٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن شئت عطفت {ٱلَّذِينَ } في هذه الآية على {ٱلَّذِينَ } في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله: {أية : لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً }تفسير : [النساء: 37]. المسألة الثانية: قال الواحدي: نزلت في المنافقين، وهو الوجه لذكر الرئاء، وهو ضرب من النفاق. وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأولى أن يقال: إنه تعالى لما أمر بالاحسان إلى أرباب الحاجات، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان: فالأول: هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال ألبتة، وهم المذمومون في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } تفسير : [النساء: 37] والثاني: الذين ينفقون أموالهم، لكن لا لغرض الطاعة، بل لغرض الرياء والسمعة، فهذه الفرقة أيضا مذمومة، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول. وهو إنفاق الأموال لغرض الاحسان. ثم قال تعالى: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً }. والمعنى: أن الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } تفسير : [الزخرف: 36] وبين تعالى أنه بئس القرين، إذ كان يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الحج: 3، 4]. ثم أنه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الايمان.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى؛ {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} الآية. عطف تعالى على {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ}. وقيل؛ هو عطف على الكافرين، فيكون في موضع خفض. ومن رأى زيادة الواو أجاز أن يكون الثاني عنده خبراً للأوّل. قال الجمهور نزلت في المنافقين؛ لقوله تعالى: {رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} والرئاء من النفاق. مجاهد: في اليهود. وضعّفه الطبري؛ لأنه تعالى نفى عن هذه الصِّنْفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليس كذلك. قال ابن عطية: وقول مجاهد متّجِه على المبالغة والإلزام؛ إذ إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان من حيث لا ينفعهم. وقيل: نزلت في مُطْعِمِي يوم بَدْر، وهم رُؤساء مكة؛ أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر. قال ابن العربي: ونفقة الرئاء تدخل في الأحكام من حيث إنها لا تجزىء. قلت: ويدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: { أية : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } تفسير : [التوبة: 53] وسيأتي. الثانية ـ قوله تعالى: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً } في الكلام إضمار تقديره {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فقرينهم الشيطان {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قَرِيناً}. والقرين: المقارن، أي الصاحب والخليل وهو فعيل من الإقران؛ قال عدي ابن زيد: شعر : عن المرء لا تسأل وسَلْ عن قَرِينه فكُّل قَرينٍ بالمقارنِ يَقْتَدي تفسير : والمعنى؛ من قَبِلَ مِنْ الشيطان في الدّنيا فقد قارنه. ويجوز أن يكون المعنى من قُرِن به الشيطان في النار «فساء قَرِيناً» أي فبئس الشيطان قريناً، وهو نصب على التمييز.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ} عطف على الذين يبخلون، أو الكافرين. وإنما شاركهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الإِنفاق لا على من ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في القبح واستجلاب الذم، أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً}. {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ليتحروا بالإِنفاق مراضيه وثوابه وهم مشركو مكة. وقيل هم المنافقون. {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً} تنبيه على أن الشيطان قرنهم فحملهم على ذلك وزينة لهم كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ }تفسير : [الإسراء: 27] والمراد إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن يقرن بهم الشيطان في النار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ } عطف على (الذين) قبله {يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَاء ٱلنَّاسِ } مرائين لهم {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } كالمنافقين وأهل مكة {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُ قَرِيناً } صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء {فَسَاءَ } بئس {قَرِيناً } هو.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ} اليهود، أو المنافقون. {قَرِينًا} والمراد به الشيطان يقرن به في النار، أو يصاحبه في فعله، والقرين: الصاحب المؤالف من الاقتران، القِرن: المثل لاقترانه في الصفة، والقَرن: أهل العصر، لاقترانهم في الزمان، وقَرْن البهيم لاقترانه بمثله.