٦٧ - ٱلْمُلْك
67 - Al-Mulk (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : أما دليل القدرة فهو قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ طِبَاقاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر صاحب «الكشاف» في {طِبَاقاً } ثلاثة أوجه أولها: طباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق، وهذا وصف بالمصدر وثانيها: أن يكون التقدير ذات طباق وثالثها: أن يكون التقدير طوبقت طباقاً. المسألة الثانية: دلالة هذه السموات على القدرة من وجوه أحدها: من حيث إنها بقيت في جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة وثانيها: من حيث إن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص وثالثها: أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معينة ورابعها: كونها في ذواتها محدثة وكل ذلك يدل على استنادها إلى قادر تام القدرة. وأما دليل العلم فهو قوله: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {مِن تَفَـوت } والباقون {مِن تَفَـاوُتٍ }، قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر، وتعهد وتعاهد، وقال الأخفش: {تَفَـٰوُتٍ } أجود لأنهم يقولون: تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون: تفوت، واختار أبو عبيدة: {تَفَـوت }، وقال: يقال تفوت الشيء إذا فات، واحتج بما روي في الحديث أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله. المسألة الثانية: حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضه ولا يلائمه ومنه قولهم: (تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب)، وأما ألفاظ المفسرين فقال السدي: من تفاوت أي من اختلاف عيب، يقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن، وقال آخرون: التفاوت الفطور بدليل قوله بعد ذلك: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } نظيره قوله: {أية : وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } تفسير : [ق: 6] قال القفال: ويحتمل أن يكون المعنى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكمة صانعها وأنه لم يخلقها عبثاً. المسألة الثالثة: الخطاب في قوله: {مَّا تَرَىٰ } إما للرسول أو لكل مخاطب وكذا القول في قوله: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا }. المسألة الرابعة: قوله: {طِبَاقاً } صفة للسموات، وقوله بعد ذلك: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } صفة أخرى للسموات والتقدير خلق سبع سموات طباقاً ما ترى فيهن من تفاوت إلا أنه وضع مكان الضمير قوله: {خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب. المسألة الخامسة: اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كمال علم الله تعالى هو أن الحس دل أن هذه السموات السبع، أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان فعله محكماً متقناً فإنه لا بد وأن يكون عالماً، فدل هذه الدلالة على كونه تعالى عالماً بالمعلومات فقوله: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } إشارة إلى كونها محكمة متقنة. المسألة السادسة: احتج الكعبي بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق الله تعالى، قال: لأنه تعالى نفى التفاوت في خلقه، وليس المراد نفي التفاوت في الصغر والكبر والنقص والعيب فوجب حمله على نفي التفاوت في خلقه من حيث الحكمة، فيدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد ليست من خلقه على ما فيها من التفاوت الذي بعضه جهل وبعضه كذب وبعضه سفه، الجواب: بل نحن نحمله على أنه لا تفوت فيه بالنسبة إليه، من حيث إن الكل يصح منه بحسب القدرة والإرادة والداعية، وإنه لا يقبح منه شيء أصلاً، فلم كان حمل الآية على التفاوت من الوجه الذي ذكرتم أولى من حملها على نفي التفاوت من الوجه الذي ذكرناه، ثم إنه تعالى أكد بيان كونها محكمة متقنة، وقال: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } والمعنى أنه لما قال: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } كأنه قال بعده: ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك بالبصر الواحد، ولا تعتمد عليه