٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها، ثم يهجرها، ثم يضربها، بين أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } إلى آخر الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: {خِفْتُمْ } أي علمتم. قال: وهذا بخلاف قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة: فوجب حمل الخوف ههنا على العلم. طعن الزجاج فيه فقال: {خِفْتُمْ } ههنا بمعنى أيقنتم خطأ، فإنا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين. وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما، الا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى. ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل. المسألة الثانية: للشقاق تأويلان: أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه. الثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة. المسألة الثالثة: قوله: {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } معناه: شقاقا بينهما، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها، يقال: يعجبني صوم يوم عرفة، وقال تعالى: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33]. المسألة الرابعة: المخاطب بقوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ } من هو؟ فيه خلاف: قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية اليه، وقال آخرون: المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله: {خِفْتُمْ } خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يجب أن يكون قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ } خطابا لجميع المؤمنين. ثم قال {فَٱبْعَثُواْ } فوجب أن يكون هذا أمراً لآحاد الأمة بهذا المعنى، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح. وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر، ولكل أحد أن يقوم به. المسألة الخامسة: إذا وقع الشقاق بينهما، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها، أو يشكل، فان كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه، وان كان منه، فإن كان قد فعل فعلا حلالا مثل التزوج بامرأة أخرى، أو تسرى بجارية، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق، فان قبلت وإلا كان نشوزا، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابها، فالقول أيضاً ما قلناه. المسألة السادسة: قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب، وأشد طلباً للصلاح، فان كانا أجنبيين جاز. وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال، ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح، أو في المفارقة، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع. المسألة السابعة: هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما، مثل أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها؟ للشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز، وبه قال مالك واسحق. والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة. وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه، ومع كل واحد منهما جمع من الناس، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: تعرفان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه. فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. قال الشافعي رضي الله عنه: وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل. أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال: عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وأقل ما في قوله: عليكما، أن يجوز لهما ذلك. وأما دليل القول الثاني: أن الزوج لما لم يرض توقف على، ومعنى قوله: كذبت، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي. ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين. والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين، لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض اليهما. المسألة الثامنة: قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أي شقاقا بين الزوجين، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. ثم قال تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: {إِن يُرِيدَا } وجوه: الأول: إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير. الثاني: إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. الثالث: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. الرابع: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه. المسألة الثانية: أصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق. النوع التاسع: من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} قد تقدّم معنى الشقاق في «البقرة». فكأنّ كل واحد من الزوجين يأخذ شِقّاً غير شِقّ صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه. والمراد إن خِفتم شِقاقاً بينهما؛ فأضيف ٱلمصدر إلى الظرف كقولك: يعجِبني سَيْر الليلة المُقْمرة، وصومُ يومِ عرفة. وفي التنزيل: { أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33]. وقيل: إن «بَيْنَ» أجرِي مجرى ٱلأسماء وأزِيل عنه الظرفية؛ إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خِفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما {فَٱبْعَثُواْ}. و {خِفْتُمْ} على الخلاف المتقدّم. قال سعيد بن جُبير: الحُكْم أن يعِظَها أوّلاً، فإن قبِلت وإلا هجرها، فإن هي قبِلت وإلا ضربها، فإن هي قبِلت وإلا بعث الحاكِم حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخُلْع. وقد قيل: له أن يضرِب قبل الوعظ. والأوّل أصح لترتيب ذلك في الآية. الثانية ـ الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: «وَإنْ خِفْتُمْ» الحُكّامُ والأُمراء. وأن قوله: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} يعني الحكمين؛ في قول ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحاً يُوفّق الله بين الزوجين. وقيل: المراد الزوجان؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحاً وصِدقاً فيما أخبرا به الحكمين {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}. وقيل: الخطاب للأولياء. يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ} أي علمتم خِلافاً بين الزوجين {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة؛ إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه. فإن لم يُوجد من أهلهما مَن يصلح لذلك فيُرسِل من غيرهما عدلين عالِمين؛ وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يُدْرَ مِمن ٱلإساءة منهما. فأمّا إن عرِف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويُجبر على إزالة الضرر. ويقال: إن الحَكَم من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبِرني بما في نفسِك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك؟ فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرّق بيني وبينها، فيُعرف أن مِن قِبله النشوز. وإن قال: إنِّي أهواها فأرضِها من مالي بما شِئت ولا تفرّق بيني وبينها، فيُعلم أنه ليس بناشِز. ويخلو (الحكم من جهتها) بالمرأة ويقول لها: أتهوِي زوجَك أم لا؛ فإن قالت: فرّق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد؛ فيعلم أن النشوز من قِبلها. وإن قالت: لا تفرّق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسِن إليّ، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قِبله يُقبِلان عليه بالعِظةِ والزجر والنهي؛ فذلك قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}. الثالثة ـ قال العلماء: قَسّمت هذه الآيةُ النساءَ تقسيماً عقليّاً؛ لأنهنّ إمّا طائعة وإما ناشز؛ والنشوز إما أن يرجع إلى الطّواعِية أوْ لا. فإن كان الأوّل تُرِكَا؛ لما رواه النّسائِي أن عَقِيل بن أبي طالب تزوّج فاطمةَ بنتَ عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول: يا بني هاشم، واللَّهِ لا يحِبكم قلبي أبداً! أين الذين أعناقهم كأباريق الفِضة! تُرَدّ أُنوفهم قبل شِفاهِهِم، أين عُتبةُ بن ربيعة، أبن شَيْبة بن ربيعة؛ فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوماً وهو بَرِمٌ فقالت له: أين عُتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت؛ فنشرت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك؛ فأرسل ٱبنَ عباس ومعاوية، فقال ٱبن عباس: لأُفرقنّ بينهما؛ وقال معاوية؛ ما كنت لأُفرّق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد سدّا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد ٱختلفا ولم يصطلِحا وتفاقم أمرهما سَعَيَا في الأُلفة جهدهما، وذَكّرا بالله وبالصحبة. فإن أنابَا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرّقا بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين؛ وسواء وافق حُكْم قاضي البلد أو خالفه، وكّلَهما الزوجان بذلك أو لم يوكّلاهما. والفِراق في ذلك طلاقٌ بائن. وقال قوم: ليس لهما الطلاق ما لم يوكّلْهما الزوج في ذلك، وليعرّفا الإمام؛ وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الإمام يفرّق إن أراد ويأمر الحَكَم بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعيّ؛ وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وٱبن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأوّل، وأن للحكمين التطليقَ دون توكيل؛ وهو قول مالك والأُوزاعيّ وإسحاق ورُوي عن عثمان وعليّ وٱبن عباس، وعن الشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ، وهو قول الشافعي؛ لأن الله تعالى قال: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل ٱسم في الشريعة ومعنًى، ولِلحَكَم ٱسم في الشريعة ومعنًى؛ فإذا بيّن الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذّ ـ فكيف لِعالم ـ أن يركّب معنى أحدهما على الآخر!. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث محمد بن سِيرين عن عبَيدة في هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} قال: جاء رجل وٱمرأة إلى عليّ مع كل واحد منهما فِئام من الناس فأمرهم فبعثوا حَكَماً من أهله وَحَكَماً من أهلها، وقال للحكمين: هل تَدْرِيان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولِي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال عليّ: كذبت، والله لا تبرح حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرّت به. وهذا إسناد صحيح ثابت رُوي عن عليّ من وجوه ثابتة عن ٱبن سيرين عن عَبيدة؛ قاله أبو عمر. فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وُكِّلْتما؟ وهذا بيّن. احتج أبو حنيفة بقول عليّ رضي الله عنه للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدلّ على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المَوْلى والعِنِّين. الرابعة ـ فإن ٱختلف الحكَمَان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما ٱجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حَكَمَا في أمر؛ فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبَى الآخر فليس بشيء حتى يتّفقا. وقال مالك في الحكمين يطلِّقان ثلاثاً قال: تلزم واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة؛ وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضاً: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها؛ وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجِشُون وأَصْبَغ. وقال ابن الموّاز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أَصْبَغ أن ذلك ليس بشيء. الخامسة ـ ويجزىء إرسال الواحد؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد حديث : أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أُنَيْساً وحده وقال له: «إن اعترفت فٱرجُمْها» تفسير : وكذلك قال عبد الملك في المدوّنة. قلت: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكّم الزوجان واحداً لأجزأ، وهو بالجواز أوْلى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحُكّامَ دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حَكَمين وحَكما نفذ حكمهُما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذُ فعلُ الحكَم في كل مسألة. هذا إذا كان كل واحد منهما عدلاً، ولو كان غير عدل قال عبد الملك: حكمه منقوض؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغَرَر. قال ابن العربي: والصحيح نفوذه؛ لأنه إن كان توكيلاً فِفْعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيماً فقد قدّماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثّر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وبابُ القضاء مبنيٌّ على الغَرَر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم. قال ابن العربي: مسألة الحكَمَين نصَّ اللَّهُ عليها وحَكَم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة ٱجتمعت الأُمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجباً لأهل بلدنا حيث غَفَلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يُجعلان على يدي أمين؛ وفي هذا من معاندة النّص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ٱئتمروا ولا بالأقْيِسة ٱجتَزأُوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحَكَمين عند الشقاق إلا قاضٍ واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر، فلما ملّكني الله الأمر أجْريت السُّنّة كما ينبغي. ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة، ولكن ٱعجب لأبي حنيفة ليس للحَكَمين عنده خبر، بل ٱعجب مرّتين للشافعيّ فإنه قال: الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين معاً حتى يشتبه فيه حالاهما. قال: وذلك أني وجدت الله عزّ وجلّ أذِن في نشوز الزوج بأن يصطَلِحا وأذن في خوفهما ألاّ يقيما حدود الله بالخُلْع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئاً إذا أراد استبدال زوج مكان زوج؛ فلما أمر فيمن خِفنا الشقاق بينهما بالحكمين دلّ على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يُفرّقا إذا رأيا ذلك. وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين. قال ٱبن العربيّ: هذا منتهى كلام الشافعيّ، وأصحابُه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى الردّ عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله: «الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين» فليس بصحيح بل هو نصّه، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جَلاء؛ فإن الله تعالى قال: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}. ومن خاف من ٱمرأته نشوزاً وعَظَها، فإن أنابت وإلا هجرها في المَضْجَع، فإن ٱرْعَوَتْ وإلا ضربها، فإن ٱستمرّت في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن لم يكن نصّاً فليس في القرآن بيانٌ. ودَعْه لا يكون نصّاً، يكون ظاهراً؛ فأما أن يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي أشبه الظاهر؟. ثم قال: وأذِن في خوفهما ألاّ يقيما حدود الله بالخُلْع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه. ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغَيْرِية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكّلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغَيْرِيَة. «برضى الزوجين وتوكيلهما» فخطأٌ صُراح؛ فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما ٱجتمعا عليه. هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الردّ عليه. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.
