٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: {بِٱلْبُخْلِ } بفتح الباء والخاء، وفي الحديد مثله، وهي لغة الانصار، والباقون {بِٱلْبُخْلِ } بضم الباء والخاء وهي اللغة العالية. المسألة الثانية: الذين يبخلون: بدل من قوله: {مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } والمعنى: ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون، أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعا على الذم، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون: أحقاء بكل ملامة. المسألة الثالثة: قال الواحدي: البخل فيه أربع اللغات: البخل. مثل القفل، والبخل مثل الكرم، والبخل مثل الفقر، والبخل بضمتين. ذكره المبرد، وهو في كلام العرب عبارة عن منع الاحسان، وفي الشريعة منع الواجب. المسألة الرابعة: قال ابن عباس: انهم اليهود، بخلوا أن يعترفوا بما عرفوا من نعت محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة، وأمروا قومهم أيضا بالكتمان {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } يعني من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَعْتَدْنَا } في الآخرة لليهود {عَذَاباً مُّهِيناً } واحتج من نصر هذا القول: بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل على أن المراد بأولها الكافر. وقال آخرون: المراد منه البخل بالمال، لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب فيها رعاية حقوق الناس بالمال، فانه قال: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [النساء: 36] ومعلوم أن الاحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال، ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان فقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } تفسير : [النساء: 36] ثم عطف عليه {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } فوجب أن يكون هذا البخل بخلا متعلقا بما قبله، وما ذاك إلا البخل بالمال. والقول الثالث: أنه عام في البخل بالعلم والدين، وفي البخل بالمال، لأن اللفظ عام، والكل مذموم، فوجب كون اللفظ متناولا للكل. المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا: أولها: كون الانسان بخيلا وهو المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالبخل، وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد بقوله: {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } وثالثها: قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فيوهمون الفقر مع الغنى، والاعسار مع اليسار، والعجز مع الامكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } ومن قال: الآية مخصوصة باليهود، فكلامه في هذا الموضع ظاهر، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ويمكن أيضاً أن يكون المراد من هذا الكافر، من يكون كافرا بالنعمة، لا من يكون كافرا بالدين والشرع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} فـيـه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الّذين في موضع نصب على البدل مِن {منْ} في قوله: {مَن كَانَ} ولا يكون صفة؛ لأن {منْ} و {مَآ} لا يوصفان ولا يوصف بهما. ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلاً من المضمر الذي في فخور. ويجوز أن يكون في موضع رفع فيعطف عليه. ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي الذين يبخلون، لهم كذا، أو يكون الخبر { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40]. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني، فتكون الآية في المؤمنين؛ فتجيء الآية على هذا التأويل أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سُمِّي فإن الله لا يحب من فيه الخلالُ المانعة من الإحسان. الثانية ـ قوله تعالى: {يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} البخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه. وهو مثل قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [آل عمران: 180] الآية. وقد مضى في «آل عمران» القول في البخل وحقيقته، والفرق بينه وبين الشُّحِّ مستوفى. والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود؛ فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهُم تَقِيَّة، والمعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون؛ على ما ذكرنا من إعرابه. قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} فصل تعالى توَعُّدَ المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأوّل عدم المحبة والثاني عذاباً مهيناً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ذاماً الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به؛ من بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانهم من الأرقاء، ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وأي داء أدوأ من البخل»تفسير : ؟ وقال: «حديث : إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا»تفسير : . وقوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فالبخيل جحود لنعمة الله، لا تظهر عليه، ولا تبين، لا في مأكله، ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} تفسير : [العاديات: 6 ـ 7] أي: بحاله وشمائله {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8] وقال ههنا: {وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} ولهذا توعدهم بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه، ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه، وفي الحديث: «حديث : إن الله إذا أنعم نعمة على عبد، أحب أن يظهر أثرها عليه»تفسير : ، وفي الدعاء النبوي: «حديث : واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا» تفسير : . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}، رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقاله مجاهد و غير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} فإنه ذكر الممسكين المذمومين، وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق، والمراؤون بأعمالهم، «حديث : يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل» تفسير : أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعدي بن حاتم: «حديث : إن أباك رام أمراً فبلغه»تفسير : . وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: «حديث : لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»تفسير : ، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية، أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح، وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها، الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم، فحسن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً}، ولهذا قال الشاعر:شعر : عَنِ المَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عن قَرينِهِ فَكُلُّ قَرينٍ بالمقارَنِ يَقْتَدي تفسير : ثم قال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} الآية، أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملاً، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها؟ وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً} أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه، فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذاً بالله من ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } مبتدأ {يَبْخَلُونَ } بما يجب عليهم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } به {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } من العلم والمال وهم اليهود وخبر المبتدأ( لهم وعيد شديد) {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ } بذلك وبغيره {عَذَاباً مُّهِيناً } ذا إهانة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } هم في محل نصب بدلاً من قوله: {مَن كَانَ مُخْتَالاً } أو على الذمّ، أو في محل رفع على الابتداء، والخبر مقدّر، أي: لهم كذا وكذا من العذاب، ويجوز أن يكون مرفوعاً بدلاً من الضمير المستتر في قوله: {مُخْتَالاً فَخُوراً } ويجوز أن يكون منصوباً على تقدير أعنى، أو مرفوعاً على الخبر، والمبتدأ مقدّر، أي: هم الذين يبخلون، والجملة في محل نصب على البدل. والبخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشرّ خصال الشرّ ما هو أقبح منه، وأدل على سقوط نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم، وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله {يَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجاً ومضاضة، فلا كثر في عباده من أمثالكم، هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه، فما بالكم بخلتم بأموال غيركم؟ مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا غاية اللوم ونهاية الحمق، والرقاعة وقبح الطباع وسوء الاختيار. وقد تقدم اختلاف القراءات في البخل. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية: اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال، والفخر، والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله في التوراة وقيل: المراد بها المنافقون، ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك، وأكثر شمولاً، وأعمّ فائدة. قوله: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ } عطف على قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } ووجه ذلك أن الأوّلين قد فرطوا بالبخل، وبأمر الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء، والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان بالله وباليوم الآخر. قوله: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً } في الكلام إضمار، والتقدير، ولا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، فقرينهم الشيطان {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً } والقرين المقارن، وهو الصاحب، والخليل. والمعنى: من قبل من الشيطان في الدنيا، فقد قارنه فيها، أو فهو قرينه في النار، فساء الشيطان قرينا: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } أي: على هذه الطوائف {لَوْ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } ابتغاء لوجهه وامتثالاً لأمره، أي: وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } المثقال مفعال من الثقل، كالمقدار من القدر، وهو منتصب على أنه نعت لمفعول محذوف، أي: لا يظلم شيئاً مثقال ذرة. والذرّة واحدة الذرّ، وهي: النمل الصغار. وقيل: رأس النملة. وقيل: الذرّة الخردلة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوة أو غيرها ذرة. والأوّل هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. والمراد من الكلام: أن الله لا يظلم كثيراً، ولا قليلاً، أي: لا يبخسهم من ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرّة فضلاً عما فوقها. قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } قرأ أهل الحجاز: «حسنة» بالرفع. وقرأ من عداهم بالنصب، والمعنى على القراءة الأولى: إن توجد حسنة، على أنّ كان هي التامة لا الناقصة، وعلى القراءة الثانية: إن تك فعلته حسنة يضاعفها، وقيل: إن التقدير: إن تك مثقال الذرّة حسنة، وأنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى المؤنث، والأوّل أولى. وقرأ الحسن: "نضاعفها" بالنون، وقرأ الباقون بالياء، وهي الأرجح لقوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} وقد تقدّم الكلام في المضاعفة، والمراد: مضاعفة ثواب الحسنة. قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } كيف منصوبة بفعل مضمر، كما هو رأي سيبويه، أو محلها رفع على الابتداء، كما هو رأي غيره، والإشارة بقوله: {هَـؤُلاء } إلى الكفار. وقيل: إلى كفار قريش خاصة. والمعنى: فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً؟ وهذا الاستفهام معناه: التوبيخ، والتقريع {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلاْرْضُ } قرأ نافع، وابن عامر "تُسَوَّىٰ" بفتح التاء، وتشديد السين، وقرأ حمزة، والكسائي بفتح التاء، وتخفيف السين، وقرأ الباقون بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الأرض هي التي تسوّى بهم، أي: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض، فساخوا فيها، وقيل الباء في قوله: {بِهِمُ } بمعنى على، أي: تسوّى عليهم الأرض. وعلى القراءة الثالثة الفعل مبنيّ للمفعول، أي: لو سوّى الله بهم الأرض، فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا. قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } عطف على {يَوَدُّ } أي: يومئذ يودّ الذين كفروا، ويومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ولا يقدرون على ذلك. قال الزجاج: قال بعضهم {لا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} مستأنف؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف. والمعنى: يودّون أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثاً؛ لأنه ظهر كذبهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون؟ فأنزل الله فيهم: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } إلى قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً }. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } قال: رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً } وزن ذرة زادت على سيئاته {يُضَـٰعِفْهَا } فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقرأ عليّ"تفسير : ، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "حديث : نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري"تفسير : ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } قال: "حديث : حسبك الآن"تفسير : ، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأرْضُ } يعني: أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية: يقول: ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } قال: بجوارحهم.