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} يعني للفخار والسمعة وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى (م) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" تفسير : نزلت هذه الآية في اليهود وقيل في المنافقين لأن الرياء ضرب من النفاق، وقيل نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} يعني ولا يصدقون بتوحيد الله ولا بالمعاد الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن {ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً} يعني من يكن الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب وبئس الخليل الشيطان، وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان تقريعاً لهم على طاعة الشيطان. والمعنى من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من النار ثم وبخهم الله تعالى وعيرهم على ترك الإيمان فقال تعالى: {وماذا عليهم} يعني وأي شيء عليهم وأي وبال وتبعة تلحقهم {لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} أي أي وبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته {وكان الله بهم عليماً} يعني لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ينفقون أموالهم لأجل الرياء والسمعة ففيه وعيد وتهديد لهم. قوله عز وجل: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} نظم الكلام وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا فإن الله لا يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحداً من ثواب عمله مثقال ذرة يعني وزن ذرة. وقال ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء وقيل الذرة كل جزء من أجزاء الهباء الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء والمعنى أن الله تعالى لا يظلم أحداً شيئاً من قليل ولا كثير فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس {وإن تك حسنة يضاعفها} يعني الحسنة بعشر أمثالها وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات مثقال ذرة ضاعفها الله له إلى سبعمائة وإلى أجر عظيم. قال قتادة: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليّ من الدنيا وما فيها (م) عن أنس بن مالك في قوله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيعطي بحسنات قد عمل بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" تفسير : عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئاً أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر؟ فيقول لا يا رب فيقول تعالى: بل إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسول الله فيقول احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال فإنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء" تفسير : أخرجه الترمذي (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلّم سلّم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد منا شدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار" تفسير : وفي روايةحديث : فما أنتم بأشد منا شدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فاخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} فيقول الله تبارك وتعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه. ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداًتفسير : لفظ مسلم وهو بعض حديث. وقال بعضهم هذه الآية واردة في الخصوم ويدل عليه ما روي عن عبدالله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من عند الله إلا من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه منه وإن كان صغيراً ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله تعالى: {أية : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} تفسير : [المؤمنون: 101] ويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال له آت هؤلاء حقوقهم فيقول أي رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته انظروا في أعماله الصالحات فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا ربنا وهو أعلم بذلك أعطينا كل ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرة من حسنة فيقول للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} أي الجنة وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير فيقول الله تبارك وتعالى: "خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم اكتبوا له كتاباً إلى النار" أخرجه البغوي بغير سند عن ابن مسعود موقوفاً عليه. وأسنده ابن جرير الطبري عن ابن مسعود فمعنى الآية على هذا التأويل أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على خصمه بل يأخذها له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضاعفها له فذلك قوله تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها} أي يجعلها أضعافاً كثيرة {ويؤت من لدنه} يعني من عنده {أجراً عظيماً} يعني الجنة والمعنى ويعطي من عنده أجراً عظيماً يعني عوضاً من حسنة وذلك العوض هو الجنة وقال أبو هريرة: إذا قال الله عزّ وجلّ أجراً عظيماً فمن يقدر قدره.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ...} الآية: «الَّذِينَ» في موضعِ رَفْعٍ؛ على القطع، والخبرُ محذوفٌ، وتقديره، بعد «اليوم الآخر»: مُعَذَّبُونَ. والصحيحُ الذي علَيْهِ الجمهورُ أنَّ هذه الآيةَ في المُنَافِقِينَ، والقَرِينُ: فَعِيلٌ بمعنى فَاعِلٍ من المُقَارنة، وهي الملاَزَمَةُ، والاِصْطحَاب، والإِنسان كلُّه يقارنُه الشَّيْطان لَكِنَّ الموفَّقَ عاصٍ له. وقوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...