٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع. النوع الأول: قوله: {واعبدوا الله} قال ابن عباس: المعنى وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } تفسير : [البقرة: 21]. النوع الثاني: قوله: {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } أمر بالاخلاص في العبادة بقوله: {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركاً ولا يكون مخلصاً، ولهذا قال تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينة: 5]. النوع الثالث: قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } واتفقوا على أن ههنا محذوفا، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله: {أية : فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } تفسير : [محمد: 4] أي فاضربوها، ويقال: أحسنت بفلان، وإلى فلان. قال كثير:شعر : أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت تفسير : واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع: أحدها: في هذه الآية، وثانيها: قوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إلاّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23] وثالثها: قوله: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [لقمان: 14] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان اليهما. ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } تفسير : [الإسراء: 23] وقال: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بوالديه حسنًا }تفسير : [العنكبوت: 8] وقال في الوالدين الكافرين: {أية : وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَـٰحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً } تفسير : [لقمان: 15] وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال عليه السلام: «حديث : هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال: أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع وأستاذنهما فان أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما».تفسير : واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما، وألا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر، وأن لا يشهر عليهما سلاحا، ولا يقتلهما، قال أبو بكر الرازي: إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله، فحينئذ يجوز له قتله؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه، وذلك منهي عنه، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا. النوع الرابع: قوله تعالى: { وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله: {أية : وَٱلأرْحَامَ } تفسير : [النساء: 1]. واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم. النوع الخامس: قوله: {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز: أحدهما: الصغر، والثاني: عدم المنفق، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة. قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم. النوع السادس: قوله: {وَٱلْمَسَـٰكِين } واعلم أنه وان كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين، والاحسان إلى المسكين اما بالاجمال اليه، أو بالرد الجميل. كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } تفسير : [الضحى: 9]. النوع السابع: قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قيل: هو الذي قرب جواره، والجار الجنب هو الذي بعد جواره. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وان الجوار أربعون داراً» تفسير : وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون أماما وأربعون خلفا. وعن أبي هريرة قيل: يا رسول الله ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها، أي هي سليطة، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا خير فيها هي في النار» تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته»تفسير : وقال آخرون: عني بالجار ذي القربى: القريب النسيب، وبالجار الجنب: الجار الأجنبي، وقرىء (والجار ذا القربى) نصبا على الاختصاص، كما قرىء {أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} تفسير : [البقرة: 238] تنبيها على عظم حقه، لأنه اجتمع فيه موجبان. الجوار والقرابة. النوع الثامن: قوله: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } وقد ذكرنا تفسيره. قال الواحدي: الجنب نعت على وزن فعل، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد. يقال: رجل جنب إذا كان غريبا متباعداً عن أهله، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة. وقال تعالى: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ } تفسير : [إبراهيم: 35] أي بعدني، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر. وروى المفضل عن عاصم: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يريد بالجنب الناحية، ويكون التقدير: والجار ذي الجنب فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم والآخر: أن يكون وصفا على سبيل المبالغة، كما يقال: فلان كرم وجود. النوع التاسع: قوله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الاحسان. قيل: الصاحب الجنب: المرأة فانها تكون معك وتضجع إلى جنبك. النوع العاشر: قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل: الضيف. النوع الحادي عشر: قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }. واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فان للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله» تفسير : وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه: «حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم»تفسير : وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام، والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ برسول الله فتركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله كان أحق أن يجار عائذه» تفسير : قال يا رسول الله فانه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار». تفسير : واعلم أن الاحسان اليهم من وجوه: أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة، وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الاماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن. وقال بعضهم: كل حيوان فهو مملوك، والاحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة. واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال: مشت رجلك، وأخذت يدك، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : على اليد ما أخذت» تفسير : وقال تعالى: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } تفسير : [يس: 71] ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } والمختال ذو الخيلاء والكبر. قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد. قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله: {أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } تفسير : [آل عمران: 14] ومعنى الفخر التطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا. قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف اليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة، بل لمحض أمر الله تعالى.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان عشرة مسألة: الأُولى ـ أجمع العلماء على أن هذه الآية من المُحْكَم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعُرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب. وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار، لمن له الحكم والاختيار؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره؛ قال الله تعالى { أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } تفسير : [الكهف: 110] حتى لقد قال بعض علمائنا: إنه من تطهّر تبرُّداً أو صام مُحِمّاً لِمَعِدَته ونَوَى مع ذلك التقرّب لم يُجْزِه؛ لأنه مزج في نية التقرب نيّةً دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص؛ كما قال تعالى: { أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ } تفسير : [الزمر: 3]. وقال تعالى: { أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } تفسير : [البينة: 5]. وكذلك إذا أحسّ الرجل بداخلٍ في الركوع وهو إمام لم ينتظره؛ لأنه يُخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصاً لله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : قال الله تبارك وتعالى أنا أغْنَى الشركاء عن الشِّرك مَن عمِل عملاً أشْرَك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه » تفسير : . وروى الدَّارَقُطنِيّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يُجاء يوم القيامة بصُحُف مختمة فتُنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة ٱلقُوا هذا وٱقبَلُوا هذا فتقول الملائكة وعزتِك ما رأينا إلا خيراً فيقول الله عز وجل ـ وهو أعلم ـ إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليومَ من العمل إلا ما كان ابْتُغي به وجهي » تفسير : . وروي أيضاً عن الضحاك بن قيس الفِهْرِي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي يا أيها الناس أخْلِصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرَّحِم فإنها للرَّحِم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء ». تفسير : مسألة ـ إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا: الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم. وأصله اعتقاد شريك لله في ألوُهيتّه، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجوداً مّا غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونَه إلهاً كالقدرية مجوس هذه الأُمة، وقد تبرّأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام. ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء؛ وهو أن يفعل شيئاً من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال وهو خفِيّ لا يعرفه كلُّ جاهلٍ غبيّ. ورضي الله عن المُحاسِبيّ فقد أوضحه في كتابه «الرعاية» وبيّن إفساده للأعمال. وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك » تفسير : . وفيه حديث : عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المَسِيخ الدّجال فقال: «ألاَ أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال؟» قال: فقلنا بلى يا رسول الله؛ فقال: «الشّرْك الخَفِيّ أن يقوم الرجل يصلِّي فيزَيِّن صلاته لما يرى من نظر رجل». تفسير : وفيه عن شدّاد بن أوْس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إنّ أخوفَ ما أتخوّف على أُمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمرا ولا وثناً ولكن أعمالاً لغير الله وشَهوة خفية » تفسير : خرّجه الترمذِيّ الحكيم. وسيأتي في آخر الكهف، وفيه بيان الشهوة الخفية. وروى ابن لَهِيعة عن يزيد ابن أبي حبيب قال حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال: «هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه». تفسير : قال سهل بن عبد الله التُّسْتُرِيّ رضي الله عنه: الرياء على ثلاثة وجوه؛ أحدها ـ أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا صنف من النفاق وتشكك في الإيمان. والآخر ـ يدخل في الشيء لله فإذا ٱطلع عليه غير الله نَشِط، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمِل. والثالث ـ دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعُرِف بذلك ومُدِحَ عليه وسكن إلى مدحهم؛ فهذا الرياء الذي نهى الله عنه. قال سهل قال لقمان لابنه: الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنما عمل القوم للآخرة. قيل له: فما دواء الرياء؟ قال كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تُكلَّف إظهاره أحبّ ألاّ يطلع عليه إلا الله. قال: وكل عمل ٱطلع عليه الخلق فلا تعدّه من العمل. وقال أيوب السّخْتِيَانِيّ: ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله. قلت: قول سهل «والثالث دخل في العمل بالإخلاص» إلى آخره، إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدُوه ويجلّوه ويَبَرُّوه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم؛ لأن قلبه مغمور فرحاً باطلاعهم عليه، وإن كانوا قد ٱطّلعوا عليه بعد الفراغ. فأمّا من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب ٱطّلاعهم عليه فيُسَرّ بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة؛ كما قال تعالى: { أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } تفسير : [يونس: 58]. وبَسْطُ هذا وتتميمه في كتاب «الرعاية للمُحَاسِبي»، فمن أراده فليقف عليه هناك. وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إني أسِرّ العمل فيُطّلع عليه فيعجبني » تفسير : قال: يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا. فهذه جملة كافية في الرياء وخُلوص الأعمال. وقد مضى في «البقرة». حقيقة الإخلاص. والحمد لله. الثانية ـ قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} قد تقدّم في صدر هذه السورة أن مِن الإحسان إليهما عتقَهما، ويأتي في «سُبْحَان» حكم برِّهما مُسْتَوْفىً. وقرأ ابن أبي عبلة «إحسان» بالرفع أي واجب الإحسان إليهما. الباقون بالنصب، على معنى أحسِنوا إليهما إحساناً. قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزامِ البِرّ والطاعةِ له والإذعانِ مَن قَرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان؛ فقال تعالى: { أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } تفسير : [لقمان: 14]. وروى شُعبة وهُشيم الواسطيّان عن يَعْلَى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن وسُخْطُه في سُخْط الوالدين 2 تفسير : . الثالثة ـ قوله تعالى: {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} وقد مضى الكلام فيه في «البقرة». الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} أمّا الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيامِ بحقه والوصاة برعي ذمّته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكّد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي القريب. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} أي الغريب؛ قاله ابن عباس، وكذلك هو في اللغة. ومنه فلان أجنبيّ، وكذلك الجنابة البعد. وأنشد أهل اللغة: شعر : فلا تَحرِمَنِّي نائلاً عن جَنابةٍ فإني ٱمرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غرِيبُ تفسير : وقال الأعشى: شعر : أتيتُ حُريْثا زائرا عن جَنَابةٍ فكان حُرَيثٌ عن عطائي جامِدَا تفسير : وقرأ الأعمش والمُفَضَّل «والجارِ الجَنْبِ» بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان؛ يقال: جَنْب وجُنُب وأجْنَب وأجْنَبيّ إذا لم يكن بينهما قرابة، وجمعه أجانِبُ. وقيل: على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجَنب أي ذي الناحية. وقال نَوْف الشاميّ: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المسلم {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} اليهوديّ والنصرانيّ. قلت: وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلماً كان أو كافراً، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حُسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاريّ عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه » تفسير : . وروي عن أبي شُريح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن» قيل: يا رسول الله ومَنْ؟ قال: «الذي لا يأمن جارهُ بوائقَه» تفسير : وهذا عام في كل جارٍ. وقد أكّد عليه السلام ترك إذايته بقَسَمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره. فينبغي للمؤمن أن يحذر أذَى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَّا العباد عليه. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الجيران ثلاثة فجارٌ له ثلاثة حقوق وجارٌ له حقان وجارٌ له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حقُّ الجوار وحقُّ القرابة وحقُّ الإسلام والجار الذي له حقّان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحقّ الجوار والجار الذي له حقّ واحد هو الكافر له حقّ الجوار ». تفسير : الخامسة ـ روى البخاري حديث : عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارَين فإلى أيِّهما أُهْدِي، قال: «إلى أقربهما منكِ بابا» تفسير : . فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسّر المراد من قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} وأنه القريبُ المسكَنِ منك. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} هو البعيد المسكن منك. واحتجّوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار، وعَضَدُوه بقوله عليه السلام: « حديث : الجار أحقّ بصَقَبه » تفسير : . ولا حجة في ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عمّن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن مَن قَرُب بابه فإنه أولى بها من غيره. قال ابن المُنْذِر: فدلّ هذا الحديثُ على أن الجار يقع على غير اللَّصِيق. وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال: إن الجار اللَّصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريقٌ لا شفعة فيه له. وعَوَام العلماء يقولون: إذا أوصى الرجل لجيرانه أعطى اللَّصِيق وغيره؛ إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال: لا يُعطَى إلا اللَّصيق وحده. السادسة ـ وٱختلف الناس في حدّ الجِيرة؛ فكان الأُوزاعيّ يقول: أربعون داراً من كل ناحية؛ وقاله ٱبن شهاب. ورُوي حديث : أن رَجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني نزلت مَحَلّة قوم وإن أقربهم إليّ جُوَاراً أشدّهم لي أذًى؛ فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليّاً يصيحون على أبواب المساجد: ألاَ إنّ أربعين داراً جارٌ ولا يدخل الجنة من لا يأمن جارهُ بوائقهتفسير : . وقال عليّ بن أبي طالب: مَن سَمِع النّداء فهو جارٌ. وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة فهو جَارُ ذلك المسجد. وقالت فرقة: من ساكن رجلاً في مَحَلّةٍ أو مدينة فهو جارٌ. قال الله تعالى: { أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ } تفسير : [الأحزاب: 60] إلى قوله: { أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 60] فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جِواراً. والجِيرَة مراتب بعضها ألصَقُ من بعض، أدناها الزوجة؛ كما قال: شعر : أيا جَارَتَا بِيني فإنكِ طالقهْ تفسير : السابعة ـ ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذَرّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا أبا ذَرّ إذا طَبَخت مَرَقةً فأكثِر ماءَها وتعاهد جيرانك » تفسير : . فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق؛ لِمَا يترتّب عليها من المحبّة وحسن العِشرة ودفع الحاجة والمَفْسدة؛ فإن الجار قد يتأذّى بقُتَارِ قدر جاره، وربما تكون له ذُرِّية فتَهيج من ضعفائهم الشّهوة، ويعظُم على القائم عليهم الألَمُ والكُلْفة، لا سيّما إن كان القائم ضعيفاً أو أرْمَلَة فتعظُم المشقّة ويشتدّ منهم الألم والحسرة. وهذه كانت عقوبة يعقوب في فِراق يوسف عليهما السلام فيما قيل. وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطّبيخ يُدفع إليهم، ولهذا المعنى حضّ عليه السّلام الجار القريب بالهَدِيّة؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحبّ أن يشارِك فيه؛ وأيضاً فإنه أسرعُ إجابة لجاره عندما يَنُوبُه من حاجة في أوقات الغفلة والغِرّة؛ فلذلك بدأ به على مَن بُعد بابه وإن كانت داره أقرب. والله أعلم. الثامنة ـ قال العلماء: لمّا قال عليه السلام « حديث : فأكْثِرْ ماءَها » تفسير : نبّه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيهاً لطيفاً، وجعلَ الزّيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء؛ ولذلك لم يقل: إذا طَبخْت مَرَقةً فأكثر لحمها؛ إذ لا يسهلُ ذلك على كل أحد. ولقد أحسن القائل: شعر : قِدْرِي وقِدْرُ الجار واحدةٌ وإليه قَبْلِي تُرفع القِدر تفسير : ولا يُهدي النّزر اليسير المحتقَر؛ لقوله عليه السلام: « حديث : ثم ٱنظر أهلَ بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف » تفسير : أي بشيء يُهدَى عُرفاً؛ فإن القليل وإن كان مما يُهدَى فقد لا يقع ذلك الموقع، فلو لم يتيسّر إلا القليل فَلْيُهدِه ولا يحتقره، وعلى المُهْدى إليه قبوله؛ لقوله عليه السلام: « حديث : يا نَساءُ الْمُؤْمِنَاتُ لا تحتقِرنّ إحداكنّ لجارتها ولو كُرَاع شاة مُحرقاً » تفسير : أخرجه مالك في موطّئِه. وكذا قيدناه «يَا نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ» بالرفع على غير الإضافة، والتقدير: يا أيها النّساء المؤمنات؛ كما تقول يا رجالُ الكرامُ؛ فالمنادى محذوف وهو يا أيها، والنّساء في التقدير النعت لأيها، والمؤمنات نعت للنساء. وقد قيل فيه: يا نساءَ المؤمِناتِ بالإضافة، والأوّل أكثر. التاسعة ـ من إكرام الجار ألاّ يُمنع من غَرْز خشبة له إرفاقاً به؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يَمْنع أحدُكم جارَه أن يَغرِز خَشَبَةً في جداره » تفسير : . ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّهِ لأَرْميّن بها بين أكنافكم. رُوِي « حديث : خُشُبه وخَشَبه » تفسير : على الجمع والإفراد. وروى «أكتافكم» بالتاء و «أكنافكم» بالنون. ومعنى «لأرميّن بها» أي بالكلمة والقصّة. وهل يُقضى بهذا على الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف بين العلماء. فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه النّدب إلى بِرّ الجار والتجاوز له والإحسان إليه، وليس ذلك على الوجوب؛ بدليل قوله عليه السلام: « حديث : لا يحلّ مال ٱمرىءٍ مسلمٍ إلا عن طِيبِ نفسٍ منه » تفسير : . قالوا: ومعنى قوله « حديث : لا يمنعْ أحدكم جارَه » تفسير : هو مثلُ معنى قوله عليه السلام: « حديث : إذا ٱستأذنت أحدَكم ٱمرأته إلى المسجد فلا يمنعْها » تفسير : . وهذا معناه عند الجميع النّدب، على ما يراه الرجل من الصّلاح والخير في ذلك. وقال الشافعيّ وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن عليّ وجماعة أهل الحديث: إلى أن ذلك على الوجوب. قالوا: ولولا أن أبا هريرة فهِم فيما سمِع من النبيّ صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليُوجِب عليهم غير واجب. وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه قَضَى على محمد بن مسلمة للضحّاك بن خليفة في الخليج أن يمُرّ به في أرض محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: لا والله. فقال عمر: والله ليمرّن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمرّ به ففعل الضحاك؛ رواه مالك في الموطّأ. وزعم الشافعيّ في كتاب «الرّد» أن مالكاً لم يَروِ عن أحدٍ من الصحابة خلافَ عمر في هذا الباب؛ وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به وردّه برأيه. قال أبو عمر: ليس كما زعم الشافعي؛ لأن محمد بن مسلمة كان رأيه في ذلك خلاف رأي عمر، ورأي الأنصار أيضاً كان خلافاً لرأي عمر، وعبد الرحمن بن عوف في قصة الرّبيع وتحويله ـ والرّبِيع السّاقية ـ وإذا ٱختلفت الصّحابة وجب الرجوع إلى النّظر، والنّظر، يدلّ على أن دماء المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تَطِيب به النفس خاصة؛ فهذا هو الثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ويدُلّ على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة: مالي أراكم عنها مُعرِضين واللَّهِ لأرمينّكم بها؛ هذا أو نحوه. أجاب الأوّلون فقالوا: القضاء بالمِرْفَق خارج بالسنّة عن معنى قوله عليه السلام: « حديث : لا يحلّ مالُ ٱمرىءٍ مُسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه » تفسير : لأن هذا معناه التّمليك وٱلاستهلاك وليس المِرْفَق من ذلك؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد فَرقَ بينهما في الحكم. فغير واجب أن يُجَمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكَى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي به يُسمّى أبو المطلب. وٱحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال: استُشْهد منا غلام يوم أُحد فجعلت أُمّه تمسح التّراب عن وجهه وتقول: أبشرْ هنيئاً لك الجنة؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : وما يُدْريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره » تفسير : . والأعمش لا يصحّ له سَماعٌ من أنس، والله أعلم. قاله أبو عمر. العاشرة ـ وَرَد حديثٌ جَمَع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مرافق الجار، وهو حديثحديث : معاذ بن جبل قال: قلنا يا رسول الله، ما حقّ الجار؟ قال: «إن ٱستقرضَك أقرضتَه وإن ٱستعانك أعنته وإن ٱحتاج أعطيته وإن مرِض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير سرّك وهنّيْتَه وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيتَه ولا تؤذه بقُتَارِ قِدْرِك إلا أن تَغْرِفُ له منها ولا تستطِلْ عليه بالبناء لتُشرِف عليه وتسدّ عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له منها وإلا فأدخِلْها سرّاً لا يخرج وَلَدُك بشيء منه يغِيظون به وَلَدَه وهل تفقهون ما أقول لكم لن يُؤدّي حقّ ٱلجار إلا القليل ممن رَحِمَ الله» تفسير : أو كلمة نحوها. هذا حديث جامع وهو حديث حَسَن، في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مَرْضِيّ. الحادية عشرة ـ قال العلماء: الأحاديث في إكرام الجار جاءت مُطْلقَةً غيرَ مقيّدة حتى الكافر كما بيّنا. وفي الخبر قالوا: يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النُّسُك؟ قال: « حديث : لا تُطعِموا المشركين من نُسُك المسلمين » تفسير : . ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النّسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للنّاسك أن يأكل منه ولا أن يُطعِمه الأغنياء؛ فأما غير الواجب الذي يُجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة.حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضْحِيَة: «ٱبدَئي بجارنا اليهودي» تفسير : . ورُوِي أن شاةً ذُبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ ـ ثلاث مرات ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه ». تفسير : الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} أي الرفيق في السفر. وأسند الطّبري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غَيْضة، فقطع قضيبين أحدهما معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القَوِيمَ؛ فقال: كنت يا رسول الله أحقَّ بهذا! فقال: «كلاّ يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعةً من نهار» تفسير : . وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: للسَّفر مُرُوءةٌ وللحضَر مُروءةٌ؛ فأما المروءة في السّفر فبذل الزاد، وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المِزاح في غير مَساخط الله. وأما المروءة في الحضَر فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عزّ وجلّ. ولبعض بني أسد ـ وقيل إنها لحاتم الطائي: شعر : إذا ما رفيقي لم يكن خلفَ ناقتي له مركب فضلاً فلا حمِلت رِجلي ولم يك من زادي له شطرُ مِزوَدِي فلا كنت ذا زادٍ ولا كنت ذا فضلِ شريكان فيما نحن فيه وقد أرى عليّ له فضلاً بما نال من فضلي تفسير : وقال عليّ وابن مسعود وابن أبي لَيْلَى: {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} الزوجة. ابن جُريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاءَ نفعك. والأوّل أصح؛ وهو قول ٱبن عباس وٱبن جُبير وعِكرمة ومجاهد والضحاك. وقد تتناول الآية الجميع بالعموم. والله أعلم. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّاً. والسبيل الطريق؛ فنُسِب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك، وبيّنَ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ فَروى مسلم وغيره حديث : عن المعْرُور بن سُوَيْد قال: مررنا بأبي ذَرٍّ بالرّبَذة وعليه بُردُ وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حُلّة؛ فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أُمّه أعجمية فعيرته بأُمّه، فشكاني إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا ذَرٍّ إنك ٱمرؤ فيك جاهلية» قلت: يا رسول الله، مَن سَبّ الرجال سبّوا أباه وأُمّه. قال: «يا أبا ذَرٍّ إنك ٱمرؤٌ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبِسوهم مما تلبَسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعِينوهم» تفسير : . وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه، فقال له قائل: لو أنزلته يسعى خلف دابتك؛ فقال أبو هريرة: لأن يسعى معي ضِغثان من نارٍ يحرقان مني ما أحرقا أحبّ إليّ من أن يسعى غلامي خلفي. وخرّج أبو داود عن أبي ذَرٍّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَن لاَيَمَكُمْ مِن مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يُلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله » تفسير : . لايمكم وافقكم. والملايمة الموافقة. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : للمملوك طعامه وكِسوته ولا يُكلَّف من العمل إلا ما يطيق » تفسير : وقال عليه السلام: « حديث : لا يقل أحدكم عبدي وَأَمَتي بل لِيَقُل فتَايَ وفَتَاتِي » تفسير : وسيأتي بيانه في سورة يوسف عليه السلام. فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضّهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم، إذ الكل عبيد الله والمال مال الله، لكن سخّر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضاً إتماماً للنعمة وتنفيذاً للحكمة؛ فإن أطعموهم أقلّ مما يأكلون، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفة ومقداراً جاز إذا قام بواجبه عليه. ولا خلاف في ذلك والله أعلم. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قَهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال لا. قال: فٱنطلِق فأعطِهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : كَفَى بالمرء إثْماً أن يَحْبِس عمّن يَملُك قُوتَهم ». تفسير : الخامسة عشرة ـ ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من ضرب عبده حَدّاً لم يأته أو لطمه فكفّارتُه أن يعتقه » تفسير : . ومعناه أن يضربه قدر الحدّ ولم يكن عليه حدّ. وجاء عن نفر من الصحابة أنهم ٱقتصُّوا للخادم من الولد في الضرب واعتقوا الخادم لمّا لم يرد القِصاص. وقال عليه السلام: « حديث : من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحدّ يوم القيامة ثمانين » تفسير : . وقال عليه السلام: « حديث : لا يدخل الجنة سَيِّء المَلَكة. تفسير : وقال عليه السلام: « حديث : سُوءُ الخُلُق شُؤمٌ وحسن المَلَكة نماء وصِلة الرَّحِم تزيد في العمر والصدقة تدفع مَيْتة السّوء ». تفسير : السادسة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحرّ أو العبد؛ فروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : للعبد المملوك المُصلح أجران » تفسير : والذي نفسُ أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحجّ وبِرّ أمِّي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. ورُوي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنّ العبد إذا نصح لسيّده وأحسن عبادة الله فله أجره مرّتين » تفسير : . فاستدل بهذا وما كان مثله من فضّل العبد؛ لأنه مخاطب من جهتين: مطالب بعبادة الله، مطالب بخدمة سيده. وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد البر النَّمَرِي وأبو بكر محمد بن عبدالله بن أحمد العامري البَغدادي الحافظ. استدّل من فضل الحرّ بأن قال: الاستقلال بأمور الدِّين والدّنيا إنما يحصل بالأحرار والعبدُ كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرّفة بالقهر، وكالبهيمة المسخَّرة بالجبر؛ ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الوَلايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعاراً بخسة المقدار، والحرّ وإن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر،. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: لولا الجهاد والحج، أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. والله أعلم. السابعة عشرة ـ روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرّم طلاقهنّ، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدّة إذا انتَهْوا إليها عَتَقُوا، وما زال يوصيني بالسِّواك حتى خشيت أن يحْفي فمي ـ ورُوي حتى كاد ـ وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خِيار أمتي لا ينامون ليلاً » تفسير : . ذكره أبو الليث السَّمَرْقَنْدي في تفسيره. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ} أي لا يرضى. {مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته؛ أي لا يُظهر عليه آثار نِعَمه في الآخرة. وفي هذا ضرب من التَّوعُّد. والمختال ذو الخُيَلاء أي الكبر. والفخور؛ الذي يعدّد مناقبه كِبْراً. والفخر: البَذَخ والتطاول. وخصّ هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفَة من القريب الفقير والجارِ الفقير وغيرهم ممن ذُكِر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم. وقرأ عاصم فيما ذكر المُفَضّل عنه {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} بفتح الجيم وسكون النون. قال المَهْدَوي؛ هو على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. وأنشد الأخفش: شعر : الناسُ جَنْـبٌ والأمـير جَنْـب تفسير : والجَنْب الناحية، أي المتنحى عن القرابة. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «حديث : أتدري ما حق الله على العباد؟» تفسير : قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»تفسير : ، ثم قال: «حديث : أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» تفسير : ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}، وكقوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً}تفسير : [الإسراء: 23] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء؛ كما جاء في الحديث: «حديث : الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة»تفسير : ، ثم قال تعالى: {وَالْيَتَـٰمَىٰ} وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم، والحنو عليهم، ثم قال: {وَٱلْمَسَـٰكِينِ} وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة. وقوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ}، يعني الذي بينك وبينه قرابة، {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}: الذي ليس بينك وبينه قرابة، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل ابن حيان وقتادة، وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: والجار ذي القربى: يعني: الجار المسلم، والجار الجنب، يعني: اليهودي و النصراني، رواه ابن جرير وابن أبي جاتم، وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى، يعني: المرأة. وقال مجاهد أيضاً في قوله: والجار الجنب، يعني: الرفيق في السفر، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر، وبالله المستعان. (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمداً يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به. (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» تفسير : وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل، زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد، به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. (والحديث الثالث) قال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» تفسير : ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، وقال: حسن غريب. (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يشبع الرجل دون جاره»تفسير : ، تفرد به أحمد. (الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : ما تقولون في الزنا؟» تفسير : قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»تفسير : ، قال: «حديث : ما تقولون في السرقة؟» تفسير : قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: «حديث : لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» تفسير : تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك» تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تزاني حليلة جارك».تفسير : (الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا هشام عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم، ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام، قال: «حديث : ولقد رأيته؟» تفسير : قلت: نعم، قال: «حديث : أتدري من هو؟»تفسير : ، قلت: لا، قال: «حديث : ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» تفسير : ثم قال: «حديث : أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام».تفسير : (الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر، يعني: المدني، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف، قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: «حديث : وقد رأيته؟» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : لقد رأيت خيراً كثيراً، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه»تفسير : . تفرد به من هذا الوجه، وهو شاهد للذي قبله. (الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقاً، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقاً، فأما الجار الذي له حق واحد، فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان، فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم» تفسير : قال البزار: لا نعلم أحداً روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك. (الحديث التاسع) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «حديث : إلى أقربهما منك باباً»تفسير : ، ورواه البخاري من حديث شعبة به. (الحديث العاشر) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن، فزاد: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال: «حديث : ما يحملكم على ذلك» تفسير : ؟ قالوا: حب الله ورسوله. قال: «حديث : من سره أن يحب الله ورسوله، فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد الأمانة إذا ائتمن».تفسير : (الحديث الحادي عشر) قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول خصمين يوم القيامة جاران» تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال الثوري: عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك، وقال ابن عباس وجماعة: هو الضعيف. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر، وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفرـ وأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر، وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة، أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: «حديث : الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم» تفسير : فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بَحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» تفسير : ورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم» تفسير : رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» تفسير : رواه مسلم أيضاً. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه» تفسير : أخرجاه، ولفظه للبخاري، ولمسلم: «حديث : فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً، فليضع في يده أكلة أو أكلتين»تفسير : . وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم» تفسير : أخرجاه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}، أي: مختالا في نفسه، معجباً متكبراً، فخوراً على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، قال مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} يعني: متكبراً {فَخُوراً} يعني: يَعُدُّ ما أعطي، وهو لا يشكر الله تعالى، يعني: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك، وقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيىء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} الآية، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا: {أية : وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً} تفسير : [مريم: 32]. وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم: «حديث : إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة»تفسير : ، فقال: أجل، فلا أخالني أكذب على خليلي، ثلاثاً، قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور، أو ليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}. وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بَلْهُجَيم، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «حديث : إياك وإسبال الإزار؛ فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً و} أحسنوا {بِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناً } برًّا ولينَ جانب {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة {وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } القريب منك في الجوار أو النسب {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } البعيد عنك في الجوار أو النسب {وَٱلصَّٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } الرفيق في سفر أو صناعة، وقيل الزوجة {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المنقطع في سفره {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ } من الأرقاء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } متكبرا {فَخُوراً } على الناس بما أوتي.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم بيان معنى العبادة. و{شيئاً} إما مفعول به، أي: لا تشركوا به شيئاً من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت، وجماد وحيوان، وإما مصدر، أي: لا تشركوا به شيئاً من الاشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر والواضح والخفي. وقوله: {إِحْسَـٰناً } مصدر لفعل محذوف، أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، وقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله، والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } تفسير : [لقمان: 14] فأمر سبحانه بأن يشكرا معه. قوله: {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي: صاحب القرابة، وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه، وإن كان بعيداً. {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ } قد تقدّم تفسيرهم والمعنى وأحسنوا بذي القربى إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي: القريب جواره، وقيل: هو من له مع الجوار في الدار قرب في النسب {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } المجانب، وهو مقابل للجار ذي القربى، والمراد من يصدق عليه مسمى الجوارمع كون داره بعيدة، وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها. وفيه ردّ على من يظن أن الجار مختص بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد. وقيل: إن المراد بالجار الجنب هنا: هو الغريب. وقيل: هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له. وقرأ الأعمش، والمفضل: "وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ" بفتح الجيم، وسكون النون، أي: ذي الجنب، وهو: الناحية، وأنشد الأخفش:شعر : الناس جنب، والأمير جنب تفسير : وقيل: المراد بالجار ذي القربى: المسلم، وبالجار الجنب: اليهودي النصراني.وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يصدق عليه مسمى الجوار، ويثبت لصاحبه الحق. فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حدّ أربعين داراً من كل ناحية، وروي عن الزهري نحوه. وقيل: من سمع إقامة الصلاة. وقيل: إذا جمعتهما محلة. وقيل: من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه، وأنه يكون جاراً إلى حد كذا من الدور، أو من مسافة الأرض، كان العمل عليه متعيناً، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفاً. ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضاً ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة: المجاور، ويطلق على معان. قال في القاموس. والجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير، والمستجير، والشريك في التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والإست كالجارة، والقاسم، والحليف، والناصر. انتهى. قال القرطبي في تفسيره: وروي: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إليّ جوارا أشدّهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر، وعلياً يصيحون على أبواب المساجد: "حديث : ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"تفسير : . انتهى. ولو ثبت هذا لكان مغنياً عن غيره، ولكنه رواه، كما ترى من غير عزوله إلى أحد كتب الحديث المعروفة، وهو: وإن كان إماماً في علم الرواية، فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور، ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما، وهو يذكر الواهيات كثيراً، كما يفعل في تذكرته، وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة، قال الله تعالى: «لئن لم ينته المنافقون» إلى قوله: {أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 60] فجعل اجتماعهم في المدينة جواراً. وأما الأعراف في مسمى الجوار، فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة، واصطلاحات متواضعة. قوله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قيل: هو الرفيق في السفر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك. وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي ليلى: هو الزوجة. وقال ابن جريج: هو الذي يصحبك، ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو: كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب أي: بجنبك كمن يقف بجنبك في تحصيل علم، أو تعلم صناعة، أو مباشرة تجارة، أو نحو ذلك. قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّاً، والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه، ولزومه إياه، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر، فإن على المقيم أن يحسن إليه. وقيل: هو المنقطع به. وقيل: هو الضيف. قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } أي: وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم إحساناً، وهم: العبيد والإماء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس. والمختال ذو الخيلاء، وهو الكبر، والتيه، أي: لا يحب من كان متكبراً تائهاً على الناس مفتخراً عليهم. والفخر: المدح للنفس، والتطاول، وتعديد المناقب، وخص هاتين الصفتين؛ لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } يعني: الذي بينك، وبينه قرابة {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } يعني: الذي ليس بينك، وبينه قرابة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن نوف البكالي قال: الجار ذي القربى: المسلم، والجار الجنب: اليهودي والنصراني. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قال: الرفيق في السفر. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد مثله. وأخرج الحكيم، والترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قال: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عليّ قال: هو المرأة. وأخرج هؤلاء، والطبراني عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } قال: مما خوّلك الله، فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل نحوه، وقد ورد مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في برّ الوالدين، وفي صلة القرابة، وفي الإحسان إلى اليتامى، وفي الإحسان إلى الجار، وفي القيام بما يحتاجه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا، وهكذا ورد في ذم الكبر والاختيال والفخر ما هو معروف.
