Verse. 5243 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

الَّذِيْ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيٰوۃَ لِيَبْلُوَكُمْ اَيُّكُمْ اَحْسَنُ عَمَلًا۝۰ۭ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْغَفُوْرُ۝۲ۙ
Allathee khalaqa almawta waalhayata liyabluwakum ayyukum ahsanu AAamalan wahuwa alAAazeezu alghafooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذي خلق الموت» في الدنيا «والحياة» في الآخرة أو هما في الدنيا فالنطفة تعرض لها الحياة وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى لتقدير «ليبلوكم» ليختبركم في الحياة «أيكم أحسن عملا» أطوع لله «وهو العزيز» في انتقامه ممن عصاه «الغفور» لمن تاب إليه.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ } والعدم لا يكون مخلوقاً هذا هو التحقيق، وروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فارس يلقاه فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحتها شيء إلا حيي. واعلم أن هذا لا بد وأن يكون مقولاً على سبيل التمثيل والتصوير، وإلا فالتحقيق هو الذي ذكرناه. المسألة الثانية: إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت لوجوه: أحدها: قال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح وثانيها: روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان وثالثها: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن منادياً ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة، فيعلمون أنه من قبل الله عز وجل فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا: نعم، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزن» تفسير : واعلم أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشاً بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة ورابعها إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم. المسألة الثالثة: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم أحد في الدنيا وهي الأصل أيضاً في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم، والموت أيضاً نعمة على ما شرحنا الحال فيه في مواضع من هذا الكتاب، وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أكثروا من ذكر هازم اللذات» تفسير : وقال لقوم: «حديث : لو أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى» تفسير : وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل فأثنوا عليه، فقال: «حديث : كيف ذكره الموت؟ قالوا قليل، قال فليس كما تقولون»تفسير : . قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي وذلك في حق من وجب أن يكون عالماً بجميع المعلومات أزلاً وأبداً محال، إلا أنا قد حققنا هذه المسألة في تأويل قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ } تفسير : [البقرة: 124] والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه (الابتلاء) على المختبر. المسألة الثانية: احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ } قالوا: هذه اللام للغرض ونظيره قوله تعالى: {أية : إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وجوابه أن الفعل في نفسه ليس بابتلاء إلا أنه لما أشبه الابتلاء سمي مجازاً، فكذا ههنا، فإنه يشبه الغرض وإن لم يكن في نفسه غرضاً، فذكر فيه حرف الغرض. المسألة الثالثة: اعلم أنا فسرنا الموت والحياة بالموت حال كونه نطفة وعلقة ومضغة، والحياة بعد ذلك فوجه الابتلاء على هذا الوجه أن يعلم أنه تعالى هو الذي نقله من الموت إلى الحياة وكما فعل ذلك فلا بد وأن يكون قادراً على أن ينقله من الحياة إلى الموت فيحذر مجيء الموت الذي به ينقطع استدراك ما فات ويستوي فيه الفقير والغني والمولى والعبد، وأما إن فسرناهما بالموت في الدنيا وبالحياة في القيامة فالابتلاء فيهما أتم لأن الخوف من الموت في الدنيا حاصل وأشد منه الخوف من تبعات الحياة في القيامة، والمراد من الابتلاء أنه هل ينزجر عن القبائح بسبب هذا الخوف أم لا. المسألة الرابعة: في تعلق قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ } بقوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } وجهان: الأول: وهو قول الفراء والزجاج: إن المتعلق بأيكم مضمر والتقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً والثاني: قال صاحب «الكشاف»: {لِيَبْلُوَكُمْ } في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملاً. المسألة الخامسة: ارتفعت (أي) بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها على أصل الاستفهام فإنك إذا قلت: لا أعلم أيكم أفضل كان المعنى لا أعلم أزيد أفضل أم عمرو، واعلم أن مالا يعمل فيما بعد الألف فكذلك لا يعمل في (أي) لأن المعنى واحد، ونظير هذه الآية قوله: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذٰلِكَ زَعِيمٌ } تفسير : [القلم: 40] وقد تقدم الكلام فيه. المسألة السادسة: ذكروا في تفسير {أَحْسَنُ عَمَلاً } وجوهاً: أحدها: أن يكون أخلص الأعمال وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صواباً غير خالص فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة وثانيها: قال قتادة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يقول أيكم أحسن عقلاً» تفسير : ثم قال: حديث : أتمكم عقلاً أشدكم لله خوفاً وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظراً تفسير : ،وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملاً على ما ذكر في حديث قتادة وثالثها: روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركاً لها، واعلم أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ } أي وهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة. واعلم أن كونه عزيزاً غفوراً لا يتم إلا بعد كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقاباً أو ثواباً، وأما أنه لا بد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه، فثبت أن كونه عزيزاً غفوراً لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت القدرة التامة والعلم التام، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام، ولما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً، لا جرم ذكر أولاً دلائل القدرة وثانياً دلائل العلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ: قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة؛ يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدّم الموت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب؛ كما قدّم البنات على البنين فقال: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً}تفسير : .[الشورى:49] وقيل: قدّمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنُّطْفَة والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى أذلّ بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار مَوْت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء»تفسير : . وعن أبي الدَّرْداء: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لَوَثّاب»تفسير : . المسألة الثانية ـ: {ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} قدّم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل مَن نَصب موته بين عينيه؛ فقدّم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهمّ قال العلماء: الموت ليس بعدم مَحْض ولا فناء صِرْف، وإنما هو انقطاع تعلّق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولةٌ بينهما، وتبدّلُ حال وانتقالٌ من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك. وحُكي عن ابن عباس والكَلْبي ومُقاتل: أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلْقاء ـ وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها ـ خطوتها مدّ البصر، فوق الحمار ودون البغل، لاتمرّ بشيء يجد ريحها إلا حَيِيَ، ولا تطأ على شيء إلا حَيي. وهي التي أخذ السَّامِريّ من أثرها فألقاه على العجل فَحيي. حكاه الثعلبيّ والقُشَيري عن ابن عباس. والمَاوَرْدِي معناه عن مقاتل والكلبيّ. قلت: وفي التنزيل {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}تفسير : [السجدة:11]، {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [الأنفال:50] ثم {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام:61] ثم قال: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : . [الزمر:42] فالوسائط ملائِكة مكرَّمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على الحقيقة، وإنَّما يُمَثَّل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط؛ حسب ما ورد به الخبر الصحيح. وما ذُكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر. والله أعلم. وعن مقاتل أيضاً: خلق الموت؛ يعني النُّطْفَة والعَلَقَة والمُضْغَة، وخلق الحياة؛ يعني خلق إنساناً ونفخ فيه الروح فصار إنساناً. قلت: وهذا قول حسن؛ يدل عليه قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وتقدّم الكلام فيه في سورة «الكهف». وقال السدّيّ في قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي أكثركم للموت ذكراً وأحسن استعداداً، ومنه أشدّ خوفاً وحذراً. وقال ابن عمر: حديث : تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} ـ حتى بلغ ـ {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فقال:«أوْرع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله»تفسير : . وقيل: معنى {لِيَبْلُوَكُمْ} ليعاملكم معاملة المختبر؛ أي ليبلُوَ العبد بموت من يَعِزّ عليه ليبيّن صبره، وبالحياة ليبيّن شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للآبتلاء. فاللام في {لِيَبْلُوَكُمْ} تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت؛ ذكره الزجاج. وقال الفرّاء والزجاج أيضاً: لم تقع البَلْوَى على «أيّ» لأن فيما بين البلوى و «أيّ» إضمار فعل؛ كما تقول: بلوتكم لأنظر أيّكم أطوع. ومثله قوله تعالى: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} تفسير : [القلم:40] أي سلهم ثم انظر أيهم. فـ «أيُّكم» رفع بالابتداء و «أَحْسَنُ» خبره. والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر (أيكم) أحسن عملا. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} في انتقامه ممن عصاه. {ٱلْغَفُورُ } لمن تاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ } في الدنيا {وَٱلْحَيَوٰةَ } في الآخرة أو هما في الدنيا، فالنطفة تعرض لها الحياة وهي ما به الإِحساس، والموت ضدّها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى التقدير {لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم في الحياة {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أطوع لله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في انتقامه ممن عصاه {ٱلْغَفُورُ } لمن تاب إليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَوْتَ} خلقكم للموت في الدنيا {وَالْحَيَاةَ} في الآخرة أو خلقهما جسمين الموت في صورة كبش أملح والحياة في صورة فرس مأثور حكاه الكلبي ومقاتل {أَحْسَنُ عَمَلاً} أتم عقلاً أو أزهد في الدنيا أو أورع عن محارم الله وأسرع في طاعته مأثور أو أكثر ذكراً للموت وحذراً منه واستعداداً له.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ...} الآية، الموتُ والحياةُ مَعْنَيَانِ يَتَعَاقَبَانِ جِسْمَ الحيوانِ، يَرْتَفِعُ أحدهما بحلُولِ الآخَرِ، وما جاء في الحديثِ الصحيحِ من قولهِ ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ: «حديث : يُؤتَى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ» تفسير : الحديث، فقال أهْلُ العِلْمِ: إنَّما ذَلِكَ تِمْثَالُ كَبْشٍ يُوقِعُ اللَّهُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ لأَهْلِ الدَّارَيْنِ أَنَّه الموتُ الذي ذَاقُوه في الدنيا، ويكونُ ذلك التمثالُ حَامِلاً للموتِ، لاَ عَلى أنه يَحُلُّ الموتُ فيه فَتَذْهَبُ عنهُ حياةٌ، ثم يَقْرِنُ اللَّه تعالى في ذلك التمثالِ إعْدَامَ الموتِ. وقوله سبحانه: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: جَعَلَ لَكُمْ هاتينِ الحالتَيْنِ ليبلوَكم، أي: ليختبرَكم في حالِ الحياةِ ويُجَازِيكُم بَعْدَ الممات، وقال أبو قتادة، ونحوه عن ابن عمر، حديث : قلت: يا رسول اللَّه، مَا مَعْنى قولِه تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}؟ فَقَال: يقول: أَيُّكُمْ أحْسَنُ عَقلاً، وأشَدُّكم للَّهِ خَوْفاً، وأحْسَنُكم في أمْرِه ونهيهِ نَظَراً، وإن كَانُوا أقلَّكم تطوُّعاًتفسير : ، وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أزْهَدُكُمْ في الدنيا، قال القرطبي: وقال السدي: (أحْسَنُكُمْ عَمَلاً)، أي: أكثَركم للموت ذِكْراً، وله أحْسَنُ استعداداً، ومِنْه أشَدُّ خوفاً وحذَراً، انتهى من «التذكرة»، وللَّه در القائل: [الطويل] شعر : وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ المَوْتِ وَالقَبْرِ والْبِلَىٰ عَنِ الشُّغْلِ باللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ أَبَعْدَ ٱقْتِرَابِ الأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ وَشَيْبٌ فَذَاكَ مُنْذِرٌ لَكَ ذَاعِرُ فَكَمْ في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ وَأَنْتَ عَلَى الدّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِس لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ عَلَىٰ خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لاَهِياً أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ وَإنَّ ٱمْرَأً يَسْعَىٰ لِدُنْيَاه جَاهِداً وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لاَ شَكَّ خَاسِرُ كَأَنَّكَ مُغْتَرٌّ بِمَا أَنْتَ صَائِرٌ لِنَفْسِكَ عَمْداً أوْ عَنِ الرُّشْدِ جَائِرُ فَجِدَّ وَلاَ تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ وَأَنْتَ إلَىٰ دَارِ المَنِيَّةِ صَائِرُ وَلاَ تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإنَّ طِلاَبَهَا وَإنْ نِلْتَ مِنْهَا ثَرْوَةً لَكَ ضَائِرُ وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ لَقَدْ خَضَعَتْ وٱسْتَسْلَمَتْ وَتَضَاءَلَتْ لِعِزَّةِ ذِي العَرْشِ المُلُوكُ الجَبَابِرُ تفسير : انتهى،، و{طِبَاقاً} قال الزَّجَّاجُ: هو مصدرٌ، وقيل: جمعُ طَبَقَةٍ، أو جَمْعُ طَبَقِ، والمعنى: بعضُها فوق بعض، وقال إبان بن ثعلب: سمعتُ أعْرابياً يذُمّ رَجُلاً فقال: شَرُّهُ طِبَاقُ وَخَيْرُه غَيْر باقٍ، وما ذَكره بعضُ المفسرينَ في السمٰواتِ منْ أنَّ بعضَها مِن ذَهَبٍ وفضةٍ وياقوتٍ ونحوِ هذا، ضعيفٌ لم يَثْبُتْ بذلك حديث. وقوله سبحانه: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ} معناه من قِلَّةِ تَنَاسُبٍ، ومنْ خروجٍ عن إتقانٍ، قال بعض العلماء: خَلْقُ الرحمٰنِ، معنيٌّ بهِ السمٰواتُ وإيَّاها أرادَ بقوله: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} وبقوله: {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ...} الآية، وقال آخرون: بلْ يعني بهِ جَميعَ مَا خَلَقَ سبحانه من الأشياء فإنَّها لاَ تَفَاوُتَ فيها، ولا فطورَ جاريةً عَلى غَيْرِ إتْقَانٍ، قال منذر بن سعيد: أمَرَ اللَّهُ تعالى بالنظرِ إلى السماءِ وخَلْقِها، ثم أمرَ بتكريرِ النظرِ، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ مَتَى نَظَرَها ناظرٌ لِيَرَى فيها خَلَلاً أو نَقْصاً فإنَّ بصرَه ينقلبُ خَاسِئاً حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، و{كَرَّتَيْنِ} معناه مرتين، والخاسىء المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا} تفسير : [المؤمنون:108] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ. وقوله تعالى: {بِمَصَـٰبِيحَ} يعني: النجومَ، قال الفخر: ومعنى {ٱلسَّمَاءَ ٱلدُّنْيَا} أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السمٰواتِ إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سمٰواتٍ أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى. وقوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا} معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ؛ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: {رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ} يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} [الآية: 