} الآية: التقديرُ: وأيُّ شيء عَلَيْهم، لو آمنوا، وفي هذا الكلام تفجُّع مَّا عليهم، واستدعاءٌ جميلٌ يقتضي حَيْطَةً وإِشفاقاً، {وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً}: إِخبارٌ يتضمَّن وعيداً، وينبِّه علَى سُوء تواطُئِهِمْ، أي: لا ينفعهم كَتْمٌ مع عِلْمِ اللَّه بهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ} فيه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أن يكون مَرْفُوعاً عطفاً على {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، والخبر: أن اللَّه لا يَظْلِم كما تقدم وصفه. والثاني: مجرور عَطْفاً على {ٱالْكَٰفِرِيْنَ} أي: أعْتَدْنا للكافِرِين، والذين يُنْفِقُون أموالهم رئاء النَّاسِ، قاله ابن جَرِير. الثالث: أنه مُبْتَدأ، وخبره مَحْذُوف، أي: معذَّبُون أو قَرِينُهم الشَّيْطَان، فعلى الأوَّلَيْن يكون من عَطْف المُفردات، وعلى الثالث من عَطْفِ الجُمَل. قوله: {رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} فيه ثلاثة أوْجُه: أحدُها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، وشُرُوط النَّصْبِ متوفِّرة. الثاني: أنه حَالٌ من فَاعل "ينفقون" يعني: مصْدراً واقعاً مَوْقع الحالِ، أي: مرائين. والثالث: أنه حَالٌ من نَفْس المَوْصُول، ذكره المَهْدَوي، و "رئاء" مصدر مُضَافٌ إلى المَفْعُول. فصل قال الوَاحِدِي: نزلت في المُنَافِقِين وهو الوَجْه لذكر الرِّيَاء، وهو ضرْب من الإنْفَاقِ، وهو قول السدي، وقيل: نزلتْ في اليَهُود وقيل: نزلَتْ في مُشْرِكِي مكَّة المُنْفِقين على عَداوَة الرَّسُول - عليه السلام -. قال ابن الخَطِيب: والأوْلَى أن يُقَال: إنه - تعالى - لمَّا أمر بالإحْسَان إلى المُحْتَاجِين، بين أن المُمْتَنِعِ من ذَلِكَ قِسْمَان: إما بألاّ يُعْطي شيئاً، وهو البُخْل فَذَكَرَهُ. وإما بأن يُعْطِي رياءً وسُمْعَةً؛ فهذا أيضاً مذمومٌ، فلم يَبْقَ إلا الإنْفَاق للإحْسَان. وقوله: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مُسْتأنف. والثاني: أنه عَطْف على الصِّلة، وعلى هذين الوَجْهَيْن، فلا مَحَلَّ له من الإعْرَابِ. والثالث: أنه حالٌ من فاعل يُنْفِقُون، إلا أن هذين الوَجْهَيْن الأخيريْن، أعني: العطف على الصِّلة، والحالية مُمْتَنعان على الوجْه المَحْكِيّ عن المَهْدَوي، وهو كون "رئاء" حالاً من نَفْسِ المَوْصُول؛ لئلا يَلْزَم الفَصْل بين أبعاض الصِّلة، أو بين الصِّلة ومعمولها بأجْنَبِيّ، وهو "رِئَاءَ"؛ لأنه حَالٌ من المَوْصُول لا تعلُّق له بالصِّلَة، بخلاف ما إذا جَعَلْنَاه مَفْعُولاً [له] أو حَالاً من فَاعِل {يُنْفِقُونَ} فإنَّه على الوَجْهَين معمول لـ {يُنْفِقُونَ} فليس أجْنَبِيّاً، فلم يُبَالَ بالفَصْل به، وفي جَعْلِ {وَلاَ يُؤْمِنُونَ} حالاً نَظرٌ؛ من حَيْث أن بَعْضهم نَصَّ على أنَّ المُضَارع المُنفِيّ بـ "لا" كالمُثبت؛ في أنَّه لا يَدْخل عَليْه واو الحَال، وهو مَحَلُّ تَوَقُّف، وكرِّرت لا في قوله - تعالى -: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ [بِٱللَّهِ وَلاَ] بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}؛ وكذا الباء إشعاراً بأنَّ الإيمان مُنتفٍ عن كلِّ على حدته [كما] لو قُلت: لا أضرب زيداً أو عَمْرًا، احْتمل في الضَّرْب عن المَجْمُوع، ولا يَلْزَم منه نَفْي الضَّرْب عن كل وَاحِدٍ على انْفِرَادِه، [واحتمل نَفْيه عن كُلِّ واحِدٍ بالقرانِ]. وإذا قُلْت ولا عَمْراً، تعيَّن هذا الثَّانِي. قوله - تعالى -: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً}: قوله: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} أي: صاحِباً وخَليلاً، والمَعْنى: أن الشَّيْطَان قَرِين لأصْحَاب هذه الأفْعَالِ. قال القرطبي: في الكلام إضْمَار، تقديره: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فَقَرينُهُم الشَّيْطَان {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً}. قوله: {فَسَآءَ قِرِيناً} وفي "فساء" هذه احتمالان: أحدهما: أنَّها نقلت إلى الذَّمِّ، فجرت مُجْرى "بِئْسَ"، ففيها ضَميرٌ فاعلٌ لها مُفَسِّر بالنكِرَة بعده، وهو {قِرِيناً} والمخصُوص بالذَّمِّ مَحْذُوف، أي: فَسَاءَ قريناً هُوَ، وهو عائد [إما] على الشَّيْطَان، وهو الظَّاهِر، وإمَّا على "مَنْ"، وقد تَقَدَّم حكم نِعْم وبِئْس. الثاني: على بابها، فهي مُتَعَدِّية، ومَفْعُولها مَحْذُوف، و "قريناً" على هذا مَنْصُوب على الحَالِ أو على القَطْعِ، والتَّقدير: فساءَهُ، أي: فساء الشَّيْطَان مُصَاحَبَة؟ قال القُرْطُبِي: {قِرِيناً} مَنْصوب على التَّمْييز، واحتجُّوا للوجْه الأوَّل بأنَّه كان يَنْبَغِي أن يحذف الفَاءَ من "فَسَاءَ"، أو تَقْتَرِن به "قَدْ"، لأنه حينئذٍ فِعْل مُتَصرِّف ماض، وما كان كذلِك ووقع جواباً للشَّرْط، تَجَرَّد من الفَاءِ أو اقْتَرَن بـ "قد"، هذا معنى كَلاَم أبِي حيَّان. قال شهاب الدين: وفيه نَظَر؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ} تفسير : [النمل: 90] {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} تفسير : [يوسف: 27] مما يُؤوّل به هذا ونحوه يَتَأوّل به هذا، وممَّن ذَهَب إلى أن {قِرِيناً} منصوب على الحالِ ابن عَطِيَّة، ولكن يُحْتَمل أن يكُون قَائِلاً بأن "سَاءَ" متعدِّيَة، وأن يكون قَائِلاً برأي الكُوفيِّين، فإنَّهم يَنْصُبُون ما بَعْدَ [نِعْمَ] و "بِئْسَ" على الحَالِ. والقَرِين: المُصاحِب [الملازِم] وهو فعيل بِمَعْنَى مُفَاعِل: كالخَليطِ والجَليسِ، والقَرَنُ: الحَبْل؛ لأنه يُقْرنَ به بَيْنَ البعيريْن قال: [البسيط] شعر : 1796-......................... وَابْنُ اللَّبُون إذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ
القشيري
تفسير : أدخل هؤلاء أيضاً تحت قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} فعقوبتهم في العاجل أنهم ليسوا من جملة مُحِبِّيه، وكفى بذلك محنة. والمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائي الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما مُسَوَّمَان بالشرك الخفيِّ والله لا يحب المشركين. والفخور من الإبل كالمصراة من الغنم وهو الذي سُدَّت أخلافه ليجتمع فيها الدر، فيتوهم المشتري أن جميع ذلك معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً ورتبة وهو في ذلك مدعٍ وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائي الذي ينفق ماله رئاء الناس.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين ينفقون اموالهم رئاء الناس} اى للفخار وليقال ما اسخاهم وما اجودهم لا لابتغاء وجه الله وهو عطف على الذين يبخلون ورئاء الناس مفعوله وانما شاركهم فى الذم والوعيد لان البخل والسرف الذى هو الانفاق فيما لا ينبغى من حيث انه طرفا تفريط وافراط سواء فى القبح واستتباع الذم واللوم {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ليحوزوا بالانفاق مراضيه وثوابه وهم مشركوا مكة المنفقون اموالهم فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء فرينا} اى بئس الصاحب والمقارن الشيطان واعوانه حيث حملوهم على تلك القبائح وزينوها لهم.