الماوردي
تفسير : {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} معناه واستوصوا بالوالدين إحساناً. {وَبِذِي الْقُرْبَى} هم قرابة النسب من ذوي الأرحام. {وَالْيَتَامَى} جمع يتيم وهو من مات أبوه لم يبلغ الحلم. {وَالْمَسَاكِينِ} جمع مسكين وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة فيتمسكن لذلك. {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} فيه قولان: أحدهما: بمعنى ذي القرابة والرحم وهم الذين بينك وبينهم قرابة نسب، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد. والثاني: يعني الجار ذي القربى بالإسلام. {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} فيه قولان: أحدهما: الجار البعيد في نسبه الذي ليس بينك وبينه قرابة، وهو قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنه المشرك البعيد في دينه. والجنب في كلام العرب هو البعيد، ومنه سُمي الجنب لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل، قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة: شعر : أتيت حُريثاً زائراً عن جنابةٍ فكان حريث في عطائي جامداً تفسير : {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرفيق في السفر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه، وهو قول ابن مسعود. والثالث: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كُلُّ صَاحبٍ يَصْحَبُ صَاحِباً مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعةً مِن نَّهَارٍ". تفسير : وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خَيرُ الأَصْحَابِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجيرانِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِجَارِهِ". تفسير : {وَابْنِ السَّبِيلِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المسافر المجتاز مَارّاً، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والربيع. والثاني: هو الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة، وهذا قول الشافعي. والثالث: أنه الضعيف، وهو قول الضحاك. والسبيل الطريق، ثم قيل لصاحب الطريق ابن السبيل، كما قيل لطير الماء ابن ماء. قال الشاعر: شعر : وردت اعتسافاً والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماءٍ مُلحقُ تفسير : {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني المملوكين، فأضاف الملك إلى اليمين لاختصاصها بالتصرف كما يقال تكلم فُوك، ومشت رجلُك. {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} المختال: من كان ذا خيلاء، مفتعل من قولك: خالَ الرجل يَخُول خُيلاء، وخالاً، قال العجاج: شعر : والخال ثوب من ثياب الجهال (والدهْرُ فيه غَفْلةٌ للغفال) تفسير : والفخور: المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه وبسط عليه من رزقه.
ابن عطية
تفسير : "الواو" لعطف جملة الكلام على جملة غيرها، والعبادة: التذلل بالطاعة، ومنه طريق معبد، وبعير معبد، إذا كانا معلمين، و {إحساناً} نصب على المصدر، والعامل فعل مضمر تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وما ذكر الطبري أنه نصب بالإغراء خطأ، والقيام بحقوق الوالدين اللازمة لهما من التوقير والصون والإنفاق إذا احتاجا واجب، وسائر ذلك من وجوه البر والإلطاف حسن القول، والتصنع لهما مندوب إليه مؤكد فيه، وهو البر الذي تفضل فيه الأم على الأب، حسبحديث : قوله عليه السلام للذي قال له من أبر؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك: قال ثم من؟ قال أباك، ثم الأقرب فالأقرب، وفي رواية: ثم أدناك أدناكتفسير : ، وقرأ ابن أبي عبلة "إحسان" بالرفع، و"ذو القربى": هو القريب النسب من قبل الأب والأم، وهذا من الأمر بصلة الرحم وحفظها، {واليتامى}: جمع يتيم، وهو فاقد الأب قبل البلوغ، وإن ورد في كلام العرب يتم من قبل الأم فهو مجاز واستعارة، {والمساكين}: المقترون من المسلمين الذين تحل لهم الزكاة، وجاهروا بالسؤال، واختلف في معنى {الجار ذي القربى} وفي معنى {الجنب}، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم: الجار ذو القربى هو الجارالقريب النسب، و {الجار الجنب} هو الجار الأجنبي الذي لا قرابة بينك وبينه، وقال نوف الشامي: الجار ذو القربى هو الجار المسلم، و {الجار الجنب} هو الجار اليهودي او النصراني، فهي عنده قرابة الإسلام وأجنبية الكفر، وقالت فرقة: الجار ذو القربى هو الجار القريب المسكن منك، والجار الجنب هو البعيد المسكن منك، وكأن هذا القول منتزع من الحديث،حديث : قالت عائشة، يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال إلى أقربهما منك باباًتفسير : ، واختلف الناس في حد الجيرة، فقال الأوزاعي: أربعون داراً من كل ناحية جيرة، وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد، وبقدر ذلك في الدور وقالت فرقة: من ساكن رجلاً في محلة أو مدينة فهو جاره، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوج كما قال الأعشى: [الطويل] شعر : أَيَا جَارَتِي بِينِي تفسير : وبعد ذلك الجيرة الخلط، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : سَائِلْ مُجَاوِرَ جرْمٍ هَلْ جَنَيت لَها حَرْباً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجِيرَةِ الخُلُطِ تفسير : وحكى الطبري عن ميمون بن مهران: أن الجار ذا القربى أريد به جار القريب، وهذا خطأ في اللسان، لأنه جمع على تأويله بين الألف واللام والإضافة، وكأن وجه الكلام وجار ذي القربى، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة "والجار ذا القربى" بنصب الجار، وحكى مكي عن ابن وهب أنه قال عن بعض الصحابة في {الجار الجنب}: إنها زوجة الرجل وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ "والجار الجَنْبِ" بفتح الجيم وسكون النون، و {الجنب} في هذه الآية معناه. البعيد، والجنابة البعد، ومنه قول الشاعر وهو الأعشى: [الطويل] شعر : أَتيْتُ حُرَيثاً زائراً عَنْ جنابة فَكانَ حُرَيْثٌ عَنْ عَطَائيَ جَامِدا تفسير : ومنه قول الآخر، وهو علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابة فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَرِيبُ تفسير : وهو من الاجتناب، وهو أن يترك الشيء جانباً، وسئل أعرابي عن {الجار الجنب} ، فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عينك عليه، قال أبو علي: جنب صفة كناقة أجد، ومشية سجح، وجنب التطهر مأخوذ من الجنب، وقال ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد والضحاك: الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود وابن أبي ليلى وإبراهيم النخعي: الصاحب بالجنب الزوجة وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه، وأسند الطبريحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة فقطع قضيبين، أحدهما معوج وخرج فأعطى صاحبه القويم وحبس هو المعوج، فقال له الرجل: كنت يا رسول الله أحق بهذا، فقال له: يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحبته ولو ساعة من نهارتفسير : ، وقال المفسرون طرّاً: ابن السبيل هو المسافر على ظهر طريقه، وسمي ابنه للزومه له كما قيل ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : لا يدخل الجنة ابن زنى" تفسير : أي: ملازمه الذي يستحق بالمثابرة عليه أن ينسب إليه، وذكر الطبري أن مجاهداً فسره بأنه المار عليك في سفره، وأن قتادة وغيره فسره بأنه الضيف. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قول واحد، {وما ملكت أيمانكم} يريد العبيد الأرقاء، ونسب الملك إلى اليمين إذ هي في المعاد جارحة البطش والتغلب والتملك، فأضيفت هذه المعاني وإن لم تكن بها إليها تجوزاً والعبيد موصى بهم في غير ما حديث يطول ذكرها، ويغنى عن ذلك اشتهارها، ومعنى {لا يحب} في هذه الآية لا تظهر عليه آثار نعمه في الآخرة ولا آثار حمده في الدنيا، فهي المحبة التي هي صفة فعل أبعدها عمن صفته الخيلاء والفخر، يقال خال الرجل يخول خولاً إذا تكبر وأعجب بنفسه، وأنشد الطبري: [المتقارب] شعر : فَإنْ كَنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فاذهَبْ فَخَلْ تفسير : قال القاضي أبو محمد: ونفي المحبة عمن هذه صفته ضرب من التوعد، وخص هاتين الصفتين هنا إذ مقتضاهما العجب والزهو، وذلك هو الحامل على الإخلال بالأصناف الذين تقدم أمر الله بالإحسان إليهم، ولكل صنف نوع من الإحسان يختص به، ولا يعوق عن الإحسان إليهم إلا العجب أو البخل، فلذلك نفى الله محبته عن المعجبين والباخلين على أحد التأويلين حسبما نذكره الآن بعد هذا، وقال أبو رجاء الهروي: لا تجده سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، والفخر عد المناقب تطاولاً بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَبِذِى الْقُرْبَى} المناسب، {وَالْيَتَامَى} جمع يتيم وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ الحلم، والمسكين: الذي ركبه ذل الفاقة حتى سكن لذلك، {وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَىَ} المناسب، أو القريب في الدين أراد به المسلم {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} الأجنبي لا نسب بينك وبينه، أو البعيد في دينه، والجنب في كلامهم: البعيد، ومنه الجنب لبعده عن الصلاة. {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} رفيق السفر، أو زوجة الرجل تكون إلى جنبه، أو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك. {وَابْنِ السَّبِيلِ} المسافر المجتاز، أو الذي يريد السفر ولا يجد نفقة، أو الضيف، والسبيل: الطريق فقيل لصاحب الطريق: ابن السبيل كما قيل لطير الماء: "ابن ماء". {مُخْتَالاً} من الخيلاء خال يخول خالاً وخولاً. {فَخُورًا} يفتخر على العباد بما أنعم الله به عليه من رزق وغيره.
النسفي
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } قيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } صنماً وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكاً {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وأحسنوا بهما إحساناً بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ } الذي قرب جواره {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } أي الذي جواره بعيد أو الجار القريب النسيب، والجار الجنب الأجنبي {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } أي الزوجة: عن عليّ رضي الله عنه. أو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر أو شريكاً في تعلم علم أو غيره أو قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } الغريب أو الضعيف {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } العبيد والإماء {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } متكبراً يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت إليهم {فَخُوراً } يعدد مناقبه كبراً فإن عدها اعترافاً كان شكوراً {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } نصب على البدل من «مَنْ كان مختالاً فخوراً» وجمع على معنى «من» أو على الذم، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره «هم الذين يبخلون» {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } «بالبَخَل»: حمزة وعلي وهما لغتان كالرشد والرشد أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء. قيل: البخل أن يأكل بنفسه ولا يؤكل غيره، والشح أن لا يأكل ولا يؤكل، والسخاء أن يأكل ويؤكل، والجود أن يؤكل ولا يأكل. {وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَٰهُمُٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال، وفي الحديث «حديث : إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى نعمته على عبده» تفسير : وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه. وقيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } أي يهانون به في الآخرة.{وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ } معطوف على «الذين يبخلون» أو على «الكافرين» {رِئَاء ٱلنَّاسِ } مفعول له أي للفخار وليقال ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهم المنافقون أو مشركو مكة {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً } حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك، وهذا كما يقال للعاق «ما ضرك لو كنت باراً» وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً } وعيد. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } هي النملة الصغيرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً } وإن يك مثقال الذرة حسنة. وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث. «حسنةٌ»: حجازي على «كان» التامة، وحذفت النون من «تكن» تخفيفاً لكثرة الاستعمال {يُضَـٰعِفْهَا } يضاعف ثوابها. «يضعفّها»: مكي وشامي {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } ويعط صاحبها من عنده ثواباً عظيماً، وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا قليلاً. وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة. {فَكَيْفَ} يصنع هؤلاء الكفرة من الهيود وغيرهم {إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد {عَلَىٰ هَٰـؤُلاء } أي أمتك {شَهِيداً } حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله:« وجئنا بك على هؤلاء شهيداً». فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : حسبنا . تفسير : {يَوْمَئِذٍ } ظرف لقوله {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله {وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ } لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها.« تسوى» بفتح التاء وتخفيف السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من «تتسوى»: حمزة وعلي. «تسوى» بإدغام التاء في السين: مدني وشامي {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. ولما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً وشراباً ودعا نفراً من الصحابة رضي الله عنهم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد» ونزل: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } أي لا تقربوها في هذه الحالة {حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } أي تقرأون، وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة، لأن قراءة سورة «الكافرين» بطرح اللامات كفر ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان، وما أمر النبي عليه السلام بالتفريق بينه وبين امرأته ولا بتجديد الإيمان، ولأن الأمة اجـتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً لا يحكم بكفره {وَلاَ جُنُباً } عطف على «وأنتم سكارى» لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً أي ولا تصلوا جنباً. والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } صفة لقوله «جنباً» أي لا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين غير مسافرين، والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين {حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين، عبّر عن المتيمم بالمسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو مروي عن علي رضي الله عنه. وقال الشافعي رحمه الله: لا تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد، ولا جنباً أي ولا تقربوا المسجد جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه، فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة. {وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَآئِطِ } أي المطمئن من الأرض وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة فكنى بن عن الحدث {أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاءَ } جامعتموهن كذا عن علي رضي الله عنه وابن عباس {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً } فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو{ فتيمّموا} أدخل في حكم الشرط أربعة وهم: المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة. والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعاً؛ فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه، والمسافرون إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب فلهم أن يتيمموا. «لمستم»: حمزة وعلي {صَعِيداً } قال الزجاج: هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره. و «من» في سورة المائدة لابتداء الغاية لا للتبعيض {طَيّباً } طاهراً {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } قيل: الباء زائدة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً } بالترخيص والتيسير {غَفُوراً } عن الخطأ والتقصير. {أَلَمْ تَرَ } من رؤية القلب وعدي «بإلى» على معنى «ألم ينته علمك إليهم» أو بمعنى «ألم تنظر إليهم»{إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ } يستبدلونها بالهدى وهوالبقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ } أنتم أيها المؤمنون {ٱلسَّبِيلَ } أي سبيل الحق كما ضلوه {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ } منكم {بِأَعْدَائِكُمْ } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً } في النفع {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } في الدفع فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم. و «ولياً» و «نصيراً» منصوبان على التمييز أو على الحال. {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، أو بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض، أن يتعلق بقوله «نصيراً» أي ينصركم من الذين هادوا كقوله {أية : وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا }تفسير : [الأنبياء: 77] أو يتعلق بمحذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فقوم مبتدأ و«يحرفون» صفة له، والخبر « من الذين هادوا»مقدم عليه، وحذف الموصوف وهو قوم وأقيم صفته، وهو {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها ــ مقامه وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طوال» مكانه. ثم ذكر هنا «عن مواضعه» وفي المائدة { أية : مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ }تفسير : [المائدة: 41] فمعنى «عن مواضعه» على ما بينا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه، ومعنى {مِن بَعْدِ مَوٰضِعِهِ } أنه كانت له مواضع هو جدير بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان متقاربان {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } قولك {وَعَصَيْنَا } أمرك قيل أسرّوا به {وَٱسْمَعْ } قولنا {غَيْرَ مُسْمَعٍ } حال من المخاطب أي اسمع وأنت غير مسمع وهو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئاً فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالاً على أن قولهم «لا سمعت» دعوة مستجـابة، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوه إليه ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً، أو إسمع غير مسمع كلاماً ترضاه فسمعك عنه ناب. ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك «أسمع فلان فلاناً» إذا سبه. وكذلك قوله {وَرٰعِنَا } يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي «راعينا» فكانوا سخرية بالدين وهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } فتلا بها وتحريفاً أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون «راعنا» موضع «انظرنا» و«غير مسمع» موضع «لا أسمعت مكروهاً»، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً {وَطَعْناً فِي ٱلدّينِ } هو قولهم: «لو كان نبياً حقاً لأخبر بما نعتقد فيه» {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ولم يقولوا وعصينا {وَٱسْمَعْ } ولم يلحقوا به غير مسمع {وَٱنْظُرْنَا } مكان «راعنا» {لَكَانَ } قولهم ذاك {خَيْراً لَّهُمْ } عند الله {وَأَقْوَمَ } وأعدل وأسد {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم قد آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إلا إيماناً قليلاً ضعيفاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واعبدوا الله} يعني وحدوه وأطيعوه وعبادة الله تعالى عبارة عن كل فعل يأتي به العبد لمجرد الله تعالى ويدخل فيه جميع أعمال القلوب وأعمال الجوارح {ولا تشركوا به شيئاً} يعني وأخلصوا له في العبادة ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكاً لأن من عبد مع الله غيره أو أراد بعمله غير الله فقد أشرك به ولا يكون مخلصاً (ق) عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير أو اسمه يعفور فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: "حديث : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا" تفسير : قوله هل تدري ما حق الله على عباده معناه ما يستحقه مما أوجبه وجعله متحتماً عليهم ثم فسر ذلك الحق بقوله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وقوله وما حق العباد على الله إنما قال حقهم على سبيل المقابلة لحقه عليهم لا لأنهم يستحقون عليه شيئاً ويجوز أن يكون من قول الرجل لصاحبه حقك عليّ واجب أي متأكد قيامي به. وقوله أفلا أبشر الناس إلخ إنما قال لا تبشرهم فيتكلوا. لأنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك أصلح لهم وأحرى أن لا يتلكوا على هذه البشارة ويتركوا العمل الذي ترفع لهم به الدرجات في الجنة. وقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً يعني برّاً بهما وعطفا عليهما وإنما قرن بر الوالدين بعبادته وتوحيده لتأكد حقهما على الولد. واعلم أن الإحسان بالوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة (ق) عن أبي هريرة قال: "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أبوك؟" تفسير : وفي رواية قال: "حديث : أمك ثم أباك ثم أدناك "تفسير : فأدناك قوله ثم أباك فيه حذف تقديره ثم بر أباك (م) عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة"تفسير : . قوله تعالى: {وبذي القربى} أي وأحسنوا إلى ذي القرابة وهو ذوو رحمه من قبل أبيه وأمه (ق) عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" تفسير : قوله ينسأ له في أثره يعني يؤخر له في أجله وعمره. وقوله تعالى: {واليتامى والمساكين} أي وأحسنوا إلى اليتامى وإنما أمر بالإحسان إليهم لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز والصغر وعدم المشفق والمسكين هو الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك (خ) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة" تفسير : هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر" تفسير : وقوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} أي وأحسنوا إلى الجار ذي القربى وهو الذي قرب جواره منك والجار الجنب هو الذي بعد جواره عنك وقيل الجار ذي القربى هو القريب والجار الجنب هو الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة: (ق) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" تفسير : وعن عائشة مثله (خ) حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما باباً منك" تفسير : (م) عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" تفسير : وفي رواية قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل البيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف" تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه" تفسير : ولمسلم "حديث : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" تفسير : البوائق الغوائل والشرور (ق) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" تفسير : معناه ولو أن تهدي إليها فرسن شاة وهو الظلف وأراد به الشيء الحقير (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"تفسير : . وقوله تعالى: {والصاحب بالجنب} قال ابن عباس هو الرفيق في السفر وقيل هي المرأة تكون معك إلى جنبك وقيل هو الذي يصحبك رجاء نفعك. عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وقوله تعالى: {وابن السبيل} يعني المسافر المجتاز بك الذي قد انقطع به وقال الأكثرون المراد بابن السبيل الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن إليه (ق) عن أبي شريح خويلد بن عمرو العدوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" تفسير : وقال: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" تفسير : زاد في رواية "حديث : ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قال: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال يقيم عنده ولا شيء عنده يقربه به" تفسير : قوله جائزته يومه وليلته الجائزة العطية أي يقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل وقيل هو أن يكرم الضيف فإذا سافر أعطاه ما يكفيه يوماً وليلة حتى يصل إلى موضع آخر وقوله أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه أي يوقعه في الإثم لأنه إذا أقام عنده ولم يقرِه أثم بذلك. وقوله تعالى: {وما ملكت أيمانكم} يعني المماليك فأحسنوا إليهم والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون ولا يؤذيهم بالكلام الخشن وأن يعطيهم من الطعام الكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة سيئ الملكة" تفسير : أخرجه الترمذي عن رافع بن مكيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حسن الملكة نماء وسوء الخلق شؤم" تفسير : أخرجه أبو داود وله عن علي بن أبي طالب قال حديث : كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" تفسير : (ق) عن المعرور بن سويد قال رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه حلة مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه سابّ رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنك امرؤ فيك جاهلية قلت على ساعتي هذه من كبر سني قال نعم هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه"تفسير : . وقوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالاً} المختال المتكبر العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الناس {فخوراً} الفخور هو الذي يفتخر على الناس ويعدد مناقبه تكبراً وتطاولاً على من دونه، وقيل هو الذي يفتخر على عباد الله بما أعطاه الله من نعمه ولا يشكره عليها وإنما ختم الله هذه الآية بهذين الوصفين المذمومين لأن المختال الفخور يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء فلا يحسن إليهم ولا يلوي بنظره عليهم ولأن المختال هو المتكبر ومن كان متكبراً فلا يقوم بحقوق الناس (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء" تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً"تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" تفسير : (خ) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم الفدادون هم الفلاحون والحراثون وأصحاب الإبل والبقر المستكبرون منهما المتكبرون على الناس بهما "
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناً...} العبادة: التذلُّل بالطَّاعة، وإِحساناً، مصدرٌ، والعاملُ فيه فِعلٌ، تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إِحساناً، وَبِذِي القُرْبَى: هو القريبُ النَّسَبِ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، قال ابنُ عبَّاس وغيره: والجَارُ ذو القربَى: هو القريبُ النَّسَبِ، والجَارُ الجُنُبِ: هو الجَارُ الأجنبيُّ، وقالَتْ فرقة: الجَارُ ذو القربَى: هو الجارِ القريبُ المَسْكنِ منْكَ، والجار الجُنُب هو البعيدُ المَسْكن منْكَ، والمُجَاورة مراتِبُ بعضُها أَلْصَقُ من بعض؛ أدناها الزَّوْجَة. قال ابنُ عباس وغيره: الصَّاحِبُ بالجَنْبِ: هو الرفيقُ في السَّفَر. وقال عليُّ بنْ أبي طالب، وابنُ مَسْعود، وابنُ أبي لَيْلَى وغيرهم: هو الزوجَةُ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الرجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه، وأسند الطبريُّ؛ "حديث : أنَّ رسولَ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وهُمَا عَلَى رَاحِلَتَيْنِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيْضَةً، فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ، أَحَدُهَمَا مُعْوَجٌّ، وخَرَجَ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ القَوِيمَ، وَحَبَسَ هُوَ المُعْوَجَّ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: كُنْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَقَّ بِهَذَا، فَقَالَ لَهُ: "يَا فُلاَنُ، إِنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ الآخَرَ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهِارٍ"تفسير : ، قلْتُ: وأسند الحافظ محمَّد بْنُ طاهرٍ المُقْدِسيُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ"تفسير : . انتهى من «صفوة التصوُّف». وفي الحديثِ الصحيح، عنِ ابْنِ عُمَر، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ"تفسير : ، أخرجه البخاريُّ، وأخرجه أيضاً من طريق عائشة (رضي اللَّه عنها) انتهى. وابنُ السَّبِيلِ: المسافرُ، وسُمِّيَ ابْنُهُ؛ للزومه له، ومَا مَلَكَتْ أيمانُكُمْ: هم العبيدُ الأَرِقَّاء. قال ابنُ العَرَبِيّ في «أحكامه»: وقد أمر اللَّه سبحانه بالرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إِلَيْهم؛ وفي «الصحيح» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: "حديث : إِخْوَانُكُمْ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ رِقَابَهُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُونَ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ"تفسير : . انتهى. ونفَى سبحانه محبَّته عَمَّنْ صفته الخُيَلاءُ والفَخْر، وذلك ضَرْبٌ من التوعُّد، يقال: خَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلاً، إِذا تكبَّر وأُعْجِبَ بنفسه، وخَصَّ سبحانه هاتَيْن الصفَتَيْن هنا؛ إِذ مقتضاهما العُجْبُ والزَّهْو، وذلك هو الحَامِلُ عَلَى الإِخلال بالأصْنَافِ الذين تَقدَّم أَمْرُ اللَّه بالإِحسان إِلَيْهم. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} الآية: قالتْ فرقةٌ: «الذين» في موضعِ نَصْبٍ بدلٍ مِنْ "مَنْ" في قوله: {مَن كَانَ مُخْتَالاً}، ومعناه؛ على هذا: يبخَلُونَ بأموالهم، ويأمرون الناس، يَعْنِي، إِخوانَهُمْ ومَنْ هو مَظِنَّة طاعتهم؛ بالبُخْل بالأموال أَنْ تُنْفَقَ في شَيْءٍ من وُجُوه الإِحسان إِلى مَنْ ذَكَر، {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، يعني: مِنَ الرِّزْقِ والمالِ، فالآيةُ، إِذَنْ، في المؤمنين، أي: وأما الكافِرُونَ فأعدَّ لهم عذاباً مُهِيناً، وروي أنَّ الآية نزلَتْ في أحبارِ اليَهُود بالمدينةِ؛ إِذ كتموا أَمْر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبَخِلُوا به، والتوعُّدُ بالعذابِ المُهِينِ لهم، و {وَأَعْتَدْنَا}: معناه يَسَّرْنَا وأحْضَرْنَا، والعَتِيدُ: الحَاضِرُ، والمُهِينُ: الذي يَقْتَرِنُ به خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكَى وأشدُّ على المُعَذَّبِ.
ابن عادل
تفسير : لمَّا أرشد كُلَّ وَاحِدٍ من الزَّوْجَيْنِ إلى المُعَاملة الحسنة [مع الآخر، أرشد في هَذهِ الآية إلى سَائِرِ الأخْلاَق الحَسَنة] وذكر منها [هَهُنا] عَشْرَة أنْوَاع: الأول: قوله - تعالى -: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} قال ابن عبَّاسٍ: وَحِّدُوهُ، واعلم أن العِبَادة عبارةٌ عن كل عَمَل يُؤْتَى به لمجَرَّد أمْر اللَّه - تعالى - بذلك، ولما أمَر بالعبَادَةِ، أمر بالإخلاصِ فيها: فقال {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}. قال القرطُبي: ذكر العُلَمَاء أن من تطهَّر [تَبَرُّداً] أو صام [حميَّة] لِمعدَتِهِ، ويرى مع ذَلِكَ التَّقرُّب لم يُجْزِه؛ لأنه مَزَج [نية] التَّقرُّب بنيَّة دُنْيَويَّة، ولذا إذا أحسَّ الإمام بداخِلٍ وهو رَاكِعٌ لم يَنْتَظِرْه، لأنه يُخْرِج ذكر [الله] بانتظاره عن كَوْنِه خالصاً - لله - تعالى. ثم قال {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وتقدم الكلام على نظير هذا في البَقَرَةِ، واتَّفقوا على أن ههنا مَحْذوفاً، والتَّقْدير: "وأحسنوا بالوالدين إحساناً"؛ كقوله: "فضرب الرقاب" أي: فاضْربُوها، وقرأ ابن أبي عَبْلَة: "إحسان" بالرَّفع على أنَّه مُبْتَدأ، وخبره الجَارّ [والمجرور] قَبْلَهُ. والمراد بهذه الجُملَةِ: الأمر بالإحسان وإن كانت خبريةً؛ كقوله - تعالى -: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} تفسير : [يوسف: 18]. قوله: {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه الأمَّة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة تأكيد فناسب ذلك هنا، بخلاف آية البَقَرَة، فإنَّها في حقِّ بني إسْرائيل، والمراد الأمْر بصلَة الرَّحم، كما ذكر في أول السُّورة بقوله: {أية : وَٱلأَرْحَامَ} تفسير : [النساء: 1]. واعلم أن الوَالِدَيْنِ من القَرَابة أيضاً، إلا أنَّهما لمّا تَخَصَّصَت قرابتهما بكَوْنِهمَا أقرب القَرَابات، لا جرم خصّهما بالذِّكْر. {وَٱلْيَتَامَىٰ} فاليتيم مَخْصُوص بنوعَيْن من العَجْز: أحدهما: الصِّغر. والثاني: عَدَمُ المُنْفِق، ومن هذا حَالهُ كان في غَايَة العَجْزِ واستِحْقَاقِ الرحمة. قوله {وَٱلْمَسَاكِينِ} فالمسْكين وإن كان عدِيم المالِ، إلا أنَّه لكبره يمكنه أن يَعْرض حالَ نَفْسَه على الغَيْرِ؛ فيجتلب به نَفْعَاً أو يدفعَ به ضرراً، وأما اليتيمُ، فلا قُدرة له؛ فلهذا المعنى قدَّم الله اليتيم في الذِّكر على المِسْكِين، والإحْسَان إلى المِسْكِين إما بالإجْمَالِ إلَيْهِ، وإمّا بالرَّدِّ الجميل، لقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} تفسير : [الضحى: 10]. وقوله: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} الجمهور على خفض الجارّ، والمراد به القَرِيب النَّسِيب، وبالجار الجُنُب: لبعيد النَّسِيب. وعن مَيْمُون بن مَهْرَان: والجار ذِي القُرْبَى، أُريد به الجارِ القريب، قال ابن عطيَّة: وهذا خطأ؛ لأنَّه على تأويله جمع بين ألَ والإضافة، إذ كان وَجْه الكَلاَمِ: وجار ذي القُرْبَى [الجار القريب]، ويمكن جوابُه على أن ذِي القُرْبَى، بدل من الجارِّ على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: والجار ذِي القُرْبَى؛ كقوله: [الخفيف]. شعر : 1793- نَصَرَ اللَّهُ أعْظُماً دَفَنُوهَا بسجِسْتَانَ طَلحة الطَّلحَاتِ تفسير : أي: أعْظُم طَلْحَة، [ومن كلامهم]: لو يعلمُون العِلْم الكبيرة سنة، أي: علم الكبيرة سنّه، فحذف البَدل لدلالة الكلام عليه. وقرأ بعضهم: "والجار ذا القربى" نصباً، وخرجه الزَمَخْشَرِي على الاخْتِصَاص لقوله - تعالى -: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] والجُنُب صِفَة على فُعُل، نحو: "ناقة سُرُح"، ويَسْتَوي فيه المُفْرَدَ والمثَنَّى والجُمُوع، مذكراً أو مؤنَّثاً، نحو: "رجال جنب" وقال - تعالى -: {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} تفسير : [المائدة: 6]، وبعضهم يثنيه ويجمعه، ومثله: شُلُل، وعن عَاصِم: والجَار الجَنْبِ، بفتح الجيم وسُكُون النون وهو وَصْفٌ أيضاً بمعنى المُجَانِب، كقولهم: رجل عَدْل، وألفُ الجَار عن واو؛ لقولهم: تجاورُوا، وجَاوَرْتُه، ويُجْمَع على جيرة وجِيَران، والجَنَابَةِ البُعْد؛ قال [الطويل] شعر : 1794- فَلاَ تَحْرمَنِّي نَائلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القبابِ غَريبُ تفسير : لأن الإنْسَان يُتركُ جَانباً، ومنه {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35]، وأصله من الجَنَابَة، ضِدّها القَرَابَة، وهو البُعْدُ، يقال: رَجُلٌ جُنُبٌ، إذا كان غريباً مُتَبَاعِداً عن أهله، ورَجُل أجْنَبِيٌّ، وهو البَعيد منك في القَرَابة، ومنه الجَنَابَة من الجِمَاع؛ لتباعده عن الطَّهَارَةِ وعن الصَّلاة حَتَّى يَغْتَسِل، وهذان الجنبانِ؛ لبُعْد كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر. فصل: في الإحسان إلى الجار قالت عَائِشَة - رضي الله عنها -: حديث : يا رسُول اللَّه، إن لي جارَيْن، فإلى أيهما أُهْدِي، قال: إلى أقربِهِمَا منكِ باباًتفسير : وعن ابْن عُمر؛ قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زال جِبْريلُ يُوصِيني بالجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ"تفسير : وقال - عليه السلام -: "حديث : لا يَدْخُلُ الجَنَّة من لا يَأمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ، ألاَ وَإنَّ الجَوارَ أرْبَعُون" تفسير : وكان الزهري يقول: أرْبَعُون يَمْنَة، وأربعون يَسْرَة، وأربعون أمَامَه، وأرْبَعُون خَلْفه. وعن بي هُرَيْرَة - رضي الله عنه -: حديث : قيل: يا رسُول الله، إن فُلانَة تَصُوم النَّهار وتصلي بالَّيْلِ، وفي لِسَانِها شَيءٌ يؤذي جِيرانَهَا، [فقال: "لا يَحْفَظُ] حق الجَارِ إلا مَنْ رَحم اللَّه، وقليل ما هُم، أتدرون ما حَقُّ الجَارِ: إن افْتَقَر أغْنَيْتَه، وإن استقْرَضَ أقْرَضْتَه، وإن أصابه خير هَنَّيْتَه، وإن أصَابه شَرٌّ عَزَّيته، وإن مَرِض عُدْتَه، وإن مَاتَ شَيَّعْت جَنَازته ". تفسير : وقال نَوْف الشَّامِي: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المُسْلِم، [والجار] الجُنُب: اليَهُودي والنَّصْرَاني. قال القرطبي: وعلى هذه فالوصاية بالجارِ، مأمُورٌ بها مَنْدُوب إليها، مسلِماً كان أو كَافِراً، وهو الصَّحيح، والإحْسَان قد يكون بِمَعْنَى المُوَاسَاة، وقد يكون بِمَعْنَى حُسْن العِشْرَةِ، وكَفّ الأذَى، والمُحَامَاة دُونَه. وقال - عليه الصلاة والسلام -: حديث : الجيرَان [ثلاثة:] فجارٌ له ثلاثة حُقُوقٍ، وجار له حَقَّان وجارٌ له حَقٌّ واحد . تفسير : فأما الجار الَّذِي له ثلاَثَةُ حُقُوقٍ: فالجار القَريب المُسْلِم، له حقُّ الجِوار، وحق القَرَابَة، وحَقّ الإسْلام. والجارُ الذي له حَقَّان: فهو الجَار المُسْلِم فله حق الإسلام، وحق الجِوَارِ. والجار الذي له حَقٌّ واحد: هو الكَافِر، له حق الجِوَار. وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} هو القريب المَسْكَن منك، {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} هو البعيد المَسْكَن منك. قال القَرْطُبِي: وأحَاديثُ إكرامِ الجَارِ جاءت مُطْلَقَةٌ غير مُقَيَّدة، حتى الكَافِر وفي الخبر حديث : قالُوا: يا رسُول اللَّه، أنطعمهم من لُحُوم النُّسُك؟ قال: "لا تطعم المشركين من نسك المسلمين"تفسير : . فنهيه - عليه السلام - عن إطْعَام المُشْرِكين من نُسُك المُسْلِمِ، يحتمل النُّسُك لوَاجب الذي لا يجُوزُ للنَّاسِك أن يَأكُل مِنْهُ، ولا أن يُطْعِمَهُ الأغْنِيَاء، فأما غير الوَاجِبِ الذي يُجْزِيه إطعام الأغنياء، فيجوز أن يُطعِمَهُ أهْل الذِّمَّة حديث : قال - عليه الصلاة والسلام - لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - عند تفريقِ لَحْمِ الأضحِيَة: "أهْدِي جَارَنَا اليَهُودِيّ" . تفسير : قوله: {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال مُجاهد، وابن عَبَّاس، وعِكرمة، وقتادة: يعني: الرفيق في السَّفَر، وقال عَلِيّ وعبد الله، والنَّخعِي: وهو المرْأة تكون إلى جِنْبِهِ. وقال ابن جُرَيْج، وابن زِيْد: هو الذي يَصْحَبُك رجاء نَفعِك، وقيل: هو الَّذِي صحبك إما رفيقاً في سَفَرٍ، وإما جًاراً مُلاصِقاً، وإما شريكاً في تَعَلُّم أو حرْفَة، وإما قاعداً إلى جَنْبِك في مَجْلس وَاحِدٍ أو مَسْجِد أو غير ذلك، من أدْنى صُحْبَة التأمَت بينك وبَيْنَه. وقوله: {بِٱلجَنْبِ} في الباء وجْهَان: أحدهما: أن تكون بمعنى "في". والثاني: أن تكون على بَابِها وهو الأوْلَى، وعلى كلا التَّقْدِيرَيْن تتعلّق بمحذُوف؛ لأنها حَالٌ من الصَّاحِبِ. قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} قيل: هو المُسافِرِ الذي انْقَطع عن بلده، وقيل: هو الضَّيْف، قال - عليه السَّلام -: "حديث : من كان يُؤمِن باللَّه واليَوْمِ الآخر فليُكْرِم ضَيْفَهُ ". تفسير : وقوله: {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْْ} تفسير : [النساء: 3] يجوز أن يُرَاد بـ "ما" غير العَبِيد والإمَاء حَمْلاً على الأنْوَاع؛ لقوله - تعالى - {أية : مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3] وأن يكون أُريد جميع ما مَلَكَهُ [الإنسان] من الحَيَوانات، فاختلط العَاقِلُ بغيره، فأتى بـ "ما". فصل روت أمّ سَلَمة - رضي الله عنها -: حديث : قالت: كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في مَرَضِه: "الصَّلاة وما ملكت أيمانكم"تفسير : وقال - عليه السلام -: حديث : هم إخْوَانكُم جَعَلهم الله تَحْتَ أيْدِيكم، فمن جعل اللَّه أخَاه تحت يَده، فَلْيُطْعِمْه ممّا يَأكُل، وليلبسه مما يَلْبِس، ولا يُكَلِّفْه من العَمَل ما يغلبه [فإن كَلَّفَهُ مَن العَمَل مَا يغلبه] فَلْيُعِنْهُ عليه . تفسير : ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}: المُخْتَال هو ذُو الخُيَلاَء والكِبْر. قال أهل اللغة: هو التيَّاه، والمُخْتَال اسم فاعِلٍ من اخْتَال يَخْتَال، أي: تَكَبَّر وأعْجِب بنَفْسِهِ، وألفهُ عن ياءٍ؛ كقولهم: الخُيَلاَءُ والمَخِيلَة، وسُمِع أيضاً: خَالَ الرَّجُل يخال خَوْلاً بالمعنى الأوَّل، فيكون لهذا المَعْنَى مَادَّتَان خَيَلَ وَخَوَلَ. قال ابن عبَّاس: "يريد المُخْتَال العَظِيم في نَفْسِهِ، الذي لا يَقُوم بحقُوقُ أحَد". والفَخُور صيغة المُبَالَغَة، وهو الَّذِي يعد مَنَاقِب نَفْسِه ومحاسنه، وقال ابن عبَّاس: الفَخُور الذي يَفْخَر على عِبَاد الله بما أعْطَاه من أنْواع نِعَمِهِ. وقال - عليه السلام -: حديث : بينما رجل يتبختر في بردين، وفد أعْجَبَتْه نَفْسُه، خسف الله به الأرْض، فهو يتجْلجَل فيها إلى يَوْم القِيَِامَة . تفسير : وقال - عليه السلام -: "حديث : لا يَنْظُر اللَّه إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيْلاَء يوم القِيامَة".
البقاعي
تفسير : ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها، فكان التقدير حتماً: فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو {أية : وسئلوا الله من فضله}تفسير : [النساء: 32] أو على {اتقوا ربكم} الخُلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: {واعبدوا الله} أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر. ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكداً لما أفهمه ما قبله: {ولا تشركوا به شيئاً}. ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته؛ أمره بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال - مشيراً إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعماً على من عداه -: {وبالوالدين} أي وأحسنوا بهما {إحساناً} وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه. ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له: {وبذي القربى} لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره فقال: {واليتامى والمساكين} أي وإن لم تكن رحمهم معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره {والجار ذي القربى} أي لأن له حقين {والجار الجنب} أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفاً من بالغ مضرته "اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول" {والصاحب الجنب} أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة {وابن السبيل} أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته {وما ملكت أيمانكم} أي من العبيد والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة "آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم". ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من منعه معللاً للأمر به بقوله: {إن الله} أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى {لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب مع {من كان مختالاً} أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء، ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم. ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص: {فخوراً *} مبالغاً في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء, وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس واحدة، والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول. ولما كان الاختيال والفخر على الفرح بالأعراض الفانية والركون إليها والاعتماد عليها، فكانا حاملين على البخل خوفاً من زوالها؛ قال واصفاً لهم بجملة من الأخلاق الرديئة الجلية، ذلك منشأها: {الذين يبخلون} أي يوقعون البخل بما حملهم من المتاع الفاني على الفخار، وقصره ليعم كتم العلم ونحوه؛ ثم تلا ذلك بأسوأ منه فقال {ويأمرون الناس بالبخل} مقتاً للسخاء، وفي التعبير بما هو من النوس إشارة إلى أنهم لا يعلقون أطماعهم بذلك إلا بذوي الهمم السافلة والرتب القاصرة، ويحتمل أن يكون الأمر كناية عن حملهم غيرهم على البخل بما يرى من اختيالهم وافتخارهم عليهم؛ ثم أتبع ذلك أخبث منه، وهو الشح بالكلام الذي لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار الافتقار فقال: {ويكتمون ما أتاهم الله} أي الذي له الجلال والإكرام {من فضله} أي من العلم جاحدين أن يكون لهم شيء يجودون به. قال الأصبهاني: ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية لله سبحانه وتعالى ولا يرضى بالقضاء. ثم عطف على {إن الله لا يحب} ملتفتاً إلى مقام التكلم، دلالة على تناهي الغضب وتعييناً للمتوعد، مصرحاً بمظهر العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم الأعظم قوله: {وأعتدنا} أي أحضرنا وهيأنا، وكان الأصل: لهم، ولكنه قال - تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، وإعلاماً بأن ذلك حامل على الكفر -: {للكافرين} أي بفعل هذه الخصال كفراً حقيقياً بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية، أو مجازياً بكتمان النعمة {عذاباً مهيناً *} أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر". ولما ذم المقترين، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفاً على {الكافرين} أو {الذين يبخلون} معرفاً أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان: فرقة يمنعون النفقة أصلاً، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء، فيعدمون بذلك روحها -: {والذين ينفقون} وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم بقوله: {أموالهم} ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله: {رئاء الناس} أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات المشاهدات. ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل، ذكر الحامل عليه مشيراً إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد، وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال: {ولا يؤمنون بالله} وهو الملك الأعظم. ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن أشير إليهم في البقرة، أكد بزيادة النافي فقال: {ولا باليوم الآخر} الحامل على كل خير، والنازع عن كل شر. ولما كان التقدير: فكان الشيطان قرينهم، لكفره بإعجابه وكبره؛ عطف عليه قوله: {ومن يكن الشيطان} أي وهو عدوه البعيد من كل خير، المحترق بكل ضير {له قريناً} فإنه يحمله على كل شر، ويبعده عن كل خير؛ وإلى ذلك أشار بقوله: {فساء قريناً *} ولما كان التقدير: فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر ولا نفع بيده؟ عطف عليه قوله تعنيفاً لهم وإنكاراً عليهم: {وماذا عليهم} أي من حقير الأشياء وجليلها {لو آمنوا بالله} أي الذي له كل كمال، وبيده كل شيء {واليوم الآخر} الحامل على كل صلاح {وأنفقوا}. ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير، فقال: {مما رزقهم الله} الذي له الغنى المطلق والجود الباهر، ولما كان التقدير: فقد كان الله عليهم لما بذروا أموالهم قديراً، عطف عليه قوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال {بهم} أي في كلتا الحالتين {عليماً *} أي بليغ العلم، وللإعلام بعظمة العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين. وأشار بالسبابة والوسطى ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين. وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد عن عمرو بن مالك القشيري. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين. وقرن بين أصبعيه ". تفسير : وأخرج الحكيم والترمذي عن أم سعد بنت مرة الفهرية عن أبيها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا وكافل اليتيم له أو لغيره إذا اتقى الله في الجنة كهاتين، أو كهذه من هذه ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس في قوله {والجار ذي القربى} يعني الذي بينك وبينه قرابة {والجار الجنب} يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نوف الشامي في قوله {والجار ذي القربى} قال: المسلم {والجار الجنب} قال: اليهودي والنصراني. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: "حديث : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير فيها، هي من أهل النار. قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتصدق بأثوار، ولا تؤذي أحداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي من أهل الجنة ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه "حديث : عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: لا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى. وأخرج البخاري في الأدب عن الحسن أنه سئل عن الجار فقال: أربعين داراً أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره. وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رجل: "حديث : يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني. فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق. فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه، فبلغه فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبداً ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن أبي جحيفة قال: "حديث : شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاره فقال: احمل متاعك فضعه على الطريق فمن مر به يلعنه. فجعل كل من يمر به يلعنه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لقيت من لعنة الناس؟ فقال: إن لعنة الله فوق لعنتهم، وقال للذي شكا: كفيت أو نحوه ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن ثوبان قال: ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: جار لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: فما بوائقه؟ قال: شره ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود مرفوعاً "حديث : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فمن أعطاه الإيمان فقد أحبه والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه "تفسير : . وأخرج أحمد والحاكم عن عمر. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يشبع الرجل دون جاره ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "تفسير : . وأخرج أحمد من طريق أبي العالية حديث : عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة. فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: "أوقد رأيته؟ قلت: نعم. قال: أتدري من هو؟ قلت: لا. قال: ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، ثم قال: أما أنك لو سلمت رد عليك السلام" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من جار سوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي لبابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا قليل من أذى الجار ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والبيهقي عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، وقال ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله {والصاحب بالجنب} قال: الرفيق في السفر. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد. مثله. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم {والصاحب بالجنب} قال: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك. وأخرج ابن جرير من طريق ابن أبي فديك عن فلان بن عبد الله عن الثقة عنده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في غيضة طرفاء، فقطع نصلين أحدهما معوج والآخر معتدل، فخرج بهما، فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوج فقال الرجل: يا رسول الله أنت أحق بالمعتدل مني! فقال: كلا يا فلان، إن كل صاحب يصحب صاحباً مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن جرير والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي في قوله {والصاحب بالجنب} قال: المرأة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما ملكت أيمانكم} قال: مما خوّلك الله فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وما ملكت أيمانكم} يعني من عبيدكم وإمائكم، يوصي الله بهم خيراً أن تؤدوا إليهم حقوقهم التي جعل الله لهم. وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالمملوكين خيراً ويقول: أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسكم، ولا تعذبوا خلق الله ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء. أنه رؤى عليه برد وثوب أبيض، وعلى غلامه برد وثوب أبيض. فقيل له... فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والبيهقي في الشعب عن علي قال: كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي رافع قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "حديث : الله الله وما ملكت أيمانكم، والصلاة. فكان ذلك آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن أم سلمة قالت: "حديث : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه" "تفسير : . وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: "كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: "حديث : الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه" "تفسير : . وأخرج عبد الرزاق ومسلم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الفقير عند الغني فتنة، وإن الضعيف عند القوي فتنة، وإن المملوك عند المليك فتنة، فليتق الله وليكلفه ما يستطيع، فإن أمره أن يعمل بما لا يستطيع فليعنه عليه، فإن لم يفعل فلا يعذبه ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لاءمكم من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوهم ولا تعذبوا خلق الله ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن رافع بن مكيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سوء الخلق شؤم، وحسن الملكة نماء، والبر زيادة في العمر، والصدقة تدفع ميتة السوء ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة سيء الملكة ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عمر قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم نعفو عن العبد في اليوم؟ قال: سبعين مرة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فليمسك ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تضربوا الرقيق فإنكم لا تدرون ما توافقون ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حق امرأتي عليّ؟ قال: تطعمها مما تأكل، وتكسوها مما تكتسي، قال: فما حق جاري عليّ؟ قال: تنوسه معروفك، وتكف عنه أذاك. قال: فما حق خادمي عليّ؟ قال: هو أشد الثلاثة عليك يوم القيامة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "حديث : أرقاءكم، أرقاءكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم "تفسير : ، كذا قال ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال عبد الرزاق وأحمد بن عبد الرحمن بن يزيد". وأخرج عبد الرزاق عن داود بن أبي عاصم قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صه، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما في السماء موضع كف - أو قال شبر - إلا عليه ملك ساجد، فاتقوا الله، وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن جاؤوا بشيء من أخلاقهم يخالف شيئاً من أخلاقكم فولوا شرهم غيركم ولا تعذبوا عباد الله ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: "حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي مسعود الأنصاري وهو يضرب خادمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والله لله أقدر عليك منك على هذا. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمثل الرجل بعبده فيعور، أو يجدع. قال: أشبعوهم ولا تجيعوهم، واكسوهم ولا تعروهم. ولا ولا تكثروا ضربهم فإنكم مسؤولون عنهم، ولا تعذبوهم بالعمل، فمن كره عبده فليبعه ولا يجعل رزق الله عليه عناء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق ومسلم عن زاذان قال: كنت جالساً عند ابن عمر فدعا بعبد له فأعتقه ثم قال: ما لي من أجره ما يزن هذا - وأخذ شيئاً بيده - إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من ضرب عبداً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سويد بن مقرن قال: "حديث : كنا بني مقرن سبعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا خادمة ليس لنا غيرها، فلطمها أحدنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقوها. فقلنا: ليس لنا خادم غيرها يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تخدمكم حتى تستغنوا عنها ثم خلوا سبيلها ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن عمار بن ياسر قال: لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: أشد الناس على الرجل يوم القيامة مملوكه. وأخرج عبد الرزاق والترمذي وصححه عن أبي مسعود الأنصاري قال: بينا أنا أضرب غلاماً لي، إذ سمعت صوتاً من ورائي، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : والله لله أقدر عليك منك على هذا. فحلفت أن لا أضرب مملوكاً لي أبداً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: "حديث : بينا رجل يضرب غلاماً له وهو يقول: أعوذ بالله وهو يضرب، إذ بصر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ برسول الله. فألقى ما كان في يده وخلى عن العبد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما والله لله أحق أن يعاذ، من استعاذ به مني؟ فقال الرجل: يا رسول الله فهو لوجه الله. قال: والذي نفسي بيده لو لم تفعل لدافع وجهك سفع النار ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن التيمي قال: حلفت أن أضرب مملوكة لي فقال لي أبي: إنه قد بلغني أن النفس تدور في البدن فربما كان قرارها الرأس، وربما كان قرارها في موضع كذا وكذا - حتى عدد مواضع - فتقع الضربة عليها فتتلف فلا تفعل. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المتوكل الناجي. أن أبا الدرداء كانت لهم وليدة، فلطمها ابنه يوماً لطمة فأقعده لها وقال: اقتصي... فقالت: قد عفوت... فقال: إن كنت عفوت فاذهبي فادعي من هناك من حرام فأشهديهم أنك قد عفوت. فذهبت فدعتهم فأشهدتهم أنها قد عفت. فقال: اذهبي فأنت لله وليت آل أبي الدرداء ينقلبون كفافاً. وأخرج أحمد عن أبي قلابة قال: دخلنا على سلمان وهو يعجن، قلنا: ما هذا؟ قال: بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {إن الله لا يحب من كان مختالاً} قال: متكبراً {فخوراً} قال: بعدما أعطي وهو لا يشكر الله. وأخرج أبو يعلى والضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضاً، وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيتي وبين أزواجي أو لأغشيّن الناس عنقاً واحداً. فيقولون: ومن أزواجك؟ فتقول كل متكبر جبار، فتخرج لسانها فتلقطهم به من بين ظهراني الناس، فتقذفهم في جوفها ثم تستأخر، ثم تقبل يركب بعضها بعضاً وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي لتخلي بيني وبين أزواجي أو لأغشين الناس عنقاً واحداً. فيقولون: ومن أزواجك؟ فتقول: كل مختال فخور، فتلقطهم بلسانها من بين ظهراني الناس فتقذفهم في جوفها، ثم تستأخر ويقضي الله بين العباد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عتيك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله. فأما الغيرة التي يجب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة. وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل بنفسه في الفخر والبغي ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه "حديث : عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة قلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: عليك السلام تحية الميت، سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم، أي هكذا فقل. قال فسألته عن الإزار؟ فأقنع ظهره وأخذ بمعظم ساقه فقال: ههنا ائتزر، فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك، فإن أبيت فههنا فوق الكعبين، فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور. فسألته عن المعروف، فقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض. وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه فلا تسبه فيكون أجره لك ووزره عليه، وما سَرَّ أذنك فاعمل به، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه ". تفسير : وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن مطرف بن عبد الله قال: قلت لأبي ذر: بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم أن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة. قال: أجل... قلت: من الثلاثة الذين يحبهم الله؟ قال: رجل غزا في سبيل الله صابراً محتسباً مجاهداً فلقي العدو فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل. ثم قرأ هذه الآية {أية : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} تفسير : [الصف: 4]، ورجل له جار سوء يؤذيه فصبر على آذاه حتى يكفيه الله إياه إما بحياة وإما بموت، ورجل سافر مع قوم فأدلجوا حتى إذا كانوا من آخر الليل وقع عليهم الكرى فضربوا رؤوسهم، ثم قام فتطهر رهبة لله ورغبة فيما عنده. قلت: فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: المختال الفخور، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم تلا {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} قلت: ومن؟ قال: البخيل المنان. قلت: ومن؟ قال: البائع الحلاف". وأخرج ابن جرير عن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا {وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً وتلا {أية : وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً} تفسير : [مريم: 32]. وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب. مثله. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي والباوردي والطبراني وابن أبي حاتم "حديث : عن رجل من بلجبيم قال: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: إياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة ". تفسير : وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه "حديث : عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} فذكر الكبر فعظمه، فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي. قال: فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس ". تفسير : وأخرج أحمد عن سمرة بن فاتك. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : نعم الفتى سمرة، لو أخذ من لمنة وشمر من مئزره ".
ابو السعود
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبـيان الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الوالدين والأقاربِ ونحوِهم إثرَ بـيانِ الأحكامِ المتعلقةِ بحقوق الأزواجِ، صُدِّر بما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكَدُ الحقوقِ وأعظمُها تنبـيهاً على جلالة شأنِ حقوقِ الوالدين بنظمها في سلكها في سائر المواقعِ وشيئاً نُصب على أنه مفعول أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيرَه أو على أنه مصدرٌ أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي أحسنوا إليهما إحساناً {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي بصاحب القرابةِ من أخ أو عمَ أو خالٍ أو نحو ذلك {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ} من الأجانب {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي الذي قرُب جوارُه وقيل له: مع الجِوار قُربٌ واتصالٌ بنسب أو دِين وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحق الجارِ ذي القربى {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} أي البعيدِ أو الذي لا قرابةَ له وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : الجيرانُ ثلاثةٌ، فجارٌ له ثلاثةُ حقوقٍ: حقُّ الجِوارِ وحقُّ القرابةِ وحق الإسلامِ وجارٌ له حقان: حقُّ الجوارِ وحقُّ الإسلام وجارٌ له حقٌّ واحدٌ وهو حقُّ الجِوارِ وهو الجارُ من أهل الكتابِ» تفسير : وقرىء والجار الجنب {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} أي الرفيقِ في أمر حسنٍ كتعلُّم وتصرُّف وصناعةٍ وسفرٍ فإنه صحِبَك وحصل بجانبك، ومنهم من قعد بجنبك في مسجد أو مجلسٍ أو غيرِ ذلك من أدنى صحبةٍ التَأَمَتْ بـينك وبـينه. وقيل: هي المرأةُ {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} هو المسافرُ المنقطِعُ به أو الضيفُ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من العبـيد والإماءِ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} أي متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانِه وأصحابِه ولا يلتفت إليهم {فَخُوراً} يتفاخرُ عليهم، والجملةُ تعليلٌ للأمر السابق.
التستري
تفسير : قوله: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}[36] قال: أما ظاهرها فالجار الجنب: البعيد الأجنبي، والصاحب بالجنب: هو الرفيق في السفر، وقد قيل الزوجة، وابن السبيل: الضيف، أما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [الآية: 36]. قال أبو عثمان رحمه الله: حقيقة العبودية قطع العلائق والشركاء عن الشرك. وقال الجنيد رحمه الله: إذا أحزنك أمر فأول خاطر تستغيث به فهو معبودك. وقال الواسطى رحمه الله: الشرك رؤية التقصير والعثرة من نفسه والملامة عليها. يُقال لها: لزمت الملامة من تولى إقامتها ومن قضى عليها العثرة. وقال ابن عطاء رحمه الله: الشرك أن تطالع غيره أو ترى سواه ضراً ونفعاً. وقال بعضهم رحمه الله: العبادة أصلها ستة: التعظيم والحياء والخوف والبكاء والمحبة، والهيبة، من لم يتم له هذه المقامات لم تتم له العبودية. وقال الطيب البصرى رحمه الله: من لم يدرج وفاء العبودية فى عز الربوبية، لم تصف له العبودية. وقال بعضهم رحمه الله: العبودية خلع الربوبية وهى جوهرة تظهر الربوبية من غير علة. وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: دللهم ثم ذللهم ليعرفوا بالدّل فاقة العبودية، وبالذُّل عز الربوبية. وقال ابن عطاء رحمه الله: العبودية ترك الاختيار وملازمة الذل والافتقار. وقال أيضًا: العبودية ترك الاختيار وهى جامعة لأربع خصال: الوفاء بالعهود والحفظ للحدود والرضا بالموجود والصبر عن المفقود. وقال الجنيد رحمه الله: العبودية ترك المشيئة ومن خرج من قال بالعبودية صنع به ما يصنع بالآبق. وقال بعضهم رحمه الله: العبودية بناؤها على ستة خصال: التعظيم وعنده الإخلاص، والحياءُ وعنده اضطراب القلوب، والمحبة وعندها الشوق، والخوف وعنده ترك الذنوب، والرجاء وعنده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتخلق بأخلاقه، والهيبة وعنده ترك الاختيار. قوله عز وجل: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}. قال سهل رحمه الله: الجار ذى القربى هو القلب، والجار الجنب هى النفس، والصاحب بالجنب وهو العقل الذى ظهر على اقتداء السنة والشرع، وابن السبيل الجوارح المطيعة لله عز وجل.
القشيري
تفسير : قوله: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر. {وَلاَ تُشْرِكُواْ} الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه، وخفِيُّه: ملاحظةُ موجود سواه، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذوة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع. ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم - كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي. قوله: {وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ} الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشْرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن في طبقتهم - رُقِّيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه. قوله: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}... الآية من جيرانك (....) فلا تؤذهما بعصيانك، وراعِ حقهما بما تُولِي عليهما من إحسانك. فإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك - وهو قلبك - أوْلى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به. وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك - وهو روحك - أوْلى أن تحامي على حقِّها، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك - وهو سِرُّك - أوْلى أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات. قوله: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوي التحقيق. قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}... الآية البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار في زمان الاضطرار. وأمرُ الناسِ بالبخل معناه مَنْعُهم عن مطالبات الحقائق في معرِض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فَمَن نصحه بأن يقول: "ربما لا تَقْوَى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكدياً، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كَلاًّ على المسلمين - ويَرْوِي له في هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا..." فلولا بُخْلُه المستكن في قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه بَدَلَ أن يمنع عنه ما (يجب أن) يقول في معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المُسْتَضْعَفِ بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة في الشرع. وقوله: {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}: إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوَّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعاً في الزيادة على غير وجه الإذن. ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريدٌ شيئاً عندهم فيه نجاته، وضنوا عليه بإرشاده. ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخْلُ الفقراء بمنع الهمة.
