٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
جزء
٢٩
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله: {تَبَـٰرَكَ } فقد فسرناه في أول سورة الفرقان، وأما قوله: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكاً ومالكاً، كما يقال: بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة في ذلك. قال صاحب «الكشاف»: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } على كل موجود، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ } ما لم يوجد من الممكنات {قَدِيرٌ }، وقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء، فقال قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقتضي كون مقدوره شيئاً، فذلك الشيء الذي هو مقدور الله تعالى، إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، لا جائز أن يكون موجوداً، لأنه لو كان قادراً على الموجود، لكان إما أن يكون قادراً على إيجاده وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإما أن يكون قادراً على إعدامه وهو محال، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير، والعدم نفي محض، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور الله ليس بموجود، فوجب أن يكون معدوماً، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئاً، واحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئاً بهذه الآية فقالوا: لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء والسواد من حيث هو سواد شيء، والله قادر على كل شيء. فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادراً على الجوهر من حيث إنه جوهر، وعلى السواد من حيث هو سواد، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهراً، والسواد سواداً واقعاً بالفاعل، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدماً على فعله، فإذاً وجود الله وذاته متقدم على كون الجوهر جوهراً، أو السواد سواداً، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئاً وهو المطلوب، ثم أجابوا عن شبهة الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل، ولئن سلمنا ذلك، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئاً، لأجل أنه سيصير شيئاً، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشيء. المسألة الثانية: زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة، ومحمود الخوارزمي، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء، والله على كل شيء قدير، فهو إذاً قادر على الموجودات، فإما أن يكون قادراً على إيجادها وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، أو على إعدامها، وذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام بالفاعل. المسألة الثالثة: زعم الكعبي أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد، وزعم أبو علي وأبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد، وقال أصحابنا: إنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد وعلى غير مقدوره، واحتجوا عليه بأن عين مقدور العبد ومثل مقدوره شيء، والله على كل شيء قدير، فثبت بهذا صحة وجود مقدور واحد بين قادرين. المسألة الرابعة: زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى، وأبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجداً لأفعال نفسه، واحتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شيء، فلو وقع شيء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشيء آخر، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة الله عن التأثير فيما كان مقدوراً له وذلك محال، لأن ما سوى الله ممكن محدث، فيكون أضعف قوة من قدرة الله، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى. المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد، لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا يقدر، فإن لم يقدر ألبتة على إيجاد شيء أصلاً لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كونه مقدوراً للإله الأول لقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنياً عنهما، وذلك محال. المسألة السادسة: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال: لو كان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً، وقال أصحابنا لما دل قوله: {أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ } تفسير : [الأنعام: 19] على أنه تعالى شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذاً هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع. المسألة السابعة: زعم جمهور المعتزلة أن الله تعالى قادر على خلق الكذب والجهل والعبث والظلم، وزعم النظام أنه غير قادر عليه، واحتج الجمهور بأن الجهل والكذب أشياء {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فوجب كونه تعالى قادراً عليها. المسألة الثامنة: احتج أهل التوحيد على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة، فإنه تعالى لو حصل في حيز دون حيز لكان ذلك الحيز الذي حكم بحصوله فيه متميزاً عن الحيز الذي حكم بأنه غير حاصل فيه، إذ لو لم يتميز أحد الحيزين عن الآخر لاستحال الحكم بأنه تعالى حصل فيه ولم يحصل في الآخر ثم إن امتياز أحد الحيزين عن الآخر في نفسه يقتضي كون الحيز أمراً موجوداً لأن العدم المحض يمتنع أن يكون مشاراً إليه بالحس وأن يكون بعضه متميزاً عن البعض في الحس، وأن يكون مقصداً للمتحرك، فإذن لو كان الله تعالى حاصلاً في حيز لكان ذلك الحيز موجوداً، ولو كان ذلك الحيز موجوداً لكان شيئاً ولكان مقدور الله لقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وإذا كان تحقق ذلك الحيز بقدرة الله وبإيجاده، فيلزم أن يكون الله متقدماً في الوجود على تحقق ذلك الحيز، ومتى كان كذلك كان وجود الله في الأزل محققاً من غير حيز وله جهة أصلاً والأزلي لا يزول ألبتة، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز والمكان أزلاً وأبداً. المسألة التاسعة: أنه تعالى قال أولاً: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } ثم قال بعده: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على كل شيء قدير، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد ولا يقع مراد الله، لكان ذلك مشعراً بالعجز والضعف، وبأن لا يكون مالك الملك على الإطلاق، فدل ذلك، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادراً على جميع الأشياء. المسألة العاشرة: القدير مبالغة في القادر، فلما كان قديراً على كل الأشياء وجب أن لا يمنعه ألبتة مانع عن إيجاد شيء من مقدوراته، وهذا يقتضي أن لا يجب لأحد عليه شيء وإلا لكان ذلك الوجوب مانعاً له من الترك وأن لا يقبح منه شيء وإلا لكان ذلك القبح مانعاً له من الفعل، فلا يكون كاملاً في القدرة، فلا يكون قديراً، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة. وقد تقدّم. وقال الحسن: تقدّس. وقيل دام. فهو الدائم الذي لا أوّل لوجوده ولا آخر لدوامه. {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} أي ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: بيده الملك يُعِزّ من يشاء ويُذِلّ من يشاء، ويُحيي ويميت، ويُغني ويفقِر، ويُعطي ويمنع. وقال محمد بن إسحاق: له ملك النبوّة التي أعزّ بها من اتبعه وذلّ بها من خالفه. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من إنعام وانتقام.
البيضاوي
تفسير : { مكية، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها وتنجيه من عذاب القبر، وآيها ثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } على كل ما يشاء قدير. {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره، وقدم الموت لقوله: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }تفسير : [البقرة: 28] ولأنه أدعى إلى حسن العمل. {لِيَبْلُوَكُمْ } ليعاملكم المختبر بالتكليف أيها المكلفون. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أصوبه وأخلصه، وجاء مرفوعاً: «حديث : أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته»تفسير : جملة واقعة موقع المفعول ثانياً لفعل البلوى المتضمن معنى العلم، وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبراً لما لا يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. {ٱلْغَفُورُ} لمن تاب منهم. {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً} مطابقة بعضها فوق بعض مصدر طابقت النعل إذا خلطتها طبقاً على طبق وصف به، أو طوبقت طباقاً أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال، أو طبقة كرحبة ورحاب. {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ} وقرأ حمزة والكسائي «من تفوت» ومعناهما واحد كالتعاهد والتعهد، وهو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت كأن كلا من المتفاوتين فات عنه بعض ما في الآخر، والجملة صفة ثانية لـ {سَبْعَ} وضع فيها خلق الرحمن موضع الضمير للتعظيم، والإِشعار بأنه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضلاً، وأن في إبداعها نعماً جليلة لا تحصى، والخطاب فيها للرسول أو لكل مخاطب وقوله: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} متعلق به على معنى التسبب أي قد نظرت إليها مراراً فانظر إليها مرة أخرى متأملاً فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها، والـ {فُطُورٍ } الشقوق والمراد الخلل من فطره إذا شقه. {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي رجعتين أخريين في ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك، ولذلك أجاب الأمر بقوله: {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا} بعيداً عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طرداً بالصغار {وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة. {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا } أقرب السموات إلى الأرض. {بِمَصَـٰبِيحَ} بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها، والتنكير للتعظيم ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سموات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها. {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها. وقيل معناه وجعلناها رجوماً وظنوناً لشياطين الإِنس وهم المنجمون. {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } في الآخرة بعد الإِحراق بالشهب في الدنيا.
ابن كثير
تفسير : يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي؛ لأنه مخلوق، ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم؛ ليبلوهم، أي: يختبرهم أيهم أحسن عملاً، كما قال تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] فسمى الحال الأول، وهو العدم، موتاً، وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال تعالى: {أية : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء» تفسير : ورواه معمر عن قتادة. وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: خيرٌ عملاً؛ كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل: أكثر عملاً، ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعد ما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزاً، هو مع ذلك يغفر ويرحم، ويصفح ويتجاوز، ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا} أي: طبقة بعد طبقة. وهل هن متواصلات، بمعنى: أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني؛ كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. وقوله تعالى: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ} أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا مخالفة ولا نقص، ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي: انظر إلى السماء، فتأملها، هل ترى فيها عيباً أو نقصاً، أو خللاً أو فطوراً؟ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي: شقوق، وقال السدي: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟ أي: من خروق، وقال ابن عباس في رواية: {مِن فُطُورٍ} أي: من وهاء، وقال قتادة: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟ أي: هل ترى خللاً يابن آدم؟ وقوله تعالى: {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} قال قتادة: مرتين {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا} قال ابن عباس: ذليلاً، وقال مجاهد وقتادة: صاغراً {وَهُوَ حَسِيرٌ} قال ابن عباس: يعني: وهو كليل، وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء، ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر {خَاسِئًا} عن أن يرى عيباً، أو خللاً {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كليل، قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرّر، ولا يرى نقصاً، ولما نفى عنها في خلقها النقص، بين كمالها وزينتها فقال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ} وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ} عاد الضمير في قوله: وجعلناها، على جنس المصابيح، لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة؛ كما قال تعالى في أول الصافات: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَٰكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } تفسير : [الصافات: 6 ــــ 10] قال قتادة: إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تَبَارَكَ } تنزَه عن صفات المحدثين {ٱلَّذِى بِيَدِهِ } في تصرفه {ٱلْمُلْكُ } السلطان والقدرة {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } تبارك تفاعل من البركة، والبركة النماء والزيادة. وقيل: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين. وقيل: دام فهو الدائم الذي لا أوّل لوجوده، ولا آخر لدوامه. وقال الحسن: تبارك: تقدّس، وصيغة التفاعل للمبالغة، واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء، والملك هو ملك السمٰوات والأرض في الدنيا والآخرة، فهو يعزّ من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء، وقيل: المراد بالملك ملك النبوّة، والأوّل أولى؛ لأن الحمل على العموم أكثر مدحاً وأبلغ ثناء، ولا وجه للتخصيص {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } أي: بليغ القدرة لا يعجزه شيء من الأشياء يتصرّف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام، ورفع ووضع، وإعطاء ومنع. {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } الموت: انقطاع تعلق الرّوح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الرّوح بالبدن واتصاله به. وقيل: هي ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً. وقيل: المراد الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة. وقدّم الموت على الحياة؛ لأن أصل الأشياء عدم الحياة، والحياة عارضة لها. وقيل: لأن الموت أقرب إلى القهر. وقال مقاتل: خلق الموت يعني: النطفة، والمضغة والعلقة، والحياة يعني: خلقه إنساناً، وخلق الروح فيه، وقيل: خلق الموت على صورة كبش لا يمرّ على شيء إلاّ مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمرّ بشيء إلاّ حيي، قاله مقاتل والكلبي. وقد ورد في التنزيل: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } تفسير : [السجدة: 11]، وقوله: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الأنفال: 50]، وقوله: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا }تفسير : [الأنعام: 61]، وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا }تفسير : [الزمر: 42] وغير ذلك من الآيات {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } اللام متعلقة بخلق أي: خلق الموت والحياة؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملاً، فيجازيكم على ذلك. وقيل المعنى: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكراً وأشدّ منه خوفاً، وقيل: أيكم أسرع إلى طاعة الله، وأورع عن محارم الله. وقال الزجاج: اللام متعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت. وقال الزجاج أيضاً، والفراء: إن قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ } لم يقع على أيّ، لأن فيما بين البلوى وأيّ إضمار فعل، كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، ومثله قوله: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذٰلِكَ زَعِيمٌ } تفسير : [القلم: 40] أي: سلهم ثم انظر أيهم، فأيكم في الآية مبتدأ، وخبره أحسن؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط؛ للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي: الغالب الذي لا يغالب {ٱلْغَفُورُ } لمن تاب وأناب. {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً } الموصول يجوز أن يكون تابعاً للعزيز، الغفور نعتاً، أو بياناً، أو بدلاً، وأن يكون منقطعاً عنه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على المدح، و{طباقاً} صفة لسبع سمٰوات أي: بعضها فوق بعض، وهو جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو رحبة ورحاب، أو مصدر طابق، يقال: طابق مطابقة وطباقاً، ويكون على هذا الوجه الوصف بالمصدر للمبالغة، أو على حذف مضاف، أي: ذات طباق، ويجوز أن يكون منتصباً على المصدرية بفعل محذوف، أي: طوبقت طباقاً {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } هذه الجملة صفة ثانية لسبع سمٰوات، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، و«من» مزيدة لتأكيد النفي. قرأ الجمهور: {من تفاوت}. وقرأ ابن مسعود وأصحابه، وحمزة، والكسائي: "تفوّت" مشدّداً بدون ألف، وهما لغتان. كالتعاهد والتعهد، والتحامل والتحمل؛ والمعنى على القراءتين. ما ترى في خلق الرحمٰن من تناقض ولا تباين، ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستوية مستقيمة دالة على خالقها، وإن اختلفت صورها وصفاتها، فقد اتفقت من هذه الحيثية {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } الفطور: الشقوق والصدوع والخروق أي: اردد طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة. أخبر أوّلاً بأنه لا تفاوت في خلقه، ثم أمر ثانياً بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة. قال مجاهد، والضحاك: الفطور: الشقوق جمع فطر وهو الشق. وقال قتادة: هل ترى من خلل؟. وقال السديّ: هل ترى من خروق، وأصله من التفطر والانفطار، وهو التشقق والانشقاق، ومنه قول الشاعر:شعر : بنى لكم بلا عمد سماء وزينها فما فيها فطور تفسير : وقول الآخر:شعر : شققت القلب ثم رددت فيه هواك فليم فالتام الفطور تفسير : {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي: رجعتين مرّة بعد مرّة، وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية: التكثير، كما في لبيك وسعديك، أي: رجعة بعد رجعة وإن كثرت. ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة، أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية، ولهذا قال أوّلاً: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } ثم قال ثانياً: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ } ثم قال ثالثاً: {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } أي: يرجع إليك البصر ذليلاً صاغراً عن أن يرى شيئًا من ذلك، وقيل: معنى خاسئاً: مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال: خسأت الكلب أي: أبعدته وطردته. قرأ الجمهور {ينقلب} بالجزم جواباً للأمر. وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف {وَهُوَ حَسِيرٌ } أي: كليل منقطع. قال الزجاج: أي: وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء، يقال: حسر بصره يحسر حسوراً أي: كلّ وانقطع، ومنه قول الشاعر:شعر : نظرت إليها بالمحصب من منى فعاد إليّ الطرف وهو حسير تفسير : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ } بيّن سبحانه بعد خلق السمٰوات، وخلوّها من العيب والخلل أنه زينها بهذه الزينة، فصارت في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية، والمصابيح جمع مصباح، وهو السراج، وسميت الكواكب مصابيح؛ لأنها تضيء كإضاءة السراج وبعض الكواكب، وإن كان في غير سماء الدنيا من السمٰوات التي فوقها، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا؛ لأن أجرام السمٰوات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراماً صقيلة شفافة {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } أي: وجعلنا المصابيح رجوماً يرجم بها الشياطين. وهذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى، وهي كونها زينة للسماء الدنيا؛ والمعنى أنها يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع، والرجوم جمع رجم بالفتح، وهو في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به، كما في قولهم: الدرهم ضرب الأمير أي: مضروبة، ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف محذوف أي: ذات رجم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه. وقيل: إن الضمير في قوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا } راجع إلى المصابيح على حذف مضاف أي: شهبها، وهي نارها المقتبسة منها لا هي أنفسها: لقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } تفسير : [الصافات: 10] ووجه هذا: أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول ولا يرجم بها، كذا قال أبو عليّ الفارسي جواباً لمن سأله: كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم؟ قال القشيري: وأمثل من قوله هذا أن تقول: هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البرّ والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك، فقد تكلم فيما لا يعلم، وتعدّى وظلم. وقيل: معنى الآية: وجعلناها ظنوناً لشياطين الإنس، وهم المنجمون {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب عذاب السعير أي: عذاب النار، والسعير: أشدّ الحريق، يقال: سعرت النار، فهي مسعورة. {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } من كفار بني آدم، أو من كفار الفريقين: {عَذَابَ جَهَنَّمَ } قرأ الجمهور برفع {عذاب} على أنه مبتدأ، وخبره: {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ }. وقرأ الحسن، والضحاك، والأعرج بنصبه عطفاً على {عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }، {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } ما يصيرون إليه، وهو جهنم. {إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا } أي: طرحوا فيها كما يطرح الحطب في النار {سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا } أي: صوتاً كصوت الحمير عند أوّل نهيقها، وهو أقبح الأصوات، وقوله: {لها} في محل نصب على الحال أي: كائناً لها، لأنه في الأصل صفة، فلما قدّمت صارت حالاً. وقال عطاء: الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار، وجملة: {وَهِىَ تَفُورُ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل، ومنه قول حسان:شعر : تركتم قدركم لا شيء فيه وقدر الغير حامية تفور تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } أي: تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض من تغيظها عليهم. قال ابن قتيبة: تكاد تنشقّ غيظاً على الكفار. قرأ الجمهور {تميز} بتاء واحدة مخففة، والأصل: تتميز بتاءين. وقرأ طلحة بتاءين على الأصل. وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديدها بإدغام إحدى التاءين في الأخرى. وقرأ الضحاك "تمايز" بالألف وتاء واحدة، والأصل تتمايز، وقرأ زيد بن عليّ: "تميز" من ماز يميز، والجملة في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر آخر لمبتدأ، وجملة: {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } مستأنفة لبيان حال أهلها، أو في محل نصب على الحال من فاعل {تميز} والفوج: الجماعة من الناس أي: كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفار سألهم خزنتها من الملائكة سؤال توبيخ وتقريع: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } في الدنيا {نَّذِيرٍ } ينذركم هذا اليوم، ويحذركم منه. وجملة: {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فماذا قالوا بعد هذا السؤال، فقال: قالوا: بلى قد جاءنا نذير، فأنذرنا وخوّفنا وأخبرنا بهذا اليوم {فَكَذَّبْنَا } ذلك النذير {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } من الأشياء على ألسنتكم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ } أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب، والمعنى: أنه قال: كلّ فوج من تلك الأفواج حاكياً لخزنة جهنم ما قاله لمن أرسل إليه: ما أنتم أيها الرسل فيم تدّعون أن الله نزل عليكم آيات تنذرونا بها إلاّ في ذهاب عن الحق، وبعد عن الصواب كبير لا يقادر قدره. ثم حكى عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } أيّ: لو كنا نسمع ما خاطبنا به الرسل، أو نعقل شيئًا من ذلك ما كنا في عداد أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير، وهم الشياطين، كما سلف. قال الزجاج: لو كنا نسمع سمع من يعي، أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله سبحانه: {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ } الذي استحقوا به عذاب النار، وهو الكفر وتكذيب الأنبياء {فَسُحْقًا لأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } أي: فبعداً لهم من الله ومن رحمته. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو وادٍ في جهنم يقال له: السحق. قرأ الجمهور: {فسحقاً} بإسكان الحاء. وقرأ الكسائي، وأبو جعفر بضمها، وهما لغتان مثل السحت والرعب. قال الزجاج، وأبو عليّ الفارسي: فسحقاً منصوب على المصدر أي: أسحقهم الله سحقاً. قال أبو عليّ الفارسي: وكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، واللام في {لأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } للبيان، كما في {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23]. وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً } قال: بعضها فوق بعض. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } قال: ما تفوت بعضه بعضاً تفاوتاً مفرقاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {مِن تَفَـٰوُتٍ } قال: من تشقق، وفي قوله: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } قال: شقوق، وفي قوله: {خَاسِئًا } قال: ذليلاً {وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً. قال: الفطور: الوهي. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً {مِن فُطُورٍ } قال: من تشقق أو خلل، وفي قوله: {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ } قال: يرجع إليك {خَاسِئًا } قال: صاغراً {وَهُوَ حَسِيرٌ } قال: معييَّ، ولا يرى شيئًا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً خاسئاً قال: ذليلاً {وَهُوَ حَسِيرٌ } قال: عييّ مرتجع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {تَكَادُ تَمَيَّزُ } قال: تتفرّق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {تَكَادُ تَمَيَّزُ } قال: يفارق بعضها بعضاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {فَسُحْقًا } قال: بعداً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {تباركَ الذي بيدِهِ المُلْكُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن التبارُك تفاعُل من البركة، قاله ابن عباس. وهو أبلغ من المبارك لاختصاص اللَّه بالتبارك واشتراك المخلوقين في المبارك. الثاني: أي تبارك في الخلق بما جعل فيهم من البركة، قاله ابن عطاء. الثالث: معناه علا وارتفع، قاله يحيى بن سلام. وفي قوله "الذي بيده الملك" وجهان: أحدهما: ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة. الثاني: ملك النبوة التي أعزّ بها من اتبعه وأذل بها من خالفه، قاله محمد بن إسحاق. {وهو عَلى كُلِّ شَىْءٍ قَديرٌ} من إنعام وانتقام. {الذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ} يعني الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة. قال قتادة: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "إن اللَّه أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ". تفسير : الثاني: أنه خلق الموت والحياة جسمين، فخلق الموت في صورة كبش أملح، وخلق الحياة في صورة فرس [أنثى بلقاء]، وهذا مأثور حكاه الكلبي ومقاتل. {لِيَبْلُوكم أيُّكم أَحْسَنُ عَمَلاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أيكم أتم عقلاً، قاله قتادة. الثاني: أيكم أزهد في الدنيا، قاله سفيان. الثالث: أيكم أورع عن محارم اللَّه وأسرع إلى طاعة اللَّه، وهذا قول مأثور. الرابع: أيكم للموت أكثر ذِكْراً وله أحسن استعداداً ومنه أشد خوفاً وحذراً، قاله السدي. الخامس: أيكم أعرف بعيوب نفسه. ويحتمل سادساً: أيكم أرضى بقضائه وأصبر على بلائه. {الذي خَلَقَ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً} فيه وجهان: أحدهما: أي متفق متشابه، مأخوذ من قولهم هذا مطابق لهذا أي شبيه له، قاله ابن بحر. الثاني: يعني بعضهن فوق بعض، قال الحسن: وسبع أرضين بعضهن فوق بعض، بين كل سماء وأرض خلق وأمر. {ما تَرَة في خَلْق الرحمنِ من تفاوُتٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: من اختلاَف، قاله قتادة،ومنه قول الشاعر: شعر : متفاوتات من الأعنة قطّباً حتى وفي عشية أثقالها. تفسير : الثاني: من عيب، قاله السدي. الثالث: من تفرق، قاله ابن عباس. الرابع: لا يفوت بعضه بعضاً، قاله عطاء بن أبي مسلم. قال الشاعر: شعر : فلستُ بمُدْركٍ ما فاتَ مِنِّي بِلَهْفَ وَلاَ بِليْتَ ولا لَو أنِّي تفسير : {فارْجِع البَصَرَ} قال قتادة: معناه فانظر إلى السماء. {هل تَرَى من فُطور} فيه أربعة أوجه: أحدها: من شقوق، قاله مجاهد والضحاك. الثاني: من خلل، قاله قتادة. الثالث: من خروق قاله السدي. الرابع: من وهن، قاله ابن عباس. {ثم ارْجع البَصَرَ كَرّتَيْنِ} أي انظر إلى السماء مرة بعد أخرى. ويحتمل أمره بالنظر مرتين وجهين: أحدهما: لأنه في الثانية أقوى نظراً وأحدّ بصراً. الثاني: لأنه يرى في الثانية من سير كواكبها واختلاف بروجها ما لا يراه من الأولى فيتحقق أنه لا فطور فيها. وتأول قوم بوجه ثالث: أنه عنى بالمرتين قلباً وبصراً. {ينْقَلِبْ إليك البَصَرُ خَاسئاً وهو حَسيرٌ} أي يرجع إليك البصر لأنه لا يرى فطوراً فيرتد. وفي " خاسئاً" أربعة أوجه: أحدها: ذليلاً، قاله ابن عباس. الثاني: منقطعاً، قاله السدي. الثالث: كليلاً، قاله يحيى بن سلام. الرابع: مبعداً، قاله الأخفش مأخوذ من خسأت الكلب إذا أبعدته. وفي " حسير" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه النادم، ومنه قول الشاعر: شعر : ما أنا اليوم على شيء خلا يا ابنة القَيْنِ تَولّى بحَسيرْ تفسير : الثاني: أنه الكليل الذي قد ضعف عن إدراك مرآه، قاله ابن عباس ـ ومنه قول الشاعر: شعر : مَنْ مدّ طرْفاً إلى ما فوق غايته ارتدَّ خَسْآنَ مِنه الطّرْفُ قد حَسِرا تفسير : والثالث: أنه المنقطع من الإعياء، قاله السدي، ومنه قول الشاعر: شعر : والخيلُ شُعثٌ ما تزال جيادها حَسْرى تغادرُ بالطريق سخالها
ابن عطية
تفسير : {تبارك} تفاعل من البركة، وهي التزيد في الخيرات، ولم يستعمل بيتبارك ولا متبارك، وقوله: {بيده} عبارة عن تحقيق {الملك}، وذلك أن اليد في عرف الآدميين هي آلة التملك فهي مستعرة، و {الملك} على الإطلاق هو الذي لا يبيد ولا يختل منه شيء، وذلك هو ملك الله تعالى، وقيل المراد في هذه الآية: ملك المولك، فهو بمنزلة قوله: {أية : اللهم مالك الملك} تفسير : [آل عمران: 26]، عن ابن عباس رضي الله عنه. وقوله تعالى: {وهو على كل شيء قدير} عموم، والشيء معناه في اللغة الموجود، و {الموت والحياة} معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر، وما في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط" تفسير : ،فقال أهل العلم: ذلك تمثال كبش يوقع الله عليه العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملاً للموت على أنه يحل الموت فيه، فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله تعالى بذبح ذلك التمثال إعدام الموت. وقوله تعالى: {خلق الموت والحياة ليبلوكم} أي ليختبركم في حال الحياة، ويجازيكم بعد الموت، وقال أبو قتادة نحوهحديث : عن ابن عمر: قلت يا رسول الله: ما معنى قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلاً، وأشدكم لله خوفاً، وأحسنكم في أمره ونهيه، نظراً وإن كانوا أقلكم تطوعاً". تفسير : وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن بن أبي الحسن: {أيكم أحسن عملاً} أزهدكم في الدنيا. وقوله تعالى: {ليبلو} دال على فعل تقديره: فينظر أو فيعلم أيكم، وقال جماعة من المتأولين: الموت والحياة، عبارة عن الدنيا والآخرة، سمى هذه موتاً من حيث إن فيها الموت، وسمى تلك الحياة من حيث لا موت فيها، فوصفهما بالمصدرين على تقدير حذف المضاف، كعدل وزور، وقدم {الموت} في اللفظ، لأنه متقدم في النفس هيبة وغلظة، و {طباقاً} قال الزجاج: هو مصدر، وقيل: هو جمع طبقة أو جمع طبق مثل: رحبة ورحاب، أو جمل وجمال، والمعنى بعضها فوق بعض، وقال أبان بن ثعلب: سمعت أعرابياً يذم رجلاً، فقال: "شره طباق، خيره غير باق"، وما ذكر بعض المفسرين في السماوات من أن بعضها من ذهب وفضة وياقوت ونحو هذا ضعيف كله، ولم يثبت بذلك حديث، ولا يعلم أحد من البشر حقيقة لهذا. وقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} معناه من قلة تناسب، ومن خروج عن إتقان، والأمر المتفاوت، هو الذي يجاوز الحدود التي توجب له زيادة أو نقصاناً، وقرأ جمهور القراء: "من تفاوت"، وقرأ حمزة والكسائي وابن مسعود وعلقمة والأسود وابن جبير وطلحة والأعمش: "من تفوت" وهما بمعنى واحد، وقال بعض العلماء: {في خلق الرحمن} يعني به السماوات فقط، وهي التي تتضمن اللفظ، وإياها أراد بقوله: {هل ترى من فطور}، وإياها أراد بقوله: {ينقلب إليك البصر} الآية، قالوا وإلا ففي الأرض فطور، وقال آخرون: {في خلق الرحمن} يعني به جميع ما في خلق الله تعالى من الأشياء، فإنها لا تفاوت فيها ولا فطور، جارية على غير إتقان، ومتى كانت فطور لا تفسد الشيء المخلوق من حيث هو ذلك الشيء، بل هي إتقان فيه، فليست تلك المرادة في الآية، وقال منذر بن سعيد: أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها ثم أمر بالتكرير في النظر، وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر، ليرى فيها خللاً أو نقصاً، فإن بصره ينقلب {خاسئاً} حسيراً، ورجع البصر ترديده في الشيء المبصر. وقوله: {كرتين} معناه مرتين، ونصبه على المصدر، والخاسئ المبعد بذل عن شيء أراده وحرص عليه، ومنه الكلب الخاسئ، ومنهحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: "اخسأ فلن تعد وقدرك" تفسير : ،ومنه قوله تعالى للكفار الحريصين على الخروج من جهنم: {أية : اخسؤوا فيها} تفسير : [المؤمنون: 108]، وكذلك هنا البصر يحرص على روية فطور أو تفاوت فلا يجد ذلك، فينقلب {خاسئاً}، والحسير العييّ الكالّ، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : لهن الوجا لم كن عوناً على النوى ولا زال منها طالح وحسير
ابن عبد السلام
تفسير : {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة "ع" وهو أبلغ من المبارك لاختصاص الله تعالى به واشترك الخلق في المبارك أو بارك في الخلق بما جعل فيهم من البركة أو علا وارتفع {الْمُلْكُ} ملك النبوة أو ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة.
