح الله بضرب النساء، وكيف يحوي كتابه المقدس هذا النص {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ}؟! أفليس هذا اعتداء على كرامة المرأة!! والجواب: نعم لقد سمح القرآن بضرب المرأة ولكن متى يكون الضرب؟ ولمن يكون؟ إن هذا الأمر علاج، والعلاج إنما يحتاج إليه عند الضرورة، فالمرأة إذا أساءت عشرة زوجها، وركبت رأسها، وسارت وراء الشيطان وبقيادته، لا تكف ولا ترعوي عن غيّها وضلالها، فماذا يصنع الرجل في مثل هذه الحالة؟ أيهجرها، أم يطلقها، أم يتركها تصنع ما تشاء؟ لقد أرشد القرآن الكريم إلى الدواء، أرشد إلى اتخاذ الطرق الحكيمة في معالجة هذا النشوز والعصيان، فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإرشاد، ثمّ بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنفع كل هذه الوسائل فلا بدّ أن نستعمل آخر الأدوية، وكما يقولون في الأمثال: (آخر الدواء الكيّ). فالضرب بسواك وما أشبهه أقل ضرراً من إيقاع الطلاق عليها، لأن الطلاق هدم لكيان الأسرة، وتمزيق لشملها، وإذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأعظم، كان ارتكاب الأخف حسناً وجميلاً، وكما قيل: (وعند ذكر العمى يستحسن العور). فالضرب ليس إهانة للمرأة - كما يظنون - وإنما هو طريق من طرق العلاج، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة، التي لا تفهم الحسنى، ولا ينفع معها الجميل. شعر : العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة تفسير : وإن من النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا التأديب، ومن أجل ذلك وضعت العقوبات وفتحت السجون. يقول السيد رشيد رضا في تفسيره "المنار": "وأما الضرب فاشترطوا فيه أن يكون غير مبرح، والتبريح الإيذاء الشديد، وقد روى عن ابن عباس تفسيره بالضرب بالسواك ونحوه أي كالضرب باليد، أو بقصبة صغيرة ونحوها. ثم قال: يستكبر بعض مقلدة الافرنج في آدابهم منا مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز وتترفع عليه، فتجعله وهو رئيس البيت مرءوساً بل محتقراً، وتصر على نشوزها حتى لا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ولا أدري بم يعالجون هؤلاء النواشز؟ وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟ إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال (فساد البيئة) وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء". أقول: إن أمر الضرب في شريعة الله ليس إلا طريقاً من طرق الإصلاح، وقد روي عن عطاء أنه قال: لا يضربْ زوجه وإن أمرها أو نهاها فلم تطعه، ولكنْ يغضب عليها، وقال عليه السلام "حديث : ولن يضرب خياركم" تفسير : ومع ذلك فهو علاج في بعض الحالات الشاذَّة {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 78].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} يعني لا تَعْلَّوا عَليهنَّ بالذِنُوبِ.