البقلي
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} امر بشيئين العبودية والاخلاص فى العبودية ولا تكون العبادة مع الشرك ولا يكون الاخلاص والتوحيد بغير العبادة فطلب التوحيد بنعت افراد القدم عن الحدوث ونفى الانداد والاضداد وطلب العبادة المقرونة بهذا التوحيد ليكون العبادة موافقا للتوحيد ويكون التوحيد موافقا لتنزيه القدم خلق النفس مع حظها وامر العباد بتقديس حظ اليقين عن اليقين ويكف يكون تبديل الخلق وطبع النفس ان يكون مائلا الى غير الله الى اطلبوا تقديس الاسرار فى كشوف الانوار فانى قادر على ان ازمها بازمة الوحدانية واسيرها خاضعة لفردانتيى وايضا اعبدوا الله له لا على روية العوض والعبادة فانهما شرك العارفين واعبدوه على روية التقصير فانه عبادة الموحدين وايضا شغلهم منه به ولواجبهم بلاحب البالغ اسكرهم بشراب القرب والمشاهدة واوقعهم فى بجار القدم بعد خروجهم من العدم وهذا أخر الامر فى المحبة والمعرفة الا ترى كيف وقع بالامتحان من اهل الجنة واخبر عنهم بما وجدوا من راجة القرب والمشاهدة بغير نصب الامتحان الذى احلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فها لغوب قال ابو يزيد ان الله سبحانه نظر فى العالم فلم ير اهلا لمعرفته فشغلهم بعبادته قال ابو عثمان حقيقة العبودية قطع العلائق والشركاء عن شرك وقال الواسطى الشكر روية التقصير والعزة من نفسه والملامة عليها يقال له الزمت الملامة من تولى اقامتا ومن قضى عليها الشره وقال بعضهم العبودية فناؤك مشاهدتك فى مشاهدتك من تعبده قوله تعالى {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الوالدين مشائخ المعرفة واحسان المريدين اليهم بوضع اعناقهم عند ساحاتهم بنعت ترك مخالفتهم فى جميع الانفاس مع نشر فضائلهم عند الخلق والد عالهم بمزيد القرب قال الجنيد امرنى ابى امروا مرنى السرى امر فقدمت امر السرى على امرابى وكل ما وجدت فهو من بركاته قوله {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} اى اخوان المحبة من اهل قرية الله {وَٱلْيَتَامَىٰ} اهل فرقة الله الذين وقعوا فى الفترة وأفة الشهوة واحتجبوا بها عن المشاهدة فاحسانهم ترضيهم الى طاعة مولاهم وتشويقهم الى مشاهدة سيدهم مع التلطف وانطلاقه فى دعائهم الى الله ومن مات استاده قبل بلوغه الى درجة القوم فهويتهم المعرفة والاحسان اليه لزينته باداب القوم لئلا ينقطع عن الطريق قوله تعالى {وَٱلْمَسَاكِينِ} اراد به السالكين غير المجذوبين فان المسالكين سلكوا طريق المقامات بالمجاهدات واحسانهم كشف اسرارهم المشاهدات عندهم يقع اثار المحبة فى قلوبهم فيسكنون عن المجاهدات الظاهرة ويطلبون الحق بالقلوب الحاضرة والاسرار الظاهرة ليصلوا بطرفة عين الى مقام لا يصلون اليه بالف سنة بالمجاهدة والرياضة وايضا المساكين الذين وقفوا على باب العظمة وتاهوا فى اودية الصفة وتحيروا فى بيداء القدم ولم تجدوا سبيلا الى مرادهم الكلى لظهور النكرة فى المعرفة والمعرفة فى النكرة فامر الله سبحانه ان يواسيهم بما يفرح عنهم اثقال العظمة بروح القلوب وذلك المجالة بالسماع مع صوت طيب ورائحة طيبة بين كرام المعارف واشراف الكواشف ليستانسوا بالسماع ساعة كيلا يحترقوا بنيران الكبرياء قال عليه السلام روحوا قلوبكم ساعة فساقة امرهم بالنشاط بالله على الله لعلمه باختراف اهل الجلال والعظمة فاشفق عليهم وامنرهم بالتوسع وفتح عليهم باب الرخص زيادة تشوقهم ومحبتهم جماله تعالى {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} اى احسنوا الى من كان مقامه موفقا لمقاماتكم لانه فى طريق المعرفة جار قربة الله وهو قربكم فى محبة الله وايضا الجار ذى القربى هو الروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التى خرجت من العدم يتجلى القدم وانقدحت من زنود الازل وهى اقرب كل شئ منك وهى جار الله وهو مصبوغة بصبغ الله وهى فى يمين الله قال عليه السلام الارواح فى يمين الله ومعذبها من قلبك منظر نور التجلى ومسكن نور سنا التدلى واحسانها ان تطيرها بجناح المعرفة والشوق والمحبة الى عالم المشاهدة بعد ان تطلقها من قيد الطبيعة وتقديس سكنها من خطوط البشرية وهى اقرب القرابة منك لانها اصل قيامك وانت قائم بها {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} هو المريد المبتدى فاحسانك اليه ان ترغبه الى سلوك مدارج الصديقين العارفين وتنشر له مطويات اسرار المحبين وفضائل احول المشتاقين وايضا الجار الجنب صورتك التى هى حاملة الروح والاحسان اليها ان نفظهم جوارحها من حظوظ المعاصى والشهوات {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} يغنى رفيقك فى سفر الغيب الذى هيجه حب الله اليه وشوقه معرفة الله الى مشاهدة الله فانفاسه انفاسك وسره سك ومقامه مقامك وهو قرينك فى عزبة الازل واسفار الابد واحسانك اليه اذا كاد ان ينقطع بلذة المحبة من المحبوب لن تخوفه من مكره وترغبه الى طلب الفناء فيه وايضا الصاحب بالجنب هو قلبك واحسانك اليه ان تفرده من الحدثان وتشوقه الى جمال الرحمن وايضا الصاحب بالجنب هى النفس الامارة التى قال سيد المرسلين وامام العالمين محمد صلى الله عليه وسلم اعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك واحسانك اليها ان تحبسها فى سجن العبودية وتمينها عن الشهوة وتحرقها بنيران المحبة وتذر ترابها برياح المعرفة حتى لا يبقى فى دار الله غير الله {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} اى غريب الله فى بلاد الله حيث لا يعرفه سوى الله الذى يتطرق من نور الافعال الى نور الصفات ومن نور الصفات الى نور الذات وهو فى عزبه الازل والاباد لا يسكن روعته ولا يطفى حرقته ويزيد تحيره وتعريه لا يعرفه احدي يواسيه قال عليه السلام حضروا لم يعرفو وان غابوا لم يفتقد واوزاد فى وصفهم لا يفتح لهم السدد ولا بروحهم المنعمات انوار قلبوهم انوار بنور الشمس والاحسان اليهم بدل المهجة بين ايديهم وزيادة الاستطابة فى اوقاتهم ودفع الاغيار عن صحبتهم حتى لا يطلع عليهم احد تمنعهم من احوالهم ساعة {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} اى مريدوكم الذين هم ارقاء الارادة والاحسان اليهم تربيتهم فى طريق الله باداب الله ونشر كرامته لله عندهم ودعاؤهم الى طريق الرجاء لان الراجى طيار والخائف سيار وتعليمهم طريق المشاهدة بلزوم المراقبة وذكر سهل بن عبد الله تفسير هذه الاية قال الجار ذى القربى هو القلب والجار الجنب هو النفس و الصاحب بالجنب العقل الذى ظهر على اقتداء السنة والشرع وابن السبيل والجوارح المطيعة لله وقال الاستاد فى قوله والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب من جيرانك لمكان فلا توذهما بعصيانك وراع تحقهما بما يصل عليها من احسانك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واعبدوا الله} العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به بمجرد امر الله تعالى بذلك وهذا يدخل فيه جميع اعمال القلوب وجميع اعمال الجوارح {ولا تشركوا به شيئاً} من الاشياء صنما او غيره او شيئاً من الاشراك جليا وهو الكفر او خفيا وهو الرياء {وبالوالدين احسانا} اى واحسنوا اليهما احسانا. فالباء بمعنى الى كما فى قوله {أية : وقد احسن بى} تفسير : [يوسف: 100]. وبدأ بهما لان حقهما اعظم حقوق البشر فالاحسان اليهما بان يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن فى الكلام معهما ويسعى فى تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة {وبذى القربى} وبصاحب القرابة من اخ او عم او خال او نحو ذلك بصلة الرحم والمرحمة ان استغنوا والوصية وحسن الانفاق ان افتقروا {واليتامى} بانفاق ما هو اصلح لهم او بالقيام على اموالهم ان كان وصيا {والمساكين} بالمبار والصدقات واطعام الطعام او بالرد الجميل {والجار ذى القربى} اى الذى قرب جواره او الذى له مع الجوار اتصال بنسب او دين قال عليه السلام "حديث : والذى نفسى بيده لا يؤدى حق الجار الا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر اغنيته وان استقرض اقرضته وان اصابه خير هنأته وان اصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته " .تفسير : {والجار الجنب} اى البعيد او الذى لا قرابة له. وعنه عليه السلام "حديث : الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الاسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الاسلام وجار له حق واحد هو حق الجوار وهو الجار من اهل الكتاب " .تفسير : {والصاحب بالجنب} اى الرفيق فى امر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فانه صحبك وحصل بجانبك ومنهم من قعد بجنبك فى مسجد اومجلس او غير ذلك من ادنى صحبة التأمت بينك وبينه فعليك ان ترى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة الى الاحسان {وابن السبيل} هو المسافر الذى سافر عن بلده وماله والاحسان بان تؤويه وتزوده او هو الضيف الذى ينزل عليك وحقه ثلاثة ايام وما زاد على ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يقيم عنده حتى يخرجه {وما ملكت ايمانكم} من العبيد والاماء والاحسان اليهم بان يؤدبهم ولا يكلفهم مالا طاقة لهم ولا يكثر العمل لهم طول النهار ولا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه. قال بعضهم كل حيوان فهو مملوك والاحسان اليه بما يليق به طاعة عظيمة {ان الله لا يحب من كان مختالا} اى متكبرا يأنف من اقاربه وجيرانه واصحابه ولا يلتفت اليهم {فخورا} بما لا يليق يتفاخر عليهم ولا يقوم بالحقوق ويقال فخورا فى نعم الله لا يشكر قال الله تعالى لموسى عليه السلام [يا موسى انى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى وحدى لا شريك لى فمن لم يرض بقضائى ولم يشكر على نعمائى ولم يصبر على بلائى ولم يقنع بعطائى فليعبد ربا سواى. يا موسى لولا من يسجد لى ما انزلت من السماء قطرة ولا انبت فى الارض شجرة ولولا من يعبدنى مخلصا لما امهلت من يجحدنى طرفة عين ولولا من يشكر نعمتى لحبست القطر فى الجو. يا موسى لولا التائبون لخسفت بالمذنبين ولولا الصالحون لاهلكت الطالحين]. واعلم ان العبادة ان تعبد الله وحده بطريق اوامره ونواهيه ولا تعبد معه شيئاً من الدنيا والعقبى فانك لو عبدت الله خوفا من شىء او طمعا فى شىء فقد عبدت ذلك الشىء والعبودية طلب المولى بالمولى بترك الدنيا والعقبى والتسليم عند جريان القضاء شاكرا صابرا فى النعم والبلوى فلا بد من التوحيد الصرف وترك الشرك حتى يوصله الله الى مبتغاه: قال بعض العارفين شعر : نقد هستى محو كن در "لا اله" تابه بينى دار ملك بادشاه غير حق هرذره كان مقصود تست تيغ "لا" بركش كه آن معبودتست "لا" كه عرش وفرش رابرمى درد از فنا سوى بقاره ميبرد "لا" ترا از تو رهايى ميدهد با خدايت آشنايى ميدهد جون توخودرا از ميان برداشتى قصر ايمانرا درى افراشتى تفسير : فاذا حصل المقصود ووصل العابد الى المعبود فحيئنذ يصح منه بالوالدين احسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين الآية لان الاحسان صفات الله تعالى لقوله تعالى {أية : الذى أحسن كل شىء خلقه} تفسير : [السجدة: 7]. والاساءة من صفات الانسان لقوله {أية : إنَّ النفس لأمارة بالسوء} تفسير : [يوسف: 53]. فالعبد لا يصدر منه الاحسان الا ان يكون متخلقا باخلاق نفسه كما قال تعالى {أية : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك} تفسير : [النساء: 79]. وفيه اشارة اخرى وهى ان شرط العبودية الاقبال على الله بالكلية والاعراض عما سواه ولا يصدر منه الاحسان الا اذا اتصف باخلاق الله حتى يخرج من عهدة العبودية بالوصول الى حضرة الربوبية فتفنى عنك به وتبقى به للوالدين وغيرهما محسنا لاحسانه بلا شرك ولا رياء فان الشرك والرياء من بقاء النفس ولهذا قال عقيب الآية {ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا} لان الاختيال والفخر من اوصاف النفس والله تعالى لا يحب النفس ولا اوصافها لان النفس لا تحب الله ولا المحبة من اوصافها فانها تحب الدنيا وزخارفها وما يوافق مقتضاها قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الشرك اخفى فى ابن آدم من دبيب النملة على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء " .تفسير : ومن خدم مخلوقا خوفا من مضرته او طمعا فى منفعته فقد اشرك عملا شعر : كه داند جودربند حق نيستى اكر بى وضو درنماز ايستى بروى ريا خرقة سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت اكرجز بحق ميرود جاده ات در آتش فشانند سجاده ات تفسير : قال تعالى {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورا} تفسير : [الفرقان: 23]. يعنى الاعمال التى عملوها لغير وجه الله ابطلنا ثوابها وجعلناها كالهباء المنثور وهو الغبار الذى يرى فى شعاع الشمس وجاء رجل الى النبى عليه السلام فقال يا رسول الله انى اتصدق بالصدقة فالتمس بها وجه الله تعالى واحب ان يقال لى فيه خير فنزل قوله تعالى {أية : فمن كان يرجو لقاء ربه} تفسير : [الكهف: 110]. يعنى من خاف المقام بين يدى الله تعالى ويريد ثوابه {أية : فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه احداً} تفسير : [الكهف: 110]. رزقنا الله واياكم الاخلاص.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الجُنب ـ بالضم ـ: البعيد، يقال فيه: جُنُب وأجنب وأجنبي، وسمي الجُنبُ جُنُبًا لأنه يبعد من المسجد وعن الصلاة وعن التلاوة، و(مختال) أسم فاعل، وأصله: مختيل، بالكسر، من الخُيَلاَء وهو التكبر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واعبدوا الله} أي: وَحِّدُوه وأطيعوه {ولا تشركوا به شيئًا} جليًا أو خفيًا في اعتقادكم أو في عبادتكم، فمن قصد الحج والتجارة، فقد أشرك مع الله في عبادته، وأحسنوا بالوالدين إحسانًا حسنًا، وهو برهما والقيام بحقهما، {وبذي القربى}، أي: القرابة في النسب، أو الدين {واليتامى} لضعف حالهم، {والمساكين} لقلة ما بيدهم، وقد شكى بعض الناس قساوة قلبه، فقال له عليه الصلاة والسلام: " حديث : إن أردتَ أن يلين قلبُك، فأطعم والمسكين وامسح رأس اليتيم، وأطعمه ". تفسير : {والجار ذي القربى} الذي قّرُب جواره أو نسبه، {والجار الجُنب} الذي بَعُد مكانه أو نسبه، وحَدَّد بعضُهم الجوار بأربعين دارًا من كل ناحية. وقال ابن عباس: الجار ذي القربى: الجار الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الجار من قوم آخرين. هـ. قيل يا رسول الله: ما حق الجار على الجار قال: " حديث : إن دعاك أجبتَه، وإن أصابته فاقةٌ عُدتَ عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عُدْتَه، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقُتار قدرك ـ أي: بخارها ـ إلا أن تغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرًا، ولا يخرج ولدك منها بشيء فيغيظ ولده، تفسير : ثم قال: " حديث : الجيران ثلاثة: فَجَارٌ له ثلاثة حقوق: حق الجوَارِ، وحق القرابة، وحق الإسلام، وجار له حقان: حق الجِوَار، وحق الإسلام، وجَارٌ له حق واحد: وهو المشرك من أهل الكتاب ". تفسير : {والصاحب بالجنب} ، وهي الرفيق في أمر حسن، كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك بجنبك، وعن علي ـ كرم الله وجهه ـ ( أنها الزّوجة)، فيتأكد في حقها الإحسان زيادة على المعاشرة بالمعروف، قال بعضهم: أول قدم في الولاية؛ كفّ الأذى وحمل الجفا، ومعيار ذلك حسن معاشرة الأهل والولد، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنسَائِه، وأنَا خَيْرُكُمْ لِنسَائِي"تفسير : . {وابن السبيل}، وهو الضيف أو المسافر لغرابته، {وما ملكت أيمانكم}، من الإماء والعبيد، وكَانَ آخِرُ كلامِ النّبُي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الصلاةَ الصَلاةَ وَمَا مَلَكتْ أيمانُكُمْ ". تفسير : {إن الله لا يحب مَن كان مختالاً} أي: متكبراً، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم، {فخورا} يتفاخر عليهم بماله وجاهه، وما خوله الله من نعمه، فهو جدير أن تسلب منه. الإشارة: واعبدوا الله، أي: بالقيام بوظائف العبودية، ومشاهدة عظمة الربوبية، وقال بعض الحكماء: العبودية: ترك الاختيار، وملازمة الذل والافتقار. وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود، وعنوان ذلك صفاء التوحيد، ولذلك قال: {ولا تشركوا به شيئًا} أي: لا تَرَوْا معه غيره، كما قال القائل: شعر : مُذْ عَرَفْتُ الإِلهَ لَم أرَ غَيْرًا وكَذَا الغَيْرُ عِنْدنَا ممْنُوعُ تفسير : وقال آخر: ( لو كُلفت أن أرى غيره، لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده). فإذا حصلت العبودية في الظاهر، وتحقق التوحيد في الباطن، ظهرت عليه مكارم الأخلاق فيُحسن إلى الأقارب والأجانب، ويجود عليهم بالحس والمعنى، لأن الفتوة من شأن أهل التوحيد، ومن شيم أهل التجريد، كما هو معلوم من حالهم، نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. قال الورتجبي: " الوالدين ": مشايخ المعرفة. ثم نقل عن الجنيد، أنه قال: أمرني أبي أمرًا، وأمرني السري أمرًا. فقدمت أمر السري على أمر أبي، وكل ما وجدت فهو من بركاته. هـ. وذوو القربى هم الأخوة في الشيخ، {واليتامى}: من قصدهم من المتفقرة الجاهلة، {والمساكين}: ضعفاء اليقين من العامة، أمر الله تعالى أهل الخصوصية بالإحسان إليهم والبرور بهم، وهو أن يقرهم في طريقهم، وبحوشهم إلى ربهم. {والجار ذي القربى} وهو جارك في السكنى وأخوك في النسبة، فيستحق عليك زيادة الإحسان. {والجار الجنب}: من جاورك من العوام فتنصحه وترشده، {والصاحب بالجنب}: من رافقك في أمر من العوام، كَسَفَرٍ وغيره، {وابن السبيل}: من نزل بأهل الخصوصية من الأضياف، فلهم حق الضيافة عليهم حسًّا ومعنًى، {وما ملكت أيمانكم}: ما لكم تصرف عليهم الأهل والبنين والإماء والعبيد، فتقربونهم إلى حضرة الملك المجيد. ثم أمرهم بالتواضع والإقبال على الخاص والعام. فقال: {إن الله لا يحب مَن كان مختالاً فخورًا}. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى: هذا خطاب لجميع المكلفين، أمرهم الله بأن يعبدوه وحده، ولا يشركوا بعبادته شيئاً سواه {وبالوالدين إحساناً} نصب على المصدر، وتقديره: وأحسنوا إلى الوالدين إحساناً، ويحتمل أن يكون نصباً على تقدير: واستوصوا بالوالدين إحساناً، لأن قوله: "اعبدوا الله" بمنزلة استوصوا بعبادة الله، وأن تحسنوا إلى ذي قرباكم، وإلى اليتامى الذين لا أب لهم، والمساكين وهم الفقراء، والجار ذي القربي، يعني الجار القريب. اللغة: وأصل الجار العدول، جاوره مجاورة وجواراً، فهو مجاور له وجار له، لعدوله إلى ناحيته في مسكنه، والجور الظلم، لأنه عدول عن الحق، ومنه جار السهم إذا عدل عن قصده، وجار عن الطريق إذا عدل عنه، واستجار بالله، لأنه يسأله العدول به عن النار، وجواز الذمة، لأنه عدول بها إلى ناحية صاحبها. {والجار الجنب} أصل الجنب التنحية، جنبت فلاناً عن كذا فتجنب أي نحيته، ومنه قوله: {أية : وأجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام}تفسير : والجانبان الناحيتان، لتنحي كل واحدة عن الأخرى، ومنه جنب الانسان وكل حيوان، والاجتناب الترك للشيء، والجار الجنب معناه الغريب الأجنبي، لتنحيه عن القرابة، قال علقمة بن عبدة: شعر : فلا تحرمني نائلا عن جنابة فاني امرؤ وسط القباب غريب تفسير : أي عن غربة. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: الجار ذي القربى القريب في النسب، والجار الجنب: الغريب، أي عن غربة. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: حديث : الجيران ثلاثة، جار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الاسلام. وجار له حقان: حق الجوار، وحق الاسلام. وجار له حق الجوار، المشرك من أهل الكتاب . تفسير : المعنى واللغة: {والصاحب بالجنب} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الرفيق. الثاني - قال عبد الله بن مسعود، وعلي (ع) وابراهيم، وابن أبي ليلى: الزوجة. الثالث - قال ابن زيد، وابن عباس،، في رواية أخرى عنه: إنه المنقطع اليك رجاء رفدك. وقيل إنه جميع هؤلاء، وهو أعم فائدة. وقال الزجاج. الجار ذي القربى الذي يقاربك ويعرفك وتعرفه، والجار الجنب البعيد. وروي أن حد الجوار إلى أربعين داراً. وروي إلى أربعين ذراعاً. {وابن السبيل} معناه صاحب الطريق، وقيل في المراد به ها هنا قولان: أحدهما - قال مجاهد، والربيع: إنه المسافر. الثاني - قال قتادة، والضحاك: انه الضيف، وقال أصحابنا: يدخل فيه الفريقان. {وما ملكت أيمانكم} يعني المماليك من العبيد والاماء، أمر الله بالاحسان إلى هؤلاء أجمع. وقوله: {إن الله لا يحب من كان مختالاً} فالمختال الصلف التياه، والاختيال هو التطاول، وإنما ذكره الله ها هنا وذمه، لأنه أراد بذلك من يختال فيأنف من قراباته وجيرانه إذا كانوا فقراء، لكبره وتطاوله، فأما الاختيال في الحرب فممدوح، لأن في ذلك تطاولا على العدو واستخفافاً به. وأصل المختال من التخيل، وهو التصور، فالمختال لأنه يتخيل بحاله مرح البطر، ومنه الخيل، لأنها تختال في مشيها، أي تتبختر، والخيال، لأنه يتخيل به صاحبه، والأخيل الشقراق، لأنه يتخيل في لونه الخضرة من غير خلوصها، والخول الحشم، وخلته راكباً خيلاناً أي تخيلته، والخال المختال، والخال أخ الأم، "والفخور" هو الذي يعدد مناقبه كبراً وتطاولا، وأما الذي يعددها اعترافا بالنعم فيها فهو شكور غير فخور. وروي عن المفضل عن عاصم أنه قرأ: {والجار الجنب} - بفتح الجيم - قال أبو الحسن: هو لغة في الجنب، قال الراجز: شعر : الناس جنب والامير جنب تفسير : يعني ناحية: قال أبو علي الفارسي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد الناحية، والتقدير: ذي الجنب، فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم، لأن الناحية لا تكون هي الجار. والثاني - أن يكون وصفاً، مثل: ضرب وندب وفسل، فهذا وصف جرى على موصوف.
الجنابذي
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} لمّا أراد أن يبيّن آداب حسن النّسبة مع الاحقّاء ببذل المحبّة وحسن الصّحبة قدّم نفسه لانّه احقّ الاحقّاء بحسن النّسبة وبذل الخدمة وبيّن طريق حسن النّسبة معه باخلاص العبوديّة ونفى الشّركة فى العبوديّة لانحصاره فيهما واطلق طريق حسن النّسبة مع غيره لعدم انحصاره فى امر مخصوص ورتّب المستحقّين للخدمة بحسب ترتّبهم فى الاستحقاق ولتعميم الوالدين للرّوحانيّين واستحقاقهما التّفرّد فى النّظر وعدم الاشراك بهما ولذلك فسّر الكفر والشّرك فى الآيات فى تفاسير المعصومين (ع) بالكفر والاشراك بعلىّ (ع) او بالولاية قرنهما بنفسه، واسقط الفعل واخّر المصدر ليوهم انّ قوله بالوالدين عطف على الجارّ والمجرور وانّ المعنى {وَ} لا تشركوا {بِٱلْوَالِدَيْنِ} احسنوا {إِحْسَاناً} بهما {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ}. تحقيق الوالدين وسائر الاقرباء وتعميمهم والوالدان هما الّلذان باعدادهما وحركاتهما المخصوصة اوجد الله نطفتك واصل مادّتك وهذه السّببيّة كلّما كانت في شيء اقوى كان باسم الوالد احرى وان كان العامّة العمياء يخصّون هذا الاسم بالمعدّ لنطفتك الجسمانيّة غافلين عن كيفيّة تولّدك الرّوحانىّ فالافلاك والعناصر آباء للمواليد، والعقل والنّفس الكلّيان والدان لعالم الطّبع، اذ بالقاء الافلاك بحركاتها الدوريّة وكواكبها الّتى هى كالقوى الانسانيّة الآثار على العناصر وقبول العناصر لها كتأثّر النّساء عن الرّجال وقبول ارحامهنّ لنطفهم يتولّد المواليد وتنمو وتبقى وهى فى بقائها ونمائها ايضاً محتاجة الى تلك الآباء بخلاف حاجة الحيوان الى آبائها الجسمانيّة فانّها بعد حصول مادّتها وحصول قوام ما لمادّتها مدّة كونها فى الرّحم غير محتاجة الى آبائها، وبالقاء العقل الكلّىّ نقوش العالم على لوح النّفس الكلّيّة الّتى هى كالبذور يوجد عالم الطّبع وعالم الطّبع في بقائه محتاج الى ذينك الوالدين، هذا فى العالم الكبير وامّا فى العالم الصّغير الانسانىّ فبعد تسويته يوجد آدم الصّغير وحوّاء الصّغرى بازدواج العقل والنّفس وبازواجهما يولد بنو آدم وذرّيّتهما، وبازدواج الشّيطان والنّفس الامّارة يولد بنو الجانّ وذرّيّة الشّيطان، هذا بحسب التّكوين فى العالمين، وامّا بحسب الاختيار والتّكليف وهو مختصّ بالانسان الضّعيف فقد جرت السّنّة الآلهيّة ان يكون توليد المواليد الاختياريّة من القلب ومراتبه وجنوده الخلقّية والعلميّة والعيانيّة بتعاضد نفسين مأذونتين من الله وايصالهما اثر الامر الآلهىّ الى المكلّف بتعاضدهما لتطابق التّكليف والتّكوين فانّ الاوامر التّكليفيّة متسبّبة عن الاوامر التّكوينيّة وموافقة لها، وان لم ندرك فى بعضها كيفيّة التّوافق لعدم العلم بالتّكوين وتلك السّنّة كانت جارية من لدن آدم (ع) الى زماننا هذا وتكون باقيةً الى انقراض العالم، وان لم يبق لها اثر ولا بين العامّة منها ذكر ولا خبر. فانّ صحّة الاسلام فى الصّدر ودخول الايمان فى القلب ما كان الاّ بتعاضد شخصين يكون احدهما مظهراً للعقل الكلّىّ والآخر مظهراً للنّفس الكلّيّة واخذهما البيعة العامّة النّبويّة او البيعة الخاصّة الولويّة بالكيفيّة المخصوصة والميثاق المخصوص: انا وعلىّ (ع) ابوا هذه الامّة يهديك؛ {أية : كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21] يشهد لك، {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي} تفسير : [طه: 29] يكفيك فمحمّد (ص) وعلىّ (ع) مظهرا العقل والنّفس الكلّييّن وبالبيعة على ايديهما بتولّد جنود العقل الاختياريّة، واعداؤهما مظاهر الجهل والنّفس الامّارة الكلّييّن وبالبيعة على ايديهم يتولّد جنود الجهل الاختياريّة، وقد فسّر المعصومون (ع) الوالدين فى القرآن بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) وفسّروا {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [لقمان: 15] بالجبت والطّاغوت، ويسمّى الصّوفيّة مظهر العقل بالمرشد ومظهر النّفس بالدّليل وبلسان الفرس "بيرارشاد وبير دليل" وبحسب تفاوت مظهريتّهما وتصرّفهما يكون احدهما مظهراً لاسم الله أوالرّحيم والآخر مظهراً لاسم الرّحمن وباعتبار هذه المظهريّة والاثنينيّة قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} تفسير : [الاسراء:110] فانّ التّخيير والتّرديد ليس باعتبار اللّفظين فانّهما آلتا الدّعوة وليسا مدعوّين ولا مفهومى اللّفظين فانّهما ايضاً عنوانا المدعوّين والمدعوّ لا محالة امر حقيقىّ لا امر ذهنىّ، والذّات الاحديّة الّتى هى مصداق ذينك اللّفظين لا تكثّر فيه فلا بدّ وان يكون المدعوّ امرين يكونان مظهرين لمفهومى هذين الاسمين حتّى يصحّ هذا التّرديد لا يقال: المراد ادعوا الذّات الاحديّة بلفظ الله او بلفظ الرّحمن لانّه يقال: ظاهر اللّفظ غير هذا والحذف والايصال فى مثل هذا شاذٌّ ينافى الفصاحة وتكرار ادعوا ينافيه وجعل ادعوا بمعنى سمّوا ايضاً بعيد، فالمراد ادعوا مظهر اسم الله او ادعوا مظهر اسم الرّحمن، والدّعوة هى طلب المدعوّ للورود على الدّاعى والحضور عنده امّا لانّ المطلوب منه حضور ذاته عنده اوامر غير ذاته يحصل من حضور ذاته وليس معناها مسئلة شيءٍ من المدعوّ حاضراً كان ام غائباً وبهذا وامثاله استشهد الصّوفيّة على انّ المطلوب من دعاء الله او دعاء مظاهره هو حضور المدعوّ عند الدّاعى ويسمّونه حضوراً وفكراً. تحقيق تمثّل صورة الشّيخ عند السّالك وبعضهم يقولون: لا بدّ ان يجعل السّالك صورة الشّيخ نصب عينيه ويسمّون هذا الجعل والتّصوير حضوراً ويستشهدون بمثل ما ورد من قوله (ع): وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة نصب عينيك؛ ولكنّه بعيد عن الطّريق المستقيم فانّ الحضور هو الاتّصال بروحانيّة الشّيخ وظهور مثاله لديك لا تصوير صورة مثل صورته وجعلها نصب العين فانّها مردودة اليك ونوع كفر وشرك وبعد ما يقال انّه كفر يقولون هو كفر فوق الكفر والايمان كما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : جون خليل آمد خيال يار من ظاهرش بت معنى او بت شكن تفسير : لكن نقول: تصوير صورة الشّيخ بالاختيار وتقييد الخيال به من قبيل عبادة الاسم دون المسمّى وتشبّه بعبدة الاصنام وجحيم عاجلة ينبغى للعاقل العبور عنها كما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : جملة دانسته كه اين هستى فخ است ذكرو فكر اختيارى دوزخ است تفسير : لكن لا بدّ للسّالك من العبور عليها. واحسنوا بذى القربى بعد الله والوالدين فانّ اولى الاحقّاء بالاحسان ذوو القربى سواء كانوا جسمانيّين ام روحانيّين فى العالم الكبير او الصّغير {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} قد مضى تفسيرهما وتعميمهما {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} النّسبيّة وتأخيره بلحاظ الجوار لا القرابة او المكانيّة {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} البعيد النّسبىّ او المكانىّ وحقّ الجوار كما فى الاخبار الى اربعين داراً من الجوانب الاربعة او من كلّ جانب {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} كالرّفيق فى تعلّمٍ او حرفةٍ او سفرٍ {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} العبيد والاماء والاهل والخادم والخادمة وكلّ من كان تحت ايديكم فى الكبير او الصّغير فلا تتأنّفوا عن تعهّد حالهم والتّوجّه والاحسان اليهم ان كنتم تريدون محبّة الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} استيناف فى موضع التّعليل والمختال من يتأنّف عن التّوجّه الى الغير حتّى الوالدين الرّوحانيّين ولا ينقاد لاحدٍ حتّى الوالدين الرّوحانيّين ومن تأنّف عن الانقياد للوالدين الرّوحانيّين تأنّف عن كلّ من سواه، ومن انقاد وتواضع للوالدين الرّوحانيّين تواضع لمن سواهما فالمختال الحقيقىّ من لم يتواضع لوالديه الرّوحانيّين {فَخُوراً} اذا التفت الى غيره عظّم نفسه وحقّر غيره حتّى والديه الرّوحانيّين، ومن افتخر على والديه الرّوحانيّين افتخر على كلّ من سواه الا اذا رأى حظّ نفسه ممّن سواه فانّه حينئذٍ يتملّق له وان كان يظنّ انّه يتواضع، ولمّا كانت الولاية اصل الخيرات والقرابات، والتّواضع لها اصل التّواضعات، والاختيال والفخر عليها اصل الاختيالات والفخرات ومادّتها، وعلىّ (ع) اصل الولايات وعدوّه اصل الشّرور والاختيالات صحّ ان يقال: انّ المنظور اوّلاً من الآية اختيال العدوّ وفخره على علىّ (ع) ثمّ اختيال غيره بالنّسبة الى الولاية والى غيرها، ولمّا كان المتكبّر المعجب بنفسه لا يعدّ غيره الاّ اسباب انتفاعه كأنّه لم يخلق غيره الاّ لاجل انتفاعه ولو بهلاكته وكان لا ينفق ممّا فى يده على غيره لانّه خلاف حسبانه ويمنع غيره الّذى يراه فى مرتبة من الانفاق على غيره حتّى انه يمنع نفسه وغيره من انفاق القوى والمدارك والانانيّات فى طريق امامه وولاية ولىّ امره ويكتم من الغير نعمه الّتى لا يرى فى اظهارها صيتاً ومدحاً وجلب حظّ لنفسه ولو انفق او اظهر لم يكن ذلك الا بملاحظة حظّ لنفسه فسّر المختال الفخور بالوصف البيانىّ فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}.
فرات الكوفي
تفسير : {واعْبُدوا اللهَ ولا تُشْرِكوا بِهِ شَيْئاً وَبالوالِدَيْنِ إحْساناً وبِذي القربى36} فرات قال: حدثني سعيد بن الحسن بن مالك معنعناً: عن أبي مريم الأنصاري قال: كنّا عند جعفر بن محمد [عليه السلام. ب] فسأله أبان بن تغلب عن قول الله تعالى: {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا} قال: هذه الآية التي في النساء من الوالدان [ر: الوالدين]؟ قال جعفر: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام [و. ر] هما الوالدان. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن جعفر [الصادق. ر] عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام هما الوالدان [ر: الوالدين]. {وبذي القربى} قال: الحسن والحسين عليهما السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن معلّى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: حديث : أنا أحد الوالدين وعلي [بن أبي طالب ح،ر عليه السلام.ر.أ: صلوات الله عليه] الآخر وهما عند الموت يعاينان [أ: الآخر يعاينان عند الموت.ب: وهما يعاينان عند الموت]. تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله [عليه السلام. ب] يقول: إن المؤمن إذا مات رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً [عليه السلام. أ] يحضرانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : أنا أحد الوالدين وعلي الآخر. تفسير : قال: قلت: وأي موضع ذلك من كتاب الله؟ قال: {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} يعني وأحسنوا إليهما إحساناً {وبذي القربى} أي وبكل من بينكم وبينه قرابة من أخٍ أو عمٍّ أو غيرهما {والجار ذي القربى} الذي قرب جواره {والجار الجنب} الذي جواره بعيد، وقيل: القريب في النسب، وقيل: المسلم، وقيل: الجار الجنب البعيد في النسب، وقد جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إلى أربعين دار جوار" تفسير : {والصاحب بالجنب} قيل: الرفيق في الطريق، وقيل: المرأة، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره"تفسير : ، {كان مختالاً} المختال التيَّاه الجهول الذي يتكبَّر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه ولا يلتفت إليهم، قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} نزلت في اليهود بخلوا بما أُوتوا من الرزق وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقي أموالهم في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأمرون الناس أن يبخلوا، قوله تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رِئاءَ الناس} نزلت في المنافقين وكانوا ينفقون ويصلون الأرحام، وقيل: نزلت في اليهود، وقيل: في قريش، رِئاء الناس ليقال ما أسخاهم وما أجودهم: {ومن يكن الشيطان له قَرِيْنَاً فسَاءَ قريناً} حيث حملهم على البخل والرئاء {وماذا عليهم لو آمنوا بالله} أي فأي تبعة ووبال عليهم في الإِيمان والإِنفاق في سبيل الله؟ والمراد الذم والتوبيخ {وكان الله بهم عليماً} وعيد، وقوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الذرة النملة الصغيرة، وفي قراءة عبد الله مثقال نملة، وعن ابن عباس: أنه أدخل في يده التراب فرفعه ثم نفخ فيه، وقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة، وفيه دليل على أنه لا ينقص من الأجر أدنى شيء، قوله تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها} أي وإن تك مثقال الذرة حسنة يضاعفها، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن ألف ألف حسنة" تفسير : قال أبو هريرة: لا بل سمعته يقول: "حديث : إن الله يعطي ألفي ألفي حسنة" تفسير : ثم تلا هذه الآية والمراد الكثرة لا التحديد، قوله تعالى: {ويؤتِ من لدُنْه أجراً عظيماً} أي يعطي صاحبها من عنده على سبيل التفضُّل عطاء عظيماً، قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ} يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم كقوله تعالى: {أية : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} تفسير : [المائدة: 117] قوله تعالى: {وجئنا بك على هؤلاء} المكذبين {شهيداً} وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بلغ قوله: {وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فبكى (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "حسبُنَا" قوله تعالى: {لو تسوى بهم الأرض} لو يدفنون فتسوى بهم الأرض تغيبهم كما تستوي بالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم تراباً فيودون حالها {ولا يكتمون الله حديثاً} ولا يقدرون على كتمانه لأن رجوعهم يشهد عليهم، وقيل: الواو للحال أي يودون أنهم يدفنون تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثاً ولا يكذبون في قولهم والله ربنا ما كنا مشركين لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم ختم الله على أفواههم عند ذلك وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يودون أن تسوى بهم الأرض.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} [أي لا تعدلوا به غيره]. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى} أي الجار الذي له قرابة، {وَالجَارِ الجُنُبِ} أي الأجنبي الذي ليست له قرابة {وَالصَّاحِبِ بَالجَنبِ} أي الرفيق والنزيل في السفر. وقال بعضهم: الصاحب بالجنب هي المرأة التي يلصق جنبها بجنبك، وجنبك بجنبها، أوصاك الله بها، لأنها أقرب الخلق إليك. ذكر عطاء الخرساني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد. فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو القرابة، له حق الإِسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وأما الجار الذي له حقان فالجار المسلم؛ له حق الإِسلام وحق الجوار، وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك؛ له حق الجوار . تفسير : قال بعضهم: إذا كان له جار له رحم فله حقان: حق الجوار وحق الرحم. والجار الجنب له حق الجوار. والصاحب بالجنب وهو الرفيق والنزيل في السفر. قوله: {وَابْنِ السَّبِيلِ} هو الضيف. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: الجوار أربعون داراً. الخليل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أتاني جبريل فما زال يوصيني بالجار حتى ظننت، أو رأيت أنه سيورثه . تفسير : ذكروا عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوماً وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما سوى ذلك فهو صدقة . تفسير : قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ذكروا عن أم سلمة قالت: "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من آخر وصيته عند موته: الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يجلجلها في صدره، وما يفيض بها لسانه ". تفسير : ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : المملوك أخوك، فإن عجز فخذ معه، ومن رضي مملوكه فليمسكه، ومن كرهه فليبعه ولا تعذبوا خلق الله الذي خلق . تفسير : ذكروا عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المملوكين: حديث : أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم ما لا يطيقون . تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} قال الحسن: هم اليهود، منعوا حقوق الله في أموالهم، وكتموا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه رسول الله مكتوباً عندهم. وقال بعضهم: هم أهل الكتاب بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإِسلام ومحمداً، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وقال بعضهم: ويأمرون الناس بالبخل فهو كتمان محمد. قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} فأخبر أنهم كفار. وقوله {مُهِيناً} من الهوان.