بسبب أنه قد يقع الغلط في النظرة الواحدة، ولكن ارجع البصر واردد النظرة مرة أخرى، حتى تتيقن أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتة. والفطور جمع فطر، وهو الشق يقال: فطره فانفطر ومنه فطر ناب البعير، كما يقال: شق ومعناه شق اللحم فطلع، قال المفسرون: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } أي من فروج وصدوع وشقوق، وفتوق، وخروق، كل هذا ألفاظهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي بعضها فوق بعض. والملتزق منها أطرافها؛ كذا روي عن ابن عباس. و {طِبَاقاً} نعت لـ {سَبْعَ} فهو وصف بالمصدر. وقيل: مصدر بمعنى المطابقة؛ أي خلق سبع سموات وطبّقها تطبيقاً أو مطابقة. أو على طُوبقت طِباقاً. وقال سيبويه: نصب «طباقاً» لأنه مفعول ثان. قلت: فيكون {خَلَقَ} بمعنى جعل وصَيّر. وطِباق جمع طَبَق؛ مثل جَمَل وجِمال. وقيل: جمع طبقة. وقال أبَان بن تَغْلِب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلاً فقال: شَرّه طباق، وخيره غير باق. ويجوز في غير القرآن سبع سموات طباقٍ؛ بالخفض على النعت لسموات. ونظيره {أية : وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ} تفسير : [يوسف:6]. {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} قراءة حمزة والكسائي «مِن تَفَوُّتٍ» ـ بغير ألف ـ مشدّدة. وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون «منْ تَفَاوُتٍ» بألف. وهما لغتان؛ مثل التعاهد والتعهّد، والتحمّل والتحامل، والتظّهر والتظاهر، وتصاغر وتصغّر، وتضاعف وتضعّف، وتباعد وتبعّد؛ كلّه بمعنىً. واختار أبو عبيد «من تَفَوُّت» واحتج بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يُتَفَوَّتُ عليه في بَنَاتِه»! النحاس: وهذا أمر مردود على أبي عبيد، لأن يتفوّت يُفتات بهم. «وتفاوت» في الآية أشبه. كما يقال تباين يقال: تفاوت الأمر إذا تباين وتباعد؛ أي فات بعضها بعضا. ألا ترى أن قبله قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}. والمعنى: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج ولا تناقض ولا تباين ـ بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها ـ وإن اختلفت صُوَره وصفاته. وقيل: المراد بذلك السموات خاصة؛ أي ما ترى في خلق السموات من عَيْب. وأصله من الفَوْت، وهو أن يفوت شيء شيئاً فيقع الخلل لقلة استوائها؛ يدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنه: من تَفَرّق. وقال أبو عبيدة: يقال: تفوت الشيء أي فات. ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به فيتفكروا في قدرته فقال: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي اردد طرفك إلى السماء. ويقال: قلّب البصر في السماء. ويقال: اجْهَدْ بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب. وإنما قال: «فَارْجِعِ» بالفاء وليس قبله فعل مذكور؛ لأنه قال: «ما تَرَى». والمعنى انظر ثم ارجع البصر هل ترى من فطور؛ قاله قتادة. والفطور: الشّقوق، عن مجاهد والضحاك. وقال قتادة: من خَلَل. السُّدِّي: من خروق. ابن عباس: من وهَنْ. وأصله من التّفطُّر والانفطار وهو الانشقاق. قال الشاعر:شعر : بَنَى لكُم بِلا عَمدٍ سماءً وَزيَّنَها فما فيها فطورُ تفسير : وقال آخر:شعر : شققْتِ القلب ثم ذَرَرْتِ فيه هَواكِ فَلِيم فالتأم الفُطُورُ تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ولا سكر ولم يبلغ سرور
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً } بعضها فوق بعض من غير مماسة {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ } لهنّ ولا لغيرهنّ {مِن تَفَٰوُتٍ } تباين وعدم تناسب {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ } أعده إلى السماء {هَلْ تَرَىٰ } فيها {مِن فُطُورٍ } صدوع وشقوق؟.
ابن عبد السلام
تفسير : {طِبَاقاً} متشابهة هذا مطابق لهذا أي شبيه به أو بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها فوق بعض بين كل سماء وأرض خلق وأمر "ح" {تَفَاوُتٍ} اختلاف أو عيب أو تفرق "ع" أو لا يفوت بعضه بعضاً {فَأرْجِعِ الْبَصَرَ} فانظر إلى السماء {فُطُورٍ} شقوق أو خلل أو خروق أو وهن "ع".