ابن كثير
تفسير : ذكر الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما، وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل؛ ليجتمعا فينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: {إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبثعوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين، وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض، ولا يرث الكاره الراضي، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟، فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان، فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس، ومعاوية، فقال ابن عباس، لأفرقن بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما، فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما، فرجعا. وقال عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت علياً، وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء حكماً، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن يعقوب عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي مثله، ورواه من وجه آخر عن ابن سيرين، عن عبيدة عن علي به. وقد أجمع جمهور العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث، فعلا، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع، لا في التفرقة، وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود، ومأخذهم قوله تعالى: {إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. وقد اختلف الأئمة في الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين، والجمهور على الأول؛ لقوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، الثاني منهما بقول علي رضي الله عنه للزوج حين قال: أما الفرقة فلا، قال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به، قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم. قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع، وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضاً من غير توكيل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ } علمتم {شِقَاق } خلاف {بَيْنِهما } بين الزوجين والإضافة للاتساع أي شقاقاً بينهما {فَٱبْعَثُواْ } إليهما برضاهما {حُكْمًا } رجلاً عدلاً {مِّنْ أَهْلِهِ } أقاربه {وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ } ويوكل الزوج حكَمَه في طلاقِ وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يُفَرِّقانِ إن رأياه. قال تعالى:{إِن يُرِيدآ } أي الحكَمان {إِصْلَٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ } بين الزوجين أي يقدّرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بكل شيء {خَبِيراً } بالبواطن كالظواهر.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم معنى الشقاق في البقرة، وأصله أن كل واحد منهم يأخذ شقاً غير شق صاحبه، أي: ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى: «{أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [سبأ: 33]» وقوله: يا سارق الليلة أهل الدار والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله: {بَيْنَهُمَا } للزوجين؛ لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء {فَٱبْعَثُواْ } إلى الزوجين {حُكْمًا } يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلاً وديناً وإنصافاً، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين؛ لأنهما أقعد بمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما؛ فأما إذا عرف المسيء، فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد، ولا توكيل بالفرقة بين الزوجين. وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وهو مرويّ، عن عثمان، وعليّ، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، وحكاه ابن كثير عن الجمهور، قالوا: لأن الله قال: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } وهذا نصّ من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان، ولا شاهدان. وقال الكوفيون، وعطاء، وابن زيد، والحسن، وهو أحد قولي الشافعي: إن التفريق هو إلى الإمام، أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام والحاكم؛ لأنهما رسولان شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله: {إِن يُرِيدَا } أي الحكمان {إِصْلَـٰحاً } بين الزوجين {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق. ومعنى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } أي: يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة. ومعنى الإرادة: خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل: إن الضمير في قوله: {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } للحكمين، كما في قوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } أي: يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما، وحصول مقصودهما، وقيل: كلا الضميرين للزوجين، أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما، ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } قال: هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله أن تبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا امرأته عنه، وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها، ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين، وكره الآخر ذلك، ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال: هما الحكمان {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } وكذلك كل مصلح يوفقه للحق والصواب. وأخرج الشافعي في الأمّ، وعبد الرزاق في المصنف، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال: جاء رجل وامرأة إلى عليّ، ومعهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ، فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي؛ وقال الرجل: أما الفرقة، فلا، فقال: كذبت، والله حتى تقرّ مثل الذي أقرّت به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن الحسن قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا، ويشهدا على الظالم بظلمه، فأما الفرقة فليست بأيديهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. وأخرج البيهقي، عن عليّ قال: إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر، فليس حكمه بشيء حتى يجتمعا.
الماوردي
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِمَا} يعني مشاقة كل واحد منهما من صاحبه، وهو إتيان ما يشق عليه من أمور أما من المرأة فنشوزها عنه وترك ما لزمها من حقه، وأما من الزوج فعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، والشقاق مصدر من قول القائل شاق فلان فلاناً إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه بما يشق عليه، وقيل لأنه قد صار في شق بالعداوة والمباعدة. {فَابْعَثْواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} وفي المأمور بإيفاد الحكمين ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السلطان إذا تراجع إليه الزوجان، وهو قول سعيد بن جبير، والضحاك. والثاني: الزوجان، وهو قول السدي. والثالث: أحد الزوجين وإن لم يجتمعا. {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} يعني الحَكَمَين. {يُوَفِقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} يحتمل وجهين: أحدهما: يوفق الله بين الحكمين في الصلاح بين الزوجين. والثاني: يوفق الله بينهما بين الزوجين بإصلاح الحَكَمَين، والحكمين للإصلاح. وفي الفُرْقَةِ إذا رأياها صلاحاً من غير إذن الزوجين قولان: أحدهما: ليس ذلك إليها لأن الطلاق إلى الزوج. والثاني: لهما ذلك لأن الحَكَم مشتق من الحُكم فصار كالحاكم بما يراه صلاحاً.
ابن عطية
تفسير : قسمت هذه الآية النساء تقسيماً عقلياً، لأنها إما طائعة، وإما ناشزة، والنشز إما من يرجع إلى الطواعية، وإما من يحتاج إلى الحكمين، واختلف المتأولون أيضاً في الخوف ها هنا حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف، و " الشقاق": مصدر شاق يشاق، وأجري "البين" مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما وصحبتهما، وهذا من الإيجاز الذي يدل فيه الظاهر على المقدر، واختلف من المأمور بـ" البعثة"، فقيل: الحاكم، فإذا أعضل على الحاكم أمر الزوجين، وتعاضدت عنده الحجج، واقترنت الشبه، واغتم وجه الإنفاذ على أحدهما، بعث حكمين من الأهل ليباشرا الأمر، وخص الأهل لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسبب القرابة، وقيل: المخاطب الزوجان وإليهما تقديم الحكمين، وهذا في مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره، واختلف الناس في المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، فقال الطبري: قالت فرقة: لا ينظر الحكمان إلا فيما وكلهما به الزوجان وصرحا بتقديمهما عليه، ترجم بهذا ثم أدخل عن علي غيره، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: ينظر الحكمان في الإصلاح، وفي الأخذ والإعطاء، إلا في الفرقة فإنها ليست إليهما، وقالت فرقة: ينظر الحكمان في كل شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك والجمهور من العلماء، وهو قول علي بن أبي طالب في المدونة وغيرها، وتأول الزجّاج عليه غير ذلك، وأنه وكل الحكمين على الفرقة، وأنها للإمام، وذلك وهم من أبي إسحاق، واختلف المتأولون في من المراد بقوله: {إن يريدا إصلاحاً} فقال مجاهد وغيره: المراد الحكمان، أي إذا نصحا وقصدا الخير بورك في وساطتهما، وقالت فرقة: المراد الزوجان، والأول أظهر، وكذلك الضمير في {بينهما}، يحتمل الأمرين والأظهر أنه للزوجين، والاتصاف بـ " عليم خبير" يشبه ما ذكر من إرادة الإصلاح.
ابن عبد السلام