الأندلسي

تفسير : {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} الآية لما ذكر تعالى أمر الرجال والنساء في اكتساب النصيب وأمرهم في الميراث أخبر تعالى أن الرجال يقومون بمصالح النساء. وقوامون: صفة مبالغة، ومعنى: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ} أي بتفضيل الله بعض الرجال على بعض في كون هذا رزق أكثر من هذا، وحال هذا أمشى من حال هذا. {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} أي على النساء. وما: مصدرية في الموضعين. ويجوز أن تكون في قوله: وبما أنفقوا، موصولة. وحذف الضمير العائد عليها التقدير وبالذي أنفقوه من أموالهم، وتقدير الأولى المصدرية بتفضيل الله. {فَٱلصَّٰلِحَٰتُ} أي الخيرات في الدين. {قَٰنِتَٰتٌ} عابدات لله تعالى. {حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ} أي لما غاب عن أزواجهن من سر وغيره. كما قال الشاعر: شعر : إذا غاب عنها البعل لم تفش سره وترضى إياب البعل حين يؤوب تفسير : وما في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} مصدرية: والمعنى ان حفظهن للغيب ليس من قبل أنفسهن بل ذلك بحفظ الله إياهن لذلك. {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} النشوز أي تمتنع المرأة مما يريد منها زوجها من وطىء واستمتاع وتصنع بتعطر وغيره. ويقال بالشين والزاي ويقال: نشوص بالشين والصاد. والظفر أن الحذف على بابه وأمر بوعظها إذا خاف نشوزها. ويكون معنى قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} مقيداً بوقوع النشور والتقدير إذا نشزت لأن الهجر في المضجع والضرب لا يترتب على الخوف إنما يترتب عليه الوعظ. ودل على تقدير إذا نشزت معنى التقسيم. وقوله: واضربوهن، مطلق في الضرب، والمعنى والله أعلم أنه ضرب غير مبرح كالضرب بالقضيب اللين واللطمة مما لا يحدث شيئاً ويؤذن بالاحتقار لها. وقد كان بعض الصحابة يضرب بالسوط المؤلم. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي صرن طائعات لما تريدون منهم. ودل ذلك على أن نشوزهن كان معصية ولذلك قابله بقوله: فإِن أطعنكم. وقوله: {سَبِيلاً} أي من وعظ أو حجر أو ضرب. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} لما كان في تأديبهن بما أمر الله تعالى به الزوج اعتلاء للزوج على المرأة ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن المتصف بذلك حقيقة هو الله تعالى وإنما أذن لكم فيما أذن على سبيل التأديب لهن فلا تتعلوا عليهن ولا تتكبروا فإِن ذلك ليس مشروعاً لكم، وفي هذا وعظ عظيم للأزواج وإنذار انّ قدرة الله فوق قدرتكم عليهن. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ} المشاقة بأن يتمادى نشوزها ولا ينفع فيها وعظ ولا هجر ولا ضرب وتصير هي في شق. والمعنى شقاق. {بَيْنِهِمَا} أي بين الزوج والزوجة وأضيف شقاق إلى ما بين وهو ظرف على جهة الاتساع كما قالوا: هو نقي بين الحاجبين. والأمر في قوله: {فَٱبْعَثُواْ} هو لمن يتولى أمر النساء والرجال من القضاة والولاة. والظاهر أنهما ليسا وكيلين بل هما ناظران في أمرهما على سبيل الصلح أو الفرقة. والضمير في {إِن يُرِيدَآ} عائد على الحكمين إصلاحاً أي بين الزوجين، والضمير في بينهما عائد على الحكمين أي فيما بعثا فيه من تمام الاصلاح أو التفرقة على حسب ما يظهر لهما. وقيل: الضمير في بينهما عائد على الزوجين وفي كتب الفقه تفاريع في الحكمين ينظر فيها. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} يعلم ما يقصد الحكمان وكيف يوفق بين المختلفين ويخبر خفايا ما يلفظان به في أمر الزوجين.