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {الذي خلق سبع سموات طباقاً} يعني طبقاً على طبق بعضها فوق بعض كل سماء مقبية على الأخرى وسماء الدنيا كالقبة على الأرض قال كعب الأحبار سماء الدنيا موج مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفر أو قال نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء وما بين السماء إلى الحجب السبعة صحار من نور، {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} أي ما ترى يا ابن آدم في شيء مما خلق الرحمن اعوجاجاً ولا اختلافاً ولا تناقضاً بل خلقهن مستقيمة مستوية {فارجع البصر} أي كرر النظر {هل ترى من فطور} أي من شقوق وصدوع {ثم ارجع البصر كرتين} قال ابن عباس مرة بعد مرة {ينقلب} أي ينصرف {إليك} فيرجع {البصر خاسئاً} أي صاغراً ذليلاً مبعداً لم ير ما يهوي {وهو حسير} أي كليل منقطع لم يدرك ما طلب {ولقد زينا السماء الدنيا} أي القربى من الأرض وهي التي يراها الناس {بمصابيح} أي بكواكب كالمصابيح في الإضاءة وهي أعلام الكواكب، وقال ابن عباس بنجوم لها نور وقيل خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ورجوماً للشياطين وهو قوله تعالى: {وجعلناها رجوماً للشياطين} قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع. فإن قلت جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها وجعلها رجوماً للشياطين يقتضي زوالها فكيف الجمع بين هاتين الحالتين. قلت قالوا إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة وترمي الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب ومثلها كمثل قبس يؤخذ من النار وهي على حالها {وأعتدنا لهم} أي وأعتدنا للشياطين بعد الاحتراق في الدنيا {عذاب السعير} أي في الآخرة وهي النار الموقدة {وللذين كفروا بربهم} أي ليس العذاب مختصاً بالشياطين بل لكل من كفر بالله من إنس وجن {عذاب جهنم وبئس المصير} ثم وصف جهنم فقال تعالى: {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً} هو أول صوت نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات {وهي تفور} أي تغلي بهم كغلي المرجل وقيل تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل، {تكاد تميز} أي تتقطع {من الغيظ} من تغيظها عليهم {كلما ألقي فيها فوج} أي جماعة {سألهم خزنتها} يعني سؤال توبيخ وتقريع {ألم يأتكم نذير} أي رسول ينذركم.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} قيلَ هو نعتٌ للعزيزُ الغفورُ أو بـيانٌ أو بدلٌ والأوجهُ أنه نُصبَ أو رُفعَ على المدحِ متعلقٌ بالموصلينِ السابقينِ مَعْنَى وإنْ كانَ منقطعاً عنهُما إعراباً كما مرَّ تفصيلُهُ في قولِهِ تعالَى: { أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 3] من سورةِ البقرةِ منتظَمٌ معهما في سلكِ الشهادةِ بتعاليهِ سبحانَهُ، ومع الموصولِ الثَّاني في كونِه مداراً للبلوى كما نطقَ بهِ قولُه تعالَى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [سورة هود، الآية 7] وقولُه تعالَى: {طِبَاقاً} صفةٌ لسبعَ سمواتٍ أي مطابقةً على أنَّه مصدرُ طابقتَ النعلَ إذا خصفتَها وُصفَ بهِ المفعولُ أو مصدرٌ مؤكدٌ لمحذوفٍ هو صفتُها أي طُوبقتْ طباقاً. وقولُه تعالَى: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ} صفةٌ أُخرى لسبعَ سمواتٍ، وضع فيها خلقُ الرحمنِ موضعَ الضميرِ للتعظيمِ والإشعارِ بعلةِ الحكمِ وبأنَّه تعالى خلقَها بقدرتِهِ القاهرةِ رحمةً وتفضلاً، وبأنَّ في إبداعِها نعماً جليلةً أو استئنافٌ، والخطابُ للرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أو لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلحُ للخطابِ، ومنْ لتأكيدِ النَّفي أي ما تَرى فيهِ من شيءٍ من تفاوتٍ أي اختلافٍ وعدم تناسُبٍ، من الفَوتِ، فإنَّ كلاً من المتفاوتينَ يفوتُ منهُ بعضُ ما في الآخرِ وقُرِىءَ من تفوتٍ، ومعناهُمَا واحدٌ. وقولُه تعالَى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} متعلقٌ بهِ على مَعْنَى التسببِ حيثُ أخبرَ أولاً بأنه لا تفاوتَ في خلقهنَّ ثم قيلَ فارجعِ البصرَ حتَّى يتضحَ لك ذلكَ بالمعاينةِ ولا يبقى عندكَ شبهةٌ ما، والفطورُ الشقوقُ والصدوعُ جمعُ فِطْرٍ وهو الشقُّ يقالُ فطرَهُ فانفطَرَ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ} حارث الابصار والبصائر عن ادراك مائية استواء افعاله لانها عاجزة عن اللحوق بجريان قدرته الواسعة فيها فاذا كانت كذلك فى ادراك خلقه فكيف تشاهد جلال القدم والابصار والبصائر والقلوب والارواح والعقول فانية حسيرة فى اول سطوة من سطوات عظمته راجعة عنها خاسئة ولا يبقى عليها من العلم والعرفان قال الواسطى كرتين اى قلبا وبصر الان الاول كان بالعين خاصة هل ترى من فطور اذا لم يكن فى خلقى فطور فانا اشد امتناعا من الاستغراق والاستحراق.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذى خلق سبع سموات} ابدعها من غير مثال سبق {طباقا} صفة لسبع سموات وقولهم الصفة فى الاعداد تكون للمضاف اليه كما فى قوله {أية : سبع بقرات سمان}تفسير : لا يطرد ويجوز جعله حالا لان سبع سموات معرفة لشمولها الكل وهو مصدر بمعنى الفاعل يقال طابقه مطابقة وطباق الشئ مثل كتاب مطابقة بكسر الباء وطابقت بين الشيئين اذا جعلتهما على حذو واحد وألزقتهما والباب يدل على وضع شئ مبسوط على مثله حتى يغطيه والمعنى مطابقة بعضها فوق بعض وسماء فوق سماء غلظ كل سماء خمسمائة عام وكذا جوها بلا علاقة ولا عماد ولا مماسة فالسماء الدنيا موج مكفوف اى ممنوع من السيلان والثانية من درة بيضاء والثالثة من حديد والرابعة من نحاس او صفر والخامسة من فضة والسادسة من ذهب والسابعة من ياقوتة حمرآء وبين السابعة وما فوقها من الكرسى والعرش بحار من نور قال القاشانى نهاية كمال عالم الملك فى خلق السموات ان لا يرى احكم خلقا واحسن نظاما وطباقا منها قال الجمهور ان الارض مستدير كالكرة وان السماء الدنيا محيطة بها من كل جانب احاطة البيضة بالمح فالصفرة بمنزلة الارض وبياضها بمنزلة الماء وجلدها بمنزلة السماء غير أن خلقها ليس فيه استطاله كاستطالة البيضة بل هى مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة الخرط حتى قال مهندسوهم لو حفر فى الوهم وجه الارض لادى الى الوجه الآخر ولو ثقب مثلا بارض الاندلس لنفذ الثقب بارض الصين وان السماء الثانية محيطة بالدنيا وهكذا الى أن يكون العرش محيط بالكل والكرسى الذى هو اقربها اليه بالنسبة اليه كحلقة ملقاة فى فلاة فما ظنك بما تحته وكل سماء فى التى فوقها بهذه النسبة {ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت} استئناف والخطاب للرسول او لكل احد ممن يصلح للخطاب ووضع خلق الرحمن موضع الضمر اذا المقام مقام أن يقال فى خلقه وفى السموات على أن يكون بمعنى المخلوق والاضافة بمعنى اللام للاشعار بأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمه وتفضلا ومن لتأكيد النفى والمعنى ما ترى فيه شيئا من اختلاف واضطراب فى الخلقة وعدم تناسب بل هو مستوٍ مستقيمٍ قال القاشانى سلب التفاوت عنها بساطتها