تفسير : {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} بنشوزها وترك حقه، وبعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، والشقاق: مصدر شاق فلان فلاناً إذا أتى كل واحد منهما ما يشق على الآخر، أو لأنه صار في شق بالعداوة والمباعدة. {فَابْعَثُواْ حَكَمًا} خطاب للسلطان إذا ترافعا إليه، أو خطاب للزوجين، أو لأحدهما. {إِن يُرِيدَآ} الحكمان، فإن رأى الحكمان الفرقة بغير إذن الزوجين فهل لهما ذلك؟ فيه قولان.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإن خفتم} يعني وإن علمتم وتيقنتم وقيل معناه الظن أي ظننتم {شقاق بينهما} يعني بين الزوجين وأصل الشقاق المخالفة وكون كل واحد من المتخالفين في شق غير شق صاحبه أو يكون أصله من شق العصا وهو أن يقول كل واحد من الزوجين ما يشق على صاحبه سماعه، وذلك أنه إذا ظهر بين الزوجين شقاق ومخالفة واشتبه حالهما ولم يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة وكذلك الزوجة لا تؤدي الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل قولاً وفعلاً. قوله تعالى: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} اختلفوا في المخاطبين بهذا ومن المأمور ببعثة الحكمين، فقيل المخاطب بذلك هو الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه وقيل المخاطب بذلك كل أحد من صالحي الأمة لأن قوله تعالى فابعثوا خطاب الجمع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البعض أولى من حمله على البقية فوجب حمله على الكل فعلى هذا يجب أن يكون أمراً لآحاد الأمة سواء وجد الإمام أو لم يوجد. فللصالحين أن يبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، وأيضاً فهذا يجري مجرى دفع الضرر فلكل واحد أن يقول به وقيل وهو خطاب للزوجين فإذا حصل بينهما شقاق بعثا حكمين حكماً من أهله وحكماً من أهلها {إن يريدا إصلاحاً} يعني الحكمين وقيل الزوجين {يوفق الله بينهما} يعني بالصلاح والألفة روى الشافعي بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه جاءه رجل وامرأة ومع كل واحد منهما فئام من الناس فقال: علام شأن هذين؟ قولوا: وقع بينهما شقاق قال علي فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي وقال الرجل أما الفرقة فلا قال علي كذبت والله حتى تقر بمثل ما أقرت به. قال الشافعي: والمستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب وأشد طلباً للإصلاح فإن كانا أجنبيين جاز وفائدة الحكمين أن كل واحد منهما يخلو بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح أو في المفارقة ثم يجتمعان فيفعلان ما هو الصواب من اتفاق أو طلاق أو خلع والحكمان وكيلان للزوجين وهل يجوز تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون رضاهما وإذنهما في ذلك مثل أن يطلق حكم الرجل أو يفتدي حكم المرأة بشيء من مالها، فللشافعي في ذلك قولان: أحدهما أنه لا يجوز إلا برضاهما وليس الحكم الزوج أن يطلق إلا بإذنه ولا لحكم المرأة أن يختلع بشيء من مالها إلا بإذنها وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لأن علياً توقف حين لم يرضَ الزوج وذلك حين قال أما الفرقة فلا فقال له علي كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاها ومعنى قول علي للزوج كذبت أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تقر بمثل ما أقرت به من الرضا بحكم كتاب الله لها وعليها والقول الثاني إنه يجوز بعث الحكمين دون رضاهما ويجوز لكم الزوج أن يطلق دون رضاه ولحكم الزوجة أن يختلع دون رضاها إذا رأيا الصلاح في ذلك كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما وبه قال مالك: ومن قال بهذا القول قال ليس المراد من قول علي للزوج حتى تقر أن رضاه شرط بل معناه أن المرأة لما رضيت بما في كتاب الله تعالى. فقال الرجل أما الفرقة فلا يعني ليست الفرقة في كتاب الله فقال له علي: كذبت حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله فإن قوله تعالى يوفق الله بينهما يشتمل على الفراق وعلى غيره لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الإثم والوزر ويكون تارة ذلك بالفراق وتارة بصلاح حاليهما في الوصلة. وقوله تعالى: {إن الله كان عليماً خبيراً} يعني أن الله تعالى يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين وفيه وعيد شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ...} الآية: اختلف من المأمور بالبَعْثَةِ. فقيل: الحُكَّام، وقيل: المُخَاطَب الزَّوْجَانِ، وإِليهما تقديمُ الحَكَمَيْنِ، وهذا في مَذْهب مالك، والأول لربيعةَ وغيره، ولا يُبْعَثُ الحَكَمَانِ إِلاَّ مع شدَّة الخوْفِ والشِّقَاقِ، ومذهبُ مالك وجمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّ الحَكَمَيْن يَنْظُران في كلِّ شيء، ويحملان على الظَّالم، ويُمْضِيَان ما رَأَياه مِنْ بقاء أو فراقٍ، وهو قولُ عليَّ بنِ أبي طالب في «المدوَّنة» وغيرها. وقوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَٰحاً}، قال مجاهد وغيره: المرادُ الحَكَمَانِ، أي: إِذا نَصَحَا وقَصَدَا الخَيْرَ، بُورِكَ في وَسَاطتهما، وقالتْ فرقةٌ: المرادُ الزَّوْجَان، والأول أظهرُ، وكذلك الضميرُ في {بَيْنَهُمَا}، يحتمل الأمرين، والأظهرُ أنه للزَّوْجَيْن، والاِتصاف بـ {عَلِيماً خَبِيراً}: يناسبُ ما ذَكَر من إِرادة الإِصلاح.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر الضربَ ذَكَرَ هذه المحاكمة؛ لأنَّ بها يتبينّ المظلومُ من الظَّالِمِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: {خِفْتُمْ} أي: علمتم قال: وَهَذَا بِخِلافِ قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}، فإنَّ ذلك محمول على الظَّنِّ، والفرق بَيْنَ الموضِعَيْنِ في الابْتِدَاءِ يظهرُ له أمارات النُّشُوزِ، فعند ذلِك يحصل الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوعْظِ، والهجر والضَّرْبِ إن أصرّت على النُّشُوزِ، فقد حَصَلَ العِلْمُ بالنُّشُوزِ، فَوَجَبَ حملُ الخَوْفِ ههنا على العِلْمِ. وقال الزَّجَّاجُ: القول بأن الخَوْفَ هاهنا بمعنى اليَقِيِنِ خطأ، فإنّا لو عَلِمْنَا الشقاق عَلَى الحَقيقَةِ لم يحتج إلى الحُكمِ، وأُجيبَ بأن وجود الشقاق وإن كانَ مَعْلُوماً، إلاَّ أنا لا نَعْلم أن ذلك الشِّقاق صدر عَنْ هَذَا، أو عَنْ، ذلك، فالحَاجَة إلى الحَكَمِيْنِ لمَعْرِفَةِ هذا المَعْنَى. قال ابْنُ الخَطيبِ: ويمكنُ أن يُقالَ: وُجود الشِّقَاقِ في الحَالِ مَعْلُومٌ، ومثل هذا لا يَحْصلُ منهُ خَوْفٌ، إنَّمَا الخَوْفُ في أنَّهُ هل يَبْقَى ذلك الشِّقَاقُ أم لا، فالفَائِدَةُ في بعث الحكمين لَيْسَتْ إزالة الشِّقَاقِ الثَّابِت، فإنَّ ذلك مُحَالٌ، بل الفائِدَةُ إزالة ذلك الشِّقاق في المُسْتَقْبَلِ. قوله: {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الشِّقَاقَ مضاف إلى "بَيْنَ" ومعناها الظَّرْفِيَّةُ، والأصْلُ: "شقاقاً بينهما"، ولكنَّهُ اتَّسع فيه، فأضيف الحَدَثُ إلى ظَرْفِهِ وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو: سَرَّنِي مسير اللَّيْلَةِ، ويعجبني صَوْمُ يَوْم عَرَفَةَ، ومنه: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33]. والثَّاني: أنه خَرَجَ عن الظَّرفيَّةِ، وبقي كَسَائِرِ الأسْمَاءِ، كأنه أُريد به المُعَاشرة، والمصاحبة بين الزَّوْجَيْنِ، وإلى مَيْلُ أبي البقاء قال:والبَيْنُ هنا الوَصْلُ الكائنُ بين الزوجين" وللشقاق تأويلان: أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يَشُقُّ على صاحبه. والثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة. فصل [معاني الشقاق] وقد ورد الشِّقاقُ على أربعة أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بمعنى الخِلاَفِ كهذه الآية، أي: خلاف بينهما. الثَّاني: الضَّلال، قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} تفسير : [الحج: 53] أي: في ضلال. الثَّالث: أن الشِّقَاقَ: العداوة قال تعالى: {أية : وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} تفسير : [هود: 89] أي: عداوتي، و [العداوة] وممّا يشق على صاحبه. الرابع: أنّ كُلَّ واحدٍ منها صار في شقّ بالعداوة، والمباينة. فصل [هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس] قوله {فَٱبْعَثُواْ} قال بعضهم: هذا خِطَابٌ للإمام، أو نائبة وقال آخرون: هَذَا خطابٌ عامٌّ للجميع، وليس حمله على البَعْضِ أولى من حَمْلِهِ على البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حملُهُ على الكُلِّ، فعلى هذا يَكُونُ أمراً لآحاد الأمّة سواء وجد الإمام، أم لم يُوجَدْ، فللصَّالحين أنْ يَبْعَثُوا حكماً من أهلِهِ، وحكماً من أهْلِهَا للإصلاح، ولأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى دَفْع الضَّرَر، ولكل أحد أنْ يَقُومَ به. قوله: {مِّنْ أَهْلِهِ} فيه وجهان: أحدُهُمَا: أنه متعلِّق بـ {فَٱبْعَثُواْ} فهي لابتداء الغاية. والثَّاني: أن يتعلَّق بمحذُوف؛ لأنَّهَا صفة للنكِرَةِ، أي: كائناً من أهله فهي للتَّبْغيضِ. فصل شَرْطُ الحَكَمَيْنِ أن يكونَا عَدْلَيْنِ، ويجعلهما الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، والأولى أنْ يكُونَ [واحد من أهْلِهِ، وواحد من أهْلِهَا، لأنَّ أقاربهما أعرف بحالهما من الأجَانِبِ، وأشدّ طلباً للصلاح، فإن كانا] أجنبيّين [جَازَ]. وفائدة الحكمين أن يخلو كُلّ واحد منهما بِصَاحِبِه، ويستكشف منه حقيقةَ الحَالِ، ليعرفَ رَغْبَتَهُ في الإقَامَةِ معه على النِّكَاحِ، أو المُفَارَقَةِ، ثمَّ يَجتمعُ الحكمان، فَيَفْعَلاَنِ ما هو المَصْلَحَةُ من طلاقٍ، أو خَلْع. وهل للحكمين تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوِجَيْنِ دون إذْنِهِمَا، مثل: أن يطلق حَكَمُ الرَّجل، أو يفتدي حَكَمُ المرْأةِ بشيءٍ من مالِهَا؟ قال أبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَجُوزُ. وقال غيره: يَجُوزُ. قوله: {إِن يُرِيدَآ} يَجُوزُ أن يَعُودَ الضميران في {إِنْ يُرِيدَآ} و {بَيْنَهُمَآ} على الزَّوْجَيْنِ، أي: إن يُرد الزَّوجان إصلاحاً يُوفِّق اللَّهُ بَيْنَ الزوجين، وأنْ يَعُودا على الحَكَمَيْنِ، وأن يُعودَ الأوَّلُ على الحَكميْنِ، والثَّانِي على الزَّوْجَيْنِ، وأنْ يَكُونَ بالعكس وأُضْمِرَ الزَّوجان وإن لم يجر لهما ذكرٌ لدلاَلَةِ ذِكْر الرِّجَالِ والنِّسَاءِ عليهما. وجعل أبُو البقاءِ الضَّميرَ في {بَيْنَهُمَآ} عائداً على الزَّوْجينِ فقط، سَوَاءٌ قيل بأن ضمير {يُرِيدُ ٱللَّهُ} عائداً على الحكمين، او الزوجين. فصل قال القُرْطُبِيُّ: ويجزي إرسالُ الوَاحِدِ قال: لأن اللَّه - تعالى - حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزَّانية أنَيْساً وحده، وقالَ له:"إن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" قال: وإذا جَازَ إرسال الواحد فلو حَكَّمَ الزوجان واحداً أجْزَأ إذَا رَضِيَا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان حَكَمَيْنِ وحَكما نفذ حكمهما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعلُ الحكم في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلاً. وأصل التوفيق المُوافَقَة، وهي المُسَاوَاة في أمْرِ من الأمور، فالتَّوْفِيق اللُّطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} والمراد: الوعيد للزَّوْجَيْنِ والحَكَمَيْنِ في طريق سُلُوك المُخَالفِ الحق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وإن خفتم شقاق بينهما} هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، أمر الله أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء. فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي {إن يريدآ إصلاحاً} قال: هما الحكمان {يوفق الله بينهما} وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب. وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال: جاء رجل وامرأة إلى علي، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا. قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليَّ فيه ولي. وقال الرجل: أما الفرقة فلا... فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: يعظها فإن انتهت وإلا هجرها فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: تفعل بها كذا. ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا. فأيهما كان الظالم رده السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزاً أمره أن يخلع. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن عمرو بن مرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين اللذين في القرآن فقال: يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، يكلمون أحدهما ويعظونه، فإن رجع وإلا كلموا الآخر ووعظوه، فإن رجع وإلا حكماً فما حكما من شيء فهو جائز. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. والذي بعثهما عثمان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست بأيديهما. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة. نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {واللاتي تخافون نشوزهن} قال: هي المرأة التي تنشز على زوجها فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعدما تقول لزوجها: والله لا أبر لك قسماً ولا أدبر في بيتك بغير أمرك. ويقول السلطان: لا نجيز لك خلعاً حتى تقول المرأة لزوجها: والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لله صلاة، فعند ذلك يجيز السلطان خلع المرأة. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كان علي بن أبي طالب يبعث الحكمين حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم من أهلها: يا فلان ما تنقم من زوجتك؟ فيقول: أنقم منها كذا وكذا... فيقول: أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها؟ فإذا قال: نعم قال الحكم من أهله: يا فلانة ما تنقمين من زوجك؟ فتقول: مثل ذلك. فإن قالت: نعم. جمع بينهما. قال: وقال علي: الحكمان بهما يجمع الله، وبهما يفرق. وأخرج البيهقي عن علي قال: إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر فليس حكمه بشيء حتى يجتمعا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} قال: هما الحكمان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إن يريدا إصلاحاً} قال: أما أنه ليس بالرجل والمرأة ولكنه الحكمان {يوفق الله بينهما} قال: بين الحكمين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {إن يريدا إصلاحاً} قال: هما الحكمان إذا نصحا المرأة والرجل جميعاً. واخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {إن الله كان عليماً خبيراً} قال: بمكانهما. وأخرج البيهقي عن ابن عمر حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم. أن امرأة أتته فقالت: ما حق الزوج على امرأته؟ فقال: "لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تعطي من بيته شيئاً إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر. ولا تصوم يوماً تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت أثمت ولم تؤجر، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها الملائكة، ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى تتوب أو تراجع. قيل: فإن كان ظالماً؟ قال: وإن كان ظالماً" . تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية فكانوا في واد على حدتهم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم؟ فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: ما تعيبون عليّ... لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الحلل ونزل. {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} تفسير : [الأعراف: 32] قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه، وأوّل من آمن به، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً. قلت ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله تعالى {أية : إن الحكم إلا لله} تفسير : [الأنعام: 57] قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تشكون أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: أما قولكم أنه حكم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} تفسير : [المائدة: 95] إلى قوله {أية : يحكم به ذوا عدل منكم} تفسير : [المائدة: 95] وقال في المرأة وزوجها {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب فيها ربع درهم؟ قالوا اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. وأما قولكم أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله تعالى يقول {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} تفسير : [الأحزاب: 6] وأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيتهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً فقال: اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي محمد بن عبد الله ورسول الله كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الحكام واردٌ على بناء الأمرِ على التقدير المسكوتِ عنه أعني عدمَ الإطاعةِ المؤدِّي إلى المخاصمة والمرافعةِ إليهم. والشقاقُ المخالفةُ إما لأن كلاً منهما يريد أن يشُق على الآخر وإما لأن كلاً منهما في شِق أي جانبٍ غيرِ شقِ الآخَر، والخوفُ هٰهنا بمعنى العلم قاله ابن عباس، والجزمُ بوجود الشقاقِ لا ينافي بعثَ الحَكَمين لأنه لرجاء إزالتِه لا لتعرُّفِ وجودِه بالفعل وقيل: بمعنى الظنِّ وضميرُ التثنيةِ للزوجين وإن لم يجْرِ ذكرُهما لجري ما يدل عليهما، وإضافةُ الشقاقِ إلى الظرف إما على إجرائه مُجرى المفعولِ به كما في قوله: يا سارقَ الليلةِ أو مُجرى الفاعل كما في قولك: نهارُه صائمٌ أي إن علمتم أو ظننتم تأكّدَ المخالفةِ بحيث لا يقدِر الزوجُ على إزالتها {فَٱبْعَثُواْ} أي إلى الزوجين لإصلاح ذاتِ البَـينِ {حُكْمًا} رجلاً وسطاً صالحاً للحكومة والإصلاحِ {مّنْ أَهْلِهِ} من أهل الزوج {وَحَكَماً} آخرَ على صفة الأولِ {مّنْ أَهْلِهَا} فإن الأقاربَ أعرفُ ببواطن الأحوالِ وأطلبُ للصلاح وهذا على وجه الاستحبابِ فلو نُصِبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان الجمعَ والتفريقَ إن رأيا ذلك فقيل: لهما ذلك وهو المروىٰ عن علي رضي الله عنه وبه قال الشعبـيُّ، وعن الحسن: يَجمعان ولا يفرِّقان وقال مالكٌ: لهما أن يتخالعا إن كان الصلاحُ فيه {إِن يُرِيدَا} أي الحَكَمان {إِصْلَـٰحاً} أي إن قصدا إصلاحَ ذاتِ البـينِ وكانت نيتُهما صحيحةً وقلوبُهما ناصحةً لوجه الله تعالى {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا} يوقِع بـين الزوجين الموافقةَ والأُلفةَ وألقى في نفوسهما المودةَ والرأفةَ، وعدمُ التعرضِ لذكر عدمِ إرادتِهما الإصلاحَ لما ذُكر من الإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يُفرَضُ صدورُه عنهما وأن الذي يليق بشأنهما ويُتوَقّعُ صدورُه عنهما هو إرادةُ الإصلاحِ، وفيه مزيدُ ترغيبٍ للحَكَمين في الإصلاح وتحذيرٌ عن المساهلة لكيلا يُنسَبَ اختلالُ الأمرِ إلى عدم إرادتِهما فإن الشرطيةَ الناطقةَ بدَوَران وجودِ التوفيقِ على وجود الإرادةِ منبئةٌ عن دوران عدمِه على عدمها، وقيل: كلا الضميرين للحكَمين أي إن قصدا الإصلاحِ يوفقِ الله بـينهما فتتّفقَ كلمتُهما ويحصُلَ مقصودُهما، وقيل: كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاحَ ما بـينَهما من الشقاق أوقع الله تعالى بـينهما الأُلفةَ والوِفاقَ وفيه تنبـيهٌ على أن من أصلح نيتَه فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} بالظواهر والبواطنِ فيعلم كيف يرفعُ الشقاقَ ويوقعُ الوفاقَ.
القشيري
تفسير : يقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأمَّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله، فلا تكلِّفها ما لا يرزقك الله منها؛ فإن القلوب بقدرة الله، يُحبِّبُ إليها من يشاء، ويُبَغِّضُ إليها من يشاء. ويقال: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي لا تَنسَ وفاءها في الماضي بنادر جفاءٍ يبدو في الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان خفتم} اى علمتم او ظننتم ايها الحكام {شقاق بينهما} اى خلافا بين المرأة وزوجها ولا تدرون من قبل ايهما يقع النشوز والشقاق المخالفة اما لان كلا منهما يريد ما يشق على الآخر واما لان كلا منهما فى شق غير شق الآخر. قال ابن عباس رضى الله عنهما والجزم بوجود الشقاق لا ينافى بعث الحكمين لانه لرجاء ازالته لا لتعرف ودوده بالفعل {فابعثوا} اى الى الزوجين لاصلاح ذات البين {حكما} رجلا عادلا صالحا للحكومة والاصلاح {من اهله} من اهل الزوج {وحكما} آخر على صفة الاول {من اهلها} اى اهل الزوجة فان الاقارب اعرف ببواطن احوالهم واطلب للصلاح بينهم وانصح لهم واسكن لنفوسهم لان نفوس الزوجين تسكن اليهما وتبرز ما فى ضمائرهما من حب احدهما الآخر وبغضه {ان يريدا} اى الزوج والزوجة {اصلاحا} لهما اى ما بينهما من الشقاق {يوفق الله بينهما} يوقع بين الزوجين الموافقة والالفة بحسن سعى الحكمين ويلقى فى نفوسهما المودة والرأفة. وفيه تنبيه على ان من اصلح نيته فيما يتحراه وفقه الله لما ابتغاه {ان الله كان عليما خبيرا} بالظواهر والبواطن فيعلم كيف يرفع الشاق ويوقع الوفاق. وفى الآية حث على اصلاح ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "ألا اخبركم بافضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة" قالوا بلى قال "اصلاح ذات البين " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : "ألا انما الدين النصيحة" قالها ثلاثا قالوا لمن يا رسول الله قال "لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المؤمنين ولعامتهم" " .تفسير : فالنصيحة لله تعالى ان تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً وتعمل بما امر الله تعالى به وتنتهى عما نهى عنه وتدعو الناس الى ذلك وتدلهم عليه واما النصيحة لرسوله ان تعمل بسنته وتدعو الناس اليها. واما النصيحة لكتابه ان تؤمن به وتتلوه وتعمل بما فيه وتدعو الناس اليه. واما النصيحة للائمة ان لا تخرج عليهم بالسيف وتدعو لهم بالعدل والانصاف وتدل الناس عليه. واما النصيحة للعامة فهو ان تحب لهم ما تحب لنفسك وان تصلح بينهم ولا تهجرهم وتدعو لهم بالصلاح. ولا شك ان المصلحين هم خيار الناس بخلاف المفسدين فانهم شرار الخلق اذ هم يسعون فى الارض بالفساد والتفريق وايقاظ الفتنة دون ازالتها وقد ورد "حديث : الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها". شعر : ازان همنشين تاتوانى كريز كه مر فتنه خفته را كفت خيز تفسير : ومن المفسدين من يوصل كلام احد الى احد فيه ما يسوؤه ويحزنه فالعاقل لا يصيخ الى مثل هذا القائل شعر : بدى درقفاعيب من كرد وخفت بتر زو قرينى كه آورد و كفت يكى تيرى افكنده ودرره فتاد وجودم نيازرد و رنجم نداد توبر داشتى وآمدى سوى من همى در سبوزى به بهلوى من تفسير : والاشارة فى الآية انه اذا وقع الخلاف بين الشيخ الواصل والمريد المتكاسل {فابعثوا} متواسطين احدهما من المشايخ المعتبرين والثانى من معتبرى السالكين لينظرا الى مقالهما ويتحققا احوالهما {ان يريدا اصلاحا} بينهما بما رأيا فيه صلاحهما {يوفق الله بينهما} بالارادة وحسن التربية {ان الله كان} فى الازل {عليما} باحوالهما {خبيرا} بمآلهما فقدر لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما كذا فى تأويلات الشيخ العارف نجم الدين الكبرى قدس سره وقد عرف منه ان التهاجر والمخالفة تقع بين الكاملين كما بين عوام المؤمنين ولا يمنع اختلافهم الصورى اتفاقهم المعنوى وقد اقتضت الحكمة الآلهية ذلك فلمثل هذا سر لا يعرفه عقول العامة: قال مولانا جلال الدين فى بيان اتحاد الاولياء والكاملين شعر : جون ازيشان مجتمع بينى دويار هم يكى باشند وهم شش صد هزار بر مثال موجها اعداد شان در عدد آورده باشد بادشان تفرقه در روح حيوانى بود نفس واحد روح انسانى بود مؤمنان معدود ليك ايمان يكى جسم شان معدود ليكن جان يكى تفسير : والحاصل ان اهل الحق كلهم نفس واحدة والتفرقة بحسب البشرية والتخالف سبب لا ينافى توافقهم فى المعنى من كل وجه وجهه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الشقاق: المخالفة والمساورة، وأضيف إلى الظرف توسعًا كقوله: {أية : بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ} تفسير : [سَبَأ:32]، والأصل: شقاقًا بينهما، والضمير في {يُريدا} للحكمين، وفي {بينهما} للزوجين، وقيل: للحكمين معًا، وقيل: للزوجين معًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن خفتم} يا معشر الحكام، أي علمتم خلافَا بين الزوجين ومشاررة، ولم تدروا الظالم من المظلوم، {فابعثوا} رجلين أمينين يحكمان بينهما، يكون أحداهما من أهله والآخر من أهلها، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، فإن بعثهما الحاكمُ أجنبيين صح، وكذا إن أقامهما الزوجان. وما