الماوردي
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} فيهم قولان: أحدهما: أنها نزلت في اليهود، بخلوا بما عندهم من التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموه وأمرواْ الناس بكتمه. {وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} يعني نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: يبخلون بالإنفاق في طاعة الله عز وجل ويأمرون الناس بذلك، وهو قول طاووس، والبخل أن يبخل بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس يحب أن يكون له. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد. والثاني: هم المنافقون، وهو قول الزجاج. {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قَرِيناً} القرين هو الصاحب الموافق، كما قال عدي بن زيد: شعر : عن المرءِ لا تسأل وأبصر قرينه فإن القرين بالمقارن مُقتدي تفسير : وأصل القرين من الأقران، والقِرن بالكسر المماثل لأقرانه في الصفة، والقَرْن بالفتح: أهل العصر لاقترانهم في الزمان، ومنه قَرْن البهيمة لاقترانه بمثله. وفي المراد يكون قريناً للشيطان قولان: أحدهما: أنه مصاحبِهُ في أفعاله. والثاني: أن الشيطان يقترن به في النار.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة {الذين} في موضع نصب بدل من {من}, في قوله {أية : من كان مختالاً فخوراً} تفسير : [النساء:36] ومعناه على هذا: "يبخلون بأموالهم ويأمرون الناس" يعني إخوانهم، ومن هو مظنة طاعتهم بالبخل بالأموال، فلا تنفق في شيء من وجود الإحسان إلى من ذكر، {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ، يعني: من الرزق والمال، فيجيء على هذا أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، والآية إذاً في المؤمنين، فالمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمى، فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم من المؤمنين، وأما الكافرون فإنه أعد لهم {عذاباً مهيناً} ، ففصل توعد المؤمنين من توعد الكافرين، بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني {عذاباً مهيناً}, وقالت فرقة: {الذين} - في موضع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره بعد قوله {من فضله} معذبون أو مجازون أو نحوه، وقال الزجّاج: الخبر في قوله تعالى: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها} تفسير : [النساء:40] وفي هذا تكلف ما، والآية على هذا كله في كفار، وقد روي: أنها نزلت في أحبار اليهود بالمدينة، فإنهم بخلوا بالإعلام بصفة محمد عليه السلام، وبما عندهم من العلم في ذلك وأمروا الناس بالبخل على جهتين، بأن قالوا لأتباعهم وعوامهم: اجحدوا أمر محمد، وابخلوا به، وبأن قالوا للأنصار: لم تنفقون أموالكم على هؤلاء المهاجرين فتفتخرون عليهم؟ ونحو هذا مروي عن مجاهد وحضرمي وابن زيد وابن عباس، وحقيقة " البخل": منع ما في اليد، والشح: هو البخل الذي تقترن به الرغبة فيما في أيدي الناس، "وكتمان الفضل" هو على هذا: كتمان العلم، والتوعد بالعذاب المهين لهم، وقرأ عيسى ابن عمر والحسن " بالبُخْل" بضم الباء والخاء، وقرأ الجمهور بضم الباء وسكون الخاء، وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الحديد "بالبَخَل" بفتح الباء والخاء، وقرأ ابن الزبير وقتادة وجماعة: بفتح الباء وسكون الخاء، وهي لكها لغات، {وأعتدنا} معناه: يسرنا وأعددنا وأحضرنا، والعتيد، الحاضر، والمهين: الذي يقترن به خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب. وقوله تعالى: {والذين ينفقون} الآية - قال الطبري: {الذين} في موضع خفض عطف على الكافرين، ويصح أن يكون في موضع رفع عطفاً على {الذين يبخلون} على تأويل: من رآه مقطوعاً ورأى الخبر محذوفاً، وقال: إنها نزلت في اليهود، ويصح أن يكون في موضع رفع على العطف وحذف الخبر، وتقديره: بعد اليوم الآخر معذبون، وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في اليهود، قال الطبري: وهذا ضعيف، لأنه نفى عن هذه الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك. قال القاضي أبو محمد: وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذا إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور: نزلت في المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم: هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، "رياء" ودفعاً عن أنفسهم، لا إيماناً بالله، ولا حباً في دينه {ورثاء} نصب على الحال من الضمير في {ينفقون} والعامل {ينفقون} ويكون قوله: {ولا يؤمنون} في الصلة، لأن الحال لا تفرق إذا كانت مما هو في الصلة، وحكى المهدوي: أن الحال تصح أن تكون من {الذين} فعلى هذا يكون {ولا يؤمنون} مقطوعاً ليس من الصلة، والأول أصح، وما حكى المهدوي ضعيف، ويحتمل أن يكون {ولا يؤمنون} في موضع الحال، أي: غير مؤمنين، فتكون الواو واو الحال. و "القرين": فعيل بمعنى فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به: قرن، قال الشاعر: [البسيط] شعر : كَمُدْخِلٍ رأَسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أَحَدٌ بَيْنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لزَّهُ الْقَرَنُ تفسير : فالمعنى: ومن يكن الشيطان له مصاحباً وملازماً، أو شك أن يطيعه فتسوء عاقبته، و {قريناً} نصب على التمييز، والفاعل لـ "ساء" مضمر، تقديره ساء القرين قريناً، على حد بئس، وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى: {أية : بئس للظالمين بدلاً} تفسير : [الكهف:50] وذلك مردود، لأن {بدلاً} حال، وفي هذا نظر. وقوله تعالى: {وماذا عليهم} "ما" رفع بالابتداء، " ذا " صلة، و {عليهم} خبر الابتداء،التقدير: وأي شيء عليهم؟ ويصح أن تكون "ما" اسماً بانفرادها، و"ذا" بمعى "الذي" ابتداء وخبر، وجواب "لو" في قوله: ماذا فهو جواب مقدم. قال القاضي أبو محمد: وكأن هذا الكلام يقتضي أن الإيمان متعلق بقدرتهم ومن فعلهم، ولا يقال لأحد: ما عليك لو فعلت إلا فيما هو مقدور له، وهذه شبهة للمعتزلة، والانفصال عنها أن المطلوب إنما هو تكسبهم واجتهادهم وإقبالهم على الإيمان، وأما الاختراع فالله المنفرد به، وفي هذا الكلام تفجع ما عليهم، واستدعاء جميل يقتضي حيطة وإشفاقاً {وكان الله بهم عليماً} إخبار يتضمن وعيداً، وينبه على سوء تواطئهم، أي: لا ينفعهم كتم مع علم الله تعالى بهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بالإنفاق في الطاعة {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ} بمثل ذلك، أو نزلت في اليهود بخلوا بما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها، وأمروا الناس بذلك، والبخل: أن يبخل بما في يده، والشح: أن يشح بما في يد غيره يحب أن يكون له.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} نزلت في اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم فكتموها وعلى هذا يكون المراد بالبخل كتمان العلم وقال ابن عباس نزلت في كردم بن زيد ويحيى بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى بن عمر وكانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويخاطبونهم يقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله عز وجل هذه الآية وقيل يحتمل أن يكون المراد بالبخل كتمان العلم ومنع المال لأن البخل في كلام العرب منع السائل من فضل ما لديه وإمساك المقتنيات وفي الشرع البخل عبارة عن إمساك الواجب ومنعه، وإذا كان ذلك أمكن حمله على منع المال ومنع العلم {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} يعني اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من العلم وقيل هم الأغنياء الذين كتموا الغنى وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال {وأعتدنا للكافرين} يعني الجاحدين نعمة الله عليهم {عذاباً مهيناً} يعني في الآخرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب
ابن عادل
تفسير : في: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} سَبْعَة أوجه: أحدها: أن يكُون مَنْصُوباً بدلاً مِنْ "مَنْ"، وجُمِعَ حَمْلاً على المَعْنَى. الثاني: أنه نَصْب على البَدَل من {مُخْتَالاً} وجُمِعَ أيضاً لما تقَدَّم. الثالث: أنه نُصِبَ على الذَّمِّ. قال القرطبِي: ويجوز أن يكُون مَنْصُوباً بإضْمَار "أعْنِي"، وقالَ: ولا يجوز أن يكون صِفَة؛ لأن "مَنْ" و "ما" لا يوصفان ولا يُوصَفُ بهما. الرابع: أنه مُبْتَدأ وفي خَبَره قولان: أحدُهُما: محذوف فَقَدَّرهُ بعضُهم: "مبغضون" لدلالة {إن الله لا يحب} [وبعضهم:] "معذبون"؛ لقوله: {وأعتدنا للكافرين عذاباً}. وقدَّره الزمخشري "أحقَّاء بكل مَلاَمَة"، وقدره أبو البَقَاء: أُولَئِكَ أوْلِيَاؤُهُم الشَّيْطَان. والثاني: أن قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40] ويكون قوله: [{أية : وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ}تفسير : ] [النساء: 38] عطفاً على المُبْتدأ والعَائِد مَحْذُوفٌ، والتقدير: الذين يَبْخَلُون، والَّذين يُنْفِقُون أموالهم، [رئاء النَّاسِ] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40]، [أو مثقال ذرة] لَهُم، وإليه ذَهَب الزَّجَّاج وهذا متكَلَّف جدًّا؛ لكثرة الفَواصِل ولقَلَقِ المَعْنَى أيضاً. الخامس: أنه خبر مُبْتَدأ مُضْمَر، أي: هم الذين. السادس: أنه بَدَلٌ من الضَّميرِ المستكن في {فَخُوراً} ذكره أبو البَقَاء، وهو قلق. السابع: أنه صِفَة لـ "مَنْ"؛ كأنه قيل: لا يُحِبُّ المختالَ الفَخْور البَخِيل. وفي البخل أرْبَع لُغاتٍ: فتح الخَاءِ والبَاء مثل الكَرَم، وبها قرأ حَمْزَةُ والكسائي، وبِضمِّهَا ذكره المُبرِّد، وبها قرأ الحَسَنُ وعِيسَى بن عُمَر، وبفتح البَاءِ وسُكُون الخَاء، وبها قرأ قتادةُ وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء، وبها قرأ الجمهور. والبُخْلُ والبَخَلُ؛ كالحُزْنِ والحَزَن، والعُرْبِ والعَرَبِ. قوله: {بِٱلْبُخْلِ} فيه وجْهَان: أحدهما: أنه مُتَعلِّق بـ "يَأمُرُونَ"، فالبَاء للتَّعْدِية على حَدّ أمرتك بِكَذَا. والثَّاني: أنها باء الحاليّة والمأمور مَحْذُوف، والتَّقْدير: ويأمرون النَّاسَ بشكرهم مع التباسِهِم بالبُخْل، فيكون في المعنَى؛ لقول الشَّاعر: [البسيط] شعر : 1795- أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضَاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُمَا تِيهَ المُلُوكِ وأفْعَالَ المَمَالِيكِ تفسير : فصل قال الواحدي: البُخْلُ في كلامِ العَرَب عبارة عن مَنْع الإحْسَان، وفي الشَّرِيعَةِ عبارة عن مَنْعِ الوَاجِبِ. قال ابن عبَّاس: نزلت في اليَهُود، بخلوا بِبَيَان صِفَة محمَّد صلى الله عليه وسلم وكَتمُوها. وقال سعيد بن جبير: هَذَا في كِتْمَان العِلْمِ. وقال ابن عبَّاسٍ وابن زيد: نَزَلَتْ في كردم بن يزيد، وحُيَيٍّ بن أخْطَب، ورِفَاعة بن التَّابُوت وأسَامة بن حَبِيبٍ، ونَافِع بن أبِي نافع، وبحري بن عمرو، وكانُوا يأتُون رجالاً من الأنْصَارِ يُخَالِطُونَهُم، فيقولون: لا تُنْفِقُوا أموالكُم، فإنّا نَخْشَى عليكم الفَقْرَ ولا تَدْرُون مَا يَكُون، فأنزل هذه الآية. وقيل: إنها عَامَّة في البُخْلِ بالعِلْم والدِّين والمَالِ: لأن البخل مَذْمُومٌ واللفظ عامٌّ. قال القرطبي: والمراد بهذه الآيَةِ في قَوْل ابن عبَّاس وغيره: اليَهُود؛ لأنهم جمَعُوا بين الاختيال والتَّفاخر، والبخل بالمَالِ، وكِتْمَان ما أنْزَل اللَّه في التَّوْرَاة من صِفَةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد: المُنَافِقُون الذي كان إنْفاقهم وإيمانهم تقية. قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني المال، وقيل: يَبْخَلُون بالصَّدَقَة، وقوله: {مِن فَضْلِهِ}، يجوز أن يتعلَّق بـ {آتَاهُمُ} أو بمَحْذُوف على أنه حالٌ من "مَا"، أو من العَائِد عَلَيْها. قال تعالى {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} فصَّل الله - تعالى - تَوعُّدَ المؤمنين البَاخِلين من تَوَعُّد الكَافِرِين، بأن جعل الأوَّل عدم المَحبَّة، والثَّاني عذاباً مُهِيناً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله فيهم {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} إلى قوله {وكان الله بهم عليماً}. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {الذين يبخلون} قال: هي في أهل الكتاب، يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان. وأخرج ابن جرير عن حضرمي في الآية قال: هم اليهود، بخلوا بما عندهم من العلم، وكتموا ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {الذين يبخلون...} الآية. قال: نزلت في يهود. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {الذين يبخلون..} الآية. قال: هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً، فعيرهم الله بذلك فأنزل الله {الذين يبخلون...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم وكتموا الإسلام ومحمداً وهم {أية : يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} تفسير : [الأعراف: 157]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس قال: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشح. أن يشح على ما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع. وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن عبيد. أنه قرأ {ويأمرون الناس بالبخل}. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن يعمر، أنه قرأها {ويأمرون الناس بالبخل} بنصب الباء والخاء. وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار. أن ابن الزبير كان يقرأها {ويأمرون الناس بالبخل} بنصب الباء والخاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} قال: نزلت في اليهود.