واستدارتها ومطابقة بعضها بعضا وحسن انتظامها وتناسبها وهو من الفوت فان كلا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما فى الآخر فلا يناسبه ولا يلائمه قال الراغب التفاوت الاختلاف فى الاوصاف كأنه يفوت وصف احدهما الآخر او وصف كل واحد منهما الآخر وجعل بعض العلماء خلق الرحمن عاما فسئل بأن المخلوقات بأسرها على غاية التفاوت لان الليل غير النهار الى غير ذلك من الاضداد ثم أجاب بأن ليس فيها تناقص او زيادة غير محتاج اليها او نقصان محتاج اليه بل الكل مستقيمة مستوية دالة على ان خالقها عالم انتهى وفى الآية اشارة الى شمول رحمته الواسعة كل شئ كما قال يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لان الموجودات كلها علوية كانت او سفلية نورانية كانت او ظلمانية روحانية كانت او جسمانية خلقت من نور الرحمن ورحمته من غير تفاوت فى الخلقة واصل الرزق شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغماجه دشمن جه دوست
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} مصدر او جمع، والموصول بدل من الّذى فى تبارك الّذى، او صفة للعزيز، او خبرٌ بعد خبرٍ، او مبتدءٌ وخبره قوله {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} والعائد الرّحمن الّذى هو بمعناه والمنظور منه بيان قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وعدم اهمالهم بلا ثوابٍ وعقابٍ والمراد بالتّفاوت الاختلاف فى الاتقان وعدمه، وقرئ من تفوّتٍ وهو بمعنى التّفاوت {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ} يعنى انظر الى السّماء ثمّ تفكّر فى نفسك وتأمّل فى خلل السّماء ثمّ ارجع بصرك الى السّماء {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} انشقاق فيها وخللٍ وفسادٍ فى خلقها.
اطفيش
تفسير : {الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ طِبَاقاً} نعت أو حال لسبع بمعنى مطابقات أو ذوات طباق أو مفعول مطلق أي طوبقت طباقا وهو مصدر طابق وقيل جمع طبق بفتح الباء أو طبقة بفتحها أو اسكانها والمراد ان بعضها فوق بعض من غير مماسة سمع اعرابي يذم رجلا ويقول شره طباق وخيره غير باق والسماء الدنيا من الموج المكفوف والموج ما ارتفع من غليان الماء والمكفوف المحبوس. قال الثعالبي: وما ذكروا ان بعض السماوات من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من ياقوت ونحو ذلك ضعيف لم يثبت به حديث وذلك انه روي عن كعب الأحبار ان الاولى من موج مكفوف والثانية من زمرد أخضر والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوته حمراء وقيل الثانية نحاس والثالثة فضة والرابعة ذهب والخامسة ياقوت والسادسة زمرد والسابعة نور وقيل الاولى زمردة خضراء والثانية فضة والثالثة ياقوت احمر والرابعة درة بيضاء والخامسة ذهب احمر والسادسة ياقوتة صفراء والسابعة نور واسم الاولى رقيقاء والثانية اذلقون قيدوم وقيل عيناء والرابعة عرداء وقيل باعوناء والخامسة دبقاء وقيل سحيقاء والسادسة قناء وقيل عدرباء والسابعة عبراء وقيل سمعواء. {مَّا تَرَى} يا محمد أو يا من يصلح للرواية والخطاب {فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} اختلاف وعدم تناسب وقرأ حمزة والكسائي من تفوت بتشديد الواو مضمومة بدون الف قبلها والمعنى واحد واراد بخلق الرحمن مخلوقة وهو السماوات وعبر به ان مقتضى الظاهر الاضمار بان يقول ماترى فيهن لتعظيمهن والتنبيه على سبب سلامتهن من التفاوت وذلك السبب هو كون خالقهن الرحمن وعلى انه يباهر قدرته هو خالق مثل ذلك رحمة وتفضلا