اتفق عليه الحكمان لزم الزوجين من خُلع أو طلاق أو وفاق. وقال أبو حنيفة: ليس لهما التطليق إلاَّ أن يجعل لهما، وإذا اختلفا لم يلزم شيء، ويستأنفان الحكم، قال ابن جُزَي: ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين، وقيل: الزوجان، وجرت عادة القضاء أن يبعثوا امرأة أمينة ولا يبعثوا الحكمين، قال بعض العلماء: هو تغيير القرآن والسنة الجارية. هـ. فإن بُعِث الحكمان، فإن أرادا إصلاحًا بين الزوجين، واتفقا عليه، وفق الله بينهما ببركة قصدهما، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. {إن الله كان عليمًا خبيرًا} بما في الظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. الإشارة: وإن خفتم، أيها الشيوخ، على صاحبكم منازعة النفس والروح؛ فكانت النفس تجمح به إلى أسفل سافلين، بمتابعة هواها وعصيان مولاها، والروح تجنح به إلى أعلى عليين، بجهاد هواها ومشاهدة مولاها، فابعثوا له واردين قويين، إما شوق مقلق يرحل الروح إلى مولاها، أو خوف مزعج يزجر النفس عن هواها. فإن أراد الله بذلك العبد إصلاحًا لحاله أرسلهما معًا متفقين على تخليصه وارتفاعه، فيتقدم الخوف المزعج ويستدركه الشوق المقلق، فيلتحق بأهل التحقيق من أهل التوفيق، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحكم: "لا يُخرِج الشهوةَ من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق". والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى واللغة قوله: {وإن خفتم} في معناه قولان: أحدهما - إن علمتم. الثاني - الخوف الذي هو خلاف الأمن، وهو الأصح، لأنه لو علم الشقاق يقيناً لم يحتج إلى الحكمين، فان أريد به الظن كان قريباً مما قلناه. والشقاق الخلاف، والعداوة، واشتقاقه من الشق، وهو الجزء الباين، ومنه إسم المتشاقين، لأن كل واحد منهما في شق أي في ناحية، ومنه المشقة في الأمر، لأنه يشق على النفس، فأمر الله متى خيف ذلك بين الزوجين أن يبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، والحكم القيم بما يسند إليه. والمأمور ببعث الحكمين قيل فيه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير، والضحاك، وأكثر الفقهاء، وهو الظاهر في اخبارنا: انه السلطان الذي يترافعان إليه. والثاني - قال السدي: انه الرجل والمرأة، وقيل: أيهما كان ناب عن الآخر، وهو اختيار الطبري. واختلف الفقهاء في الحكمين هل هما وكيلان، أو هما حكمان، فعندنا أنهما حكمان، وقال قوم: هما وكيلان، واختلفوا هل للحكمين أن يفرقا بالطلاق إن رأياه أم لا؟ فعندنا ليس لهما ذلك إلا بعد أن يستأمراهما، أو كان اذن لهما في الأصل في ذلك، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد، عن أبيه. ومن قال: هما وكيلان، قال: لهما ذلك، ذهب إليه سعيد بن جبير، والشعبي، والسدي، وابراهيم، وشريح، ورووه عن علي (ع). وقوله: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} معناه يوفق الله بينهما، والضمير في بينهما عائد على الحكمين، والمعنى: إن أرادا إصلاحاً في أمر الزوجين يوفق الله بينهما. وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. وأصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور. والتوفيق هو اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والتوفيق بين نفسين هو الاصلاح بينهما، والاتفاق في الجنس والمذهب المساواة بينهما، والاتفاق في الوقوع كرمية من غير رام لمساواتهما نادراً. وقوله: {إن الله كان عليماً خبيراً} يعني بما يريد الحكمان من الاصلاح. أو الافساد. وقيل معناه أنه عالم بما تعبدكم به، لعلمه بما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم. "وشقاق بينهما" إنما أضافه إلى البين لأن البين قد يكون اسماً كما قال: {أية : لقد تقطع بينكم }تفسير : ممن قرأ بالرفع.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ} يا اولياء الزّوجين او ايّها الحكّام {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} اى الاختلاف والنّزاع فانّ كلاًّ من المتنازعين فى شقّ غير شقّ الآخر {فَ} اصلحوا بينهما فانّه من لوازم الايمان والقرابة والحكومة ولا تكلوهما الى انفسهما فـ {ٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} يكونان بحسب القرابة شفيقين لهما مريدين للاصلاح ويكون ارادتهما للاصلاح مؤثّرة فيهما فانّه كما يكون امزجة الاقرباء متناسبة فى الصّحّة والمرض سريعة التّأثّر من احوالهم فى الاغلب كذلك يكون نفوسهم متناسبة فى الاغلب سريعة التّأثر فالحكمان من الاقرباء {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} بينهما يؤثّر ارادتهما فى نفوس الزّوجين ويستعدّان بذلك التّأثّر لافاضة التّوافق من الله بينهما وان يستعدّا لذلك {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بما به يستعدّان للتّوافق فيأمركم به {خَبِيراً} بكيفيّة التّوافق وهو اهل خبرة الاصلاح.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ}: أى علمتم وتيقنتم، وقيل: ظننتم، ويروى الأول عن ابن عباس، قال بخلاف تخافون فإنه ظن لأنه فى الابتداء تظهر له إمارة النشوز، فيحصل الخوف لا العلم، وأما بعد الوعظ والهجر والضرب، لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة، وقال الزجاج بالثانى قال: لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى بعث الحكم، والجواب أن وجود الشقاق ولو كان معلوماً إلا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذه أو عن ذاك، قال: العجز ويمكن أن يقال: وجود الشقاق فى الحال. معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، وإنما الخوف فى أنه هل يبقى الشقاق أو لا؟ والفائدة فى بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق، والثابت فى الحال، فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة الشقاق فى المستقبل، والخطاب فى خفتم، وابعثوا للحكام، وقيل: للزوجين، وقيل: لصالحى الأمة، والقول بكونه للزوجين ضعيف للغيبة فى قوله: بينهما، وأهله، وأهلها، إلا أن يدعى طريق الالتفات، ونسب لمالك ونسب الأول لربيعة، وهو مذهبنا ولا بأس بالثالث، وهو أعم ولكن أمر الشدة يليق به من ينفذه من الحكام كالإمام العادل القاضى. {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}: بين الزوجين، أصل الشقاق المخالفة، وهو مفاعلة أن يكون كل واحد فى شق، غير الآخر، أى جهة، بأن لم يتفقا واشتبه أمرهما، فلم يطلقها ولا حمل أحدهما صعوبة الآخر، ولم يقع الفدا بينهما، أو هو مأخوذ من شق العصا، وهو افتراق أمرهما بعد اجتماعه، والشقاق: فعل لهما، وأضيف لبينهما إضافة مصدر لمفعوله، تنزيلا بين منزلة المفعول به، لكن معنى الظرفية باق، أو إضافة لصدر لفاعله، تنزيلا ليبين منزلة الفاعل، للشقاق إسناد للظرف، ورد الضمير إلى الزوجين لعلمهما من الكلام. {فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}: أراد من أقاربهما لأن الأقارب أعرف بحالهما، وأطلب للصلاح، والمراد رجل وسيط بصلح للحكم من أقاربه، ومثله من أقاربها، وذلك استحباب ولو بعثنا من جانبهما أو من قرابته أو قرابتها لصح لأن المدار على أنهما عدلان، لا يركنان ويجتنب من بينهم بالميل، ولا دليل فى الآية على جواز التحكيم، لأن مسألة الحال إنما هى ليتحقق بالحكمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضاً المراد هنا الإصلاح مثلا لا مجرد بيان الحق. {إِن يُرِيدَاَ}: أى الزوجان. {إِصْلاَحاً}: أى إن كان لهما رغبة فى إصلاح الله بينهما أو فى إصلاح الحكمين بينهما. {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}: بين الزوجين، لأن من يصلح نيته فيما يتحراه، أصلح الله ما يبتغيه، والآية نبهت على هذه العلة، كما قال القاضى وذلك قول مجاهد فى الضميرين، وقيل: ألف {يُرِيدَا} وهاء {بَيْنَهُمَا} عائدان إلى الحكمين، أى إن قصد الحكمان إصلاح حال الزوجين، يوفق الله بين الحكمين المذكورين، أى بين نظرهما ورأيهما فيقعا على المصلحة للزوجين وقيل: ألف {يُرِيدَا} للحكمين، وهاء {بَيْنَهُمَا} للزوجين، أى إن قصد الحكمان إصلاح حال الزوجين، وفق الله بحسن بينهما بين الزوجين، وذلك أن يحلو حكم المرأة بها حيث يأمن الفتنة، فيقول لها: أخبرينى بما فى نفسك أتهوينهُ وتريدين بقاء مصاحبتك معه حتى أعلم بمرادك؟ وإنما وقع بينكما من الخلاف هل جاء من قبلك؟ وسبب نشوزك؟ وهل جاء من قبله؟ وسبب نشوزه؟ ومرادى: يخلوه بها أن لا يحضر الزوج، ويخلو حكم الرجل به عنها، ويقول له مثل ذلك، وأيهما قال: لا أهوى صاحبى، وفرق بينى وبينه، فأعطه من مال ما أراد وما شئت ظهر أن النشوز من قبله، والزوج لا يقول أعطها من مال ما أرادت أو ما شاءت إلا أن يريد النقص من المهر فيطلق أو الفداء بما أمكن، وأيهما قال: إنى أحب صاحبى فأرضه منى بأى طريق أمكن، ظهر أن النشوز ليس من قبله، وأى الحكمين ظهر له من الزوج الذى خلا به ظلم، أو نشوز، وعظه وأمره بالحق، فإن قبل: وإلاخلاء بالحكم الآخر فيذكر كل منهما ما سمع، فيتفقا على أن أحدهما إياه أو إياها الناشز، فيقبلا عليه بالوعظ والزجر، فإن أصلحا بينهما وإلا بينا الحال للإمام والحاكم أن ينفذ الحق، كالسلطان فيجيبر الظالم على العشرة بالحق وإن شاء قال للزوج: طلق أو أحسن العشرة، وإن ظهر له الحبس حبس مستحقه، هذا هو المذهب، وبه قال الحسن: إذ قال يجمعان ولا يفرقان. وأجاز قومنا للحاكم أن يفعل ما ظهر له من الصلاح، فيطلقها من زوجها أو يفاديها منه، فحكم الحاكم على الخصم، ولو كره واختلف قومنا: هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما ولو كرها، مثل أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدى حكم المرأة بشىء من مالها. قال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز. وقال غيرهما: يجوز. وبه قال مالك يرى أن ذلك كحكم الحاكم على الخصم، ونسبة الثعالبى للجمهور، وعلى بن أبى طالب فى مدونة مالك وغيرها، واختلف العلماء فى الحكمين، فقيل: يبعثهما الإمام أو نحوه من الصلحاء من أهلها بلا إذن منهما، وقيل: إلا بإذن، واختلفوا هل يختار الإمام مثلا الحكمين؟ أو يختار الزوج والمرأة كل منهما حكماً؟ واحتج قومنا طالب أنهُ جاء رجل وامرأة، ومع كل واحد على إنفاذ حكم الحكمين، ولا سيما الإمام، بما رواه الشافعى بسنده إلى على بن أبى طالب منهما قيام الناس، فقال على: ما شأن هذين؟ فقالوا: وقع بينهما شقاق. قال على: فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها. ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما على فيه ولى. وقال الرجل: أما الفرقة فلا. قال على: كذبت والله حتى تقر بمثل ما أقرت به أى من الرضى بكتاب الله ما لها وما عليها، وقيل: مراده بالتكذيب أنه فسر كلام الرجل إذ قال: أما الفرقة فلا، بأن معناه أن الفرقة ليست فى القرآن، مع أن قوله يوفق الله بينهما يشتمل الفرقة، لأن التوفيق: الإخراج من الإثم، وذلك بالفراق أو بصلاح حاليهما، وكان الرجل يرى تفسير التوفيق: هو التوفيق بين الزوجين بالاجتماع والإنصاف، وعن الشعبى: ما قضى الحكمان جاز. ورواية عبيدة السلمانى: شهدت عليا وقد جاءته امرأة وزوجها مع كل واحد قيام من الناس وأخرج هؤلاء حكماً، فقال على للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال على: كذبت والله لا تبرح حتى تفر بكتاب الله لك أو عليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لى وعلى. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً}: بما ظهر. {خَبِيراً}: بما خفى ودق، فهو عالم بما يجمع المفترقين، ويوفق المختلفين، لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، وفى ذلك وعيد شديد للزوجين والحكمين على سلوك غير طريق الحق.