النسفي
تفسير : مكية وهي ثلاثون آية وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها من عذاب القبر وجاء مرفوعاً من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب بسم الله الرحمٰن الرحيم {تَبَـٰرَكَ } تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين {ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } أي بتصرفه الملك والاستيلاء على كل موجود وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ} من المقدورات أو من الإنعام والانتقام {قَدِيرٌ } قادر على الكمال {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الذي قبله {وَٱلْحَيَوٰةَ } أي ما يصح بوجوده الإحساس والموت ضده، ومعنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه، والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون {لِيَبْلُوَكُمْ } ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم {أَيُّكُمْ } مبتدأ وخبره {أَحْسَنُ عَمَلاً } أي أخلصه وأصوبه، فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة. والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى المسوق له الآية أهم. ولما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف، قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل {ٱلْغَفُورُ } الستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل. {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ طِبَاقًا } مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق، وهذا وصف بالمصدر، أو على ذات طباق أو على طوبقت طباقاً. وقيل: جمع طبق كجمال وجمال. والخطاب في {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } للرسول أو لكل مخاطب {مِن تَفَـٰوُتٍ } {تَفَـوُتٍ } حمزة وعلي. ومعنى البناءين واحد كالتعاهد والتعهد أي من اختلاف واضطراب. وعن السدي: من عيب. وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً ولا يلائمه، وهذه الجملة صفة لـ {طِبَاقاً } وأصلها ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع {خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } موضع الضمير تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ } رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة فلا تبقى معك شبهة فيه {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } صدوع وشقوق جمع فطر وهو الشق {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } كرر النظر مرتين أي كرتين مع الأولى. وقيل: سوى الأولى فتكون ثلاث مرات. وقيل: لم يرد الاقتصار على مرتين بل أراد به التكرير بكثرة أي كرر نظرك ودققه هل ترى خللاً أو عيباً. وجواب الأمر {يَنقَلِبَ } يرجع {إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } ذليلاً أو بعيداً مما تريد وهو حال من البصر {وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل معي ولم ير فيها خللاً. {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا } القربى أي السماء الدنيا منكم {بِمَصَـٰبِيحَ } بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح السرج فسميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح. فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } أي لأعدائكم الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات، قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به. والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به. ومعنى كونها رجوماً للشياطين أن ينفصل عنها شهاب قبس يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله، لأن الكواكب لا تزول عن أماكنها لأنها قارة في الفلك على حالها {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } للشياطين {عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا. {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم {عَذَابُ جَهَنَّمَ } ليس الشياطين المرجومون مخصوصون بذلك {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع جهنم {إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا } طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سَمِعُواْ لَهَا } لجهنم {شَهِيقًا } صوتاً منكراً كصوت الحمير شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق {وَهِىَ تَفُورُ } تغلي بهم غليان المرجل بما فيه {تَكَادُ تَمَيَّزُ } أي تتميز يعني تتقطع وتتفرق {مِنَ ٱلْغَيْظِ } على الكفار فجعلت كالمغتاظة عليهم استعارة لشدة غليانها بهم. {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } جماعة من الكفار {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } مالك وأعوانه من الزبانية توبيخاً لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } رسول يخوفكم من هذا العذاب {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ } اعتراف منهم بعدل الله وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه {فَكَذَّبْنَا } أي فكذبناهم {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ } مما يقولون من وعد ووعيد وغير ذلك {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ } أي قال الكفار للمنذرين: ما أنتم إلا في خطأ عظيم. فالنذير بمعنى الإنذار. ثم وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار كأنهم ليسوا إلا إنذاراً، وجاز أن يكون هذا كلام الخزنة للكفار عن إرادة القول ومرادهم بالضلال الهلاك، أو سموا جزاء الضلال باسمه كما سمي جزاء السيئة والاعتداء سيئة واعتداء ويسمى المشاكلة في علم البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة أي قالوا لنا هذا فلم نقبله {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } الإنذار سماع طالب الحق {أَوْ نَعْقِلُ } أي نعقله عقل متأمل {مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } في جملة أهل النار، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ } بكفرهم في تكذيبهم الرسل {فَسُحْقًا لأَِصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } وبضم الحاء: يزيد وعلي، فبعداً لهم عن رحمة الله وكرامته ـ اعترفوا أو جحدوا ـ فإن ذلك لا ينفعهم. وانتصابه على أنه مصدر وقع موقع الدعاء. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } قبل معاينة العذاب {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } للذنوب {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } أي الجنة {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ } ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهار، ومعناه ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما. رُوي أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما قالوه فيه ونالوه منه فقالوا فيما بينهم: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنزلت. ثم علله بقوله {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا يعلم ما تكلم به؟ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } «من» في موضع رفع بأنه فاعل {يَعْلَم} {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } أنكر أن لا يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر من خلقها وصفته أنه اللطيف أي العالم بدقائق الأشياء الخبير العالم بحقائق الأشياء، وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد. وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب: {مَنْ } مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال. {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها {فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا } جوانبها استدلالاً واسترزاقاً أو جبالها أو طرقها {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } أي من رزق الله فيها {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم {ءامِنْتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَاءِ} أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه فكأنه قال: أأمنتم خالق السماء وملكه، أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعالٍ عن المكان {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ } كما خسف بقارون {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } تضطرب وتتحرك {أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى ٱلسَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً } حجارة أن يرسل بدل من بدل الاشتمال وكذا {أَن يَخْسِفَ } {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قومك {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري عليهم إذ أهلكتهم. ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ } جمع طائر {فَوْقَهُمْ} في الهواء {صَافَّـٰتٍ } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن {وَيَقْبِضْنَ } ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. و{يقبضن} معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى أي يصففن ويقبضن، أو صافات وقابضات. واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح. والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارىء بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح { مَا يُمْسِكُهُنَّ } عن الوقوع عند القبض والبسط {إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ } بقدرته وإلا فالثقيل يتسفل طبعاً ولا يعلو، وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك و{مَا يُمْسِكُهُنَّ } مستأنف وإن جعل حالاً من الضمير في {يقبضن} يجوز { إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ } يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {تبارك الذي بيده الملك} أي له الأمر والنهي والسلطان فيعز من يشاء ويذل من يشاء {وهو على كل شيء قدير} أي من الممكنات {الذي خلق الموت والحياة} قيل أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل الله الدنيا دار حياة وفناء وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء وإنما قدم الموت لأنه أقرب إلى قهر الإنسان، وقيل قدمه لأنه أقدم وذلك لأن الأشياء كانت في الابتداء في حكم الموتى كالتراب والنطفة والعلقة ونحو ذلك ثم طرأ عليها الحياة وقال ابن عباس خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلقت الحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقاها في العجل فخار وحيي وقيل إن الموت صفة وجودية مضادة للحياة، وقيل الموت عبارة عن زوال القوة الحيوانية وإبانة الروح عن الجسد وضده الحياة وهي القوة الحساسة مع وجود الروح في الجسد وبه سمي الحيوان حيواناً وقيل إن الموت نعمة لأن الفاصل بين حال التكليف في هذه الدار وحال المجازاة في دار القرار والحياة أيضاً نعمة إذ لولاها لم يتنعم أحد في الدنيا ولم يصل إليه الثواب في الآخرة {ليبلوكم} أي ليختبركم فيما بين الحياة إلى الموت {أيكم أحسن عملاً} روي عن ابن عمر مرفوعاً أحسن عملاً أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته وقال الفضيل بن عياض أحسن عملاً أخلصه وأصوبه، وقال أيضاً العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة وقيل أيكم أزهد في الدنيا {وهو العزيز} أي الغالب المنتقم ممن عصاه {الغفور} أي لمن تاب إليه ورجع عن إساءته.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {من تفوّت} من التفعل: حمزة وعلي {هل ترى} بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام {ولقد زينا} مثل {لقد سمع}: ابن فليح {فسحقا} بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون {أءمنتم} بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون {ءأمنتم} بتوسيط ألف بين الهمزتين {نذيري} {ونكيري} كنظائرهما. {سيئت} مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس. {يدعون} بسكون الدال: يعقوب. {أهلكني الله} بسكون الياء: حمزة {معي} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد {فسيعلمون} على الغيبة: علي. الوقوف {الملك} ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى {قدير} ه لا لأن {الذي} بدل {عملاً} ه {الغفور} ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل {طباقاً} ط {تفاوت} ط {البصر} ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر {فطور} ه {حسير} ه {السعير} ه {جهنم} ط {المصير} ه {تفور} ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل {الغيظ} ط {نذير} ه {من شيء} ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة {كبير} ه {السعير} ه {يذنبهم} ج لابتداء الشتم مع الفاء {كبير} ه {أو اجهروا به} ه ط {الصدور} ه {خلق} ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً. {الخبير} ه {من رزقه} ط {النشور} ه {هي تمور} ه لا لأن أم معادل {أم أمنتم} {حاصبا} ط لابتداء التهديد {نذير} ه {نكير} ه {ويقبض} م {الرحمن} ط {بصير} ه {الرحمن} ط {غرور} ه {رزقه} ط {ونفور} ه {مستقيم} ه {والأفئدة} ط {تشكرون} ه {تحشرون} ه {صادقين} ه {عند الله} ط ص {مبين} ه {تدعون} ه {رحمنا} لا لأن ما بعده جواب الشرط {أليم} ه {توكلنا} ج ومن قرأ {فسيعلمون} بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول {مبين} ه {معين} ه. التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره {الملك} الحقيقي {وهو على} إيجاد {كل} ممكن وإعدامه {قدير} بيانه أنه {خلق الموت والحياة} وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك. فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح. وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً. أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى. قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم. زعم الكلبي أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد. وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه. ومعنى الغاية في قوله {ليبلوكم} أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده. وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فلما بلغ قوله {أيكم أحسن عملاً} قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لقومه "حديث : لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى"تفسير : والابتلاء مجاز كما مر في قوله {وإذ ابتلى إبراهيم} وفي الكهف قوله {أيكم أحسن عملاً} مفعول ثاني {ليبلوكم} على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً {وهو العزيز} الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل {الغفور} لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما {الذي خلق سبع سموات طباقاً} أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها. ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل راءٍ. والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ". فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل. وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله {هل ترى من فطور} أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " {أية : وما لها من فروج} تفسير : [ق: 4] وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى {خاسئاً} بعيداً عن إصابة الملمس، قوله {ولقد زينا} قد مر تفسيره في " حم السجدة ". والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به. وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم. وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله {وللذين كفروا} الآية. ثم وصف جهنم بصفات منمها أن {لها شهيقاً} تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار. ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران. قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل. ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله {تكاد تميز من الغيظ} يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله {كلما ألقي} الآية. على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع. احتجوا بأنه تعالى ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير. ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة {لو كنا نسمع} الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر {ما كنا في أصحاب السعير} وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه تعالى جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم. احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي. وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه. قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة. قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد. وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب. والفاء في قوله {فاعترفوا} للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا {بذنبهم} قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل. قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم. ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه {فسحقاً} أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا. والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً. وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً {إن الذين} الآية. وقد مر مراراً. ثم هدد على العموم فقال {وأسروا} وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله {أنه عليم بذات الصدور} قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم. ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً {ألا يعلم من خلق} ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية. ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله. وأنكر في الكشاف أن يكون قوله {ألا يعلم} متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله {وهو اللطيف الخبير} حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله {وهو اللطيف} حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله {ألا يعلم} متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور. وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة. قوله {هو الذي جعل لكم الأرض} قال أهل النظم: وجه التعلق أنه سبحانه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز. قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى. قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله {أية : والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً}تفسير : [نوح: 19 - 20] {وكلوا من رزقه} الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة. ثم قال {وإليه النشور} يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً. ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله {من في السماء} ظاهر. وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم {أأمنتم من} تزعمون أنه {في السماء} ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء. ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور". والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً. ثم هدد وأوعد قائلاً {فستعلمون كيف نذير} قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً صلى الله عليه وسلم والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة. قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر. وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري. ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول {أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات} أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً. قال أهل المعاني: وإنما قيل{ويقبضن} دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح. وإنما قال في " النحل " {أية : ما يمسكهن إلا الله} تفسير : [الآية: 79] وفي هذه السورة {ما يمسكهن إلا الرحمن} لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن. {إنه بكل شيء بصير} فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب. قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان. والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله {أمن هذا الذي} يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي {هو جند لكم} هو {ينصركم من دون الرحمن} إن أرسل عذابه عليكم {إن الكافرون إلا في غرور} من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله {أمن هذا الذي} يشار إليه هذا الذي {يرزقكم} بزعمكم {إن أمسك} الله {رزقه} بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم {بل لجوا في عتو} وتباعد عن الحق {ونفور} عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية. ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً {أفمن يمشي مكباً} قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب". وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل. وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة. ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي صلى الله عليه وسلم وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب. وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر. والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه. وفي قوله {قليلاً ما تشكرون} إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله. البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم {في الأرض} ثم أشار إلى المعاد بقوله {وإليه تحشرون} لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين". وحين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت. قال أبو مسلم: المراد كانوا {يقولون متى هذا الوعد} يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك {فلما رأوه} ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله {فلما رأوه} من قبيل {أية : وسيق} تفسير : [الزمر: 72] وأجابهم الله بقوله {قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين} العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك. والضمير في {رأوه} للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب. قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة. وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة. قوله {سيئت} قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل. وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح. قوله {وقيل هذا الذي} الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية. وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض. و {تدعون} تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف. وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين. وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه. يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول. {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي} كما تتمنون فنقلب إلى الجنة {أو رحمنا} بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو{فمن يجير الكافرين من عذاب} النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟ وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟ وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟ وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟ النوع الثاني في الجواب {قل هو الرحمن آمنا به} ولم نكفر كما كفرتم {وعليه} خاصة {توكلنا} لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟ ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً} أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة. عن الكلبي: لا تناله الدلاء. والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ". يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز. قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} {تَبَـٰرَكَ} مِنَ البركةِ وهي التَزَيُّدِ في الخيراتِ، قال الثعلبي: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} أي: تَعَالَى وتَعَاظَمَ وَقَالَ الحسنُ: تَقَدَّسَ الذي بيده الملكُ في الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}: يُعِزُّ مَنْ يَشاء ويذل من يشاء. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}. "تبارك" تفاعل من البركة وقد تقدم. وقال الحسنُ: تقدّس. وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} أي: ملكُ السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبَّاس: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}: يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال ابن الخطيب: هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال: بيد فلان الأمر، والنهي، والحل والعقد، ولا مدخل للجارحة. قال الزمخشريُّ: {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} كل موجود، وهو على كل ما لم يوجد قدير: قوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يدل على أن المعدوم شيء؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود؛ لأن القدرة مؤثرة، والعدم نفي محض، فلا يكون أثراً لها، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً. فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ، لقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. فصل في وحدانية الله دلّت هذه الآية على الوحدانية؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيلزم وقوع مخلوق من خالقين، وهو محال؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. فصل في الرد على جهم احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، فقال: لوكان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لكن كونه قادراً على نفسه محال، فيمتنع كونه شيئاً. والجواب: لما دلّ قوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنعام: 109] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز، بل واقع. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}. قيل: خَلَق الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً}تفسير : [الشورى: 49]. وقيل: قدمه؛ لأنه أقدم، لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطف والتراب ونحوه. وقال قتادة:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إنَّ اللَّه تعالى أذلَّ بَنِي آدَمَ بالموتِ، وجَعلَ الدُّنْيَا دَار حياةٍ ثُمَّ دَارَ مَوْتٍ، وجَعَل الآخِرةَ دَارَ جزاءٍ، ثُمَّ دَارَ بَقَاءٍ ". تفسير : وعن أبي الدَّرداء أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَوْلاَ ثلاثٌ ما طَأطَأ ابنُ آدَمَ رَأسهُ: الفَقْرُ، والمَرَضُ والمَوتُ ". تفسير : وقيل: إنما قدم الموت على الحياة؛ لأن من نصب الموت بين عينيه، كان أقوى الدواعي له إلى العمل الصالح. قال ابن الخطيب: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت. فقيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا بقوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ} والعدم لا يكون مخلوقاً، وهذا هو التحقيق. وروى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي على ما سيأتي. قال ابن الخطيب: وهذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل، والتصوير، وإلا فالتحقيق ما ذكرنا. فصل في الموت والحياة حكى ابنُ عباس، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها، فألقاها على العِجْل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. وعن مقاتل: "خَلَقَ المَوْتَ" يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار إنساناً. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، يدل عليه قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ}. متعلق بـ"خلق". وقوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تقدم مثله في أول "هود" [الآية 7]. وقال الزمخشريُّ هنا: "فإن قلت: من أين تعلق قوله {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، بفعل البلوى؟ قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملاً، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملاً أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثَّاني من مفعوليه كما تقول: علمته هو أحسن عملاً، فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً؟. قلت: لا، إنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسدَّ المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق، ألا ترى أنه لا فرق بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقاً لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: عَلِمْتُ أزيدٌ منطلق، وعلمت زيداً منطلقاً". قال شهاب الدين: "وهذا الذي منع تسميته تعليقاً سماه به غيره ويجعلون تلك الجملة في محل ذلك الاسم الذي يتعدى إليه ذلك الفعل، فيقولون في: "عَرفتُ أيُّهُمْ منطلقٌ": إن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافضِ؛ لأن "نظر" يتعدى به". فصل في اللام في قوله: ليبلوكم قال الزَّجَّاجُ: اللام في "لِيَبْلوَكُمْ" تتعلق بخلقِ الحياة، لا بخلق الموت. وقال الفراء والزجاج أيضاً: لم تقع البلوى على "أي" لأن فيما بين البلوى و"أي" إضمار فعل كما تقول: "بَلوْتُكمْ لأنْظُر أيكم أطوع"، ومثله قوله تعالى: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ}تفسير : [القلم: 40]، أي: سلهم، ثم انظر أيهم فأيهم، رفع بالابتداء، والمعنى: ليبلوكم ليعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملاً. قال ابن الخطيب: "أيُّكُمْ" مبتدأ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فصل في الابتلاء الابتلاءُ: هو التجربة، والامتحان، حتى يعلم أنه هل يطيع، أو يعصي، وذلك في حق العالم بجميع المعلومات مُحَال، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 124]. والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر. فصل في تفسير الآية قال السديُّ في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر:"حديث : تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} حتَّى بلغ {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فقال: "أورعُ عن محَارمِ اللَّهِ، وأسرعُ في طاعةِ اللَّهِ" ". تفسير : وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث، والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء "وهُوَ العَزِيزُ" في انتقامهِ ممن عصاه "الغَفُورُ" لمن تاب. فصل فيمن قالوا: إن فعل الله يكون لغرض احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: "ليَبْلُوكُمْ" قالوا: وهذه اللام للغرض كقوله تعالى {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، والجواب: أن الفعل في نفسه ليس بالابتلاء، إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي به مجازاً، فكذلك هاهنا، إنه يشبه الغرض، وإن لم يكن في نفسه غرضاً فقدم حرف الغرضِ. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}. يجوز أن يكون الموصول تابعاً للعزيز الغفُورِ، نعتاً، أو بياناً أو بدلاً. وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ، أو مفعول فعل مقدر. وقوله: "طِباقَاً" صفة لـ"سَبْعَ"، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع طبق، نحو: جبل وجبال. والثاني: أنه جمع طبقة، نحو: رحبة ورحاب. والثالث: أنه مصدر طابق، يقال: طَابَقَ مُطابَقَةَ وطِبَاقاً. ثم إما أن تجعل نفس المصدر مبالغة، وإما على حذف مضاف، أي: ذات طباق، وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي: طوبقت طباقاً. من قولهم: طابق الفعل، أي: جعله طبقةً فوق أخرى. روي عن ابن عباس: "طِبَاقاً"، أي: بعضها فوق بعض، والملتصق منها أطرافها. قال القرطبيُّ: وقيل: مصدر بمعنى المطابقة، أي: خلق سبع سمواتٍ، ويطبقها تطبيقاً أو مطابقة على طوبقت طباقاً؛ لأنه مفعول ثان، فيكون "خَلَقَ" بمعنى جعل وصيّر. وقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً، فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن "سَبْعَ سماواتٍ طباقٍ" بالخفض على النَّعت لـ"سماواتٍ" نظيره: {أية : وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ}تفسير : [يوسف: 42]. فصل في الدلالة على القدرة قال ابن الخطيب: دلّت هذه الآية على القدرة من وجوه. أحدها: من حيث بقاؤها في جو الهواء متعلقة بلا عماد ولا سلسلة. وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختصّ بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص. وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة، والبطء إلى جهة معينة. ورابعها: كونها في ذواتها محدثة، وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. قوله {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}. "تَفاوتٍ" هو مفعول "ترى" و "مِنْ" مزيدة فيه. وقرأ الأخوان: "تَفَوُّت" بتشديد الواو دون ألف. قال القرطبيُّ: "وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه". والباقون: بتخفيفها بعد ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، كالتعهُّد والتَّعاهد والتَّظاهر والتَّظهُّر والتَّصغُّر والتَّصاغُر والتَّحمُّل والتَّحامُل والتَّضاعف والتضعف والتَّباعد والتبعُّد، قاله الفرَّاء. وقال الأخفش: "تَفَاوُتٍ" أجود؛ لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: "تفوت". واختيار أبي عبيد: "تفوت"، يقال: تفاوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث: أنَّ رجُلاً تفوَّت على أبيهِ في مالهِ. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: "أمثلي يتفوت عليه في ماله". قال النحاس: وهذا مردود على أبي عبيد، لأن "يتفوت" أي: يضاف في الحديث، "تفاوُتٍ" في الآية أشبه، كما يقال: تباين، تفاوت الأمر إذا تباين، أو تباعد، أي: فات بعضها بعضاً نقله القرطبي. وحكى أبو زيد: تفاوت الشَّيء تفاوُتاً بضم الواو وفتحها وكسرها. [والقياس]: الضَّمُّ كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، وهذ الجملة المنفية صفة لقوله: "طِبَاقاً" وأصلها: ما ترى فيهن، فوضع مكان الضمير. قوله: {ما ترى في خلقِ الرَّحمنِ} تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على سببب سلامتهن، وهو أنه خلق الرحمن، قاله الزمخشري. وظاهر هذا أنها صفة لـ"طِبَاقاً"، وقام الظاهر فيها مقام المضمر، وهذا إنما يعرف في خبر المبتدأ، وفي الصلة على خلاف فيهما وتفصيل. وقال أبو حيَّان: الظَّاهر أنه مستأنفٌ، وليس بظاهر لانفلات الكلام بعضه من بعض، و"خَلق" مصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف، أي: في خلق الرحمن السماواتِ، أو كل مخلوق، وهو أولى ليعم، وإن كان السياق مرشداً للأول. فصل في معنى الآية والمعنى ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج، ولا تناقض، ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، وإن اختلفت صوره وقيل: المراد بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخَلَل لعدم استوائها يدل عليه قول ابن عباس: من تفرق. وقال السديُّ: "مِنْ تفَاوُتٍ" أي: من اختلاف، وعيب بقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن. وقيل: "التفاوت" الفطور، لقوله بعد ذلك: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}تفسير : [ق: 65]. قال القفَّالُ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون المعنى: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} في الدلالة على حكم الصانع، وأنه لم يخلقها عبثاً. فصل في الخطاب في الآية لمن؟ الخطاب في قوله تعالى: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} إما للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ}، {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ}. فصل فيما تدل عليه الآية دلت هذه الآية على كمال علم اللَّه، وذلك أن الحسّ دل على أن هذه السماوت السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعلٍ كان فعله محكماً متقناً، فلا بد وأن يكون عالماً، فدلت الآيةُ على كونه - تعالى - عالماً بالمعلومات بقوله: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} إشارة إلى كونها محكمة متقنة. فصل فيمن اعتبر المعاصي ليست من خلق الله احتج الكعبيُّ بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله، قال: - لأنه تعالى - نفى التَّفاوت عن خلقهِ، وليس المرادُ نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص، والعيب، فوجب حمله على نفي التفاوت بين خلقه من حيث الحكمة، فدل من هذا الوجه على أنَّ أفعال العبادِ ليست من خلقه لما فيها من التَّفاوت الذي بعضه جهل، وبعضه سفه. والجواب: أنا نحمله على أن لا تفاوت فيها بالنسبة إليه من حيث إنَّ الكُلَّ يصح عنه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وأنه لا يقبح منه شيء أصلاً. فصل في السموات السَّبع روى البغويُّ عن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: مرمرة بيضاء، والثالثة: حديد، والرابعة، صُفْرٌ، وقال: نحاس، والخامسة: فضّة، والسادسة: ذهب، والسَّابعة: ياقوتة حمراء، وبين السماء السَّابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور. قوله {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ}. مسبب عن قوله {مَّا تَرَىٰ}. و "كرتَيْنِ" نصب على المصدر كمرتين، وهو مثنّى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل قوله: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: مزدجراً وهو كليل، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين، ولا ثلاث، وإنما المعنى كرات، وهذا كقولهم: "لَبَّيْك وسعْديْكَ وحنَانيْكَ، ودَوالَيْك، وهَذَاذَيْكَ" لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد، إنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد أخرى. وإلا تناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة؛ كقوله: [البسيط] شعر : 4791 - لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرمَهُمْ ...................... تفسير : أي: قبور كثيرة ليتم المدح. وقال ابن عطية: "كَرَّتَيْنِ" معناه: مرتين، ونصبها على المصدر. وقيل: الأولى ليرى حسنها، واستواءها، والثانية لينظر كواكبها في سيرها، وانتهائها وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط. قوله: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}. هذه الجملة يجوز أن تكون متعلقة لفعل محذوف يدلّ عليه "فارْجعِ البصَرَ" مضمناً معنى "انظُر"؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. وأدغم أبو عمرو: لام "هَلْ" في التاء هنا وفي "الحَاقَّة"، وأظهرهما الباقون، وهو المشهور في اللغة. والفطور: جمع فطرٍ، وهو الشَّقُّ، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ، ومعناه: شق اللحم وطلع. قال المفسرون: "الفُطُور" الصُّدوع والشُّقوق؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 4792 - شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ هَواكِ فَلِيطَ فالتأمَ الفُطُورُ تفسير : قوله: "ينقلبْ". العامة: على جزمه على جواب الأمرِ. والكسائي في رواية برفعه. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً مقدرة. والثاني: أنه على حذف الفاءِ، أي: فينقلب. و "خَاسِئاً" حال وقوله: "وهُو حَسِيرٌ" حال، إما من صاحب الأولى، وإما من الضمير المستتر في الحال قبلها، فتكون متداخلة. وقد تقدّمتا "خاسئاً" و"حسير" في "المؤمنين" و"الأنبياء". فصل في تفسير الآية لما قال: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك البصر الواحد، ولا يعتمد عليه لاحتمال وقوع الغلطِ في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر، واردد النظر مرة أخرى، حتى يتيقّن لك أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتَّة. قال القرطبي: أمر أن ينظر في خلقه ليعتبروا به، ويتفكَّروا في قدرته، فقال: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي: اردُدْ طرفك إلى السماء، ويقال: قلَّب بصره في السماء، ويقال: اجتهد بالنَّظر إلى السَّماء، والمعنى متقارب، وإنما قال: "فارْجع" - بالفاء - وليس قبله فعل مذكُور؛ لأنه قال: "مَا تَرَى" والمعنى: انظر، ثم ارجع البصر هل ترى من فُطورٍ، قاله قتادة. قال مجاهد والضحاك: و"الفطور" الشقوق. وقال قتادة: من خلل. وقال السديُّ: من خروق. وقال ابن عبَّاس: مِنْ وهَنٍ. وقوله: {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} في موضع المصدر؛ لأن معناه: رجعتين. لأن الإنسان إذا نظر في الشَّيء مرتين ترى عينه ما لم تنظره مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرَّتين لا يرى فيها عيباً، بل يتحيّر بالنظر إليها. وقال ابن الخطيب: "معناه أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجدان الخلل، والعيب، بل يرجع إليك "خَاسِئاً" أي: مبعداً صاغراً عن أن يرى شيئاً من ذلك من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته، وطردته". وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى، وانخسأ الكلب أيضاً، وخسأ بصره أيضاً خَسْأً وخسوءاً، أي: ستر. قال ابن عبَّاسٍ: الخاسىء الذي لم يرَ ما يهوى. وقال المبردُ هاهنا: الخاسىء المبعد المصغر. وقوله: "وهُو حَسِيرٌ" أي: قد بلغ الغاية في الإعياء، فهو بمعنى "فاعل" من الحسور الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون مفعولاً من حسرهُ بعدُ الشيء وهو معنى قول ابن عبَّاسٍ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : 4793 - مَنْ مَدَّ طَرْفاً إلى ما فَوْقَ غَايَتِهِ إرتدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حُسِرَا تفسير : يقال: حسر بصره يحسر حسوراً، أي: كلَّ وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضاً. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4794 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى فعَادَ إليَّ الطَّرْفُ وهوَ حَسِيرُ تفسير : وقيل هو النادم؛ قال: [الرمل] شعر : 4795 - مَا أنَا اليَوْمَ على شَيْءٍ خَلاَ يَا بْنَةَ القَيْنِ تولَّى بِحَسِرْ
البقاعي
تفسير : لما ختمت تلك بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكته ولم يغن عنه أحد، ومن أقبل عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد، وختم بأنه قوى مريم عليها السلام حتى كانت في درجة الكملة ورزقها الرسوخ في الإخلاص، وكان مثل هذا لا يقدر على فعله إلا من لا كفوء له، وكان من لا كفوء له أهلاً لأن يخلص له الأعمال ولا يلتفت إلى سواه بحال، لأنه الملك الذي يملك الملك قال مثيراً للهمم إلى الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبواب السعادة: {تبارك} أي تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتاً لا مثل له مع اليمن والبركة وتواتر الإحسان والعلى. ولما كان من له الملك قد لا يكون متمكناً من إبقائه في يده أو إعطاء ما يريد منه لغيره ونزعه منه متى أراد قال: {الذي بيده} أي بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره {الملك} أي أمر ظاهر العالم فإليه كل تدبير له وتدبير فيه وبقدرته إظهار ما يريد، لا مانع له من شيء ولا كفوء له بوجه، وهو كناية عن الإحاطة والقهر، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبهاً بالخلق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورود ما افتتحت به هذه السورة من التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقيب تفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه كورود قوله تعالى "فتبارك الله أحسن الخالقين" عقيب تفصيل التقلب الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقاً آخر وكذا كل ما ورد من هذا ما لم يرد أثناء أي قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال. ولما كان قد أوقع في آخر سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر، وأعلى آية لمن استبصر، من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين قد بعثهما الله تعالى رحمة لعباده واجتهدا في دعاء الخلق، فحرم الاستنارة بنورهما والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه ولا أكثر مشاهدة لما مدا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها، وهو ذكر امرأة فرعون التي لم يغرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته مع شدة الوصلة واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة فقالت: {أية : رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة}تفسير : [التحريم: 11] وحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك به أولى الناس في ظاهر الأمر وتقديم سبب امتحان عصم منه أقرب الناس إلى التورط فيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين وانفصلت في مقدماتها عن تينك القصتين، وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب تعالى ذلك. بقوله الحق {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} [الملك: 1] وإذا كان الملك سبحانه وتعالى بيده الملك فهو الذي يؤتي الملك والفضل من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما صرحت به الآية الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها ثم بنيت سورة الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسطه التفسير - انتهى. ولما كان المتصرف في الملك قد لا يكون قدرته تامة ولا عامة قال تعالى: {وهو} أي وحده له عظمة تستولي على القلوب وسياسة تعم كل جلب نفع ودفع ضرر لأنه {على كل شيء} أي يمكن يشاؤه من الملك وغيره من باطنه وهو الملكوت وغيره مما وجد وما لم يوجد {قدير *} أي تام القدرة، ودل على ذلك بقوله: {الذي خلق} أي قدر وأوجد. ولما كان الخوف من إيقاع المؤلم ادعى إلى الخضوع لأنه أدل على الملك مع أن الأصل في الأشياء العدم، قدم قوله: {الموت} أي هذا الجنس وهو زوال الحياة عن الحي الذي هو في غاية الاقتدار على التقلب بجعله جماداً كأن لم يكن به حركة أصلاً. أول ما يفعل في تلك الدار بعد استقرار كل فريق في داره وأن يعدم هذا الجنس فيذبح بعد أن يصور في صورة كبش {والحياة} أي هذا الجنس وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على التقلب بنفسه وبالإرادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الموت خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، والحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها وألقاه على الحلي الذي ألقاه بنو إسرائيل ونوى أن يكون عجلاً فصار عجلاً. ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك فقال تعالى: {ليبلوكم} أي يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار {أيكم أحسن عملاً} أي من جهة العمل أي عمله أحسن من عمل غيره، وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن كان هو أحسن ولو أنه أبشع الناس منظراً، ومن كان عمله أسوأ كان بخلاف ذلك، والحسن إنما يدرك بالشرع، فما حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه فهو القبيح، وكان ذلك مفيداً للقيام بالطاعة لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقلة وللنباتات بحياته، وللجمادات بنموه، وأن ذلك ليس له من ذاته بدليل موته، فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار، له الحياة من ذاته، فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلاً، فيشكره إذا أنعم، ويصبر إن امتحن وانتقم، ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه زجره، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي إعداد وإرشاد، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكيناً، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها، وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب وسبب السبب، وهو ما اشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : اللهم أعني ولا تعن عليّ"تفسير : الحديث، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ذكر، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق لا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدقه من جوهر غيره، وأن الدنيا مزروعة، وأن الآخرة محصدة، فيصير من نفسه على بصيرة، وثارت إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان، وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان، وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه خوفاً من عاقبة هذه البلوى. ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسيء عن إساءته وجعله محسناً من أول نشأته، قال نافياً لذلك عن منيع جنابه بعد أن نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق الموت والحياة، ومزيلاً بوصف العزة لما قد يقوله من يكون قوي الهمة: أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت بأيسر سعي {وهو} أي والحال أنه وحده {العزيز} أي الذي يصعب الوصول إليه جداً، من العزاز وهو المكان الوعر والذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فلو أراد جعل الكل محسنين، ولا يكون كذلك إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود أزلاً وأبداً. ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته، قال مبيناً إمهاله للعصاة مرغباً للمسيء في التوبة، بعد ترهيبه من الإصرار على الحوبة، لأنه قد يكون مزدرئاً لنفسه قائلاً: إن مثلي لا يصلح للخدمة لما لي من الذنوب القاطعة وأين التراب من رب الأرباب {الغفور *} أي أنه مع ذلك يفعل في محو الذنوب عيناً وأثراً فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي"حديث : ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". تفسير : ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما يكون، دل على ذلك بقوله دالاً على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق إرشاداً إلى معالي الأخلاق: {الذي خلق} أي أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق {سبع سماوات} حال كونها {طباقاً} جمع طبق كل واحدة منها كأنها لشدة مطابقتها للأخرى طالبة مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقاً لجزء من الأخرى، ولا يكون جزء منها خارجاً عن ذلك وهي لا تكون كذلك إلا بأن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطاً بالكل، والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك بما تحته، وكل سماه في التي فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك، وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة الملقاة في فلاة كما مضى بسط ذلك في ذلك سورة السجدة، وأحاط سبحانه بالأرض منافعها من جميع الجوانب، وجعل المركز بحيث يجذب إليه الأسفل فكيفما مشى الحيوان في جوانبها اقتضى المركز أن تكون رجلاه إلى الأرض ورأسه إلى السماء لتكون السماء في رأيه دائماً أعلى، والأرض أسفل في أي جانب كان هو عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ما لطف بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع، آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد، فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع، وسارع في مراضيه ومحابه في كل خفض ورفع. ولما كان ذلك في حد ذاته خارجاً عن طوق المخلوق، وكان سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم الفروج والعمد والأطناب، فكان ذلك النهاية في الخروج عن العادة في حد ذاته ولأنه قيل: إن القبة إذا بنيت بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد وتسقط، دل على عزته بعظيم صنعه في ذلك بقوله واصفاً لها: {ما ترى في} وكان الأصل: خلقها، ولكنه دل على عزته وعموم عظمته بقوله: {خلق الرحمن} أي لها ولغيرها ولولا رحمته وعموم عظمته التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد غفرانه لما لهم من النقائص ما أحسن إليهم بها في اتساعها وزينتها وما فيها من المنافع، وأعرق في النفي بقوله: {من تفاوت} بين صغير ذلك الخلق وكبيره بالنسبة إلى الخالق في إيجاده له على حد سواء، إنما قوله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلا فرق في ذلك بين الذرة مثلاً والغرس ولا بالنسبة إلى الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن إيجاد شيء من العدم صغيراً كان أو كبيراً جليلاً كان أو حقيراً، ولا ترى تفاوتاً في الخلق بأن يكون شيء منه فائتاً للآخر بالمخالفة والاضطراب والتناقض في الخلقة غير مناسب له بأن يكون خارجاً عنه أو منافراً له في مقتضى الحكمة، وآثار الإحسان في الصنعة، والنزول عن الإتقان والاتساق، والخروج عن الإحكام والاتفاق، والدلالة للخالق على كمال القدرة وللمخلوق على الحدوث بنوع من ضعف البنية بحيث يكون كل واحد كالطالب لأن يخالف الآخر، أو تعمد لأن يفوت الآخر ويخالفه - على قراءة حذف الألف والتشديد بحيث يكون التفاضل في المزدوجات وعدم المساواة كأنه مقصود بالذات وبالقصد الأول، بل لا توجد المخالفة إلا نارداً بحيث يعلم أن المشاكلة هي المقصود بالذات وبالقصد الأول، فإذا وقع في شيء منه مخالفة كان على وجه الندور ليعلم أنه ليس مقصوداً بالذات، وإنما أريد به الدلالة على الاختيار وأن الفاعل هو القادر المختار لا الطبيعة، قال الرازي: كأن التفاوت الشيء المختلف لأعلى النظام، وقال البغوي: من اعوجاج واختلاف وتناقض، وقال غيره: عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً ولا يلائمه، وهو من الفوت وهو أن يفوت بعضها بعضاً لقلة استوائها، وقال أبو حيان: والتفاوت تجاوز الحد الذي يجب له زيادة أو نقصان - انتهى. يظهر ذلك بأن أغلب الخلق أجوف، والأجوف يعمل مبسوطاً ثم يضم ويوصل أحد جانبيه بالآخر فيكون ثم نوع فطر يعرفه أهل الحذق وإن اجتهد صانعه في إخفائه وإن كان فيه أشياء متقابلة كان فيها تفاوت ولو قل وإن اجتهد الصانع في المساواة، وخلق الله لا تفاوت فيه بوجه، فالسماوات كرية ولا ترى في جانب منها شقاً ولا فطراً ظاهراً ولا خفياً، والحيوان أجوف ولا ترى في شيء من جسده فصماً يكون الضم والتجويف وقع به وكل من متقابليه مساو للأخر كالعينين والأذنين والمنخرين والساقين ونحوها مما يقصد فيه التساوي لا تفاوت فيه أصلاً - إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ولا يمكن ضبطه، فسبحان من لا تتناهى قدرته فلا تتناهى مقدوراته، ولا تحصى بوجه معلوماته، وكل ذلك عليه هين، والأمر في ذلك واضح بين، هذا مع الاتساع الذي لا يدرك مقداره بأكثر من أن كل سماء بالنسبة إلى التي فوقها كحلقة ملقاة في فلاة إلى أن يوصل إلى الكرسي ثم العرش العظيم، ومن سر كونها كذلك حصول النفع بكل ما فيها من كواكب مرطبة أو ميبسة أو منورة واتصالات ممطرة ومثبتة يجري كل ذلك منها على ترتيب مطرد، ونظام غير منخرم مقدر جريه بالقسط مرتب على منافع الوجود ومصالح الكائنات كلها مكفوفة على هواء لطيف بتدبير شريف: لا يتعدى شيء منها طوره ولا يتخطى حده، ولا يرسب فيها تحته من الهواء فيهوي، ولا يرتفع عن محله بمقدار ذرة فيطفو، قد أحاط بكلها الأمر، وضبطها صاغرة القهر. ولما كان العلم الناشىء عن الحسن أجل العلوم، دل على بديع ما ذكره بمشاهدة الحس له كذلك، فسبب عنه قوله منبهاً بالرجع الذي هو تكرير الرجوع على أن كل أحد يشاهد ذلك كذلك من حين يعقل إلى أن يبلغ حد التكليف المقتضي للمخاطبة بهذا الكلام: {فارجع البصر} أي بعد ترديدك له قبل ذلك، ودل بتوجيه الخطاب نحو أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم في السمع والبصر والبصيره وكل معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه. ولما كان السؤال عن الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه، نبه على أن هذا مما اشتدت عناية الأولين به فقال: {هل ترى} أي في شيء منها. ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي، أعرق في النفي بقوله: {من فطور *} أي خلل بشقوق وصدوع أو غيرها لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه، وهذا أيضاً يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها، فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة متصرفة فيها على حسب التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء، أو انحبس الهواء عنه لمات كما أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له {تبارك الذي بيده الملك} ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة {تبارك الذي بيده الملك} ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال:حديث : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر" تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة" تفسير : وقال: "حديث : هي المانعة في القبور، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى، قال اقرأ {تبارك الذي بيده الملك} وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي ". تفسير : وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره شقاقك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له، فانطلقت إلى الرب، فتقول: يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحق لي أن أغضب، فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، وتقول: مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه"تفسير : فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية. وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم علينا بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال: كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب. وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال: إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه، فقالت: إنه كان يقرؤني، فأتته من قبل رجليه، فقالت: إنه كان يقوم بي، فأتته من قبل جوفه فقالت: إنه كان وعاني فأنجته. قال: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك. وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً. وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال: كان يقال: إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك. وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال: يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب، فقالت: اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة، وهي المنجية {تبارك الذي بيده الملك} . وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة و{أية : سبح اسم ربك الأعلى} تفسير : [الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة {أية : ألم تنزيل}تفسير : [السجدة:1] و{تبارك الذي بيده الملك}. وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة، ومحي عنه ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر، وهي {تبارك الذي بيده الملك} ". تفسير : وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه "لقد رأيت عجباً، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب، أنه كان يحافظ عليّ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون: "المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك". وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال: أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر {تبارك الذي بيده الملك} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {ألم تنزيل} السجدة و {تبارك الذي بيده الملك} كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر. قوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة} الآيتين. أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً "كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات، {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير}" . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} قال: أيكم أحسن للموت ذكراً، وله استعداداً، ومنه خوفاً وحذراً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {الذي خلق الموت والحياة} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {الذي خلق الموت والحياة} قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام، والموت كبش أملح. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق وجناح في المغرب. أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {سبع سماوات طباقاً} قال: بعضها فوق بعض. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} قال: ما يفوت بعضه بعضاً، مفاوت: مفرق. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} قال: من اختلاف {فارجع البصر هل ترى فطور} قال: من خلل {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً} قال: صاغراً {وهو حسير} قال: يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ "ما ترى في خلق الرحمن من تفوت". وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ "ما ترى في خلق الرحمن من تفوت". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {من تفاوت} قال: تشقق، وفي قوله: {هل ترى من فطور} قال: شقوق وفي قوله: {خاسئاً} قال: ذليلاً {وهو حسير} قال: كليل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفطور الوهي. وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: {من فطور} قال: من خلل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {من فطور} قال: تشقق أو خلل، وفي قوله: {ينقلب إليك البصر خاسئاً} قال: يرجع إليك {خاسئاً} قال: صاغراً {وهو حسير} قال: يعي ولا يرى شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {خاسئاً} قال: ذليلاً {وهو حسير} قال: مترجع.