الطوسي
تفسير : الاعراب: قوله: {والذين} عطف على {الذين} في الآية الأولى. واعرابه يحتمل ما قلناه في الآية الأولى سواء. وقال الزجاج وغيره: المعني بهذه الآية المنافقون. وقال مجاهد: المعني بها اليهود، والأول أقوى وأظهر، لأن الرياء ضرب من النفاق وواو العطف يقوي ذلك، لأنه لو أراد الموصوفين في الآية الأولى لقال: {الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس}، مع أنه قد ورد عطف الصفات بالواو لموصوف واحد على ما بيناه فيما مضى، غير أن الأجود ما قلناه. المعنى واللغة: فذم الله تعالى بهذه الآية من ينفق ماله رئاء الناس دون أن ينفقه لوجهه وطلب رضاه، ولا يؤمن بالله أي لا يصدق به، {ولا باليوم الآخر} الذي فيه الثواب والعقاب. ثم قال: {ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً} معناه من قبل من الشيطان، وأطاعه فيما يدعوه إليه فبئس القرين قرينه. والقرين أصله الاقتران، ومنه قرن الثور لاقتران بعض ببعض، والقرن أهل العصر من الناس، وقرنة الشيء حرفه، والقرن المقاوم في الحرب، {أية : وما كنا له مقرنين }تفسير : أي مطيقين، والقرين الصاحب المألوف. قال عدي بن زيد: شعر : عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فان القرين بالمقارن يقتدي تفسير : ويمكن الانسان الانفكاك من مقارنة الشيطان بالمخالفة له، فلا يعتد بالمقارنة. وقال أبو علي: لا يمكن ذلك، لأنه يقرن به الشيطان في النار فلا يمكنه الانفكاك منه، وقوله: {فساء قريناً} نصب على التفسير، كقوله: {ساء مثلاً} وتقديره: ساء مثلا مثل الذين، وتقول: نعم رجلا، وتقديره نعم الرجل رجلا.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} يعنى انّ المختال جامع بين طرفى السّخاء اى التّقتير والتّبذير لامتناعهم من اداء الحقوق المفروضة والمسنونة وصرفهم اموالهم فيما يتصوّرون انتفاعهم فى الدّنيا به من مثل صيت وتعظيم من النّاس وغير ذلك، والاوّل بخل مذموم والثّانى تبذير ملعون {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} من قبيل عطف العلّة على المعلول فانّ عدم الايمان علّة للانفاق فى سبيل الشّيطان ولعدم الانفاق فى سبيل الله يعنى البخل {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ} عطف على {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} او جملة حاليّة والمقصود التّنبيه على انّ المرائى فى الانفاق مبذّر والمبذّر قرين الشّيطان ومن يكن الشّيطان {لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} لادّاء اقترانه الى السّجن والسّجّين وملك الشّياطين فهو اشارة الى قياسات ثلاثة. اعلم أنّ الانسان خلق مفطوراً على التّعلّق والايتمار ومحّلاً لتصرّف العقل والشّيطان، ولمّا كان فى بد وخلقته ضعيفاً غير متجاوز عن المحسوسات، والمحسوسات شبائك الشّيطان كان تصرّف الشّيطان فيه اقوى واتمّ فما لم يساعده التّوفيق ولم يصل الى شيخ من الله مرشدٍ له الى طريق نجاته تمكّن الشّيطان منه بحيث لم يبق له طريق الى حكومة العقل ولا للعقل طريق الى الحكومة عليه، ولذلك قال ابو جعفر الاوّل (ع) فى حديثٍ: من اصبح من هذه الامّة لا امام له من الله عزّ وجلّ ظاهراً عادلاً اصبح ضالاًّ تائهاً؛ وان مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاقٍ، وفى الآيات نصوص واشارات على وجوب الايتمار والايتمام بامام منصوص من الله، وفى الرّوايات عليه تصريحاتٌ ولكن كان على سمعهم وابصارهم غشاوة فيرجّحون المفضول على الفاضل ولذا كان علىّ (ع) يرى الصبر اجحى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}. قال بعضهم: هم اليهود، وقال بعضهم: هم المنافقون. {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} أي فبئس القرين. قوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ} يعني الزكاة الواجبة {وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً} فهو عليم بهم إذ هم مشركون. قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي لا ينقص وزن مثقال ذرة. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ} أي: ويعط {مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة. ذكر بعضهم قال: إذا حوسب المؤمن بحسناته وسيئاته، فإذا لم يفضل له إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له. وهو قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: إن في سورة النساء آياتٍ هنَّ خير من الدنيا جميعاً: الأولى قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:40]. والثانية قوله: (أية : إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً) تفسير : [النساء:31]. والثالثة: (أية : إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) تفسير : [النساء:48]. والرابعة: (أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً) تفسير : [النساء:110]. والخامسة: (أية : وَالذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً) تفسير : [النساء:152].