اطفيش
تفسير : {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ}: وحدوه وافعلوا ما أمركم بفعله، وانتهوا عما نهاكم عنه، وذلك أن التوحيد من جملة العبادة والطاعة، وهو أفضلهما، وعن ابن عباس: اعبدوا الله وحدوه، والأولى للتعميم إلا أن أراد أفردوه بالألوهية والعبادة إلا أنه مع هذا يتكرر مع ما بعده من النهى، عن الإشراك، والظاهر أنه أراد بالعبادة فعل الطاعة وترك ما يترك لنهى الله عز وجل إلا التوحيد إلا أنه يدخل التزاماً إذ لا ينتفع بالطاعة إلا بعد التوحيد واعلم أن العبادة فعل الخير، وترك المنكر، إعظاماً لله تعالى، وقيل: هو كالطاعة فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه للأمر والنهى، فشمل ذلك عبادة القلب والجوارح، قيل: العبودية: ترك الاختيار ملازمة الذلة، والافتقار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرضى بالموجود، والصبر عن المفقود. {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}: أى لا تشركوا بالله غيره، من صنم، أو كوكب، أو غيره، فـ {شَيْئاً} مفعول به واقع على الصنم ونحوه، أو لا تشركوا به إشراكاً فهو مفعول مطلق واقع على الإشراك، أى إشراكاً ما، ولو رياءً، وقصد التبرد أو إزالة الوسخ بالوضوء، أو بالاستنجاء، أو باغتسال الجنابة، أو الحيض، أو النفاس، واغتسال الجمعة وإحرام أو نحوه أو قصد إصلاح المعدة فى الصوم، وكإبطاء الإمام فى ركوعه ليلحق به من أحس بدخوله مقاربة إليه، ومع ذلك قصد بأفعاله المذكورة: العبادة فلا تنفعه، لأنه خالطها غيرها، حديث : قال معاذ بن جبل رضى الله عنه: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار، يقال له عفير، واسمه يعفور فقال: "يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟" قلت الله ورسوله الله. قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً"، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "تبشرهم فيتكلوا"تفسير : ، ومعنى حق العباد على الله تعالى، ما وعده لهم، ولا واجب على الله، ومعنى قوله: لا يعذب من لا يشرك به شيئاً: لا يعذب من أخلص قلبه وعمله لله، بأن امتثل الأمر أو اجتنب النهى، ألا ترى أن الشرك فى الآية عم كل ما ليس بإخلاص؟ وانظر كيف أوجب العبادة أيضاً بقوله: {وَاعْبُدُواْ اللَّه} ومن نطق بكلمة الشهادة ولم يصل فرضه، أو لم يصم، أو لم يفعل مثل ذلك من الواجبات، فكيف يكون قد امتثل قوله تعالى {وَاعْبُدُواْ اللَّه} وأما قوله "حديث : لا تبشرهم فيتكلوا"تفسير : فإنه بمعنى لا تبشرهم بذلك فيتكلوا عليه لعدم فهمهم معناه، إذ معنى الإشراك شامل الرياء، وسائر الكبائر، ولعلهم يفهمون أنه قول {أية : إلهين اثنين}تفسير : ونحوه ويجوز أن يكون هذا القول هو المراد بالشرك، لكن لعلهم لا يفهمون أن الشرط مطلق العبادة، وتكثير الحسنات، حتى تفنى كبائره فى حسناته وتبقى حسنة فصاعداً يدخل بها الجنة، غير مصر بخلاف نحو قول: {أية : إلهين اثنين} تفسير : فإنه لا حسنة معه وقد ذكرت هذا البحث فى شرح التبيين من النيل. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}: أى وأحسنوا بالوالدين إحساناً، فذلك من المصدر النائب عن فعل الأمر الناصب له، والإحسان بالوالدين: أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما، وينفقهما، ويفعل كل ما أمراه به، فما لم يحرم ما أمكنه، وما لم يمكنه فليلاطفهما فيه، وكذا ما تعسر، قال أبو سعيد الخدرى: حديث : إن رجلا أراد الجهاد فقال النبى صلى الله عليه وسلم "أبواك أذنا لك؟" قال: لا. قال: "فارجع واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما"تفسير : . قال أبو هريرة: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتى؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك"تفسير : . ويروى: "حديث : أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك"تفسير : . وهذا نص فى أن حق الأم أعظم من حق الأب. والبحث فى حقوق الوالدين فى شرح النيل، قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "رغم أنفه رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل بهما الجنة" تفسير : والفروع فى الفقه، والباء للإلصاق أى: الصقوا الخير بهما، أو بمعنى إلى، أى: انهوا الخير إليهما. {وَبِذِى الْقُرْبَى}: متعلق بمحذوف، أى: وأحسنوا بذى القربى، ولم إحساناً، وقاله فى الوالدين إشعاراً بأن حق الوالدين أعظم، وهذا أولى من أن يجعل إحساناً فى نية التأخير إلى تمام قوله جل وعلا {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هذا أيضاً جائز، وعليه فلا يقدر أحسنوا إلا قيل وبالوالدين فقط، ويكون قد أكد فى الكل وكرر الباء تاكيداً فى القرابة، ولم تكرر فى البقرة لأن ما فى البقرة حكاية حال بنى إسرائيل، لا تكليف لهذه الأمة، والمراد القرابة من الأب وجهة الأم أو جهتهما كالأخ والعم والخال والخالة، وأما الأجداد والجدات فداخلون فى الوالدين من الجهتين، واختار بعضهم دخولهم فى ذى القربى، لئلا يجمع بين الحقيقة والمجاز، يرى أن الوالدين حقيقة فى الأب والأم، والقائل بالأول يرى أن حقيقة فى الأجداد والجدات أيضاً، وذلك أن ولادة ولد الولد ولادة للجد أو الجدة بالتأخر، والقربى القرابة وأما الولد ففى طبع البشر الإحسان إليه فلم يذكر على أنه لا يدخل فى القرابة وقيل يسمى قريباً. قال أنس بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سره أن يبسط له فى رزقه وينسأ له فى أثره ويؤخر له فى أجله وعمره فليصل قرابته ". تفسير : {وَالْيَتَامَى}: الأجانب، وأما اليتامى الأقارب فداخلون فى ذى القربى وذلك أن اليتيم مخصوص بالصغر، وعدم الوالد المشفق، والأم ولو كانت مشفقة عليه، إن كانت، لكن المرأة من شأنها العجز والاحتياج، ولو كانت ذات مال. قال سهل بن سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا"تفسير : - وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً - يعن بفوته رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيسير كما كانت فرجة يسيرة بين الإصبعين، وليس قدر الفوت تلك الفرجة فقط، ولكنهما تمثيل، ويحتمل أن يكون التفريج واقعة حال لا تمثيلا للتفاوت، فيكون التمثيل بزيادة الوسطى، وظاهر تنبيه هذا الصحابى على التفريج أنه فهم أنه تمثيل. {وَالْمَسَاكِينِ}: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الساعى على الأرملة والمساكين كالمجاهد فى سبيل الله" تفسير : وأحسبه قال: "حديث : وكالقائم الذى لا يفتر، وكالصائم الذى لا يفطر ". تفسير : {وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}: أى والجار القريب بالنسب، والجار الذى ليس بذى قرابة، قال عطاء الخراسانى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد، فأما الذى له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو القرابة، فله حق الإسلام حق القرابة، وحق الجوار، وأما الذى له حقان، فالجار المسلم: له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذى له حق واحد: فالجار المشرك له حق الجوار"تفسير : وكذا جار مشرك رحم، له حقان حق الجوار وحق القرابة، وسواء فى المشرك أن يكون كتابياً، أو كتابى بأن يدخل بأمان ويسكن فى دار أو بيت، ليسمع كلام الله، أو لعدم القدرة عليه، ولو كان غير كتابى أو كان كتابيا لا يعطى الجزية لعدم القدرة عليه، وقيل: الجار ذى القربى بنسب أو دين، والجار الجنب: البعيد بكونه ليس من القرابة أو بشركه. وقيل: الجار ذى القربى: الجار الذى هربت داره، والجار الجنب: الذى بعدت داره، والمشهور: أن الجيران اثنان، من اليمين وواحد من الشمال، ولا جار من أمام أو هدام إلا باتصال، وفتح كوة يتناولون منها، فالبعيد والقريب فى اليمين، وفروع الأ!واع فى هذه الآية فى الفقه. قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت - أو قال - حتى رأيت أنه سيورثه"تفسير : . وعن عائشة مثله. وفى صحيح الربيع رحمه الله: حتى ظننت أن لا يبقى بمد شيئاً. أى لا يبقى جبريل بعد الجار شيئاً من التأكيد، بل يستغرقه فى الجار، أو لا يبقى الجار أو جبريل لورثته شيئاً، بل يورث جاره ماله كله، وهذا قبل نزول آية الإرث أو بعده، وخاف أن يتحول الميراث إليه والله أعلم حديث : قالت عائشة؛ قلت: يا رسول الله إن لى جارين إلى أيهما أهدى؟. قال: "إلى أقربهما منك باباً" تفسير : أى: إلى أيهما أهدى قبل الآخر؟ لأن الإعطاء واجب للأيمن والأيسر القريب بابا والبعيد، أو أرادت: إلى أيهما أعظم العطية، فإن الأقرب أولى بتعظيمهما، ويعطى البعيد دونه، أو أرادت: إن لى جارين من جهة واحدة، فقال: أعطى القريب باباً، ولا يلزمك الآخر شىء، ولو كان من اليمين، وهو قول قيل به. قال أبو ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك"تفسير : . وفى رواية "أوصانى خليلى صلى الله عليه وسلم: حديث : "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف"تفسير : . أى إلى من كان منهم فى بيته، حين الأكل فإنه أهل بيت بالكون فيه، والله أعلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "والله لا يؤمن أحدكم والله لا يؤمن أحدكم والله لا يؤمن أحدكم" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذى لا يؤمن جاره بوائقه"تفسير : وروى "حديث : لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه" تفسير : أى شروره. رواه أبو هريرة، وقال أيضاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة"تفسير : ويروى "حديث : ولو فرسن شاة"تفسير : ، ويروى "حديث : جارة لجارتها"تفسير : . ونساء: نكرة مقصوده، بأن جعلن كلهن كحاضرة معينة، فقصدهن تعريف، فنعت بالمعرفة وهو المؤمنات، أو منادى مضاف لمؤمنات إضافه موصوفة لصفة، او إضافة عام لخاص إضافة أو بيان، أو إضافة بعض الجنس لكله، بأن يضاف كل فرد إلى باقى جنسه كقوله تعالى {أية : من رجالكم} تفسير : أو أراد بالمؤمنات مؤمنات الأمم الماضية، وبالنساء: نساء هذه الآية، يضفن للمؤمنات من غيرها للمناسبة، ومعنى لا تحقرن إحداكن..ألخ: لا تحقر الآخذة ولا المعطية الكراع المنسوب لجارتها، تعطيها أو تأخذ منها، وهذه العمومة أولى من أن يقال المراد باحداكن المعطية، أى: أن تناول لجارتها أو الآخذة، على أن اللام بمعنى من، أى: من جارتها، تعطيها والفرسن: الظلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"تفسير : . وقرىء: "حديث : والجار ذا القربى"تفسير : . والجار الجنب بالنصب على الاختصاص تعظيما لحق الجار وقرىء: والجار الجنب بفتح الجيم وإسكان النون، قيل يا رسول الله: فلانة تصوم النهار وتصلى الليل وفى لسانها شىء يؤذى جيرانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا خير فيها، هى فى النار"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفس محمد بيده، لا يؤذى أحد حق الجار إلا من رحمه الله، وقليل ما هم، أتدرون ما حق الجار؟ إن افتقر أغنيته، وان استقرض أقرضته إن أصابه خير هنأته، وإن أصابه شر عزيته، إن مرض عدته، وإن مات شيعت جنازته"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره"تفسير : رواه عبد الله بن عمر. ذكر فى صفوة التصوف وذكره الترمذى وقال: حديث حسن. {وَالصَّاحِبِ بالجَنْبِ}: قال ابن عباس هو الرفيق فى السفر، وقيل: زوجتك، وقيل: الذى يصحبك رجاء نفعك، وبالأول قال على وابن مسعود وابن أبى ليلى، وبالثانى قال ابن زيد، وقيل: الصاحب مطلقاً. روى حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل، من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غبضة فقطع قضيبين أحدهما معوج، وخرج فأعطى صاحبه القويم، وحبس هو المعوج، فقال: كنت يا رسول الله أحق بهذا. فقال له: "يا فلان إن كل صاحب يصحب الآخر فإنه مسئول عن صحبته ولو ساعة من النهار" تفسير : وقيل: الصاحب بالجنب هو الذى صحبك ولو أدنى صحبة من أمر حسن، كتعلم وتصرف وصناعة وسفر وقعود بجنبك، ولومرة، فى المسجد أو فى مجلس علم، فلا تنس حقه فى حينه واجعله ذريعة إلى الإحسان ولو كان الإحسان يتفاوت بطول الصحبة، وقلتها والصحبة فى حين الشدة، أو الفتنة أو غير ذلك. وقد يتأكد حق الصحبة حتى يكون كحق القرابة، ويقال: صحبة عشرين يوماً قرابة، والباء متعلق بمحذوف، من حال من الصاحب، سواء أبقيت على معناها من إلصاق، أو جعلت ظرفية. {وَابْنِ السَّبِيلِ}: الذى ألقاه الطريق بمشيه فيه حتى وصلكم، واحتاج وانقطع به: يسمى ابن السبيل، لأنه ألقاه السبيل، كما تلقى الأم ولدها من بطنها، أو أبوه من صلبه، أو للزومه السبيل، كما يلزم الولد أباه وأمه، وقال الأكترون إنه الضيف بمر بك، أو يأتيك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" تفسير : جائزته يوماً وليلة، والضيافة ثلاثة أيام وما سوى ذلك صدقة، فقيل: الجائزة هنا ما يتحفه به فى اليوم والليلة الأولين من تعظيم إضافته، وبعده يومان، وليلاهما يكرمه لما تيسر، فذلك ثلاثة، فكأنه قال: وإكمال الضيافة ثلاثة أيام بيوم الجائزة، وقيل الجائزة: ما يعطيه بعد ثلاثة أيام، يصل به من منهل إلى منهل، ولو كان هكذا لم تقل يوماً وليلة إلا أن يقال يغلب أن يكون يوم وليلة من منهل إلى منهل، وقيل الجائزة: ما يعطيه بعد ثلاثة أيام مما يكفيه يوماً وليلة، ويدل للأول وهو كونها ما يعطيه فى اليوم والليلة الأولين ما يروى يومه وليلته بالإضافة، والضيافة ثلاثة أيام. ويروى: ولا يحل أن يقيم عنده حتى يخرجه أى حتى يوقعه فى الضيق، أو فى الإثم، كما يروى حتى يؤتمه. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}: من عبيد وإماء لا تكلفوهم ما لا يطيقون ولا تؤذوهم بالكلام الخشن، وأطعموهم واكسوهم ما يحتاجون إليه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إخوانكم ملككم الله إياهم"تفسير : ، ورواية: "حديث : رقابهم فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم" تفسير : وقال: "حديث : إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم"تفسير : . وعن أم سلمة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من آخر وصيته عند موته الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يلجلجها فى صدره، وما يفيض بها لسانه، عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المملوك أخوك، فإن عجز أى عن حمل شىء، أو تناوله فخذ معه أى أعنه - ومن رضى مملوكه فليحبسه، ومن كرهه فليبعه ولا تعذبوا خلق الله الذى خلق"تفسير : . وعن أبى ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المملوكين: "حديث : أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم فى العبيد: "حديث : إنهم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تعالى تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم بما يغلبهم، فإن كفلتموهم فأعينوهم عليه"تفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة سىء المملكة"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حسن المملكة نماء وسوء الخلق شوم"تفسير : . ويروى: "حديث : لا تستخدموهم وراء العتمة"تفسير : ، ويروى: "حديث : لا تستخدمون بالليل" تفسير : قيل: إلا أن يرضون بشىء وكذا إن لم يستقصوا خدمتهم بالنهار. وعن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ابتاع شيئاً من الخدم ولميوافقه شيمته فليبعه، وليختر من يوافق شيمته، فإن الناس شيماً، ولا تعذبوا عباد الله"تفسير : . وكان آخر كلامه عند موته صلى الله عليه وسلم: "حديث : الوصية بالنساء والمملوك والصلاة". حديث : وكان رجلا بالمدينة يضرب عبده فيقول العبد: أعوذ بالله، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسيد كان يريد ضرباً فطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أعوذ برسول الله فتركه، فقال عليه الصلاة والسلام: "الله عز وجل أحق أن يجار عائذه". فقال سيده: يا رسول الله إنه حر لوجه الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "والذى نفس محمد بيده، ولو لم تقلها"تفسير : . ويروى "حديث : لو لم تفعل الفح وجهك سفع النار"تفسير : ، وقيل: {مَاَ مَلَكَت أيْمَانُكُمْ} كل حيوان ملكتموه كعبد وأمة وبعير ودجاجة وحمار وفرس، والمتعارف العبيد والإماء، والإحسان إلى المماليك مطلقاً طاعة عظيمة. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً}: يترفع عن أقاربه وجيرانه وأصحابه، ولا يرى لهم ما يرى لنفسه، ولا يلتفت لحقهم، ولا لحق غيرهم. {فَخُوراً}: يفتخر على الناس ويذكر فواضله وفضائله، تطاولا على من دونه، أو يفتخر بما أعطاه الله تعالى، ولا يشكره، قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ ثوبه خيلاء" تفسير : أى لا يرحمه، لأنك إذا اعتنيت بإنسان، وأردت الإنعام عليه نظرت إليه بعينك، وتفقدت أحواله. قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً" تفسير : أى لغير الشكر وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما رجل يمشى فى حلة تعجبه نفسه يرجّل شعر رأسه"تفسير : وفى رواية - وقد رجل لمته - "حديث : يختال فى مشيته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتلجلج فى الأرض إلى يوم القيامة"تفسير : وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بينما رجل كان ممن قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتلجلج إلى يوم القيامة" تفسير : وصح الحديث عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الفخر والخيلاء فى أهل الوبر والسكينة فى أهل الغنم" تفسير : قال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الفخر والخيلاء فى الفدادين من أهل الوبر، والسكينة فى أهل الغنم" تفسير : القدادون: الفلاحون والحراثون وأصحاب الإبل والبقر.
اطفيش
تفسير : {وَاعْبُدُوا اللهَ} بأنواع العبادات، والعبادة أقصى غاية الخضوع {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئَاً} غيره من صنم أو غيره، ومن الإشراك الرئاء، وترك عبادة خوف النسبة إلى الرئاء وقد قيل إن ترك العمل خوف للنسبة إلى الرئاء غير شرك، وعندى أنه لا ثواب لمن صلى صلاة أو فعل عبادة ليرزق مالا أو صحة أو نحوهما من أمور الدنيا، أو صام إصلاحا لمعدته، أو تطهر لتبرد، ولو نوى مع ذلك تقرباً، والعبودية ترك الاختيار وملازمة الذلة والافتقار، والوفاء بالعهود وحفظ الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود {وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً} وأحسنوا بالوالدين إحساناً، بالخضوع فى الكلام لهما، والإنفاق عليهما، والسعى فيما يليق بهما ولو لم يطلباه، قال أبو سعيد الخدرى: أراد رجل الجهاد، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبواك أذناك؟ قال: لا، قال: استأذنهما، فإن أذناك وإلا فبرهما"تفسير : ، والباء للمصاحبة أو الغاية {وَبِذى القُرْبَى} كانت الباء هنا لأن ما هنا تكليف لهذه الأمة وتوصية لها، فكان بطريق الاعتناء، ولم تكن فى البقرة لأنه ما فيه حكاية لبنى إسرائيل {وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجارِ ذِى لْقُرْبَى} بجوار، أو نسب، أو رضاع، أو دين، أو بمتعدد من ذلك،أو بذلك كله {وَالْجَارِ الجُنُبِ} المنتفية عنه القرابة المذكورة، قال الله تعالى: {أية : واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام} تفسير : [إبراهيم: 35]، أى أبعدنى قالت عائشة رضى الله عنها، يا رسول الله، إن لى جارين فبأيهما أبدأ؟ قال: باقربهما إليك بابا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجيران ثلاثة، جار له ثلاثة حقوق، حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، أى التوحيد، ولا تشترط الولاية، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد، حق الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب"تفسير : ، قال أبو هريرة: قيل يا رسول الله فلانة تصوم النهار وتقوم الليل، وفى لسانها شىء يؤذى الجيران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : لا خير فيها، هى فى النار، والذى نفس محمد بيده لا يؤدى حق الجار إلاّ من رحمة الله، وقليل ما هم، أتدرون ما حق الجار؟ إن افتقر أغنيته، وإن استقرض أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابه شر عزيته، وإن مرض عدته، وإن مات شيعت جنازته"تفسير : {وَالصَّاحِبِ بِالْجنبِ} أى حال كونه فى الجنب، أو الباء على بابها، كالزوج، والسرية، والزوج، والسيد، والرفيق في مباح، أو في عبادة كتعلم وتصرف وصناعة وسفر وقعود إلى جنبك فى المسجد، أو مجلس علم، ويتفاوت بتفاوت ما وقع من الصحبة حتى يكون ف حكم القرابة، كما قالوا صحبة عشرين يوما قرابة، وقيل الصاحب بالجنب هو المنقطع إليك يرجو نفعك {وَابنِ السَّبِيلِ} المسافر فى مباح أو عبادة، منقطعا أو غيره، وقيل إن ضعف والضيف {وَمَا مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ} من عبيد وإماء وحيوان، قال صلى الله عليه وسلم للذى أضر بجملة: "حديث : ما هذا جزاء العبد الصالح"تفسير : ، ويروى المملوك الصالح لا يكلفهم ما لا يطيقون ولا يؤذيهم بكلام، ويطعم ويكسو، قال أنس: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت، الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها فى صدره وما يفيض بها لسانه، جعل رجل من الأنصار يضرب عبده ويقول العبد أعوذ بالله، وهو يزيد ضرباً فحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ برسول الله، فتركه، فقال إن الله عز وجل أحق أن يجار عابده، فقال سيده، إنه حر لوجه الله، فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : والذى نفس محمد بيده لو لم تقلها للفح وجهك سقع النار"تفسير : ، وهو مخالف لمتن حديث الربيع {إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُختَآلاً} معجبا بنفسه متكبرا، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ويظهر أثر ذلك فى كلامه ومشيه{فَخُوراً} على الناس بماله أو علمه، أو بنيه، أو كرمه أو شجاعته، أو مناقب آبائه، لما نزلت بكى ثابت بن قيس بن شماس، وقال: يا رسول الله إنى لأحب الجمال ولو لشراك نعلى، فقال: حديث : ليس ذلك كبرا، الكبر تسفيه الحق وغمص الخلق، أنت من أهل الجنة .
الالوسي
تفسير : {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} كلام مبتدأ مسوق للإرشاد إلى خلال مشتملة على معالي الأمور إثر إرشاد كل من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وإزالة الخصومة والخشونة إذا وقعت في البين وفيه تأكيد لرعاية حق الزوجية وتعليم المعاملة مع أصناف من الناس، وقدم الأمر بما يتعلق بحقوق الله تعالى لأنها المدار الأعظم، وفي ذلك إيماء أيضاً إلى ارتفاع شأن ما نظم في ذلك السلك، والعبادة أقصى غاية الخضوع، و {شَيْئاً} إما مفعول به أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً كان أو غيره، فالتنوين للتعميم. واختار عصام الدين كونه للتحقير ليكون فيه توبيخ عظيم ـ أي لا تشركوا به شيئاً حقيراً مع عدم تناهي كبريائه إذ كل شيء في جنب عظمته سبحانه أحقر حقير ـ ونسبة الممكن إلى الواجب أبعد من نسبة المعدوم إلى الموجود إذ المعدوم إمكان الموجود، وأين الإمكان من الوجوب؟ ضدان مفترقان أيّ تفرق، وإما مصدر أي لا تشركوا به عز شأنه شيئاً من الإشراك جلياً أو خفياً، وعطف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة مع أن الكف عن الإشراك لازم للعبادة بذلك التفسير إذ لا يتصور غاية الخضوع لمن له شريك ضرورة أن الخضوع لمن لا شريك له فوق الخضوع لمن له شريك للنهي عن الإشراك فيما جعله الشرع علامة نهاية الخضوع، أو للتوبيخ بغاية الجهل حيث لا يدركون هذا اللزوم كذا قيل: ولعل الأوضح أن يقال: إن هذا النهي إشارة إلى الأمر بالإخلاص فكأنه قيل: واعبدوا الله مخلصين له ويؤل ذلك كما أومأ إليه الإمام إلى أنه سبحانه أمر أولاً بما يشمل التوحيد وغيره من أعمال القلب والجوارح ثم أردفه بما يفهم منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونه فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي وأحسنوا بهما إحساناً فالجار متعلق بالفعل المقدر، وجوز تعلقه بالمصدر وقدم للاهتمام ـ وأحسن ـ يتعدى بالباء وإلى واللام، وقيل: إنما يتعدى بالباء إذا تضمن معنى العطف. والإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهما. {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك، وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرة قال في «البحر»: لأن هذا توصية لهذه الأمة فاعتنى به وأكد، وذلك في بني إسرائيل. {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} من الأجانب {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي الذي قرب جواره {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} أي البعيد من الجنابة ضد القرابة، وهي على هذا مكانية، ويحتمل أن يراد ـ بالجار ذي القربى ـ من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين ـ وبالجار الجنب ـ الذي لا قرابة له ولو مشركاً، أخرج أبو نعيم. والبزار من حديث جابر بن عبد الله ـ وفيه ضعف ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان: حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب»تفسير : ، وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الله بن عمر أنه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»تفسير : . / والظاهر أن مبنى الجوار على العرف، وعن الحسن كما في «الأدب» أنه سئل عن الجار فقال: أربعين داراً أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره، وروي مثله عن الزهري. وقيل: أربعين ذراعاً، ويبدأ بالأقرب فالأقرب، حديث : فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً، تفسير : وقرىء ـ والجار ذا القربى ـ بالنصب أي وأخص الجار، وفي ذلك تنبيه على عظم حق الجار. وقد أخرج الشيخان عن أبـي شريح الخزاعي «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره»تفسير : وفيما سمعه عبد الله كفاية، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} هو الرفيق في السفر أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك، وكلا القولين عن ابن عباس، وقيل: الرفق في أمر حسن ـ كتعلم وتصرف وصناعة وسفر ـ وعدوا من ذلك من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس وغير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، واستحسن جماعة هذا القيل لما فيه من العموم. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه ـ الصاحب ـ بالجنب ـ المرأة، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الصاحب، والعامل فيه الفعل المقدر {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر أو الضيف. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} قال مقاتل: من عبيدكم وإمائكم، وكان كثيراً ما يوصي بهم صلى الله عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «حديث : كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه» تفسير : ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوت المراتب حسبما يليق بكل وينبغي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} أي ذا خيلاء وكبر يأنف من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفت إليهم {فَخُوراً} يعد مناقبه عليهم تطاولاً وتعاظماً، والجملة تعليل للأمر السابق. أخرج الطبراني وابن مردويه حديث : عن ثابت بن قيس بن شماس قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ} الخ فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال: فأنت من أهل الجنة إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس»تفسير : والأخبار في هذا الباب كثيرة.