ابو السعود
تفسير : مكية، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر، وآيُها ثلاثون {تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} البركةُ النماءُ والزيادةُ حسيةً كانتْ أو عقليةً، وكثرةُ الخيرِ ودَوامُهُ أيضاً، ونسبتُهَا إلى الله عزَّ وجلَّ على المَعْنَى الأولِ وهُو الأليقُ بالمقامِ باعتبارِ تعاليهِ عمَّا سواهُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، وصيغةُ التفاعلِ للمبالغةِ في ذلكَ فإنَّ ما لا يتصورُ نسبتُهُ إليهِ تعالَى من الصيغِ كالتكبرِ ونحوِهِ إنَّما تنسبُ إليه سبحانَهُ باعتبارِ غاياتِهَا، وعلى الثَّاني باعتبارِ كثرةِ ما يفيضُ منهُ على مخلوقاتِهِ من فنونِ الخيراتِ، والصيغةُ حينئذٍ يجوزُ أن تكونَ لإفادةِ نماءِ تلكَ الخيراتِ وازديادِها شيئاً فشيئاً وآناً فآناً بحسبِ حدوثِهَا أو حدوثِ متعلقاتِهَا، ولاستقلالِهَا بالدلالةِ على غايةِ الكمالِ وإنبائِها عن نهايةِ التعظيمِ لم يجُزْ استعمالُهَا في حقِّ غيرِه سبحانَهُ، ولا استعمالُ غيرِهَا من الصيغِ في حقِّه تباركَ وتعالَى. وإسنادُها إلى الموصولِ للاستشهادِ بما في حيزِ الصَّلةِ على تحققِ مضمونِهَا، واليدُ مجازٌ عن القدرةِ التامَّةِ والاستيلاءِ الكاملِ، أي تعالَى وتعاظَم بالذاتِ عن كلِّ ما سواهُ ذاتاً وصفةً وفعلاً الذي بقبضةِ قُدرتِهِ التَّصرفُ الكليُّ في كلِّ الأمورِ. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء} منَ الأشياءِ {قَدِيرٌ} مُبالِغٌ في القُدرةِ عليهِ يتصرفُ فيهِ حسبَما تقتضيهِ مشيئتُهُ المبنيةُ على الحِكَمِ البالغةِ. والجملةُ معطوفةٌ على الصِّلةِ مقررةٌ لمضمونِهَا مفيدةٌ لجريانِ أحكامِ مُلكِهِ تعالَى في جَلائلِ الأُمورِ ودقائِقها. وقولُه تعالَى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} شروعٌ في تفصيلِ بعضِ أحكامِ المُلكِ وآثارِ القُدرةِ وبـيانِ ابتنائِهِما على قوانينِ الحِكَمِ والمَصالحِ واستتباعِهِما لغاياتٍ جليلةٍ. والموصولُ بدلٌ من الموصولِ الأولِ داخلٌ معهُ في حُكمِ الشهادةِ بتعاليهِ تعالَى. والموتُ عندَ أصحابِنَا صفةٌ وجُوديةٌ مضادةٌ للحياةِ، وأمَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا منْ أنَّهُ تعالَى خلقَ الموتَ في صُورةِ كبشٍ أملحَ لا يمرُّ بشيءٍ ولا يجدُ رائحَتَهُ شيءٌ إلا ماتُ وخلقَ الحياةَ في صورةِ فرسٍ بَلقاءَ لا تمرُّ بشيءٍ ولا يجدُ رائحتَهَا شيءٌ إلا حَيـي، فكلامٌ واردٌ على منهاجِ التمثيلِ والتصويرِ. وقيلَ هو عدمُ الحياةِ فمعنَى خلقِه حينئذٍ تقديرُهُ أو إزالةُ الحياةِ وأيَّاً ما كانَ فالأقربُ أنَّ المرادَ بهِ الموتُ الطارىءُ وبالحياةِ ما قبلَهُ وما بعدَهُ لظهورِ مداريتِهِما، لما ينطقُ بهِ قولُه تعالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فإن استدعاءَ ملاحظتِهِما لإحسانِ العملِ بما لا ريبَ فيهِ معَ أنَّ نفسَ العملِ لا يتحققُ بدونِ الحياةِ الدنيويةِ. وتقديمُ الموتِ لكونِهِ أدعى إلى إحسانِ العملِ، واللامُ متعلقةٌ بخلقَ أي خلقَ موتَكُم وحياتَكُم، على أنَّ الألفَ واللامَ عوضٌ عن المضافِ إليهِ ليعاملَكُم معاملةَ مَنْ يختبرُكم أيكُم أحسنُ عملاً فيحازيكُم على مراتبَ متفاوتةٍ حسبَ تفاوتِ طبقاتِ علومِكُم وأعمالِكُم فإنَّ العملَ غيرُ مختصَ بعملِ الجوارحِ، ولذلكَ فسَّرَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه: « حديث : أيكم أحسنُ عقلاً وأورعُ عن محارمِ الله وأسرعُ في طاعةِ الله » تفسير : فإنَّ لكلَ من القلبِ والقالبِ عملاً خاصَّاً به، فكَما أنَّ الأولَ أشرفُ من الثَّانِي، كذلكَ الحالُ في عملِهِ، كيفَ لاَ ولا عملَ بدونِ معرفةِ الله عزَّ وجلَّ الواجبةَ على العبادِ أثر ذي أثير وإنما طريقُها النظريُّ التفكرُ في بدائعِ صُنْعِ الله تعالَى والتدبرُ في آياتِه المنصوبةِ في الأنفسِ والآفاقِ، وقَد رُوِيَ عنْهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: « حديث : لا تُفضِّلُونِي على يونِسُ بنِ مَتَّى فإنَّهُ كانَ يُرفعُ لهُ كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرضِ » تفسير : قالُوا وإنَّما كانَ ذلكَ التفكرَ في أمرِ الله عزَّ وجلَّ الذي هُو عملُ القلبِ ضرورةَ أنَّ أحداً لا يقدرُ على أنْ يعملَ بجوارحِهِ كلَّ يومٍ مثلَ عملِ أهلِ الأرضِ. وتعليقُ فعلِ البَلْوَى أي تعقيبُهُ بحرفِ الاستفهامِ لا التعليقُ المشهورُ الذي يقتضِي عدمَ إيرادِ المفعولِ أصلاً مع اختصاصِهِ بأفعالِ القلوبِ لما فيهِ من مَعْنَى العلمِ باعتبارِ عاقبتِهِ كالنظرِ ونظائِره ولذلك أُجرَي مَجْرَاه بطريقِ التمثيلِ، وقيلَ بطريقِ الاستعارةِ التبعيةِ. وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ معَ أنَّ الابتلأَ شاملٌ لهم باعتبارِ أعمالِهِم المنقسمةِ إلى الحسنِ والقبـيحِ أيضاً لا إلى الحسنِ والأحسنِ فقطْ للإيذانِ بأنَّ المرادَ بالذاتِ والمقصدِ الأصليَّ من الابتلاءِ هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنينَ مع تحققِ أصلِ الإيمانِ والطاعةِ في الباقينَ أيضاً لكمالِ تعاضدِ الموجباتِ له وأما الإعراضُ عن ذلكَ فبمعزلٍ من الاندراجِ تحتَ الوقوعِ فضلاً عن الانتظامِ في سلكِ الغايةِ للأفعالِ الإلهيةِ وإنَّما هُو عملٌ يصدرُ عن عاملِهِ بسوءِ اختيارِهِ من غيرِ مصححٍ لهُ ولا تقريبٍ وفيهِ من الترغيبِ في الترقِّي إلى معارجِ العلومِ ومدارجِ الطاعاتِ والزجرِ عن مباشرةِ نقائِضِها ما لا يَخْفى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ الذي لا يفوتُهُ من أساءَ العملَ {ٱلْغَفُورُ} لمن تابَ منهُم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}[1] قال: أي تعالى الله وتعاظم عن الأشباه والأولاد والأضداد، الذي بيده الملك يقلبه بحوله وقوته، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وهو القادر عليه. قوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}[1-2] قال: الموت في الدنيا بالمعصية، والحياة في الآخرة بالطاعة. ولهذا قال الله تعالى لموسى عليه السلام فيما أوحى إليه: يا موسى، إن أول من مات من خلقي إبليس لعنه الله لأنه عصاني، وإني أعد من عصاني في الموتى. وقال: إن الموت خلق في صورة كبش أملح لا يمر بشيء فيجد ريحه إلا حيي. وقد روي في الخبر أن أهل الجنة ليخافون الموت، وأهل النار يتمنون الموت، فيؤتى به في صورة كبش أملح، ثم يقال: هذا الموت فانظروا ما الله صانع فيه، ثم يضجع هناك فيذبح، ثم يجعله الله تعالى في صورة فرس يسرح في الجنة، لا يراه أحد من أهل الجنة إلا أنس به ولا يعلم أنه الموت. قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}[2] قال: أي أصوبه وأخلصه، فإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون صواباً خالصاً. والخالص الذي يكون لله تعالى بإرادة القلب، والصواب الذي يكون على سبيل السنة وموافقة الكتاب. وقال مرة أخرى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}[2] أي توكلاً ورضاً علينا، وسياحة بعد الزهد في الدنيا. وإن مثل التقوى واليقين كمثل كفتي الميزان، والتوكل لسانه، يعرف به الزيادة من النقصان. فقيل: وما التوكل؟ قال: الفرار من التوكل، يعني من دعوى التوكل. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}[2] قال: يعني المنيع في حكمه، الحكيم في تدبيره بخلقه، الغفور للنقصان والخلل الذي يظهر في طاعات عباده.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [الآية: 1]. قال بعضهم: {تَبَارَكَ} كالكناية والكناية كالإشارة والإشارة لا يدركها إلاَّ الأكابر. وقال سهل: تعالى من عظم عن الأشباه والأولاد والأضداد والأنداد بيده الملك يقلبه بحوله وقوته ويؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وهو القادر عليه وعلى كل شىء جلّ تعالى. سئل بعضهم عن قوله: {تَبَارَكَ} فقال تبارك هو ابتداء النهايات والغايات الذى لا يخلو علمه من شىء ولا يحاوله العجز والجهل ولا تعارضه الزيادة والنقصان كل مصنوع صنعه ولا علة لصنعه ربط كل شىء بضده وقطعه بحده وانفرد هو بنفسه وهو الذى جاز الغاية قدره والفطنة كهذه وهو الذى بيده الملك لا يستوجب بذلك أحداً إلا هو. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي} أى بارك فى الخلق ووهب لهم البركة فنفعهم وكل بقاع مبارك. وقال أيضاً: تبارك أى تعالى عن خلقه فضلاً. وقال جعفر: أى هو المبارك على من انقطع إليه أو كان له.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. تَقَدَّسَ وتعالَى، مَنْ إحسانُه تَواتَرَ وتَوالَى، فهو المتكبِّرُ في جلالِ كبريائه، المتجرِّد في علاءِ بهائه ودوامِ سنائه. {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}: بقدرته إظهارُ ما يريد، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}. خَلَقَ الموتَ والحياةَ، ابتلاءً للخَلْق، يختبرهم ليَظْهَر له شكرانهُم وكفرانُهم، كيف يكونان عند المحنة في الصبر وعند النعمة في الشكر - {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}. {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}. عَرَّفَهم كمالَ قدرتِه بدلالاتِ خَلْقِه، فَمسَك السماءَ وأمسكها بلا عَمدَ، ورَكَّبَ أجزاءَها غيرَ مُسْتعينٍ بأحدِ في خَلْقِها، وبالنجومِ زَيَّنهَا، ومِنَ استراقِ سمعِ الشياطين حَصَّنها، وبغيرِ تعليم مُعلِّم أحكمها وأتقنها. {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟: لا ترى فيما خَلَقَ تفاوتاً ينافي آثارَ الحكمة ولا يدل على كمال القدرة. ويقال: ما ترى فيها تفاوتاً، في استغنائه عن الجميع... ما ترى فيها تفاوتاً في الخَلْقِ؛ فَخْلقُ الكثير واليسير عنده سيَّان، فلا يَسْهُلُ عنده القليلُ ولا يَشُقُّ عليه الكثير؛ لأنه مُتَنَزَّهٌ عن السهولة عليه ولحوقِ المشقة به. فأنْعِمْ النظرَ، وكَرِّر السِّبْرَ والفِكْرَ... فلن تجد فيها عيباً ولا في عِزِّه قصوراً.
البقلي
تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِي} فى هذه الأية تقديس الذات والصفات عن الادراك وفيها اشارة غيب الهوية بقوله الذى لرفع الاوهام عن ساحة جلاله وفيها وصف العظمة والاحاطة بكل شئ عجز الحدثان فى قبضة قدرته وفيها سر الالباس وظهور الصفة عن الفعل بقوله {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} تعالى الله عن الاشباه اذ لا شبيه له فى الازل وتقدس عن الاضداد اذ لم يكن له ضدا الى ابد الابد فرؤية قدسه للموحدين اذ مبارك عليهم انوار قدسه وهم فى زيادة القدس ابدا والاشارة للعارفين اذ هم غابوا فى غيبة وهم من لا يخرجون وشارة ظهور الصفة فى الفعل للمحبين اذ يؤتيهم ملك مشاهدته وهم فى ملك قربه لا يقطع عنهم وصاله ابدا قال بعضهم تبارك كالكناية والكناية كالاشارة والاشارة لا يدركها الا الاكابر وقال سهل تعالى من يعظم عن الاشباه والاولاد والاضداد والانداد بيده الملك بقلبه بحوله وقوته يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وهو القادر عليه جل وتعالى وقال جعفر اى المبارك على من انقطع اليد او كان له.
اسماعيل حقي
تفسير : {تبارك الذى بيده الملك} البركة النماء والزيادة حسبة او عقلية ونسبتها الى الله تعالى باعتبار تعاليه عما سواه فى ذاته وصفاته وافعاله يعنى ان البركة تتضمن معنى الزيادة وهى تقتضى التعالى عن الغير كما قال ليس كمثله شئ اى فى ذاته لوجوب وجوده وفى صفاته وافعاله لكماله فيهما واما قوله تخلقوا باخلاق الله فباعتبار اللوازم وبقدر الاستعداد لا باعتبار الحقيقة والكنه فان الاتصاف بها بهذا الاعتبار مخصوص بالله تعالى فأين احياء عيسى عليه السلام الاموات من احياء الله تعالى فانه من الله بدعائه فالمعجزة استجابة مثل هذا الدعاء ومظهريته له بقدر استعداده وبهذا التقرير ظهر معنى قول بعض المفسرين تزايد فى ذاته فان التزايد فى ذاته لا يكون الا باعتبار تعاليه بوجوده الواجب وتنزهه عن الفناء والتغير والاستقلال وصيغة تبارك بالدلالة على غاية الكمال وانبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها فى حق غيره سبحانه ولا استعمال غيرها من الصيغ مثل يتبارك فى حقه تبارك وتعالى واسنادها الى الموصول للاستشهاد بما فى حيز الصلة على تحقق مضمونها والموصولات معارف ولا شك ان المؤمنين يعرفونه بكون الملك بيده واما غيرهم فهم فى حكم العارفين لان الأدلة القطعية لما دلت على ذلك كان فى قوة المعلوم عند العاقل واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل لما ان اثرها يظهر فى الاكثر من اليد يقال فلان بيده الامر والنهى والحل والعقد أى له القدرة الغالبة والتصرف العام والحكم النافذ (قال الحكيم السنائى) يد اوقدر تست ووجه بقاش شعر : آمدن حكمش ونزول عطاش اصبعينش نفاذ حكم قدر قد مينش جلال وقهر وخطر تفسير : وفى عين المعانى اليد صلة والقدرة والمذهب انها صفة له تعالى بلا تأويل ولا تكييف والملك بمعنى التصرف والسلطنة واللام للاستغراق ولذا قال فى كشف الاسرار ملك هجده خزار عالم بدست اوست. والمعنى تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذى بقبصة قدرته التصرف الكلى فى كل الامور لا بقبضة غيره فيأمر وينهى ويعطى ويمنع ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفقر ويغنى ويمرض ويشفى ويقرب ويبعد ويعمر ويحرب ويفرق ويصل ويكشف ويحجب الى غير ذلك من شؤون العظمة وآثار القدرة الالهية والسلطنة الازلية والابدية وقال بعضهم البركة كثرة الخير ودوامه فنسبتها الى الله تعالى باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من فنون الخيرات اى تكاثر خير الذى بيده الملك وتزايد نعمه واحسانه كما قال تعالى {أية : وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : قال الراغب البركة ثبوت الخير الالهى فى الشئ والمبارك ما فيه ذلك الخير ولما كان الخير الالهى يصد ر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة والى هذه الزيادة أشير بما روى حديث : لا ينقص مال من صدقة تفسير : وقوله {أية : تبارك الذى جعل فى السماء بروجا}تفسير : تنبيه على ما يفيضه علينا من نعمه بوساطة هذه البروج والنيرات المذكورة وكل موضع ذكر فيه لفظة تبارك فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك وفى الكواشى معنى تبارك تعالى عن صفات المحدثين وجميع المستعمل من (ب ر ك) وبعكسه يشتمل على معنى اى ثبت الثبوت الخير فى خزآئن الذى وقال سهل قدس سره تعالى من تعظم عن الاشباه والاولاد والاضداد واتذاد بيده الملك يقلبه بحوله وقوته يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وقيل يريد به النبوة يعز بها من اتبع ويذل بها من خالف وقال جعفر قدس سره هو المبارك على من انقطع اليه او كان له اى فانه وارث النبىعليه السلام وخليفة وقد قيل فى حقه وبارك عليه وقال القاشانى قدس سيره الملك عالم الاجسام كما ان الملكوت عالم النفوس ولذلك وصف ذاته باعتبار تصريفه فى عالم الملك بحسب مشيئته بالتبارك الذى هو غاية العظمة ونهاية الا زدياد فى العلو والبركة وباعتبار تسخير عالم الملكوت بمقتضى ارادته بالتسبيح الذى هو التنزيه كقوله {أية : فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ}تفسير : كلا بما يناسب لان العظمة والازدياد والبركة تناسب الاجسام والتنزه يناسب المجردات عن المادة وفى الآية اشارة الى ان الملك اذا كان بيده فهو المالك وغيره المملوك فلا بد للمملوك من خدمة المالك شعر : خدمت اوكن مكروشاهان تراخدمت كنند جاكرا وباش تاسلطان ترا كردد غلام تفسير : وفى الحديث القدسى يا دنيا اخدمى من خدمنى قال فى كشف الاسرار ملك انسانيث جداست وملك دلها جدا وملك جانها جدا زير انسانيت ملك در دنيا راند انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ودل ملك در آخرت راند يحبهم ويحبونه وجان ملك درعالم حقيقت راند وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة آن عزيز راه كويد فردا كه علم كبرياى او بقيامت برايدكه لمن الملك اليوم من ازكوشه دل خويش بدستورى اودرى بر كشايم ودردى ازدردهاى او بيرون دهم تاكرد قيامت برآيد وكويم لمن الملك اكر معترضى براه آيد كويم اوكه جون ما ضعفا ومساكين دارد ميكويد لمن الملك ما جون او ملك جبارى داريم جرانكوييم لمن الملك اكر اوراجون ما بندكانست مارا جون او خمدا ونداست. ومن هذا البيان يعرف سر قول عين العارفين ابى يزيد البسطامى قدس سره الهى ملكى اعظم من ملكك اى فان ملك العبد القديم وملك الرب هو الحادث فاعرف جدا فان هذا المقام من مزالق الاقدام {وهو} تعالى وحده {على كل شئ} من الاشياء وعلى كل مقدور من الانعام والانتقال وغيرهما {قدير} مبالغ فى القدرة عليه ومنتهى الى اقصاها يتصرف فيها حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة والجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضمونها مفيدة لجريان احكام ملكه تعالى فى جلائل الامور ودقائقها قال بعضهم وهو على كل شئ قدير اى ما يمكن أن تتعلق به المشيئة من المعدومات الممكنة لان الموجود الواجب لا يحتاج فى وجوده الى شئ ويمتنع زواله ازلا وابدا والموجود الممكن لا يراد وجوده اذ هو تحصيل الحاصل والمعدوم الممتنع لا يمكن وجوده فلا تتعلق به المشيئة فتعلق القدرة بالمعدوم بالايجاد وبالموجود بالابقاء والتحويل من حال الى حال قال القاشانى وهو القادر على كل ما عدم من الممكنات يوجده على ما يشاء فان قرينة القدرة تخص الشئ بالممكن اذ تعلل القدرة به فيقال انه مقدور لانه ممكن (وفى التأويلات النجمية) تعالى وتعاظم فى ذاته وصفاته واسمائه وافعاله الذى بيده المطلقة الملأى السحاء سلطنة الوجود المطلق الفائض على الوجودات المقيدة وهو أى هويته المطلقة ظاهرة فى كل شئ قادرة على كل شئ.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {تباركَ} أي: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين فالبركة: السمو والزيادة، حسية أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه، والمعنى الأول أنسب للمقام، باعتبار تعاليه عزّ وجل عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك؛ فإنَّ ما لا يصح نسبته إليه تعالى من الصيغ، كالتكثُّر ونحوه، إنما يُنسب إليه تعالى باعتبار غاياتها. وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه تعالى على مخلوقاته من فنون الخيرات، أي: تعالى بالذات عن كل ما سواه. {الذي بيده المُلك} أي: بيده التصرُّف التام والاستيلا ء على كل موجود، وهو مالك المُلك، يُؤتيه مَن يشاء، وينزعه عمن يشاء، واليد: مجاز عن القدرة التامة، والاستيلاء الكامل. {وهو على كل شيءٍ} من المقدورات، أو من الإنعام والانتقام {قديرٌ}؛ مبالغ في القدرة يتصرف فيه على حسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكم البالغة. والجملة: معطوفة على الصلة، مقرِّرة لمضمونها، مفيدة لجريان أحكام مُلكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها، دالة على العموم والشمول في أنه متصرف في أحوال المُلك في إيجاد أعيان الأشياء؛ المتصرّف فيها وفي إيجاد عوارضها الذاتية. ولو اقتصر على قوله: {بيده الملك} لأوهم قصوره على تغيُّر أحوال المُلك فقط. ثم أحال على ما هو مُشاهد من التصرُّف بقوله: {الذي خلق الموتَ والحياةَ} أي: موتكم وحياتكم أيها المكلّفون. ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ما يصحح الإحساس وإعدامه. والموت عند أهل السنة: صفة وجودية مضادة للحياة، وأمّا ما رُوي عن ابن عباس: أنه تعالى خلق الموتَ في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ويجد ريحه إلاّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس، لا يَمر والا يجد رائحتها شيء إلاّ حيى" فوارد على منهاج التمثيل والتصوير، ويجوز أن يكون حقيقة، إذ القدرة صالحة. وتقديم الموت لأنه أدعى لأحسن العمل، الذي هو حكمة خلق الموت والحياة، المشار إليه بقوله: {ليبلوكم أَيُّكم أحسنُ عملا} أي: خلق موتكم الذي يعمّ الأمير والأسير، والحياة التي لا تبقى لعليل ولا طبيب، ليُعاملكم معالمة مَن يختبركم أيكم أحسن عملاً؛ فيُجازيكم على مراتب متفاوتة، حسب طبقات علومكم وأعمالكم؛ فإنَّ العمل غير مختص بالجوارح، ولذلك فسَّره صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أيكم أحسن عقلاً، وأردع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله" تفسير : ، وفي رواية: " حديث : أيكم أحسن عقلاً، وأشدكم له خوفاً، وأحسنكم في أمره ونهيه نظراً، وإن كانوا أقلّكم تطوُّعاً "تفسير : وقال ابن عباس وغيره: أيكم أزهد في الدنيا. قال القشيري: كيف تكونوا في الصبر في المحنة، والشكر عند المنّة. وقال النسفي: {أيكم أحسن عملاً}: أخلصه وأصوبه، فالخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السُنَّة, والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلّط عليكم الموت، الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلاّ البعث والجزاء، الذي لا بدّ منه، ولمّا قدّم الموت ـ الذي هو أثر صفة القهر ـ على الحياة ـ التي هي أثر صفة اللطف ـ قدّم صفة القهر على صفة اللطف بقوله: {وهو العزيزُ} : الغالب، الذي لا يُعجزه مَن أساء العمل، {الغفور}؛ الستور، الذي لاييأس منه أهل الإساءة والزلل. هـ. ثم استشهد على تمام قدرته بقوله: {الذي خلق سبعَ سمواتٍ طِباقاً} أي: متطابقة بعضها فوق بعض، من طباق النعلَ: أذا خصفها طبقاً على طبق، وهو مصدر وصف به، أو: ذات طباق، أو: طوبقت طباقاً. وقوله تعالى: {ما ترى في خَلْقِ الرحمنِ من تفاوتٍ} صفة أخرى لسبع سموات، وضع فيها "خَلْق الرحمن" موضع الضمير للتعظيم، والإشعار بعلة الحكم، وبأنه تعالى خلقها بقدرته، رحمةً وتفضُّلاٍ، ولأنَّ في إبداعها نعماً جليلة. أو: استئناف. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحدٍ يصلح للخطاب، و"مِن" لتأكيد النفي، أي: ما ترى فيه شيئاً من تفاوت، أي: اختلاف وعدم تناسب أو اضطراب. وعن السدي: من عيْبٍ. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأنّ بعضاً يفوت بعضاً. وقرأ الأخوان: " تَفَوُّت" كالتعاهد والتعهّد, والبناء لواحد. {فارجع البصرَ} أي: ردَّه إلى السماء، حتى يصحَّ عندك ما أُخْبِرْت به معاينةً، حتى لا يبقى شُبهة. {هل ترى من فطورٍ}؛ صدروع وشقوق، جمع: فَطَر، وهو الشقّ، يقال: فطره فانفطر. {ثم ارجع البصرَ كرتينِ} أي: كرّره رجعتين مع الأُولى، فتكون ثلاثاً، أو: بالأُولى، وقيل: لمَ يُرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرةٍ، أي: كرر نظرك ودقّقه مراراً، هل ترى خللاً أو عيباً في السموات؟ وجواب الأمر: {ينقلبْ}؛ يرجع {إليك البصرُ خاسئاً}؛ ذليلاً، أو: بعيداً مما تريد، وهو حال من البصر، {وهو حَسِيرٌ} أي: كليل لطول المعاودة، وكثرة المراجعة، ولم يحصل ما قصد. ثم بيَّن حُسنها وبهجتها، فقال: {ولقد زيَّنا السماءَ الدنيا} أي: القُربى منكم {بمصابيحَ} أي: بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السراج فيه، زينةً لسقف هذه الدار، من السيارة والثوابت، تتراءى كأنها كلها مركوزة فيها، مع أنَّ بعضها في سائر السموات، وما ذلك إلاَّ لأنَّ كل واحدة منها مخلوقة على نمط رائق، تحار في فهمه الأفكار، وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار. قال الفخر: وليس في هذه الآية ما يدل على أنَّ الكواكب مركوزة في سماء الدنيا، وذلك لأنَّ السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في سماء الدنيا، أو في سماء أخرى فوقها، فهي لا بد أن تظهر في سماء الدنيا، وتلوح فيها، فعلى كِلا التقديرين فالسماء الدنيا مُزَيّنة بها. هـ. {وجعلناها رُجوماً للشياطين} أي: وجعلنا فيها فائدة أخرى، هي: رجم أعدائكم الذي يُخرجونكم من النور إلى الظلمات، بانقضاض الشُهب المقتَبسة منها، فيأخذ المَلك شعلة من نار الكوكب, ويضرب بها الجني، فيقتله، أو يخبِّله, فيرجع غُولاً يُفزع الناسَ، وأمّا الكواكب فلا تزول عن أماكنها؛ لأنها قارّة في الفلك. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة السماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمَن تأوّل فيها غير ذلك، فقد تكلّف ما لا علم له به. {وأعتدنا لهم}؛ للشياطين {عذابَ السعير} بعد الإحراق في الدنيا بالشُهب. والله تعالى أعلم. الإشارة: تبارك الذي بيده المُلك, الملُك الظاهري والمُلك الباطني، يُعطيهما مَن يشاء، ويمنعهما مَن يشاء، فالمُلك الظاهري عز يفنى والملك الباطني عز يبقى، وهما ضدان لا يجتمعان في شخص واحد، ولا يتفقان, بل أحدهما يغير من الآخر، والمراد بالملك الباطني: معرفة الشهود والعيان، فلا يناسبها إلاّ الخمول، ولا تقوم إلاّ به، ومهما ظهرت أخذ صاحبها وصدمته الحوافر. الذي خلق الموتَ في بعض القلوب والأرواح، فكانت ميتة جاهلة ذليلة حقيرة، والحياةَ في بعضها، فكانت حيّة عارفة مالكة عزيزة، فعل ذلك ليبلوكم أيك أحسنُ عملاً بالإقبال على الله، والتوجٌّه بكليته إليه، أو بالإدبار عنه، والإعراض عن الداعي إليه. وقيل: أحسن العمل: نيسان العمل ورؤية الفضل. هـ. والمراد: أنه يجتهد في العمل، ويغيب عنه، ومَن جعل الموتَ نُصب عينيه لا محالة يجتهد، ولله در القائل: شعر : وَفِي ذِكْرِ هولِ الموتِ والقَبْر والبلاَ عَن الشغْل باللذَّاتِ للمرء زَاجِر أَبَعْدَ اقْتِرابِ الأَربَعينَ تَربُّص وشَيْب فَذاك مُنْذِرٌ لك ذَاعِر فَكَمْ في بُطون الأرضِ بعد ظُهورها مَحَاسِنهم فيها بوَالٍ دَوَاثِر وأنت على الدنيا مُكب مُنَافِس لِحُطَامِها فيها حَريص مُكاثر علَى خطرٍ تُمسي وتُصبح لاَهِياً أَتدْرِي بماذا لَوْ عقلت تُخاطِر وَإِنْ أحد يَسعى لدُنياه جَاهداً ويَذْهلُ عن أخراه لآ شَكَّ خاسِر فَجدّ ولا تَغفَل، فَعَيشك زائِل وأَنْتِ إِلى دارِ الْمَنِيَّةِ صَائِر > تفسير : وهو العزيز يُعز مَن أقبل عليه، والغفور لمَن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق سبعَ سموات الأرواح، وتقدّم قريباً تفسيرها، وعالم الأوراح في غاية الإتقان، ليس فيه خلل ولا تفاوت، ولقد زيَّنا السماء الدنيا. قال القشيري: أراد بسماء الدنيا سماء القلب، لدنوه من سماء الروح، أي: زيّنا ونوّرنا سماء القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية، وسبحات الإلهامات الربانية، وجعلناها رجوماً للشياطين؛ الخواطر النفاسية، والهواجس الظلمانية الشيطانية، وأعتدنا لتلك الخواطر عذابَ السعير، فيحترق بالخواطر الملكية والرحمانية. هـ. ثم ذكر وبال مَن كفر بعد هذا البيان العظيم، فقال: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {من تفوّت} بتشديد الواو بلا ألف. الباقون {تفاوت} على وزن تفاعل. ومعناهما واحد. وهو مثل: تصعر وتصاعر، وتعهد وتعاهد. والتفاوت إختلاف التناقض، وهو تباعد ما بين الشيئين فى الصحة. والتباين امتناع كل واحد من المعنيين ان يصح مع الآخر. يقول الله تعالى مخبراً عن عظمته وعلو شأنه {تبارك الذي بيده الملك} فمعنى تبارك بأنه الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وأصل الصفة من الثبوت من البرك وهو ثبوت الطائر على الماء. ومنه البركة ثبوت الخير بنمائه. وقيل: معناه تعاظم بالحق من لم يزل ولا يزال، وهو راجع إلى معنى الثابت الدائم. وقيل: المعنى تبارك من ثبوت الاشياء به إذ لولاه لبطل كل شيء لانه لا يصح شيء سواه إلاّ مقدوره او مقدور مقدوره، الذي هو القدرة، لان الله تعالى هو الخالق لها. وقيل: إن معناه تبارك لان جميع البركات منه، إلا ان هذا المعنى مضمن فى الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به تعالى باستحقاق التعظيم. وقوله {الذي بيده الملك} معناه الذي يجب كونه قادراً وانه السلطان العظيم الذي كل ملك له، ليس من ملك إلا داخل فيه لان الله تعالى مالك الملوك، وممكنهم منها. والملك هو إتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. وقوله {وهو على كل شيء قدير} معناه إن الذي بيده الملك والسلطان القادر على كل شيء يصح ان يكون مقدوراً له وهو أخص من قولنا: وهو بكل شيء عليم، لأنه تعالى يعلم كل ما يصح أن يكون معلوماً فى نفسه، ولا يوصف بكونه قادراً إلا على ما يصح ان يكون مقدوراً له، لان مقدور القدرة لا يصح أن يكون مقدوراً له، وكذلك ما تقضى وقته مما لا يبقى لا يصح ان يكون مقدوراً فى نفسه. ثم وصف تعالى نفسه فقال {الذي خلق الموت والحياة} أي خلق الموت للتعبد بالصبر عليه، والحياة للتعبد بالشكر عليها. وقيل: وجه خلق الموت والحياة للابتلاء هو ما فيها من الاعتبار المؤدي إلى تثبيت قادر على الاضداد مع التحذير فى كل حال من مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، ومع التسوية بين الغني والفقير والملك والسوقة فى الموت بما يقتضي قاهراً للجميع قد عمهم بحسن التدبير فقد أذل الله ابن آدم بالموت ليكون أبعد من الطغيان فى حال التمكين من العصيان. وفى كون الموت معنى خلاف بين الشيخين: أبي، وأبي هاشم. وقوله {ليبلوكم} معناه ليعاملكم معاملة المختبر بالامر والنهي فيجازي كل عامل على قدر عمله، الابتلاء الاختبار. وقال الفراء والزجاج: في الكلام اضمار وتقديره ليبلوكم فيعلم أيكم، لأن حروف الاستفهام لا تشغل إلا بفعل يتعلق بالجملة على تقدير المفرد كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو، وتقديره وقد علمت ان احدهما في الدار (وعرفت، ونظرت) بمنزلة (علمت) في هذا، لانها توافقها في (عرفت انه في الدار) و (نظرت بقلبي انه في الدار) ومثله {أية : سلهم أيهم بذلك زعيم}تفسير : أي سؤال من يطلب ان يعلم ايهم بذلك زعيم، ولو قلت اضرب ايهم ذهب لم يكن إلا نصباً، لانه بمعنى الذي. والقديم تعالى وإن كان عالماً بالاشياء قبل كونها، فانما يبتلي الخلق ويختبرهم اختبار من يطلب العلم، حتى يجازي على الفعل بحسبه، ولما كان لم يحسن الثواب والعقاب والتعظيم والاجلال إلا بعد وجود الطاعة والمعصية لم يكن بدّ من التكليف، والأمر والنهي فأجرى عليه الاختبار مجازاً. وقوله {وهو العزيز} في انتقامه من اعدائه والكافرين لنعمه، لا يقدر أحد على مغالبته ومقاهرته، غفور لمن تاب اليه، او إن يريد التفضل باسقاط عقابه ولا يصح التكليف إلا مع الترغيب والترغيب، لأن التمكين من الحسن والقبيح يقتضي ذلك، والتكليف تحميل المشقة في الأمر والنهي. ثم عاد إلى صفات نفسه فقال {الذي خلق سبع سماوات طباقاً} أي انشأ واخترع سبع سموات واحدة فوق الأخرى {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} يعني من اختلاف وتناقض، وذلك يدل على ان ما فيه تفاوت من الكفر والمعاصي ليس من خلق الله، لانه نفى نفياً عاماً أن يكون فيما خلقه تفاوت. وتفاوت وتفوت مثل تصاعر وتصعر. ثم نبه تعالى العاقل على صحة ما قاله من انه ليس فى خلق الله تفاوت. فقال {فارجع البصر} أي فرد البصر وأدرها فى خلق الله من السموات {هل ترى من فطور} أي من شقوق وصدوع يقال: فطره يفطره، فهو فاطر إذا شقه ومنه قوله {أية : تكاد السماوات يتفطرن منه}تفسير : أى يتصدعن. وقال ابن عباس: معناه هل ترى من وهن، وقال قتادة: من خلل. وقال سفيان: من شقوق. ثم أكد ذلك بقوله {ثم ارجع البصر كرتين} أي دفعة ثانية، لان من نظر فى الشيء كرة بعد أخرى بان له ما لم يكن بايناً له. ثم بين انه إذا فعل ذلك وتردد بصره فى خلق الله انقلب اليه بصره ورجع اليه خاسئاً يعني ذليلا صاغراً - فى قول ابن عباس - وذلك كذلة من طلب شيئاً لم يجده وأبعد عنه {وهو حسير} قال قتادة: معناه كالّ معي، فالحسير الكليل، كما يحسر البعير. ثم أقسم الله تعالى بقوله {ولقد زينا السماء الدنيا...} لان لام {لقد} هي التي يتلقى بها القسم بأنه زين السماء أي حسنها وجملها أي السماء الدنيا بالمصابيح، يعني الكواكب وسميت النجوم مصابيح لاضاءتها، وكذلك الصبح. والمصباح السراج وواحد المصابيح مصباح. قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث خصال: احدها زينة السماء. وثانيها رجوماً للشياطين. وثالثها علامات يهتدى بها، فعلى هذا يكون تقديره وجعلنا فيها. وقوله {واعتدنا لهم عذاب السعير} معناه إنا جعلنا الكواكب رجماً للشياطين أعتدنا لهم وادّخرنا لأجلهم عذاب السعير يعني النار المسعّرة، فالسعير النار المسعرة المشتعلة. وقيل: ينفصل من الكواكب شهاب بأن يكون رجوماً للشياطين، فأما الكوكب نفسه، فليس يزول إلى أن يريد الله فناءه، ففي هذه الآيات بيان ما يجب من تعظيم الله تعالى لم يزل ولا يزال، وأن له الملك الكبير، وانه على كل شيء قدير. وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله فللابتلاء، بما يصح معه التكليف للعمل الذي يوجب الثواب جزاء على الاحسان مع رحمة من تاب بالغفران وشدة الانتقام ممن أقام على معصيته. وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله محكم لا تفاوت فيه، لأنه على ما تقتضيه الحكمة فى المتعة والعبرة وما يصح به الزجر من السيئة. وفيها بيان ما يجب اعتقاده مما اقتضت الحكمة فيه التلاؤم من غير فطور، ولا عدول عن الصواب من أمر السموات والافلاك والنجوم، وما خلق فيها من المصابيح زينة لها ورجوماً للشياطين مع ان عاقبتهم إلى عذاب السعير.
الجنابذي
تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} الملك يطلق على عالم الطّبع مقابل الملكوت العامّة الّتى هى جملةعالم الارواح، او الخاصّة وهى عالم المثال، وهذا الاطلاق هو المشهور عندهم، ويطلق على جملة ما سوى الله، وعلى الرّسالة والصّدر المستنير بنورها، وعلى النّبوّة والقلب المستضيء بضوئها، وعلى الولاية الّتى بها يكون التّصرّف فى العباد ودعوتهم الى التّوحيد، واليد تطلق على ما به التّصرّف، وعلى القدرة الّتى هى مبدء التّصرّف، وعلى صفات الله اللّطفية والقهريّة، وعلى عالمى الملكوت العليا والملكوت السّفلى، والكلّ مناسب ههنا {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الممكنات الواقعة فى عالم الطّبع وعالمى الملكوت {قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ} لمّا كان الموت من اعدام الملكات، واعدام الملكات لها حظّ ضعيفٌ من الوجود وماله حظٌّ من الوجود صحّ تعلّق الخلق به قال: خلق الموت {وَٱلْحَيَاةَ} ولمّا كان الموت فى عالم الطّبع بوجهٍ مقدّماً على الحياة بالطّبع، او كان المنظور من ذكر خلق الموت والحياة التّهديد عن الشّرور والتّرغيب فى الخيرات وكان الموت فى هذا المنظور ابلغ قدّم الموت {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ولم يقل، او اسوء عملاً، للاشارة الى انّ المنظور من كلّ ذلك ان يحسن الانسان عمله، وسوء العمل يكون من الطّوارى وليس علّة غائيّةً وحسن العمل يكون بنيّةٍ حسنةٍ كاملةٍ، والنّيّة الحسنة تكون بالعقل الكامل ولذلك ورد فى اخبارٍ عديدةٍ انّ المراد به ايّكم اتمّ عقلاً، وروى عن الصّادق (ع) انّه قال: ليس يعنى اكثر عملاً ولكن اصوبكم عملاً وانّما الاصابة خشية الله والنّيّة الصّادقة ثمّ قال: الابقاء على العمل حتّى يخلص اشدّ من العمل، والعمل الخالص الّذى لا تريد ان يحمدك عليه احدٌ الاّ الله عزّ وجلّ، والنّيّة افضل من العمل، الا وانّ النّيّة هو العمل، ثمّ تلا قوله عزّ وجلّ: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : يعنى على نيّته {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا مانع له من حكمه وارادته فليحذر الّذين يخالفون امره ويسيئون فى عملهم وليرج الّذين يطيعونه ويحسنون عملهم {ٱلْغَفُورُ} فلا ييأس الّذين يعملون السّيّئات.
الأعقم
تفسير : {تبارك} قيل: تعالى وجلّ عما لا يجوز عليه {الذي بيده الملك} يعني الذي هو المالك للملك، وله الملك يؤتيه من يشاء، وذكر اليد للتأكيد، قيل: لأن التصرف والعطاء باليد {وهو على كل شيء قدير} هو عام في كل مقدور {الذي خلق الموت والحياة} يعني خلق الموت في الحي فأماته، وخلق الحياة في الجماد فأحياه، وقيل: الموت في الدنيا والحياة عند البعث والجزاء {ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً} أي ليعاملكم معاملة المختبر وإلا فهو عليم بأحوالكم وأعمالكم، وقيل: أيَّكم أكثر ذكراً للموت وأشد استعداداً، وإنما قدم الموت لأن الأشياء كانت في الأصل جماداً ثم خلق فيها الحياة، وقيل: لأنه أقرب إلى القهر {وهو العزيز الغفور} لمن تاب اليه وأطاعه {الذي خلق سبع سماوات طباقاً} قيل: بعضها فوق بعض {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت} قيل: أراد جميع المخلوقات لا تفاوت فيها من طريق الحكمة بل كلها في الحكمة سواء وإن كانت متفاوتة في الصور والهيئات {فارجع البصر هل ترى من فطور} أي من صدوع وشقوق وهو جمع فطر {ثم ارجع البصر} أي ردد النظر وانظر هل ترى من فطور {ينقلب إليك البصر خاسئاً} أي ذليلاً {وهو حسير} أي كليل منقطع {ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح} وهو الكواكب، قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء زينة للسماء {ورجوماً للشياطين} وعلامات يهتدى بها {وأعتدنا لهم عذاب السعير} وهي النار المسعور.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الملك وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {تَبَارَكَ}، وهو من باب البركة، كقوله: (تعالى) وهو من العلوّ. {الَّذِي بِيَدِهِ} أي: في يده. {الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: الذي لا يعجزه شيء. {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. ذكروا عن الأعمش عن أبي سفيان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بملك الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح. فيجعل على سور بين الجنة والنار. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة ويا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ هذا الموت، فيقولون: نعم، فيذبح على السور وهم ينظرون إليه. ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وكل خالدٌ فيما هو فيه. قوله عز وجل: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في نقمته {الغَفُورُ} لمن تاب وآمن. قوله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي: بعضها فوق بعض، غلظ كل سماء كما فسّرناه قبل هذا. وما بينهما كذلك: وهو كقوله عز وجل: (أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ) تفسير : [سورة المؤمنون:17]. قال تعالى: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} أي: من اختلاف، وهي مستوية كلها، كقوله عز وجل: (أية : وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) تفسير : [الذاريات:7]. والحبك: استواؤها وحسنها. قال تعالى: {فَارْجِعِ البَصَرَ} أي: فانظر إلى السماء {هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} على الاستفهام، أي: هل ترى من شقوق، أي: إنك لا ترى فيها شقوقاً. {ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي: مرة بعد مرة {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً} أي: فاتراً {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كَليل، أي: قد أعيا لا يجد منفذا.
اطفيش
تفسير : {تَبَارَكَ} تنزه عن صفات الخلق وقيل من البركة وهي التزيد والنمو أي كثرت نعمه وعظمت. {الَّذِى بِيَدِهِ المُلْكُ} في تصرفه السلطان والقدرة في الامور كلها الموجود وغيره ويعز من يشاء ويذل من يشاء وذكر اليد كناية عن الاحاطة بالاشياء. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} مما يصح تعليق القدرة به {قَدِيرٌ} اما ما كان كاتخاذ الصحابة فلا يقال قادر عليه ولا غير قادر.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ} البركة النمو والزيادة، كثرت خيراته الدينية والدنيوية والأُخروية وزيادتها مع الدوام، فإِما أن يقدر مضاف أَى تبارك خيرات الذى له الملك، أو يفسر بتعاظم بالذات عما سواه وإِنما تزداد أفعاله ومتعلقاتها، وأما صفاته فلا تزداد ولا تنقص وصيغة التفاعل للمبالغة لأَن المتفاعلين كل يعالج أن يكون غالباً فى الفعل، وذلك يستدعى تجويد الفعل أو كثرته تعنى الله عز وجل عن أن يغالبه أحد واستدل على ذلك بالإِسناد إِلى ما هو كالمشتق وهو الموصول باعتبار صلته، فإِن ثبوت الملك له وحده كالعلة لذلك وبيده الملك استعارة تمثيلية فلا تجوز فى بعض أفراده، وهى أولى من أن يجعل الملك حقيقة على حدة ويد مجازاً عن الإِحاطة والاستيلاء، وأَفاد ذلك على كل حال استغناءه تعالى واحتياج غيره إِليه كما قيل إِن العرف العامى أن الملك لا يطلق إِلا على ذلك وتقديم (بيده) للحصر. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} من إِبقاء الموجودات ذاتاً وعرضاً وإِفنائها وإِيجاد المعدوم، والجملة قبل هذه فى شأْن التخصيص بالموجود أَو عظم الشأْن.
الالوسي
تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } البركة النماء والزيادة حسية كانت أو عقلية وكثرة الخير ودوامه، ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار تعاليه جل وعلا عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك كما في نظائره مما لا يتصور نسبته إليه تعالى من الصيغ كالتكبر، وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، والصيغة حينئذ يجوز أن تكون لإفادة نماء تلك الخيرات وازديادها شيئاً فشيئاً وآناً فآناً بحسب حدوثها أو حدوث متعلقاتها، قيل: ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال وإنبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره سبحانه ولا استعمال غيرها من الصيغ في حقه تبارك وتعالى، وقد مر تمام الكلام في هذا المقام. وإسنادها إلى الموصول للاستشهاد بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها لأن المراد بذلك أنه سبحانه كامل الإحاطة والاستيلاء بناء على أن {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} استعارة تمثيلة لذلك ولا تجوز في شيء من مفرداته، أو أن (الملك) على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء كما قيل، ولاستدعاء ذلك استغناء المتصف به مع افتقار الغير إليه في وجوده وكمالات وجوده كان له اختصاص بالموجود، وكذلك في العرف العامي لا يطلق الملك على ما ليس كذلك فلذا قيل هنا في بيان معنى الآية: تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتاً وصفة وفعلاً الكامل الإحاطة والاستيلاء على كل موجود. وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تكميل لذلك لأن القرينة الأولى تدل على التصرف التام في الموجودات على مقتضى إرادته سبحانه ومشيئته من غير منازع ولا مدافع لا متصرف فيها غيره عز وجل كما يؤذن به تقديم الظرف، وهذه تدل على القدرة الكاملة الشاملة ولو اقتصر على الأولى لأوهم أن تصرفه تعالى مقصور على تغيير أحوال الملك كما يشاهد من تصرف الملاك المجازي فقرنت بالثانية ليؤذن بأنه عز سلطانه قادر على التصرف وعلى إيجاد الأعيان المتصرف فيها وعلى إيجاد عوارضها الذاتية وغيرها، ومن ثم عقب ذلك بالوصف المتضمن للعوارض، وهذا ما اختاره العلامة الطيبـي. وصاحبُ «الكشاف» اختار في القرينة الأولى ما ذكرناه فيها من التخصيص بالموجود فقال ((أي تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي بيده الملك على كل موجود لما سمعت، وفي الثانية التخصيص بالمعدوم فقال وهو على كل ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة قدير)) ووجهه على ما في «الكشف» أن الشيء وإن كان عاماً في كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه لكن لما قرن بالقدرة اختص بالمعدوم لاستغناء الموجود عن الفاعل عند جمهور المتكلمين القائلين بأن علة الاحتياج الحدوث، وعليه الزمخشري وأصحابه، وأما عند / القائلين بأن علة الاحتياج الإمكان كالمحققين فلأن الاختيار يستدعي سبق العدم، وجيء بالقرينة الثانية عليه تكميلاً أيضاً لأن الاختصاص بالموجود فيه إيهام نقص. واختار صاحب «التقريب» أن قوله تعالى {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} مطلق وقوله سبحانه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} عام لما وضع له الشيء فيكون قد قصد بيان القدرة أولاً وعمومها ثانياً ولم يرتض صنيع الزمخشري ونظر فيه بأن الشيء إما أن يختص بالموجود أو يشمل الموجود والمعدوم وعلى المذهبين فلا وجه لتخصيصه بما لم يوجد مع انضمام كل إليه اللهم إلا أن يقال خصصه به ليغاير ما قبله إذ خصصه بالموجود وفيه أيضاً نظر إذ لو عمم الثاني لتحقق التغاير أيضاً مع أن اليد مجاز عن القدرة فإن تخصصت به كما هو مذهبه تخصص الأول بالمعدوم وإن لم تتخصص لم يتخصص الثاني بالمعدوم، وادعى صاحب «الكشف» سقوطه بما نقلناه عنه واعترض عليه وأجيب بما لا يخلو عن نظر فليتأمل. ومن الناس من حمل (الملك) على الموجودات وجعل إليه مجازاً عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازاً عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف. وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى {بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} مالك الملك وفسر الراغب الملك في مثل ذلك ((بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم)) وشاع تخصيصه بعالم الشهادة ويقابله حينئذ الملكوت وليس بمراد هنا كما لا يخفى.