وانعاماً جليلا لايحصى كما يدل عليه اسم الرحمن وقيل: اراد بخلق الرحمن جميع المخلوقات فإنها متقنة محكمة وما استفهامية انكارية ومن بيان لها أو زائدة في المفعول والجملة مستأنفة أو مقول لقول محذوف نعت أي مقولا فيهن ما ترى الى اخره أو ما نافية ومن زائدة في المفعول والجملة نعت والاول ابلغ. {فَارْجِعِ البَصَرَ} إلى السماء بعد ما نظرت اليها مرارا مرة أخرى متأملا. {هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} شقوق والرجع مستند على ماقبله ومتسبب عنه.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} قيل هو نعت للعزيز الغفور أو بيان أو بدل، واختار شيخ الإسلام أنه نصب أو رفع على المدح متعلق بالموصولين السابقين معنى وإن كان منقطعاً عنهما إعراباً منتظم معهما في سلك الشهادة بتعاليه [إليه] سبحانه وتعالى، ومع الموصول الثاني في كونه مداراً للبلاء كما نطق به قوله تعالى: {أية : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاًتفسير : [هود: 7]. وقوله تعالى: {طِبَاقاً } صفة لسبع وكون الوصف للمضاف إليه العدد ليس بلازم بل أكثري، وهو مصدر طابقت النعل بالنعل إذا خصفتها وصف به للمبالغة أو على حذف مضاف أي ذات طباق أو بتأويل اسم المفعول أي مطابقة. وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمحذوف أي طوبقت طباقاً. والجملة في موضع الصفة، وأن يكون جمع طبق كجمل وجمال أو جمع طبقة كرحبة بفتح الحاء ورحاب. والكلام بتقدير مضاف لأنه اسم جامد لا يوصف به أي ذات طباق، وقيل يجوز كونه حالاً من {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} لقربه من المعرفة بشموله الكل وعدم فرد وراء ذلك. وتعقب بأن قصارى ذلك بعد القيل والقال أن يكون نحو شمس مما انحصر في فرد وهو لا تجىء الحال المتأخرة منه فلا يقال طلعت علينا شمس مشرقة. وأياً ما كان فالمراد كما أخرج عبد بن حميد بعضها فوق بعض، ولا دليل في ذلك على تلاصقها كما زعمه متقدمو الفلاسفة ومن وافقهم من الإسلاميين مخالفين لما نطقت به الأحاديث الصحيحة وإن لم يكفر منكر ذلك فيما أرى. واختلف في موادها فقيل الأولى من موج مكفوف والثانية من درة بيضاء والثالثة من حديد والرابعة من نحاس والخامسة من فضة والسادسة من ذهب والسابعة من زمردة بيضاء وقيل غير ذلك ولا أظنك تجد خبراً يعول عليه فيما قيل ولو طرت إلى السماء وأظنك لو وجدت لأولت مع اعتقاد أن الله عز وجل على كل شيء قدير. وقوله تعالى: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } صفة أخرى على ما في «الكشاف» لسبع سمٰوات وضع فيها {خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} موضع الضمير الرابط للتعظيم والإشعار بعلة الحكم بحيث يمكن أن يترتب قياس من الشكل الأول ينتج نفي رؤية تفاوت فيها، وبأنه عز وجل خلقها بقدرته القاهرة رحمة وتفضلاً وبأن في إبداعها نعماً جليلة. وما ذكره ابن هشام في الباب الرابع من «المغني» من أن الجملة الموصوف بها لا يربطها إلا الضمير إما مذكوراً وإما مقدراً ليس بحجة على جار الله، والتوفيق بأن ذلك إذا لم يقصد التعظيم ليس بشيء لأنه لا بد له من نكتة سواء كانت التعظيم أو غيره. واستظهر أبو حيان أنه استئناف وأن {خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} عام للسمٰوات وغيرها. والخطاب لكل أحد ممن يصلح للخطاب، وجوز أن يكون لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولعل الأول أولى و{مِن} لتأكيد النفي أي ما ترى فيه شيئاً من تفاوت أي اختلاف وعدم تناسب كما قال قتادة وغيره من