سيد قطب
تفسير : هناك أكثر من مناسبة واحدة، تربط بين مطلع هذا الدرس؛ وبين محور السورة كلها، وموضوعاتها الأساسية من ناحية؛ وبينه وبين موضوعات الدرس السابق في هذا الجزء من ناحية أخرى. فهذا الدرس بدء جولة في تنظيم حياة المجتمع المسلم؛ وتخليصه من رواسب الجاهلية، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة؛ والتحذير من أهل الكتاب - وهم اليهود بالمدينة - وما جبلوا عليه من شر ونكر؛ وما ينفثونه في المجتمع المسلم، وما يبذلونه من جهود لتعويق نموه وتكامله - وبخاصة من الناحية الأخلاقية، وناحية التكافل والتعاون، اللتين هما موضع القوة النامية في هذا المجتمع الجديد.. ولأن الدرس الجديد جولة جديدة، فقد بدأ بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها المجتمع المسلم - قاعدة التوحيد الخالص - التي تنبثق منها حياته؛ وينبثق منها منهج هذه الحياة، في كل جانب، وفي كل اتجاه. وقد سبق هذا الدرس أشواط منوعة في التنظيم العائلي، والتنظيم الاجتماعي. وكان الحديث في الدرس السابق عن الأسرة وتنظيمها ووسائل صيانتها؛ والروابط التي تشدها وتوثق بناءها.. فجاء هذا الدرس يتناول علاقات إنسانية - في المجتمع المسلم - أوسع مدى من علاقات الأسرة؛ ومتصلة بها كذلك. متصلة بها بالحديث عن الوالدين. ومتصلة بها في توسعها بعد علاقة الوالدين، لتشمل علاقات أخرى؛ ينبع الشعور بها من المشاعر الودود الطيبة التي تنشأ في جو الأسرة المتحابة؛ حتى تفيض على جوانب الإنسانية الأخرى؛ ويتعلمها الإنسان - أول من يتعلمها - في جو الأسرة الحاني ومحضنها الرفيق. ومن هناك يتوسع في علاقاته بأسرة الإنسانية كلها؛ بعدما بذرت بذورها في حسه أسرته الخاصة القريبة. ولأن في الدرس الجديد توجيهات إلى رعاية الأسرة القريبة - العائلة - والأسرة الكبيرة - الإنسانية - وإقامة قيم وموازين في هذا الحقل، للباذلين وللباخلين.. فقد ابتدأ الدرس بالقاعدة الأساسية التي تنبثق منها كل القيم والموازين - كما ينبثق منها منهج الحياة كله في المجتمع المسلم - وهي قاعدة التوحيد.. وربط كل حركة وكل نشاط، وكل خالجة وكل انفعال بمعنى العبادة لله. التي هي غاية كل نشاط إنساني، في ضمير المسلم وفي حياته.. وبسبب من الحديث عن عبادة الله وحده - في محيطها الشامل - جاءت الفقرة الثانية في الدرس؛ تبين بعض أحكام الصلاة والطهارة؛ وتتخذ خطوة في طريق تحريم الخمر - ولم تكن قد حرمت بعد- باعتبار هذه الخطوة جزءاً من برنامج التربية الإسلامية العامة الدائبة الخطى في المجتمع الوليد. وباعتبار علاقتها بالعبادة والصلاة والتوحيد.. حلقات متماسكة بعضها مع بعض. ومع الدرس السابق. ومع محور السورة كذلك. {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم.. إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً! وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله، وكان الله بهم عليماً، إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً. فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً؟ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً".. هذه الفقرة تبدأ بالأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن إشراك شيء به.. تبدأ بحرف عطف يربط بين هذا الأمر، وهذا النهي، والأوامر السابقة الخاصة بتنظيم الأسرة في أواخر الدرس الماضي. فيدل هذا الربط بين الموضوعين على الوحدة الكلية الشاملة المتكاملة في هذا الدين. فليس هو مجرد عقيدة تستكن في الضمير؛ ولا مجرد شعائر تقام وعبادات؛ ولا مجرد تنظيم دنيوي منقطع الصلة بالعقيدة وبالشعائر التعبدية.. إنما هو منهج يشمل هذا النشاط كله، ويربط بين جوانبه، ويشدها جميعاً إلى الأصل الأصيل. وهو توحيد الله. والتلقي منه وحده - في هذا النشاط كله - دون سواه. توحيده إلهاً معبوداً. وتوحيده مصدراً للتوجيه والتشريع لكل النشاط الإنساني أيضاً. لا ينفك هذا التوحيد عن ذاك - في الإسلام - وفي دين الله الصحيح على الإطلاق. ويلي الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، الأمر بالإحسان إلى تلك المجموعات من الأسرة الخاصة، والأسرة الإنسانية؛ وتقبيح البخل والخيلاء والفخر وأمر الناس بالبخل؛ وكتمان فضل الله - من أي نوع سواء كان من المال أم من العلم والدين - والتحذير من اتباع الشيطان؛ والتلويح بعذاب الآخرة؛ وما فيه من خزي وافتضاح.. لربط هذا كله بالتوحيد؛ وتحديد المصدر الذي يتلقى منه من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً. وهو مصدر كذلك واحد لا يتعدد ولا يشاركه أحد في التوجيه والتشريع؛ كما لا يشاركه أحد في الألوهية وعبادة الناس له بلا شريك. {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. وبالوالدين إحساناً. وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب. وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم...}. إن التشريعات والتوجيهات - في منهج الله - إنما تنبثق كلها من أصل واحد، وترتكز على ركيزة واحدة. إنها تنبثق من العقيدة في الله، وترتكز على التوحيد المطلق سمة هذه العقيدة.. ومن ثم يتصل بعضها ببعض؛ ويتناسق بعضها مع بعض؛ ويصعب فصل جزئية منها عن جزئية؛ وتصبح دراسة أي منها ناقصة بدون الرجوع إلى أصلها الكبير الذي تلتقي عنده؛ ويصبح العمل ببعضها دون البعض الآخر غير واف بتحقيق صفة الإسلام؛ كما أنه غير واف بتحقيق ثمار المنهج الإسلامي في الحياة. من العقيدة في الله تنبع كل التصورات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية. تلك التصورات التي تقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية. والتي تؤثر في علاقات الناس بعضهم ببعض، في كل مجالي النشاط الإنساني في الأرض؛ والتي تكيف ضمير الفرد وواقع المجتمع؛ والتي تجعل المعاملات عبادات - بما فيها من اتباع لمنهج الله ومراقبة الله - والعبادات قاعدة للمعاملات - بما فيها من تطهير للضمير والسلوك - والتي تحيل الحياة في النهاية وحدة متماسكة؛ تنبثق من المنهج الرباني، وتتلقى منه وحده دون سواه، وتجعل مردها في الدنيا والآخرة إلى الله. هذه السمة الأساسية في العقيدة الإسلامية، وفي المنهج الإسلامي، وفي دين الله الصحيح كله، تبرز هنا في تصدير آية الإحسان إلى الوالدين والأقربين، وغيرهم من طوائف الناس. بعبادة الله وتوحيده - كما أسلفنا - ثم في الجمع بين قرابة الوالدين، وقرابة هذه الطوائف من الناس، متصلة هذه وتلك بعبادة الله وتوحيده - كذلك - وذلك بعد أن جعل هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة القريبة في نهاية الدرس الماضي، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة في هذا الدرس - على النحو الذي بينا من قبل - ليصلها جميعاً بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعاً؛ وليوحد المصدر الذي يشرع ويوجه في شأن هذه الأواصر جميعاً.. {واعبدوا الله.. ولا تشركوا به شيئاً}.. الأمر الأول بعبادة الله.. والنهي الثاني لتحريم عبادة أحد - معه - سواه. نهياً باتاً، شاملاً، لكل أنواع المعبودات التي عرفتها البشرية: {ولا تشركوا به شيئاً}.. شيئاً كائناً ما كان، من مادة أو حيوان أو إنسان أو ملك أو شيطان.. فكلها مما يدخل في مدلول كلمة شيء، عند إطلاق التعبير على هذا المنوال.. ثم ينطلق إلى الأمر بالإحسان إلى الوالدين - على التخصيص - ولذوي القربى - على التعميم - ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين - وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية؛ فقد كان الله أرحم بالذراري من آبائهم وأمهاتهم في كل حال. والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين. بالجيل المدبر المولي. إذ الأولاد - في الغالب - يتجهون بكينونتهم كلها، وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم؛ لا الجيل الذي خلفهم! وبينما هم مدفوعون في تيار الحياة إلى الأمام، غافلون عن التلفت إلى الوراء، تجيئهم هذه التوجيهات من الرحمن الرحيم، الذي لا يترك والداً ولا مولوداً، والذي لا ينسى ذرية ولا والدين؛ والذي يعلم عباده الرحمة بعضهم ببعض، ولو كانوا ذرية أو والدين! كذلك يلحظ في هذه الآية - وفي كثير غيرها - أن التوجيه إلى البر يبدأ بذوي القربى - قرابة خاصة أو عامة - ثم يمتد منها ويتسع نطاقه من محورها، إلى بقية المحتاجين إلى الرعاية من الأسرة الإنسانية الكبيرة. وهذا المنهج يتفق - أولاً - مع الفطرة ويسايرها. فعاطفة الرحمة، ووجدان المشاركة، يبدآن أولاً في البيت. في الأسرة الصغيرة. وقلما ينبثقان في نفس لم تذق طعم هذه العاطفة ولم تجد مسّ هذا الوجدان في المحضن الأول. والنفس كذلك أميل إلى البدء بالأقربين - فطرة وطبعاً - ولا بأس من ذلك ولا ضير؛ ما دامت توجه دائماً إلى التوسع في الدائرة من هذه النقطة ومن هذا المحور.. ثم يتفق المنهج - ثانياً - مع طريقة التنظيم الاجتماعي الإسلامية: من جعل الكافل يبدأ في محيط الأسرة؛ ثم ينساح في محيط الجماعة. كي لا يركز عمليات التكافل في يد الأجهزة الحكومية الضخمة - إلا عندما تعجز الأجهزة الصغيرة المباشرة - فالوحدات المحلية الصغيرة أقدر على تحقيق هذا التكافل: في وقته المناسب وفي سهولة ويسر. وفي تراحم وود يجعل جو الحياة لائقاً ببني الإنسان! وهنا يبدأ بالإحسان إلى الوالدين. ويتوسع منهما إلى ذوي القربى. ومنهم إلى اليتامى والمساكين - ولو أنهم قد يكونون أبعد مكاناً من الجار. ذلك أنهم أشد حاجة وأولى بالرعاية - ثم الجار ذو القرابة. فالجار الأجنبي - مقدمين على الصاحب المرافق - لأن الجار قربه دائم، أما الصاحب فلقاؤه على فترات - ثم الصاحب المرافق - وقد ورد في تفسيره أنه الجليس في الحضر،الرفيق في السفر - ثم ابن السبيل. العابر المنقطع عن أهله وماله. ثم الرقيق الذين جعلتهم الملابسات "ملك اليمين" ولكنهم يتصلون بآصرة الإنسانية الكبرى بين بني آدم أجمعين. ويعقب على الأمر بالإحسان، بتقبيح الاختيال والفخر، والبخل والتبخيل، وكتمان نعمة الله وفضله، والرياء في الإنفاق؛ والكشف عن سبب هذا كله، وهو عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، واتباع الشيطان وصحبته: {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله. وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً!} وهكذا تتضح مرة أخرى تلك اللمسة الأساسية في المنهج الإسلامي. وهي ربط كل مظاهر السلوك, وكل دوافع الشعور، وكل علاقات المجتمع بالعقيدة. فإفراد الله - سبحانه - بالعبادة والتلقي، يتبعه الإحسان إلى البشر، ابتغاء وجه الله ورضاه، والتعلق بثوابه في الآخرة؛ في أدب ورفق ومعرفة بأن العبد لا ينفق إلا من رزق الله. فهو لا يخلق رزقه، ولا ينال إلا من عطاء الله.. والكفر بالله وباليوم الآخر يصاحبه الاختيال والفخر، والبخل والأمر بالبخل، وكتمان فضل الله ونعمته بحيث لا تظهر آثارها في إحسان أو عطاء؛ أو الإنفاق رياء وتظاهراً طلباً للمفخرة عند الناس؛ إذ لا إيمان بجزاء آخر غير الفخر والخيلاء بين العباد! وهكذا تتحدد "الأخلاق".. أخلاق الإيمان. وأخلاق الكفر.. فالباعث على العمل الطيب، والخلق الطيب، هو الإيمان بالله واليوم الآخر، والتطلع إلى رضاء الله.. وجزاء الآخرة. فهو باعث رفيع لا ينتظر صاحبه جزاء من الناس، ولا يتلقاه ابتداء من عرف الناس! فإذا لم يكن هناك إيمان باله يبتغي وجهه، وتتحدد بواعث العمل بالرغبة في رضاه. وإذا لم يكن هناك اعتقاد بيوم آخر يتم فيه الجزاء.. اتجه هم الناس إلى نيل القيم الأرضية المستمدة من عرف الناس. وهذه لا ضابط لها في جيل واحد في رقعة واحدة، فضلاً عن أن يكون لها ضابط ثابت في كل زمان وفي كل مكان! وكانت هذه هي بواعثهم للعمل. وكان هناك التأرجح المستمر كتأرجح أهواء الناس وقيمهم التي لا تثبت على حال! وكان معها تلك الصفات الذميمة من الفخر والخيلاء، والبخل والتبخيل، ومراءاة الناس لا التجرد والإخلاص! والتعبير القرآني يقول: إن الله {لا يحب} هؤلاء.. والله - سبحانه - لا ينفعل انفعال الكره والحب. إنما المقصود ما يصاحب هذا الانفعال في مألوف البشر من الطرد والأذى وسوء الجزاء: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}.. والإهانة هي الجزاء المقابل للفخر والخيلاء. ولكن التعبير القرآني يلقي ظلاله - إلى جوار المعنى المقصود - وهي ظلال مقصودة؛ تثير في النفوس الكره لهذه الصفات، ولهذه التصرفات؛ كما تثير الاحتقار والاشمئزاز. وبخاصة حين يضم إليها أن الشيطان هو قرينهم: {ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً}! وقد ورد أن هذه النصوص نزلت في جماعة من يهود المدينة.. وهي صفات تنطبق على اليهود، كما تنطبق على المنافقين.. وكلاهما كان موجوداً في المجتمع المسلم في ذلك الحين.. وقد تكون الإشارة إلى كتمانهم ما آتاهم الله من فضله، تعني كذلك كتمانهم للحقائق التي يعرفونها في كتبهم عن هذا الدين، وعن رسوله الأمين.. ولكن النص عام، والسياق بصدد الإحسان بالمال وبالمعاملة. فأولى أن نترك مفهومه عاماً. لأنه الأقرب إلى طبيعة السياق. وحين ينتهي من عرض سوءات نفوسهم؛ وسوءات سلوكهم؛ ومن عرض أسبابها من الكفر بالله واليوم الآخر، وصحبة الشيطان واتباعه؛ ومن الجزاء المعد المهيأ لأصحاب هذه السوءات، وهو العذاب المهين.. عندئذ يسأل في استنكار: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله، واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله؟ وكان الله بهم عليماً. إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً}.. أجل! ماذا عليهم؟ ما الذي يخشونه من الإيمان بالله واليوم الآخر، والإنفاق من رزق الله. والله عليم بهم بما أنفقوا وبما استقر في قلوبهم من بواعث، والله لا يظلم مثقال ذرة فلا خشية من الجهل بإيمانهم وإنفاقهم. ولا خوف من الظلم في جزائهم.. بل هناك الفضل والزيادة، بمضاعفة الحسنات، والزيادة من فضل الله بلا حساب؟ إن طريق الإيمان أضمن وأكسب - على كل حال وعلى كل احتمال - وحتى بحساب الربح المادي والخسارة المادية، فإن الإيمان - في هذه الصورة - يبدو هو الأضمن وهو الأربح! فماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر؛ وأنفقوا مما رزقهم الله؟ إنهم لا ينفقون من شيء خلقوه لأنفسهم خلقاً؛ إنما هو رزق الله لهم. ومع ذلك يضاعف لهم الحسنة؛ ويزيدهم من فضله، وهم من رزقه ينفقون ويعطون! فياله من كرم! وياله من فيض! ويالها من صفقة لا يقعد عنها إلا جاهل خسران! ثم يختم الأوامر والنواهي، والتحضيض والترغيب، بمشهد من مشاهد القيامة؛ يجسم موقفهم فيه، ويرسم حركة النفوس والمشاعر كأنها شاخصة متحركة.. على طريقة القرآن في مشاهد القيامة: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً! يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً}.. إنه يمهد لمشهد القيامة، بأن الله لا يظلم مثقال ذرة.. وإذن فهو العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه قيد شعرة.. وأنه يضاعف الحسنات ويؤتي فضلاً عنها أجراً من لدنه عظيماً.. فهي الرحمة إذن لمن يستحقون الرحمة؛ والفضل المطلق لمن كانوا يرجون الفضل، بالإيمان والعمل.. فأما هؤلاء. هؤلاء الذين لم يقدموا إيماناً، ولم يقدموا عملاً.. هؤلاء الذين لم يقدموا إلا الكفر وسوء العمل.. فكيف يكون حالهم يومذاك؟ كيف يكون الحال، إذا جئنا من كل أمة بشهيد - هو نبيها الذي يشهد عليها - وجئنا بك على هؤلاء شهيداً؟ وعندئذ يرتسم المشهد شاخصاً.. ساحة العرض الواسعة. وكل أمة حاضرة. وعلى كل أمة شهيد بأعمالها.. وهؤلاء الكافرون المختالون الفخورون الباخلون المبخلون، الكاتمون لفضل الله، المراءون الذين لم يبتغوا وجه الله.. هؤلاء هم نكاد نراهم من خلال التعبير! واقفين في الساحة وقد انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم للشهادة! هؤلاء هم بكل ما أضمروا وأظهروا. بكل ما كفروا وما أنكروا. بكل ما اختالوا وما افتخروا. بكل ما بخلوا وبخلوا. بكل ما راءوا وتظاهروا.. هؤلاء هم في حضرة الخالق الذي كفروا به، الرازق الذي كتموا فضله وبخلوا بالإنفاق مما أعطاهم. في اليوم الآخر الذي لم يؤمنوا به. في مواجهة الرسول الذي عصوه.. فكيف؟؟؟ إنها المهانة والخزي، والخجل والندامة.. مع الاعتراف حيث لا جدوى من الإنكار.. والسياق القرآني لا يصف هذا كله من الظاهر. إنما يرسم "صورة نفسية" تتضح بهذا كله؛ وترتسم حواليها تلك الظلال كلها. ظلال الخزي والمهانة، والخجل والندامة: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً"! ومن خلال اللمسات المعبرة في الصورة الحية، نحس بكل تلك المعاني، وبكل تلك الانفعالات، وهي تتحرك في هذه النفوس.. نحس بها عميقة حية مؤثرة. كما لا نحس من خلال أي تعبير آخر.. وصفي أو تحليلي.. وتلك طريقة القرآن في مشاهد القيامة، وفي غيرها من مواضع التعبير بالتصوير. وقد بدأ الدرس بالأمر بعبادة الله والنهي عن إشراك شيء به.. والصلاة أمس الشعائر بمعنى العبادة. وفي الآية التالية بيان لبعض أحكامها، وأحكام الطهارة الممهدة لها: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - حتى تعلموا ما تقولون - ولا جنباً - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا. وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. إن الله كان عفواً غفوراً".. إنها حلقة في سلسلة التربية الربانية للجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الإسلامي من سفح الجاهلية - وكانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصلية الشاملة؛ وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع. كما أنها تكاد تكون ظاهرة مميزة لكل جاهلية في القديم والحديث أيضاً.. الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته؛ وللمجتمع الفارسي أيضاً. وكذلك هي اليوم ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته! والشأن أيضاً كذلك في جاهلية المجتمع الإفريقي المتخلفة من الجاهلية الأولى! في السويد - وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها. وكان متوسط ما يستهلكه الفرد، حوالي عشرين لتراً. وأحست الحكومة خطورة هذه الحال، وما ينشره من إدمان؛ فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور، وتحديد الاستهلاك الفردي، ومنع شرب الخمور في المحال العامة، ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام. ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال العامة، حتى منتصف الليل فقط! وبعد ذلك يباح شرب "النبيذ والبيرة" فحسب! وإدمان الخمر عند المراهقين يتضاعف..! أما في أمريكا، فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانوناً في سنة 1919 سمي قانون"الجفاف"! من باب التهكم عليه، لأنه يمنع "الري" بالخمر! وقد ظل هذا القانون قائماً مدة أربعة عشر عاماً، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة1933. وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر. ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات. وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة. وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاماً لا يقل عن 250 مليون جنيه. وقد أعدم فيها 300 نفس؛ وسجن كذلك 532.335 نفساً. وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه. وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه.. وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون. فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي.. ببضع آيات من القرآن. وهذا هو الفرق في علاج النفس البشرية، وفي علاج المجتمع الإنساني.. بين منهج الله، ومناهج الجاهلية قديماً وحديثاً على السواء! ولكي ندرك تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الجاهلي، يجب أن نعود إلى الشعر الجاهلي؛ حيث نجد "الخمر" عنصراً أساسياً من عناصر المادة الأدبية؛ كما أنه عنصر أساسي من عناصر الحياة كلها. لقد بلغ من شيوع تجارة الخمر، أن أصبحت كلمة التجارة، مرادفة لبيع الخمر.. يقول لبيد: شعر : قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها تفسير : ويقول عمرو بن قميئة: شعر : إذا أسحب الريط والمروط إلى أدني تجاري وأنفض اللمما تفسير : ووصف مجالس الشراب، والمفاخرة بها تزحم الشعر الجاهلي، وتطبعه طابعاً ظاهراً. يقول امرؤ القيس: شعر : وأصبحت ودعت الصبا غير أنني أراقب خلاّت من العيش أربعا فمنهن قولي للندامى: تـرفقوا يداجون نشاجاً من الخمر مترعا ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا يبادرن سربا آمنا أن يفزّعا تفسير : ...الخ ويقول طرفة بن العبد: شعر : فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهن سبقي العاذلات بشربة كُمَيْتٍ متى ما تعْل بالماء تزبد وما زال تشرابي الخمور ولذتي وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد تفسير : ويقول الأعشى: شعر : فقد أشرب الراح قد تعلمين يوم المقام ويوم الظعن وأشرب بالريف حتى يقال قد طال بالريف ما قد دجن تفسير : ويقول المنخل اليشكري: شعر : ولقد شربت من المدا مة بالصغير وبالكبير فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير تفسير : وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي... ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم، والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث.. وفيهم عمر، وعلي، وحمزة، وعبدالرحمن بن عوف.. وأمثال هذا الطراز من الرجال.. تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية. وتكفي عن الوصف المطول المفصل: يقول عمر رضي الله عنه في قصة إسلامه.. في رواية.."كنت صاحب خمر في الجاهلية. فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب..." وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام. حتى إذا نزلت آية: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما}تفسير : .. قال: "اللهم بيّن لنا بياناً شافياً في الخمر".. واستمر.. حتى إذا نزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}.. قال: اللهم بيّن لنا بياناً شافياً في الخمر! حتى إذا نزلت آية التحريم الصريحة: {أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}تفسير : .. قال: انتهينا انتهينا! وانتهى.. وفي سبب نزول هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ترد روايتان يشترك في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين. وسعد بن معاذ من الأنصار. روى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود - بإسناده - عن مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: "نزلت في أربع آيات. صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعا أناساً من المهاجرين وأناساً من الأنصار. فأكلنا وشربنا، حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لحي بعير (عظم الفك) فغرز بها أنف سعد. فكان سعد مغروز الأنف. وذلك قبل تحريم الخمر. فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}.. والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار. حدثنا عبد الرحمن بن عبدالله الدشتكي أبو جعفر. عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموا فلاناً قال: فقرأ قل يا أيها الكافرون. ما أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون! فأنزل الله: {يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنت سكارى حتى تعلموا ما تقولون}. ولا نحتاج إلى مزيد من الأمثلة والروايات؛ لندلل على تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي. فهي كانت والميسر، الظاهرتين البارزتين؛ المتداخلتين، في تقاليد هذا المجتمع.. فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبداً؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة، تتعلق بها تقاليد اجتماعية؛ كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟ لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن؛ وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة. وكسب المعركة. دون حرب. ودون تضحيات. ودون إراقة دماء.. والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين - حين سمعوا آية التحريم - فمجوها من أفواهم. ولم يبلعوها. كما سيجيء! في مكة - حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان.. إلا سلطان القرآن - وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإسلام للخمر. تدرك من ثنايا العبارة. وهي مجرد إشارة: جاء في سورة النحل: {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً}تفسير : .. فوضع "السكر" وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب، وفي مقابل الرزق الحسن! ملمحا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء. والرزق "الحسن" شيء آخر.. وكانت مجرد لمسة من بعيد؛ للضمير المسلم الوليد! ولكن عادة الشراب، أو تقليد الشراب - بمعنى أدق - فقد كان أعمق من عادة فردية. كان تقليداً اجتماعياً، له جذور اقتصادية.. كان أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة.. وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان.. لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان. إنما كان أولاً سلطان القرآن.. وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر، وفي خبرة بالنفس البشرية، والأوضاع الاجتماعية.. بدأ بآية البقرة رداً على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما إثم كبير، ومنافع للناس.. وإثمهما أكبر من نفعهما..}تفسير : وكانت هي الطرقة الأولى، ذات الصوت المسموع.. في الحس الإسلامي، وفي الضمير الإسلامي، وفي المنطق الفقهي الإسلامي.. فمدار الحل والحرمة.. أو الكراهية.. على رجحان الإثم أو رجحان الخير، في أمر من الأمور.. وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما.. فهذا مفرق الطريق.. ولكن الأمر كان أعمق من هذا.. وقال عمر - رضي الله عنه -: "اللهم بين لنا بياناً شافياً في الخمر".. عمر!!! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي! ثم حدثت أحداث - كالتي رويناها - ونزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون}.. وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل.. لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة، بين التنفير من الخمر، لأن إثمها أكبر من نفعها، وبين التحريم البات، لأنها رجس من عمل الشيطان. وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة: هي "قطع عادة الشراب" أو "كسر الإدمان".. وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة. وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار. وبينها فترات لا تكفي للشراب - الذي يرضي المدمنين - ثم الإفاقة من السكر الغليظ! حتى يعلموا ما يقولون! فضلاً على أن للشراب كذلك أوقاتاً ومواعيد خاصة من الصبوح والغبوق.. صباحاً ومساء.. وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة.. وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب.. وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة.. ومع ذلك.. فقد قال عمر رضي الله عنه - وهو عمر!!! - "اللهم بين لنا بياناً شافياً في الخمر".. ثم مضى الزمن. ووقعت الأحداث. وجاء الوعد المناسب - وفق ترتيب المنهج - للضربة الحاسمة. فنزلت الآيتان في المائدة: {أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ } تفسير : وانتهى المسلمون كافة. وأريقت زقاق الخمر، وكسرت دنانها في كل مكان.. بمجرد سماع الأمر.. ومج الذين كان في أفواههم جرعات من الخمر ما في أفواههم - حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم. وهم شاربون.. لقد انتصر القرآن. وأفلح المنهج. وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان!!! ولكن كيف كان هذا؟ كيف تمت هذه المعجزة، التي لا نظير لها في تاريخ البشر؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان، ولا في أي زمان؟ لقد تمت المعجزة، لأن المنهج الرباني، أخذ النفس الإنسانية، بطريقته الخاصة.. أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله - سبحانه - فيها حضوراً لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان.. أخذها جملة لا تفاريق.. وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة.. لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغاً تملؤه بنشوة الخمر، وخيالات السكر، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء.. في الهواء.. ملأ فراغها باهتمامات. منها: نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها، من تيه الجاهلية الأجرد، وهجيرها المتلظي، وظلامها الدامس، وعبوديتها المذلة، وضيقها الخانق، إلى رياض الإسلام البديعة، وظلاله الندية، ونوره الوضيء، وحريته الكريمة، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة! وملأ فراغها - وهذا هو الأهم - بالإيمان. بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج. فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر، تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء.. وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله.. وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها؛ وترفض خمارها وصداعها؛ وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية! إنه استنقذ الفطرة من ركام الجاهلية؛ وفتحها بمفتاحها، الذي لا تفتح بغيره؛ وتمشى في حناياها وأوصالها؛ وفي مسالكها ودروبها.. ينشر النور، والحياة، والنظافة، والطهر، واليقظة، والهمة، والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير، والخلافة في الأرض، على أصولها، التي قررها العليم الخبير، وعلى عهد الله وشرطه، وعلى هدى ونور.. إن الخمر - كالميسر. كبقية الملاهي. كالجنون بما يسمونه "الألعاب الرياضية" والإسراف في الاهتمام بمشاهدها.. كالجنون بالسرعة.. كالجنون بالسينما.. كالجنون "بالمودات" "والتقاليع".. كالجنون بمصارعة الثيران.. كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى حياة القطعان البشرية في الجاهلية الحديثة اليوم، جاهلية الحضارة الصناعية! إن هذه كلها ليست إلا تعبيراً عن الخواء الروحي.. من الإيمان أولاً.. ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانياً.. وليست إلا إعلاناً عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية.. ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا.. وهما بذاتهما اللذان يقودان إلى "الجنون" المعروف، وإلى المرض النفسي والعصبي.. وإلى الشذوذ.. إنها لم تكن كلمات.. هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة.. إنما كان منهج. منهج هذه الكلمات متنه وأصله. منهج من صنع رب الناس. لا من صنع الناس! وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج، لا تؤدي إلى كثير! إنه ليست المسألة أن يقال كلام! فالكلام كثير. وقد يكتب فلان من الفلاسفة. أو فلان من الشعراء. أو فلان من المفكرين. أو فلان من السلاطين! قد يكتب كلاماً منمقاً جميلاً يبدو أنه يؤلف منهجاً، أو مذهباً، أو فلسفة.. الخ.. ولكن ضمائر الناس تتلقاه، بلا سلطان. لأنه "ما أنزل الله به من سلطان"! فمصدر الكلمة هو الذي يمنحها السلطان.. وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور! فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج، غير منهج العليم الخبير؟ وأن يشرعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلاق القدير؟ متى؟ متى ينتهون عن هذا الغرور؟؟؟ ونعود من هذا الاستطراد إلى الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى - تعلموا ما تقولون - ولا جنباً - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا...} كما منعت الآية - الذين آمنوا - أن يقربوا الصلاة وهم سكارى - حتى يعلموا ما يقولون - كذلك منعتهم من الصلاة وهم جنب - إلا عابري سبيل - حتى يغتسلوا... وتختلف الأقوال في المقصود من "عابري سبيل" كما تختلف في معنى قرب الصلاة المنهي عنه.. فقول: إن المقصود هو عدم قرب المساجد، أو المكث فيها، لمن كان جنباً، حتى يغتسل. إلا أن يكون عابراً بالمسجد مجرد عبور. وقد كان جماعة من الصحابة أبواب بيوتهم تفتح في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو طريقهم من وإلى هذه البيوت. فرخص لهم في المرور - وهم جنب - لا بالمكث في المسجد - ولا الصلاة بطبيعة الحال - إلا بعد الاغتسال. وقول: إن المقصود هو الصلاة ذاتها. والنهي عن أدائها للجنب - إلا بعد الاغتسال - مالم يكن مسافراً. فيحل له عندئذ أن يقصد المسجد وأن يصلي - بلا اغتسال - ولكن بالتيمم. الذي يسد مسد الغسل - عندئذ - كما يسد مسد الوضوء.. والقول الأول يبدو أظهر وأوجه. لأن الحالة الثانية - حالة السفر - ذكرت في الآية نفسها بعد ذلك. فتفسير عابري سبيل - بالمسافرين، ينشىء تكراراً للحكم في الآية الواحدة، لا ضرورة له: {وإن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء - فلم تجدوا ماء - فتيمموا صعيداً طيباً. فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. إن الله كان عفواً غفوراً}.. فهذا النص يشمل حالة المسافر - عندما يصيبه حدث أكبر فيكون جنباً في حاجة إلى الغسل أو حدث أصغر، فيكون في حاجة إلى الوضوء، لأداء الصلاة. والنص يسويه في هذه الحالة بمن كان مريضاً، فألم به حدث أكبر أو أصغر. أو بمن جاء من الغائط (والغائط مكان منخفض كانوا يقضون حاجتهم فيه، فكنى عن الفعل بالمجيء من مكان الفعل) فأصابه حدث أصغر يقتضي الوضوء. أو بمن لامس النساء.. وفي {لامستم النساء}.. أقوال كذلك: قول: إنه كناية عن الجماع.. فهو يستوجب الغسل. وقول إنه يعني حقيقة اللمس.. لمس أي جزء من جسم الرجل لجسم المرأة.. وهو يستوجب الوضوء في بعض المذاهب، ولا يستوجبه في بعضها. بتفصيلات تطلب في كتب الفروع نذكر منها إجمالاً: "أ" اللمس يوجب الوضوء إطلاقاً. "ب" اللمس يوجب الوضوء إذا كان اللامس ممن تثور الشهوة في نفسه باللمس. وإذا كانت الملموسة ممن تثير الشهوة باللمس. "ج" اللمس يوجب الوضوء إذا أحس اللامس نفسه - حسب تقديره في كل حالة - أن اللمسة أثارت في نفسه حركة. "د" اللمس لا يوجب الوضوء إطلاقاً، ولا العناق ولا التقبيل للزوجة.. ولكل قول سنده من أفعال أو من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.. على طريقة الاختلافات الفقهية في الفروع. والذي نرجحه في معنى {أو لامستم النساء} أنه كناية عن الفعل الذي يستوجب الغسل. وبذلك نستغني هنا عن كل الخلافات في مسألة الوضوء.. وفي جميع هذه الحالات المذكورة، سواء كانت الحالة تستوجب الغسل أو تستوجب الوضوء للصلاة.. حين لا يوجد الماء - وكذلك حين يوجد ولكن استعماله يكون ضاراً أو غير مقدور عليه - يغني عن الغسل والوضوء: التيمم. وقد جاء اسمه من نص الآية. {فتيمموا صعيداً طيباً}.. أي فاقصدوا صعيداً طيباً.. طاهراً.. والصعيد كل ما كان من جنس الأرض من تراب. أو حجر. أو حائط. ولو كان التراب مما على ظهر الدابة. أو في الفراش من ذرات التراب المتطاير. متى كان هناك تراب يتطاير عند ضرب اليدين به. وطريقة التيمم: إما خبطة واحدة بالكفين على الصعيد الطاهر. ثم نفضهما. ثم مسح الوجه. ثم مسح اليدين إلى المرفقين بهما.. وإما خبطتان: خبطة يمسح بها الوجه، وخبطة يمسح بها الذراعان.. ولا داعي هنا لذكر الخلافات الفقهية الدقيقة فيما وراء هذا.. فهذا الدين يسر، وفي شرعية التيمم يتجلى معنى التيسير واضحاً: {إن الله كان عفواً غفوراً}.. وهو التعقيب الموحي بالتيسير. وبالعطف على الضعف، وبالمسامحة في القصور. والمغفرة في التقصير.. وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الآية وعن هذا الدرس.. نقف أمام بضع لمسات في هذه الآية القصيرة: نقف أمام "حكمة التيمم". نحاول استيضاح ما ييسره لنا الله من حكمتها.. إن بعض الباحثين في حكمة التشريعات والعبادات الإسلامية، يندفعون أحياناً في تعليل هذه الأحكام؛ بصورة توحي بأنهم استقصوا هذه الحكمة؛ فلم يعد وراء ما استقصوه شيء! وهذا منهج غير سليم في مواجهة النصوص القرآنية والأحكام التشريعية.. ما لم يكن قد نص على حكمتها نصاً.. وأولى: أن نقول دائماً: إن هذا ما استطعنا أن نستشرفه من حكمة النص أو الحكم. وأنه قد تكون دائماً هنالك أسرار من الحكمة لم يؤذن لنا في استجلائها! وبذلك نضع عقلنا البشري - في مكانه - أمام النصوص والأحكام الإلهية. بدون إفراط ولا تفريط.. أقول هذا، لأن بعضنا - ومنهم المخلصون - يحبون أن يقدموا النصوص والأحكام الإسلامية للناس، ومعها حكمة محددة، مستقاة مما عرفه البشر من واقعهم أو مما كشف عنه "العلم الحديث"! وهذا حسن - ولكن في حدود - هي الحدود التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة. وكثيراً ما ذكر عن حكمة الوضوء - قبل الصلاة - أنها النظافة.. وقد يكون هذا المعنى مقصوداً في الوضوء. ولكن الجزم بأنه هو.. وهو دون غيره.. هو المنهج غير السليم. وغير المأمون أيضاً: فقد جاء وقت قال بعض المماحكين: لا حاجة بنا إلى هذه الطريقة البدائية: فالنظافة الآن موفورة. والناس يجعلونها في برنامج حياتهم اليومي. فإذا كانت هذه هي "حكمة الوضوء" فلا داعي للوضوء إذن للصلاة! بل.. لا داعي للصلاة أيضاً!! وكثيراً ما ذكر عن" حكمة الصلاة"... تارة أنها حركات رياضية تشغل الجسم كله وتارة بأنها تعويد على النظام: أولاً في مواقيتها. وثانياً في حركاتها. وثالثاً في نظام الصفوف والإمامة... الخ. وتارة أنها الاتصال بالله في الدعاء والقراءة.. وهذا وذاك وذلك قد يكون مقصوداً.. ولكن الجزم بأن هذا أو ذاك أو ذلك هو "حكمة الصلاة" يتجاوز المنهج السليم والحد المأمون. وقد جاء حين من الدهر قال بعضهم فيه: إنه لا حاجة بنا إلى حركات الصلاة الرياضية. فالتدريبات الرياضية المنوعة كفيلة بهذا بعد أن أصبحت الرياضة فناً من الفنون! وقال بعضهم: ولا حاجة بنا إلى الصلاة لتعود النظام. فعندنا الجندية - مجال النظام الأكبر. وفيها غناء! وقال بعضهم: لا حاجة لتحتيم شكل هذه الصلاة. فالاتصال بالله يمكن أن يتم في خلوة ونجوة بعيداً عن حركات الجوارح، التي قد تعطل الاستشراف الروحي! وهكذا.. إذا رحنا "نحدد" حكمة كل عبادة. وحكمة كل حكم. ونعلله تعليلاً وفق "العقل البشري" أو وفق "العلم الحديث" ثم نجزم بأن هذا هو المقصود.. فإننا نبعد كثيراً عن المنهج السليم في مواجهة نصوص الله وأحكامه. كما نبعد كذلك عن الحد المأمون. ونفتح الباب دائماً للمماحكات. فوق ما تحتمله تعليلاتنا من خطأ جسيم. وبخاصة حين نربطها بالعلم. والعلم قلب لا يثبت على حال. وهو كل يوم في تصحيح وتعديل! وهنا في موضوعنا الحاضر - موضوع التيمم - يبدو أن حكمة الوضوء أو الغسل، ليست هي " مجرد" النظافة. وإلا فإن البديل من أحدهما أو من كليهما، لا يحقق هذه "الحكمة"! فلا بد إذن من حكمة "أخرى" للوضوء أو الغسل. تكون متحققة كذلك في "التيمم".. ولا نريد نحن أن نقع في الغلطة نفسها فنجزم! ولكننا نقول فقط: إنها - ربما - كانت هي الاستعداد النفسي للقاء الله، بعمل ما، يفصل بين شواغل الحياة اليومية العادية، وبين اللقاء العظيم الكريم.. ومن ثم يقوم التيمم - في هذا الجانب - مكان الغسل أو مكان الوضوء.. ويبقى وراء هذا علم الله الكامل الشامل اللطيف؛ بدخائل النفوس، ومنحنياتها ودروبها، التي لا يعلمها إلا اللطيف الخبير.. ويبقى أن نتعلم نحن شيئاً من الأدب مع الجليل العظيم العلي الكبير.. ونقف مرة أخرى أمام حرص المنهج الرباني على الصلاة؛ وعلى إقامتها في وجه جميع الأعذار والمعوقات. وتذليل هذه المعوّقات. والتيسير البادي في إحلال التيمم محل الوضوء، ومحل الغسل، أو محلهما معاً، عند تعذر وجود الماء؛ أو عند التضرر بالماء (أو عند الحاجة إلى الماء القليل للشرب وضروريات الحياة) وكذلك عند السفر(حتى مع وجود الماء في أقوال).. إن هذا كله يدل - بالاضافة إلى ما سيأتي في السورة من بيان كيفية الصلاة عند الخوف - في ميدان القتال - على حرص شديد من المنهج الرباني، على الصلاة.. بحيث لا ينقطع المسلم عنها لسبب من الأسباب (ويبدو ذلك كذلك في المرض حيث تؤدى الصلاة من قعود، أو من اضطجاع، أو من نوم. وتؤدى بحركات من جفني العين عندما يشق تحريك الجسم والأطراف!) إنها هذه الصلة بين العبد والرب. الصلة التي لا يحب الله للعبد أن ينقطع عنها. لأنه - سبحانه - يعلم ضرورتها لهذا العبد. فالله سبحانه غني عن العالمين. ولا يناله من عبادة العباد شيء. إلا صلاحهم هم. وإلا ما يجدون في الصلاة والاتصال بالله، من العون على تكاليفهم، والاسترواح لقلوبهم، والاطمئنان لأرواحهم. والإشراق في كيانهم؛ والشعور بأنهم في كنف الله، وقربه، ورعايته، بالطريقة التي تصلح لفطرتهم.. والله أعلم بفطرتهم هذه، وبما يصلح لها وما يصلحها.. وهو أعلم بمن خلق. وهو اللطيف الخبير. ونقف كذلك أمام بعض التعبيرات الرائقة في هذا النص القصير: ذلك حين يعبر عن قضاء الحاجة في الغائط بقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}..فلا يقول: إذا عملتم كذا وكذا.. بل يكتفي بالعودة من هذا المكان، كناية عما تم فيه! ومع هذا لا يسند الفعل إلى المخاطبين. فلا يقول: أو جئتم من الغائط. بل يقول: {أو جاء أحد منكم من الغائط} زيادة في أدب الخطاب، ولطف الكناية. ليكون هذا الأدب نموذجاً للبشر حين يتخاطبون! وحين يعبر عما يكون بين الرجل والمرأة بقوله: {أو لامستم النساء} والتعبير بالملامسة أرق وأحشم وأرقى - والملامسة قد تكون مقدمة للفعل أو تعبيراً عنه - وعلى أية حال فهو أدب يضربه الله للناس، في الحديث عن مثل هذه الشؤون. عندما لا يكون هناك مقتض للتعبير المكشوف. وحين يعبر عن الصعيد الطاهر، بأنه الصعيد الطيب. ليشير إلى أن الطاهر طيب. وأن النجس خبيث.. وهو إيحاء لطيف المدخل إلى النفوس.. وسبحان خالق النفوس. العليم بهذه النفوس!