سيد قطب
تفسير : هذا الجزء كله من السور المكية. كما كان الجزء الذي سبقه كله من السور المدنية. ولكل منهما طابع مميز، وطعم خاص.. وبعض مطالع السور في هذا الجزء من بواكير ما نزل من القرآن كمطلع سورة "المدثر" ومطلع سورة "المزمل". كما أن فيه سوراً يحتمل أن تكون قد نزلت بعد البعثة بحوالي ثلاث سنوات كسورة "القلم". وبحوالي عشر سنوات كسورة "الجن" التي يروى أنها نزلت في عودة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف، حيث أوذي من ثقيف. ثم صرف الله إليه نفراً من الجن فاستمعوا إليه وهو يرتل القرآن، مما حكته سورة الجن في هذا الجزء. وكانت هذه الرحلة بعد وفاة خديجة وأبي طالب قبيل الهجرة بعام أو عامين. وإن كانت هناك رواية أخرى هي الأرجح بأن السورة نزلت في أوائل البعثة. والقرآن المكي يعالج ـ في الغالب ـ إنشاء العقيدة. في الله وفي الوحي، وفي اليوم الآخر. وإنشاء التصور المنبثق من هذه العقيدة لهذا الوجود وعلاقته بخالقه. والتعريف بالخالق تعريفاً يجعل الشعور به حياً في القلب، مؤثراً موجهاً موحياً بالمشاعر اللائقة بعبد يتجه إلى رب، وبالأدب الذي يلزمه العبد مع الرب، وبالقيم والموازين التي يزن بها المسلم الأشياء والأحداث والأشخاص. وقد رأينا نماذج من هذا في السور المكية السابقة، وسنرى نماذج منه في هذا الجزء. والقرآن المدني يعالج ـ في الغالب ـ تطبيق تلك العقيدة وذاك التصور وهذه الموازين في الحياة الواقعية؛ وحمل النفوس على الاضطلاع بأمانة العقيدة والشريعة في معترك الحياة، والنهوض بتكاليفها في عالم الضمير وعالم الظاهر سواء. وقد رأينا نماذج من هذا في السور المدنية السابقة ومنها سور الجزء الماضي. وهذه السورة الأولى ـ سورة تبارك ـ تعالج إنشاء تصور جديد للوجود وعلاقاته بخالق الوجود. تصور واسع شامل يتجاوز عالم الأرض الضيق وحيز الدنيا المحدود، إلى عوالم في السماوات، وإلى حياة في الآخرة. وإلى خلائق أخرى غير الإنسان في عالم الأرض كالجن والطير، وفي العالم الآخر كجهنم وخزنتها، وإلى عوالم في الغيب غير عالم الظاهر تعلق بها قلوب الناس ومشاعرهم، فلا تستغرق في الحياة الحاضرة الظاهرة، في هذه الأرض. كما أنها تثير في حسهم التأمل فيما بين أيديهم وفي واقع حياتهم وذواتهم مما يمرون به غافلين. وهي تهز في النفوس جميع الصور والانطباعات والرواسب الجامدة الهامدة المتخلفة من تصور الجاهلية وركودها؛ وتفتح المنافذ هنا وهناك، وتنفض الغبار، وتطلق الحواس والعقل والبصيرة ترتاد آفاق الكون، وأغوار النفس، وطباق الجو، ومسارب الماء، وخفايا الغيوب، فترى هناك يد الله المبدعة، وتحس حركة الوجود المنبعثة من قدرة الله. وتؤوب من الرحلة وقد شعرت أن الأمر أكبر، وأن المجال أوسع. وتحولت من الأرض ـ على سعتها ـ إلى السماء. ومن الظواهر إلى الحقائق. ومن الجمود إلى الحركة. مع حركة القدر، وحركة الحياة، وحركة الأحياء. الموت والحياة أمران مألوفان مكروران. ولكن السورة تبعث حركة التأمل فيما وراء الموت والحياة من قدر الله وبلائه، ومن حكمة الله وتدبيره: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور}. والسماء خلق ثابت أمام الأعين الجاهلة لا تتجاوزه إلى اليد التي أبدعته، ولا تلتفت لما فيه من كمال. ولكن السورة تبعث حركة التأمل والاستغراق في هذا الجمال والكمال وما وراءها من حركة وأهداف: {الذي خلق سبع سماوات طباقاً. ما ترى في خلق الرحمـن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور؟ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير.. ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين..}. والحياة الدنيا تبدو في الجاهلية غاية الوجود، ونهاية المطاف. ولكن السورة تكشف الستار عن عالم آخر هو حاضر للشياطين وللكافرين. وهو خلق آخر حافل بالحركة والتوفز والانتظار: {وأعتدنا لهم عذاب السعير. وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير. إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ. كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ: ألم يأتكم نذير. قالوا: بلى! قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا: ما نزل الله من شيء؛ إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير!}. والنفوس في الجاهلية لا تكاد تتجاوز هذا الظاهر الذي تعيش فيه، ولا تلقي بالاً إلى الغيب وما يحتويه. وهي مستغرقة في الحياة الدنيا محبوسة في قفص الأرض الثابتة المستقرة. فالسورة تشد قلوبهم وأنظارهم إلى الغيب وإلى السماء وإلى القدرة التي لم ترها عين، ولكنها قادرة تفعل ما تشاء حيث تشاء وحين تشاء؛ وتهز في حسهم هذه الأرض الثابتة التي يطمئنون إليها ويستغرقون فيها {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير. وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور. أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور؟ أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصباً؟ فستعلمون كيف نذير}.. والطير. إنه خلق يرونه كثيراً ولا يتدبرون معجزته إلا قليلاً. ولكن السورة تمسك بأبصارهم لتنظر وبقلوبهم لتتدبر، وترى قدرة الله الذي صور وقدر: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن؟ ما يمسكهن إلا الرحمـن، إنه بكل شيء بصير}. وهم آمنون في دارهم، مطمئنون إلى مكانهم، طمأنينة الغافل عن قدرة الله وقدره. ولكن السورة تهزهم من هذا السبات النفسي، بعد أن هزت الأرض من تحتهم وأثارت الجو من حولهم، تهزهم على قهر الله وجبروته الذي لا يحسبون حسابه: {أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن؟ إن الكافرون إلا في غرور}. والرزق الذي تناله أيديهم، إنه في حسهم قريب الأسباب، وهي بينهم تنافس وغلاب. ولكن السورة تمد أبصارهم بعيداً هنالك في السماء، ووراء الأسباب المعلومة لهم كما يظنون: {أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه؟ بل لجوا في عتو ونفور}.. وهم سادرون في غيهم يحسبون أنهم مهتدون وهم ضالون. فالسورة ترسم لهم حقيقة حالهم وحال المهتدين حقاً، في صورة متحركة موحية: {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى؟ أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم؟}. وهم لا ينتفعون بما رزقهم الله في ذوات أنفسهم من استعدادات ومدارك؛ ولا يتجاوزون ما تراه حواسهم إلى التدبر فيما وراء هذا الواقع القريب. فالسورة تذكرهم بنعمة الله فيما وهبهم، وتوجههم إلى استخدام هذه الهبة في تنور المستقبل المغيب وراء الحاضر الظاهر، وتدبر الغاية من هذه البداية: {قل: هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون. قل: هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون}.. وهم يكذبون بالبعث والحشر، ويسألون عن موعده. فالسورة تصوره لهم واقعاً مفاجئاً قريباً يسؤوهم أن يكون: {ويقولون: متى هـذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل إنما العلم عند الله، وإنمآ أنا نذير مبين. فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا، وقيل: هـذا الذي كنتم به تدعون!}.. وهم يتربصون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه أن يهلكوا فيستريحوا من هذا الصوت الذي يقض عليهم مضجعهم بالتذكير والتحذير والإيقاظ من راحة الجمود! فالسورة تذكرهم بأن هلاك الحفنة المؤمنة أو بقاءها لا يؤثر فيما ينتظرهم هم من عذاب الله على الكفر والتكذيب، فأولى لهم أن يتدبروا أمرهم وحالهم قبل ذلك اليوم العصيب: {قل: أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟ قل: هو الرحمـن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين}. وتنذرهم السورة في ختامها بتوقع ذهاب الماء الذي به يعيشون، والذي يجريه هو الله الذي به يكفرون! {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين؟}.. إنها حركة. حركة في الحواس، وفي الحس، وفي التفكير، وفي الشعور. ومفتاح السورة كلها. ومحورها الذي تشد إليه تلك الحركة فيها، هو مطلعها الجامع الموحي: {تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير}.. وعن حقيقة الملك وحقيقة القدرة تتفرع سائر الصور التي عرضتها السورة، وسائر الحركات المغيبة والظاهرة التي نبهت القلوب إليها.. فمن الملك ومن القدرة كان خلق الموت والحياة. وكان الابتلاء بهما. وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح وجعلها رجوماً للشياطين. وكان إعداد جهنم بوصفها وهيئتها وخزنتها. وكان العلم بالسر والجهر. وكان جعل الأرض ذلولاً للبشر. وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذبين الأولين. وكان إمساك الطير في السماء. وكان القهر والاستعلاء. وكان الرزق كما يشاء. وكان الإنشاء وهبة السمع والأبصار والأفئدة. وكان الذرء في الأرض والحشر. وكان الاختصاص بعلم الآخرة. وكان عذاب الكافرين. وكان الماء الذي به الحياة وكان الذهاب به عندما يريد.. فكل حقائق السورة وموضوعاتها، وكل صورها وإيحاءاتها مستمدة من إيحاء ذلك المطلع ومدلوله الشامل الكبير: {تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير}!! وحقائق السورة وإيحاءاتها تتوالى في السياق، وتتدفق بلا توقف، مفسرة مدلول المطلع المجمل الشامل، مما يصعب معه تقسيمها إلى مقاطع! ويستحسن معه استعراضها في سياقها بالتفصيل: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير}.. هذه التسبيحة في مطلع السورة توحي بزيادة بركة الله ومضاعفتها، وتمجيد هذه البركة الرابية الفائضة. وذكر الملك بجوارها يوحي بفيض هذه البركة على هذا الملك، وتمجيدها في الكون بعد تمجيدها في جناب الذات الإلهية. وهي ترنيمة تتجاوب بها أرجاء الوجود، ويعمر بها قلب كل موجود. وهي تنطلق من النطق الإلهي في كتابه الكريم، من الكتاب المكنون، إلى الكون المعلوم. {تبارك الذي بيده الملك}.. فهو المالك له، المهيمن عليه، القابض على ناصيته، المتصرف فيه.. وهي حقيقة. حين تستقر في الضمير تحدد له الوجهة والمصير؛ وتخليه من التوجه أو الاعتماد أو الطلب من غير المالك المهيمن المتصرف في هذا الملك بلا شريك؛ كما تخليه من العبودية والعبادة لغير المالك الواحد، والسيد الفريد! {وهو على كل شيء قدير}.. فلا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، ولا يحول دون إرادته شيء، ولا يحد مشيئته شيء. يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد، وهو قادر على ما يريده غالب على أمره؛ لا تتعلق بإرادته حدود ولا قيود.. وهي حقيقة حين تستقر في الضمير تطلق تصوره لمشيئة الله وفعله من كل قيد يرد عليه من مألوف الحس أو مألوف العقل أو مألوف الخيال! فقدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال.. والقيود التي ترد على تصور البشر بحكم تكوينهم المحدود تجعلهم أسرى لما يألفون في تقدير ما يتوقعون من تغيير وتبديل فيما وراء اللحظة الحاضرة والواقع المحدود. فهذه الحقيقة تطلق حسهم من هذا الإسار. فيتوقعون من قدرة الله كل شيء بلا حدود. ويكلون لقدرة الله كل شيء بلا قيود. وينطلقون من أسر اللحظة الحاضرة والواقع المحدود. {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور}.. ومن آثار تمكنه المطلق من الملك وتصريفه له، وآثاره قدرته على كل شيء وطلاقة إرادته.. أنه خلق الموت والحياة. والموت يشمل الموت السابق على الحياة والموت اللاحق لها. والحياة تشمل الحياة الأولى والحياة الآخرة. وكلها من خلق الله كما تقرر هذه الآية، التي تنشئ هذه الحقيقة في التصور الإنساني؛ وتثير إلى جانبها اليقظة لما وراءها من قصد وابتلاء. فليست المسألة مصادفة بلا تدبير. وليست كذلك جزافاً بلا غاية. إنما هو الابتلاء لإظهار المكنون في علم الله من سلوك الأناسي على الأرض، واستحقاقهم للجزاء على العمل: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.. واستقرار هذه الحقيقة في الضمير يدعه أبداً يقظاً حذراً متلفتاً واعياً للصغيرة والكبيرة في النية المستسرة والعمل الظاهر. ولا يدعه يغفل أو يلهو. كذلك لا يدعه يطمئن أو يستريح. ومن ثم يجيء التعقيب: {وهو العزيز الغفور} ليسكب الطمأنينة في القلب الذي يرعى الله ويخشاه. فالله عزيز غالب ولكنه غفور مسامح. فإذا استيقظ القلب، وشعر أنه هنا للابتلاء والاختبار، وحذر وتوقى، فإن له أن يطمئن إلى غفران الله ورحمته وأن يقر عندها ويستريح! إن الله في الحقيقة التي يصورها الإسلام لتستقر في القلوب، لا يطارد البشر، ولا يعنتهم، ولا يحب أن يعذبهم. إنما يريد لهم أن يتيقظوا لغاية وجودهم؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى حقيقتهم؛ وأن يحققوا تكريم الله لهم بنفخة روحه في هذا الكيان وتفضيله على كثير من خلقه. فإذا تم لهم هذا فهناك الرحمة السابغة والعون الكبير والسماحة الواسعة والعفو عن كثير. ثم يربط هذه الحقيقة بالكون كله في أكبر وأرفع مجاليه؛ كما يربط به من الناحية الأخرى حقيقة الجزاء في الآخرة، بعد الابتلاء بالموت والحياة: {الذي خلق سبع سماوات طباقاً، ما ترى في خلق الرحمـن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور؟ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير. ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجوماً للشياطين، وأعتدنا لهم عذاب السعير. وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم، وبئس المصير. إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ، كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ: ألم يأتكم نذير؟ قالوا: بلى! قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا: ما نزل الله من شيء، إن أنتم إلا في ضلال كبير. وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير!}. وكل ما في هذه الآيات آثار لمدلول الآية الأولى، ومظاهر للهيمنة المتصرفة في الملك، وللقدرة التي لا يقيدها قيد. ثم هي بعد ذلك تصديق للآية الثانية من خلق الموت والحياة للابتلاء، ثم الجزاء.. والسماوات السبع الطباق التي تشير إليها لا يمكن الجزم بمدلولها، استقاء من نظريات الفلك، فهذه النظريات قابلة للتعديل والتصحيح، كلما تقدمت وسائل الرصد والكشف. ولا يجوز تعليق مدلول الآية بمثل هذه الكشوف القابلة للتعديل والتصحيح. ويكفي أن نعرف أن هناك سبع سماوات. وأنها طباق بمعنى أنها طبقات على أبعاد متفاوته. والقرآن يوجه النظر إلى خلق الله، في السماوات بصفة خاصة وفي كل ما خلق بصفة عامة. يوجه النظر إلى خلق الله، وهو يتحدى بكماله كمالاً يرد البصر عاجزاً كليلاً مبهوراً مدهوشاً. {ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت}.. فليس هناك خلل ولا نقص ولا اضطراب.. {فارجع البصر}.. وانظر مرة أخرى للتأكد والتثبت {هل ترى من فطور؟}.. وهل وقع نظرك على شق أو صدع أو خلل؟ {ثم ارجع البصر كرتين} فربما فاتك شيء في النظرة السابقة لم تتبينه، فأعد النظر ثم أعده {ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير}.. وأسلوب التحدي من شأنه أن يثير الاهتمام والجد في النظر إلى السماوات وإلى خلق الله كله. وهذه النظرة الحادة الفاحصة المتأملة المتدبرة هي التي يريد القرآن أن يثيرها وأن يبعثها. فبلادة الألفة تذهب بروعة النظرة إلى هذا الكون الرائع العجيب الجميل الدقيق، الذي لا تشبع العين من تملي جماله وروعته، ولا يشبع القلب من تلقي إيحاءاته وإيماءاته؛ ولا يشبع العقل من تدبر نظامه ودقته. والذي يعيش منه من يتأمله بهذه العين في مهرجان إلهي باهر رائع، لا تخلق بدائعه، لأنها أبداً متجددة للعين والقلب والعقل. والذي يعرف شيئاً عن طبيعة هذا الكون ونظامه ـ كما كشف العلم الحديث عن جوانب منها ـ يدركه الدهش والذهول. ولكن روعة الكون لا تحتاج إلى هذا العلم. فمن نعمة الله على البشر أن أودعهم القدرة على التجاوب مع هذا الكون بمجرد النظر والتأمل؛ فالقلب يتلقى إيقاعات هذا الكون الهائل الجميل تلقياً مباشراً حين يتفتح ويستشرف. ثم يتجاوب مع هذه الإيقاعات تجاوب الحي مع الحي؛ قبل أن يعلم بفكره وبأرصاده شيئاً عن هذا الخلق الهائل العجيب. ومن ثم يكل القرآن الناس إلى النظر في هذا الكون، وإلى تملي مشاهدة وعجائبه. ذلك أن القرآن يخاطب الناس جميعاً، وفي كل عصر. يخاطب ساكن الغابة وساكن الصحراء، كما يخاطب ساكن المدينة ورائد البحار. وهو يخاطب الأمي الذي لم يقرأ ولم يخط حرفاً، كما يخاطب العالم الفلكي والعالم الطبيعي والعالم النظري سواء. وكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون، وما يثير في قلبه التأمل والاستجابة والمتاع. والجمال في تصميم هذا الكون مقصود كالكمال. بل إنهما اعتباران لحقيقة واحدة. فالكمال يبلغ درجة الجمال. ومن ثم يوجه القرآن النظر إلى جمال السماوات بعد أن وجه النظر إلى كمالها: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح}.. وما السماء الدينا؟ لعلها هي الأقرب إلى الأرض وسكانها المخاطبين بهذا القرآن. ولعل المصابيح المشار إليها هنا هي النجوم والكواكب الظاهرة للعين، التي نراها حين ننظر إلى السماء. فذلك يتسق مع توجيه المخاطبين إلى النظر في السماء. وما كانوا يملكون إلا عيونهم، وما تراه من أجرام مضيئة تزين السماء. ومشهد النجوم في السماء جميل. ما في هذا شك. جميل جمالاً يأخذ بالقلوب. وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه بتعدد أوقاته؛ ويختلف من صباح إلى مساء، ومن شروق إلى غروب، ومن الليلة القمراء إلى الليلة الظلماء. ومن مشهد الصفاء إلى مشهد الضباب والسحاب.. بل إنه ليختلف من ساعة لساعة. ومن مرصد لمرصد.. زمن زاوية لزاوية.. وكله جمال وكله يأخذ بالألباب. هذه النجمة الفريدة التي توصوص هناك، وكأنها عين جميلة، تلتمع بالمحبة والنداء! وهاتان النجمتان المنفردتان هناك، وقد خلصتا من الزحام تتناجيان! وهذه المجموعات المتضامة المتناثرة هنا وهناك، وكأنها في حلقة سمر في مهرجان السماء. وهي تجتمع وتفترق كأنها رفاق ليلة في مهرجان! وهذا القمر الحالم الساهي ليلة. والزاهي المزهو ليلة. والمنكسر الخفيض ليلة. والوليد المتفتح للحياة ليلة. والفاني الذي يدلف للفناء ليلة..! وهذا الفضاء الوسيع الذي لا يمل البصر امتداده، ولا يبلغ البصر آماده. إنه الجمال. الجمال الذي يملك الإنسان أن يعيشه ويتملاه، ولكن لا يجد له وصفاً فيما يملك من الألفاظ والعبارات! والقرآن يوجه النفس إلى جمال السماء، وإلى جمال الكون كله، لأن إدراك جمال الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك جمال خالق الوجود. وهذا الإدراك هو الذي يرفع الإنسان إلى أعلى أفق يمكن أن يبلغه، لأنه حينئذ يصل إلى النقطة التي يتهيأ فيها للحياة الخالدة، في عالم طليق جميل، بريء من شوائب العالم الأرضي والحياة الأرضية. وإن أسعد لحظات القلب البشري لهي اللحظات التي يتقبل فيها جمال الإبداع الإلهي في الكون. ذلك أنها هي اللحظات التي تهيئه وتمهد له ليتصل بالجمال الإلهي ذاته ويتملاه. ويذكر النص القرآن هنا أن هذه المصابيح التي زين الله السماء الدنيا بها هي كذلك ذات وظيفة أخرى: {وجعلناها رجوماً للشياطين}.. وقد جرينا في هذه الظلال على قاعدة ألا نتزيد بشيء في أمر الغيبيات التي يقص الله علينا طرفاً من خبرها؛ وأن نقف عند حدود النص القرآني لا نتعداه. وهو كاف بذاته لإثبات ما يعرض له من أمور. فنحن نؤمن أن هناك خلقاً اسمهم الشياطين، وردت بعض صفاتهم في القرآن، وسبقت الإشارة إليها في هذه الظلال، ولا نزيد عليها شيئاً ونحن نؤمن أن الله جعل من هذه المصابيح التي تزين السماء الدنيا رجوماً للشياطين، في صورة شهب كما جاء في سورة أخرى: {أية : وحفظاً من كل شيطان مارد}.. {أية : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب}.. تفسير : كيف؟ من أي حجم؟ في أية صورة؟ كل ذلك لم يقل لنا الله عنه شيئاً، وليس لنا مصدر آخر يجوز استفتاؤه في مثل هذا الشأن. فلنعلم هذا وحده ولنؤمن بوقوعه. وهذا هو المقصود. ولو علم الله أن هناك خيراً في الزيادة أو الإيضاح أو التفصيل لفصل سبحانه. فما لنا نحن نحاول ما لم يعلم الله أن فيه خيراً؟: في مثل هذا الأمر. أمر رجم الشياطين؟! ثم يستطرد فيما أعده الله للشياطين غير المرجوم: {وأعتدنا لهم عذاب السعير}.. فالرجوح في الدنيا وعذاب السعير في الآخرة لأولئك الشياطين. ولعل مناسبة ذكر هذا، الذي أعده الله للشياطين في الدنيا والآخرة هي ذكر السماء أولاً، ثم ما يجيء بعد من ذكر الذين كفروا. والعلاقة بين الشياطين والذين كفروا علاقة ملحوظة. فلما ذكر مصابيح السماء ذكر اتخاذها رجوماً للشياطين. ولما ذكر ما أعد للشياطين من عذاب السعير ذكر بعده ما أعده للذين كفروا من أتباع هؤلاء الشياطين: {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير}.. ثم يرسم مشهداً لجهنم هذه، وهي تستقبل الذين كفروا في غيظ وحنق شديد: {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ!}.. وجهنم هنا مخلوقة حية، تكظم غيظها، فترتفع أنفاسها في شهيق وتفور؛ ويملأ جوانحها الغيظ فتكاد تتمزق من الغيظ الكظيم وهي تنطوي على بغض وكره يبلغ إلى حد الغيظ والحنق على الكافرين! والتعبير في ظاهره يبدو مجازاً تصويرياً لحالة جهنم. ولكنه ـ فيما نحس ـ يقرر حقيقة. فكل خليقة من خلائق الله حية ذات روح من نوعها. وكل خليقة تعرف ربها وتسبح بحمده؛ وتدهش حين ترى الإنسان يكفر بخالقه، وتتغيظ لهذا الجحود المنكر الذي تنكره فطرتها وتنفر منه روحها. وهذه الحقيقة وردت في القرآن في مواضع شتى تشعر بأنها تقرر حقيقة مكنونة في كل شيء في هذا الوجود. فقد جاء بصريح العبارة في القرآن: {أية : تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.. تفسير : وورد كذلك: {أية : يا جبال أوبي معه والطير}.. تفسير : وهي تعبيرات صريحة مباشرة لا مجال فيها للتأويل. كذلك ورد {أية : ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتآ: أتينا طآئعين}..تفسير : مما يحتمل أن يقال فيه إنه مجاز تصويري لحقيقة خضوع السماء والأرض لناموس الله. ولكن هذا التأويل لا ضرورة له. بل هو أبعد من المعنى المباشر الصريح. ووردت صفة جهنم هذه. كما ورد في موضع آخر تعبير عن دهشة الكائنات وغيظها للشرك بربها: {أية : لقد جئتم شيئاً إدًّا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدَّا، أن دعوا للرحمـن ولداَ، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا }.. تفسير : وكل هذه النصوص تشير إلى حقيقة، حقيقة إيمان الوجود كله بخالقه، وتسبيح كل شيء بحمده. ودهشة الخلائق وراتياعها لشذوذ الإنسان حين يكفر، ويشذ عن هذا الموكب؛ وتحفز هذه الخلائق للانقضاض على الإنسان في غيظ وحنق؛ كالذي يطعن في عزيز عليه كريم على نفسه، فيغتاظ ويحنق، ويكاد من الغيظ يتمزق. كما هو حال جهنم وهي: {تفور. تكاد تميز من الغيظ!}. كذلك نلمح هذه الظاهرة في خزنة جهنم: {كلما القي فيها فوج سألهم خزنها. ألم يأتكم نذير؟}.. وواضح أن هذا السؤال في هذا الموضع هو للتأنيب والترذيل. فهي مشاركة لجهنم في الغيظ والحنق. كما هي مشاركة لها في التعذيب. وليس أمرّ من الترذيل والتأنيب للضائق المكروب! والجواب في ذلة وانكسار واعتراف بالحمق والغفلة، بعد التبجح والإنكار واتهام الرسل بالضلال: {قالوا: بلى! قد جآءنا نذير فكذبنا، وقلنا: ما نزل الله من شيء. إن أنتم إلا في ضلال كبير. وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير!}.. فالذي يسمع أو يعقل، لا يورد نفسه هذا المورد الوبيء. ولا يجحد بمثل ما جحد به أولئك المناكيد. ولا يسارع باتهام الرسل بالضلال على هذا النحو المتبجح الوقح، الذي لا يستند في الإنكار إلى دليل. ثم ينكر ويدعي ذلك الادعاء العريض على رسل الله الصادقين يقول: {ما نزل الله من شيء: إن أنتم إلا في ضلال كبير}! {فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير}.. والسحق البعد. وهو دعاء عليهم من الله بعد اعترافهم بذنبهم في الموقف الذي لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بوقوعه. والدعاء من الله قضاء. فهم مبعدون من رحمته. لا رجاء لهم في مغفرة، ولا إقالة لهم من عذاب. وهم أصحاب السعير الملازمون له. ويا لها من صحبة! ويا له من مصير! وهذا العذاب، عذاب السعير، في جهنم التي تشهق بأنفاسها وهي تفور، عذاب شديد مروع حقاً. والله لا يظلم أحداً. ونحسب ـ والله أعلم ـ أن النفس التي تكفر بربها ـ وقد أودع فطرتها حقيقة الإيمان ودليله ـ هي نفس فرغت من كل خير. كما فرغت من كل صفة تجعل لها اعتباراً في الوجود، فهي كالحجر الذي توقد به جهنم. وقد انتهت إلى نكسة وارتكاس مكانها هذه النار، إلى غير نجاة منها ولا فرار! والنفس التي تكفر بالله في الأرض تظل تنتكس وترتكس في كل يوم تعيشه، حتى تنتهي إلى صورة بشعة مسيخة شنيعة، صورة منكرة جهنمية نكيرة. صورة لا يماثلها شيء في هذا الكون في بشاعتها ومسخها وشناعتها. فكل شيء روحه مؤمنة، وكل شيء يسبح بحمد ربه، وكل شيء فيه هذا الخير، وفيه هذه الوشيجة التي تشده إلى محور الوجود.. ما عدا هذه النفوس الشاردة المفلتة من أواصر الوجود، الآبدة الشريرة، الجاسية الممسوخة النفور. فأي مكان في الوجود كله تنتنهي إليه، وهي مبتوتة الصلة بكل شيء في الوجود؟ إنها تنتهي إلى جهنم المتغيظة المتلمظة، الحارقة، المهدرة لكل معنى ولكل حق ولكل كرامة؛ بعد أن لم يعد لتلك النفوس معنى ولا حق ولا كرامة! والمألوف في سياق القرآن أن يعرض صفحتين متقابلتين في مشاهد القيامة. فهو يعرض هنا صفحة المؤمنين في مقابل صفحة الكافرين، تتمة لمدلول الآية الثانية في السورة: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.. بذكر الجزاء بعد ذكر الابتلاء: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب، لهم مغفرة وأجر كبير}.. والغيب المشار إليه هنا يشمل خشيتهم لربهم الذي لم يروه، كما يشمل خشيتهم لربهم وهم في خفية عن الأعين، وكلاهما معنى كبير، وشعور نظيف، وإدراك بصير. يؤهل الجزاء العظيم الذي يذكره السياق في إجمال: وهو المغفرة والتكفير، والأجر الكبير، ووصل القلب بالله في السر والخفية، وبالغيب الذي لا تطلع عليه العيون، هو ميزان الحساسية في القلب البشري وضمانة الحياة للضمير.. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس، قال: قالوا: "حديث : يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره. قال: "كيف أنتم وربكم؟" قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: ليس ذلكم النفاق ".. تفسير : فالصلة بالله هي الأصل. فمتى انعقدت في القلب فهو مؤمن صادق موصول. وهذه الآية السابقة تربط ما قبلها في السياق بما بعدها، في تقرير علم الله بالسر والجهر، وهو يتحدى البشر. وهو الذي خلق نفوسهم، ويعلم مداخلها ومكامنها، التي أودعها إياها: {وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق؛ وهو اللطيف الخبير؟}. أسروا أو اجهروا فهو مكشوف لعلم الله سواء. وهو يعلم ما هو أخفى من الجهر والسر. {إنه عليم بذات الصدور} التي لم تفارق الصدور! عليم بها، فهو الذي خلقها في الصدور، كما خلق الصدور! {ألا يعلم من خلق؟} ألا يعلم وهو الذي خلق؟ {وهو اللطيف الخبير؟} الذي يصل علمه إلى الدقيق الصغير والخفي المستور. إن البشر وهم يحاولون التخفي من الله بحركة أو سر أو نية في الضمير، يبدون مضحكين! فالضمير الذي يخفون فيه نيتهم من خلق الله، وهو يعلم دروبه وخفاياه. والنية التي يخفونها هي كذلك من خلقه وهو يعلمها ويعلم أين تكون. فماذا يخفون؟ وأين يستخفون؟ والقرآن يعنى بتقرير هذه الحقيقة في الضمير. لأن استقرارها فيه ينشئ له إدراكاً صحيحاً للأمور. فوق ما يودعه هناك من يقظة وحساسية وتقوى، تناط بها الأمانة التي يحملها المؤمن في هذه الأرض. أمانة العقيدة وأمانة العدالة، وأمانة التجرد لله في العمل والنية. وهو لا يتحقق إلا حين يستيقن القلب أنه هو وما يكمن فيه من سر ونية هو من خلق الله الذي يعلمه الله. وهو اللطيف الخبير.. عندئذ يتقي المؤمن النية المكنونة، والهاجس الدفين، كما يتقي الحركة المنظورة، والصوت الجهير. وهو يتعامل مع الله الذي يعلم السر والجهر، الله الذي خلق الصدور فهو يعلم ما في الصدور. ثم ينتقل بهم السياق من ذوات أنفسهم التي خلقها الله، إلى الأرض التي خلقها لهم، وذللها وأودعها أسباب الحياة: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور}.. والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض؛ وسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها، واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها وقواها وأرزاقها جميعاً.. ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة، ويبصرهم بها، في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد وكل جيل بقدر ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول. والأرض الذلول كانت تعني في أذهان المخاطبين القدامى، هذه الأرض المذللة للسير فيها بالقدم وعلى الدابة، وبالفلك التي تمخر البحار. والمذللة للزرع والجني والحصاد. والمذللة للحياة فيها بما تحويه من هواء وماء وتربة تصلح للزرع والإنبات. وهي مدلولات مجملة يفصلها العلم ـ فيما اهتدى إليه حتى اليوم ـ تفصيلاً يمد في مساحة النص القرآني في الإدراك. فمما يقوله العلم في مدلول الأرض الذلول: إن هذا الوصف: {ذلولاً}.. الذي يطلق عادة على الدابة، مقصودة في إطلاقه على الأرض! فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة.. بل رامحة راكضة مهطعة!! وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول! ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول! إن هذه الدابة التي نركبها تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، ثم تدور مع هذا حول الشمس بسرعة حوالي خمسة وستين ألف ميل في الساعة. ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة، مبتعدة نحو برج الجبار في السماء.. ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمناً مستريحاً مطمئناً معافى لا تتمزق أوصاله، ولا تتناثر أشلاؤه، بل لا يرتج مخه ولا يدوخ، ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول! وهذه الحركات الثلاث لها حكمة. وقد عرفنا أثر اثنتين منها في حياة هذا الإنسان، بل في الحياة كلها على ظهر هذه الأرض. فدورة الأرض حول نفسها هي التي ينشأ عنها الليل والنهار. ولو كان الليل سرمداً لجمدت الحياة كلها من البرد، ولو كان النهار سرمداً لاحترقت الحياة كلها من الحر.. ودورتها حول الشمس هي التي تنشأ عنها الفصول. ولو دام فصل واحد على الأرض ما قامت الحياة في شكلها هذا كما أرادها الله. أما الحركة الثالثة ـ فلم يكشف ستار الغيب عن حكمتها بعد. ولا بد أن لها ارتباطاً بالتناسق الكوني الكبير. وهذه الدابة الذلول التي تتحرك كل هذه الحركات الهائلة في وقت واحد، ثابتة على وضع واحد في أثناء الحركة ـ يحدده ميل محورها بمقدار23.5ْ لأن هذا الميل هو الذي تنشأ عنه الفصول الأربعة مع حركة الأرض حول الشمس، والذي لو اختل في أثناء الحركة لاختلت الفصول التي تترتب عليها دورة النبات بل دورة الحياة كلها في هذه الحياة الدنيا! والله جعل الأرض ذلولاً للبشر بأن جعل لها جاذبية تشدهم إليها في أثناء حركاتها الكبرى، كما جعل لها ضغطاً جوياً يسمح بسهولة الحركة فوقها. ولو كان الضغط الجوي أثقل من هذا لتعذر أو تعسر على الإنسان أن يسير ويتنقل ـ حسب درجة ثقل الضغط ـ فإما أن يسحقه أو يعوقه. ولو كان أخف لاضطربت خطى الإنسان أو لانفجرت تجاويفه لزيادة ضغطه الذاتي على ضغط الهواء حوله، كما يقع لمن يرتفعون في طبقات الجو العليا بدون تكييف لضغط الهواء! والله جعل الأرض ذلولاً ببسط سطحها وتكوين هذه التربة اللينة فوق السطح. ولو كانت صخوراً صلدة - كما يفترض العلم بعد برودها وتجمدها - لتعذر السير فيها، ولتعذر الإنبات. ولكن العوامل الجوية من هواء وأمطار وغيرها هي التي فتتت هذه الصخور الصلدة، وأنشأ الله بها هذه التربة الخصبة الصالحة للحياة. وأنشأ ما فيها من النبات والأرزاق التي يحلبها راكبو هذه الدابة الذلول! والله جعل الأرض ذلولاً بأن جعل الهواء المحيط بها محتوياً للعناصر التي تحتاج الحياة إليها، بالنسب الدقيقة التي لو اختلت ما قامت الحياة، وما عاشت إن قدر لها أن تقوم من الأساس. فنسبة الأكسجين فيه هي 21% تقريباً ونسبة الأزوت أو النتروجين هي 78% تقريباً والبقية من ثاني أكسيد الكربون بنسبة ثلاثة أجزاء من عشرة آلاف وعناصر أخرى. وهذه النسب هي اللازمة بالضبط لقيام الحياة على الأرض! والله جعل الأرض ذلولاً بآلاف من هذه الموافقات الضرورية لقيام الحياة.. ومنها حجم الأرض وحجم الشمس والقمر، وبعد الأرض عن الشمس والقمر. ودرجة حرارة الشمس. وسمك قشرة الأرض. ودرجة سرعتها. وميل محورها. ونسبة توزيع الماء واليابس فيها. وكثافة الهواء المحيط بها.. إلى آخره.. إلى آخره. وهذه الموافقات مجتمعة هي التي جعلت الأرض ذولاً.. وهي التي جعلت فيها رزقاً، وهي التي سمحت بوجود الحياة، وبحياة هذا الإنسان على وجه خاص. والنص القرآني يشير إلى هذه الحقائق ليعيها كل فرد وكل جيل بالقدر الذي يطيق، وبالقدر الذي يبلغ إليه علمه وملاحظته، ليشعر بيد الله ـ الذي بيده الملك ـ وهي تتولاه وتتولى كل شيء حوله، وتذلل له الأرض، وتحفظه وتحفظها. ولو تراخت لحظة واحدة عن الحفظ لاختل هذا الكون كله وتحطم بمن عليه وما عليه! فإذا استيقظ ضميره لهذه الحقيقة الهائلة أذن له الخالق الرحمن الرحيم بالمشي في مناكبها والأكل من رزقه فيها: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}. والمناكب المرتفعات، أو الجوانب. وإذا أذن له بالمشي في مناكبها فقد أذن له بالمشي في سهولها وبطاحها من باب أولى. فمتى أذن له في الشموس منها فقد أذن له في الذلول! والرزق الذي فيها كله من خلقه، وكله من ملكه، وهو أوسع مدلولاً مما يتبادر إلى أذهان الناس من كلمة الرزق. فليس هو المال الذي يجده أحدهم في يده، ليحصل به على حاجياته ومتاعه. إنما هو كل ما أودعه الله هذه الأرض، من أسباب الرزق ومكوناته. وهي في الأصل ترجع إلى طبيعة تكوين الأرض من عناصرها التي تكونت منها، وطبيعة تقسيم هذه العناصر بهذه النسب التي وجدت بها. ثم القدرة التي أودعها الله النبات والحيوان ـ ومنه الإنسان ـ على الانتفاع بهذه العناصر. وفي اختصار نشير إلى أطراف من حقيقة الرزق بهذا المعنى: "تعتمد حياة كل نبات كما هو معروف على المقادير التي تكاد تكون متناهية في الصغر من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، والتي يمكن القول بأنها تتنسمها. ولكي نوضح هذا التفاعل الكيماوي المركب المختص بالتركيب الضوئي بأبسط طريقة ممكنة نقول: "إن أوراق الشجر هي رئات، وإن لها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني أكسيد الكربون العنيد إلى كربون وأكسجين. وبتعبير آخر يلفظ الأكسجين ويحتفظ بالكربون متحداً مع هيدروجين الماء الذي يستمده النبات من جذوره (حيث يفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين). وبكيمياء سحرية تصنع الطبيعة من هذه العناصر سكراً أو سليلوزا ومواد كيمائية أخرى عديدة، وفواكه وأزهارا. ويغذي النبات نفسه، وينتج فائضاً يكفي لتغذية كل حيوان على وجه الأرض. وفي الوقت نفسه يلفظ النبات الأكسجين الذي نتنسمه والذي بدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق." "وهكذا نجد أن جميع النباتات والغابات والأعشاب وكل قطعة من الطحلب، وكل ما يتعلق بمياه الزرع، تبني تكوينها من الكربون والماء على الأخص. والحيوانات تلفظ ثاني أكسيد الكربون، بينما تلفظ النباتات الأكسجين. ولو كانت هذه المقايضة غير قائمة، فإن الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النهاية كل الأكسجين، أو كل ثاني أكسيد الكربون تقريباً. ومتى انقلب التوازن تماماً ذوى النبات أو مات الإنسان، فيلحق به الآخر وشيكاً. وقد اكتشف أخيراً أن وجود ثاني أكسيد الكربون بمقادير صغيرة هو أيضاً ضروري لمعظم حياة الحيوان، كما اكتشف أن النباتات تستخدم بعض الأكسجين". "ويجب أن يضاف الهيدروجين أيضاً، وإن كنا لا نتنسمه. فبدون الهيدروجين كان الماء لا يوجد. ونسبة الماء من المادة الحيوانية أو النباتية هي كبيرة لدرجة تدعو إلى الدهشة ولا غنى عنه مطلقاً". وهناك دور الأزوت أو النتروجين في رزق الأرض. "وبدون النتروجين في شكل ما لا يمكن أن ينمو أي من النباتات الغذائية. وإحدى الوسيلتين اللتين يدخل بها النتروجين في التربة الزراعية هي طريق نشاط جراثيم "بكتريا" معينة تسكن في جذور النباتات البقلية، مثل البرسيم والحمص والبسلة والفول وكثير غيرها. وهذه الجراثيم تأخذ نتروجين الهواء وتحيله إلى نتروجين مركب قابل لأن يمتصه النبات وحين يموت النبات يبقى بعض هذا النتروجين المركب في الأرض". "وهناك طريقة أخرى يدخل بها النتروجين إلى الأرض. وذلك عن طريق عواصف الرعد. وكلما ومض برق خلال الهواء، وحد بين قدر قليل من الأكسجين وبين النتروجين، فيسقطه المطر إلى الأرض كنتروجين مركب" (أي في الصورة التي يستطيع النبات امتصاصها لأنه لا يقدر على امتصاص النتروجين الخالص من الهواء ونسبته فيه حوالي 78% كما اسلفنا). والأرزاق المخبوءة في جوف الأرض من معادن جامدة وسائلة كلها ترجع إلى طبيعة تكوين الأرض والأحوال التي لابستها. ولا نطيل شرحها. فالرزق في ضوء هذه البيانات السريعة أوسع مدلولاً مما يفهمه الناس من هذا اللفظ. وأعمق أسباباً في تكوين الأرض ذاتها وفي تصميم الكون كله. وحين يأذن الله للناس في الأكل منه، فهو يتفضل بتسخيره لهم وتيسير تناوله؛ كما يمنح البشر القدرة على تناولها والانتفاع بها: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}.. وهو محدود بزمن مقدر في علم الله وتدبيره زمن الابتلاء بالموت والحياة، وبكل ما يسخره الله للناس في هذه الحياة. فإذا انقضت فترة الابتلاء كان الموت وكان ما بعده: {وإليه النشور}.. إليه.. وإلاّ فإلى أين إن لم يكن إليه؟ والملك بيده؟ ولا ملجأ منه إلا إليه؟ وهو على كل شيء قدير؟ والآن ـ وبينما هم في هذا الأمان على ظهر الأرض الذلول، وفي هذا اليسر الفائض بإذن الله وأمره.. الآن يهز هذه الأرض الساكنة من تحت أقدامهم هزاً ويرجها رجاً فإذا هي تمور. ويثير الجو من حولهم فإذا هو حاصب يضرب الوجوه والصدور.. يهز هذه الأرض في حسهم ويثير هذا الحاصب في تصورهم، لينتبهوا من غفلة الأمان والقرار، ويمدوا بأبصارهم إلى السماء وإلى الغيب، ويعلقوا قلوبهم بقدر الله: {أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور؟ أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصباً؟ فستعلمون كيف نذير! ولقد كذب الذين من قبلهم. فكيف كان نكير؟}.. والبشر الذين يعيشون على ظهر هذه الدابة الذلول، ويحلبونها فينالون من رزق الله فيها نصيبهم المعلوم! يعرفون كيف تتحول إلى دابة غير ذلول ولا حلوب، في بعض الأحيان، عندما يأذن الله بأن تضطرب قليلاً فيرتج كل شيء فوق ظهرها أو يتحطم! ويمور كل ما عليها ويضطرب فلا تمسكه قوة ولا حيلة. ذلك عند الزلازل والبراكين، التي تكشف عن الوحش الجامح، الكامن في الدابة الذلول، التي يمسك الله بزمامها فلا تثور إلا بقدر، ولا تجمح إلا ثواني معدودات يتحطم فيها كل ما شيد الإنسان على ظهرها؛ أو يغوص في جوفها عندما تفتح أحد أفواهها وتخسف كسفة منها.. وهي تمور.. البشر ولا يملكون من هذا الأمر شيئاً ولا يستطيعون. وهم يبدون في هول الزلزال والبركان والخسف كالفئران الصغيرة محصورة في قفص الرعب، من حيث كانت آمنة لاهية غافلة عن القدرة الكبرى الممسكة بالزمام! والبشر كذلك يشهدون العواصف الجامحة الحاصبة التي تدمر وتخرب، وتحرق وتصعق. وهم بإزائها ضعاف عاجزون، بكل ما يعلمون وما يعملون. والعاصفة حين تزأر وتضرب بالحصى الحاصب، وتأخذ في طريقها كل شيء في البر أو البحر أو الجو يقف الإنسان أمامها صغيراً هزيلاً حسيراً حتى يأخذ الله بزمامها فتسلس وتلين! والقرآن يذكر البشر الذين يخدعهم سكون الدابة وسلامة مقادتها، ويغريهم الأمان بنسيان خالقها ومروضها. يذكرهم بهذه الجمحات التي لا يملكون من أمرها شيئاً. والأرض الثابتة تحت أقدامهم ترتج وتمور، وتقذف بالحمم وتفور. والريح الرخاء من حولهم تتحول إلى إعصار حاصب لا تقف له قوة في الأرض من صنع البشر، ولا تصده عن التدمير.. يحذرهم وينذرهم في تهديد يرج الأعصاب ويخلخل المفاصل. {فستعلمون كيف نذير}!!! ويضرب لهم الأمثلة من واقع البشرية، ومن وقائع الغابرين المكذبين: {ولقد كذب الذين من قبلهم، فكيف كان نكير؟}... والنكير الإنكار وما يتبعه من الآثار، ولقد أنكر الله ممن كذبوا قبلهم أن يكذبوا. وهو يسألهم: {فكيف كان نكير؟} وهم يعلمون كيف كان، فقد كانت آثار الدمار والخراب تصف لهم كيف كان هذا النكير! وكيف كان ما أعقبه من تدمير! والأمان الذي ينكره الله على الناس، هو الأمان الذي يوحي بالغفلة عن الله وقدرته وقدره، وليس هو الاطمئنان إلى الله ورعايته ورحمته. فهذا غير ذاك. فالمؤمن يطمئن إلى ربه، ويرجو رحمته وفضله. ولكن هذا لا يقوده إلى الغفلة والنسيان والانغمار في غمرة الأرض ومتاعها، إنما يدعوه إلى التطلع الدائم، والحياء من الله، والحذر من غضبه، والتوقي من المخبوء في قدره، مع الإخبات والاطمئنان. قال الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن عائشة رضي الله عنها ـ أنها قالت: "حديث : ما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته. إنما كان يبتسم. وقالت: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ قد عذب قوم بالريح. وقد رأى قوم العذاب وقالوا، هذا عارض ممطرنا " تفسير : فهذا هو الإحساس اليقظ الدائم بالله وقدره، وبما قصه القرآن من هذا في سيره. وهو لا ينافي الاطمئنان إلى رحمة الله وتوقع فضله. ثم هو إرجاع جميع الأسباب الظاهرة إلى السبب الأول. ورد الأمر بحاله وكليته إلى من بيده الملك وهو على كل شيء قدير. فالخسف والحاصب، والبراكين والزلازل، والعواصف، وسائر القوى الكونية والظواهر الطبيعية ليس في أيدي البشر من أمرها شيء. إنما أمرها إلى الله. وكل ما يذكره البشر عنها فروض يحاولون بها تفسير حدوثها، ولكنهم لا يتدخلون في إحداثها، ولا يحمون أنفسهم منها. وكل ما ينشئونه على ظهر الأرض تذهب به رجفة من رجفاتها، أو إعصار من أعاصيرها، كما لو كان لعباً من الورق! فأولى لهم أن يتوجهوا في أمرها إلى خالق هذا الكون، ومنشئ نواميسه التي تحكم هذه الظواهر، ومودعه القوى التي يتجلى جانب منها في هذه الأحداث. وأن يتطلعوا إلى السماء ـ حيث هي رمز للعلو ـ فيتذكروا الله الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. إن الإنسان قوي بالقدر الذي وهبه الله من القوة. عالم بالقدر الذي أعطاه الله من العلم. ولكن هذا الكون الهائل زمامه في يد خالقه، ونواميسه من صنعه، وقواه من إمداده. وهذه القوى تسير وفق نواميسه في حدود قدره. وما يصيب الإنسان منها مقدور مرسوم، وما يعلمه الإنسان منها مقدور معلوم. والوقائع التي تحدث تقف هذا الإنسان بين الحين والحين أمام قوى الكون الهائلة مكتوف اليدين حسيراً، ليس له إلا أن يتذكر خالق هذه القوى ومروضها؛ وإلا أن يتطلع إلى عونه ليواجهها، ويسخر ما هو مقدور له أن يسخره منها. وحين ينسى هذه الحقيقة، ويغتر وينخدع بما يقسم الله له من العلم ومن القدرة على تسخير بعض قوى الكون، فإنه يصبح مخلوقاً مسيخاً مقطوعاً عن العلم الحقيقي الذي يرفع الروح إلى مصدرها الرفيع؛ ويخلد إلى الأرض في عزلة عن روح الوجود! بينما العالم المؤمن يركع في مهرجان الوجود الجميل، ويتصل ببارئ الوجود الجليل. وهو متاع لا يعرفه إلا من ذاق حلاوته حين يكتبها الله له! على أن قوى الكون الهائلة تلجئ الإنسان إلجاءً إلى موقف العجز والتسليم سواء رزق هذه الحلاوة أم حرمها. فهو يكشف ما يكشف، ويبدع ما يبدع، ويبلغ من القوة ما يبلغ. ثم يواجه قوى الكون في انكسار الحسير الصغير الهزيل. وقد يستطيع أن يتقي العاصفة أحياناً ولكن العاصفة تمضي في طريقها لا يملك وقفها. ولا يملك أن يقف في طريقها، وقصارى ما يبلغ إليه جهده وعلمه أن يحتمي من العاصفة وينزوي عنها!.. أحياناً.. وأحياناً تقتله وتسحقه من وراء جدرانه وبنيانه. وفي البحر تتناوحه الأمواج والأعاصير فإذا أكبر سفائنه كلعبة الصبي في مهب الرياح. أما الزلزال والبركان فهما هما من أول الزمان إلى آخر الزمان! فليس إلا العمى هو الذي يهيِّئ لبعض المناكيد أن "الإنسان يقوم وحده" في هذا الوجود، أو أنه سيد هذا الوجود! إن الإنسان مستخلف في هذه الأرض بإذن الله. موهوب من القوة والقدرة والعلم ما يشاء الله. والله كالئه وحاميه. والله رازقه ومعطيه. ولو تخلت عنه يد الله لحظة لسحقته أقل القوى المسخرة له، ولأكله الذباب وما هو أصغر من الذباب. ولكنه بإذن الله ورعايته مكلوء. ومحفوظ. وكريم. فليعرف من أين يستمد هذا التكريم، وذلك الفضل العظيم. بعدئذ ينتقل بهم من لمسة التهديد والنذير، إلى لمسة التأمل والتفكير. في مشهد يرونه كثيراً، ولا يتدبرونه إلا قليلاً. وهو مظهر من مظاهر القدرة، وأثر من آثار التدبير الإلهي اللطيف. {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن؟ ما يمسكهن إلا الرحمـن، إنه بكل شيء بصير}.. وهذه الخارقة التي تقع في كل لحظة، تنسينا بوقوعها المتكرر، ما تشي به من القدرة والعظمة. ولكن تأمل هذا الطير، وهو يصف جناحيه ويفردهما، ثم يقبضهما ويضمهما، وهو في الحالين: حالة الصف الغالبة، وحالة القبض العارضة يظل في الهواء، يسبح فيه سباحة في يسر وسهولة؛ ويأتي بحركات يخيل إلى الناظر أحياناً أنها حركات استعراضية لجمال التحليق والانقضاض والارتفاع! تأمل هذا المشهد، ومتابعة كل نوع من الطير في حركاته الخاصة بنوعه، لا يمله النظر، ولا يمله القلب. وهو متعة فوق ما هو مثار تفكير وتدبر في صنع الله البديع، الذي يتعانق فيه الكمال والجمال! والقرآن يشير بالنظر إلى هذا المشهد المثير: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن؟}.. ثم يوحي بما وراءه من التدبير والتقدير: {ما يمسكهن إلا الرحمن}.. والرحمن يمسكهن بنواميس الوجود المتناسقة ذلك التناسق العجيب، الملحوظ فيه كل صغيرة وكبيرة، المحسوب فيه حساب الخلية والذرة.. النواميس التي تكفل توافر آلاف الموافقات في الأرض والجو وخلقة الطير، لتتم هذه الخارقة وتتكرر، وتظل تتكرر بانتظام. والرحمن يمسكهن بقدرته القادرة التي لا تكل، وعنايته الحاضرة التي لا تغيب. وهي التي تحفظ هذه النواميس أبداً في عمل وفي تناسق وفي انتظام. فلا تفتر ولا تختل ولا تضطرب غمضة عين إلى ما شاء الله: {ما يمسكهن إلا الرحمن}.. بهذا التعبير المباشر الذي يشي بيد الرحمن تمسك بكل طائر وبكل جناح، والطائر صاف جناحيه وحين يقبض، وهو معلق في الفضاء! {إنه بكل شيء بصير}.. يبصره ويراه. ويبصر أمره ويخبره. ومن ثم يهيِّئ وينسق، ويعطي القدرة، ويرعى كل شيء في كل لحظة، رعاية الخبير البصير. وإمساك الطير في الجو كإمساك الدواب على الأرض الطائرة بما عليها في الفضاء. كإمساك سائر الأجرام التي لا يمسكها في مكانها إلا الله. ولكن القرآن يأخذ بأبصار القوم وقلوبهم إلى كل مشهد يملكون رؤيته وإدراكه؛ ويلمس قلوبهم بإيحاءاته وإيقاعاته. وإلا فصنعة الله كلها إعجاز وكلها إبداع، وكلها إيحاء وكلها إيقاع. وكل قلب وكل جيل يدرك منها ما يطيقه، ويلحظ منها ما يراه. حسب توفيق الله. ثم يلمس قلوبهم لمسة أخرى تعود بهم إلى مشهد البأس والفزع من الخسف والحاصب، بعد أن جال بهم هذه الجولة مع الطير السابح الآمن. فيردد قلوبهم بين شتى اللمسات عوداً وبدءاً كما يعلم الله من أثر هذا الترداد في قلوب العباد: {أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن؟ إن الكافرون إلا في غرور}.. وقد خوفهم الخسف وخوفهم الحاصب، وذكرهم مصائر الغابرين الذين أنكر الله عليهم فأصابهم التدمير. فهو يعود ليسألهم: من هو هذا الذي ينصرهم ويحميهم من الله، غير الله؟ من هو هذا الذي يدفع عنهم بأس الرحمن إلا الرحمن؟ {إن الكافرون إلا في غرور}.. غرور يهيئ لهم أنهم في أمن وفي حماية وفي اطمئنان، وهم يتعرضون لغضب الرحمن وبأس الرحمن، بلا شفاعة لهم من إيمان ولا عمل يستنزل رحمة الرحمن. ولمسة أخرى في الرزق الذي يستمتعون به، وينسون مصدره، ثم لا يخشون ذهابه، ثم يلجون في التبجح والإعراض: {أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه؟ بل لجوا في عتو ونفور}.. ورزق البشر كله ـ كما سلف ـ معقود بإرادة الله في أول أسبابه، في تصميم هذا الكون وفي عناصر الأرض والجو. وهي أسباب لا قدرة للبشر عليها إطلاقاً، ولا تتعلق بعملهم بتاتاً، فهي أسبق منهم في الوجود، وهي أكبر منهم في الطاقة، وهي أقدر منهم على محو كل أثر للحياة حين يشاء الله. فمن يرزق البشر إن أمسك الماء، أو أمسك الهواء، أو أمسك العناصر الأولى التي منها ينشأ وجود الأشياء؟ إن مدلول الرزق أوسع مدى وأقدم عهداً وأعمق جذوراً مما يتبادر إلى الذهن عندما يسمع هذه الكلمة. ومرد كل صغيرة وكبيرة فيه إلى قدرة الله وقدره، وإرساله للأسباب وإمساكها حين يشاء. وفي هذا المدلول الكبير الواسع العميق تنطوي سائر المدلولات القريبة لكلمة الرزق، مما يتوهم الإنسان أنها من كسبه وفي طوقه، كالعمل، والإبداع، والإنتاج.. وكلها مرتبطة بقيام الأسباب والعناصر الأولى من جهة ومتوقفه على هبة الله للأفراد والأمم من جهة أخرى. فأي نفس يتنفسه العامل، وأي حركة يتحركها، إلا من رزق الله، الذي أنشأه، ومنحه المقدرة والطاقة، وخلق له النفس الذي يتنفسه، والمادة التي تحترق في جسده فتمنحه القدرة على الحركة؟ وأي جهد عقلي يبذله مخترع إلا وهو من رزق الله الذي منحه القدرة على التفكير والإبداع؟ وأي إنتاج ينتجه عامل أو مبدع إلا في مادة هي من صنع الله ابتداء، وإلا بأسباب كونية وإنسانية هي من رزق الله أصلاً؟.. {أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه؟!}.. {بل لجوا في عتو ونفور}. والتعبير يرسم خداً مصعراً، وهيئة متبجحة، بعد تقريره لحقيقة الرزق، وأنهم عيال على الله فيه، وأقبح العتو والنفور، والتبجح والتصعير، ما يقع من العيال في مواجهة المطعم الكاسي، الرازق العائل وهم خلو من كل شيء إلا ما يتفضل به عليهم. وهم بعد ذلك عاتون معرضون وقحاء! وهو تصوير لحقيقة النفوس التي تعرض عن الدعوة إلى الله في طغيان عات، وفي إعراض نافر، وتنسى أنها من صنع الله، وأنها تعيش على فضله، وأنها لا تملك من أمر وجودها وحياتها ورزقها شيئاً على الإطلاق! ولقد كانوا ـ مع هذا ـ يتهمون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه بالضلال؛ ويزعمون لأنفسهم أنهم أهدى سبيلاً! كما يصنع أمثالهم مع الدعاة إلى الله في كل زمان. ومن ثم يصور لهم واقع حالهم وحال المؤمنين في مشهد حي يجسم حقيقة الحال: {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى؟ أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم؟}.. والذي يمشي مكباً على وجهه إما أن يكون هو الذي يمشي على وجهه فعلاً لا على رجليه في استقامة كما خلقه الله، وإما أن يكون هو الذي يعثر في طريقه فينكب على وجهه، ثم ينهض ليعثر من جديد! وهذه كتلك حال بائسة تعاني المشقة والعسر والتعثر، ولا تنتهي إلى هدى ولا خير ولا وصول! وأين هي من حال الذي يمشي مستقيماً سوياً في طريق لا عوج فيه ولا عثرات، وهدفه أمامه واضح مرسوم؟! إن الحال الأولى هي حال الشقي المنكود الضال عن طريق الله، المحروم من هداه، الذي يصطدم بنواميسه ومخلوقاته، لأنه يعترضها في سيره، ويتخذ له مساراً غير مسارها، وطريقاً غير طريقها، فهو أبداً في تعثر، وأبداً في عناء، وأبداً في ضلال. والحال الثانية هي حال السعيد المجدود المهتدي إلى الله، الممتع بهداه، الذي يسير وفق نواميسه في الطريق اللاحب المعمور، الذي يسلكه موكب الإيمان والحمد والتمجيد. وهو موكب هذا الوجود كله بما فيه من أحياء وأشياء. إن حياة الإيمان هي اليسر والاستقامة والقصد. وحياة الكفر هي العسر والتعثر والضلال.. فأيهما أهدى؟ وهل الأمر في حاجة إلى جواب؟ إنما هو سؤال التقرير والإيجاب! ويتوارى السؤال والجواب ليتراءى للقلب هذا المشهد الحي الشاخص المتحرك.. مشهد جماعة يمشون على وجوههم، أو يتعثرون وينكبون على وجوههم لا هدف لهم ولا طريق. ومشهد جماعة أخرى تسير مرتفعة الهامات، مستقيمة الخطوات، في طريق مستقيم، لهدف مرسوم. إنه تجسيم الحقائق، وإطلاق الحياة في الصور، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير.. وعلى ذكر الهدى والضلال، يذكرهم بما وهبهم الله من وسائل الهدى، وأدوات الإدراك ثم لم ينتفعوا بها، ولم يكونوا من الشاكرين: {قل: هو الذي أنشأكم، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون}.. وحقيقة أن الله هو الذي أنشأ الإنسان، حقيقة تلح على العقل البشري، وتثبت ذاتها بتوكيد يصعب رده. فالإنسان قد وجد ـ وهو أرفع وأعلم وأقدر ما يعلم من الخلائق ـ وهو لم يوجد نفسه، فلا بد أن يكون هناك من هو أرفع وأعلم وأقدر منه أوجده.. ولا مفر من الاعتراف بخالق. فوجود الإنسان ذاته يواجهه بهذه الحقيقة. والمماراة فيها نوع من المماحكة لا يستحق الاحترام. والقرآن يذكر هذه الحقيقة هنا ليذكر بجانبها ما زود الله به الإنسان من وسائل المعرفة: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة}.. وما قابل الإنسان به هذه النعمة: نعمة الإنشاء ونعمة السمع والأبصار والأفئدة: {قليلاً ما تشكرون}.. والسمع والأبصار معجزتان كبيرتان عرف عنهما بعض خواصهما العجيبة. والأفئدة التي يعبر بها القرآن عن قوة الإدراك والمعرفة، معجزة أعجب وأغرب. ولم يعرف بعد عنها إلا القليل. وهي سر الله في هذا المخلوق الفريد.. وللعلم الحديث محاولات في معرفة شيء عن معجزتي السمع والبصر نذكر منها لمحة: "تبدأ حاسة السمع بالأذن الخارجية، ولا يعلم الا الله أين تنتهي. ويقول العلم: إن الاهتزاز الذي يحدثه الصوت في الهواء ينقل إلى الأّذن، التي تنظم دخوله، ليقع على طبلة الأذن. وهذه تنقلها إلى التيه داخل الأذن". "والتيه يشتمل على نوع من الأقنية بين لولبية ونصف مستديرة. وفي القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس". "فما طول القوس منها وحجمها؟ وكيف ركبت هذه الأقواس التي تبلغ عدة آلاف كل منها تركيباً خاصاً؟ وما الحيز الذي وضعت فيه؟ ناهيك عن العظام الأخرى الدقيقة المتماوجة. هذا كله في التيه الذي لا يكاد يرى! وفي الأذن مائة ألف خلية سمعية. وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة. دقة وعظمة تحير الألباب". "ومركز حاسة الإبصار العين، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء، وهي أطراف أعصاب الإبصار. وتتكون العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية.. وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية. "وتتكون الشبكية من تسع طبقات منفصلة، والطبقة التي في أقصى الداخل تتكون من أعواد ومخروطات. ويقال: إن عدد الأولى ثلاثون مليون عود، وعدد الثانية ثلاثة ملايين مخروط. وقد نظمت كلها في تناسب محكم بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للعدسات.. وعدسة عينيك تختلف في الكثاقة، ولذا تجمع كل الأشعة في بؤرة، ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أية مادة من جنس واحد كالزجاج مثلاً". فأما الأفئدة فهي هذه الخاصية التي صار بها الإنسان إنساناً. وهي قوة الإدراك والتمييز والمعرفة التي استخلف بها الإنسان في هذا الملك العريض. والتي حمل بها الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال. أمانة الإيمان الاختياري، والاهتداء الذاتي، والاستقامة الإرادية على منهج الله القويم ولا يعلم أحد ماهية هذه القوة، ولا مركزها، داخل الجسم أو خارجه! فهي سر الله في الإنسان لم يعلمه أحد سواه. وعلى هذه الهبات الضخمة التي أعطيها الإنسان لينهض بتلك الأمانة الكبرى، فإنه لم يشكر: {قليلاً ما تشكرون}.. وهو أمر يثير الخجل والحياء عند التذكير به، كما يذكرهم القرآن في هذا المجال ويذكر كل جاحد وكافر، لا يشكر نعمة الله عليه؛ وهو لا يوفيها حقها لو عاش للشكر دون سواه! ثم يذكرهم أن الله لم ينشئ البشر ويمنحهم هذه الخصائص عبثاً ولا جزافاً لغير قصد ولا غاية. إنما هي فرصة الحياة للابتلاء. ثم الجزاء في يوم الجزاء: {قل: هو الذي ذرأكم في الأرض، وإليه تحشرون}.. والذرء: الإكثار. ويحمل كذلك معنى الانتشار. والحشر: الجمع بعد النشر في الأرجاء. وهما حركتان متقابلتان من الناحية التصورية، تقابلهما من الناحية المعنوية. ذلك مشهد للإكثار من الخلق ونشرهم أو نثرهم في الأرض. وهذا مشهد لجمعهم منها وحشرهم بعد النشر والنثر! ويجمعهما السياق في آية واحدة، ليتقابل المشهدان في الحس والتصور على طريقة القرآن. وليتذكر البشر وهم منتشرون في الأرض أن هناك غاية هم صائرون إليها، هي الجمع والحشر. وأن هناك أمراً وراء هذا، ووراء الابتلاء بالموت والحياة. ثم يحكي شكهم في هذا الحشر، وارتيابهم في هذا الوعد: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. وهو سؤال الشاك المستريب. كما أنه سؤال المماحك المتعنت. فإن معرفة موعد هذا الوعد وميقاته لا تقدم ولا تؤخر؛ ولا علاقة لها بحقيقته، وهو أنه يوم الجزاء بعد الابتلاء. ويستوي بالقياس إليهم أن يجيء غداً أو أن يجيء بعد ملايين السنين.. فالمهم أنه آت، وأنهم محشورون فيه، وأنهم مجازون بما عملوا في الحياة. ومن ثم لم يطلع الله أحداً من خلقه على موعده، لأنه لا مصلحة لهم في معرفته، ولا علاقة لهذا بطبيعة هذا اليوم وحقيقته، ولا أثر له في التكاليف التي يطالب الناس بها استعداداً لملاقاته، بل المصلحة والحكمة في إخفاء ميقاته عن الخلق كافة، واختصاص الله بعلم ذلك الموعد، دون الخلق جميعاً: {قل إنما العلم عند الله، وإنما أنا ندير مبين}. وهنا يبرز بجلاء فارق ما بين الخالق والمخاليق. وتتجرد ذات الله ووحدانية بلا شبيه ولا شريك. ويتمحض العلم له سبحانه. ويقف الخلق ـ بما فيهم الرسل والملائكة ـ في مقامهم متأدبين عند مقام الألوهية العظيم: {قل: إنما العلم عند الله. وإنما أنا نذير مبين}.. وظيفتي الإنذار، ومهمتي البيان. أما العلم فعند صاحب العلم الواحد بلا شريك. وبينما هم يسألون في شك ويجابون في جزم، يخيل السياق القرآني كأن هذا اليوم الذي يسألون عنه قد جاء، والموعد الذي يشكون فيه قد حان؛ وكأنما هم واجهوه الآن. فكان فيه ما كان: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا، وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون}! فقد رأوه قريباً مواجهاً لهم حاضراً أمامهم دون توقع ودون تمهيد. فسيئت وجوههم، وبدا فيها الاستياء. ووجه إليهم التأنيب: {وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون}.. هذا هو حاضراً قريباً. وهو الذي كنتم تدعون أنه لن يكون! وهذه الطريقة في عرض ما سيكون تتكرر في القرآن، لمواجهة حال التكذيب أو الشك بمفاجأة شعورية تصويرية تقف المكذب أو الشاك وجهاً لوجه مع مشهد حاضر لما يكذب به أو يشك فيه. ثم هي في الوقت ذاته تصور حقيقة. فهذا اليوم كائن في علم الله؛ أما خط الزمن بينه وبين البشر فهو قائم بالقياس إلى البشر. وهي مسألة نسبية لا تمثل الحقيقة المجردة كما هي في حساب الله. ولو أذن الله لرأوه اللحظة كما هو في علم الله. فهذا الانتقال المفاجئ لهم من الدنيا إلى الآخرة، ومن موقف الشك والارتياب إلى موقف المواجهة والمفاجأة، يشير إلى حقيقة قائمة لو أذن الله بها لانكشفت لهم. في الوقت الذي يصور لهم هذه الحقيقة تصويراً يهز مشاعرهم. ولقد كانوا يتربصون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحفنة المؤمنة التي معه أن يهلكوا فيستريحوا منهم؛ وكانوا يتواصون بينهم بالصبر عليه حتى يوافيه الأجل، فتسكن هذه الزوبعة التي أثارتها الدعوة في صفوفهم. كما كانوا يتبجحون أحياناً فيزعمون أن الله سيهلك محمداً ومن معه لأنهم ضالون، ولأنهم يكذبون على الله فيما يقولون! فهنا أمام مشهد الحشر والجزاء، ينبههم إلى أن أمنيتهم حتى لو تحققت لا تعصمهم هم من عاقبة الكفر والضلال. فأولى لهم أن يتدبروا أمرهم قبل هذا الموعد الذي واجههم به كأنه واقع بهم: {قل: أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا، فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟}.. وهو سؤال يردهم إلى تدبر حالهم، والتفكير في شأنهم، وهو الأولى! فما ينفعهم أن تتحقق أمانيهم فيهلك الله النبي ومن معه ـ كما لا ينقذهم بطبيعة الحال أن يرحم الله نبيه ومن معه. والله باق لا يموت. وهو الذي ذرأهم في الأرض وإليه يحشرون.. ولكنه لا يقول لهم: فمن يجيركم من عذاب أليم؟ ولا ينص على أنهم كافرون. إنما يلوح لم بالعذاب الذي ينتظر الكافرين: {فمن يجير الكافرين من عذاب أليم}.. وهو أسلوب في الدعوة حكيم، يخوفهم من ناحية، ويدع لهم فرصة للتراجع عن موقفهم من ناحية. فلو جابههم بأنهم كافرون، وأنه لا مفر لهم من العذاب الأليم.. فربما جهلوا وحمقوا وأخذتهم العزة بالإثم أمام الاتهام المباشر والتهديد. ففي بعض الحالات يكون أسلوب التلميح أفعل في النفس من أسلوب التصريح! ثم يترقى من هذه التسوية بين الأمرين، إلى تقرير موقف المؤمنين من ربهم وثقتهم به وتوكلهم عليه، مع التلميح إلى اطمئنانهم لإيمانهم، وثقتهم بهداهم، وبأن الكافرين في ضلال مبين. {قل: هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا. فستعلمون من هو في ضلال مبين}.. وذكر صفة {الرحمن} هنا يشير إلى رحمته العميقة الكبيرة برسوله والمؤمنين معه؛ فهو لن يهلكهم كما يتمنى الكافرون أو كما يدعون. ويوجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إبراز الصلة التي تربطهم بربهم الرحمن. صلة الإيمان {آمنا به}.. وصلة التوكل {وعليه توكلنا}.. عليه وحده.. والتعبير يشي بالقربى بينهم وبين الرحمن. والله ـ سبحانه ـ هو الذي يتفضل على رسوله وعلى المؤمنين فيأذن له بإعلان هذه القربى، ويوجهه إلى هذا الإعلان. وكأنما ليقول له: لا تخف مما يقوله الكفار. فأنت ومن معك موصولون بي منتسبون إليَّ. وأنت مأذون مني في أن تظهر هذه الكرامة، وهذا المقام! فقل لهم... وهذا ود من الله وتكريم.. ثم ذلك التهديد الملفوف: {فستعلمون من هو في ضلال مبين}.. وهو أسلوب كذلك من شأنه أن يخلخل الإصرار على الجحود؛ ويدعوهم إلى مراجعة موقفهم مخافة أن يكونوا هم الضالين! فيتعرضوا للعذاب الذي سبق ذكره في الآية: {فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟} وفي الوقت ذاته لا يجبههم بأنهم ضالون فعلاً، حتى لا تأخذهم العزة بالإثم. وهو أسلوب في الدعوة يناسب بعض حالات النفوس.. وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة يلمح لهم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، وذلك بحرمانهم من سبب الحياة الأول، وهو الماء: {قل: أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين؟}.. والماء الغور: الغائر الذاهب في الأرض لا يقدرون عليه. والمعين: النابع الفائض المتدفق. وهي لمسة قريبة في حياتهم، إن كانوا ما يزالون يستبعدون ذلك اليوم ويشكون فيه.. والملك بيد الله وهو على كل شيء قدير. فكيف لو توجهت إرادته إلى حرمانها مصدر الحياة القريب! ثم يدعهم يتدبرون ما يكون لو أذن الله بوقوع هذا المحذور! وهكذا تنتهي هذه السورة، وينتهي هذا الحشد من الإيقاعات واللمسات، وهذه الرحلات والجولات. في آفاق وأغوار وأبعاد مترامية الأطراف. وكل آية على وجه التقريب كانت إيقاعاً خاصاً. أو كانت رحلة في عالم مجهول مغيب، أو منظور لا تلتفت إليه الأنظار والقلوب. إنها سورة ضخمة. سورة أكبر من حجمها وحيزها وعدد آياتها. وكأنما هي سهام تشير إلى بعيد، ويكاد كل سهم يستقل بكشف عالم جديد! وهي تبني من قواعد التصور الإسلامي جوانب رئيسية هامة؛ فهي تقر في الضمير حقيقة القدرة المطلقة، وحقيقة الهيمنة المطلقة. وحقيقة الابتلاء بالموت والحياة تمهيداً للحشر والجزاء. وحقيقة الكمال والجمال في صنعة الله. وحقيقة العلم المطلق بالسر والنجوى. وحقيقة مصدر الرزق. وحقيقة حفظ الله للخلائق، وحضوره سبحانه ـ مع كل مخلوق.. وجملة من هذه الحقائق التي يقوم عليها تصور المسلم لربه. وتصوره للوجود وارتباطه بخالق الوجود. هذا التصور الذي ينبثق منه منهج حياة المؤمن كله. مع ربه. ومع نفسه. ومع الناس. ومع الأحياء. ومع الكون كله من أحياء وأشياء. والذي يتكيف به شعوره وضميره وشخصيته وقيمه وموازينه، واستقباله للحياة..