ابو السعود
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بضم الباءِ وسكون الخاءِ وقرىء بفتح الأولِ وبفتحهما وبضمِّهما، والموصولُ بدلٌ من قوله تعالى: {مَن كَانَ} أو نصبٌ على الذم أو رفعٌ عليه أي هم الذين أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقّاءُ بكل مَلامةٍ {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي من المال والغِنى، أو من نعوته عليه السلام التي بـيّنها لهم في التوراة وهو أنسبُ بأمرهم للناس بالبخل، فإن أحبارَهم كانوا يكتُمونها ويأمرون أعقابَهم بكتمها {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ إشعاراً بأن مَنْ هذا شأنُه فهو كافرٌ بنعمة الله تعالى ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النعمةَ بالبخل والإخفاءِ، والآيةُ نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحةِ: لا تُنفِقوا أموالَكم فإنا نخشى عليكم الفقرَ، وقيل: في الذين كتموا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها. {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ} أي للفَخار وليقالَ: ما أسخاهم وما أجْودَهم لا ابتغاءَ وجهِ الله تعالى، وهو عطفٌ على الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيدِ لأن البخل والسَّرَفَ الذي هو الإنفاقُ فيما لا ينبغي من حيث إنهما طرفا تفريطٍ وإفراطٍ سواءٌ في القُبح واستتباعِ اللائمةِ والذمِّ، ويجوز أن يكون العطفُ بناءً على إجراء التغايُرِ الوصفيِّ مُجرى التغايُرِ الذاتي كما في قوله: [المتقارب] شعر : إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمام وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ تفسير : أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ يدل عليه قوله تعالى: {وَمَن يَكُنِ} الخ، كأنه قيل: والذين ينفقون أموالَهم رثاءَ الناسِ {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ليتحرَّوْا بالإنفاق مراضِيَه تعالى وثوابَه وهم مشركو مكةَ المنفقون أموالَهم في عداوة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقيل: المنافقون {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً} أي فقرينُهم الشيطانُ وإنما حُذف للإيذان بظهوره واستغنائِه عن التصريح به، والمرادُ به إبليسُ وأعوانُه حيث حَمَلوهم على تلك القبائحِ وزيَّنوها لهم كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الإسراء، الآية 27] ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطانَ يُقرَنُ بهم في النار.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} [الآية: 37]. قال الذين يمنون بالعطاء ويطلبون من الناس الثناء عليه. قوله عز وجل: {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. قال ابن عطاء رحمه الله: من البراهين الصادقة. وقال بعضهم: لا يشكرون نعمة العافية عليهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} من عرف الله وشاهد صفاته وبدأ له حقائق المحبة ولم يطق ان يبذل نفسه لله وفى الله فهو نجيل ولم يذق حلاوة المحبة بحقائقها ومن كشف الله له احكام الملكوت ولا يكذرها عند المشتاقين الى لقائه فهو بيخل ومن مع الاستادين والمشائخ عن بيان حقائق طريق الله عن المريدين فهو معاتب بهذه الاية وتصديق ما ذكرنا قوله سبحانه {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فضله معرفته ومحبته ورؤية نوال قربه ولطف بره قيل الذين يمنون بالعطاء وطالبون من الناس الثناء عليه قال ابن عطا فى قوله ويكتمون ما أتاهم الله من فضله من البراهين الصادقة وقال بعضهم لا يشكرون نعمة العافية عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يبخلون} بما منحوا به وهو مبتدأ خبره محذوف اى احقاء بكل ملامة {ويأمرون الناس بالبخل} به اى بما منحوا به عطف على ما قبله {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} اى من المال والغنى {واعتدنا للكافرين عذابا مهينا} وضع الظاهر موضع المضمر اشعار بان من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله ومن كان كافرا بنعمة الله فله عذاب يهينه كما اهان النعمة بالبخل والاخفاء. والآية نزلت فى طائفة من اليهود كانوا يقولون للانصار بطريق النصيحة لا تنفقوا اموالكم فانا نخشى عليكم الفقر.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الذين} بدل مِن: "مَن كان"، أو منصوب على الذم، أو مرفوع عليه، أي: هم. أو مبتدأ حذف خبره، أي: نعذبهم عذابًا مُهينًا، أو أحقاء بكل ملامة، و {الذين ينفقون}: عطف على الأولى، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان: البُخل والبَخَل بحركتين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين يبخلون} بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم، {ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله} من الغنى، فيظهرون القلة والعيلة، أو يكتمون العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، هم أحقاء بكل لوم وعتاب. {وأعتدنا للكافرين} منهم {عذابًا مُهينًا} يهينهم ويخزيهم، نزلت في اليهود، كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وَوَضعَ الظاهر موضع المضمر كأنه يقول: وأعتدنا لهم، إشعارًا بأن مَن هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابًا مهينًا. {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} طالبًا لمدحهم وخوفًا من ذمهم، {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}، يتحرّون بإنفاقهم مراضية، فالشيطان قرينهم لا يفارقهم، {ومن يكن الشيطان له قرينًا فساء قرينًا}، فلمّا كان الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال، وإنما أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طَرَفَا تفريط وإفراط، وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي: لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم؛ لو أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم الكريم المنان. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يُجيب إليه احتياطاً، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى: لأن القصد بذكره هنا التخصيص، وثَم التقليل. هـ. {وكان الله بهم عليمًا} لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. الإشارة: قال بعض الصوفية: ( من أقبح كل قبيح صوفي شحيح)، فالصوفية العارفون ـ رضي الله عنهم ـ الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به الحق ـ تعالى ـ أهل العناد، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية، ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق، ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه، وإذا بذلوا أموالهم أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله، هجم عليهم اليقين، وتمكنوا من شهود رب العالمين، فلا يقرب ساحتهم الشيطان، ولا يرون في الدارين إلا الملك الديان، تحبهم ملائكة الرحمن، ويحن إليهم الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم، وخرطنا في مسلكهم، آمين.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة، والكسائي ها هنا وفي الحديد: {بالبخل} بفتح الباء والخاء. الباقون بضم الباء وتسكين الخاء. فمن نصب قال: لأنه مصدر بخل يبخل بخلا، الباب كله هكذا، ومن اختار الضم وتسكين الخاء فلأنه نقيض الجود فحمل على وزنه، فهما لغتان. وحكي لغة ثالثة {بالبخل} - بفتح الباء وسكون الخاء. الاعراب: وقوله: {الذين} يحتمل أن يكون موضعه نصباً من وجهين، ورفعاً من وجهين، فأحد وجهي النصب أن يكون بدلا من "من" في قوله: {لا يحب من كان}. والثاني - على الذم. وأحد وجهي الرفع - على الاستئناف بالذم، ويكون خبره {أية : إن الله لا يظلم }تفسير : والآية الثانية عطفاً عليها. والوجه الثاني - على البدل من الضمير في "فخور". والبخل أصله مشقة الاعطاء. المعنى واللغة: وقالوا في معناه ها هنا قولان: أحدهما - أنه منع الواجب، لأنه إسم ذم لا يطلق إلا على مرتكب كبيرة. والثاني - هو منع ما لا ينفع منعه، ولا يضر بذله، ومثله الشح، وضده الجود، والأول أليق بالآية، لأنه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة، وذلك لا يليق إلا بمنع الواجب. قال الرماني: معناه منع الاحسان لمشقة الطباع، ونقيضه الجود وهو بذل الاحسان لانتفاء مشقة الطباع، وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: إن الآية نزلت في اليهود، إذ بخلوا باظهار ما علموه وكتموه من صفة محمد (صلى الله عليه وسلم). وقال الجبائي، والبلخي: الآية في كل من كان بهذه الصفة، وإنما ذكروا بالكفر لكتمانهم نعمة الله عليهم. والآمر بالبخل يتناوله الوعيد، كما أن من فعل البخل يتناوله الوعيد. وقيل: معنى {يكتمون ما آتاهم الله من فضله} يجحدون اليسار والثروة اعتذاراً في البخل، وقوله: {وأعتدنا} قد فسرناه فيما مضى وهو أن معناه أعددناه، وجعلناه ثابتاً لهم "وللكافرين" يعني الجاحدين ما أنعم الله عليهم {عذاباً مهيناً} أي يهينهم ويذلهم.