ابن عاشور
تفسير : عطف تشريع يختصّ بالمعاملة مع ذوي القربى والضعفاء، وقُدّم له الأمرُ بعبادة الله تعالى وعدمِ الإشراك على وجه الإدماج، للاهتمام بهذا الأمر وأنّه أحقّ ما يتوخّاه المسلم، تجديداً لمعنى التوحيد في نفوس المسلمين كما قُدّم لذلك في طالع السورة بقوله: {أية : اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}تفسير : [النساء: 1]. والمناسبة هي ما أريد جمعه في هذه السورة من أحكام أواصر القرابة في النسب والدين والمخالطة. والخطاب للمؤمنين، قُدّم الأمر بالعبادة على النهي عن الإشراك، لأنّهم قد تقرّر نفي الشرك بينهم وأريد منهم دوام العبادة لله، والاستزادة منها، ونُهُوا عن الشرك تحذيراً ممّا كانوا عليه في الجاهلية. ومجموع الجملتين في قوة صيغة حصْر؛ إذ مفاده: اعبدوا الله ولا تعبدوا غيره فاشتمل على معنى إثبات ونفي، كأنّه قيل: لا تعبدوا إلاّ الله. والعدول عن طريق القصر في مثل هذا طريقة عربية جاء عليها قول السموأل، أو عبدِ الملك بن عبد الرحيم الحَارثي:شعر : تَسيلُ على حَدّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنا وليستْ على غَيْرِ الظُّبَات تَسيل تفسير : وإنّما يصار إليها عندما يكون الغرض الأول هو طرف الإثبات، ثم يقصد بعد ذلك نفي الحكم عمّا عدا المثبت له، لأنّه إذا جيء بالقصر كان المقصد الأوّل هو نفي الحكم عمّا عدا المذكور وذلك غير مقتضَى المقام هنا، ولأجل ذلك لمّا خوطب بنو إسرائيل بنظير هذه الآية خوطبوا بطريقة القصر في قوله:{أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تبعدون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً}تفسير : [البقرة: 83] الآية، لأنّ المقصود الأوّل إيقاظهم إلى إبطال عبادة غير الله، لأنّهم قالوا لموسى: «اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة» ولأنّهم عبدوا العجل في مدّة مناجاة موسى ربَّه، فأخذ عليهم الميثاق بالنهي عن عبادة غير الله. وكذلك البيت فإنّ الغرض الأهمّ هو التمدّح بأنّهم يُقتلون في الحرب، فتزهق نفوسهم بالسيوف، ثم بدا له فأعقبه بأنّ ذلك شنشنة فيهم لا تتخلّف ولا مبالغةَ فيها. و{شيئاً} منصوب على المفعولية لــــ(تُشركوا) أي لا تجعلوا شريكاً شيئاً ممّا يعبد كقوله: {أية : ولن نشرك بربنا أحداً}تفسير : [الجن: 2] ويجوز انتصابه على المصدرية للتأكيد، أي شيئاً من الإشراك ولو ضعيفاً كقوله: {أية : فلن يضروك شيئاً}تفسير : [المائدة: 42]. وقوله: {وبالوالدين إحسانا} اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله: {أية : أن اشكر لى ولوالديك}تفسير : [لقمان: 14]، وقوله: {أية : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه}تفسير : [لقمان: 13، 14]، ولذا قدّم معمول (إحساناً) عليه تقديماً للاهتمام إذ لا معنى للحصر هنا لأنّ الإحسان مكتوب على كلّ شيء، ووقع المصدر موقع الفعل. وإنّما عدّي الإحسان بالباء لتضمينه معنى البرّ. وشاعت تعديته بالباء في القرآن في مثل هذا. وعندي أنّ الإحسان إنّما يعدّى بالباء إذا أريد به الإحسان المتعلّق بمعاملة الذات وتوقيرها وإكرامها، وهو معنى البرّ ولذلك جاء «وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن»؛ وإذا أريد به إيصال النفع المالي عُديّ بإلى، تقول: أحْسَنَ إلى فلان، إذا وصله بمال ونحوه. {وذي القربى} صاحب القرابة، والقربى فُعلى، اسم للقُرب مصدرِ قَرُب كالرجعي، والمراد بها قرابة النسب، كما هو الغالب في هذا المركّب الإضافي: وهو قولهم: ذو القربى، وإنّما أمر بالإحسان إليه استبقاء لأواصر الودّ بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرّفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل. وأقوالهم في ذلك كثيرة في شعرهم؛ قال أرطاة بن سهية:شعر : ونحو بنو عمّ على ذاكَ بيننا زَرَابِيّ فيها بِغْضَةٌ وتَنَافُس تفسير : وحسبك ما كان بين بَكر وتغلب في حرب البَسُوس، وهما أقارب وأصهار، وقد كان المسلمون يومَها عَرَبا قَريبي عهد بالجاهلية؛ فلذلك حثّهم على الإحسان إلى القرابة. وكانوا يحسنون بالجار، فإذا كان من قرابتهم لم يكترثوا بالإحسان إليه، وأكّد ذلك بإعادة حرف الجرّ بعد العاطف. ومن أجل ذلك لم تؤكّد بالباء في حكاية وصية بني إسرائيل {أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل إلى قوله: وذي القربى}تفسير : [البقرة: 83] لأنّ الإسلام أكّد أوامر القرابة أكثر من غيره. وفي الأمر بالإحسان إلى الأقارب تنبيه على أنّ من سفالة الأخلاق أن يستخفّ أحد بالقريب لأنّه قريبه، وآمِن من غوائله، ويصرف برّه وودّه إلى الأباعد ليستكفي شرّهم، أو ليُذكر في القبائل بالذكر الحسن، فإنّ النفس التي يطوّعها الشرّ، وتَدينها الشدّة، لنفس لَئيمة، وكما ورد «شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه» فكذلك نقول: «شرّ الناس من عَظَّم أحداً لشرّه». وقوله: {واليتامى والمساكين} هذان صنفان ضعيفان عديما النصير، فلذلك أوصي بهما. والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بــــ {الجار ذي القربى} الجار النسيب من القبيلة، وبــــ {الجار الجنب} الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب، وهو وصف على وزن فُعُل، كقولهم: ناقة أجُد، وقيل: هو مصدر، ولذلك لم يُطابق موصوفه، قال بَلْعَاء بن قيس:شعر : لا يجتوينا مُجَاور أبداً ذُو رحم أو مُجَاور جُنُب تفسير : ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغسّاني، ليطلق له أخاه شَاسا، حين وقع في أسر الحارث:شعر : فلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عن جَنَابَةٍ فإنِّي امرؤٌ وَسْط القباب غريب تفسير : وفسّر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار، والجُنُبُ بعيدها، وهذا بعيد، لأنّ القربى لا تعرف في القرب المكاني، والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار، وأقوالهم في ذلك كثيرة، فأكّد ذلك في الإسلام لأنّه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق، ومن ذلك الإحسان إلى الجار. وأكّدت السنّة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة: ففي «البخاري» عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه»تفسير : . وفيه عن أبي شريح: حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يقول: «والله لاَ يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن». قيل: «ومن يا رسول الله» قال: «من لا يأمن جارُه بوائقه»»تفسير : وفيه حديث : عن عائشة، قلت: «يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي» قال «إلى أقربهما منك بابا»» تفسير : وفي «صحيح مسلم»: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ «حديث : إذا طبخت مَرَقة فأكْثِر ماءها وتعاهده جيرانك»تفسير : . واختلف في حدّ الجوار: فقال ابن شهاب، والأوزاعي: أربعون داراً من كلّ ناحية، وروي في ذلك حديث: وليس عن مالك في ذلك حدّ، والظاهر أنّه موكول إلى ما تعارفه الناس. وقوله: {والصاحب بالجنب} هو المصاحب الملازم للمكان، فمنه الضيف، ومنه الرفيق في السفر، وكلّ من هو مُلمّ بك لطلب أن تنفعه، وقيل: أراد الزوجة. {وابن السبيل} هو الغريب المجتاز بقوم غيرَ نَاو الإقامة، لأنّ من أقام فهو الجار الجُنب. وكلمة (ابن) فيه مستعملة في معنى الانتساب والاختصاص، كقولهم: أبو الليل، وقولهم في المثل: أبوها وكيَّالُها. والسبيل: الطريق السابلة، فابن السبيل هو الذي لازمَ الطريق سائراً، أي مسافراً، فإذا دخل القبيلة فهو ليس من أبنائها، فعرَّفوه بأنه ابن الطريق، رمى به الطريق إليهم، فكأنّه وَلَدَه. والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده. وكذلك {ما ملكت أيمانكم} لأنّ العبيد في ضعف الرقّ والحاجة وانقطاع سبل الخلاص من سادتهم، فلذلك كانوا أحقّاء بالوصاية. وجملة: {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} تذييل لجملة الأمر بالإحسان إلى من سمّاهم بذمّ موانع الإحسان إليهم الغالبة على البشر. والاختيال: التكبّر، افتعال مشتقّ من الخُيَلاء، يقال: خالَ الرجلُ خَوْلا وخَالا. والفخور: الشديد الفخر بما فعل، وكلا الوصفين منشأ للغلظة والجفاء، فهما ينافيان الإحسان المأمور به، لأنّ المراد الإحسان في المعاملة وترك الترفّع على من يظنّ به سبب يمنعه من الانتقام. ومعنى نفي محبّة الله تعالى نفي رضاه وتقريبه عمّن هذا وصفه، وهذا تعريض بأخلاق أهل الشرك، لما عرفوا به من الغلطة والجفاء، فهو في معنى التحذير من بَقايا الأخلاق التي كانوا عليها.
الواحدي
تفسير : {وبالوالدين أحساناً} أَيْ: أحسنوا بهما إحساناً، وهو البرُّ مع لين الجانب {وبذي القربى} وهو ذو القرابة يصله ويتعطَّف عليه {واليتامى} يرفق بهم ويُدنيهم {والمساكين} ببذلٍ يسيرٍ، أو ردٍّ جميلٍ {والجار ذي القربى} وهو الذي له مع حقِّ الجوار حقُّ القرابة {والجار الجنب} البعيد عنك في النَّسب {والصاحب بالجنب} هو الرَّفيق في السَّفر {وابن السبيل} عابر الطَّريق. [وقيل: الضيف] يؤويه ويطعمه حتى يرحل {وما ملكت أيمانهم} أَيْ: المماليك {إنَّ الله لا يحبُّ مَنْ كان مختالاً} عظيماً في نفسه لا يقوم بحقوق الله {فخوراً} على عباده بما خوَّله الله من نعمته. {الذين يبخلون} أي: اليهود. بخلوا بأموالهم أن ينفقوها في طاعة الله تعالى {ويأمرون الناس بالبخل} أمروا الأنصار ألا ينفقوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنَّا نخشى عليكم الفقر {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} أَيْ: ما في التَّوراة من أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته. {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} أَيْ: المنافقين {ومَنْ يكن الشيطانُ له قريناً} يسوِّل له ويعمل بأمره {فساء قريناً} بئس الصَّاحب الشَّيطان. {وماذا عليهم} أَيْ: على اليهود والمنافقين، أَيْ: ما كان يضرُّهم {لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ممَّا رزقهم الله وكان الله بهم عليماً} لا يُثيبهم بما ينفقون رئاء النَّاس. {إنَّ الله لا يظلم} لا ينقص أحداً {مثقال} [مقدار] {ذرة} إن كان مؤمناً أثابه عليها الرِّزق في الدُّنيا، والأجر في الآخرة، وإنْ كان كافراً أطعمه بها في الدُّنيا {وإن تك حسنة} من مؤمنٍ {يضاعفها} بعشرة أضعافها {ويؤتِ مِنْ لدنه} من عنده {أجراً عظيماً} وهو الجنَّة. {فكيف} أَيْ: فكيف يكون حال هؤلاء اليهود والمنافقين [يوم القيامة]؟، وهذا استفهامٌ ومعناه التَّوبيخ {إذا جئنا من كلِّ أُمَّة بشهيدٍ} أَيْ: بِنبيِّ كلِّ أُمَّةٍ يشهد عليها ولها {وجئنا بك} يا محمَّد {على هٰؤلاء شهيداً} على هؤلاء المنافقين والمشركين شهيداً تشهد عليهم بما فعلوا. {يومئذٍ} أَيْ: في ذلك اليوم {يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول} وقد عصوه في الدُّنيا {لو تسوَّى بهم الأرض} أَيْ: يكونون تراباً، فيستوون مع الأرض حتى يصيروا وهي شيئاً واحداً {ولا يكتمون الله حديثاً} لأنَّ ما عملوه ظاهرٌ عند الله لا يقدرون على كتمانه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات اعبدوا الله: الخطاب للمؤمنين ومعنى اعبدوا: أطيعوه في أمره ونهيه مع غاية الذل والحب والتعظيم له عز وجل. لا تشركوا به شيئاً: أي لا تعبدوا معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات التي تعبد الله تعالى بها عباده من دعاء وخشية وذبح ونذر وركوع وسجود وغيرها. ذوي القربى: أصحاب القرابات. وابن السبيل: المسافر استضاف أو لم يستضف. والجار ذي القربى: أي القريب لنسب أو مصاهرة. الجار الجنب: أي الأجنبي مؤمناً كان أو كافراً. الصاحب بالجنب: الزوجة، والصديق الملازم كالتلميذ والرفيق في السفر. وما ملكت أيمانكم: من الأرقاء العبيد فتيان وفتيات. مختال فخور: الاختيال: الزهو في المشي، والفخر والافتخار بالحسب والنسب والمال بتعداد ذلك وذكره. يبخلون: يمنعون الواجب بذله من المعروف مطلقا. ويكتمون: يجحدون ما أعطاهم الله من علم ومال تفضلا منه عليهم. قريناً: القرين: الملازم الذي لا يفارق صاحبه كأنه مشدود معه بقرن أي بحبل. وماذا عليهم: أي أي شيء يضرهم أو ينالهم بمكروه إذا هُمْ آمنوا؟ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هداية المؤمنين، وبيان الأحكام الشرعية لهم ليعملوا بها فيكملوا ويسعدوا ففي الآية الأولى [36] يأمر تعالى المؤمنين بعبادته وتوحيده فيها وبالإِحسان إلى الوالدين وذلك بطاعتهم في المعروف وإسداء الجميل لهم، ودفع الأذى عنهم، وكذا الأقرباء، واليتامى، والمساكين، والجيران مطلقا أقرباء أو أجانب، والصاحب الملازم الذي لا يفارق كالزوجة والمرافق في السفر والعمل والتلمذة والطلب ونحو ذلك من الملازمة التي لا تفارق إلا نادراً إذ الكل يصدق عليه لفظ الصاحب بالجنب. وكذا ابن السبيل وما ملكت اليمين من أمة أو عبد والمذكورون الإِحسان إليهم آكد وإلا فالإِحسان معروف يبذل لكل الناس كما قال تعالى: {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}تفسير : [البقرة: 83]، وقال {أية : وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [البقرة: 195] وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} دال على أن منع الإِحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى [36]. وأما الآية الثانية [37] وقد تضمنت بمناسبة ذم البخل والكبر التنديد ببخل بعض أهل الكتاب وكتمانهم الحق وهو ناتج عن بخلهم أيضاً قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي من مال وعلم وقد كتموا نُعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته الدالة عليه في التوراة والإنجيل، وبخلوا بأموالهم وأمروا بالبخل بها، إذ كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر، وخبر الموصول الذين محذوف تقديره هم الكافرون حقاً دلَّ عليه قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. هذا ما جاء في هذه الآية الثانية. أما الآيتان الثالثة [38] والرابعة [39] فإن الأولى منهما قد تضمنت بيان حال أناسٍ آخرين غير اليهود وهم المنافقون فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} أي مراءاة لهم ليتقوا بذلك المذمة ويحصلوا على المحمدة. {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} لأنهم كفار مشركون وَإنما أظهروا الإِسلام تقية فقط ولذا كان إنفاقهم رياء لا غير. وقوله: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} أي بئس القرين له الشيطان وهذه الجملة: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ...} دالة على خبر الموصول المحذوف اكتفى بها عن ذكره كما في الموصول الأول وَقد يقدر بمثل: الشيطان قرينهم هو الذي زين لهم الكفر بالله واليوم الآخر. هذا ما تضمنته الآية الرابعة [39] وهي قوله تعالى {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ؟؟} فقد تضمنت الإِنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسبب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم، فقال تعالى {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} أي أي شيء يضرهم أو أي أذى يلحقهم في العاجل أو الآجل، لو صدقوا الله ورسوله وأنفقوا في سبيل الله مما رزقهم الله، وفي الخطاب دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيداً لهم، وإنما قال {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً} وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا. هداية الآيات من هداية الآيات 1- تقرير عشرة حقوق والأمر بأدائها فورا وهي عبادة الله وحده والإحسان بالوالدين، وإلى كل المذكورين في الآية الأولى. 2- ذم الاختيال الناجم عن الكبر وذم الفخر وبيان كره الله تعالى لهما. 3- حرمة البخل والأمر به وحرمة كتمان العلم وخاصة الشرعي منه. 4- حرمة الرياء وذم صاحبها. 5- ذم قرناء السوء لما يأمرون به ويدعون إليه قرناءهم حتى قيل: شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينة فكل قريب بالمقارن يقتدي
القطان
تفسير : بذي القربى: أقرباء الانسان من أخ وعم وخال ونحوهم. الجار ذي القربى: الذي قُرب جواره. الجار الجنب: الجار الذي لا قرابة له، أو البعيد. الصاحب بالجنب: الرفيق في السفر، او المنقطع اليك. ابن السبيل: المسافر او الضعيف. ما ملكت أيمانكم: الأرقاء العبيد. بعد ان عالجت السورة أمر الأيتام والنساء والميراث وحفظ الأموال وتنظيم الأسرة، جاء التذكير هنا بحسن معاملة الخالق، ثم التذكير بحسن معاملة الناس. فالسورةُ تأمر بأساس الفضائل التي تهذّب النفس وهي عبادة الله والاخلاص له، كما تأمر بالإحسان في معاملة الناس، وتخص بالذكر طوائف من الناس، الإحسانُ اليها احسان الى النفس والأسرة والى الانسانية كلها. بذلك تضع للمسلمين اساس الضمان الجماعي، والتكافل الحقيقي بينهم. اعبدوا الله وحده ولا تشركوا معه أحدا، وأحسِنوا الى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم، وأحسنوا معاملة اقرب الناس اليكم بعد الوالدين، والى اليتامى، والى المساكين الذين افتقروا بسبب عجزهم او بذهاب الكوارث بأموالهم، والى الجيران سواء منهم القريب او البعيد. وقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاحسان الى الجار مهما كان دينه او جنسه، فقد عاد النبي ابن جاره اليهودي، وذبح ابن عمر شاةً فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟.... وإكرام الجار من شيم العرب قبل الاسلام، وزاده الإسلام توكيداً بما جاء في الكتاب والسنة. ومن إكرامه ارسال الهدايا اليه، ودعوته الى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة ونحو ذلك. وهناك حديث الصحيحين المشهور: "حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه ". تفسير : والصاحب بالجنب هو الرفيق في السَّفَر، وابن السبيل هو المسافر المحتاج، وما ملكتم من الأرقاء ـ كل هؤلاء تجب معاملتهم بالحسنى.. فاللهُ لا يحب من كان متكبراً متعالياً على الناس لا تأخذه بهم رحمة. وفي الحديث الذي رواه ابو داود والترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله: "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ". فقال رجل: ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا، فقال الرسول الكريم: "ان الله جميل يحب الجمال ".
د. أسعد حومد
تفسير : {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} {وَٱلْيَتَامَىٰ} {وَٱلْمَسَاكِينِ} {أَيْمَانُكُمْ} (36) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَبِعَدَمِ الإِشْرَاكِ بِهِ، وَبِالعَمَلِ بِمَا أمَرَ بِهِ، ثُمَّ أَوْصَاهُمْ بِالإِحْسَانِ إلى الوَالِدَينِ، فَقَدْ جَعَلَهُمَا اللهُ سَبَباً لِخُرُوجِ الإِنْسَانِ مِنَ العَدَمِ. ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلَى ذَوِي القُرْبَى، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلى اليَتَامَى الذِينَ فَقَدُوا آبَاءَهُمْ، وَمَنْ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بِالإِحْسَانِ إلَى المَسَاكِينِ (وَهُمْ المُحْتَاجُونَ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَنْ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ)، فَأَمَرَ اللهُ بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ إلى الجَارِ الجُنُبِ، وَهُوَ الجَارُ الذي ليسَ بينك وبينَهُ قَرابةٌ، كَمَا أمَرَ تَعَالى بِالإِحْسَانِ إلى الصَّاحِبِ بِالجَنْبِ، وَهوَ الرَّفِيقُ الصَّالِحُ فِي الحِلِّ وَالسَّفَر، وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ الضَّيْفُ عَابِرُ السَّبِيلِ مَارّاً بِكَ فِي سَفَرٍ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالإِحْسَانِ إليهِ. كَمَا أَمَرَ اللهُ النَّاسَ بِالإِحْسَانِ إلى الأرِقَّاءِ الذِينَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ. ثُمَّ أَضَافَ تَعَالَى إلى ذَلِكَ، أنَّهُ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فِي نَفْسِهِ، مُعْجَباً مُتَكَبِّراً فَخُوراً عَلَى النَّاسِ، يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَقِيرٌ. الجَارِ الجُنُبِ - البَعِيدِ سَكَناً أوْ نِسْبَةً. الصَّاحِبِ بِالجَنْبِ - الرَّفِيقِ فِي أمْرٍ حَسَنٍ. مُخْتالاً - مُتَكَبِّراً مُعْجَباً بِنَفْسِهِ. فَخُوراً - كَثيرَ التَّطَاوُلِ وَالتَّعَاظُمِ بِالمَنَاقِبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعندما يقول لنا الحق: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ..} [النساء: 36] أي: إياكم أن تدخلوا في قضية من هذه القضايا؟ على غير طاعة الله في منهجه، والعبادة هي: طاعة العابد للمعبود، فلا تأخذها على أنها العبادات التي نفعلها فقط من: الصلاة والصوم والزكاة والحج؛ لأن هذه أركان الإسلام، وما دامت هذه هي الأركان والأسس التي بني عليها الإسلام، إذن فالإسلام لا يتكون من الأركان فقط بل الأركان هي الأسس التي بني عليها الإسلام، والأسس التي بني عليها البيت ليست هي كل البيت؛ لذلك فالإسلام بنيان متعدد .. فالذين يحاولون أن يأخذوا من المصطلح التصنيفي، أو المصطلح الفني في العلوم ويقولون: إن العبادات هي: الصلاة وما يتعلق بها، والزكاة والصوم والحج؛ لأنها تسمى في كتب الفقه "العبادات" فلقد قلنا: إن هذا هو الاسم الاصطلاحي، لكن كل أمر من الله هو عبادة. ولذلك فبعض الناس يقول: نعبد الله ولا نعمل ... نقول لهم: العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود، ولا تفهموا العبارة على أساس أنها الشعائر فقط، فالشعائر هي إعلان استدامة الولاء لله. وتعطي شحنة لنستقبل أحداث الحياة، ولكن الشعائر وحدها ليست كل العبادة، فالمعاملات عبادة، والمفهوم الحقيقي للعبادة أنها تشمل عمارة الأرض، فالحق سبحانه وتعالى قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. كأنه أخرجهم من البيع إلى الصلاة، ولم يخرجهم من فراغ بل أخرجهم من حركة البيع، وجاء بـ "البيع" لأنه العملية التي يأتي ربحها مباشرة؛ لأنك عندما تزرع زرعاً ستنتظر مدة تطول أو تقصر لتخرج الثمار، لكن البيع تأتي ثمرته مباشرة، تبيع فتأخذ الربح في الحال .. والبيع - كما نعلم - ينظم كل حركات الحياة، لأن معنى البيع: أنه وسيط بين منتج ومستهلك، فعندما تبيع سلعة، هذه السلعة جاءت من منتج، والمنتج يبحث عن وسيط يبيعها لمستهلك، وهذا المستهلك تجده منتجاً أيضاً، والمنتج تجده أيضاً مستهلكاً ... فالإنتاج والاستهلاك تبادل وحركة الحياة كلها في البيع وفي الشراء، وما دام هناك بيع ففيه شراء فهذا استمرار لحركة الحياة. والبائع دائماً يحب أن يبيع، لكن المشتري قد لا يحب أن يشتري؛ لأن المشتري سيدفع مالاً والبائع يكسب مالاً، فيوضح الله: أتركوا هذه العملية التي يأتي ربحها مباشرة، ولبّوا النداء لصلاة الجمعة .. لكن ماذا بعد الصلاة؟ يقول الحق: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [الجمعة: 10]. إذن فهذا أمر أيضاً. فإن أطعنا الأمر الأول: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 9] فالأمر في {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 10] يستوجب الطاعة كذلك .. إذن فكل هذه عبادة، وتكون حركة الحياة كلها عبادة: إن كانت صلاة فهي عبادة، والصوم عبادة، وبعد ذلك .. ألا تحتاج الصلاة لقوام حياة؟ لابد أن تتوافر لك مقومات حياة حتى تصلي. وما هي مقومات حياتك؟ إنها طعام وشراب ومسكن ومَلْبس، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .. إذن فجماع حركة الحياة كلها سلسلة عبادة، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61]. إذن فكل عمل يؤدي إلى عمارة الكون واستنباط أسرار الله في الوجود يعتبر عبادة لله؛ لأنك تخرج من كنوز الله التي أودعها في الأرض ما يلفت الناس إلى الحقيقة الكونية التي جاء بها الإيمان. وإياك أن تظن أن العبادة هي فقط العبادة التصنيفية التي في الفقه "قسم العبادات" و "قسم المعاملات"، لا، فكله عبادة، لكن الحركات الحياتية الأخرى لا تظهر فيها العبادة مباشرة؛ لأنك تعمل لنفعك، أما في الصلاة فأنت تقتطع من وقتك، فسميناها العبادة الصحيحة؛ لأن العمليات الأخرى يعمل مثلها مَنْ لم يؤمن بإله، فهو أيضاً يخرج للحياة ويزرع ويصنع.. ولماذا سموها العبادات؟ لأن مثلها لا يأتي من غير متدين. إنما الأعمال الأخرى من عمارة الكون والمصلحة الدنيوية فغير المتدين يفعلها ولكن كل أمر لله نطيعه فيه اسمه عبادة. هذا مفهوم العبادة الذي يجب أن يتأكد لنا أن نخلص العمل بالعقول التي خلقها الله لنا بالطاقات المخلوقة لنا، في المادة المخلوقة وهي الأرض وعناصرها لنرقى بالوجود إلى مستوى يسعدنا ويرضى الله عنه. {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ..} [النساء: 36]. بعدما قال كل هذا الكلام السابق، لفتنا ربنا إلى قضية يجب أن نلحظها دائماً في كل تصرفاتنا هي أن نأتمر بأمر الله في منهجه، وألا نشرك به شيئاً؛ لأن الشرك يضر قضية الإنسان في الوجود، فإن كنت في عمل إياك أن تجعل الأسباب في ذهنك أمام المسبب الأعلى، بل اقصد في كل عمل وجه الله. ويضرب الحق المثل لراحة الموحد ولتعب المشرك فقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. فهذا عبد مملوك لجماعة، والجماعة مختلفة ومتشاكسة، وهو لا يعرف كيف يوفق بين أوامر كل منهم التي تتضارب، فإن أرضي هذا، أغضب ذاك. إذن فهو عبد مبدد الطاقة موزع الجهد، مقسم الالتفاتات، ولكن العبد المملوك لواحد، لا يتلقى أمراً إلا من سيد واحد ونهياً من السيد نفسه. والحق يشرع القضية لعباده بصيغة الاستفهام، وهو العليم بكل شيء ليجعل المؤمن به يشاركه في الجواب حتى إذا ما قال الحق: {أية : هَلْ يَسْتَوِيَانِ ..} تفسير : [الزمر: 29]؟ هنا يعرضها الإنسان على عقله ويريد أن يجيب، فماذا يقول؟ سيجيب بطبيعة الفطرة وطبيعة منطق الحق قائلاً: لا يا رب لا يستويان. إذن فأنت أيها العبد المؤمن قد قلتها، ولم يفرضها الله عليك. وقد طرحها الحق سبحانه سؤالاً منه إليك؛ حتى يكون جوابك الذي لن تجد جواباً سواه. فإذا ما كنت كذلك أيها العبد المؤمن قد ارتحت في الوجود وتوافرت لك طاقتك لأمر واحد ونهي واحد، هنا تصبح سيداً في الكون، فلا تجد في الكون من يأخذ منك عبوديتك للمكون. وتلك هي راحتنا في تنفيذ قول الله: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ..} [النساء: 36] لأن الإشراك بالله - والعياذ بالله - يرهق صاحبه، وياليت المشركين حين يشركون يأخذون عون الله، ولا يأخذون عون الشركاء. لكن الله يتخلى عن العبد المشرك، لأنه سبحانه يقول: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". تفسير : الحق إذن يتخلى عن العبد المشرك، وليت العبد المشرك يأخذ حظه من الله كشريك، وإنما ينعدم عنه حظ الله؛ لأن الله غني أن يشرك معه أحداً آخر. وهكذا يكون المشرك بلا رصيد إيماني، ويحيا في كد وتعب .. ويردف الحق سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين فيأتي قوله - جل شأنه - : {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36] والوالدان هما الأب والأم؛ لأنهما السبب المباشر في وجودك أيها المؤمن. وما دامت عبادتك لله هي فرع وجودك، إذن فإيجادك من أب وأم كسببين يجب أن يلفتك إلى السبب الأول؛ إن ذلك يلفتك إلى مَنْ أوجد السلسلة إلى أن تصل إلى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام. {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36]، انظر إلى المنزلة التي أعطاها الله للوالدين، وهما الأب والأم. والخطاب لك أيها المسلم لتعبد الله، والتكليف لك وأنت فرع الوجود؛ لأن الخطاب لمكلف، والتكليف فرع الوجود، والوالدان هما السبب المباشر لوجودك، فإذا صعّدت السبب فالوالدان من أين جاءا؟، من والدين، وهكذا حتى تصل لله، إذن فانتهت المسألة إلى الواحد؛ لأن التكليف من المُكلِّف إلى المُكلَّف فرع الوجود. والوجود له سبب ظاهري هما "الوالدان"، وعندما تسلسلها تصل لله إنه - سبحانه - أمر: اعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وبعد ذلك، {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36]. كلمة "الإحسان" تدل على المبالغة في العطاء الزائد الذي نسميه مقام الإحسان. {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36]، الحق سبحانه وتعالى حينما قرن الوالدين بعبادته، لأنه إله واحد ولا نشرك به شيئاً، لم ينكر أو يتعرض لإيمانهما أو كفرهما؛ لأن هناك آية أخرى يقول فيها: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15]. صحيح لا تطعهما ولكن احترمهما؛ لأنهما السبب المباشر في الوجود وإن كان هذا السبب مخالفاً لمَنْ أنشأه وأوجده وهو الله - جلت قدرته - {أية : وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15] والمعروف يصنعه الإنسان فيمَنْ يحبه وفيمَنْ لا يحبه، إياك أن يكون قلبك متعلقاً بهما إن كانا مشركين، لكن صاحبهما في الدنيا معروفاً؛ ولذلك قال: {أية : وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [لقمان: 15] أي انظر مصلحتهما في أمور الدنيا معروفاً منك. والمعروف تصنعه فيمَنْ تحب وفيمَنْ لا تحب. والحق يقول: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36]، ويكررها في آيات متعددة، فقد سبق في سورة البقرة أن قال لنا: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [البقرة: 83]. وبعد ذلك تأتي هذه الآية التي نحن بصددها، {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36]. وبعد ذلك يأتي أيضاً قوله سبحانه: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [الأنعام: 151]. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. ويأتي أيضاً في سورة العنكبوت فيقول: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8]. لكن إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، فإن كان الوالدان مشركين فلا بد أن نعطف عليهما معروفاً، والمعروف كما أوضحنا يكون لمَنْ تحب ومَنْ لا تحب، ولكن الممنوع هو: الودادة القلبية؛ ولذلك قال: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} تفسير : [المجادلة: 22]. ولا يوجد تناقض أو شبه تناقض بين الآية التي نحن بصددها وبين آية سورة المجادلة. وهناك آيات تكلم فيها الحق وقرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين، وهناك آيتان جاء الأمر فيهما بالتوصية بالوالدين استقلالا. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. وفي قوله سبحانه: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8]. ففيه "إحسان" وفيه "حسن"، "الإحسان": هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مستشعراً أنه يراك. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و "الإحسان" من "أحسن"، فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد على كلفه. وعندما يزيد الإنسان على ما كلفه الله أن يصلي الخمس المطلوبة ثم يجعلها عشرة، ويصوم شهر رمضان، ثم يصوم يومي الاثنين والخميس أو كذا من الشهور، ويزكي حسب ما قرر الشرع باثنين ونصف في المائة وقد يزيد الزكاة إلى عشرة في المائة، ويحج ثم يزيد الحج مرتين. إذن فالمسألة أن تزيد على ما افترض الله، فيكون قد أدخلك الله في مقام الإحسان؛ لأنك حين جربت أداء الفرائض ذقت حلاوتها. وعلمت مما أفاضه الله عليك من معين التقوى ومن رصيد قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ..} تفسير : [البقرة: 282]. علمت أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به؛ ولذلك فبعض الصالحين في أحد سبحاته قال: "اللهم إني أخشى ألا تثيبني على الطاعة لأنني أصبحت أشتهيها".. أي صارت شهوة نفس، فهو خائف أن يفقد حلاوة التكليف والمشقة فيقول: يا رب إنني أصبحت أحبها، ومفروض منا أننا نمنع شهوات أنفسنا لكنها أصبحت شهوة فماذا أفعل؟ إذن فهذا الرجل قد دخل في مقام الإحسان واطمأنت نفسه ورضيت وأصبح هواه تبعاً لما أمر به الله ورضيه. ولذلك يجب أن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن المتقين قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. لماذا هم محسنون يا رب؟. يقول الحق: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} تفسير : [الذاريات: 17]. وهل كلفني الله. ألا أهجع إلا قليلاً من الليل؟ إن الإنسان يصلي العشاء من أول الليل وينام حتى الفجر، هذا هو التكليف، لكن أن تحلو للمؤمن العبادة، ويزداد الإيمان في القلب والجوارح، ويأنس العبد بالقرب من الله، فالحق لا يَرُدَّ مثل هذا العبد بل إنّه يستقبله ويدخله في مقام الإحسان: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 16-18]. وربنا لم يكلفهم بذلك، إنما كلفهم فقط بخمسة فروض. ونعرف قصة الأعرابي الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: هل عليّ غيرها؟ قال له: لا، إلا أن تَطّوَّعَ، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطّوّع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفلح إن صدق ". تفسير : وبذلك دخل هذا الأعرابي في نطاق المفلحين. إذن فالذي يزيد على هذا يدخله الله في نطاق المحسنين. {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 17-19]. ولنلحظ دقة الأداء، إن الحق لم يذكر أن للمحرومين في أموال المحسنين حقاً معلوماً. لماذا؟