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ النَّاسِ}: ليقال ما أجودهم وما أسخاهم، و{رئاء}: مفعول لأجله أو حلا من واو ينفقون أى مرائين، و{الذين}: معطوف على الكافرين، أى: وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً وأعتدنا للذين ينفقون، أو معطوف على الذين فى أوجه الإعراب، أو مبتدأ خبره محذوف، أى: والذين ينفقون أموالهم رياء الناس. {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}: معذبون أو قرينهم الشيطان، كما يناسبه قوله {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينا} ويجوز أن يكون من {والذين} فى الموضعين، قوماً واحداً عطفت صفتهم، نزلت ذلك فى اليهود، ينفقون أموالهم رياء ولا يؤمنون بالله لأنهم قالوا: عزير ابن الله ولا باليوم الآخر، لأنهم قالوا: يمكثون فى النار قدر مدة عبادة العجل، وهة أربعون يوماً، أو قدر أسبوع، وقيل: فى مشركى مكة، الذين انفقوا أموالهم فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الجمهور قومنا فى المشركين الذين يخفون الشرك ويظهرون التوحيد {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ} وما إيمانهم إلا كإيمان اليهود أو دونه، بأن يكونوا كمشركى قريش، وفى صحيح الربيع وغيره أن الله يقول "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيرى فهو لغيرى" تفسير : باختلاف الروايات بالزيادة والإسقاط والألفاظ، وقرن الإنفاق رياء بالبخل لأنه إسراف وهو إفراط والبخل تفريط، وكفى من الإفراط والتفريط، قبيح جالب للذم. {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً}: صاحباً وخليلا مقروناً به فى الدنيا يضله فيتبعه، أو مقروناً به فى الآخر بسلسة من النار لاقترانهما فى الدنيا بالمعاصى، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، ألا مقارنا كجليس بمعنى مجالس على الوجهين، وجه القرن فى الدنيا ووجه القرن فى الآخرة وذلك على الضلالة، لأن الموفق له قرين أيضاً لكن يخالفه. {فَسَآءَ قِرِينا}: الشيطان قال الله تعالى {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالِهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ} عطف على الذين بأوجهه، أو مبتدأ خبره قرينهم الشيطان، والبخل تفريط، والسرف إفراط، وهو إنفاق المال فى غير وجهه، كالرئاء، والوسط الإنفاق فى وجهه، وكلا الطرفين مذموم، والرئاء مضاف للمفعول، كما نصب الناس فى قوله يراءون الناس {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْم الأَخِرِ} فليسوا يرجون ثواب الله فى الآخرة لإنكارهم إياها، فلا ينفقون فى وجه الإنفاق، وهم المشركون والمنافقون بإضمار الشرك، قيل واليهود، وكل هؤلاء هم قرناء الشيطان {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ} الشياطين، إبليس وأعوانه من الجن والإنس {لَهُ قَرِيناً} صاحب سوء يأمره بالبخل والكتم، والرئاء والإشراك {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تفسير : [الإسراء: 27]، ويترتب على ذلك أن يكون قريناً له فى النار، أى مقروناً، ويجوز التفسير به، أو بهما، أى ومن يكن الشيطان له مقترناً فى الدنيا وفى النار {فَسَآءَ قَرِيناً} له هو، وإن قلنا إنها إخبار لا من باب نعم قدرت قد لأنها تصلح شرطاً.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ} أي للفخار ولما يقال لا لوجه الله العظيم المتعال، والموصول عطف على نظيره أو على الكافرين، وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الانفاق لا على ما ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في الشناعة واستجلاب الذم، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي قرينهم الشيطان كما يدل عليه الكلام الآتي. {وَرِئَاء} مصدر منصوب على الحال من ضمير {يُنفِقُونَ} وإضافته إلى الناس من إضافة المصدر لمفعوله أي مرائين الناس {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} القادر على الثواب والعقاب {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الذي يثاب فيه المطيع ويعاقب العاصي ليقصدوا بالإنفاق ما تورق به أغصانه ويجتنى منه ثمره وهم اليهود، وروي ذلك عن مجاهد، أو مشركو مكة أو المنافقون ـ كما قيل. {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ} والمراد به إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة من قبيلته، والناس التابعين له أو من القوى النفسانية والهوى وصحبة الأشرار، أو من النفس والقوى الحيوانية وشياطين الإنس والجن {لَهُ قَرِيناً} أي صاحباً وخليلاً في الدنيا {فَسَاء} فبئس الشيطان أو القرين. {قَرِيناً} لأنه يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار ـ وساء ـ منقولة إلى باب ـ نعم، وبئس ـ فهي ملحقة بالجامدة؛ فلذا قرنت بالفاء، ويحتمل أن تكون على بابها بتقدير قد كقوله سبحانه: {أية : وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } تفسير : [النمل: 90] والغرض من هذه الجملة التنبيه على أن الشيطان قرينهم فحملهم على ذلك وزينه لهم، وجوز أن يكون وعيداً لهم بأن يقرن بهم الشيطان يوم القيامة في النار فيتلاعنان ويتباغضان وتقوم / لهم الحسرة على ساق..