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} صفة او بدل من، من كان مختالاً او عطف بيان لواحد منهما او خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مبتدء خبرٍ محذوفٍ، او مفعول فعل محذوف. تحقيق معنى البخل والتقتير والتّبذير والبخل سجيّة تمنع الانسان من اخراج ما تحت يده ورفع يده عنه سواء كان من الحقوق الآلهيّة كالزّكوة والخمس او الخلقيّة كالنّفقات الواجبة والدّيون الحالّة المفروضة كما ذكر او مسنونة كالزّكوة وسائر الصّدقات المستحبّة والصّنائع المعروفة وكالانفاقات المستحبّة لنفسه وعياله واقاربه وجيرانه، ولذلك ورد عن رسول الله (ص)" حديث : ليس البخيل من ادّى الزّكوة المفروضة من ماله واعطى البائنة فى قومه انّما البخيل حقّ البخيل من لم يؤدّ الزّكوة المفروضة من ماله ولم يعط البائنة فى قومه وهو يبذّر فيما سوى ذلك"تفسير : ، وانّما سمّى المال المنفق بالبائنة لانّه كلّما ينسب الى الانسان حتّى وجوده من شأنه البينونة والمفارقه عنه الاّ وجه الله الباقى فانّه ان كان من اعراض الدّنيا فهو بائن فى نفسه وتبين وتنقطع نسبته ايضاً عن الانسان بالموت او بالانتقالات الشّرعية او بصروف الدّهر، وان كان من قبيل القوى والجوارح والاعراض والجاه فهو ايضاً يبين عن الانسان بالموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ او بالحوادث الطّارئة. شعر : فان تكن الاموال للتّرك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل تفسير : اعلم انّ السخاء فريضة متوسّطة بين طرفى الافراط والتّفريط اللّذين هما التّبذير والتّقتير، وللتّقتير مراتب عديدة بعضها يسمّى بخلاً وهو امساك ما فى يد الانسان وعدم قدرته على صرفه فى الوجوه المفروضة والمندوبة والمباحة، وبعضها يسمّى شحّاً وهو امساك ما فى يده وتمنّى ان يكون ما فى يد غيره فى يده كما ورد عن الصّادق (ع): انّ البخيل بخيل بما فى يده والشّحيح يشحّ بما فى أيدى النّاس، وعلى ما فى يديه حتّى لا يرى فى ايدى النّاس شيئاً الا تمنّى ان يكون له بالحلّ والحرام ولا يقنع بما رزقه الله، وللتّبذير ايضاً مراتب ولمّا كان الظّاهر من الانسان من افعاله واقواله واخلاقه واحواله من المتشابهات الّتى لا يعلم تأويلها الاّ الله والرّاسخون فى العلم كان التمييز بين السّخاء والتّبذير والتّقتير وبين مراتبها بحسب المعرفة وتشخيص جزئيّاتها الصّادرة عن الانسان فى غاية الخفاء حتّى على نفس الفاعل وان كانت بحسب العلم وكلّيّاتها جليّة قد فصّلها علماء الاخلاق وبيّنوها بمرابتها فانّ الانفاق بحسب قصد المنفق والغاية المترتّبة عليه والوجه المصروف فيه والشّخص الموصول اليه يختلف حاله واسمه؛ فربّ امساكٍ كان خيراً من الانفاق الحسن وربّ انفاقٍ كان وبالاً على المنفق، ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : منفق وممسك محل بين به بود جون محل باشد مؤثّر ميشود اي بسا امساك كز انفاق به مال حقّ را جز بامر حقّ مده مال راكز بهر حق باشى حمول نعم مال صالح كفت آن رسول تفسير : ولمّا كان اصل كلّ ما ينسب الى الانسان انانيّته الّتى هى نسبة الوجود الى نفسه، واصل كلّ الانفاقات وغايتها وعلّتها الغائيّة الانفاق من الانانيّة، واصل جميع ما ينفق عليه الولاية فمن انفق انانيّته فى طريق الولاية بان يسلّمها لولىّ امره بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة فان انفق من سائر ما ينسب اليه من حيث انتسابه الى الولاية على نفسه وعلى من تحت يده وعلى غيره بطريق الفرض او النّدب او الاباحة كان انفاقه سخاءً، وان امسك من هذه الجهة كان امساكه ممدوحاً ولم يكن بخلاً، ومن بخل بانانيّته ولم ينفقها فى طريق الولاية فان امسك كان امساكه بخلاً وان انفق كان انفاقه تبذيراً الاّ اذا كان الامساك او الانفاق فى طلب الولاية فانّهما حينئذٍ يخرجان من اسم البخل والتّبذير فعلى هذا صحّ ان يقال: انّ المختالين الّذين يبخلون بصرف انانيّاتهم فى طريق ولاية علىّ (ع) {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} والامتناع من صرف انانيّاتهم فى طريق الولاية يعنى الّذين يعرضون عن الولاية ويصدّون النّاس عنها، وصحّ ان يقال انّ الآية تعريض برؤساء منافقى الامّة حيث كانوا يعرضون بعد محمّد (ص) عن علىّ (ع) ويمنعون النّاس عن الرّجوع اليه {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعنى يعتذرون عن امساكهم بانّه ليس لهم ما ينفقون ويكتمون ما كان لهم من النّعم الظّاهره والباطنة من قوّة قواهم وحشمتهم وجاههم وعلومهم ومعارفهم ولمّا كان اشرف النّعم الظّاهرة والباطنة ما يطرء للانسان من الاحوال والاخلاق الآلهيّة الّتى تجعل الانسان فى حال طروّها فى راحة وانبساط ولذّة، واصل الكلّ نعمة الولاية ومعرفتها وكان اقبح اقسام الكتمان كتمان تلك الاحوال وهذا المعرفة عن نفسه بان يصير الانسان غافلاً عن معرفته وعن لذّة احواله او مغمضاً عنهما وكان تلك ادلّ دليل على نبوّة من اتّصف وامر بها وولايته صحّ تفسير الآية بكتمان ما آتاهم الله من ادلّة نبوّة محمّد (ص) او ادلّة ولاية علىّ (ع) ممّا عرفوه من كتبهم واخبار انبيائهم ومن القرآن واخبار محمّد (ص) وممّا وجدوه فى نفوسهم من الاخلاق الاخرويّة الّتى هى انموذج اخلاقهما واحوالهما {وَأَعْتَدْنَا} التفت من الغيبة الى التّكلّم تنشيطاً للسّامع {لِلْكَافِرِينَ} اى الكاتمين لنعم الله غير شاكرين لها باظهارها فانّ اظهار النّعمة احد اقسام الشّكر كما انّ كتمانها احد اقسام كفرانها، ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بانّ الكاتمين لنعم الله معدودون من الكفرة {عَذَاباً مُّهِيناً} كما انّهم اهانوا نعمنا بالكتمان وعدم الاظهار فانّ الله اذا انعم على عبدٍ بنعمة احبّ ان يراها عليه وابتذال النّعم وتحديثها بالفعال خيرٌ من ابتذالها بالمقال، ومن كتم علماً ألجمه الله بلجام من النّار.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}: الذى بدل من "من" لا نعته، لأن من الموصولة لا تنعت بمعرفة ولا نكرة، وإن جعلت نكرة موصوفة فالمعرفة لا تبدل من النكرة أو خبر لمحذوف أو منصوب لمحذوف على الذم، أى: هم الذين يبخلون، أو أعنى: الذين، أو مبتدأ خبره محذوف، أى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}. {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: أحقاء بكل ملامة، وقرأ حمزة والكسائى: البَخَل بفتح الباء والخاء هنا وفى سورة الحديد، وهو لغة. وقرىء: البخل بضمها. وقرىء: البَخْل بفتح الباء وسكون الخاء والآية نزلت فى كردم بن زيد، وحيى بن أخطب ورفاعة بن زيد، وأسامة ابن حبيب، ونافع بن أبى نافع، ويحيى بن عمرو، وهو من اليهود. قال ابن عباس: كانوا يقولون لزال من الأنصار يخالطوهم لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يصير إليه أمر محمد تنصحاً منهم، لعنهم الله، ويكتمون ما أعطاهم الله من المال لئلا يسألهم سائل، أو يطمع فيهم طامع، وليقل بحسب الظاهر، ما لزمهم من المال، وقيل نزلت فى علماء اليهود الذين يكتمون صفة رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يبخلون بإظهارها ويأمرون بالبخل به، ويكتمونها، وقد أتاهم الله بيانها فى التوراة من فضله، وقيل المراد الأغنياء الذين كتموا الغنى وأظهروا الفقر بخلوا بالمال، ولا يؤدون حقه، والبخل فى نفسه عيب، فكيف من يأمر به بعد أن بخل، ومن أمثال العرب، كما فى الكشاف ما أبخل من الضنين بنائل غيره قال الشاعر: شعر : وإن أمرأ ضنت يداه على امرء بنيل يد من غير لبخيل تفسير : قال: ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحداً جاء لى أحد شخص به وحل حبوته، واضطرب ودارت عيناه فى رأسه كأنما نهب رحله ومسرت خزائنه ضجراً، من ذلك وحسرة على وجوده. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده"تفسير : . وبنى عامل الرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك، فأعجبه كلامه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن: البخل وسوء الخلق ". تفسير : و{مِن فَضْلِهِ}: متعلق بأتى على أن من للابتداء أو لمحذوف حال من ماء أو العائد المحذوف على أنها تبعيضية، ويجوز الابتداء أيضاً. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ}: أى الذين جحدوا نعمته بالبخل والكتم، والمعصية ومقتضى الظاهر: وأعتدنا لهم، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بأن بخلهم وأمرهم بالبخل وكتمهم كفر. {عَذَاباً مُّهِيناً}: فى الآخرة يهينهم كما أهانوا النعمة بالإخفاء والكتم وعدم الشكر.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} من المال والعلم، والذين خبره لهم عذاب شديد، أو قرينهم الشيطان، أو مبغوضون، أو أحقاء بكل لوم أو بدل من من، أو يقدرهم الذين، أو أذم الذين، أو مبتدأ عطف عليه الذين، والخبر، إن الله لا يظلم، أى لا يظلمهم، أو نعت من، وفى الإبدال من من تخلص دعوى الحذف، ومن نعت من ومن كثرة الفضل، والمعنى يبخلون بما أعطاهم الله من مال فلا يعطونه الوالدين، ومن ذكر، ويأمرون الناس أن يبخلوا بما أعطوا ويكتمون ما أعطاهم من مال لئلا يطمع فيه الوالدان ومن ذكر، ويكتمون العلم فالآية توزع بين من يصلح لما فيها، وكتم العلم فى اليهود، يكتمون صفات محمد صلى الله عليه وسلم، والبخل فيهم وفى غيرهم، وقد قيل نزلت فى طائفة منهم، جمعوا ذلك، أو عمت كل من يكتم العلم، والكتم بالعلم أنسب تفسيرا وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم. فشمل كل من كتم علما عن أهله، وكان بعض الناس يقول: أمسك مالك تصلح به حالك، وتقول اليهود حيى بن أَخطب، ورفاعة بن زيد، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبى نافع، وكردم ابن زيد حليف كعب بن الأشرف ونحوهم للأَنصار، لا تنفقوا مالكم على محمد، فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون، وكتم اليهود صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} أى لهم، وأظهر فى موضع الإضمار إشعار بأن من هذا شأنه فهو كافر للنعمة، وفى الحديث: حديث : إن الله يحب أن يظهر أثر نعمته على عبده تفسير : أو هو عام لكل من كفر بما ذكر أو غيره {عَذَاباً مُّهِيماً} كما أهان الإسلام والنعمة.