؛ لأن الحق - سبحانه - ترك للمحسن الحرية في أن يزيد على نسبة الزكاة التي يمنحها للسائل والمحروم، وحينما يتكلم سبحانه عن مطلوب الإيمان يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [المعارج: 24-25]. إذن فالذي يزيد على ذلك ينتقل من مقام الإيمان ليدخل في مقام الإحسان. كأنه يقول لك في الآية التي نحن بصددها: إياك أن تعمل مع والديك القدر المفروض فقط، بل ادخل في برّهما والإنعام عليهما والتلطف بهما والرحمة لهما وذلّة الانكسار فوق ما يطلب منك، ادخل في مقام الإحسان، ثم يأتي في آية أخرى ليرشدنا بعد أن أدخلنا في مقام الإحسان، إنّه يصف ذلك الإحسان بشيء آخر وهو "الحسن": {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنبكوت: 8]. وما هو المقابل "للحسن"؟ إنه "القبح"، إذن فالحق أدخلنا في مقام الجمال مرة، وفي مقام الإحسان مرة أخرى، وهنا أكثر من ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم، أولاً: نجد أن المفروض في الشائع الغالب أنّ الوالدين يربيان أبناءهما، ومن النادر أن يصبح الولد يتيماً ويربيه غير والديه، فقال: الحظ سبب التربية بعد الوجود، فسبب الوجود: يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان، ولكنه جاء في آية وعلل ذلك فقال: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24]. لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر التوصية بهما، لكن لو أن إنساناً أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك سببية الإيجاد، أله حق عليك أن يكون كوالديك؟ إن الحق يقول: {أية : كَمَا رَبَّيَانِي ..} تفسير : [الإسراء: 24]، فإذا كان والدي لهما هذا الحق، فكذلك من قام بتربيتي من غير الوالدين له هذا الحق أيضاً! ما دام جاء الحق بالوالدين في علة الإحسان: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24]، فمرة نلحظ أنه لا يجيء بمسألة التربية كي نعلم أن الوالدين هما سبب الوجود، ومرة يلفتنا إلى أن مَنْ يتولى التربية يأخذ حظ الوالدين، وشيء آخر: وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين إحساناً، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. هنا جاء الحق بالحيثيات للأم وترك الأب بدون حيثية، وهذا كلام رب؛ لأن إحسان الوالدة لولدها وجد وقت أن صار جنيناً. فهي قد حافظت على نفسها وسارت بحساب وحرص فانشغلت به وهو ما زال جنيناً. وحاولت أن توفر كل المطالب قبلما يتكون له عقل وفكر، بينما والده قد يكون بعيداً لا يعرفه إلا عندما يكبر ويصير غلاماً ليربيه لكفاح الحياة، أما في فترة الحمل والمهد فكل الخدمات تؤديها الأم ولم يكن للطفل عقل حتى يدرك هذا، إنما بمجرد أن وجد العقل وجد أباه يعايشه ويعاشره، وكلما احتاج إلى شيء قالت له الأم: أبوك يحققه لك، وكل حاجة يحتاج إليها الطفل يسأل أباه أن يأتيه بها، وينسى الطفل حكاية أمه وحملها له في بطنها وأنها أرضعته وسهرت عليه؛ لأنه لم يكن عنده إدراك ساعة فعلت كل ذلك، فمَنْ الذي - إذن - يحتاج إلى الحيثية؟ إنها الأم، أما حيثية إكرام الأب فموجودة للإنسان منذ بدأ وعيه لأنه رأى كل حاجته معه؛ لذلك قال الحق: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. والطفل لا يعرف حكاية الحمل هذه، وعندما يتنبه يجد أن والده هو الذي يأتي بكل حاجة، وما دام أبوه هو الذي في الصورة، فتكون الحيثية عنه موجودة، والأم حيثيتها مغفولة ومستورة، فكان لابد من أن يذكرنا الله بالحيثية المتروكة عند الإنسان مكتفياً بالحيثية للأب الموجودة والواضحة عند الابن، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم حينما يوصيّ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، وبعد ذلك قال: ثم أبوك. كما جاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مَنْ أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم مَنْ؟ قال: أمك قال ثم مَنْ؟ قال: أمك. قال: ثم مَنْ؟ قال: أبوك ". تفسير : ولو حسبتها تجدها واضحة، وأيضاً فالأبوة رجولة، والرجولة كفاح وسعي. والأمومة حنان وستر، فهي تحتاج ألا تخرج لسؤال الناس لقضاء مصالحها، أبوك إن خرج ليعمل فعمله شرف له .. إنما خروج الأم للسعي للرزق فأمر صعب على النفس، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36] .. أو {أية : بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8] إنها.. مقرونة في ثلاث آيات بعبادة الله وعدم الإشراك به، ثم أفردهما بالإحسان في آيتين، ويلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم قال: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ..} تفسير : [لقمان: 15]. لكن هذا لا يمنع أن تعطيهما المعروف وما يحتاجان إليه، ونلحظ أن الحق لم يأت لهما بطلب الرحمة وهما على الشرك والكفر كما طلبها لهما في قوله: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24]. لأنهما وإن ربيا جسد الولد فلم يربيا قلبه وإيمانه، فلا يستحقان أن يقول: ارحمهما؛ لأن الحق أراد أن يسع الولد والديه في الدنيا وإن كانا على الكفر. والحق سبحانه وتعالى حينما يريد أن يشيع الإحسان في الكون كله، يبتدئ بالأقرب فالقريب فالجار، فقال: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [النساء: 36]. إذن ففيه دوائر. ولو أن كل واحد أحسن إلى أبوية. فلن نَجد واحداً في شيوخته مهيناً أبداً، لذلك يوسع سبحانه دوائر الهمّة الإيمانية فجاء بالوالدين ثم قال بعدها: {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [النساء: 36] أي صاحب القربى، وما القربى؟ إن كل مَنْ له علاقة نَسَبيَّة بالإنسان يكون قريباً. هذه هي الدائرة الثانية، ولو أن كل إنسان موسعاً عليه وقادراً أخذ دائرة الوالدين ثم أخذ دائرة القربى فستتداخل ألوان البر من أقرباء متعددين على القريب الواحد، وما دامت الدوائر ستتداخل، فالواحد القريب سيجد له كثيرين يقومون على شأنه فلا يكون أحد محتاجاً. وبعد ذلك يتكلم سبحانه عن اليتامى، واليتيم - كما نعلم - هو: مَنْ فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال، إنه يحتاج إلى حنان أولي. ولكن بعد أن يبلغ مبلغ الرجال فهو لا يُعتبر يتيماً؛ فقد أصبح له ذاتية مستقلة؛ ولذلك يتخلى عنه الوصف باليتيم، والذي تموت أمه لا نسميه "يتيماً"، لكن اليتيم في الحيوانات ليس مَنْ فقد أباه بل مَنْ فقد أمه، وإن كانت طفولة الحيوانات تنتهي بسرعة؛ لأن والدة الحيوان هي التي ترعاه في طفولته القصيرة نسبياً. إذن فيتم الحيوان من جهة الأم، والإنسان يتمه هو فَقْد الأب؛ لأن الإنسان أطول الحيوانات طفولة لأنه مُربَّى لمهمة أسمى من الحيوانية، وعرفنا من قبل أنك عندما تأتي لتزرع - مثلاً - فِجلاً، فبعد خمسة عشر يوماً تأكل منه، لكنك حينما تزرع نخلة أو تزرع شجرة "مانجو" تمكث كذا سنة، حتى تثمر. إذن فطول مدة الطفولة وعدم النسل للمثل يتوقف على المهمة الموكلة للشيء، فإن كانت مهمته كبيرة، تكن مدة طفولته أطول. والله سبحانه وتعالى يريد أن يوسع دائرة الإحسان. فإياك أن تقتصر على الوالدين فقط أو أصحاب القربى فقط. خذ في الدائرة أيضاً "اليتيم"، لأن اليتيم فقد أباه، ثم يرى كثيراً من زملائه وأقربائه لهم آباء، ولو لم يوصّ الحق سبحانه وتعالى بهذا اليتيم لنشأ هذا الولد وفي قلبه جذوة من الحقد على المجتمع، وقد يتمرد على الله، ويتساءل: لماذا لا يكون لي أب وكل واحد من أقراني له أب يأتيه بحاجته، لكن حين يرى أنه فقد أباً واحداً ثم وجد في الجو الإيماني آباء متعددين فهو لا يسخط على أن الله أمات أباه. إن الذين يخافون أن يموتوا ويتركوا من بعدهم ذرية ضعافاً، عليهم بالإحسان إلى اليتيم ... فلو رأى الواحد منا يتيماً يُكَرم في بيئة أُبوة إيمانية لما شغل نفسه ولما خاف أن يموت ويترك ولداً صغيراً، بل يقول الإنسان لنفسه: إن المجتمع فيه خير كثير، وبذلك يستقبل الإنسان قدر الله بنفس راضية، ولا يؤرق نفسه، وهذه مسألة تشغل الناس فنقول لكل إنسان قادر: إذا كنت في بيئة إيمانية. واليتيم يجد رعاية من آباء إيمانيين متعددين فسينشأ اليتيم وليس فيه حقد؛ ولذلك يقول الحق: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. لأنك إن رأيت المجتمع الإيماني قد رعى أيتام غيرك فستكون على ثقة من أنه يرعى أيتامك، فإن جاء الموت أو لم يأت فلا تشغل نفسك به، لكن إذا رأى الإنسان يتيماً مضيعاً، فهو يعض على أسباب الحياة ويريد أن يأتي بالدنيا كلها لولده، ونقول لمثل هذا الأب: اعمل لابنك بأن تضع ما تريد أن تدخره له في يد الله؛ لأن الذي خلق آمن من المخلوق؛ ولذلك قلنا من قبل: إن سيدنا معاوية وسيدنا عمرو بن العاص كانا يجلسان - في أخريات حياتهما - يتكلمان معاً، فيقول عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين: ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال معاوية: أما الطعام فقد سئمت أطيبه، وأما اللباس فقد مللت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في يوم صائف تحت ظل شجرة. وهذه كلمة تعطي الإنسان طموحات إيمانية في الكون، فبعدما صار معاوية خليفة وأميراً للمؤمنين والكل مقبل عليه قال: حظي في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف، وهذه توجد عند ناس كثيرين. كأن الطموح انتهى إلى ما يوجد عند كل أحد: شربة ماء بارد، ثم قال معاوية لعمرو: وأنت يا عمرو، ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال عمرو بن العاص: بقي لي أرض خوارة - يعني فيها حيوانات تخور مثل البقر - فيها عين خرارة، أي تعطي ماءً وفيراً لتروي الأرض، وتكون لي في حياتي ولولدي بعد مماتي، وكان هناك خادم يخدمهما اسمه "وردان". أراد أمير المؤمنين أن يلاطفه فقال له: وأنت يا وردان، ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ انظروا إلى جواب العبد كي تعرفوا أن الإيمان ليس فيه سيد ومسود، فقال له: حظي يا أمير المؤمنين: "صنيعة معروف أضعه في أعناق قومٍ كرام لا يؤدونه إليّ في حياتي" أي لا يؤدون هذا الجميل لي. حتى تبقى لعقبى في عقبهم. إذن فحظه صنيعة معروف يضعه في أعناق قوم كرام لا يؤدونه إليه في حياته حتى تكون لعقبة أي لمن سيترك من أولاده. كأنه يفهمنا أنه لا شيء يضيع، فكما تمد يدك يمد غيرك يده لك، والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هذه المنزلة فيقول:حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا "وأشار بإصبعيه متجاورين""تفسير : ، أيّ منزلة هذه، فبالله بعد ذلك ألا يبحث كل واحد منّا عن يتيم يكفله لكي يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. وهذه المنزلة كانت أمنية كل صحابي. فقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : "يا فلان مالي أراك محزونا؟" فقال: يا نبيَّ الله شيء فكرت فيه فقال: "ما هو؟" قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل عليه جبريل بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشّره . تفسير : فالحق يقول لهؤلاء: لا تحزنوا، فما دمتم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرحون في الدنيا لأنكم معه فلا تخشوا مسألة وجودكم معه بالجنة فسوف أبعثكم معه في الجنة، فالمرء مع من أحب، ولذلك أقول لكل مسلم: ابحث عن يتيم تكفله كي تأخذ المنزلة الإيمانية، المنزلة العلية في الآخرة. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبّابة والوسطى وفرّج بينهما ". تفسير : فقل لي: إذا عاملنا اليتيم في ضوء هذه التعاليم فماذا يحدث؟ سينتشر التكافل في المجتمع. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلْمَسَٰكِينِ ..} [النساء: 36]، ونعرف أن المساكين، كما قال الفقهاء عنهم وعن الفقراء: إن كلهم في حاجة، فهل المسكين هو مَنْ لا يملك حاجة، أو الفقير هو الذي لا يملك حاجة أو يملك دون حاجته، كأن يكون إيراده مثلاً عشرة بينما حاجتهُ تحتاج إلى عشرين؟، المهم أنه يكون محتاجاً. وكلمة "فقير" مأخوذة من فقار الظهر أي مصاب بما يقصم الوسط والظهر. وهو اسم معبر. و "مسكين" أيضاً اسم معبر من المسكنة والسكن أي ليس له استعلاء في شيء، مغلوب ومقهور، فاللفظ نفسه جاء، معبراً، و "الجار" كلمة "جار" تعني: عدل، كقولنا: جار عن الطريق أي عدل عنه، فكيف أسمى مَنْ في جانبي "جاراً"؟ لأن مَنْ في جانبك حدد مكاناً له من دنيا واسعة، فيكون قد ترك الكثير وجاء للقليل، وأصبح جارك، أي أنه عدل عن دنيا واسعة وجاء جانبك، فيسمون الجار لمَنْ جار، أي عدل عن كل الأمكنة الواسعة وجاء إلى مكان بجانبك. وهذا الجار يوصي به الله سبحانه وتعالى كما أوصى بالقريب، وباليتيم وبالمسكين، للجار حقوق كثيرة؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: "حديث : الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقاً. وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم ". تفسير : ويقول صلى الله عليه وسلم في حق الجار: "حديث : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه . تفسير : أي سيجعل له من الميراث، وما هي حدود الجار؟ حدوده: الأقرب باباً إليك، إلى أربعين ذراعاً، وقالوا: إلى أربعين داراً، هنا يقول الحق: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [النساء: 36]. فأعطاه حق القربى وحق الجوار، وقال؛ {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ ..} [النساء: 36]. لأن فيه جاراً قريباً وجاراً بعيداً وقوله: "الجنب" أي البعيد، {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ ..} [النساء: 36] "الصاحب" هو المرافق. {بِٱلجَنْبِ ..} [النساء: 36] أي بجانبه. قالوا: هو الزوجة أو رفيق السفر؛ لأن الرفقاء في السفر مع بعضهم دائماً، أو التابع الذي يتبعك طمعاً فيما عندك من الرزق سواء كان الرزق مالاً أو علماً أو حرفة يريد أن يتعلمها منك؛ فهو الملازم لك، والخادم أيضاً يكون {بِٱلجَنْبِ ..} [النساء: 36] وكل هذا يوسع الدائرة للإحسان، ولو حسبت هذه الدوائر لوجدتها كلها متداخلة. وها هو ذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأبي ذَرٍ رضي الله عنه: "حديث : يا أبا ذر إذا طبختَ مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ". تفسير : والمهم أن تتواصل مع جارك، أو الجار ذي القربى: أي الذي قربته المعرفة، وكثير من الجيران يكون بينهم ودّ، وهناك جار لا تعرف حتى اسمه، فهذا هو "الجار الجُنُب"، و {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ..} [النساء: 36] وابن السبيل، فقد تقول مثلاً: فلان بن فلان، كأنك لا تعرف أباه، أو تقول: فلان ابن البلد الفلانية أي لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه منسوب لبلد معين، وعندما تقول: ابن سبيل تعني أنه غريب انقطعت به كل الأسباب حتى الأسباب التي يمكن أن تعرفه بها، فساعة تراه تقول "ابن السبيل" أي ابن طريق، ولا تَجد مكاناً ينسب إليه إلا الطريق، لا يجد أباً ينسب إليه، لا يجد أمّا، لا يجد قبيلة، لا تعرف عه شيئاً. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..} [النساء: 36] وسبق أن تكلمنا عن ملك اليمين وقلنا: إن الإسلام إنما جاء لا ليشرع رقاً، ولكن جاء لينهي رقاً، ويسد منابعه التي كانت موجودة قبل الإسلام، ولا يبقى إلا منبع واحد. هذا المنبع الواحد هو الحرب المشروعة، ولماذا لم يطلقهم؟. لأن الحرب المشروعة عرضة أن يأخذ الخصوم من أبنائي وأنا آخذ من أبنائهم، فلا أطلق أبناءهم إن جاءوا في يدي حتى يطلقوا أبنائي الذين في أيديهم، ويصير الأمر إلى المعاملة بالمثل، التي انتهى إليها العالم الحديث وهي تبادل الأسرى. وقد نهانا الإسلام في ملك اليمين عن أن يقال: "عبدي" بل يقال: فتاي. ولا يقال: "أمتي" بل يقال: فتاتي، حتى التسمية أراد الشرع أن يهذبها، كي لا تنصرف العبودية إلا لله. الحق سبحانه وتعالى جاء بالإسلام والرق كان موجوداً،، وله ينابيع متعددة فوق العشرين، وليس له إلا مصرف واحد هو إرادة السيد، فجاء الإسلام ليصفي الرق، وأول تصفية لشيء هو أن تسد منابعه، وبدل أن يكون مجرد مصرف واحد، وهي رغبة السيد، جعل له الإسلام مصارف متعددة، إذن فنكون قد حددنا المنابع في نبع واحد، وعددنا المصارف. فالذنب بينك وبين الله تكفره بأن تعتق رقبة، أو أحدثت ظهاراً مثلاً تُعتق رقبة، وهذه رغبة مَنْ يريد أن يصفي الرق، فإذا لم توجد عند أي مالك أسباب لتصفية الرق وظل الفتى أو الفتاة تحت يمينه، فالإسلام يرشدك ويهديك: ما دمت لم تؤثر أن تعتقه واستبقيته فأحسن معاملته، أطعمه مما تطعم وألبسه مما تلبس، ولا تكلفه ما لا يطيق، فإن كلفته فيدك معه، وهات لي واحداً يلبس من ملابس سيده ويأكل مثله وعندما يعمل عملاً فوق طاقته تجدُ يَد السيد بيده.. أليست هذه هي المعاملة الطيبة! قال الله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..} [النساء: 36]. وبعد ذلك يجيء الحق سبحانه وتعالى في ختام الآية بما يدك كبرياء ذي الإحسان، فإياك أن تكون النعمة أو البذل الذي ستبذله يعطيك في نفسك غرور الاستعلاء؛ لأن غرور الاستعلاء هذا يكون استعلاء كاذباً. وأنت إذا استعليت على غيرك بأعراض الحياة، فهذه الأعراض تتغير، ومعنى "أعراض" أنها تأتي وتزول. فالذي يريد أن يستعلي ويستكبر فعليه أن يستعلي ويستكبر بحاجة ذاتية فيه؛ ولذلك لا يوجد كبرياء إلا لله، إنما الأغيار من البشر. فنحن نرى من كان قوياً يصير إلى ضعف، ومن كان غنياً يصير إلى فقر، ومَنْ كان عالماً يصبح كمَنْ لا يعلم: {أية : لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ..} تفسير : [الحج: 5]. فلا كبرياء إذن لمخلوق، ومَنْ يريد أن يستعلي ويتكبر على غيره فليتكبر - كما قلنا - بحاجة ذاتية فيه، أي بشيء لا يسلب منه، والخلق كلهم في أغيار، والوجود الإنساني تطرأ عليه الأغيار، إذن فاجعل الكبرياء لصاحبه، وإياك أن تظن أنه عندما قلنا لك: اعمل كذا وأحسن لذي القربى واليتامى والمساكين، إياك أن تحبط هذه الأعمال بأن تستعلي بها؛ لأنها موهوبة لك من الله، وما دامت موهوبة لك من الله فاستح؛ لأن الذي يتكبر هو الذي لا يجد أمام عينه مَنْ هو أكبر منه. هات واحداً يتكبر لأن عنده مليوناً من الجنيهات ثم دخل عليه واحد آخر عنده أكثر منه ماذا يفعل؟ إنه يستحي ويتضاءل، ولا يتكبر الإنسان إلا إذا وجد كل الموجودين أقل منه، لكنه لو ظل ناظراً إلى الله لعلم أن الكبرياء لله وحده. إذن فعندما يتكبر المتكبر، إنما يفعل ذلك لأن الله ليس في باله. لكن لو كان الحق المتكبر بذاته في باله لاستحى، فإذا كان في بالك مَنْ يعطيك لاستحييت. إذن فمعنى المتكبر أن ربنا غائب عن باله؛ لذلك يقول الحق في ختام الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36]. وما "الاختيال"؟ وما "الفخر"؟. إن المادة كلها تدل على زهو الحركة، ولذلك نسمي الحصان "خيلاً"؛ لأنها تتخايل في حركتها، وعندما يركبها أحد تتبختر به؛ ولذلك نسمي الخيلاء من هذه. إذن "الاختيال": حركة مرئية، "والفخر" حركة مسموعة، فالحق ينهى الإنسان عن أن يمشي بعنجهية، كما نهاه عن أن يسير مائلاً بجانبه ولا أن يعتبر نفسه مصدراً للنعمة حتى لا ينطبق عليه قوله سبحانه: {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ * ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} تفسير : [الحج: 9-10]. أما الفخر فهو أن يتشدق الإنسان بالكلام فيحكي عما فعل وكأنه مصدر كل عطاء للبشر، والخيلاء والفخر ممنوعان، وعلى المسلم أن يمتنع عن الحركة المرئية وعن كلام الفخر، ولماذا جاء الحق بهذا هنا؟ إنه جاء به حتى لا يظن عبد أنه يحسن إلى غيره من ذاتيته، إنه يحسن مما وهبه الله. ولا يصح أن تستخدم مَنْ أحسنت إليهم وتتخذهم عبيداً؛ لأنّك تحسن عليهم. وعندما تنظر إلى سيادتك على هؤلاء لأنك تعطيهم، فلماذا لا تنظر إلى سيادة من أعطاك؟ إنك عندما تفعل ذلك وتنظر إلى سيادة خالقك فإنك قد التزمت الأدب معه وبعدت عن الاختيال والفخر بما قدمت لغيرك، يقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36]. وبعدما قال الحق: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36] قال: {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ ..} [النساء: 36]. وتحدث عن البذل والأريحية والجود والسماح وبسط اليد، أتى سبحانه بالحديث عن المقابل وهو: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} معناهُ القَريبُ القَرابةِ {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} الغَريبُ. والجنَابَةُ: الغُرْبَةُ والبُعْدُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} معناهُ المَرأةُ. ويقالُ: الرَّفِيقُ فِي السَّفرِ يَنزلُ إِلى جَنْبِهِ. وابن السَّبيلِ: الغَريبُ. تفسير : وقوله تعالى: {مُخْتَالاً فَخُوراً} فالمُخْتَالُ: ذُو الخُيَلاءِ والتَّكبُرِ.
الأندلسي
تفسير : {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي صاحب الدار القريبة من دارك. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} هو البعيد الدار من دارك. {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} أي المتصل المسكن بمسكنك المختال التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه ولا يتخفى بهم ولا يلتفت إليهم. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} قيل هو بدل مِنْ كن وقيل: من مختالاً فخوراً حملاً على لفظ من ثم قال: الذين حملا على المعنى ويجوز عندي أن يكون صفة لمن ولم يذكروا هذا الوجه. وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ تقديره هم الذين يبخلون، وهذه الأقوال على تقدير اتصال الذين بما قبله، ومن أعرب الذين مبتدأ فهو قلق إذ لم يصرّح في الآية بخبر. {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} معطوف على الذين يبخلون، وتقدم تفسيرها في البقرة. {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} لما ذكر تعالى من اتصف بالبخل والأمر به وكتمان فضل الله والانفاق رئاء وانتفاء إيمانه بالله وباليوم الآخر ذكر أن هذه من نتائج مقارنة الشيطان ومخالطته وملازمته للمتصف بذلك لأنها شر محض إذ جمعت بين سوء الاعتقاد الصادر عنه الانفاق رئاء وسمعة، وسائر تلك الأوصاف المذمومة ولذلك قدم تلك الأوصاف وذكر ما صدرت عنه وهو انتفاء الإِيمان بالموجد وبدار الخبراء، ثم ذكر أن ذلك من مقارنة الشيطان والقرين المقارن. وساء هنا بمعنى بئس وهي لا تتصرف ولذلك دخلت الفاء في جواب من الشرطية. وقال ابن عطية: وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى: {أية : بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50] وذلك مردود لأن بدلاً حال وفي هذا نظر. "انتهى". والذي قاله الطبري صحيح وبدلاً تمييز لا حال وهو مفسر للضمير المستكن في بئس على مذهب البصريين والمخصوص بالذم محذوف تقديره هم أي الشيطان وذريته وإنما ذهب إلى إعراب المنصوب بعد نعم، وبئس حالاً الكوفيون على اختلاف بينهم مقرر في علم النحو، والظاهر أن هذه المقارنة في الدنيا. {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} أي في الإِيمان بالله واليوم الآخر والانفاق في سبيل الله. {لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} لحصلت لهم السعادة ويحمل أن تكون جملة واحدة وذلك على مذهب من يثبت أنّ لو تكون مصدرية في معنى ان، كأنه قيل: ماذا عليهم إذا آمنوا، أي في الإِيمان بالله، ولا جواب لها إذ ذاك، فتكون كقول الشاعر: شعر : ماذا عليه إن ذكرت أو انسا كغزلان رمل في محاريب إقبال تفسير : وماذا استفهام فيه معنى الإِنكار. قال ابن عطية: وجواب لو في قوله: ماذا، فهو جواب مقدم. "انتهى". إذا أراد ظاهر هذا الكلام فليس موافقاً لكلام النحويين لأن الاستفهام لا يقع جواب لو ولأن قولهم: أكرمتك لو قام زيد ان ثبت أنه من كلام العرب حُمل على أن أكرمتك دل على الجواب لا جواب كما قالوا في قولهم: انتِ طالق إن فعلت، وإن أراد تفسير المعنى فيمكن ما ماله. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ} الآية مناسبتها لما قبلها واضحة لأنه تعالى لما أمر بعبادته وبالإِحسان للوالدين ومن ذكر معهم ثم أعقب ذلك بذمّ البخل والأوصاف المذكورة معه ثم وبّخ من لم يؤمن ولم ينفق في طاعة الله فكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات فأخبر تعالى بصفة عدله وأنه لا يظلم أدنى شيء. ثم أخبر بصفة الاحسان فقال: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا} ويظلم يتعدى لواحد وهو محذوف وتقديره لا يظلم أحداً مثقال ذرة وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف أي ظلماً وزْن درة كما تقول: لا أظلم قليلاً ولا كثيراً، وقيل: ضمنت معنى ما يتعدى لاثنين فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان والأول محذوف التقدير لا ينقص أو لا يغصب أولاً يبخس أحداً مثقال ذرة من الخير أو الشر. وقرىء: وإن تك حسنة بالنصب فتكون ناقصة، واسمها مستتر فيها عائد على مثقال، وأنت الفعل لعوده على مضاف إلى مؤنث أو على مراعاة المعنى لأن مثقال معناه زنة أي وإن تك زنة ذرة. وقرىء بالرفع على أن تك تامة تكتفي بمرفوع.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما هذبتم ظواهركم أيها المؤمنون بهذه الأخلاق {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الموحد في ذاته ووجوده، المستقل في أفعاله وآثاره المترتبة على أوصافه الذاتية {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} من مصنوعاته؛ أي: لا تثبتوا الوجود والأثر لغيره؛ إذ الأغيار مطلقاً معدومة في أنفسها مستهلكة في ذاته سبحانه {وَ} افعلوا {بِٱلْوَٰلِدَيْنِ} اللذين هما سبب ظهوركم عادة {إِحْسَاناً} قولاً وفعلاً {وَ} أيضاً {بِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إليهما بواستطهما {وَ} أيضاً {ٱلْيَتَٰمَىٰ} الذين لا متعهد لهم من الرجال {وَٱلْمَسَٰكِينِ} الذين أسكنهم الفقر في زاوية الهوان {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} هم الذين لهم قرابة جوار بحيث يقع الملاقاة في كل يوم مرتين {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} هم الذين لهم بعد جوار، بحث لا يقع التلاقي إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاثة. {وَ} عليكم رعاية {ٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} أي: الذي معكم وفي جنبكم في السراء والضراء يصاحبكم ويعينكم {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المتباعدين عن الأهل والواطن لمصالح دينية، مثل طلب العلم وصلة الرحم وحج البيت وغير ذلك {وَ} أيضاً من أهم المأمورات لكم رعاية {مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ} من العبيد والإماء والحيوانات المسنوبة إليكم، وعليكم ألاَّ تتكبروا على هؤلاء المستحقين حين الإحسان، ولا تتفوقوا عليهم بالامتنان {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} متكبراً يمشي على الناس خيلاء {فَخُوراً} [النساء: 36] بفضله وماله أو نسبه. وهم: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} من أموالهم التي استخلفهم الله عليها، معليين بأنا لم نجد فقيراً متديناً يستحق الصدقة {وَ} مع بخلهم في أنفسهم {يَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ} أيضاً {بِٱلْبُخْلِ} لئلا يلحق العار عليهم خاصة {وَ} مع ذلك {يَكْتُمُونَ} من الحكام والعملة {مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من الأموال؛ خوفاً من إخراج الزكاة والصدقات، ومن عظم جرم هؤلاء الخيلاء البخلاء أسند سبحانه انتقامهم إلى نفسه غير الأسلوب، فقال: {وَأَعْتَدْنَا} أي: هيأنا من غاية قهرنا وانتقامنا {لِلْكَافِرِينَ} لنعمنا كفراناً ناشئاً عن محض النفاق والشقاق {عَذَاباً} طرداً وحرماناً مؤلماً، وتخذيلاً وإذلالاً {مُّهِيناً} [النساء: 37].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له، في جميع العبادات الظاهرة والباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا لا شركا أصغر ولا أكبر، لا ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد. ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب. فقال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم والخطاب اللطيف والفعل الجميل بطاعة أمرهما واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما وإكرام من له تعلق بهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان، الإساءةُ وعدمُ الإحسان. وكلاهما منهي عنه. { وَبِذِي الْقُرْبَى } أيضا إحسانا، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله. { وَالْيَتَامَى } أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، فلهم حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم بكفالتهم وبرهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية في مصالح دينهم ودنياهم. { وَالْمَسَاكِين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون، فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه. { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } أي: الجار القريب الذي له حقان حق الجوار وحق القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف. { وَ } كذلك { الْجَارِ الْجُنُبِ } أي: الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب بابًا كان آكد حقًّا، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال وعدم أذيته بقول أو فعل. { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } قيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب مطلقا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر ويشمل الزوجة. فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له؛ والوفاء معه في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد. { وَابْنِ السَّبِيلِ } وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده [وبإكرامه وتأنيسه]. { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : أي: من الآدميين والبهائم بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما يتحملون، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم. فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا } أي: معجبا بنفسه متكبرًا على الخلق { فَخُورًا } يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق. ولهذا ذمهم بقوله: { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة. { وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } بأقوالهم وأفعالهم { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي: من العلم الذي يهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من الباطل ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم وخسارة غيرهم، وهذه هي صفات الكافرين، فلهذا قال تعالى: { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } أي: كما تكبروا على عباد الله ومنعوا حقوقه وتسببوا في منع غيرهم من البخل وعدم الاهتداء، أهانهم بالعذاب الأليم والخزي الدائم. فعياذًا بك اللهم من كل سوء. ثم أخبر عن النفقة الصادرة عن رياء وسمعة وعدم إيمان به فقال: { وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ } أي: ليروهم ويمدحوهم ويعظموهم { وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ } أي: ليس إنفاقهم صادرا عن إخلاص وإيمان بالله ورجاء ثوابه. أي: فهذا من خطوات الشيطان وأعماله التي يدعو حزبه إليها ليكونوا من أصحاب السعير. وصدرت منهم بسبب مقارنته لهم وأزهم إليها فلهذا قال: { وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا } أي: بئس المقارن والصاحب الذي يريد إهلاك من قارنه ويسعى فيه أشد السعي. فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما مَنَّ به الله عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله فإنه آثم عاص لربه مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } تفسير : فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب فلهذا حث تعالى عليه بقوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 216 : 42 : 58 - سفين في قول الله {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} قال، لا تخافوا معه غيره. [الآية 36]. 217 : 43 : 34 - سفين عن مورق أو مرزوق مولى الشعبي عن سعيد بن جبير {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال، الرفيق في السفر. [الآية 36]. 218 : 44 : 35 - سفين عن أبي الهيثم {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ} قال، امرأة الرجل. 219 : 45 : 36 - سفين عن جابر عن الشعبي أو عن القسم بن عبد الرحمن عن بن مسعود قال، امرأة الرجل.
همام الصنعاني
تفسير : 581- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معْمَر عن قَتَادة وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ}: [الآية: 36]، قالا: هو جارك وهو ذو قرابَتك، {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}: [الآية: 36]، جارك من قومٍ آخرين، {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}: [الآية: 36]، صاحبك في السفر، {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} الذي يمر عليك وهو مسافِرٌ. 583- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}: [الآية: 36]، قال: الرفيق في السفر. 584- قال الثوري وقال أبو الهيثم عن إبراهيم: هي المرأة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):