2]. قال سهل: الموت فى الدنيا بالمعصية وفى الآخرة بالطاعة فى الدنيا. وقال عبد العزيز فى قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أى أيكم أحسن استقامة على الأوامر، وقال: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أى أيكم الذى يدركه التوفيق فيحببه فى الطاعة ويبعده عن المعصية. وقال فى قوله: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} العزيز الممتنع فى ملكه والغفور الحكيم فى تدبيره لخلقه. وقال الواسطى: حسن العمل ترك التزيين به. قال الجنيد: حياة الأجساد مخلوقة، وهى التى قال الله: {خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} وحياة الله دائمة لا انقضاء لها أوصلها إلى أوليائه فى قديم الدهر الذى ليس له ابتداء بمراده قبل أن يخلقهم فكانوا فى عمله أحياء يراهم قبل إيجادهم ثم أظهرهم وأعارهم الحياة المخلوقة التى أحيا بها الخلق وأماتهم فكانوا فى سره بعد الوفاة كما كانوا ثم ردَّ عليهم حياة الأبد وكانوا أحياء واتصل الأبد بالأبد فصار أبداً فى الأبد. قال عبد العزيز: أى أيكم أحسن استقامة على الأوامر. قال بعضهم: أيكم أفرغ قلباً وأصفى ذهنًا وأحسن سمتًا وهديًا. وقيل: حسن العمل نسيان العمل ورؤية الفضل. وقال عطاء: الذى خلق الموت للعبرة والحياة للأمل والغفلة. قال الواسطى: من أحياه الله عند ذكره فى أزله لا يموت أبدًا ومن أماته فى ذلك لا يحيى أبدًا وكم حى غافل عن حياته وميت غافل عن مماته. قال سهل: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أى أيكم أحسن توكلاً. وقال بعضهم: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أى أعرف بالطريق إلى الله. وقال بعضهم: أيكم أصدق لهجة. وقال بعضهم: أيكم أعرف بعيوب نفسه. قوله تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ...} [الآية: 2، 3]. قال الواسطى: كرتين: أى قلبًا وبصرًا لأن الأول كان بالعين خاصة. {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أى أبدًا لم يكن فى خلقى فطور فأنا أشد امتناعًا من الاستغراق والاستحراق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} الموت والحياة عرضان والاراض والجواهر مخلوقة لهو واصل الحياة حياة تجليه واصل الموت موت استتاره وهما يتعاقبان للعارفين فى الدنيا فاذا ارتفعت الحجب يرتفع الموت عنهم بانهم يشاهدونه عيانا بلا استتارا بدا لا تجرى عليهم طوارق الحجاب عد ذلك قال الله بل احياء عند ربهم خلق الموت والحياة يميت قوما بالمجاهدات ويحيى قوما بالمشاهدات يميت قوما بنعت الفناء فى ظهور سطوات القدم ويحيى قوما بنعت البقاء فى ظهور انوار البقاء {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} لولا التجلى والاستتار لا يظهر شوق فى تفاوت درجات الشوق ولا يتبين وله العاشقين وتفاوت درجاتهم فى العشق هو العزيز بمنعه الجمهور عن الوصول الى حقيقة ذاته وصفاته وهو الغفور بان ينعمهم بكشف مشاهدته ويتجاوز عن قصور قصودهم فى الشوق اليه قال سهل الموت فى الدنيا بالمعصية والحياة فى الأخرة بالطاعة فى الدنيا بقوله ليبلوكم ايكم احسن عملا اى الذى يدركه التوفيق فيحيه بالطاعة ويبعده عن المعصية وقال العزيز المسيع فى ملكه الغفور بستره بجوده قال الجنيد حياة الاجسام مخلوقة وهى التى قال الله خلق الموت والحياة وحياة الله دائمة لا انقطاع لها اوصلها الى اوليايئه فى قديم الدهر الذى ليس له ابتداء بمراده قيل ان خلقهم فكانوا فى علمه احياء ما هم قبل ايجادهم ثم اظهرهم فاعارهم الحياة المخلوقة التى احيى بها الخلق واماتهم بسره فكانوا فى سره بعد الوفاة كما كانوا ثم اورد عليهم حياة الابد فكانوا احياء فاتصل الابد بالابد فصار ابدا فى ابد الابد وقيل حسن العمل نسيان العمل ورؤية الفضل قال الواسطى من احياه الله عند ذكره فى ازله لا يموت ابدا ومن اماته فى ذلك لا يحيى ابدا وكم حي غافل عن حياته وميت غافل عن مماته.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى خلق الموت والحياة} شروع فى تحصل بعض احكام الملك وآثار القدرة والموصول بدل من الموصول الاول فلا وقف على القدير والموت عند اهل السنة صفة وجودية مضادة للحياة كالحرارة والبرودة والحياة صفة وجودية زآئدة على نفس لذات مغايرة للعلم والقدرة مصححة لاتصاف الذات بهما وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما من ان الموت والحياة جسمان وان الله خلق الموت على صورة كبش املح لا يمر بشئ ولا يجد رائحته شئ الا مات وخلق الحياة على صورة فرس انثى بلقاء وهى التى كان جبريل والانبياء عليهم السلام يركبونها خطوتها مد البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشئ ولا يجد رائحتها شئ الا حى وهى التى اخذ السامرى من اثرها قبضة فألقاها على العجل فحيى فكلام وارد على سبيل التمثيل والتصوير والا فهما فى التحقيق من قبيل الصفات لا من قبيل الاعيان هكذا قالوا وجوابه ان كون الموت والحياة صفتين وجوديتين لا ينافى أن يكون لهما صورة محسوسة كالاعيان فانهما من مخلوقات عالم الملكوت ولكل منهما صورة مثالية فى ذلك العالم بها يرى ويشاهد يشاهده من غيب عن عالم الملك وينسلخ عن البدن يؤيده قوله عليه السلام حديث : يذبح الموت بين الجنة والنار على صورة كبش تفسير : ولا شك ان الذبح انما يتعلق بالاعيان وايضا ان عالم الآخرة عالم الصفة يعنى ان كل صفة باطنة فى الدنيا تتصور بصورة ظاهرة فى العقبى حسنة او قبيحة فلا شئ من المعانى الا وهو مجسم مصور فقول ابن عباس رضى الله عنه محمول على هذا نعم ان قولهم ان الحياة فرس انثى يخالف قولهم ان البراق حقيقة ثالثة لا ذكر ولانثى وقال بعضهم الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها يعنى ان الموت والحياة من باب العدم والملكة فان الحياة هى الاحساس والحركة الارادية والاضطرارية كالتنفس والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له كما قال صاحب الكشاف الحياة ما يصح بوجوده الاحساس والموت عدم ذلك ومعنى خلق الموت والحياة ايجاد ذلك المصحح واعدامه انتهى. اى ايجاد اثر الموت بقطع ضوء الروح عن ظاهر الحى وباطنه مع كونه فى غاية الاقتدار على الحركة والتقلب وبجعله جمادا كان لم تكن به حركة اصلا وكذا ايجاد اثر الحياة بنفخ الروح واضاءة ظاهر البدن وباطنه به ويجعله قادرا على التقلب بنفسه بالارادة وعدم تلك الملكلة ليس عدما محضا بل فيه شائبة الوجود والا لم يعتبر فيه المحل القابل للامر الوجودى فلذلك صح تعلق الخلق بالموت كتعلقه بالحياة وبهذا التقرير اندفع ما اعترضوا به من ان العدم حال لا يكون مخلوقا لان المخلوق حادث وعد الحوادث ازلى ولو كان مخلوقا لزم وجود ا لحوادث ازلا وهو باطل وقال بعضهم معنى خلق الموت على تقدير أن يكون الموت عبارة عن عدم الحياة قدره فان الخلق يجيئ بمعنى التقدير كما فى قوله تعالى {أية : فتبارك الله احسن الخالقين}تفسير : ولا يبعد أن يقال ان تعلق الخلق بالموت بمعنى الايجاد انما هو بتبعية تعلقه بالحياة بذلك المعنى وقدم على الحياة لان الموت فى عالم الملك ذاتى والحياة عرضية يعنى ان الموت اسبق لان الاشياء كانت مواتا ثم عرضت لها الحياة كالنطفة على ما دل عليه قوله تعالى {أية : وكنتم امواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون}تفسير : ولانه ادعى الى احساس العمل واقرب الى قهر النفوس فمن جعله نصب عينيه افلح وفى الحديث "حديث : لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت"تفسير : وفى الارشاد الأقرب ان المراد به الموت الطارئ وبالحياة ما قبله وما بعده لظهور مداريتهما كما ينطق به ما بعد الآية ليبلوكم الخ فان استدعاء ملاحظتها لاحسان العمل مما لا ريب فيه مع ان نفس العمل لا يتحقق بدون الحياة الدنيوية انتهى. وظاهره يخالف قوله تعالى {أية : ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا}تفسير : فان المراد بهذه الحياة هى الحياة الدنيوية بقرينة النشور والقرءآن يفسر بعضه بعضاً ثم ان الالف واللام فى الموت والحياة عوض عن المضاف اليه اى موتكم وحياتكم ايها المكلفون لان خلق موت غير المكلفين وحياتهم لابتلاء المكلفين لا معنى له قال بعض العارفين الموت والحياة عرضان والاعراض والجواهر مخلوقة له تعالى وأصل الحياة حياة تجليه واصل الموت موت استتاره وهما يتعاقبان فى الدنيا فاذا ارتفعت الحجب يرتفع الموت عنهم بأنهم يشاهدون عيانا بلا استتار