ابن عاشور
تفسير : افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحاً يؤذن بأن ما حَوتْه يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لمّا نسبوا إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده. ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال كما تقدم في طالع سورة الفرقان. وفعل {تَبَاركَ} يدل على المبالغة في وفرة الخير، وهو في مقام الثناء يقتضي العموم بالقرينة، أي يفيد أن كل وفرة من الكمال ثابتة لله تعالى بحيث لا يتخلف نوع منها عن أن يكون صفة له تعالى. وصيغة تفاعَل إذا أسندت إلى واحد تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه نحو تَطاول وتغابن، وترد كناية عن قوة الفعل وشدته مثل: تواصل الحبل. وهو مشتق من البَركة، وهي زيادة الخير ووفرته، وتقدمت البركة عند قوله تعالى: {أية : وبركات عليك }تفسير : في[سورة هود: 48]. وتقدم {تَبَارَكَ} عند قوله تعالى: {أية : تبارك الله رب العالمين}تفسير : في أول [الأعراف: 54]. وهذا الكلام يجوز أن يكون مراداً به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى وكماله ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على الله أثناه على نفسه، وتعليماً للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه كما في {أية : الحمد لله ربَ العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2]: إمّا على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء، وإمّا باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها، ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هاذين المعنيين، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}تفسير : [الفرقان: 1]. وجُعل المسندُ إليه اسمَ موصول للإِيذان بأن معنى الصلة، مما اشتهر به كما هو غالب أحوال الموصول فصارت الصلة مغنية عن الاسم العلم لاستوائهما في الاختصاص به إذ يعلم كل أحد أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلاّ لله. وذكر {الذي بيده الملك} هنا نظير ذكر مثله عقب نظيره في قوله تعالى: {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}تفسير : [الفرقان: 1] إلى قوله: {أية : الذي له ملك السماوات والأرض}تفسير : [الفرقان: 2]. والباء في {بِيَدِهِ} يجوز أن تكون بمعنى (في) مثل الباء التي تدخل على أسماء الأمكنة نحو {أية : ولقد نصركم الله ببدر}تفسير : [آل عمران: 123] وقول امرء القيس:شعر : بسـقـــــط اللــــوى تفسير : فالظرفية هنا مجازية مستعملة في معنى إحاطة قدرته بحقيقة المُلك، والمُلك على هذا اسم للحالة التي يكون صاحبها مَلِكاً. والتعريف في {المُلك} على هذا الوجه تعريف الجنس الذي يشمل جميع أفراد الجنس، وهو الاستغراق فما يوجد من أفراده فرد إلاّ وهو مما في قدرة الله فهو يعطيه وهو يمنعه. واليَد على هذا الوجه استعارة للقدرة والتصرف كما في قوله تعالى: {أية : والسماء بنيناها بأيد}تفسير : [الذاريات: 47] وقول العرب: مَا لي بهذا الأمر يَدَان. ويجوز أن تكون الباء للسببية، ويكون {المُلكُ} اسماً فيأتي في معناه ما قرر في الوجه المتقدم. وتقديم المسند وهو {بِيَدِهِ} على المسند إليه لإفادة الاختصاص، أي الملك بيده لا بيد غيره. وهو قصر ادعائي مبني على عدم الاعتداد بمُلك غيره، ولا بما يتراءى من إعطاء الخلفاء والملوك الأصقاع للأمراء والسلاطين وولاة العهد لأن كل ذلك مُلك غير تام لأنه لا يعمّ المملوكات كلها، ولأنه معرض للزوال، ومُلك الله هو الملك الحقيقي، قال: {أية : فتعالى الله الملك الحق}تفسير : [طه: 114]. فالناس يتوهمون أمثال ذلك مُلكاً وليس كما يتوهمون. واليد: تمثيل بأن شبهت الهيئة المعقولة المركبة من التصرف المطلق في الممكنات الموجودة والمعدومة بالإمداد والتغيير والإعدام والإيجاد؛ بهيئة إمساك اليد بالشيء المملوك تشبيه معقول بمحسوس في المركبات. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء}تفسير : في [سورة آل عمران: 26]. و {المُلك} بضم الميم: اسم لأكمل أحوال المِلك بكسر الميم، والمِلك بالكسر جنس للمُلك بالضم، وفسر المُلك المضموم بضبط الشيء المتصرَّف فيه بالحُكم، وهو تفسير قاصر، وأرى أن يُفسر بأنه تصرف في طائفة من الناس ووطنهم تصرفاً كاملاً بتدبير ورعاية، فكل مُلك (بالضم) مِلك (بالكسر) وليس كل مِلك مُلكاً. وقد تقدم في قوله: {أية : مَلِك يوم الدين }تفسير : في [الفاتحة: 4] وعند قوله: {أية : أنّى يكون له الملك علينا }تفسير : في [سورة البقرة: 247]، وجملة: {وهو على كل شيء قدير}معطوفة على جملة: {بِيده المُلك} التي هي صلة الموصول وهي تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة، إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في الموجودات، وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام للموجودات والإيجاد للمعدومات، فيكون قوله: {وهو على كل شيء قدير} مفيداً معنى آخر غير ما أفاده قوله: {بيده الملك} تفادياً من أن يكون معناه تأكيداً لمعنى {بيده الملك} وتكون هذه الجملة تتميماً للصلة. وفي معنى صلة ثانية ثمّ عطفت ولم يكرر فيها اسم موصول بخلاف قوله: {أية : الذي خلق الموت}تفسير : [الملك: 2] وقوله: {أية : الذي خلق سبع سموات}تفسير : [الملك: 3]. و{شيء} ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة. وقد يطلق (الشيء) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات. وأما التزام الأشاعرة: أن الشيء لا يطلق إلاّ على الموجود فهو التزام ما لا يلزم دعا إليه سد باب الحجاج مع المعتزلة في أن الوجود عين الموجود أو زائد على الموجود، فتفرعت عليه مسألة: أن المعدوم شيء عند جمهور المعتزلة وأن الشيء لا يطلق إلاّ على الموجود عند الأشعري وبعض المعتزلة وهي مسألة لا طائل تحتها، والخلاف فيها لفظي، والحق أنها مبنية على الاصطلاح في مسائل علم الكلام لا على تحقيق المعنى في اللغة. وتقديم المجرور في قوله: {على كل شيء قدير} للاهتمام بما فيه من التعميم، ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإِلٰهية لأصنامهم مع اعترافهم بأنها لا تقدر على خلق السموات والأرض ولا على الإحياء والإماتة.
الشنقيطي
تفسير : تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى تبارك، وذكر أقوال المفسرين واختلافهم في معناها. ورجّح أنه بحسب اللغة والاشتقاق أنه تفاعل من البركة، والمعنى: تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وهذا يستلزم عظمته وتقديسه.. إلخ. ثم ذكر تنبيهاً في عدم تصريفها واختصاصها بالله تعالى. وإطلاق العرب إياها على الله تعالى. وقال في إملائه: الذي بيده الملك. أي نفوذ المقدور في كل شيء يتصرف في كل شيء بما يشاء لا معقب لحكمه اهـ. والتقديم للموصول وصلته هنا بالصفة الخاصة به تعالى، وهي قوله تعالى: {تَبَارَكَ} يدل على عظمة الموصول. ويدل له قوله تعالى:{أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]، لأن التقديم بالتسبيح وهو التنزيه يساوي التقديم بقوله تعالى: {تَبَارَكَ}، والموصول بعد التسبيح بصلته كالموصول بعد تبارك وصلته سواء بسواء، وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه. والله أعلم. وقد تقدمت الإشارة إلى الفرق بين الملك والمالك عند قوله تعالى: {أية : ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ السَّلامُ ٱلْمُؤْمِنُ}تفسير : [الحشر: 23]، وهنا تجتمع الصفتان، فالذي بيده الملك وملكوت كل شيء هو المالك له الملك عليه، وهو رب العالمين سبحانه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تعالى وازدادت بركات مَن يملك - وحده - التصرف فى جميع المخلوقات، وهو على كل شئ تام القدرة. 2- الذى خلق الموت والحياة لغاية أرادها، هى أن يختبركم أيكم أصلح عملا وأخلص نية، وهو الغالب الذى لا يعجزه شئ. العفوُّ عن المقصرين. 3- الذى أبدع سبع سموات متوافقة على سنَّة واحدة من الإتقان. ما ترى فى صنع الله - الذى عمَّت رحمته خلقه - أى تفاوت. فأعد بصرك. هل تجد أى خلل؟. 4- ثم أعد البصر مرة بعد مرة. يرجع إليك البصر مردوداً عن إصابة ما التمس من عيب، وهو متعب كليل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تبارك الذي بيده الملك: أي تعاظم وكثُر خير الذي بيده الملك أجمع ملكاً وتصرفاً وتدبيراً. وهو على كل شيء قدير: أي وهو على إيجاد كل ممكن وإعدامه قدير. الذي خلق الموت والحياة: أي أوجد الموت والحياة فكل حيّ هو بالحياة التي خلق الله وكل ميّت هو بالموت الذي خلق الله. ليبلوكم أيكم أحسن عملا: أي أحياكم ليختبركم أيكم يكون أحسن عملاً ثم يميتكم ويحييكم ليجزيكم. وهو العزيز الغفور: أي وهو العزيز الغالب على ما يريده الغفور العظيم المغفرة للتائبين. طباقا: أي طبقة فوق طبقة وهي السبع الطباق ولا تماس بينها. ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت: أي من تباين وعدم تناسب. هل ترى من فطور: أي من شقوق أو تصدع. كرتين: أي مرتين مرة بعد مرة. خاسئا وهو حسير: أي ذليلاً مبعداً كالاً تعباً منقطعاً عن الرؤية إذ لا يرى خللا. بمصابيح: أي بنجوم مضيئة كالمصابيح. رجوماً للشياطين: أي مراجم جمع مرجم وهو ما يرجم به أي يرمى. وأعتدنا لهم عذاب السعير: أي وهيأنا لهم عذاب النار المسعّرة الشديدة الاتّقاد. معنى الآيات: قوله {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مجّد الرّب تعالى نفسه وعظمها وأثنى عليها بما هو أهله من الملك والسلطان والقدرة والعلم والحكمة فقال عز وجل تبارك أي تعاظم وكثر خير الذي بيده الملك الحقيقي يحكم ويتصرف ويدير بعلمه وحكمته لا شريك له في هذا الملك والتدبير والسلطان. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فما أراد ممكنا إلا كان، ولا أراد انعدام ممكن إلا انعدم. الذي خلق الموت والحياة لحكمة عالية لا باطلا ولا عبثا كما يتصور الكافرون والملاحدة الدهريون بل {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي خلق الحياة بكل ما فيها، ليذكر ويشكر من عباده فمن ذكر وشكر وأحسن ذلك، أعدّ له جناتٍ ينقله إليها بعد نهاية الحياة والعمل فيها، ومن لم يذكر ولم يشكر أو ذكر وشكر ولم يحسن ذلك بأن لم يخلص فيه لله، ولم يؤده كما شرع الله أعدّ له ناراً ينقله إليها بعد نهاية الحياة الدنيا حياة العمل، إذ هذه الحياة للعمل، وحياة الآخرة للجزاء على العمل. وقوله تعالى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} ثناء آخر أثنى به تعالى على نفسه فأعلم أنه العزيز الغالب الذي لا يُحال بينه وبين ما يريد الغفور العظيم المغفرة إذ يغفر الذنوب للتائب ولو كانت مثل الجبال وزبد البحر. وقوله {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} هذا ثناء آخر بعظيم القدرة وسعة العلم والحكمة خلق سبع سماوات طباقا سماء فوق سماء مطابقة لها ولكن من غير مماسة إذ ما بين كل سماء وأخرى هواء وفراغ مسيرة خمسمائة عام فالمطابقة المعادلة والمساواة في الجرم لا بوضع سماء على الأخرى كغطاء القدر مثلاً. وقوله {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} أي من اختلاف أو تضاد وتباين والسماء فوقك فإنك لا تجد إلاّ الاتّساق والانتظام لا تصدع ولا انفطار وإن شئت فارجع البصر وانظر هل ترى من فطور أي إنك لا ترى ذلك ثم ارجع البصر كرتين فإنك لا تجد تفاوتاً ولا تبايناً أبداً ولو نظرت الدهر كله كل ما في الأمر أن بصرك أيها الناظر إلى السماء يرجع إليك خاسئا أي ذليلاً مبعداً مما أراد، وهو حسير أي كليل تعب وقوله تعالى {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي هذه الدانية من الأرض القريبة منها بمصابيح هي النجوم والكواكب. وجعلناها أي النجوم رجوماً للشياطين ترجم بها الملائكة شياطين الجن الذين يريدون استراق السمع من كلام الملائكة حتى لا يفتنوا الناس في الأرض عن دين الله عز وجل. وقوله تعالى {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} أي وهيأنا للشياطين عذاب السعير يعذبون به يوم القيامة كسائر الكافرين من الإنس والجن. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير ربوبية الله تعالى بعرض دلائل القدرة والعلم والحكمة والخير والبركة وهي موجبة لألوهيته أي عبادته دون من سواه عزوجل. 2- بيان الحكمة من خلق الموت والحياة. 3- بيان الحكمة من خلق النجوم وهي في قول قتادة رحمه الله: أن الله جل ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: زينة لسماء الدنيا، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
القطان
تفسير : تبارك: تعالى ربنا عما لا يليق به. بيده الملك: له التصرف المطلق في هذا الكون. ليبلوكم: ليختبركم. طباقا: يشبه بعضها بعضا في الاتقان. ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت: لا ترى فيما خلق الله من اختلاف وعدم تناسب واتقان صنعة. فارجع البصرَ: أعد النظر. هل ترى من فُطور: هل ترى من نقصٍ او شقوق. ثم ارجع البصرَ كرّتين: ثم أعد النظر مرة بعد مرة، وليس المراد مرتين فقط. ينقلب اليك: يرجع اليك. خاسئا: صاغراً ذليلا. وهو حسير: وهو كليل، ضعيف. بمصابيح: بنجوم كأنها مصابيح تضيء. رجوما: مفردها رَجْم وهو كل ما يرمى به. اذا أُلقوا فيها: اذا طُرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار. شهيقا: تنفسا قويا. تفور: تغلي بشدة. تكاد تميَّزُ من الغيظ: تكاد تتقطع من شدة الغضب. فوج: جماعة. خَزَنَتُها: واحدها خازن، وهم الملائكة. نذير: رسول ينذركم ويحذركم. فسُحقا: فبعداً وهلاكا لأصحاب السعير. افتتح الله تعالى هذه السورةَ الكريمة بتمجيد نفسه، وأخبر انّ بيدِه الملكَ والتصرفَ في جميع المخلوقات {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ثم أخبر بأنه خلَقَ الموتَ والحياة لغايةٍ أرادها، هي أن يختبركم أيُّكم أصحُّ عملاً، وأخلصُ نيةً، وهو ذو العزةِ الغالبُ الذي لا يُعجزه شيء، الغفورُ لمن أذنبَ ثم تاب، فبابُ التوبة عنده مفتوح دائماً. ثم بيّن الله تعالى انه أبدعَ سبع سماواتٍ طباقاً، يطابق بعضُها بعضا في دِقّة الصَّنعةِ والإتقان. والعددُ سبعة لا يفيد الحَصر، بل يجوز ان يكون هنا أكثر بكثير، ولكنّ القرآن يجري على مفهوم لغةِ العرب.. فإن هذا الكونَ العجيبَ فيه مَجَرّات لا حصر لها وكل مجرّةٍ فيها ملايين النجوم. والسماءُ كل ما علانا فأظلَّنا والصورةُ التي يراها سكانُ الأرض في الليالي الصافية هي القبّة الزرقاءُ تزيّنها النجومُ والكواكب كأنها مصابيحُ، كما تُرى الشهبُ تهوي محترقةً في أعالي جوّ الأرض. ما تَرى أيها الإنسان في صُنع اللهِ أيَّ تفاوت. {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}. أعِد النظرَ في هذا الكون العجيب الصنع، وفي هذه السماء.. هل تجد اي خلل؟ {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} ثم أعِد البصرَ مرّاتٍ ومرات، وفكر في هذا الصنع البديع، يرجعْ إليك البصرُ وهو صاغرٌ وكليل.... ولا يمكن أن ترى فيها أيَّ خللٍ او عيب. ثم بعدَ ان بيّن ان هذه السماواتِ وهذا الكونَ كلّه وُجد على نظامٍ دقيق متقَن، وهو مع ذلك الغايةُ في الحسن والجمال والبهاء قال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}. إن هذه السماء القريبة منّا والتي نراها - مزينةٌ بهذه النجوم المضيئة، والكواكبُ بهجةً للناظرين، وهدىً للسارِين والمسافرين في البر والبحر، والشهُبُ التي نراها متناثرةً في الليل رُجومٌ للشياطين، وقد أعدَدْنا لهم في الآخرةِ عذابَ النار. وكذلك أعدَدْنا لِلّذين كفروا بربّهم عذابَ جهنّم وبئس مآلُهم ومنقَلَبُهم. ثم وصفَ هذه النار، بأنّه يُسمع لها شهيق حين يُلقَى فيها الكافرون، وأنّها تفورُ بهم كما يفور ما في المِرجَلِ حين يغلي، وأنها تكون شديدةَ الغيظ على من فيها، وان خَزَنَتَها من الملائكة يَسألون من يدخل فيها: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} من ربّكم؟ فيعترفون بأن الله ما عذَّبهم ظلماً، بل جاءهم الرسُل فكذّبوهم. ثم يعترفون أيضا بقولهم {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} فاعترفوا بتكذيبهم وكفرهم. ولن ينفعهم اعترافُهم، فبُعداً لأصحاب السعير عن رحمة الله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ما ترى في خلق الرحمن من تفوّت بتشديد الواو بلا الف. والباقون: من تفاوت. وقرأ الكسائي: فسحقاً بضم السين والحاء. والباقون: فسحقا بضم السين واسكان الحاء، وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَبَارَكَ} (1) - يُمَجِّدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُخْبِرُ عِبَادَهُ بِأنَّهُ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ بِمَا يَشَاءُ، لاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُوَ ذُو قُدْرَةٍ عَلَى فِعْلِ كُلِّ شَيءٍ، لاَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ. تَبَارََكَ - تَعَالَى - وَتَمَجَّدَ، أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُهُ. بِيَدِهِ المُلْكُ - بِيَدِهِ الأَمْرُ، وَهُوَ صَاحِبُ النَّهْيِ والسُّلْطَانِ.
الثعلبي
تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} قدّم الموت على الحياة لأنّهُ إلى القهر أقرب، كما قدّم البنات على البنين في قوله: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} تفسير : [الشورى: 49]. قال قتادة: أذلّ اللّه إبن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. وقيل: قدّمه لأنّهُ أقدم، وذلك أنّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموات كالنطفة والتراب ونحوها، ثم اعترصت عليها الحياة. قال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء إلاّ مات، وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء، وهي التي كان جبرئيل والأنبياء(عليهم السلام) يركبونها، خطوها مد البصر، وهي فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء، ولا تطأ شيئاً ولا يجد ريحها شيء إلاّ حيّ، وهي التي أخذ السامري من أثرها؛ فألقاها على العجل فحيى. {لِيَبْلُوَكُمْ} فيما بين الحياة إلى الموت، {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أخبرنا الحسن بن محمد بن فنجويه، حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن برزة، حدّثنا الحرث بن أُسامة، حدّثنا داود بن المحر، حدّثنا عبد الواحد بن زياد العبدي عن كليب بن وائل عن إبن عمر حديث : عن النبي (صلّى اللّه عليه وسلم) أنّه تلا (تبارك الذي بيده الملك) حتى بلغ إلى قوله (أيكم أحسن عملا). ثم قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم اللّه، وأسرعكم في طاعة اللّه . تفسير : وبإسناده عن داود بن المحر، حدّثنا ميسر عن محمد بن زيد عن أبي سلمة عن أبي قتادة قال: قلت:حديث : يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه تعالى {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ما عُني به؟ قال: "يقول أيّكم أحسن عقلا" . تفسير : وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : أتمّكم عقلا وأشدّكم لله خوفاً، وأحسنكم فيما أمر اللّه تعالى به ونهى عنه نظراً وإن كان أقلكم تطوعاً ". تفسير : أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدّثنا أَبُو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن أحمد، حدّثنا أَبُو بكر بن أبي الدّنيا القرشي، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سقيق عن إبراهيم عن الأشعث عن فضيل بن عَياض {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: أخلصه وأصوبه، قلت: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتّى يكون خالصاً صواباً، والخالص: إذا كان للّه، والصّواب: إذا كان على السُنّة. وقال الحسن: يعني أيّكم أزهد في الدنيا زهداً، وأترك لها تركاً. وقال سهل: أيّكم أحسن توكّلا على اللّه. قال الفرّاء: لم يرفع البلوى على أي؛ لأنّ فيما بين أي والبلوى إضماراً وهو كما يقول في الكلام: بلوتكم لأنظر أيّكم أطوع، ومثله {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} تفسير : [القلم: 40] أي سلهم وانظر أيّهم. فأيّ رفع على الابتداء وأحسن خبره. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ * ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} طبقا على طبق، بعضها فوق بعض، يقال: أطبقت الشيء إذا وضعت بعضه فوق بعض. قال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذمّ رجلا فقال: شرّه طباق، وخيره غير باق. قال سيبويه: ونصب طباقاً لأنّه مفعول ثان. {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} قرأ يحيى بن ثابت والأعمش وحمزة والكسائي: من تفوّت بغير ألف، وهي اختيار أبي عبيد وقراءة عبد اللّه وأصحابه. أخبرنا عبد اللّه بن حامد الورّاق، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد اللّه بن هاشم، حدّثنا يحيى بن سعيد القّطان عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه أنّه كان يقرأ: من تفوّت. قال الأعمش: فذُكرتْ لأبي رزين فقال: لقد سمعتها من عبد اللّه فيما قبلتها وأخذتها، وقرأ تفاوت، وهي قراءة الباقين واختيار أبي حاتم وهما لغتان مثل التّعهد التّعاهد، والتحمّل والتحامل، والتطّهر والتطاهر. ومعناه: ماترى في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض وتباين، بل هي مستوية مستقيمة، وأصله من الفوت، وهي أَنْ يفوت بعضها بعضاً لقلّة استوائها، يدلّ عليه قول إبن عبّاس: من تفرق. {فَٱرْجِعِ} فَردّ {ٱلْبَصَرَ} قال الفراء: إنّما قال فارجع وليس قبله فعل مذكور فيكون الرجوع على ذلك الفعل؛ لأَنّ مجاز الكلام: أُنظر ثمّ ارجع البصر. {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} فتوق وشقوق وخروق. الضحّاك: اختلاف وشطور، عطية: عيب، إبن كيسان: تباعد، القرظي: قروح، أَبُو عبيدة: صدوع قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود: شعر : شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطورُ تفسير : وقال آخر: شعر : تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا سُكر ولم يبلغ سرور تفسير : وقال آخر: شعر : بنى لكمُ بلا عمد سماءً وزيّنها فما فيها فطور تفسير : {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ} رُدَّ البصر وكرّر النظر {كَرَّتَيْنِ} مرتين، {يَنْقَلِبْ} ينصرفْ ويرجع {إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً} خاشعاً، ذليلا، مبعداً {وَهُوَ حَسِيرٌ} يعني كليل، منقطع لم يُدرك ماطلب قال الشاعر: شعر : نظرتُ إليها بالمحصب من منى فعاد إليّ الطرفُ وهو حسير تفسير : أخبرنا إبن فنجويه، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علويه، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب، حدّثنا إبراهيم البكري عن صالح بن جبار عن عبد اللّه بن يزيد عن أبيه، قال المسيب: وحدّثنا أَبُو جعفر عن الرّبيع عن كعب قالا: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة صفر وقال نحاس والخامسة فضة، والسادسة ذهب والسّابعة ياقوتة حمراء، وبين السّماء السّابعة إلى الحجب السبعة صحاري من نور، واسم صاحب الحجب "فنطاطروس". {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} أي الكواكب، واحدها مصباح وهو السراج. {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً} مرمىً {لِّلشَّيَاطِينِ} إذا اخترقوا السّمع، {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} في الآخرة {عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} ما جعلنا لهم في الدنيا من الشهب، و{وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} أيضاً {عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً} صوتاً كصوت الحمار {وَهِيَ تَفُورُ} تزفر وتغلي بهم كما يغلي القدر. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفوّر الحبّ القليل في الماء الكثير. {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} يتفرق بعضها من بعض على أهلها غيظاً وانتقاماً للّه تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} قومٌ {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} رسول في الدنيا {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا} للرُسُل {مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {طِبَاقاً} بعضها فوق بعض، من طابق النعل بالنعل إِذا قطعه بقدره وجعله فوقه {فُطُورٍ} شقوق وخروق، من فطر بمعنى شق قال الشاعر: شعر : بنى لكمو بلا عَمدٍ سماءً وسوَّاها فما فيها فُطور تفسير : {حَسِيرٌ} كليل من الحسور وهو الإِعياء يقال حسر البعير إِذا كلَّ وانقطع قال الشاعر: شعر : نظرتُ إِليها بالمحصب من منى فعاد إِليَّ الطَّرف وهو حسير تفسير : {شَهِيقاً} صوتاً منكراً كصوت الحمير {تَمَيَّزُ} تتقطع وينفصل بعضها من بعض، وأصلها تتميَّز حذفت احدى التاءين تخفيفاً {مَنَاكِبِهَا} أطرافها ونواحيها، وأصل المنكب: الجانب ومنه منكب الرجل {لَّجُّواْ} تمادوا وأصروا {تَمُورُ} ترتج وتضطرب {زُلْفَةً} قريباً منهم {غَوْراً} غائراً ذاهباً في الأرض. التفسِير: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} أي تمجَّد وتعالى اللهُ العلي الكبير، المفيض على المخلوقات من فنون الخيرات، الذي بقبضة قدرته ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما كيف يشاء قال ابن عباس: بيده الملك، يعزُّ من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وهو القادر على كل شيء له القدرة التامة، والتصرف الكامل في كل الأمور، من غير منازع ولا مدافع.. ثم بيَّن تعالى آثار قدرته، وجليل حكمته فقال {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} أي أوجد في الدنيا الحياة والموت، فأحيا من شاء وأمات من شاء، وهو الواحد القهار، وإِنما قدم الموت لأنه أهيب في النفوس وأفزع قال العلماء: ليس الموت فناءً وانقطاعاً بالكلية عن الحياة، وإِنما هو انتقال من دار إِلى دار، ولهذا ثبت في الصحيح أن الميت يسمع، ويرى، ويُحسُّ وهو في قبره كما قال عليه السلام "حديث : إِنَّ أحدكم إِذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه وإِنه ليسمع قرع نعالهم"تفسير : الحديث وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم لكنهم لا يجيبون"تفسير : فالموتُ هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقتها للجسد {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي ليمتحنكم ويختبركم - أيها الناس - فيرى المحسن منكم من المسيء قال القرطبي: أي يعاملكم معاملة المختبر، فإِن الله تعالى عالم بالمطيع والعاصي أزلاً {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي الغالبُ في انتقامه ممن عصاه {ٱلْغَفُورُ} لذنوب من تاب وأناب إِليه {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} أي خلق سبع سماواتٍ متطابقة، بعضها فوق بعض، كل سماء كالقبة للأُخرى {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} أي لست ترى أيها السامع في خلق الرحمن البديع من نقص أو خلل، أو اختلاف أو تنافر، بل هي في غاية الإِحكام والإِتقان، وإِنما قال {فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} ولم يقل "فيهن" تعظيماً لخلقهن، وتنبيهاً على باهر قدرة الله {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟ أي فكرّر النظر في السماوات وردّده في خلقهن المحكم، هل ترى من شقوق وصدوع؟ {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي ثم ردِّد النظر مرةً بعد أُخرى، وانظر بعين الاعتبار في هذه السماوات العجيبة، مرةً بعد مرة {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً} أي يرجع إِليك بصرك خاشعاً ذليلاً، لم ير ما تريد {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي وهو كليلٌ متعب قد بلغ الغاية في الإِعياء قال الإِمام الفخر: المعنى إِنك إِذا كررت نظرك لم يرجع إِليك بصرك بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل رجع خاسئاً مبعداً لم ير ما يهوى مع الكلال والإِعياء وقال القرطبي: أي اردد طرفك وقلّب البصر في السماء {كَرَّتَيْنِ} أي مرةً بعد أخرى، يرجع إِليك البصر خاشعاً صاغراً، متباعداً عن أن يرى شيئاً من ذلك العيب والخلل، وإِنما أمر بالنظر كرتين، لأن الإِنسان إِذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه، ما لم ينظر إِليه مرة أخرى، والمراد بالكرتين التكثير بدليل قوله {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} وهو دليلٌ على كثرة النظر.. ثم بيَّن تعالى ما زين به السماء من النجوم الزاهرة والكواكب الساطعة فقال {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} اللام لام القسم و{قد} للتحقيق والمعنى والله لقد زينا السماء القريبة منكم أيها الناس بكواكب مضيئة ساطعة، هي السماء الأولى أقرب السماواتِ إِلى الأرض قال المفسرون: سميت الكواكب مصابيح لإِضاءتها بالليل إِضاءة السراج {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} أي وجعلنا لها فائدةً أُخرى وهي رجم أعدائكم الشياطين، الذين يسترقون السمع قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاثٍ: زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدى بها في البر والبحر وقال الخازن: فإِن قيل: كيف تكون زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وكونها زينة يقتضي بقاءها، وكونها رجوماً يقتضي زوالها، فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟ فالجواب أنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة وتُرمى الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب، ومثلها كمثل قبسٍ يؤخذ من النار وهي على حالها، أقول: ويؤيده قوله تعالى {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات: 10] فعلى هذا، الكواكب لا يرجم بها؛ وإِنما يكون الرجم بالشهب {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} أي وهيأنا وأعددنا للشياطين في الآخرة - بعد الإِحراق بالشهب في الدنيا - العذاب المستعر، وهو النار الموقدة {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} أي وللكافرين بربهم عذاب جهنم أيضاً، فليس العذاب مختصاً بالشياطين بل هو لكل كافر بالله من الإِنس والجن {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي وبئست النار مرجعاً ومصيراً للكافرين.. ثم وصف تعالى جهنم وما فيها من العذاب والأهوال والأغلال فقال {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا} أي إِذا قذفوا وطرحوا في جهنم كما يطرح الحطبُ في النار العظيمة {سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً} أي سمعوا لجهنم صوتاً منكراً فظيعاً كصوت الحمار، لشدة توقدها وغليانها قال ابن عباس: الشهيقُ لجهنم عند إِلقاء الكفار فيها، تشهق إِليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفرُ زفرة لا يبقى أحدٌ إِلا خاف {وَهِيَ تَفُورُ} أي وهي تغلي بهم كما يغلي المرجل - القدر - من شدة الغضب ومن شدة اللهب قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحبُّ القليل في الماء الكثير {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} أي تكاد جهنم تتقطع وينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها وحنقها على أعداء الله {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} أي كلما طرح فيها جماعةٌ من الكفرة {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} أي سألتهم الملائكة الموكلون على جهنم - وهم الزبانية - سؤال توبيخ وتقريع {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} أي ألم يأتكم رسولٌ ينذركم ويخوفكم من هذا اليوم الرهيب؟ قال المفسرون: وهذا السؤال زيادة لهم في الإِيلام، ليزدادوا حسرةً فوق حسرتهم، وعذاباً فوق عذابهم {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} أي أجابوا نعم لقد جاءنا رسول منذر، وتلا علينا آيات الله، ولكننا كذبناه وأنكرنا رسالته {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أي وقلنا إِمعاناً في التكذيب وتمادياً في النكير: ما أنزل الله شيئاً من الوحي على أحدٍ قال الرازي: هذا اعترافٌ منهم بعدل الله، وإِقرار بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل الكرام، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا ما نزَّل الله من شيء {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} هذا من تتمة كلام الكفار أي ما أنتم يا معشر الرسل إِلا في بعدٍ عن الحق، وضلال واضح عميق {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} أي وقال الكفار: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو كنا نسمع سماع طالب للحق، ملتمسٍ للهدى {مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي ما كنا نستوجب الخلود في جهنم {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} أي فأقروا بإِجرامهم وتكذيبهم للرسل {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي فبعداً وهلاكاً لأهل النار قال ابن كثير: عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، والجملة دعائية أي أبعدهم الله من رحمته وسحقهم سحقاً.. ثم لما ذكر حال الأشقياء الكفار أتبعه بذكر حال السعداء الأبرار فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} أي يخافون ربهم ولم يروه، ويكفُّون عن المعاصي طلباً لمرضاة الله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي لهم عند الله مغفرةٌ عظيمة لذنوبهم، وثواب جزيل لا يعلم قدره غير الله تعالى {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} الخطاب لجميع الخلق أي أخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوه وأظهروه، فسواءٌ أخفيتموه أو أظهرتموه فإِنَّ الله يعلمه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي لأنه تعالى العالم بالخفايا والنوايا، يعلم ما يخطر في القلوب، وما توسوس به الصدور قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسرُّوا قولكم حتى لا يسمع إِله محمد، فأخبره الله أنه لا تخفى عليه خافية {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}؟ أي ألا يعلم الخالق مخلوقاته؟ كيف لا يعلم من خلق الأشياء وأوجدها سرَّ المخلوق وجهره؟ {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} أي والحال أنه اللطيف بالعباد، الذي يعلم دقائق الأمور وغوامضها، الخبير الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا تتحرك ذرة، ولا تسكن أو تضطرب نفسٌ إِلا وعنده خبرها.. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته، وآثار فضله وامتنانه على العباد فقال {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} أي الله جل وعلا جعل لكم الأرض لينةً سهلة المسالك {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} أي فاسلكوا أيها الناس في جوانبها وأطرافها قال ابن كثير: أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها للمكاسب والتجارات {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} أي وانتفعوا بما أنعم به جل وعلا عليكم من أنواع الكسب والرزق قال الألوسي: كثيراً ما يُعبر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم، وفي الآية دليل على ندب التسبب والكسب، وهو لا ينافي التوكل، فقد مرَّ عمر رضي الله عنه بقومٍ فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون فقال: بل أنتم المتواكلون، إِنما المتوكل رجلٌ ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} أي وإِليه تعالى المرجع بعد الموت والفناء، للحساب والجزاء.. ثم توعّد تعالى كفار مكة المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} أي هل أمنتم يا معشر الكفار ربكم العليَّ الكبير أن يخسف بكم الأرض فيغيبكم في مجاهلها، بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها؟ {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي فإِذا بها تضطرب وتهتز بكم هزاً شديداً عنيفاً قال الرازي: والمراد أنَّ الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرضُ فوقهم تمور فتلقيهم إِلى أسفل سافلين {أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي أم أمنتم الله العليَّ الكبير أن يرسل عليكم حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوطٍ وأصحاب الفيل؟ {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي فستعلمون عند معاينة العذاب، كيف يكون إِنذاري وعقابي للمكذبين!! وفيه وعيد وتهديدٌ شديد، وأصلها {نذيري} و{نكيري} حذفت الياء مراعاةً لرءوس الآيات {وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي ولقد كذب كفار الأمم السابقة رسلهم، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود وأمثالهم، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لقومه المشركين {فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ} أي فكيف كان إِنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول والفظاعة؟ ثم لما حذَّرهم ما عسى أن يحل بهم من الخسف وإِرسال الحاصب، نبَّههم على الاعتبار بالطير، وما أحكم الله من خلقها، وعن عجز آلهتهم المزعومة عن خلق شيءٍ من ذلك فقال {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} أي أولم ينظروا نظر اعتبار الى الطيور فوقهم، باسطاتٍ أجنحتهن في الجو عند طيرانها وتحليقها، {وَيَقْبِضْنَ} أي ويضممنها إِذا ضربن بها جنوبهن وقتاً بعد وقت؟ ولما كان الغالب هو فتح الجناحين فكأنه هو الثابت عبَّر عنه بالإِسم {صَافَّاتٍ} وكان القبض متجدداً عبَّر عنه بالفعل {وَيَقْبِضْنَ} قال في التسهيل: فإِن قيل: لِمَ لم يقل "قابضات" على طريقة {صَافَّاتٍ}؟ فالجواب أن بسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مدَّ الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكره بصيغة اسم الفاعل {صَافَّاتٍ} لدوامه وكثرته، وأما قبضُ الجناحين فإِنما يفعله الطائر قليلاً للاستراحة والاستعانة، فلذلك ذكره بلفظ الفعل لقلته {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} أي ما يمسكهن في الجو عن السقوط في حال البسط والقبض، إِلا الخالق الرحمن الذي وسعت رحمته كل ما في الأكوان قال الرازي: وذلك أنها مع ثقلها وضخامة أجسامها، لم يكن بقاؤها في جو الهواء إِلا بإِمساك الله وحفظه، وإِلهامها الى كيفية البسط والقبض المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} أي يعلم كيف يخلق، وكيف يبدع العجائب، بمقتضى علمه وحكمته.. ثم وبَّخ تعالى المشركين في عبادتهم لما لا ينفع ولا يسمع فقال {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}؟ أي من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم عذاب الله من الأنصار والأعوان؟! قال ابن عباس: أي من ينصركم مني إِن أردتُ عذابكم؟ {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} أي ما الكافرون في اعتقادهم أن آلهتهم تنفع أو تضرُّ إِلا في جهل عظيم، وضلال مبين، حيث ظنوا الأوهام حقائق، فاعتزوا بالأوثان والأصنام {أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}؟ أي من هذا الذي يرزقكم غير الله إِن منع الله عنكم رزقه؟ والخطاب في الآيتين للكفار على وجه التوبيخ والتهديد، وإِقامة الحجة عليهم {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي بل تمادوا في الطغيان، وأصرّوا على العصيان، ونفروا عن الحق والإِيمان.. ثم ضرب تعالى مثلاً للكافر والمؤمن فقال: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؟ أي هل من يمشي منكساً رأسه، لا يرى طريقه فهو يخبط خبط عشواءً، مثل الأعمى الذي يتعثر كل ساعة فيخرّ لوجهه، هل هذا أهدى أم من يمشي منتصب القامة، يرى طريقه ولا يتعثر في خطواته، لأنه يسير على طريق بيّن واضح؟ قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر كالأعمى الماشي على غير هدى وبصيرة، لا يهتدي الى الطريق فيتعسف ولا يزال ينكب على وجهه، والمؤمن كالرجل السويّ الصحيح البصر، الماشي على الطريق المستقيم فهو آمن من الخبط والعثار، هذا مثلهما في الدنيا، وكذلك يكون حالهما في الآخرة، المؤمن يحشر يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم، والكافر يحشر يمشي على وجهه إِلى دركات الجحيم قال قتادة: الكافر أكبَّ على معاصي الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فحشره الله على الطريق السويّ يوم القيامة وقال ابن عباس: هو مثلٌ لمن سلك طريق الضلالة ولمن سلك طريق الهدى.. ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه الجليلة، ليعرفوا قبح ما هم عليه من الكفر والإِشراك فقال {قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} أي قل لهم يا محمد: الله جل وعلا هو الذي أوجدكم من العدم، وأنعم عليكم بهذه النعم "السمع والبصر والعقل" وخصَّ هذه الجوارح بالذكر لأنها أداة العلم والفهم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي قلَّما تشكرون ربكم على نعمه التي لا تُحصى قال الطبري: أي قليلاً ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم {قُلْ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقكم وكثَّركم في الأرض {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي وإِليه وحده مرجعكم للحساب والجزاء {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي متى يكون الحشر والجزاء الذي تعدوننا به؟ إِن كنتم صادقين فيما تخبروننا به من مجيء الساعة والحشر، وهذا استهزاء منهم {قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة ووقت العذاب عند الله تعالى لا يعلمه غيره {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي وما أنا إِلا رسولٌ منذر أخوفكم عذاب الله امتثالاً لأمره.. ثم أخبر تعالى عن حال المشركين في ذلك اليوم العصيب فقال {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} أي فلما رأوا العذاب قريباً منهم، وعاينوا أهوال القيامة {سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ظهرت على وجوههم آثار الاستياء، فعلتها الكآبة والغم والحزن، وغشيها الذل والانكسار، قال في البحر: أي ساءت رؤية العذاب وجوههم، وظهر فيها السوء والكآبة، كمن يساق الى القتل {وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} أي وقالت لهم الملائكة توبيخاً وتبكيتاً: هذا الذي كنتم تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه استهزاءً وتكذيباً {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتمنون هلاكك: أخبروني إِن أماتني الله ومن معي من المؤمنين، أو رحمنا بتأخير آجالنا {فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي فمن يحميكم من عذاب الله الأليم، ووضع لفظ {ٱلْكَافِرِينَ} عوضاً عن الضمير "يجيركم" تشنيعاً وتسجيلاً عليهم بالكفر قال المفسرون: كان الكفار يتمنون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأمره الله أن يقول لهم: إِن أهلكني الله بالإِماتة وأهلك من معي، فأي راحةٍ وأي منفعة لكم فيه، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إِذا نزل بكم؟ هل تظنون أن الأصنام تخلصكم وتنقذكم من العذاب الأليم؟ {قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} أي قل لهم: آمنا بالله الواحد الأحد، وعليه اعتمدنا في جميع أمورنا، لا على الأموال والرجال {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي فسوف تعلمون عن قريب من هو في الضلالة نحن أم أنتم؟ وفيه تهديد للمشركين {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} أي قل لهم يا محمد: أخبروني إِذا صار الماء غائراً ذاهباً في أعماق الأرض، بحيث لا تستطيعون إِخراجه {فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} أي فمن الذي يخرجه لكم حتى يكون ظاهراً جارياً على وجه الأرض؟ هل يأتيكم غير الله به؟ فلم تشركون مع الخالق الرازق غيره من الأصنام والأوثان؟ البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱلْمَوْتَ.. وَٱلْحَيَاةَ} وبين {وَأَسِرُّواْ أَوِ ٱجْهَرُواْ} وبين {صَافَّاتٍ.. وَيَقْبِضْنَ} لأن المعنى صافات وقابضات. 2- وضع الموصول للتفخيم والتعظيم {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} أي له الملك السلطان، والتصرف في الأكوان. 3- الإِطناب بتكرار الجملة مرتين زيادة في التذكير والتنبيه {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ.. ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} وكذلك {مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ.. فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. 4- الاستفهام الإِنكاري للتقريع والتوبيخ {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}؟ 5- المقابلة {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} قابله بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} وهو من المحسنات البديعية. 6- الاستعارة المكنية {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} شبَّه جهنم في شدة غليانها ولهبها بإِنسان شديد الغيظ والحنق على عدوه يكاد يتقطع من شدة الغيظ، وحذف المشبه به ورمز إِليه بشيء من لوازمه وهو الغيظ الشديد بطريق الاستعارة المكنية. 7- الاستعارة التمثيلية {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هذا بطريق التمثيل للمؤمن والكافر، فالمؤمن يمشي سوياً على صراط مستقيم، والكافر يمشي مكباً على وجهه إِلى طريق الجحيم، ويا لها من استعارة رائعة!! 8- السجع المرصَّع مراعاة لرءوس الآيات مثل {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} {فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ}؟ {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} ومثل {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ} {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} الخ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ضرب للكفار مثلاً بتينك المرأتين المحتوم لها بالشقاوة وإن كانتا تحت نبيين ومثلاً للمؤمنين بآسية ومريم وهما محتوم لهما بالسعادة وإن كان قومها كافرين كان ذلك تصرفاً في ملكه على ما سبق به قضاؤه فقال تعالى: {تَبَارَكَ} أي تعالى وتعاظم {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} وهو كناية عن الإِحاطة والقهر وكثيراً ما جاء نسبة اليد إليه تعالى كقوله: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [يس: 83] والملك هنا هو على الإِطلاق لا يبيد ولا يختل ومعنى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} إيجاد ذلك المصحح وإعدامه والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون وسمى علم الواقع منهم باختيارهم بلوى وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر وفي الحديث أنه فسر. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي أيكم أحسن عقلاً وأشدكم لله خوفاً وأحسنكم في أمره ونهيه نظراً وإن كان أقلكم تطوعاً وانتصب. {طِبَاقاً} على الوصف لسبع فإِما أن يكون مصدر طابق مطابقة وطباقاً كقولهم طابق النعل خصفها طبقاً على طبق وصف به على سبيل المبالغة والتفاوت تجاوز الحد الذي يجب له زيادة أو نقصاناً والخطاب في ترى لكل مخاطب أو للرسول عليه السلام ولما أخبر تعالى أنه لا تفاوت في خلقه أمر بترديد البصر في الخلق المناسب فقال: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ} ففي الفاء معنى التسبب والمعنى أن العيان يطابق الخبر والفطور الشقوق يقال فطر ناب البعير أي شق اللحم وظهر وقرىء: تفاوت وتفوت والحملة من قوله هل ترى من فطور في موضع نصب بفعل معلق محذوف أي فانظر هل ترى أو ضمن فارجع البصر معنى فانظر ببصرك هل ترى فيكون معلقاً. {ثُمَّ ارجِعِ} أي رددّه. {كَرَّتَيْنِ} هي تثنية لأشفع الواحد بل يراد به التكرار كأنه قال: كرة بعد كرة أي كرات كثيرة. {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي كليل. {ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} هي التي نشاهدها. {بِمَصَٰبِيحَ} أي بنجوم مضيئة. {وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً} أي جعلنا منها لأن السماء ذاتها ليست الرجوم والظاهر عوده على مصابيح ونسب الرجم إليها لأن الشهاب المتبع للمسترق منفصل من نارها والكوكب باب في فلكه على حاله فالشهاب كقبس يؤخذ من نار والنار باقية لا تنقص والظاهر أن الشياطين هم مسترقو السمع وان الرجم هو حقيقة يرمون بالشهب كما تقدم في الحجر وغيرها والضمير في لهم عائد على الشياطين. وقرىء: {عَذَابَ} بالرفع مبتدأ خبره في الجار والمجرور قبله وبالنصب على إضمار أعتدنا. {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا} أي طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ويرمى به ومثله حطب جهنم. {سَمِعُواْ لَهَا} أي لجهنم. {شَهِيقاً} أي صوتاً منكراً كصوت الحمار تصوت مثل ذلك لشدة توقعوها وغليانها ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي سمعوا لأهلها كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}تفسير : [هود: 106]. {وَهِيَ تَفُورُ} تغلي بهم على المرجل. {تَكَادُ تَمَيَّزُ} أي ينفصل بعضها من بعض لشدة اضطرابها. {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} أي فريق من الكفار. {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} سؤال توبيخ وتقريع وهو مما يزيدهم عذاباً إلى عذابهم وخزنتها مالك وأعوانه. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ينذركم بهذا اليوم. {قَالُواْ بَلَىٰ} إعتراف بمجيء النذر إليهم والظاهر أن قوله إن أنتم من قول الكفار للرسل الذين جاؤوا نذراً لهم أنكروا أولاً أن الله تعالى نزل شيئاً واستجهلوا ثانياً من أخبر أنه تعالى أرسل إليهم الرسل وإن قاتل ذلك في حيرة عظيمة فإِن كان الخطاب في إن أنتم للرسل فنذير أريد به الجنس ولذلك جاء الخطاب بالجمع. {وَقَالُواْ} أي الخزنة حين حاوروهم. {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} سماع طالب للحق. {أَوْ نَعْقِلُ} عقل متأمل له لم نستوجب الخلود في النار. {فَٱعْتَرَفُواْ} حين لم ينتفعوا بالاعتراف. {بِذَنبِهِمْ} أي بتكذيب الرسل. {فَسُحْقاً} أي فبعداً لهم وهو دعاء عليهم والسحق البعد وانتصابه على المصدر أي سحقهم الله سحقاً. {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ} خطاب لجميع الخلق قال ابن عباس: ان بعض المشركين قالوا لبعض أسروا قولكم لا يسمعكم إلٰه محمداً. {أَلاَ يَعْلَمُ} الهمزة للإِستفهام ولا للنفي والظاهر أن من مفعول والمعنى أينتفي علمه بمن خلق وهو الذي لطف علمه ودق وأحاط بخفيات الأمور وجلياتها. {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} منة منه تعالى بذلك والذلول فعول للمبالغة. {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} أمر بالتصرف فيها والاكتساب ومناكبها قال ابن عباس هي الجبال. {وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} أي البعث فيسألكم عن شكر هذه النعم.
الجيلاني
تفسير : {تَبَارَكَ هُوَ} تعاظم وتعالى من كثرة الخيرات والبركات الملك الكامل {ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} وبقبضة قدرته جميع التدابير الجارية فيه على وجوه الصور والتقادير {وَ} كيف لا {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من متفرعات جود وجوده {قَدِيرٌ} [الملك: 1] بالقدرة الشاملة، والإرادة الكاملة؟! {ٱلَّذِي خَلَقَ} وقدر {ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} بمقتضى قهره ولطفه، وأدارهما بينكم أيها المكلفون {لِيَبْلُوَكُمْ} ويختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وأصوبه وأصلحه، وأخلصه {وَ} إن لم تحسنوا العمل، ولم تصلحوه بعدما أمركم سبحانه بالإخلاص والإصلاح فقد ينتقم عنكم سبحانه بمقتضى غيرته؛ إذ {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على وجوه الانتقام لمن خرج عن ربقة عبوديته {ٱلْغَفُورُ} [الملك: 2] المقتدر على وجوه الإنعام للمحسنين المخلصين. وكيف لا، هو {ٱلَّذِي خَلَقَ} أظهر وأوجد {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} على عدد الصفات السبع الذاتية، وجعلها {طِبَاقاً} متطابقة بعضها فوق بعض، جوف بعض، وجعل تطبيقاتها ونظمها على وجه أحكم، ونظام أبلغ، حيث {مَّا تَرَىٰ} أيها الرائي {فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} المستوي على عروش الأكوان {مِن تَفَاوُتٍ} ينبئ عن عدم رعاية الحكمة والمصلحة فيه، بل كلها على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة؟! فإن شككت أيها المعتبر الرائي فيها؛ لقصور نظرك عن إحاطة ما فيها من الحكم والمصالح في بادئ الرأي {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ} وتكرِّر النظر، ثمَّ انظر {هَلْ تَرَىٰ} فيها {مِن فُطُورٍ} [الملك: 3] خلل وشقوق وقعت فيها، لا على مقتضى الحكمة والإحكام؟. {ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ} إن شئت وشككت {كَرَّتَيْنِ} مرتين أو مراراً كثيرة إلى حيث {يَنْقَلِبْ} ويرجع {إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ} أي: بصرك {خَاسِئاً} خائباً بعيداً عن المطلوب الذي هو رؤية الفطور والقصور {وَهُوَ} أي: نظرك حين رجوعه إليك {حَسِيرٌ} [الملك: 4] كليل كئيب من طول المعاودة، وكثرة المراجعة بلا فائدة تترتب عليها، وعائدة تفوز بها من إدراك الفطور والقصور. {وَ} من كمال قدرتنا، ومتانة حكمتنا: {لَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي: السماء المرئية من الدنيا {بِمَصَٰبِيحَ} أي: بكواكب كثيرة مضيئة، منيرة في الليل كالسرج، هي سبب رؤيتها، وإلاَّ فلا ترى الأفلاك {وَ} من جملة اختباراتنا الواقعة بين عبادنا: إنَّا {جَعَلْنَٰهَا} أي: تلك المصابيح {رُجُوماً} أي: سبب ظنون وجهالات {لِّلشَّيَٰطِينِ} وهم المنجمون المرجفون الذين يرجمون بالغيب، مستمسكين بها وبحركاتها وأوضاعها {وَ} بعدما أظللناهم بها في الدنيا {أَعْتَدْنَا لَهُمْ} في الآخرة {عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} [الملك: 5] أي: النار المسعرة جزاء ما اجترءوا على الله بدعوى الإطلاع على المغيبات، مع أنه من الخصائص الإلهية، وما ذلك إلاَّ من كفرهم بالله، واسقلاله في مطلق تصرفاته الواقعة في ملكه وملكوته. {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} وادَّعوا معه الشركة في أخص أوصافه، وهو عالم الغيب {عَذَابُ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، والطرد والحرمان {وَ} بالجملة: {بِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الملك: 6] مصير أهل الكفر. ومأواهم من شدة أهوال جهنم وأفزاعها: إنهم {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا} أي: قصدهم الزبانية؛ لإلقائهم بالعنف والزجر المفرط {سَمِعُواْ لَهَا} أي: لجهنم {شَهِيقاً} صوتاً هائلاً مهولاً، كصور الحمار {وَ} الحال أنه {هِيَ} أي: جهنم حينئذٍ {تَفُورُ} [الملك: 7] وتغ لي غليان المرحل غيظاً وغضباً لأعداء الله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا طالب سر الملك والملكوت اعلم أن سرهما في يدي مالك الملك والملكوت، كما يقول في كتابه الكريم: {أية : بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [يس: 83]، و{تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [الملك: 1]، والملك إشارة إلى: عالم الناسوت، واليد إشارة إلى: عالم الجبروت، {وَهُوَ} إشارة إلى: عالم اللاهوت، فتبارك وتعالى الذي بيده الملك والملكوت أن تشبه يده الأيدي، وتنزهت وتقدست ذاته أن تكون معطلة عن الصفات الحسنى؛ ولكن ينبغي أن يكون السالك سنياً لا ظهرياً، ولا باطنياً، ولا مشبهياً، ولا معطلياً ليعرف سر اليد المذكورة في كلام الرب، وسر ما قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الطويل: "حديث : كلتا يدي الرحمن يمين"،تفسير : ولا يمكن لك المعرفة بهذا الحديث إن كنت جامداً بليداً؛ فأشعل نار الذكر حتى تذهب جمودتك وبلادتك، وانظر بعد ذلك في بدائع الصنائع لتفهم ما فيه من حقائق الدقائق، ثم جئ حتى أقول معك بعض أسراره مما يتعلق ببطن القرآن. واعلم أن اليمين واليسار يطلق في عالم الجهات، ولا جهة في عالم الحق، ولا زمان، ولا مكان، ولا خلاء من الوجود، ولا ملاء من الجسم الكلي، وكل شيء يرى بعين الحس في الملك فتبصره ببصيرة العقل في الملكوت قائم به، وهو موجد حياة كل الأحياء منه، وقيام كل الأشياء به، {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، و{أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن: 26] ويبقى وجهه. وإطلاق اليمين في الحديث كان لأجل اليمين والبركة، وإظهار سر التوحيد، وإشارته إلى "كلتا يديه" إشارة إلى: يدي الظاهرة والباطنة؛ يعني: بيد إرادته الباطنة باطن ملكوت كل شيء، وبيد قدرته الظاهرة ظهور الملك، وبعد هذا تحرك سلسلة حد القرآن مما أمرت بستره فأدرج. واعلم أنه على كل شيءٍ قدير كما يقول في كتابه الكريم: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] يقدر على الإبداع، والإيجاد، والإبقاء، والإفناء، {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2]، ذكر الموت والحياة؛ لأن القدرة فيهما أظهر، وقدم الموت على الحياة؛ لأنه [سابقتكم] {أية : أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ}تفسير : [البقرة: 28]؛ يعني: كنتم جاهلين فأحياكم بالعلم، وكنتم في بطون أمهاتكم موتى فأحياكم بنفخ الروح، وكنتم موتى في القلب فأحياكم بنور الإيمان، وكنتم موتى في البرزخ فأحياكم يوم القيامة، وكنتم موتى في النكرة فأحياكم بالمعرفة، وكنتم موتى من مشاهدة وجه الرب فأحياكم بمشاهدته للابتلاء حتى تتم مظاهر لطفه وقهره، وحتى يرى {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] في الاختيار الحياتي الذي أعطاه ربكم لكم لتكونوا خلاف الأرض، أتشتغلون في عالم اختياركم بذكر مولاكم؟ أم تبتغون هواكم وتغفلون عن ذكر مولاكم؟ أتتركون الدنيا الفانية للآخرة الباقية؟ أم تشتغلون بالدنيا لاستيفاء حظوظكم العاجلة الشهوية؟ أم تشتغلون بتزكية النفس عن الكدورات الحاصلة لها في دار الفناء؟ أم تتركونها مكدرة مظلمة صاعد عليها كل ساعة دخان الهوى؟ أتجتهدون في تصفية السر وتحلية الروح بالأخلاق والصفات الحسنة؟ أم تتركونها ملوثة بقاذورات الأخلاق الشيطانية والصفات البهيمية؟ أتقبلون على تصقيل القلب ليكون مرآة لوجه الرب وهو المقصود من إيجاد الموجودات؟ أم تعرضون عنه ليتأثر فيه طبع [الطغي] {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} [الملك: 2]؛ يعني: هو غالب على أمره أن يعذب المقصر في تقويم القالب وتصقيل القلب وإقامة المرآة محاذاة وجه الرب في عالم التوجه، غفور لمن يقوِّم القالب على وفق ظاهر الشرع بالسياسة، وتصقيل القلب على قانون حكمة الطريقة بالطهارة، ويقيم المرآة المقوِّمة المصقلة محاذاة وجه الرب بالطهارة، والله تعالى أرسل جميع الرسل إلى الخلق ليعلمهم بالسياسة أمر التقويم، وبالطهارة أمر التصقيل، وبالعبادة أمر التوجه؛ لترى في المرآة ذاته وأفعاله وآثاره كما يقول تعالى: "حديث : كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف ". تفسير : {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ * ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} [الملك: 2-3]؛ أي: سماوات أطوار القلب طبقاً طبقاً في كل واحدة منها حكمة خاصة، {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]؛ يعني: لا يفوته، وإضافة الخلق في هذا المقام إلى الرحمن كانت من سر فينبغي ألاَّ يغفل عنه، وهو أنه بعد استوائه على العرش واستواء الخليقة على عرش القالب الجسماني خلق سماوات القلب والصدر، والسماء الروحانية، والأرض القالبية، {أية : كَانَتَا رَتْقاً}تفسير : [الأنبياء: 30] من قبل مقتضاهما عند استواء الرحمن على عرش الروح، واستواء خليقته على عرش القالب، وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن مما ليس هو من نفس المستمعين. {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} [الملك: 3]؛ يعني: كرر النظر واعتبر بنظر الاعتبار هل ترى في خلقه من نقصان من الشوق والصدع أو الخرق؟ {ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] كرة في ملكه، وكرة في ملكوته، وكرة بعين الحس، وكرة ببصيرة العقل حتى يقع نظرك في عالم ملكه وملكوته على شيء، يقول عقلك المضل وقواك الكافرة وهويتك المدعية للإلهية: ينبغي أن يكون هذا على خلاف ما خفلناه وسويناه، فيا أيها الجاهل الضال لا تتفكر في قبضتك وأنا ملك [الملوك] حتى ترى حكمة الحكيم إن لم تكن ممن يتفكر في ملكه العظيم، وتعلم أن لو يزيد أنملة على الأنامل الخمس كيف يكون قبيحاً؟! بحيث يحكم عقلك على قطها، ولو تنقص أنملة من الأنامل كيف تستحي منها وتمد يدك في كمك حتى لا يطلع على نقصانك أحد؟! وإن كانت الأنامل متصلة بعضها ببعض لا يمكن لك القبض والبسط، وإن كانت الأنامل مستوية لا يتصل بعضها ببعض وقت الضم، وعجائب القبضة الواحدة التي هي عضو جسماني من أعضائك، وعروقها، وأغصانها، وروابطها الظاهرة، وأظافرها، وكيفية تحليل الخلط السوداني من رؤوس الأظافر ينبغي أن تقطع في كل شهر مرتين، وكيفية عضلاتها وروابطها الباطنة إلى حقيقة صفة القدرة، واتصال القدرة بالإرادة، وتعلق الإرادة بالعلم الروحاني، ثم تعلق العلم بالقلم الذي في قبضة الحق، واتصال حقيقة القبضة الحقية باليد المذكورة في كلام المجيد وهلم جرا إلى الدقائق الجبروتية المتصلة بحقائق اللاهوتية مما لا يحصى أبد الدهر في ظنك بعجائب ملكه وملكوته، وجبروته ولاهوته، ومع هذا تدعي الربوبية الإلهية، وتعجز عن إدراك سر عضو من أعضائك أيها المعاند الجاهل. {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4]؛ يعني: ينقلب نظرك صاغراً ذليلاً عاجزاً، وهو كليل منقطع عن النظر على نقصان في ملكه وملكوته، {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ} [الملك: 5]؛ يعني: زينا سماء الدنيا بمصابيح خواطر القدر في آفاق عالم الإنسان، وهو مظهر السر في أنفس عالم الإنسان السرية والروحية والخفية، والقالب الذي هو عالم الكون، والفساد مظهر لسماء الدنيا الذي هو ذات البروج، ولا تغلظ بأنا بينا في الواردات أن القلب أعلى من الصدر، ويشاهد الصدر إلى القلب أقرب، وتفكر في إحاطة جسيمة الصدر بالقلب في عالم الشهادة كما تشاهد إحاطة فلك الثوابت بالأفلاك السبعة؛ لئلا تغلط ونحن في هذا المقام ندخل في طريق الجسمانيات {وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ} [الملك: 5]؛ يعني: جعلنا الخواطر السرية والروحية والخفية على سماء الصدر حفظة؛ ليرجم بها الشياطين إذا أرادوا أن يوسوسوا في الصدر ويسترقوا السمع {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} [الملك: 5]؛ يعني: للقوى النفسية التي يمددها بقدر الشيطان التجاوز عن عالمها والصعود إلى سماء الصدر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } أي: تعاظم وتعالى، وكثر خيره، وعم إحسانه، من عظمته أن بيده ملك العالم العلوي والسفلي، فهو الذي خلقه، ويتصرف فيه بما شاء، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية، التابعة لحكمته، ومن عظمته، كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء، وبها أوجد ما أوجد من المخلوقات العظيمة، كالسماوات والأرض. وخلق الموت والحياة أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم؛ { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء. { وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات. { الْغَفُورُ } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا. { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا } أي: كل واحدة فوق الأخرى، ولسن طبقة واحدة، وخلقها في غاية الحسن والإتقان { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ } أي: خلل ونقص. وإذا انتفى النقص من كل وجه، صارت حسنة كاملة، متناسبة من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها، وما فيها من الشمس والقمر والكواكب النيرات، الثوابت منهن والسيارات. ولما كان كمالها معلومًا، أمر [الله] تعالى بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها، قال: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } أي: أعده إليها، ناظرًا معتبرًا { هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ } أي: نقص واختلال. { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } المراد بذلك: كثرة التكرار { يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } أي: عاجزًا عن أن يرى خللا أو فطورًا، ولو حرص غاية الحرص. ثم صرح بذكر حسنها فقال: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا ...}.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةُ {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [1] 632 - أخبرني إسحاقُ بن إبراهيم قال: قُلتُ لأبي أُسامة: أحدثكم شُعبةُ عن قتادة عن عباسٍ الجُشميِّ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنَّ سورةً في القرآن ثلاثون آيةً شفعت لصاحبها حتى غُفر له {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}؟ فأقرَّ به أبو أُسامة وقال: نعم .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):