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} فيه أوجه من الإعراب: الأول: أن يكون بدلاً من مَن بدل كل من كل، الثاني: أن يكون صفة لها بناءاً على رأي من يجوز وقوع الموصول موصوفاً، والزجاج يقول به، الثالث: أن يكون نصباً على الذم، الرابع: أن يكون رفعاً عليه، الخامس: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، السادس: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي مبغوضون، أو أحقاء بكل ملامة ونحو ذلك ـ مما يؤخذ من السياق ـ وإنما حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب، وتقديره بعد تمام الصلة أولى، السابع: أن يكون كما قال أبو البقاء: مبتدأ {أية : وَٱلَّذِينَ} تفسير : [النساء: 38] الآتي معطوفاً عليه، والخبر {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ} تفسير : [النساء: 40] على معنى لا يظلمهم وهو بعيد جداً. وفرق الطيبـي بين كونه خبراً ومبتدأ بأنه على الأول: متصل بما قبله لأن هذا من جنس أوصافهم التي عرفوا بها، وعلى الثاني: منقطع جيء به لبيان أحوالهم، وذكر أن الوجه الاتصال وأطال الكلام عليه، وفي البخل أربع لغات: فتح الخاء والباء ـ وبها قرأ حمزة والكسائي ـ وضمهما ـ وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر / وفتح الباء وسكون الخاء ـ وبها قرأ قتادة ـ وضم الباء وسكون الخاء ـ وبها قرأ الجمهور ـ. {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي من المال والغنى أو من نعوته صلى الله عليه وسلم. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي أعددنا لهم ذلك ووضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن كان كافراً لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان النعم بالبخل والإخفاء، ويجوز حمل الكفر على ظاهره، وذكر ضمير التعظيم للتهويل لأن عذاب العظيم عظيم، وغضب الحليم وخيم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها، وسبب نزول الآية ما أخرجه ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبـي نافع وبحرى بن عمرو وحيـي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً} تفسير : [النساء: 37-39]، وقيل: نزلت في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره، أخرج عبد بن حميد وآخرون عن قتادة أنه قال في الآية: هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب بخلوا بحق الله تعالى عليهم وكتموا الإسلام ومحمداً صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوباً عندهم في «التوراة» «والإنجيل»، والبخل على هذه الرواية ظاهر في البخل بالمال، وبه صرح ابن جبير في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أنه البخل بالعلم، وأمرهم الناس أي أتباعهم به يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون مجازاً تنزيلاً لهم منزلة الآمرين بذلك لعلمهم باتباعهم لهم.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون استئنافاً ابتدائياً، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ذكرهم في الجملة السابقة، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ضدهّ وما يشبه ضدّه من كلّ إحسان غير صالح؛ فقوبل الخُلق الذي دعاهم الله إليه بأخلاق أهل الكفر وحِزب الشيطان كما دلّ عليه ما في خلال هذه الجملة من ذِكر الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. فيكون قوله: {الذين يبخلون} مبتدأ، وحُذف خبره ودَلّ عليه قولُه: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}. وقُصد العدول عن العطف: لتكون مستقلّة، ولما فيه من فائدة العموم، وفائدة الإعلام بأنّ هؤلاء من الكافرين. فالتقدير: الذين يبخلون أعتدنا لهم عذاباً مهينا وأعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم، وتكون جملة: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} معطوفة أيضاً على جملة {والذين يبخلون} محذوفة الخبر أيضاً، يدلّ عليه قوله: {ومن يكن الشيطان له قرينا} إلخ. والتقدير: والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس قرينهم الشيطان. ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها. ويجوز أن يكون {الذين يبخلون} بدلاَ من (مَن) في قوله: {أية : من كان مختالاً فخوراً}تفسير : [النساء: 36] فيكون قوله: {والذين ينفقون أموالهم} معطوفاً على {الذين يبخلون}، وجملة {وأعتدنا} معترضة. وهؤلاء هم المشركون المتظاهرون بالكفر، وكذلك المنافقون. والبخل ــــ بضمّ الباء وسكون الخاء ــــ اسم مصدر بخل من باب فرح، ويقال البَخَل ــــ بفتح الباء والخاء ــــ وهو مصدره القياسي، قرأه الجمهور ــــ بضم الباء ــــ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف ــــ بفتح الباء والخاء ــــ. والبخل: ضدّ الجود وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} تفسير : في سورة آل عمران (180). ومعنى {يأمرون الناس بالبخل} يحضّون الناس عليه، وهذا أشدّ البخل، قال أبو تمّام:شعر : وإنّ امرأ ضنّت يداه على امرىء بنيل يَدٍ من غيره لبخيل تفسير : والكتمان: الإخفاء. و{ما آتاهم الله من فضله} يحتمل أنّ المراد به المال، كقوله تعالى: {أية : ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله}تفسير : [آل عمران: 180]؛ فيكون المعنى: أنّهم يبخلون ويعتذرون بأنّهم لا يجدون ما ينفقون منه، ويحتمل أنّه أريد به كتمان التوراة بما فيها من صفة النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الاحتمال الأوّل يكون المراد بالذين يبخلون: المنافقين، وعلى الثاني يكون المراد بهم: اليهود؛ وهذا المأثور عن ابن عباس. ويجوز أن تكون في المنافقين، فقد كانوا يأمرون الناس بالبخل {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}تفسير : [المنافقون: 7]. وقوله: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}، عَقِبَه، يؤذن بأنّ المراد أحد هذين الفريقين. وجملة: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} معترضة. وأصل و{أعتدنا} أعددنا، أبدلت الدال الأولى تاء، لثقل الدالين عند فكّ الإدغام باتّصال ضمير الرفع، وهكذا مادّة أعدّ في كلام العرب إذا أدغموها لم يبدلوا الدال بالتاء لأنّ الإدغام أخفّ، وإذا أظهروا أبدلوا الدال تاء، ومن ذلك قولهم: عَتاد لعُدّة السلاح، وأعْتُد جمع عتاد. ووصف العذاب بالمهين جزاء لهم على الاختيال والفخر. وعطف {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} على {الذين يبخلون}: لأنّهم أنفقوا إنفاقاً لا تحصل به فائدة الإنفاق غالباً، لأنّ من ينفق ماله رئاء لا يتوخّى به مواقع الحاجة، فقد يعطي الغنيّ ويمنع الفقير، وأريد بهم هنا المنفقون من المنافقين المشركين، ولذلك وصفوا بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وقيل: أريد بهم المشركون من أهل مكة، وهو بعيد، لأنّ أهل مكة قد انقطع الجدال معهم بعد الهجرة. وجملة: {ومن يكن الشيطان له قرينا} معترضة. وقوله: {فساء قريناً} جواب الشرط. والضمير المُستتر في (ساء) إن كان عائداً إلى الشيطان فــــ (ساءَ) بمعنى بئس، والضمير فاعلها، و{قرينا} تمييز للضمير، مثل قوله تعالى: {أية : ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 177]، أي: فساء قرينا له، ليحصل الربط بين الشرط وجوابه، ويجوز أن تبقى (ساء) على أصلها ضَدّ حَسُن، وترفع ضميرا عائداً على (مَن) ويكون(قريناً) تمييز نسبة، كقولهم: «ساءَ سمعاً فَسَاء جَابَةً» أي فساءَ من كان الشيطان قرينَهُ من جهة القَرين، والمقصود على كلا الاحتمالين سوء حال من كان الشيطان له قريناً بإثبات سوء قرينه؛ إذ المرء يعرف بقرينه، كما قال عديّ بن زيد:شعر : فَكُلّ قرينٍ بالمُقَارن يَقْتَدي تفسير : وقوله: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر} عطف على الجملتين، وضمير الجمع عائد إلى الفريقين، والمقصود استنزال طائرهم، وإقامة الحجّة عليهم. {وماذا} استفهام، وهو هنا إنكاري توبيخي. و(ذا) إشارة إلى (مَا)، والأصل لا يجيء بعد (ذا) اسم موصول نحو {أية : من ذا الذي يشفع عنده}تفسير : [البقرة: 255]. وكثر في كلام العرب حذفه وإبقاء صلته لكثرة الاستعمال، فقال النحاة: نابت {ذا} منابَ الموصول، فعدّوها في الموصولات وما هي منها في قبيل ولا دبير، ولكنّها مؤذنة بها في بعض المواضع. {وعلى} ظرف مستقِرّ هو صلة الموصول، فهو مؤوّل بكون. و{على} للاستعلاء المجازي بمعنى الكلفة والمشقّة، كقولهم: عَليك أن تفعل كذا. و{لو آمنوا} شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، وقد قدّم دليل الجواب اهتماماً بالاستفهام، كقول قَتيلة بنت الحارث:شعر : مَا كانَ ضَرَّك لو مَننت وربما منَّ الفتى وهو المَغيظ المُحْنَقُ تفسير : ومن هذا الاستعمال تَوَلَّدَ معنى المصدرية في لو الشرطية، فأثبته بعض النحاة في معاني لو، وليس بمعنى لو في التحقيق، ولكنه ينشأ من الاستعمال. وتقدير الكلام: لو آمنوا ماذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم، أي لكان خفيفاً عليهم ونافعاً لهم، وهذا من الجدل بإراءة الحالة المتروكة أنفعَ ومحمودةً. ثم إذا ظهر أنّ التفريط في أخفّ الحالين وأسدّهما أمر نكر، ظهر أنّ المفرّط في ذلك مَلوم، إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخَلَّتين، فالكلام مستعمل في التوبيخ استعمالا كنائيا بواسطتين. والملام متوجّه للفريقين: الذين يبخلون؛ والذين ينفقون رئاء، لقوله: {لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله}على عكس ترتيب الكلام السابق. وجملة: {وكان الله بهم عليماً} معترضة في آخر الكلام، وهي تعريض بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 37- أولئك الذين يضمّون إلى التكبر والتباهى البخل بأموالهم وجهودهم عن الناس، ويدعون الناس إلى مثل صنيعهم من البخل، ويخفون نعمة الله وفضله عليهم فلا ينفعون أنفسهم ولا الناس بذلك، وقد أعددنا للجاحدين أمثالهم عذاباً مؤلماً مذلاً. 38- والله لا يحب الذين يبذلون المال للرياء قاصدين أن يراهم الناس فيحمدوهم ويعظِّموهم، وهم غير مؤمنين بالله ولا بيوم الجزاء، لأنهم اتبعوا الشيطان فأضلَّهم، ومن يكن الشيطان صاحبه فبئس الصاحب. 39- ألا قبحاً لهؤلاء، فما الذى يضرهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وبذلوا مما آتاهم الله استجابة لهذا الإيمان، وما يقتضيه من إخلاص النية ورجاء الثواب؟. والله عالم كل العلم ببواطن الأمور وظواهرها. 40- إن الله لا يظلم أحداً شيئاً فلا ينقص من أجر عمله ولا يزيد فى عذابه شيئاً، ويضاعف للمحسن ثواب حسناته مهما قَلَّت، ويعطى من فضله عطاءً كبيراً غير مقابل بالحسنات التى يضاعفها. 41- فكيف يكون حال هؤلاء الباخلين والمُعْرضين عمَّا أمر الله به إذا جئنا يوم القيامة بكل نبى شهيداً على قومه، وجئنا بك - يا أيها النبى - شهيداً على قومك وفيهم المانعون والمعرضون؟. 42- يوم يحدث هذا، يود الجاحدون المعرضون لو يغيبون فى الأرض كما يغيب الأموات فى القبور، وهم لا يستطيعون أن يخفوا عن الله أى شأن من شئونهم، ويظهر كل أحوالهم وأعمالهم.