ابدا لا يجرى عليهم طوارق الحجاب بعد ذلك قال الله تعالى بل احياء عند ربهم خلق الموت والحياة يميت قوما بالمجاهدات ويحيى قوما بالمشاهدات يميت قوما بنعت الفناء فى ظهور سطوات القدم ويحيى قوما بنعت البقاء فى ظهور انوار البقاء لولا التجلى والاستتار لم يظهر شوق المشتاقين وتفاوت درجات الشوق ولا يتبين وله العاشقين وتفاوت درجاتهم فى العشق وقال سهل قدس سره الموت فى الدنيا بالمعصية والحياة فى الآخرة بالطاعة فى الدنيا وقال الجنيد قدس سره حياة الاجسام مخلوقة وهى التى قال الله تعالى خلق الموت والحياة وحياة الله دآئمة لا انقطاع لها اوصلها الى اوليائه فى قديم الدهر الذى ليس له ابتدآء فكانوا فى علمه احياء قبل ايجاده لهم ثم اظهرهم فأعارهم الحياة المخلوقة التى احيى بها الخلق وأماتهم فى سره فكانوا فى سره بعد الوفاة كما كانوا ثم اورد عليهم حياة الأبد فكانوا احياء أبدا وقال الواسطى قدس سره من احياه الله عند ذكره فى ازله لا يموت ابدا ومن أماته فى ذلك لا يحيى ابدا وكم حى غافل عن حياته وميت غافل عن مماته {ليبولكم ايكم أحسن عملا} اللام متعلقة بخلق وظاهرها يدل على ان افعال الله معللة بمصالح العباد وانه تعالى يفعل الفعل لغرض كما ذهب اليه المعتزلة وعند اهل السنة ليس هى على ظاهرها بل معناها ان الله تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من يراعى المصالح لم يفعله الا لتلك المصلحة والغرض فمثل هذه اللام لام العلة عقلا ولام الحكمة والمصلحة شرعا وايكم مبتدأ واحسن خبره وعملا تمييزا والجملة الاسمية سادة مسد المفعول الثانى لفعل البلوى عدى اليه بلا واسطة لتضمنه معنى العلم باعتبار عاقبته والا فهو لا يتعدى بلا واسطة الا الى مفعول واحد فليس هو من قبيل التعليق المشهور الذى يقتضى عدم ايراد المفعول اصلا وقد ذكر المفعول الاول هنا وهو كم مع اختصاصه بافعال القلوب ولا من التضمين المصطلح بل مستعار لمعنى العلم البلوى الاختبار وليس هنا على حقيقته لانه انما يتصور ممن يخفى عليه عواقب الامور فالابتلاء من الله أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه فى الغيب والمعنى ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملا فيجازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت طبقات علومكم واعمالكم فان العلم غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه السلام بقوله ايكم أحسن عقلا واورع من محارم الله واسرع فى طاعة الله يعنى ربما أتم عقلا عند الله فهما لمراده فان لكل من القلب والقالب عملا خاصا به فكما ان الاول أشرف من الثانى كذلك الحال فى عمله كيف لا وعمله معرفة الله الواجبة على العباد اول كل شئ وانما طريقها النظر والتفكر فى بدآئع صنع الله والتدبر فى آياته المنصوبة فى الانفس والآفاق كما قال عليه السلام حديث : لاتفضلونى على يونس بن متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل اهل الارضتفسير : قالوا وانما كان ذلك التفكر فى امر الله الذى هو عمل القلب ضرورة ان احدا لا يقدر على أن يعمل بجوارحه كل يوم مثل عمل اهل الارض كذا فى الارشاد. يقول الفقير لعل حال يونس عليه السلام اشارة الى انه عمل قالبى مفضل على عمل اهل الارض فى زمانه بخواص قلبية فان اعمال المقربين واحد منها مقابل بمائة ألف بل بغير حساب باعتبار التفاوت فى الاحسان والشهود والخلوص ولذا قال تعالى احسن فانه بعبارته اشارة الى احوال المقربين وباشارته الى احوال غيرهم من الابرار والكفار والمنافقين وذلك ان نية الانسان لا تخلو اما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيئ نية وعملا وهو حال الكفار واما أن يكون متعلقها فى لسانه هو الآخرة وفى جنانه هو الدنيا فهو أسوأنية وعملا وهو حال المنافقين واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا وهو حال الابرار واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو وجه الله تعالى فهو احسن نية وعملا وهو حال المقربين ولما كان المقصود الاعظم هو تحصيل هذا الاحسن صرح بذكره دون ذكر الحسن فانه مفهوم بطريق الاشارة وكذا غيره ولقد أصاب من قال فى تفسير الآية بابيازمايد شمارا يعنى باشما معامله آزمايند كان كند تاظاهر شودكه دردار تكليف كدام ازشما نيكو ترند ازجهت عمل يعنى اخلاص كدام بيشترست. وكذا من قال أحسن الاعمال ما كان اخلص بأن يكون لوجه الله خالصا وأصوب بأن يكون موافقا للسنة اى واردا على النهج الذى ورد عن الشارع فالعمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ولذا قال عليه السلام للاعرابى حديث : قم صل فانك لم تصل تفسير : وكذا اذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ايضا ولذا جعل الله اعمال اهل الرياء والنفاق هباء منثورا وقول من قال من العارفين حسن العمل نسيان العمل ورؤية الفضل هو من مراتب الاخلاص فان الاخلاص سر عظيم من اسرار الله تعالى لا يناله الا الخواص وفى الاشارد ايثار صيغة التفضيل مع ان الابتلاء شامل لهم باعتبار اعمالهم المنقسمة الى الحسن والقبيح ايضا لا الى الحسن والاحسن فقط للايذان بان المراد بالذات والمقصد الاصلى من الابتلاء هو ظهور كمال احسان المحسنين مع تحقق اصل الايمان والطاعة فى الباقين ايضا لكمال تعاضد الموجبات له واما الاعراض عن ذلك فلكونه بمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن الانتظام فى سلك الغاية للافعال الالهية وانما هو عمل يصدر عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب انتهى. ثم ان المراد ايكم عمله احسن من عمل غيره ولا معنى لقول السجاوندى فى عين المعانى استفهام بمعنى الهمزة ولذا لم يعمل فيه الفعل تقديره ءأنتم احسن عملا ام غيركم انتهى فانه يشعر بأن يكون التفاوت بالنسبة الى الانسان وغيره كالملائكة ومؤمنى الجن مثلا وليس بمراد وعبارة القرءآن فى اسناد الحسن الى الانسان تدل على ان من كان عمله احسن كان هو أحسن ولو أنه ابشع الناس منظرا ومن كان عمله اسوأ كان بخلاف ذلك شعر : رءارلست بايدند بالاى راست كه كافرهم ازروى صورت جوماست تفسير : ولم يقل اكثر عملا لانه لا عبرة بالكثرة مع القبح قالوا والحسن انما يدرك بالشرع فما حسنه الشرع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح وقال بعضهم ليبلوكم ايكم احسن اخذا من حايته لموته واحسن اهبة فى دنياه لآخرته قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما حديث : خذ من صحتك لسقمك ومن شبابك لهرمك ومن فراغك لشغلك ومن حياتك لموتك فانك لا تدرى ما اسمك غدا تفسير : وسئل عليه السلام اى المؤمنين اكيس قال حديث : اكثرهم للموت ذكرا احسنهم له استعداداتفسير : فالاستعداد للموت وللآخرة بكثرة الاعمال المقارنة للاخلاص سوآء كانت صلاة او صوما او زكاة او حجا او نحوها وان كان لبعض الاعمال تفاوت بالنسبة الى البعض الآخر كالصلاة فانها معراج الشهود وفيها كسر النفس واتعاب البدن ولذا كان السلف الصالح يكثرون منها حتى ان منهم من يصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة ونحوها وكالصوم وتقليل الطعام فانه سبب لورود الحكمة الالهية الى القلب ولذا كان بعض السلف يواصلون فمنهم من يطوى ثلاثة ايام ومنهم من يطوى فوق ذلك الى سبعة الى ثلاثين الى اربعين فمن طوى اربعين يوما انفتح له باب الحكمة العظمى مع ان فى الصوم تهذيب الاخلاق ايضا فان اكثر المفاسد يجيئ من قبل الاكل والشرب فيا أيها المؤمنون سابقوا وسارعوا فالنفس مطية والدنيا مضمار والسابقون السابقون اولئك المقربون وقد قال عليه السلام حديث : قد سبق المفردونتفسير : والتفريد هو تقطيع الموحد عن الانفس والآفاق وشهود الحق فى عالم الاطلاق فلا بد من السير والسلوك ثم الطيران فى هوآء الوحدة والهوية الذاتية فان به يحصل الانفصال عن منازل الاكوان السفلية الحادثة ويتحقق العروج الى عالم الوجوب والقدم نسأل الله من فضله أن يرينا وجهه الكريم انه هو البر الرحيم {وهو} اى والحال انه وحده {العزيز} الذى لا يفوته من اساء العمل {الغفور} لمن شاء منهم بالتوبة وكذا بالفضل قال بعضهم لما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه اذا علم بمخالفته قال مرغبا للمسيئ فى التوبة حتى لا يقول مثلى لا يصلح للخدمة لما لى من القاطعة واين التراب ورب الارباب الغفور الذى يستر ذنوب المسئ ويتلقى من اقبل اليه احسن تلقٍ كما قال فى الحديث القدسى حديث : ومن اتانى يمشى اتيته هرولة .