اطفيش
تفسير : {وَإنْ خِفتُمْ} علمتم يا ولاة الأمور، أو الصلحاء، أو يا أهل الزوجين، وقال الزجاج: ظننتم، لأنه لو علمنا الشقاق لم نحتج إلى الحكمين، قلت نحتاج إليهما لإزالة الشقاق المعلوم الثابت، ولنعلم من أيهما كان {شِقَآقَ بَيْنَهِما} بين الفريقين، الرجال وأزواجهم، أو بين الرجل وزوجته المعلومين من الجمع، ويدل على الزوجين والأزواج ذكر النشوز، والشقاق فعل الرجال وأزواجهم، إِذا عصى أحدهما الآخر كان فى شق، وآخر فى شق آخر، وأضافه إلى بين لأنه زمانه كقولك يا سارق الليلة، وفى المكان مكر الليل، أو هو فعل لبين على المجاز العقلى، كقولك نهاره صائم ويجوز هذا أيضاً فى المثالين الأولين {فَابْعَُثْوا} لطلب البيان أو للإصلاح بينهما {حَكماً} رجلا عادلا عارفاً بدقائق الأمور، يصلح للحكومة والإصلاح، كما سماه حكما لأنه مبعوث للحكم، وفيه أن الحكم المبالغ فى الحكم لا كل حاكم {مِنْ أَهْلِهِ} أقاربه، لأنهم أعرف بباطن الحال وأطلب للصلاح {وَحَكَمَا مِّنْ أَهْلِهَا} كذلك، وذلك استحباب، فلو بعثا من الأجانب منهما، أو من أحدهما لجاز، ولا يحتاج أن يوكل كل واحد، منهما حكمه، لأنهما لا يليان الطلاق أو للفداء إلا بإذن الزوجين، وقال مالك: لهما الطلاق أو الفداء، وعليه فيوكلانهما على الطلاق فيفعلان ذلك إن ظهر لهما الصلاح وان تمكنا من الصلح بينهما فأولى، وهو ظاهر قول على للحكمين إذ جاءاه: أتدريان ماذا عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والصحيح أن لا طلاق إلا من الزوج أو بأمره، ولعله جاز لعلى ذلك القول لأنه إمام، له فعل المصلحة، كذا قيل، وقيل يوكل حكمه على الطلاق أو الفداء، وتوكل حكمها على الفداء فيأمران الظالم منهما أولا بالرجوع عن الظلم {إن يُرِيدَآ} أى الحكمان {إصْلَحاً} إزالة الشقاق {يُوَفِّقَ اللهُ} بالألفة {بَيْنَهُمَآ} بين الزوجين، أو بين الحكمين، باتفاق كلمهما فى صواب، أو ألف يريدا والهاء فى بينهما كلاهما للزوجين، أو الألف للزوجين والهاء للحكمين، أو العكس، ومن أصلح نيته قضى الله له الخير ولو على يد غيره، ولا دلالة فى الآية على جواز التحكيم، فيما نص الله فيه على الحكم، كقتال البغاة لأن الآية فى غير ذلك {إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً} بالظواهر {خَبِيراً} بالبواطن والدقائق.
الالوسي
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ} الخطاب ـ كما قال ابن جبير والضحاك وغيرهما ـ للحكام، وهو وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه للإيذان أن ذلك مما ليس ينبغي أن يفرض تحققه أعني عدم الإطاعة؛ وقيل: لأهل الزوجين أو للزوجين أنفسهما، وروى ذلك عن السدي، والمراد فإن علمتم ـ كما قال ابن عباس ـ أو فإن ظننتم ـ كما قيل ـ {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي الزوجين، وهما وإن لم يجر ذكرهما صريحاً فقد جرى ضمناً لدلالة النشوز الذي هو عصيان المرأة زوجها، والرجال والنساء عليهما، والشقاق الخلاف والعداوة واشتقاقه من الشق وهو الجانب لأن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و ـ بين ـ من الظروف المكانية التي يقل تصرفها، وإضافة الشقاق إليها إما لإجراء الظرف مجرى المفعول كما في قوله:شعر : يا سارق الليلة أهل الدار تفسير : أو الفاعل كقولهم صام نهاره، والأصل ـ شقاقاً بينهما ـ أي أن يخالف أحدهما الآخر، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزل منزلة الفاعل أو المفعول وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، وقيل: الإضافة بمعنى في وقيل: إن ـ بين ـ هنا بمعنى الوصل الكائن بين الزوجين أعني المعاشرة وهو ليس بظرف، وإلى ذلك يشير كلام أبـي البقاء، ولم يرتض ذلك المحققون. {فَٱبْعَثُواْ} أي وجهوا وأرسلوا إلى الزوجين لإصلاح ذات البين {حَكَمًا} أي رجلاً عدلاً عارفاً حسن السياسة والنظر في حصول المصلحة {مّنْ أَهْلِهِ} أي الزوج، و {مِنْ} إما متعلق ـ بابعثوا ـ فهو لابتداء الغاية، وإما بمحذوف وقع صفة للنكرة فهي للتبعيض {وَحَكَماً} آخر على صفة الأول {مّنْ أَهْلِهَا} أي الزوجة، وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة وهذا على وجه الاستحباب، وإن نصبا من الأجانب جاز، واختلف في أنهما هل يليان الجمع والتفريق إن رأيا ذلك؟ فقيل لهما ـ وهو المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإحدى الروايتين عن ابن جبير، وبه قال الشعبـي ـ فقد أخرج الشافعي في «الأم» والبيهقي / في «السنن». وغيرهما عن عبيدة السلماني قال: «جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله تعالى وجهه ومع كل واحد منهم فئام من الناس فأمرهم علي كرم الله تعالى وجهه أن يبعثوا رجلاً حكماً من أهله ورجلاً حكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى بما عليّ فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي كرم الله تعالى وجهه: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في هذه الآية: {وَإِنْ خِفْتُمْ} الخ هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي، وقيل: ليس لهما ذلك، وروي ذلك عن الحسن. فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه أنه قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست بأيديهما، وإلى ذلك ذهب الزجاج، ونسب إلى الإمام الأعظم، وأجيب عن فعل علي كرم الله تعالى وجهه بأنه إمام وللإمام أن يفعل ما رأى فيه المصلحة فلعله رأى المصلحة فيما ذكر فوكل الحكمين على ما رأى على أن في كلامه ما يدل على أن تنفيذ الأمر موقوف على الرضا حيث قال: للرجل كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يصلح جواباً عما روي عن ابن عباس، ولعل المسألة اجتهادية وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر. وذهب الإمامية إلى ما ذهب إليه الحسن وكأن الخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عندهم، وعن الشافعي روايتان في المسألة، وعن مالك أن لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، (ونقل عن بعض علمائنا أن الإساءة إن كانت من الزوج فرقا بينهما وإن كانت منها فرقا على بعض ما أصدقها)، والظاهر أن من ذهب إلى القول بنفاذ حكمهما جعلهما وكيلين حكما على ذلك. وقال ابن العربـي في «الأحكام»: إنهما قاضيان لا وكيلان فإن الحَكَم اسم في الشرع له. {إِن يُرِيدَا} أي الحكمان {إِصْلَـٰحاً} أي بين الزوجين وتأليفاً {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا} فتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما؛ فالضمير أيضاً للحكمين، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن جبير والسدي. وجوز أن يكون الضميران للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الألفة والوفاق، وأن يكون الأول: للحكمين، والثاني: للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى أوقع الله سبحانه بين الزوجين الألفة والمحبة وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة، وأن يكون الأول: للزوجين، والثاني: للحكمين أي إن يرد الزوجان إصلاحاً واتفاقاً يوفق الله تعالى شأنه بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} بالظواهر والبواطن فيعلم إرادة العباد ومصالحهم وسائر أحوالهم، وقد استدل الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه الآية على الخوارج في إنكارهم التحكيم في قصة عليّ كرم الله تعالى وجهه، وهو أحد أمور ثلاثة علقت في أذهانهم فأبطلها كلها رضي الله تعالى عنه فرجع إلى موالاة الأمير كرم الله تعالى وجهه منهم عشرون ألفاً، وفيها ـ كما قال ابن الفرس ـ / رد على من أنكر من المالكية بعث الحكمين في الزوجين، وقال: تخرج المرأة إلى دار أمين أو يسكن معها أمين.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {حديث : واللاتي تخافون نشوزهن}تفسير : [النساء: 34] وهذا حكم أحوال أخرى تعرض بين الزوجين، وهي أحوال الشقاق من مخاصمة ومغاضبة وعصيان، ونحو ذلك من أسباب الشقاق، أي دون نشوز من المرأة. والمخاطب هنا وُلاَة الأمور لا محالة، وذلك يرجّح أن يكونوا هم المخاطبين في الآية التي قبلها. والشِّقَاق مصدرٌ كَالمُشَاقّة، وهو مشتقّ من الشِّق ــــ بكسر الشين ــــ أي الناحية. لأنّ كلّ واحد يصير في ناحية، على طريقة التخييل، كما قالوا في اشتقاق العدوّ: إنّه مشتقّ من عدوة الوادي. وعندي أنّه مشتقّ من الشَّقّ ــــ بفتح الشين ــــ وهو الصدع والتفرّع، ومنه قولهم: شقّ عصا الطاعة، والخلاف شقاق. وتقدّم في سورة البقرة (137) عند قوله تعالى: {أية : وإن تولوا فإنما هم في شقاق} تفسير : وأضاف الشقاق إلى (بين). إمّا لإخراج لفظ (بين) عن الظرفية إلى معنى البعد الذي يتباعده الشيئان، أي شقاقَ تباعد، أي تجَاف، وإمّا على وجه التوسّع، كقوله {بل مكر اليل} وقول الشاعر:شعر : يا سارق الليلة أهلَ الدار تفسير : ومن يقول بوقوع الإضافة على تقدير (في) يجعل هذا شاهداً له كقوله: {أية : هذا فراق بيني وبينك}تفسير : [الكهف: 78]، والعرب يتوسّعون في هذا الظرف كثيراً، وفي القرآن من ذلك شيء كثير، ومنه قوله: {أية : لقد تقطع بينكم}تفسير : [الأنعام: 94] في قراءة الرفع. وضمير {بينهما} عائد إلى الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداء من قوله: {أية : الرجال قوامون على النساء}تفسير : [النساء: 4]. والحكم ــــ بفتحتين ــــ الحاكم الذي يُرضى للحكومة بغير ولاية سابقة، وهو صفة مشبّهة مشتقّة من قولهم: حكّموه فحكُم، وهو اسم قديم في العربية، كانوا لا ينصبون القضاة، ولا يتحاكمون إلاّ إلى السيف، ولكنّهم قد يرضون بأحد عقلائهم يجعلونه حكماً في بعض حوادثهم، وقد تحاكم عامر بن الطُّفيل وعلقمة بن عُلاَثَةَ لدى هَرِم بن سنان العبسي، وهي المحاكمة التي ذكرها الأعشى في قصيدته الرائية القائل فيها:شعر : عَلْقَمَ ما أنتَ إلى عامر الناقضِ الأوتارِ والواتر تفسير : وتحاكم أبناء نزار بن معدّ بن عدنان إلى الأفعى الجُرهمي، كما تقدّم في هذه السورة. والضميران في قوله: {من أهله} ــــ و{من أهلها} عائدان على مفهومين من الكلام: وهما الزوج والزوجة، واشترط في الحكمين أن يكون أحدهما من أهل الرجل والآخر من أهل المرأة ليكونا أعلم بدخلية أمرهما وأبصر في شأن ما يرجى من حالهما، ومعلوم أنّه يشترط فيهما الصفات التي تخوّلهما الحكم في الخلاف بين الزوجين. قال ملك: إذا تعذّر وجود حكمين من أهلهما فيبعث من الأجانب، قال ابن الفرس: «فإذا بعث الحاكم أجنبيّين مع وجود الأهل فيشبه أن يقال ينتقض الحكم لمخالفة النصّ، ويشبه أن يقال ماض بمنزلة ما لو تحاكموا إليهما». قلت: والوجه الأوّل أظهر. وعند الشافعية كونهما من أهلهما مستحبّ فلو بعثا من الأجانب مع وجود الأقارب صحّ. والآية دالّة على وجوب بعث الحكمين عند نزاع الزوجين النزاعَ المستمرّ المعبّر عنه بالشقاق، وظاهرها أنّ الباعث هو الحاكم ووليّ الأمر، لا الزوجان، لأنّ فعل {ابعثوا} مؤذن بتوجيههما إلى الزوجين، فلو كانا معيّنين من الزوجين لما كان لفعل البعث معنى. وصريح الآية: أنّ المبعوثين حكمان لا وكيلان، وبذلك قال أيمّة العلماء من الصحابة والتابعين. وقضى به عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وقاله ابن عباس، والنخعي، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. وعلى قول جمهور العلماء فما قضى به الحكمان من فرقة أو بقاء أو مخالعة يمضي، ولا مقال للزوجين في ذلك لأنّ ذلك معنى التحكيم، نعم لا يَمنع هؤلاء من أن يوكّل الزوجان رجلين على النظر في شؤونهما، ولا من أن يحكّما حكمين على نحو تحكيم القاضي. وخالف في ذلك ربيعة فقال: لا يحكم إلاّ القاضي دون الزوجين، وفي كيفية حكمهما وشروطه تفصيل في كتب الفقه. وتأوّلت طائفة قليلة هذه الآية على أنّ المقصود بعث حكمين للإصلاح بين الزوجين وتعيين وسائل الزجر للظالم منهما، كقطع النفقة عن المرأة مّدة حتّى يصلح حالها، وأنّه ليس للحكمين التطليق إلاّ برضا الزوجين، فيصيران وكيلين، وبذلك قال أبو حنيفة، وهو قولٌ للشافعي، فيريد أنّهما بمنزلة الوكيل الذي يقيمه القاضي عَن الغائب. وهذا صرف للفظ الحكمين عن ظاهره، فهو من التأويل. والباعث على تأويله عند أبي حنيفة: أنّ الأصل أنّ التطليق بيد الزوج، فلو رأى الحكمان التطليق عليه وهو كاره كان ذلك مخالفة لدليل الأصل فاقتضى تأويل معنى الحكمين، وهذا تأويل بعيد؛ لأنّ التطليق لا يَطَّرِد كونه بيد الزوج؛ فإنّ القاضي يطلّق عند وجود سبب يقتضيه. وقوله تعالى: {إن يريداً إصلاحاً} الظاهر أنّه عائد إلى الحكمين لأنّهما المسوق لهما الكلام، واقتصر على إرادة الإصلاح لأنّها التي يجب أن تكون المقصد لولاة الأمور والحكمين، فواجبُ الحكمين أن ينظرا في أمر الزوجين نظراً منبعثاً عن نية الإصلاح، فإن تيسّر الإصلاح فذلك وإلاّ صارا إلى التفريق، وقد وعدهما الله بأن يوفّق بينهما إذا نويا الإصلاح، ومعنى التوفيق بينهما إرشادهما إلى مصادفة الحقّ والواقععِ، فإنّ الاتّفاق أطمَن لهما في حكمهما بخلاف الاختلاف، وليس في الآية ما يدلّ على أنّ الله قصر الحَكَمين على إرادة الإصلاح حتّى يكون سنداً لتأويل أبي حنيفة أنّ الحكمين رسولان للإصلاح لا للتفريق، لأنّ الله تعالى ما زاد على أن أخبر بأنّ نية الإصلاح تكون سبباً في التوفيق بينهما في حكمهما، ولو فهم أحد غير هذا المعنى لكان متطوّحا عن مفاد التركيب. وقيل: الضمير عائد على الزوجين، وهذا تأويل مَن قالوا: إنّ الحكمين يبعثهما الزوجان وكيلين عنهما، أي إن يُرد الزوجان من بعث الحكمين إصلاح أمرهما يوفّق الله بينهما، بمعنى تيسير عَوْد معاشرتهما إلى أحسن حالها. وليس فيها على هذا التأويل أيضاً حجّة على قصر الحكمين على السعي في الجمع بين الزوجين دون التفريق: لأنّ الشرط لم يدلّ إلاّ على أنّ إرادة الزوجين الإصلاح تحقّقه، وإرادتهما الشقاق والشغب تزيدهما، وأين هذا من تعيين خطّة الحكمين في نظر الشرع. وهذه الآية أصل في جواز التحكيم في سائر الحقوق، ومسألة التحكيم مذكورة في الفقه.
القطان
تفسير : الشقاق: الخلاف. كان الحديث في الآية السابقة عما اذا كان الخلاف من الزوجة فقط، لكنه هنا فيما اذا كان من احد الزوجين. ومنطوق الآية الكريمة يحرص على التوفيق ولذلك قال: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}. فان حدث خلاف بين الزوجين فقد يكون بسبب نشوز المرأة وقد يكون بسبب ظلم الرجل، فإن تأزَّم الموقف وجب على اقاربهما ان ينتدبوا حَكماً من أهل الزوج، وحكما من أهل الزوجة، فاذا لم يوجد من اقاربهما فمن عقلاء المسلمين. وعلى الحكَمين ان يجتهدا في تقريب وجهة النظر بين الزوجين ويذكّراهما ان الحياة الزوجية مبنية على الرفق والمودة. ومتى صدقت الارادة وصحّت العزيمة فان الله كفيل بالتوفيق. ان الله شرع لكم هذه الاحكام وهو عليم بأحوال العباد واخلاقهم، خبير بما يقع بينهم، لا يخفى عليه شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِصْلاَحاً} (35) - إذَا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجِينِ، أسْكَنَ القَاضِي الزَّوْجَةَ إلَى جَنْبِ ثِقَةٍ يَنْظُرُ فِي أمْرِها، وَيَمْنَعُ مِنْهُمَا الظَّالِمَ مَنْ ظُلْمِهِ، فَإنْ تََفَاقَمَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَهُما، وَصَارَتْ تُهَدِّدُ بِالانْفِصَالِ، بَعَثَ القَاضِي ثِقَةً مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ وَثِقَةً مِنْ أهْلِ الزَّوْجِ، لِيَجْتَمِعَا وَيَنْظُرا فِي أمْرِهِما، وَيَفْعَلا مَا فِيهِ المَصْلَحَةُ مِمّا يَرَيَانِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ أوِ التَّوْفِيقِ، وَالشَّارِعُ أمْيَلُ إلَى التَّوْفِيقِ، لِذَلِكَ قَالَ إنْ يُرِيدَا إصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما، فَهَذِهِ الأحْكَامُ إنَّمَا شَرَعَهَا اللهُ العَلِيمُ بِأَحْوالِ العِبَادِ وَأخْلاَقِهِمْ، وَالخَبِيرُ بِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبِأسْبَابِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ..} [النساء: 35] يعني أن الشقاق لم يقع بعد، إنما تخافون أن يقع الشقاق، وما هو "الشقاق"؟ الشقاق مادته من الشق، وشق: أي أبعد شيئاً عن شيء، شققت اللوح: أي أبعدت نصفيه عن بعضهما، إذن فكلمة {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ..} [النساء: 35] تدل على أنهما التحما بالزواج وصارا شيئاً واحداً، فأي شيء يبعد بين الاثنين يكون "شقاقاً" إذ بالزواج والمعاشرة يكون الرجل قد التحم بزوجه هذا ما قاله الله: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 21]. ويتأكد هذا المعنى في آية أخرى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 187]. وهذا يعني أن المرأة مظروفة في الرجل والرجل مظروف فيها. فالرجل ساتر عليها وهي ساترة عليه، فإذا تعدّاهما الأمر، يقول الحق: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ..} [النساء: 35] مَنْ الذين يخافون؟، أهو وليّ الأمر أم القرابة القريبة من أولياء أمورها وأموره؟ أي الناس الذين يهمهم هذه المسألة. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ..} [النساء: 35] إنهم البيئة والمجال العائلي، إذن فلا ندع المسائل إلى أن يحدث الشقاق، كأن الإسلام والقرآن ينبهنا إلى أن كل أناس في محيط الأسرة يجب أن يكونوا يقظين إلى الحالات النفسية التي تعترض هذه الأسرة، سواء أكان أباً أم أخاً أم قريباً عليه أن يكون متنبهاً لأحوال الأسرة ولا يترك الأمور حتى يحدث الشقاق بدليل أنه قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ..} [النساء: 35]، فالشقاق لم يحدث، ويجب ألا تترك المسألة إلى أن يحدث الشقاق، {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ ..} [النساء: 35] وهذا القول هو لوليّ الأمر العام أيضاً إذا كانت عيونه يقظة إلى أنه يشرف على علاقات كل البيوت، ولكن هذا أمر غير وارد في ضوء مسئوليات ولي الأمر في العصر الحديث. إذن فلا بد أن الذي سيتيسر له تطبيق هذا الأمر هم البارزون من الأهل هنا وهناك، وعلى كل من لهم وجاهة في الأسرة أن يلاحظوا الخط البياني للأسرة، يقولون: نرى كذا وكذا. ونأخذ حَكَماً من هنا وحكماً من هناك وننظر المسألة التي ستؤدي إلى عاصفة قبل أن تحدث العاصفة؛ فالمصلحة انتقلت من الزوجين إلى واحد من أهل الزوج وواحد من أهل الزوجة، فهؤلاء ليس بينهما مسألة ظاهرة بأدلتها، ولم تتبلور المشكلة بعد، وليس في صدر أي منهما حُكْمٌ مسبق، ويجوز أن يكون بين الزوجين أشياء، إنما الحكَم من أهل الزوج والحكَم من أهل الزوجة ليس في صدر أي منهما شيء، وما دام الاثنان ستوكل إليهما مهمة الحكم. فلا بد أن يتفقا على ما يحدث بحيث إذا رأى الاثنان أنه لا صلح إلا بأن تطلق، فهما يحكمان بالطلاق، والناس قد تفهم أن الحكم هم أناس يُصْلِحُون بين الزوجين فإن لم يعجبهم الحكم بقي الزوجان على الشقاق، لا، فنحن نختار حكماً من هنا وحكماً من هناك. إن ما يقوله الحكمان لابد أن ننفذه، فقد حصرت هذه المسألة في الحكمين فقال: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ..} [النساء: 35] فكأن المهمة الأساسية هي الإصلاح وعلى الحكمين أن يدخلا بنية الإصلاح، فإن لم يوفق الله بينهما فكأن الحكمين قد دخلا بألا يصلحا. إن على كل حكم أن يخاف على نفسه ويحاول أن يخلص في سبيل الوصول إلى الإصلاح؛ لأنه إن لم يخلص فستنتقل المسألة إلى فضيحة له. الذي خلق الجميع: الزوج والزوجة والحكم من أهل الزوج والحكم من أهل الزوجة قال: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ..} [النساء: 35] فليذهب الاثنان تحت هذه القضية، ويصرّا بإخلاص على التوفيق بينهما؛ لأن الله حين يطلق قضية كونية، فكل واحد يسوس نفسه وحركته في دائرة هذه القضية. وحين يطلق الله قضية عامة فهو العليم الخبير، ومثال ذلك قوله: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173]. إنه سبحانه قال ذلك، فليحرص كل جندي على أن يكون جندياً لله؛ لأنه إن انهزم فسنقول له: أنت لم تكن جندياً لله، فيخاف من هذه. إذن فوضع القضية الكونية في إطار عقدي كي يجند الإنسان كل ملكاته في إنجاح المهمة، وعندما يقول الله: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ..} [النساء: 35]، فإياك أن تغتر بحزم الحكمين، وبذكاء الحكمين، فهذه أسباب. ونؤكد دائماً: إياك أن تغتر بالأسباب؛ لأن كل شيء من المسبب الأعلى، ولنلحظ دقة القول الحكيم: {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ..} [النساء: 35] فسبحانه لم يقل: إن يريدا إصلاحاً يوفقا بينهما. بل احتفظ سبحانه لنفسه بفضل التوفيق بين الزوجين. ويذيل سبحانه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء: 35] أي بأحوال الزوج، وبأحوال الزوجة، وبأحوال الحكم من أهله، وبأحوال الحكم من أهلها، فهم محوطون بعلمه. وعلى كل واحد أن يحرص على تصرفه؛ لأنه مسئول عن كل حركة من الحركات التي تكتنف هذه القضية؛ فربنا عليم وخبير. وما الفرق بين "عليم" و "خبير"؟ فالعلم قد تأخذه من علم غيرك إنما الخبرة فهي لذاتك. وبعد أن تكلم الحق على ما سبق من الأحكام في الزواج وفي المحرمات، وأخذنا من مقابلها المحللات، وتكلم عمن لا يستطيع طولاً وتكلم عن المال، وحذرنا أن نأكله بالباطل، وتكلم عن الحال بين الرجل والمرأة، وبعد ذلك لفتنا الحق ووجهنا ونبهنا إلى المنهج الأعلى وهو قوله سبحانه: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} معناهُ أَيْقَنتُم تباعدَ ما بِينَهِمَا. والشِّقَاقُ: العَدَاوةُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35]، يشير إلى خلاف يقع بين الشيخ الواصل في المريد المتكامل، {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} [النساء: 35]، متوسطين؛ أحدهما: من المشايخ المعتبرين، والثاني: من معتبري السالكين؛ لينظر إلى مقالها ويتحققا أحوالهما، {إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً} [النساء: 35]، بما رأى فيه صلاحهما {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} [النساء: 35]، بالإرادة وحسن التربية، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 35] في الأزل {عَلِيماً} [النساء: 35]، بأحوالهما، {خَبِيراً} [النساء: 35] بجمالهما، فقدر لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما. ثم أخبر عما لهما وعليهما بقوله تعالى: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 36]، إشارة في الآيات: إن العبد مأمور بعبادة الله تعالى وعبوديته بالإخلاص دون الشرك فيهما، بقوله تعالى: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [النساء: 36]، فالعبادة أن تعبدوا الله وحده بطريق أوامره ونواهيه، ولا تعبد معه شيئاً من الدنيا والعقبى، فإنك لو عبدت الله خوفاً من شيء أو طمعاً في شيء فقد عبدت ذلك الشيء، لقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}تفسير : [الحج: 11]، قال تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}تفسير : [السجدة: 16]، والعبودية طلب المولى للمولي بترك الدنيا والعقبى، والتسليم عند جريان القضاء شاكراً صابراً في النعماء والبلوى، كقوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تفسير : [الأنعام: 52]، فإذا حصل المقصود وصل العابد إلى المعبود، فحينئذ يصح عنه، {وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} [النساء: 36]؛ لأن الإحسان من صفات الله تعالى، كقوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} تفسير : [السجدة: 7]، والإساءة من صفات الإنسان فإن النفس الأمارة بالسوء، فالعبد لا يصدر منه الإحسان إلا أن يكون متخلقاً بأخلاق الله تعالى فانياً عن أخلاق نفسه، كما قال تعالى: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : [النساء: 79]، وفيه إشارة أخرى؛ وهي: إن لشرط العبودية الإقبال إلى الله تعالى بالكلية والإعراض عما سواه، حتى يخرج عن عهدة العبودية بالوصول إلى حضرة الربوبية، فتفنى عنك به وتتقرب به للوالدين، وغيرهما محسناً بإحسانه لا بشرك ورياء، فإن الشرك والرياء هاء النفس، فإذا فنيت النفس فنيت أوصافها، ولهذا قال تعالى عقيب الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36]؛ لأن الاختيال والفخر من أوصاف النفس، والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها؛ لأن النفس لا تحتسب الدنيا ولا المحبة من أوصافها، فإن النفس تحب الدنيا وتبخل بها وتأمر بالبخل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل منهما في شق { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } أي: رجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق. وهذا مستفاد من لفظ "الحكم" لأنه لا يصلح حكما إلا من اتصف بتلك الصفات. فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنَّعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه. فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما. ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه أن الله سماهما حكمين، والحكم يحكم ولو (1) لم يرض المحكوم عليه، ولهذا قال: { إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } أي: بسبب الرأي الميمون والكلام الذي يجذب القلوب ويؤلف بين القرينين. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } أي: عالمًا بجميع الظواهر والبواطن، مطلعا على خفايا الأمور وأسرارها. فمن علمه وخبره أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 215 : 41 : 55 سفين عن أبي هاشم عن مجاهد في قوله {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وتخبره بأمرها وتقول: "انه يفعل كذى وكذى" وتقول: "أرأيت ان تعظه على شيء فاعظه". ويبعث الرجل حكماً من قبله، فيخبره انها تفعل كذى وكذى. ويأمرانهما بالفرقة، ان رأيا الفرقة، أو الجمع، ان رأيا الجمع. قال الله جل وعز {إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}. قال، يتصادفان، فيخبر كل واحد منهما ما قال صاحبه. ثم ينظران. فإِن كان الزرق من قبلها، أقبلا عليها - وإن كان الزرق من قبله، اقبلا عليه. وإن رأيا الفرقة، فرقا. [الآية 35].
همام الصنعاني
تفسير : 577- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، أيُوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله تعالى: {حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}: [الآية: 35]، قال: شهدت عليّاً وجَاءتْه امرأةٌ وزوجها، مع كل واحد منهم فئام مِنَ الناس، وأخْرَجَ هولاءحَكَماً، وهؤلاء حَكَماً، فقال عَلِيٌّ للحَكَمَيْنِ: أتدريان ما عليكما! إن عليكُما إنْ رأيتما أن تُفرِّقا فَفَرِّقا، وإن رأيْتُما أن تَجْمَعَا جَمَعْتُما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، قال عليٌّ: كذبت، لا والله لا تبرح حتَّى ترضى بكتاب الله لك وعَلَيْك، قالت المرأة: رَضِيت بكتاب اللهِ لي وعَلَيَّ. 578- قال: أنبأنا مَعْمَر، عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن قال: إنْ شاءَ الحَكَمانِ فرَّقا، وإنْ شاءَا أَنْ يَجْمَعَا جَمَعَا. 579- عبد الرزاق، قال مَعْمَر، وقال الحسن يقول: يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة. 580- عبد الرزاق، قال أخبرني مَعْمَر: عن ابن طاوس، عن عِكْرِمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بُعِثْتُ أنا ومعاويةُ بن أبي سفيان حَكَميْنِ، قال معمر: بلغني أنَّ عثمان بَعَثَهُما فقيل لهما: إنْ رأيتما أن تَجْمَعا جمعتما، وإنْ رأيتُما أن تُفرِّقا فَرَّقْتُمَا. 582- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن أبي هاشم، عن مُجاهد قال {إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}: [الآية: 35]، قال: يوفق الله بين الحكميْنِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):