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} {ٱلشَّيْطَانُ} (38) - لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى البُخَلاَءَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، وَهُنَا يَذْكُرُ تَعَالَى البَاذِلِينَ المُرَائِينَ، الذِينَ يَقْصُدُونَ بِإعْطَائِهِمْ أنْ يُذْكَرُوا بِحُسْنِ السُّمْعَةِ، وَأَنْ يُمْدَحُوا بِالكَرَمِ، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يُرِيدُونَ مِنْ إِنْفَاقِهِمْ وَجْهَ اللهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى صَنِيعِهِمِ القَبِيحِ هَذا، وَحَسَّنَ لَهُمُ القَبَائِحَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً، أيْ سَاءَ الشَّيْطَانُ رَفِيقاً لِهؤُلاَءِ المُرَائِينَ. رِئَاءَ النَّاسِ - مُرَاءَاةً لَهُمْ وَسُمْعَةً لاَ لِوَجْهِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن هذه الآية الكريمة تتحدث عن الذي ينفق، لكن الغاية غير واضحة عنده. الغاية ضعيفة لأنه ينفق رئاء الناس، إنه يريد بالإنفاق مراءاة الناس؛ ولذلك يقول العارفون بفضل الله: اختر مَنْ يثمن عطاءك. فأنت عندما تعطي شيئاً لإنسان فهو يثمن هذا الشيء بإمكاناته وقدراته، سواء بكلمة ثناء يقولها مثلاً أو بغير ذلك، لكن العطاء لله كيف يُثَمِّنه سبحانه؟ لا بد أن يكون الثمن غالياً. إذن فالعاقل ينظر لِمَنْ سيعطي النعمة، ولنا الأسوة في سيدنا عثمان رضي الله عنه عندما علم التجار أن هناك تجارة آتية له، جاء كل التجار ليشتروا منه البضاعة ثم يبيعوها ليربحوا وقال لهم: جاءني أكثر مَنْ ثمنكم، وفي النهاية قال لهم: أنا بعتها لله .. إذن فقد تاجر سيدنا عثمان مع الله، فرفع من ثمن بضاعته، فالذي يعطي لرئاء الناس نقول له: أنت خائب؛ لأنك ما ثمنت نعمتك، بل ألقيتها تافهة الثمن، ماذا سيفعل لك الناس؟ هم قد يحسدونك على نعمتك ويتمنون أن يأخذوها منك، فلماذا ترائيهم؟ إذن فهذه صفقة فاشلة خاسرة؛ ولذلك قال الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ ..} تفسير : [التوبة: 111]. وما دام سبحانه هو الذي اشترى فلابد أن الثمن كبير؛ لأنه يعطي النعيم الذي ليس فيه أغيار، ففي الجنة لا تفوت النعمة مؤمناً، ولا هو يفوتها. فالذي يرائي الناس خاسر، ولا يعرف أصول التجارة؛ لأنه لم يعرف طعم التجارة مع الله؛ ولذلك شبه عمله في آية أخرى بقوله: {أية : كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ..} تفسير : [البقرة: 264]. و "الصفوان" هو المروة وجمعه مرو وهي حجارة بيض براقة، والمروة ناعمة وليست خشنة. لكنْ بها بعض من الثنايا يدخل فيها التراب؛ ولأن المروة ناعمة جداً فقليل من الماء ولو كان رذاذاً يذهب بالتراب. والذي ينفق ماله رئاء الناس هو مَنْ تتضح له قضية الإيمان ولكن لم يثبت الإيمان في قلبه بعد، فلو كنت تعلم أنك تريد أن تبيع سلعة وهناك تاجر يعطيك فيها ثمناً أغلى فلماذا تعطيها للأقل ثمناً؟ إنك إن فعلت فقد خبت وخسرت فأوضح لك الحق: ما دمت تريد رئاء الناس إذن فأنت ليس عندك إيمان بالذي يشتري بأغلى، فتكون في عالم الاقتصاد تاجراً فاشلاً، ولذلك قلنا: ليحذر كل واحد حين يعطي أن يخاف من العطاء، فالعطاء يستقبله الله بحسن الأجر، ولكن عليه ألا يعطي بضجيج ودعاية تفضح عطاءه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم - ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "حديث : رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". تفسير : إنّ العبد الصالح حين يعطي فهو يعلم أن يده هي العليا ويده خير من اليد السفلى، فليستر على الناس المحتاجين سفلية أيديهم، ولا يجعلها واضحة. ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يضيق مجال الإعطاء فقال: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 271]. فإبداء الصدقات لا مانع منه إن كان مَنْ يفعل ذلك يريد أن يكون أسوة، المهم أن يخرج الرياء من القلب لحظة إعطاء الصدقة، فالحق يوضح: إياك أن تنفق وفيك رئاء، أما مَنْ يخرج الصدقة وفي قلبه رياء فالله لا يحرم المحتاجين من عطاء معطٍ؛ لأنه سبحانه يؤكد: خذوا منه وهو الخاسر؛ لأنه لن يأخذ ثواباً، لكن المجتمع ينتفع. إن الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس هم من الذين "لا يؤمنون بالله" لأنه سبحانه هو المعطي، وهو يحب أن يضع المسلم عطاءه في يده: {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} [النساء: 38] فلو كانوا يؤمنون باليوم الآخر لرأوا الجزاء الباقي، فأنت إذا كنت تحب نعمتك فخذ النعمة وحاول أن تجعلها مثمرة، أي كثيرة الثمار، فالذي لم يتصدق من ماله ولم ينفقه حتى على نفسه يكون قد أنهى مسألة المال وعمر ماله معه عند هذا الحدّ، أما الذي أنفقه في سبيل الله فسيجده في الآخرة، فيكون قد أطال عمر ماله. فالبخيل هو عدو ماله؛ لأنه لم يستطيع أن يثمره، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "حديث : إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمةٍ جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يُقال: فلان قارئ فقد قيلَ ذلك، ويؤتي بصاحب المال.... ". تفسير : لكن هل قال لك الدين: لا تفعل؟ لا، افعل لينتفع الناس بالرغم منك. والبخيل عندما يُكَثِّر ماله يكون قد حرّم على نفسه هذا المال ثم يأتي ابن له يريد أن يستمتع بالمال، ولذلك يقال في الريف: مال الكُنزي للنزُهي، ولا أحد بقادر أن يخدع خالقه أبداً!! فسبحانه يوضح: أنا أعطيتك نعمة أنت لم تعطها لأحد، لكني سأيسر السبيل لطائع لي، إياك أن تظن أنك خدعتني عندما بخلت، فبخلك يقع عليك. إذن فأنت قد ضيقت رزقك بالبخل ولو أنفقت لأعطاك الله خيراً كثيراً {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ..} تفسير : [سبأ: 39] لكنك تركته لورثتك وسيأخذونه ليكون رزقهم متسعاً، وأيضاً فإنك حين تمنع المال عن غيرك فأنت قد يسرت سبيلاً لمن يبذل. كيف؟ لنفرض أن إنساناً كريماً، وكرمه لا يدعه يتوارى من السائل، والناس لها أمل فيه. وبعد ذلك لم ينهض دخله بتبعاته، فإن كان عنده "فدانان" فهو يبيع فداناً ليفرج به على المحتاجين، وعندما يبيع الفدان سيشتريه مَنْ يكتنز، فيكون المكتنز قد يسَّر سبيلاً للكريم، فإياك أن تظن أنك قادر على خداع مَنْ خلقك وخلق الكون وأعطاك هذه النعمة، وهذا يشبه صاحب السيئة الذي منّ الله عليه بالتوبة والرجوع إلى الله، إننا نقول له: إياك أن تعتقد أنك اختلست شهوة من الله أبداً. أنت اختلست شهوة ستلهبك أخيراً، وتجعلك تفعل حسنات مثلها عشرين مرة، لأنه سبحانه قد قال: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ..} تفسير : [هود: 114]. فأنت لن تضحك على خالقك لأنه سيجعلها وراءك، فتعمل خيراً كثيراً، كذلك البخيل نقول له: ستيسر سبيلاً لكريم بذّال، والحق سبحانه وتعالى بيّن في آخر الآية السبب الذي حمله على ذلك، إن الأسباب متعددة. لكن تجمعها كلمة "شيطان"، فكل مَنْ يمنعك من سبيل الهدى هو شيطان، ابتداءً من شهوات نفسك وغفلة عقلك عن المنهج، إنّها قرين سوء يزين لك الفحشاء، ويزين لك الإثم، إنّ وراء كل هذه الأمور شيطاناً وسوس إليك، وكل هؤلاء نسميهم "شيطاناً" لأن الشيطان هو مَنْ يبعدك عن المنهج، وهناك شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، فالنفس حين تحدث الإنسان ألاّ يلتزم بالمنهج؛ لأن التزامه بالمنهج سيفوت عليه فرصة شهوة - هي شيطان. إنّ النفس التي ترى الشهوة العاجلة وتضيع منها شهوة آجلة لا حدود لها - هي شيطان. فالشيطان إذن هو الذي جعلهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وهذا الشيطان وساعة يكون قريناً للإنسان، فمعنى ذلك أنه مقترن به، والقِرن بكسر القاف - هو مَنْ تنازله. وكلمة "قَرْن" تطلق أيضاً على فترة الزمن هي مائة عام؛ لأنها تقرن الأجيال ببعضها، فالشيطان قرين أي ملازم لصاحبه ومقترن به، فيقول الحق: {أية : وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} تفسير : [النساء: 38]، أي بئس هذا القرين لأنه القرين الذي لا ينفعني ولا يصدني عن مجال ضار. ولذلك فالناس قد يحب بعضهم بعضاً في الدنيا لأنهم يجتمعون على معصية. أما في الآخرة فماذا يفعلون؟ يقول الحق: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. لأن المتقين يعين بعضهم بعضاً على الطاعة، فالواحد منهم يقول لصاحبه: كنت تعينني على الطاعة، كنت توجهني وتذكرني إن غفلت، فيزداد الحب بينهما. لكن الإنسان يلعن مَنْ أغواه وأول مَنْ نلعن يوم القيامة نلعن الشيطان، وكذلك الشيطان أول ما يتبرأ يتبرأ منّا؛ ولذلك فعندما تحين المجادلة نجد الشيطان يقول لِمَنْ أغواهم وأضلهم: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. والسلطان هو: القوة العالية التي تجبر مَنْ دونها، فالإنسان تُجبر مادته وبنيته بسلطان القهر المادي، ويُقهر في اعتقاداته بالدليل والحجة. والإكراه في المادة إنما يتحكم في القالب، لكنه لا يتحكم في القلب، فقد تكون ضعيفاً أمام واحد قوي ولكنك تمسك له سوطاً وتقول له: اسجد لي. اخضع، فيسجد لك ويخضع. وأنت بذلك تقهر القالب، لكنك لم تقهر القلب، هذا هو السلطان المادي الذي يقهر القالب، لكن إذا جاء لك إنسان بالحجج وأقنعك، فهذا قهر إقناع، وقدرة قهر العقول بالإقناع نوع من السلطان أيضاً. إذن فالسلطان يأتي من ناحيتين: سلطان يقهر القالب، وسلطان يقهر فقه القلب، فسلطان القالب يجعلك تخضع قهراً عنك، وسلطان الحجة والبرهان يجعلك تفعل برضى منك، والشيطان يقول لمن اتبعوه: يا مَنْ جعلتموني قريناً لكم لا تفارقوني، أنتم أغبياء؛ فليس ليَ عليكم سلطان، وما كان ليَ من القوة بحيث أستطيع أن أرغمكم على أن ترتكبوا المعاصي، وما كان عندي منطق ولا حجة لكي أقنعكم أن تفعلوا المعاصي، لكنكم كنتم غافلين، أنا أشرت لكم فقط فلست أملك قوة أقهر مادتكم بها، ولا برهان عندي لأسيطر على عقولكم: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. إذن فالخيبة منكم أنتم؛ ولذلك يقول الحق: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. ماذا يعني "بمصرخكم"؟ إنها استغاثة واحد في أزمة لا يقدر عليها وضاقت به الأسباب، عندئذ يستنصر بغيره، فيصرخ على غيره، أي يناديهم لإنقاذه ولنجدته، فالذي يستجيب له ويأتي لإنقاذه يقال له: أزال صراخه، إذن فأصرخه يعني سارع وأجاب صرخته، والشيطان يقول: إن استنجدتم بي فلن أنجدكم وأنتم لن تنجدوني، فكل واحد منا عرف مسئوليته وقدرته. وبالنسبة للإنسان فقد قال الحق: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 13]. فمَنْ يتخذ الشيطان قريناً، {أية : فَسَآءَ قِرِيناً ..} تفسير : [النساء: 38] وكلمة "ساء" مثل كلمة "بئس" كلتاهما تستعمل لذم وتقبيح الشيء أي، فبئس أن يكون الشيطان قريناً لك؛ لأن الشيطان أخذ على نفسه العهد أمام الله ألا يغوي من يطيعه سبحانه ويغوي مَن سواهم من الناس أجمعين. وعندما نتأمل الآية، نجد أن الحق يقول: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38]. فالآية إذن تتناول لوناً من الإنفاق يحبط الله ثوابه. فنفقة المرائي تتعدى إلى نفع غيره لكن لا ينتفع المرائي منها، بل تكون قد أنقصت من ماله ولم تثمر عند ربه. والحق يلفتنا إلى أن ذلك كله راجع إلى معوقات الإيمان الذي يتطلب من الإنسان أن يكون في كل حركات حياته على منهاج ربه، هذه المعوقات تظهر في النفس البشرية وفي شهواتها التي تزين الإقبال على المعصية للشهوة العاجلة، وتزين الراحة في ترك الأوامر، والشيطان أيضاً يتمثل في المعوقات، والشيطان كما نعلم: اسم للعاصي من الجنس الثاني من المكلفين وهم الجن ويتمثل في إبليس وفي جنوده، ويطلق على كل متمرد من الإنس أيضاً يقول تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..} تفسير : [الأنعام: 112] وأنت حين تريد أن تعرف المعوق أهو من نفسك أم من الشيطان؟ فانظر إلى نفسك حيال المعصية، أهي معصية تدفعك نفسك أن تأتيها وحدها، أم معصية إن عزّ عليك أن تفعلها فأنت تنتقل إلى معصية سواها؟ هل هي معصية ملازمة أو معصية تنتقل منها إلى غيرها؟ فهب أن إنساناً كانت معصية نفسه في أن يشتهي ما حُرّم عليه، أو أن يسرق مال غيره، نقول له: أوقفت في المعصية عند هذه بحيث لا تتعداها إلى غيرها؟ يقول نعم. فبقية المعاصي لا ألتفت إليها .. نقول: تلك شهوة نفس، فإن كانت المعصية حين تمتنع عليك من سرقة مثلاً فأنت تلتفت إلى معصية أخرى. فهذا لون من المعاصي ليس من حظ النفس، وإما هو حظ الشيطان منك؛ لأن الشيطان يريد العاصي عاصياً على أي لون من المعصية، فإن عزّ عليه أن يلوي زمامه إلى لون من المعصية، انتقل إلى معصية أخرى لعلّه يصادف ناحية الضعف فيه. لكن النفس حين تشتهي فإنها تشتهي شيئاً بعينه، فأنت إذن تستطيع أن تعرف المعوق من قبل نفسك أم من قبل الشيطان، فإن وقفت عند معصية واحدة لا تتعداها وتلح عليك هذه المعصية، وكلما عزّ عليك باب من أبوابها تجد باباً آخر لتصل إليها، فتلك شهوة نفسك. وإن عزّت عليك معصية تنتقل إلى معصية أخرى فهذا من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان لا يريد عاصياً من لون واحد، وإنما يريدك عاصياً على إطلاقك. وعداوة الشيطان - كما نعلم - هي عداوة مسبقة؛ فقد امتنع الشيطان عن السجود لآدم بحجة أنه خير من آدم. وحذر الله آدم. ولابد أن آدم عليه السلام قد نقل هذا التحذير لذريته وأَعْلَمَهُم أن الشيطان عدو. ولكن الغفلة حين تسيطر على النفوس تفسح مجالاً للشيطان لينفذ إلى نفس الإنسان، والشيطان - كما نعرف - لا يأتي للعاصي الذي تغويه نفسه؛ لأن العاصي تكفيه نفسه؛ لذلك يأتي الشيطان للطائع ليفسد عليه طاعته، ولهذا يقول الله عنه: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. إذن فمقعد الشيطان ليس في الخمارة أو في مكان فساد، إنما يجلس على باب المسجد، لكي يفسد على كل ذاهب إلى الطاعة طاعته. وهذا معنى: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]؛ ولذلك كانوا يقولون: إن الطوائف الأقلية غير المسلمة في أي بلد إسلامي لا تحدث بينهم الشحناء، ولا البغضاء، ولا حرق الزروع ولا سمّ المواشي، ولا القتل، وتأتي هذه المعاصي في جمهرة المسلمين، نقول: نعم؛ لأن الشيطان ضمن أن هؤلاء وصلوا إلى قمة المعصية فابتعد عن إغوائهم، أما المسلمون فهم أهل الطريق المستقيم، لذلك يركز الشيطان في عمله معهم، إذن فما دام عمل الشيطان على الطريق المستقيم فهو يأتي لأصحاب منهج الهداية، أما الفاسق بطبيعته، والذي كَفَرَ كُفر القمة فالشيطان ليس له عمل معه؛ لأنه فعل أكثر مما يطلب الشيطان من النفس البشرية. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ ..} [النساء: 38] أي: أنفقوا وأنقصوا مالهم فلماذا المراءاة إذن؟ لأن الشيطان قرينهم، وعندما ينفقون فهذا عمل طاعة، ولماذا يترك لهم هذا العمل ليسلم الثواب لهم؟ فلا بد أن يفسد لهم هذا لعمل الذي عملوه، وهو يقول: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38] مثل هذا القرين أيمدح أم يذم؟ إنه يذم بطبيعة الحال؛ ولذلك قال الله: {فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38] أي بئس ذلك القرين، فالقرين الذي يلفتك عن فعل الخير هو الذي بعد أن أنقص مالك بالنفقة أفسد عليك الثواب بالرياء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} منهم، بل أسوأ حالاً: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} لا لامتثال أمر الله وطلب رضاه بل {رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ} ليعتقدوا لهم ويكسبوا الجاه والرئاسة بسبب اعتقادهم {وَ} مع هذا الوهم المزخرف {لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الرحيم التواب الكريم الوهاب {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد لجزاء العصاة الغواة حتى يتوب عليهم ويغفر زلتهم وهم من جنود الشيطان وقرنائه {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً} يحمله على أمثال هذه الأباطيل الزائفة ويوقعه في المهاوي الهائلة {فَسَآءَ} الشيطان {قِرِيناً} [النساء: 38] أيها المتوجهون إلى الله، الراغبون عما سواه، فعليكم أن تجتنبوا عن غوائله. ثم قال سبحانه توبيخاً لهم وتنبيهاً لغيرهم: {وَمَاذَا} يعرض {عَلَيْهِمْ} ويلحق لهم من المكروه {لَوْ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} المتوحد في الألوهية، المتفمرد بالقيومية {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد ليرى فيه كل جزاء ما عمل من خير وشر {وَأَنْفَقُواْ} ما أنفقوا {مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} خالصاً لرضاه بلا شوب المن والأذى والسمعة والرياء {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع {بِهِم} وبجميع أحوالهم {عَلِيماً} [النساء: 39] بضمائرهم، لا يعزب عن علمه شيء مما كان ويكون، وكيف يعزب عن علمه شيء من أحوالهم؟! {إِنَّ ٱللَّهَ} المجازي لأعمالهم {لاَ يَظْلِمُ} عليهم ولا ينقص من أجورهم {مِثْقَالَ} مقدار أجر {ذَرَّةٍ} صغيرة قريبة من العدم جداً {وَإِن تَكُ} تلك الذرة {حَسَنَةً} صادرة عنهم مقارنة بالإخلاص {يُضَٰعِفْهَا} حسب فضله وطوله إلى سبعة بل إلى سبعين بل إلى ما شاء الله {وَ} مع تضعيفها {يُؤْتِ} للمخلصين {مِن لَّدُنْهُ} امتناناً عليهم وتفضيلاً {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40] هو الفوز بمقام الكشف والشهود. آتنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. {فَكَيْفَ} لا تفوزون أنتم أيها المحمديون ما تفوزون؟ إنا {إِذَا جِئْنَا} في يوم الجزاء {مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} نبي مرسل إليهم ومهد لهم إلينا بإذن منا بطريق مخصوص {وَجِئْنَا بِكَ} يا أكمل الرسل، الجامع لجميع المراتب والطرق من توحيد الصفات والأفعال {عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} الأمناء الخلص {شَهِيداً} [النساء: 41] أرشدتهم إلينا بالدين الناسخ لجميع الأديان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):