اطفيش

تفسير : {الَّذِى خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَٰوةَ} اراد موت الانسان وحياته في الدنيا وقدم الموت لانه أقرب للقهر والتخويف واقوى داعياً الى العمل لان وراءه الجزاء أو اراد بالموت كون الشيء في حكم الميت كالتراب والنطفة والعلقة فإن هذا ونحوه هو المبدأ ثم خلق الحياة بعده أو اراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة والصحيح الاول أي اعطاكم الحياة التي تقدروا بها على العمل وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم الى اختيار العمل الحسن للجزاء والحياة ما يصح بوجوده الاحساس. وقيل ما به يكون الشيء حياً هو الذي يصح منه ان يعلم ويقدر والموت ضد الحياة وقيل عدمها وعليه فخلقه بمعنى تقديره وقيل زوال القوة الحيوانية وابانة الروح عند الجسد، وهو نعمة لانه يفصل بين حال التكليف في هذه الدار والمجازاة في الآخرة وكذا الحياة لان بها التلذذ في الدنيا والثواب في الآخرة ويأتي الموت يوم القيامة على صورة كبش ملح على السور بين الجنة والنار فينادي ماذا تعرفون يا أهل الجنة ويا أهل النار هذا فيقولون الموت فيذبح على السور وهم ينظرون ثم يقال يا أهل الجنة ويا أهل النار خلودا لا موت وذلك بعد دخول الجنة والنار وليسوا يعرفونه قبل ذلك على صورة الكبش ولكن يلهمهم الله يومئذ فيعرفونه وذبحه هو ازالة تلك الصورة وافناؤها لان جملتها هي الموت بقدرة الله لا حيوان حلت فيه الحياة. وعن ابن عباس: خلق الله الموت على صورة كبش ملح لا يمر بشيء فيجد ريحه إلا مات والحياة على صورة فرس أبلق وهو الذي ركب جبريل واخذ السامري قبضة من اثره فالقاها في صورة العجل فخار وحيي لا يمر شيء ميت ويجد ريحه إلا حيي. {لِيَبْلُوَكُمْ} ليعاملكم في الحياة معاملة المختبر الذي لا يعلم بالتكليف يجازيكم بعدها وهو سبحانه عالم بالاشياء قبل وجودها وفي الازل بلا أول والخطاب للمكلفين. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أصوب عملا واخلص واطوع لله والصواب ان يكون على السنة والكتاب الخالص ان يكون لله وعن ابن عمر انه صلى الله عليه وسلم قرأها ولما وصل هذا قال: ايكم احسن عملا احسن عقلا واورع عن محارم الله واسرع في طاعته أي أيكم اتم عقلا عن الله وفهما للمراد وقيل: أيكم ازهد في الدنيا وهو قول سفيان الثوري وقال السدي: اكثركم للموت ذكرا واحسن استعدادا له واشد خوفا وحذرا ولله در القائل: شعر : وفي ذكر هول الموت القبر والبلا عن الشغل للذات للمرء زاجر ابعد اقتراب الاربعين تربص وشيب فذاك منذر لك ذاعر فكم في بطون الارض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر وانت على الدنيا مكب منافسٍ لخطابها فيها حريص مكاثر على خطر تمسي وتسبح لاهياً اتدري بماذا لو عقلت تخاطر وان امرأ يسعى لدنياه جاهدا ويذهل عن اخراه لا شك خاسر كأنك مغتر بما انت سائر لنفسك عمدا وعن الرشد حائر فجد ولا تغفل فعيشك زائل وانت الى دار المنية صائر ولا تطلب الدنيا فإن طلابها وان نلت منها ثروة لك ضائر وكيف يلذ العيش من هو موقن بموقف عدل حين تلْي السرائر لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت لعزة ذي العرش الملوك الجبابر تفسير : وجملة {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} مفعول ثاني ليبلو لتضمن معنى العلم وليس من التعليق بالاستفهام لان التعليق ان يوقع بعد العامل جملة سدت مسد مفعولين وقيل تعليق. {وَهُوَ العَزِيزُ} الغائب الذي لا يعجزه من اساء العمل {الغَفُورُ} لمن تاب.

اطفيش

تفسير : {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَيَاةَ} بدل من الذى بيده الملك، والموت صفة وجودية تضاد الحياة، وقيل زوال القوة الحيوانية وإِبانة الروح عن الجسد، والحياة القوة الحساسة مع وجود الروح فى الجسد، ويدل على أنه وجودى إِيقاع الخلق عليه لأَن الخلق إِيجاد والإِيجاد يحصل الوجود وفى معناه عد التروك أَفعالا، كما سمى الله تعالى ترك الواجب كسباً وفعلا وعملا وأيضاً العدم أزلى لا أول له، وحدث الوجود بإِيجاد الله عز وجل، وأما ما ورد فى الحديث أن الله عز وجل يحضر الموت يوم القيامة بصورة كبش يعرفه أهل المحشر أنه الموت فيذبح فيأيسون من الموت، وفى كلام ابن عباس أن الموت فى صورة كبش أملح لا يمر بشئ إلا مات، وخلق الحياة بصورة فرس أبلق لا يمر بشئ إِلا وجد ريحه وحيى تمثيل، وقال قومنا ذلك على ظاهره،وأن هذا الفرس هو الذى أخذ السامرى من أثره تراباً وألقاه على صورة العجل فحيى بإِذن الله عز وجل، وأن الأَنبياء يركبونه، وقيل الموت أمر عدمى وهو عدم الحياة عما شأْنه الحياة، واختاره بعض وأجاب قائله عن إِيقاع الخلق بأَن الخلق بمعنى التقدير وهو يتعلق بالأَمر العدمى كما يتعلق بالوجودى، ويبحث بأَن فى إِيقاع الخلق على العدم نفى الأَزل فيقال: لم يزل الله يخلق عدماً فلا أول لخلقه فلا أزل، وذلك لا يجوز كما لا يجوز أن يقال لم يزل الله يخلق الأَشياء بلا أول لخلقه. وإِن قال الموت ليس عدماً مطلقاً صرفاً بل عدم شئ مخصوص ومثله يتعلق به الإِيجاد والخلق فذلك رجوع إِلى كونه وجودياً، وقال أيضاً الخلق بمعنى الإِنشاء والإِثبات ويبحث بأَن الإِنشاء أَو الإِثبات هو نفس الإِيجاد، فإِن الإِنشاء أو الإِثبات لا يتصور إِلا بحصول شئ أنشئ أو أثبت وذلك إِيجاد. وقال أيضاً لعل الكلام على حذف مضاف أى خلق أسباب الموت ويرده أن لا دليل على الحذف قيل ولعل المراد خلق زمان الموت والحياة، ويبحث أيضاً بَان الأَصل عدم الحذف والحياة صفة وجودية وهى ما يصح بوجوده الإِحساس. قيل أو معنى زائد على العلم والقدرة يوجب للموصوف به حالا لم يكن قبله من صحة العلم والقدرة وإِطلاق الموت على ما لم تسبق له حياة مجاز وفى ذكر الموت زجر عن الكسل والمعصية وحث على الطاعة وجاء: حديث : أكثروا ذكر هادم اللذات تفسير : لأن الموت باب الجزاء وفى ذكر الحياة دعاء إِلى الشكر وقدم ذكر الموت لأَنه رجوع إِلى الأَصل الذى هو العدم ولأَنه زجر من أعظم الزواجر كما هو قاهر، ولأَن تذكره داع إِلى العمل ولأَنه نعمة يتوصل بها إِلى ثواب ما عمل فى الحياة من الخير، كما أن الحياة نعمة يتوصل بها إِلى عبادة الله عز وجل ولينغص ما ذكر بعده من الحياة فلا يغتر بها. {لِيَبْلُوَكُمْ} ليعاملكم معاملة المختبر فالكلام إِستعارة تمثيلية وهى أبلغ من الاستعارة المفردة التى هى تشبيه التكليف المترتب عليه الوفاء أو عدم الوفاء، بأَمر أحد من دونه بشئ أو نهيه ليعلم هل يمتثل، ولم أحمل الابتلاء على ظاهره لاستلزامه الجهل تعالى الله عنه، وإِنما صح أن يقولوا أبلغ ببناء اسم التفضيل من بالغ بناء على جواز بنائه من الرباعى بالزيادة مع أنه لا مانع من بنائه من بلغ الثلاثى بمعنى بلغ رتبة عظيمة، ويقال ثلاثة يُسَاوِمْنَ العبد كل يوم؛ بلية نازلة ومنية قاضية ونعمة زائلة. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} جملة استفهامية علق الاستفهام فيها وعما يستحقه من التعدية بالباء. وهكذا التعليق يكون أنواعاً أو عن عمل النصب فى مفرد لتضمن معنى يعلم أَى ليعلمكم أيكم أحسن عملاً. والحق أن التعليق يكون عن المفعول الثانى كما يكون عنهما نحو علمت زيداً هل قام، وغفل الزمخشرى ومتابعوه فى منع تسمية ذلك تعليقاً ثم رأيته مذهباً لأهل أندلس، والمراد بالعمل عمل القلب والجوارح. ودخل فى العمل الترك الذى هو طاعة كترك الرياء، فإِن الترك متفاوت بعض أشد من الآخر فيه وأبعد عن المفارقة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في طاعة الله عز وجل"تفسير : ، وحاصله أيكم أحسن أخذاً عن الله وفهماً وامتثالا، والأَجر يتفاوت بتفاوت: ما ذكر، وجاءت الآية طبق قوله تعالى "أية : ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ "تفسير : [الذاريات: 56] فالمعصية بما نزل عن خلق الجن والإِنس وعن الصواب، حتى كأَنها لا تكون البتة أو إِلا شذوذاً فلم يثن التلاوة أيكم يطيع وأيكم يعصى، فكأَنه لا يكون إِلا الطاعة وأنه لا بد منها أصالة فجعل التفضيل فيها بين الكاملة والكملى. {وَهُوَ العَزِيزُ} الغالب الذى لا يرد عما أراد. {الغَفُورُ} لمن تاب. {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} خبر ثالث لهو. {طِبَاقاً} نعت لسبع لجواز نعت العدد كما يجوز نعت ما أضيف إِليه العدد وهو فى الأَصل مصدر طابَقَ نعت به مبالغة أو لتقدير ذوات طباق أو للتأْويل بمطابقات بفتح الباء وكسرها أى طابق بعضها بعضاً، فكل واحدة مطابقة ومطابقة أو طابقها الله عز وجل أى جعلها متطابقة، أو مفعول مطلق نعت لمحذوف أى طوبقت طباقاً فطوبقت نعت لسماوات أو لسبع، وقيل ما لا يوجد إِلا مع ما عمل فيه هو مفعول مطلق ولو كان جسماً نحو خلق السماوات والأَرض وحفرت البئر ونسجت الثوب وبنيت الدار، ومعنى طباقاً بعض فوق بعض لا متلاصقة كما زعم الفلاسفة وبعض الإِسلاميين، والحديث يرد عليهم لنصه أن بين كل واحدة وأُخرى خمسمائة عام وانظر من أين ثبت للفلاسفة الإِيمان بالسماوات السبع وهم مشركون غير كتابيين، ولعل المراد فلاسفة الإِسلام. {مَّا تَرَى} يا من يصلح للرؤية عموماً النبى - صلى الله عليه وسلم - وغيره وهذا هنا أولى أو الخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - والوجهان فيما بعد وما نافية ومن زائدة فى المفعول به أو استفهامية إِنكارية مفعول به لترى ومن للبيان فى قوله عز وجل. {فِي خَلْق الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} والجملة مستأْنفة على الاستفهام ونعت لسبع على النفى والرابط خلق لأنه وضع موضع الضمير، أى ما ترى فيهن فوضع خلق موضع الهاء وأُضيف للرحمن، والذوق يقبل ذلك ولا فرق بين الخبر والنعت فى ذلك، ولو منع ابن هشام فى النعت أن يربط بظاهر موضوع موضع المضمر، والمراد بخلق الرحمن سبع السماوات، وإِذا لم تجعل الجملة نعتاً جاز أن يراد به السماوات وأن يراد به عموم الخلق، قيل وهو أولى فتكون الإِضافة للجنس وعلى الأَول للعهد والظاهر إِرادة السماوات لقوله من فطور أى انشقاق، وتفسيره بالخلل مطلقاً خلاف الأَصل، وعلى كل حال فهو مصدر بمعنى مفعول والتفاوت هنا تخالف يوجب نقصاً بعدم التناسب والاستواء وذلك عيب واضطراب، واستدل بعض علىأن البصر أفضل لقوله تعالى: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} إِلى قوله تعالى: "أية : حَسِيرٌ " تفسير : [الملك: 4] وقوله تعالى: "أية : أَفلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبلِ كَيْفَ خُلِقَتْ " تفسير : [الغاشية: 17] إِلى قوله تعالى: "أية : كيْفَ سُطِحَتْ "تفسير : [الغاشية: 20] وغير ذلك كثير فامتن علينا بالأَبصار لمخلوقاته استدلالا عليه تعالى، وقيل السمع أفضل لقوله تعالى: "أية : لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير "تفسير : [الملك: 10]. وقوله تعالى "أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " تفسير : [الزمر: 18] قيل وللإِبتداء به فى قوله تعالى: "أية : وعلى سمعهم وعلى أبصارهم "تفسير : [البقرة: 7] ويرده أن على أبصارهم من جملة أُخرى وأنه أخر فى قوله تعالى: "أية : أم لهم أعين يبصرون بها " تفسير : واختار بعضهم الأَول لأَن منافع البصر أكثر {فَارْجِعِ البَصَرَ} بسبب إِخبارى لك بعدم التفاوت، يظهر لك صدقه سبحان أصدق القائلين أو إِن كنت فى ريب فارجع البصر إِلى خلق الرحمن يزل ريبك، والمراد بالرجع استئناف النظر لا بقيد تقدم نظر وذلك وارد وإِن اعتبرنا تقدم نظر فى قوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن} لأَن الإِنسان خلق له النظر واستعمله بلا أمر له من الله فهو قد نظر ثم أمره الله بالنظر {هَلْ ترَى مِن فُطُورٍ} من صلة للتأكيد فى المفعول به والفطور مطلق الشق ولو كان أصله الشق طولاً وفسره بعض بمطلق الخلل مجازاً وابن عباس بالوهن مجازاً والجملة مستأنفة أو معلق عنها انظر محذوفاً أو معلق عنها ارجع البصر لتضمنه معنى انظر.