الجيلاني

تفسير : ثم نبه سبحانه على تفضيل {ٱلرِّجَالُ} المعتدلة المزاج المستقيمة العقول {قَوَّٰمُونَ} حافظون {عَلَى ٱلنِّسَآءِ} إذ لا بد لهن لضعفهن من حفيظ يرقبهن عما يشتهين؛ صيانة لعفتهن {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ} به {بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: بعض بني آدم على بعض، وهو الحمية المنبعثة من كمال العقل {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ} لهن {مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} التي حصلت لهم من مكاسبهم {فَٱلصَّٰلِحَٰتُ} العفائف من النساء {قَٰنِتَٰتٌ} مطيعات لأزواجهن، خادمات لهم ظاهراً {حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ} أي: لحقوقهم المخفية الباطنة عنهم، تابعات ممتثلات {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} لهن من رعاية أزواجهن وعدم الخيانة في حقوقهم. {وَ} النساء {ٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن وعدم خفظهن بحقوق الزواج من أمارات ظهرت منهن {فَعِظُوهُنَّ} أي: فعليكم أيها الأزواج أن تعظوهن رفقاً بما وعظ الله لهن من رعاية حقوق الله وحقوق الأزواج لعلهن يفطن ويتركن ما عليهن {وَ} إن لم يتركن {ٱهْجُرُوهُنَّ} اتركوهن {فِي ٱلْمَضَاجِعِ} وحدية فلا ترجعوا إليه، بل اعتزلوا عنهن لعلهن يتأثرن بها {وَ} إن لم يتأثرن بها أيضاً {ٱضْرِبُوهُنَّ} ضرباً مؤلماً غير متجاوز عن الحد {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} بامتثال هذه التأديبات {فَلاَ تَبْغُواْ} لا تطلبوا {عَلَيْهِنَّ} لطلاقهن وإخراجهن {سَبِيلاً} استعلاء وترفعاً {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {كَانَ عَلِيّاً} في شأنه {كَبِيراً} [النساء: 34] في أحكامه، لا ينازع في حكمه، ولا يُسأل عن أمره. {وَإِنْ} تطالوت الخصومة والنزاع بينهما حتى {خِفْتُمْ} وظننتم أيها الحكام {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} وآيستم عن المصالحة والوفاق {فَٱبْعَثُواْ} أي: فعليكم أيها الحكام أن بعثوا {حَكَماً} مصلحاً ذا رأي {مِّنْ أَهْلِهِ} أي: من أقاربه {وَحَكَماً} مثل ذلك {مِّنْ أَهْلِهَآ} ليصيرا وكيلين عنهما يصلحا صلاحاً وطلاقاً وخلعاً وفداء، ثم {إِن يُرِيدَآ} أي: الحكمان {إِصْلَٰحاً} لأمرهما ورفعاً لنزاعهما {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} إن رضيا بمصالحتهما وإلا فليرفعا عقد النكاح بينهما على أي طريق كان {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {كَانَ عَلِيماً} بنزاعهما {خَبِيراً} [النساء: 35] بما يؤول إليه النزاع.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن الرِّجَال { قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } أي: قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون عليهن أيضا بالإنفاق عليهن، والكسوة والمسكن، ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء فقال: { بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } أي: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء. ولعل هذا سر قوله: { وَبِمَا أَنْفَقُوا } وحذف المفعول ليدل على عموم النفقة. فعلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته، وهي عنده عانية أسيرة خادمة،فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به. ووظيفتها: القيام بطاعة ربها وطاعة زوجها فلهذا قال: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ } أي: مطيعات لله تعالى { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } أي: مطيعات لأزواجهن حتى في الغيب تحفظ بعلها بنفسها وماله، وذلك بحفظ الله لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه. ثم قال: { وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل، { فَعِظُوهُنَّ } أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع، بأن لا يضاجعها، ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم { فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا } أي: فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} [34] 124- أنا عبدة بن عبد الله، أنا يزيد، أنا شعبة، عن أبي قَزعة عن حكيم / بن معاوية، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل: ما حقُّ المرأة على زوجها؟ قال: "حديث : تطعمها إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكْتَسَيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت ".

همام الصنعاني

تفسير : 567- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، قال: صَكَّ رجُلٌ امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقيدها منه، فأنزل الله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}: [الآية: 34]. 568- قال مَعْمَر: وسمعت الزّهري يقول: لَوْ أنَّ رجُلاً جَرَحَ امرأته أو شَحَّها لم يكنْ عَليْه في ذَلِك قَوَدٌ، وكان علَيْه الْعَقْلُ إلاَّ أنْ يعدو عليها فيقتلها فيقتل بها. 569- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَٰنِتَٰتٌ}: [الآية: 34]، قالَ: مطيعات. 570- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معْمَر، عن الحسن، وقتادة: {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ}: [الآية: 34]، قالا: إذَا خاف نشوزَها وعَظَها، فإنْ أقبلتْ وإلاَّ هَجَرَ مَضْجَعَها، فإن أقبلت وإلاّ ضَرَبَها ضرباً غير مُبَرّحٍ، ثُمَّ قال: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}: [الآية: 34]. 571- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال الكلبي: ليس الهجر في المضاجع أن يقول لها هجراً، والهجر أن يأمرها أن تَفِيءَ وترجع إلى مَضْجَعِها. 572- عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {وَٱضْرِبُوهُنَّ}: [الآية: 34]، ضَرْباً غير مُبَرَّحٍ. 573- قال ابن جريح: إلى قوله: {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}: [الآية: 34]، قال: العلل. 574- عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ}: [الآية: 34]، قال: يهجرها بلسانه، ويُغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها. 575- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري عن خُصَيْفٍ، عن عِكْرِمة قال: إنَّما الهجران بالمنطق، أن يُغلظ لها وليس بالجماع. 576- وقال الثَّوري في قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ}: [الآية: 34]، قال: أتت الفِراش وهي تبغضه.