القطان
تفسير : أعتدنا: هيّأنا: رئاء الناس: للمراءاة والفخر. القرين: الصاحب. هذه الآيات الكريمة تبين هنا ان التقصير في الحق الاجتماعي شأنُ المختالين المتكبرين. وهم الذين يظهر أثر كِبرهم في عملهم، وفي أقوالهم. ومثلُ هؤلاء لا يعترفون بحق للغير على أنفسهم. وقد جعلهم الله صنفين من طبيعة كل منهما ألا يعترف لله بشكر على نعمةٍ، ولا للخلق بحق عليه، فهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويخفون نعمة الله عليهم فلا ينفعون أنفسهم ولا الناس. هذا ما كان يفعله جماعة من اليهود، يأتون رجالاً من الانصار فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فنحن نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} وهيأنا لهؤلاء عذابا يهينُهم ويذهلهم. والصنف الثاني: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} فهؤلاء يبذلون المال لا شكراً لله على نعمه، ولا اعترافاً لعباده بالحق ـ بل للرياء أمام الناس. وهم بذلك يقصدون ان يراهم الناس فيعظموا قدرهم ويحمدوا فعلهم ويمدحوهم، وهم غير مؤمنين بالله ولا باليوم الآخر، يوم الجزاء الأكبر، لأنهم تبعوا الشيطان فأضلّهم. وحسْب هذين الصنفين من البشر تسجيل القرآن الكريم عليهم ان قرينهم الشيطان منبع الشر والمغزي بالفساد، {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} وبئس الصاحب. {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ...} وما الذي كان يضرهم لو آمنوا ايماناً صحيحاً لا رياء فيه ولا كذب، بالله وباليوم الآخر، واعطوا من المال والرزق الّذي آتاهم الله استجابة لهذا الايمان وما يقتضيه من اخلاص النية ورجاء الثواب، والله عالم كل العلم ببواطن الأمور وظواهرها لا ينسى عمل العاملين، ولا يظلمهم من أجرهم شيئاً. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "ويأمرون الناس بالبخل" بفتح الباء والخاء. وهي لغة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاهُمُ} {لِلْكَافِرِينَ} (37) - قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ إنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُخْتَالِينَ الفَخُورِينَ، وَهُنَا يَصِفُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُخْتَالِينَ الفَخُورِينَ فَيَقُولُ: إنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ أنْ يُنْفِقُوهَا فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، مِنْ بِرِّ الوَالِدَينِ، وَالإِحْسَانِ إلى الأَقَارِبِ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ، وَالجَارِ وَابْنِ السَبِيلِ، وَمَا مَلَكَت الأَيْمَانُ مِنَ الأرِقَاءِ، وَلاَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللهِ، وَلاَ يَكْتَفُونَ بِالتَّكَبُّرِ وَالبُخْلِ، وَإنَّمَا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ أيْضاً. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإنَّهُ أهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالقَطِيْعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا"تفسير : ). وَالبَخِيلُ جَحُودٌ لِنِعْمَةِ اللهِ فَلا تَظْهَرُ عَلَيهِ، وَلاَ تَبِينُ فِي مَأْكَلِهِ، وَلا فِي مَلْبَسِهِ، فَهُو كَاتِمٌ لِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، كَافِرٌ بِنِعْمَتِهِ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لِلْكَافِرِينَ بِنِعَمِهِ عَذَاباً مُهِيناً. (وَيَشْمَلُ البُخْلُ المَقْصُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ البُخْلَ بِلَيِّنِ الكَلاَمِ، وَالنُّصْحَ في التَّعْلِيمِ، وَإنْقَاذَ المُشْرِفِ عَلَى التَّهْلُكَةِ).
الثعلبي
تفسير : {ٱلَّذِينَ} في محل النصب ردّاً على {مَّنْ} وقيل: (المختال الفخور)، { يَبْخَلُونَ} البخل في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه من فضل عنه، وفي الشرع: منع الواجب، وفيه أربع لغات: البخل بفتح الباء والخاء وهي قراءة أنس بن مالك وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحمزة والكسائي وخلف والمفضل ولغة الأنصار. والبَخْل بفتح الباء وسكون الخاء وهي قراءة قتادة وعبد الله بن سراقة، وأيّوب السجستاني، والبُخُل بضم الباء والخاء وهي قراءة عيسى بن عمرو. والبُخْل بضم الباء وجزم الخاء وهي قراءة الباقين، واختيار أبي عبيد وأبي مسلم لأنها اللغة العالية، وفي الحديد مثله. وكلُّها لغات، ونظيره في الكلام: (أرض جَرز، وجُرُز، وجُرْز). واختلف العلماء في نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود؛ كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنوها للنّاس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة. يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ}، قال هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء. قال ابن عباس وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وأُسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى بن يعمر وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت، كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم وينصحونهم، فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم؛ فإنّا نخشى عليكم الفقر، ولا ندري ما يكون، فأنزل الله عزّ وجلّ {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} إلى قوله: {مِن فَضْلِهِ} يعني المال. وقال يمان: يعني يبخلون بالصدقة. الفضل بن فضالة، عن أبي رجاء قال: خرج علينا عمران بن حصين في مطرف من خزّ لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ إذا أنعم على عبد نعمة، أحبَّ أن يُرى أثر نعمته عليه ". تفسير : {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} إلى الأخير، محل الذين نصب عطفاً على قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} ، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفاً على قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً} صاحباً وخليلا، وهو فعيل من الاقتران، قال عدي بن زيد: شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي تفسير : {فَسَآءَ قِرِيناً} فبئس الشيطان قريناً، وقد نصب على التمييز، وقيل: على الحال، وقيل: على القطع بإلقاء الألف واللام منه، كما نقول: نعم رجلا، عبد الله، تقديره: نعم الرجل عبد الله، فلمّا حذف الألف واللام نصب، كقوله {أية : بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50]، و {أية : سَآءَ مَثَلاً} تفسير : [الأعراف: 177]، و {أية : وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 29]، و {أية : سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان: 66]، {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]، و {أية : كَبُرَ مَقْتاً} تفسير : [غافر: 35، فصلت: 2]، قال المفسرون: {فَسَآءَ قِرِيناً} أي يقول: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} تفسير : [الزخرف: 38]. {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} وما الذي عليهم {لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً * إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} إلى آخر الآية، وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله؟ فإنّ الله لا يظلم أي لا يبخس ولا ينقص أحداً من خلقه من ثواب عمله شيئاً مثقال ذرّة مثلا، بل يجازيه بها ويثيبه عليها وهذا مثل يقول: إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة، فكيف بأكثر منها؟ والمراد من الكلام: لا يظلم قليلا، لأن الظلم مثقال ذرّة لا ينتفع به الظالم، ولا يبين ضرره في المظلوم. وقيل: [...]، ودليله من التأويل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} تفسير : [يونس: 44] في الدنيا. واختلفوا في الذرّة، فقال ابن عباس: هي النملة الحميراء الصغيرة، لا تكاد تبين في رأي العين. وقال يزيد بن هارون: وزعموا أنّ الذرة ليس لها وزن، ويحكى أنّ رجلا وضع خبزاً حتى علاه الذرّة يستره، فلم يزد على وزن الخبز شيئاً. ودليل هذا التأويل ما روى بشير بن عمرو عن عبد الله أنّه قرأ: (إنّ الله لا يظلم مثقال نملة). يزيد بن الأصم عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، قال: أدخل ابن عباس يده في إناء ثم رفعها، ثم نفخ فيها، ثم قال: كلُّ واحدة من هؤلاء ذرّة، وقال بعضهم: أجزاء الهباء في الكوّة كلّ جزء منها ذرّة. وقيل: هي الخردلة. وفي الجملة هي عبارة عن أقلّ الأشياء وأصغرها، روى أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة ". تفسير : قتادة: كان بعض أهل العلم يقول: لئن يفضل حسناتي على سيئاتي وزن ذرّة أحبُّ إليّ من أن يكون لي الدنيا جميعاً. عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا خلص المؤمنون من النار يوم القيامة، وأمنوا فما مجادلة أحدكم صاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدّ من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أُدخلوا النار"، قال: "يقولون: ربّنا إخواننا كانوا يُصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، فأدخلتهم النار؟ فيقول الله عزّ وجلّ: اذهبوا وأخرجوا من عرفتم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا أخرجْنا من أَمرتَنا، ثم يقول تعالى: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرّة". وقال أبو سعيد: فمن لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ...}. قال: "فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبقَ في النار أحد فيه خير". قال: "ثم يقول الله عزّ وجلّ: شُفعت الملائكة، وشُفعت الأنبياء، وشُفعت المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين"، قال: "فيقبض قبضة من النار أو قال: "قبضتين" ممن لم يعملوا له عزّ وجلّ خيراً قط، قد احترقوا حتى صاروا حمماً، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة فيصبّ عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيخرجون وأجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: (عتقاء الله عزّ وجلّ)، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم عندي أفضل من هذا". قال: "فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين". قال: "فيقول: ان لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربّنا وما أفضل من ذلك؟" قال: "فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً" . تفسير : وقال آخرون: هذا في الخبر عن ابن [...] عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: ألا من كان يطلب مظلمة إلى أخيه فليأخذ. قال: فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101]، فيؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأشهاد: الأولين والآخرين، هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق، فليأتِ إلى جنبه ثمّ يقال له: آتِ هؤلاء حقوقهم. فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرّة من حسنة، قالت الملائكة: ربّنا أنت أعلم بذلك منهم، أعطينا كلّ ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرّة من حسنة، فيقول للملائكة: ضاعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل منّي الجنّة، ومصداق ذلك في كتاب الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}. وإن كان العبد شقيًّا، فتقول الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول عزّ وجلّ: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكّوا له صكاً إلى النار. فمعنى الآية على هذا التأويل: لا يظلم، مثقال ذرّة للخصم على الخصم، بل يثيبه عليها ويضاعفها له، وذلك قوله {حَسَنَةً} بالنصب على معنى: وان يكن زنةُ الذرّة. وقرأها أهل الحجاز رفعاً، بمعنى أن يقع أو يوجد حسنة، وقال المبرّد: معناه وإن تك حسنة باقية يضاعفها. وقرأ الحسن: (نضاعفها) بالنون الباقون: بالياء، وهو الصحيح؛ لقوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} وقرأ أبو رجاء وأهل المدينة يُضعّفها. الباقون: يُضْعِفها وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيده: يضاعفها معناه يجعلها أضعافاً كثيرة، ويضعّفها بالتشديد يجعلها ضعفين. {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} أي من عنده، قال الكسائي: في (لدن) أربع لغات لدن، ولدى ولدُ ولدُنْ. ولمّا أضافوها إلى انفسهم شدّدوا النون. {أَجْراً عَظِيماً} وهو الجنّة. عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: حديث : إنّ الله عزّ وجلّ يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة"، ثم تلا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، إلى {أَجْراً عَظِيماً}. وقال: "إذا قال الله: أجراً عظيماً، فمن بعد يدري قدره؟" . تفسير : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يعني فكيف يصنعون إذا جئنا من كلِّ أُمّة بشهيد حق منها، يشهد عليهم بما عملوا، {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}؟ نظيره في البقرة والنحل والحج. عاصم عن زر عن عبد الله قال: حديث : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "اقرأ". فقرأت سورة النساء، حتى إذا بلغت، {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "حسبنا" . تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} قرأ أهل المدينة والشام بفتح التاء وتشديد السين، على معنى: تتسوّى فأُدغمت التاء بالسين، وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بفتح التاء وتخفيف السين، على حذف تاء تفعل، كقوله: {أية : لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [هود: 105]، وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، قالوا: سُوّيت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً، وقال قتادة وعبيدة: يعني لو تحركت الأرض فساروا فيها، وعادوا إليها كما خرجوا منها، ثم تسوى عليهم حتى تعلوهم، ابن كيسان: ودوّا أنهم لم يبعثوا طرّاً، وإنما نقلوا من التراب وكانت الأرض مستوية بهم. الكلبي: يقول الله عزّ وجلّ للبهائم والوحش والطير والسباع: كنّ تراباً فتسوّى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا تراباً يمشي عليهم أهل الجمع، بيانه قوله عزّ وجلّ: {أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. قال الثعلبي: وحكي أُستاذنا أبو القاسم الحسين أنّه سمع من تأول هذه الآية: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: {أية : يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} تفسير : [المعارج: 11] الآية. {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}: قال عطاء: ودّوا لو تسوّى بهم الأرض، وإنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني ويكتمون الله حديثاً؛ لأنّ ما عملوا لا يخفى على الله عزّ وجلّ، ولا يقدرون على كتمانه، الكلبي وجماعة: لا يكتمون الله حديثاً لأنّ خزنة جهنم تشهد عليهم. سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، أهو شك فيه؟ قال: لا، ولكن اختلاف في آيات الاختلاف عليك من ذلك، فقال: اسمع، الله عزّ وجلّ يقول: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]، وقال: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} فقد كتموا، فقال ابن عباس: أما قولهم{وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فإنهم لما رأوا يومَ القيامة أنّ الله يغفر لأهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنشهد فجحد المشركون، فقالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} رجاء أن يغفر لهم فيختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}. الحسن: إنّها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا يسمع الاّ همساً، وفي مواطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وما كنّا نعمل من سوء، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله عزّ وجلّ {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} تفسير : [الملك: 11]، وفي موضع آخر يسألون الرحمة، وإنّ آخر تلك المواطن أنّ أفواههم تختم، وجوارحهم تتكلم، وهو قوله تعالى {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما معنى البخل؟ إنه مشقة الإعطاء. فعندما يقطع حاجة من خاصة ماله ليعطيها لغيره يجد في ذلك مشقة ولا يقبل عليها، لكن الكريم عنده بسط يد، وأريحية. ويرتاح للمعروف، إذن فالبخل معناه مشقة الإعطاء، وقد يتعدى البخل ويتجاوز الحد بضن الشخص بالشيء الذي لا يضر بذله ولا ينفع منعه؛ لأنه لا يريد أن يعطي. وهذا البخل والشح يكون في نفس البخيل؛ لأنه أولاً قد بخل على نفسه، فإذا كان قد بخل على نفسه، أتريد أن يجود على الناس؟ والشاعر يصور بخيلاً اسمه "عيسى" ويريد أن يذمه؛ لأنه بخيل جداً؛ ويظهر صورة البخل بأنه ليس على الناس فقط بل على نفسه أيضاً، فيما لا يضر بذله ولا ينفعه منعه. وما دام يقتر على نفسه فسيكون تقتيره على غيره أمراً متوقعاً: شعر : يقتر عيسى على نفسه وليس بباق ولا خالد فلو يستطيع لتقتيره تنفس من منخر واحد تفسير : إنه بخيلٌ لدرجة أنه يفكر لو استطاع أن يتنفس من فتحة أنف واحدة لفعل؛ حتى لا يتنفس بفتحتي أنفه. والشاعر الآخر يأتي بصورة أيضاً توضح كيف يمنع البخيل نفسه من الأريحية والإنسانية فيقول: شعر : لو أن بيتك يا بن عم محمد إبر يضيق بها فضاء المنزل وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ليخيط قَدَّ قيمصه لم تفعل تفسير : فالشاعر يصور أن سيدنا يوسف لو جاء إلى هذا البخيل وقال له: أعطني إبرة لكي أخيط قد القميص الذي مزقته زِليخاء، وهذا البخيل عنده بيت يمتلئ فِناؤه بالإبر، لضن البخيل ورفض. إذن فالبخيل: هو مَنْ يضيق بالإعطاء، حتى إنه يضيق بإعطاء شيء لا يضر أن يبذله ولا ينفعه أن يمنعه، ويقول الحق عن البخلاء: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 180]. فالحق يجعل للبخيل مما بخل به طوقاً حول عنقه، ولو أن البخيل قد بذل قليلاً، لكان الطوق خفيفاً حول رقبته يوم القيامة. لكن البخيل كلما منع نفسه من العطاء ازداد الطوق ثقلاً. ولقد قال الحق أيضاً عن الذين يكنزون الذهب والفضة: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 34-35]. فإن كان اكتنازهم لكميات كبيرة فما سيحمى على النار منها يكون كثيراً، ويكوَوْن به. إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه الكيّ، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل يحبُّون أيضاً أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل، ويؤلمهم أن يروا إنساناً جواداً؛ يقول لك البخيل: لا تنفق؛ لأنه يتألم حين يرى إنساناً جواداً، ويريد أن يَكون الناس كلهم بخلاء؛ كي لا يكون أحد أحسن منه. إنه يعرف أن الكرم أحسن، بدليل أنه يريد أن يكون الناس كلهم بخلاء، والبخل: ضن بما أوتيته على من لم يُؤت. وهل البخل يكون في المال فقط؟. لا، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها، إن ضننت بها فأنت داخل في البخل. إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن القدرة، والذي يبخل بما عنده من علمٍ على من لا يعلم، هذا بخل، والذي يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضاً، فإن كانت عندك طاقة حلم فابذلها. إذن فالبخل معناه: أنك تمنع شيئاً وهبه الله لك عن محتاجه، معلم - مثلاً - عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة، ويحاول أن يستر عنهم أسرار الصنعة؛ يكون قد بخل. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ..} [النساء: 37]. والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي. ونحن نأخذها أيضاً في المعاني العالية، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون صفته صلى الله عليه وسلم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم مصدقاً لما معهم كفروا برسالته صلى الله عليه وسلم وكتموا معرفتهم به عن الناس، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق. وهذا بخل في القيمة، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل. وأنتم تعرفون أن الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية، وساعة ذهب إليهم المهاجرون، قاسموهم المال، حتى النعمة التي غرس الله في قلب المؤمن الغيْرة عليها من أن ينالها أحد حتى ولو كان كارهاً لها، وهي نعمة المرأة؛ لأن الرجل حتى وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات، فكم من رجل كان متزوجاً من أكثر من واحدة، طلق زوجة ليزوجها لمهاجر، فالحق سبحانه وتعالى يصعد أريحية الأنصار حتى أن الأنصاري يأتي بالمهاجر ويقول له: انظر إلى إحدى زوجتي أو إحدى زوجاتي فاختر ما يروقك فأطلقها وتتزوجها. أية أريحية سامية هذه؟ فإذا كنت ذا نعمة وأنت مؤمن فأنت تحب أن تعدي أثر نعمتك إلى غيرك، فإذا كان عندك سيارة فاخرة قد تحب أن تتصدق بها، لكن المرأة، لا، لكن هذه الأريحية جاءت من الأنصار وقالوا: هؤلاء مهاجرون وتاركون أهلهم. وكان هذا ارتقاءً إيمانياً في ذات الأنصار. لقد جاء إليهم المهاجرون وفيهم شباب يمتلئون فتوة، وكانت قريش قد منعت أهليهم عنهم، ليس معهم زوجات. فيقول الأنصاري: لماذا لا أطلق إحدى زوجاتي، وليتزوجها أخي المهاجر لأنفس عن عواطفه. وأقل ما فيها أن أمنع نظره أن يتحول حراماً. لكنَّ اليهود والمشركين والمنافقين يقولون لهم: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول الله. ويقول القرآن الكريم في هذا الموقف: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 7]. لقد أخطأوا الظن بِمَنْ آمنوا برسول الله، ظنوا أنهم إن لم ينفقوا عليهم فسيرتدون عن إيمانهم. ونسوا أن المؤمنين المهاجرين قد تركوا أموالهم وتركوا بلادهم، فمَنْ ترك أمواله للهجرة في سبيل الله أيكفر به عندما لا يجد شيئاً؟ لا؛ لأنه ترك كل شيء في سبيل الله. وهاهو ذا سيدنا مصعب بن عمير المدلل في قريش، وكانت أمه تغدق عليه النعمة وهو صاحب العطور، وبعد ذلك يذهب إلى المدينة، فيلبس جلد شاة، فينظر له النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: انظروا كيف صنع الإيمان بصاحبكم، فعندما يقول المنافقون كعبد الله بن أبيّ للأنصار: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا، يظنون أن المؤمنين يمكن أن يبيعوا إيمانهم بلقمة وكأنهم نسوا أن الذي يبيع إيمانه باللقمة هو مَنْ يُحمل على مبدأ باطل، لكن مَنْ يعتنق ويعتقد مبدأ حق يجد حلاوته في النفس، وأجره مدخر عند ربه. إنه لا يتحول عنه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "فجئت المسجد، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأَرْفَهَ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غُدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم؟ فقلنا: نحن يومئذ خير نُكفَى المؤنة ونتفرغ للعبادة، فقال: "حديث : بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ ". تفسير : وقلنا: يجب أن تذكروا جيداً أن من حلاوة اليقين وحلاوة الإيمان أن المؤمن يضحّي بكل شيء في سبيل رفعة الإيمان، لكن أصحاب المبادئ الباطلة لا يدخلون غيرهم فيها إلا إن دفعوا الثمن مقدماً، أي أنهم يشترونهم. فإذا رأيت مبدأ من المبادئ يشتري البشر فاعرف أنه مبدأ باطل، ولو كان مبدأ حق لدفع الإنسان من أجل أن يدخل فيه نفيس ماله، بل ويضحي في سبيله بنفسه أيضاً. ومن عجائب مبادئ الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخذ العهد لنفسه في بيعة العقبة، قال له الأنصار: فإن نحن وفَّينا بهذا فماذا يكون لنا؟ كأنهم يقولون: أنت أخذت مَالك فماذا يبقى لنا؟. انظروا إلى سمو الإيمان، ويقين المصطفى بأن الإيمان نفسه جائزة، فهل بشرهم بأنهم سيملكون الأرض؟ هل بشرهم بأن هؤلاء المستضعفين هم الذين سيمكنون فيها؟ لا، بل قال لهم: لكم الجنة. فلو قال لهم: لكم سيادة الدنيا، لكان في ذلك نظر، صحيح أن الدنيا دانت وخضعت لهم، لكن منهم مَنْ مات قبل أن تدنو له الدنيا وتذل، فأين صدق النبوءة؟. إذن فقد قال لهم عن الشيء المضمون، الشيء الذي يجد المؤمن فيه نفسه من فور أن يموت. قال لهم: لكم الجنة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحوله عصابة من أصحابه - : "حديث : تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف، فمَنْ وَفَّى منكم فأجره على الله، ومَنْ أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومَنْ أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ". تفسير : لم يغرهم بأنهم سيكونون أصحاب سلطان، ولم يقل لهم: أنتم ستجلسون على البُسُط والدنيا ستدين لكم، إنما قال لهم في أول البيعة: لكم الجنة، فإياكم أن يطمع أحد منكم في شيء إلا في الجنة؛ ولذلك فالأنصار محبوبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت غزوة حنين وأعطى المهاجرين بعضاً من الغنائم ولم يكن للأنصار منها شيء، وجد الأنصار في نفوسهم.. فلفتهم رسول الله لفتة إيمانية وقال لهم: "حديث : ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً آخر لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. تفسير : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. أي سمّو إيماني هذا؟ لكن المنافقون قالوا للأنصار: لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله حتى ينفضّوا. لكنّ المؤمنين لم ينفضّوا. إنهم قد تركوا النعيم والأموال في مكة وجاءوا إلى الهجرة، فهم لم يأتوا ليأخذوا نعيماً مظنوناً محدوداً قليلاً، وحسبهم ما وعدوا به من نعيم متيقن عريض باق. لقد عرفوا بالإيمان أن نعيم الدنيا إما أن تفوته بالموت وإمّا أن يفوتك بالتقلب، لكن نعيم الآخرة ليس له حدّ ينتهي عنده، ولا يفوتك ولا تفوته. ثم سبحانه يقول: {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..} [النساء: 37]، وساعة ترى شيئاً يكتم شيئاً، لا بد أن تفهم منها أن هذا الكتم معناه: منع شيء يريد أن يخرج بطبيعته، وكما يقولون: اكتم الدم فلو لم تكتمه يستطرق. كأن المال أو العلم يريد أن يخرج للناس ولكن أصحابه يكتمونه. وكأن الفطرة الطبيعية في كل رزق سواءً أكان رزقاً مادياً أم رزقاً معنوياً أنه يستطرق؛ لأن كل شيء مخلوق لخدمة الإنسان فعندما يأتي إنسان ويحوز شيئاً مما هو مخلوق لخدمة الإنسان ويحجبه فهو بذلك يمنع الشيء المكتوم من رسالته؛ لأن كل شيء مخلوق لخدمة بني آدم، فعندما تعوقه عن هذه الخدمة فالشيء يحزن، وليتسع ظنكم إلى أن الجمادات تحزن أيضاً. {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [الدخان: 29]. فالسماء والأرض لهما بكاء، ليس بكاء دموع إنما بكاء يعلم الله كنهه وحقيقته، إذن فقوله: {وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..} [النساء: 37]. كأنه يقول: ما آتاه لك الله من فضله ليس ملكك، وليس ذاتية فيك، فأنت لم تأت به من عندك. وانظر إلى الكون حولك تجده كله أغياراً، ألم تر في حياتك قادراً أصبح عاجزاً؟ ألم تر غنياً أصبح فقيراً؟ فالدنيا دول، وما من واحد إلا ويمر أمام عينيه وفي تاريخه وفي سماع مَنْ يثق بكلامه أنه "كان" هناك غنيٌّ ثم صار فقيراً، فلماذا لا تعتبر بالأغيار التي قد تمر بك، وبعد أن كان يُطلب منك أن تعطي، صرت في حال يطلب الحق سبحانه من غيرك أن يعطيك، ادخر لنفسك الآن - بالخير تبذله - حتى إذا جاءتك الأغيار تجد لك ما ينتظرك. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 37] انظر ماذا فعل فيه البخل، إنه جعل صاحبه كافراً؛ لأن البخيل ستر نعمة كان من الممكن أن تتسع له ولغيره، فجاء له بالشيء الذي يخيف: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 37] "أعتدنا" أي أعددنا وهيأنا. فالمسألة موجودة وقد أعدت، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما يتكلم عن الجنة يقول: "حديث : عُرضت عليّ الجنة لو مددتُ يدي لتناولت من قطوفها ". تفسير : هذه ثقة اليقين في أنها مسألة جاهزة وليست تحت الإعداد، ومَنْ الذي أعد؟ إنه الله، قوي القوي، قدرة القدر هي التي تُعد، وهو يعدها على قدر سعة قدرته، عذاب مهين؛ لأنه قد يتطاول أحد ويقول: أنا أتحمل العذاب، كما قال الشاعر: شعر : وتجلدي للشامتين أريهمو أني لريب الدهر لا أتضعضع تفسير : فسبحانه يوضح: لن يلقى البخيل العذاب فقط، بل سيلقى عذاباً مهيناً. ثم يأتي الحق سبحانه بالمقابل، يأتي بغير البخيل، فيقول: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [الآية: 37]. قال: هم اليهود. بخلوا أَن يبيِّنوا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كتابهم. وأَمروا الناس بذلك، وكتموه أَن يظهروه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فقال تعالى في صفة الفخور: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 37]، إلى أن قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} [النساء: 38]؛ لأن النفس محجوبة عن الله تعالى بهواها، فإنها اتخذت إلهها هواها، {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [النساء: 38]، فإن الهوى يضلها عن سبيل الله تعالى: كالشيطان فما دام هو يكون قريناً لها فهو شيطانها، {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):