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } شروع في تفصيل بعض أحكام المُلك وآثار القدرة وبيان ابتنائهما على قوانين الحكم والمصالح واستتباعهما لغايات جليلة. والموصول بدل من الموصول الأول، وصلته كصلته في الشهادة بتعاليه عز وجل وجوز الطبرسي كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي الخ. والموت على ما ذهب الكثير من أهل السنة صفة وجودية تضاد الحياة واستدل على وجوديته بتعلق الخلق به وهو لا يتعلق بالعدمي لأزلية الأعدام. وأما ما روي عن ابن عباس من أنه تعالى: خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيـي فهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره، وقيل هو وارد على منهاج التمثيل والتصوير. وذهب القدرية وبعض أهل السنة إلى أنه أمر عدمي هو عدم الحياة عما هي من شأنه وهو المتبادر الأقرب. وأجيب عن الاستدلال بالآية بأن الخلق فيها بمعنى التقدير وهو يتعلق بالعدمي كما يتعلق بالوجودي أو أن الموت ليس عدماً مطلقاً صرفاً بل هو عدم شيء مخصوص ومثله يتعلق به الخلق والإيجاد بناء على أنه إعطاء الوجود ولو للغير دون إعطاء الوجود للشيء في نفسه، أو أن الخلق بمعنى الإنشاء والإثبات دون الإيجاد، وهو بهذا المعنى يجري في العدميات، أو أن الكلام على تقدير مضاف أي خلق أسباب الموت، أو أن المراد بخلق الموت والحياة خلق زمان ومدة معينة لهما لا يعلمها إلا الله تعالى، فإيجادهما عبارة عن إيجاد زمانهما مجازاً، ولا يخفى الحال في هذه الاحتمالات. ومن الغريب ما قيل إنه كنى بالموت عن الدنيا إذ هو واقع فيها وبالحياة عن الآخرة من حيث لا موت فيها فكأنه قيل: الذي خلق الدنيا والآخرة، والحق أنهما بمعناهما الحقيقي والموت - على ما سمعت - والحياة صفة وجودية بلا خلاف وهي ما يصح بوجوده الإحساس أو معنى زائد على العلم والقدرة يوجب للموصوف به حالاً لم يكن قبله من صحة العلم والقدرة. وتقديم الموت - على تقدير كونه عدماً مطلقاً أعني عدم الحياة عما هي من شأنه - ظاهر لسبقه على الوجود، وعلى تقدير كونه العدم اللاحق كما هو الأنسب بالإرادة هنا أعني عدم الحياة عما اتصف بها فلأن فيه مزيد عظة وتذكرة وزجر عن ارتكاب المعاصي وحث على حسن العمل ولذا ورد حديث : أكثروا من ذكرها ذم اللذات تفسير : والحياة وإن كانت داعية لذلك ضرورة أن من عرف أنها نعمة عظيمة وكان ذا بصيرة عمل شكراً لله تعالى عليها لكنها ليست بمثابة الموت في ذلك، فمن زعم أنها لا داعية فيها أصلاً وإنما / ذكرت باعتبار توقف العمل عليها لم يدقق النظر. وأل في الموضعين عوض عن المضاف إليه أي الذي خلق موتكم الطارىء وحياتكم أيها المكلفون: {لِيَبْلُوَكُمْ } أي ليعاملكم معاملة من يختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أي أصوبه وأخلصه فيجازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت مراتب أعمالكم، وأصل البلاء الاختبار، ولأنه يقتضي عدم العلم بما اختبره - وهو غير صحيح في حقه عز وجل - حمل الكلام على ما ذكر، ويرجع ذلك إلى الاستعارة التمثيلية واعتبار الاستعارة التبعية فيه دونها دُون في البلاغة. والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل الجوارح ولذا قال صلى الله عليه وسلم في الآية(حديث : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في طاعة الله عز وجل )تفسير : أي أيكم أتم فهماً لما يصدر عن جناب الله تعالى وأكمل ضبطاً لما يؤخذ من خطابه سبحانه. وايراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل للمكلفين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين مع تحقق أصل الإيمان والطاعة في الباقين أيضاً لكمال تعاضد الموجبات له، وأما الإعراض عن ذلك فبمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلاً عن الانتظام في سلك الغاية أو الغرض عند من يراه لأفعال الله عز وجل، وإنما هو عمل يصدر عن عامله لسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب. وفيه من الترغيب في الترقي إلى معارج العلوم ومدارج الطاعات والزجر عن مباشرة نقائضها ما لا يخفى، وجعل ذلك من باب الزيادة المطلقة أو من باب{أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً}تفسير : [مريم: 73] ليس بذاك. و{أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب على أنها مفعول ثان ليبلوكم وذلك على ما في «الكشاف» لتضمنه معنى العلم. وهل يسمى نحو هذا تعليقاً أم لا؟ قيل: فيه خلاف ففي «البحر» لأبـي حيان نقلاً عن أصحابه أنه يسمى بذلك، قال: إذا عدى الفعل إلى اثنين ونصب الأول وجاءت بعده جملة استفهامية أو مقرونة بلام الابتداء أو بحرف نفي كانت الجملة معلقاً عنها الفعل وكانت في موضع نصب كما لو وقعت في موضع المفعولين وفيها ما يعلق الفعل عن العمل. وفي «الكشاف» هنا لا يسمى تعليقاً إنما التعليق أن يوقع بعد الفعل الذي يعلق ما يسد مسد المفعولين جميعاً كقولك علمت أيهما زيد وعلمت أزيد منطلق. وأما إذا ذكر بعده أحد المفعولين نحو علمت القوم أيهم أفضل فلا يكون تعليقاً والآية من هذا القبيل. واعترضه صاحب «التقريب» بأن العلم مضمر وهو المعلق كما قال الفراء والزجاج ولا يلزم ذكر المفعول معه بل التقدير: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن، وأيضاً لا تقع الجملة الاستفهامية مفعولاً ثانياً لعلمت وإنما تقع موقع المفعولين في علمت أيهم خرج لأن المعنى علمت جواب هذا الاستفهام ولا معنى لتقدير مثله في علمته أيهم خرج. وأجيب بأن التضمين يغني عن الإضمار وكون الجملة الاستفهامية لا تقع مفعولاً ثانياً ضعيف لأنها إذا وقعت مفعولاً أولاً في نحو {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}تفسير : [مريم: 69] على معنى لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد كما قال الخليل فلم يمتنع وقوعها مفعولاً ثانياً بتأويل ليعلمكم الذين يقال في حقهم أيهم أحسن، وإليه ذهب الطيبـي ثم قال وقد أنصف صاحب «الانتصاف» حيث قال التعليق عن أحد المفعولين فيه خلاف والأصح هو الذي اختاره الزمخشري وهذا النَّحْوُ عُشُّهُ فيه يدرج ويدري كيف يدخل ويخرج انتهى. والذي ذكره في سورة هود أن في الآية تعليقاً لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إليه ومثله بقوله انظر أيهم أحسن وجهاً فجعلوا بين كلاميه تنافياً وفي «الكشف» أن كلامه هناك صريح بأن التعليق فيه بمعنى تعليق فعل القلب على ما فيه استفهام، وهو بهذا المعنى خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين وفي الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء، ونحوها صرح به الشيخ ابن الحاجب نصاً فلا ينافي ما ذكر في هذه السورة من أنه ليس بتعليق فإنما نفى التعليق بالمعنى المشهور وأما / الحمل عن الإضمار في آية هود والتضمين في آية الملك للتفنن فلا وجه له بعد تصريحه بأنه استعارة انتهى وكذا على هذا لا وجه لكون ما هناك اختياراً لمذهب الفراء والزجاج وما هنا اختيار لمذهب آخر فتدبر وتذكر فإنه كثيراً ما يسئل عن ذلك قديماً وحديثاً والله تعالى الموفق. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي الغالب الذي لا يعجزه عقاب من أساء {ٱلْغَفُورُ } لمن شاء منهم أو لمن تاب على ما اختاره بعضهم لأنه أنسب بالمقام.

ابن عاشور

تفسير : صفة لـ {أية : الذي بيده الملك}تفسير : [الملك: 1] فلما شمل قوله: {أية : وهو على كل شيء قدير}تفسير : [الملك: 1] تعلق القدرة بالموجود والمعدوم أتبع بوصفه تعالى بالتصرف الذي منه خلق المخلوقات وأعراضِها لأن الخلق أعظم تعلق القدرةِ بالمقدور لدلالته على صفة القدرة وعلى صفة العلم. وأوثر بالذكر من المخلوقات الموتُ والحياة لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان الذي هو أعجب الموجود على الأرض والذي الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة بالشرائع والمواعظ، فالإماتة تصرف في الموجود بإعداده للفناء، والإحياء تصرف في المعدوم بإيجاده ثم إعطائه الحياة ليستكمل وجود نوعه. فليس ذكر خلق الموت والحياة تفصيلاً لمعنى المُلك بل هو وصف مستقل. والاقتصار على خلق الموت والحياة لأنهما حالتان هما مظهرا تعلق القدرة بالمقدور في الذاتتِ والعرض لأن الموت والحياة عرضان والإنسان معروض لهما. والعَرَض لا يقوم بنفسه فلما ذُكر خلق العَرَض علم من ذكره خَلْق معروضه بدلالة الاقتضاء. وأوثر ذكر الموت والحياة لِما يدلان عليه من العبرة بتداول العرضين المتضاديْن على معروض واحد، وللدلالة على كمال صنع الصانع، فالموت والحياة عرضان يعرضان للموجود من الحيوان، والموتُ يُعِد الموجود للفناء والحياة تُعِد الموجود للعمل للبقاء مدة. وهما عند المتكلمين من الأعراض المختصة بالحي، وعند الحكماء من مقولة الكيف ومن قسم الكيفيات النفسانية منه. فالحياة: قوة تَتْبَع اعتدالَ المزاج النوعي لتَفيضَ منها سائر القوى. و {الموت}: كيفية عدمية هو عدم الحياة عما شأنه أن يوصف بالحياة أو الموت، أي زوال الحياة عن الحي، فبين الحياة والموت تقابُلُ العَدَم والمَلَكة. ومعنى خلق الحياة: خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة، ففي خَلقه خلقُ ما به قوامه، وأما معنى {خلق الموت} فإيجاد أسبابه وإلاّ فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضاً للمخلوق عبّر عن حصوله بالخَلق تبعاً كما في قوله تعالى: {أية : والله خلقكم وما تَعْمَلون}تفسير : [الصافات: 96]. وأيضاً لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه. والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهراً عظيماً من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصْف القاهِر. فأما الإِحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم. فمعنى القدرة في الإِماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة. ومعنى القدرة في الإِحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم، وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإِنعام. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم }تفسير : [سورة البقرة: 28]. وفي ذكرهما تخلص إلى ما يترتب عليهما من الآثار التي أعظمها العملُ في الحياة والجزاءُ عليه بعد الموت، وذلك ما تضمنه قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} فإن معنى الابتلاء مشعر بترتب أثر له وهو الجزاء على العمل للتذكير بحكمة جعل هذين الناموسين البديعين في الحيوان لتظهر حكمة خلق الإنسان ويُفضِيا به إلى الوجود الخالد، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عَبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115]. وهذا التعليل من قبيل الإِدماج. وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21]. والمعنى: أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات، ثم أمواتاً يَخلُصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها. فالتعريف في "الموتَ" و "والحياة" تعريف الجنس. وفي الكلام تقديرُ: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيَوا فيبلوكم أيكم أحسن عملاً، وتموتوا فتُجزوا على حسب تلك البلوى، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة. وجملة {ليبلوكم} إلى آخرها معترضة بين الموصولين. واللام في {ليبلوكم} لام التعليل، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم. الخ. وتعليل فعل بعلةٍ لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقامَ، فقوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} تعليلٌ لفعل {خَلَقَ} باعتبار المعطوف على مفعوله، وهو {والحياة} لأن حياة الإِنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره، وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى: {أيكم أحسن عملاً} أي وأيكم أقبح عملاً. ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإِلٰهي وهو المسوق له الكلام، وذكِر خلق الحياة إدماج للتذكير، وهو من أغراض السورة. ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الأفهام الاطلاع عليها. والبلوى: الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم، أي ليعلم علم ظَهورٍ أو مستعارةٌ لإظهار الأمر الخفي، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيهاً بالاختبار. وجملة {أيكم أحسن عملاً} مرتبطة بــ {يبلوكم}. و (أيُّ) اسم استفهام ورفعه يعيّن أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظٍ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة، وفيه وجهان: أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مَسدَّ المفعول الثاني، وأن فعل {يبلوكم} المضمن معنى (يَعْلَمكم) معلق عن العمل في المفعول الثاني، وليس وجود المفعول الأول مانعاً من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وإن لم يكن كثيراً في الكلام. الوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني {ليبلوكم} أي تؤول الجملة بمعنى مفردٍ تقديره: ليعلمكم أهذا الفريق أحسنُ عملاً أم الفريقُ الآخر. وهذا مختار صاحب «الكشاف» في تفسير هذه الآية. ومبناه على أن تعليق أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلاّ إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني، وحاصله: أن التقدير ليَعلم الذين يقال في حقهم {أيهم أحسن عملاً}على نحو قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 69] أي: لنَنْزِعَنّ الذين يقال فيهم: أيهم أشد. وجوز صاحب «التقريب» أن يكون التقدير: ليعلم جواب سؤال سائلٍ: أيكُم أحسنُ عملاً. قلت: ولك أن تجعل جملة: {أيكم أحسن عملاً} مستأنفة وتجعلَ الوقف على قوله: {ليبلوكم}ويكون الاستفهام مستعملاً في التحْضيض على حُسن العمل كما هو في قول طرفة:شعر : إذا القوم قالوا مَن فتًى خلتُ أنني عُنيت فلم أكسل ولَم أتبلَّد تفسير : فجعل الاستفهام تحضيضاً. و {أحسن} تفضيل، أي أحسن عملاً من غيره، فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأوْلى لأن إحصاءها والإِحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع، ومن الفساد في النفس، وفي نظام العالم، وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} إيجاز. وجملة: {وهو العزيز الغفور} تذييل لجملة: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} إشارة إلى أن صفاته تعالى تقتضي تعلقاً بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها، فأما {العزيز} فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} كما تقدم آنفاً، أي ليجزيكم جزاء العزيز، فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة. وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله {ليبلوكم}. وأما {الغفور} فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه، قال تعالى: {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}تفسير : [طه: 82] فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى هذه الآية الكريمة بما يوضحها من الآيات عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]، وقبلها في سورة هود على قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7]. وقال رحمه الله في إملائه: جعل للعالم موتتين وإحياءتين، وبينه بقوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [البقرة: 28] الآية. والآية تدل عن أن الموت أمر وجودي لا عدمي كما زعم الفلاسفة، لأنه لو كان عدمياً، لما تعلق به الخلق.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} (2) - وَهُوَ الذِي أَوْجَدَ الخَلاَئِقَ مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ خَلَقَ المَوْتَ الذِي تَنْعَدِمُ بِهِ الحَيَاةُ، لِيَقْهَرَ عِبَادَهُ، وَجَعَلَ لِكُلٍ مِنَ المَوْتِ وَالحَيَاةِ مَوَاقِيتَ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ. وَقَدْ خَلَقَ اللهُ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَلِيَعْلَمَ أَيُّكُمْ يَكُونُ أَحْسَنَ عَمَلاً، وَأَكْثَرَ وَرعاً عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاللهُ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ الشَّدِيدُ الانْتِقَامِ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَهُوَ الغَفُورُ لِذُنُوبِ مَنْ أَنَابَ إِليهِ. خَلَقَ المَوْتَ - أَوْجَدَهُ أَوْ قَدَّرَهُ أَزَلاً. لَيَبْلُوَكُمْ - لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا بَينَ المَوْتِ وَالحَيَاةِ. أَحْسَنُ عَمَلاً - أَصْوَبُهُ أَوْ أَكثَرُهُ إِخْلاَصاً.

همام الصنعاني

تفسير : 3260- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ}: [الآية: 2]، قال: أَذَلَّ اللهُ ابن آدم بالموت وجعل الدنيا دَارَ فناء، وجعل الآخرة دَارَ بقاء وجزاء. 3261- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة: أنه يجاءُ بالموت يوْمَ القيامَة في صُورَةِ كَبْشٍ، فيُقالُ: يا أهْلَ الجنَّةِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فيقولون، نعم ثم يقال لأهل النَّار، هل تعرفُونَ هذا، فيقولونَ: يا رب، هذا الموت (فَيُسْحط سَحْطاً)، ثم يقال: خُلُودٌ لاَ مَوْتَ فيه. 3262- قال عبد الرزاق، قال معمر، وسمعت إنساناً يَقُولُ: فما أُوتي عَلَى أهْلِ النَّارِ يَوْمٌ أشَدُّ حزناً مِنْه، وما أُتِيَ عَلَى أهْلِ الجَنَّةِ يَوْمٌ أشَدُ سُرُوراً مِنْه.