الفوت فإن كلاً من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر وفسر بعضهم التفاوت بتجاوز الشيء الحد الذي يجب له زيادة أو نقصاً وهو المعني بالاختلاف وعلى ذلك قول بعض الأدباء: شعر : تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى بهن اختلافاً بل أتين على قدر تفسير : وقال السدي أي من عيب وإليه يرجع قول من قال أي من تفاوت يورث نقصاً، وقال عطاء بن يسار / أي من عدم استواء وقيل أي من اضطراب وقيل أي من اعوجاج وقيل أي من تناقض، ومآل الكل ما ذكرنا. ومن الغريب ما قاله شيخ الطائفة الكشفية في زماننا من أن بين الأشياء جميعها ربطاً وهو نوع من التجاذب لا يفوت بسببه بعضها عن بعض وحَمَلَ الآية على ذلك، وإلى نحو هذا ذهب الفلاسفة اليوم فزعموا أن بين الأجرام علويها وسفليها تجاذباً على مقادير مخصوصة به حفظت أوضاعها وارتبط بعضها ببعض، لكن ذهب بعضهم إلى أن ما به التجاذب والارتباط يضعف قليلاً قليلاً على وجه لا يظهر له أثر إلا في مدد طويلة جداً، واستشعروا من ذلك إلى أنه لا بد من خروج هذا العالم المشاهد عن هذا النظام المحسوس فيحصل التصادم ونحوه بين الأجرام وقالوا إن كان قيامة فهو ذاك ولا يخفى حال ما قاله وما قالوه وان الآية على ما سمعت بمعزل عن ذلك. وقرأ عبد الله وعلقمة والأسود وابن جبير وطلحة والأعمش (مِن تفوّت) بشد الواو مصدر تفوت وحكى أبو زيد عن العرب في تفاوت فتح الواو وضمها وكسرها والفتح والكسر شاذان كما في «البحر». وقوله تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } متعلق بما قبله على معنى التسبب أي عن الإخبار بذلك فإنه سبب للأمر بالرجوع دفعاً لما يتوهم من الشبهة فهو في المعنى جواب شرط مقدر أي إن كنت في ريب من ذلك فارجع البصر حتى يتضح الحال ولا يبقى لك ريب وشبهة في تحقق ما تضمنه ذلك المقال من تناسب خلق الرحمن واستجماعه ما ينبغي له. والفطور قال مجاهد الشقوق جمع فطر وهو الشق يقال فطره فانفطر، والظاهر أن المراد الشق مطلقاً لا الشق طولاً على ما هو أصله كما قال الراغب، وفي معناه قول أبـي عبيدة الصدوع وأنشدوا قول عبيد الله بن عقبة بن مسعود: شعر : شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليط فالتأم الفطور تفسير : وقول السدي الخروق وأريد بكل ذلك على ما يفهم من كلام بعض الأجلة الخلل وبه فسره قتادة وفسره ابن عباس بالوهن وجملة {هَلْ تَرَىٰ} الخ قال أبو حيان في موضع نصب بفعل معلق محذوف أي فانظر هل ترى أو ضمن {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ } معنى فانظر ببصرك.
ابن عاشور
تفسير : صفة ثانية للذي بيده الملك، أعقب التذكيرُ بتصرف الله بخلق الإِنسان وأهم أعراضه بذكر خلق أعظم الموجودات غير الإِنسان وهي السماوات، ومفيدةٌ وصفاً من عظيم صفات الأفعال الإلٰهية، ولذلك أعيد فيها اسم الموصول لتكون الجُملُ الثلاث جارية على طريقة واحدة. والسماوات تكرر ذكرها في القرآن، والظاهر أن المراد بها الكواكب التي هي مجموع النظام الشمسي ما عدا الأرض، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : فسواهن سبع سماوات }تفسير : [سورة البقرة: 29] فإنها هي المشاهدة بأعين المخاطبين، فالاستدلال بها استدلال بالمحسوس. والطباق يجوز أن يكون مصدر طابق وُصفت به السماوات للمبالغة، أي شديدة المطابقة، أي مناسبة بعضها لبعض في النظام. ويجوز أن تكون {طِباقاً} جمع طَبَق، والطبَق المساوي في حالةٍ ما، ومنه قولهم في المثَل: «وافَقَ شَنٌّ طبَقَه». والمعنى: أنها مرتفع بعضها فوق بعض في الفضاء السحيق، أو المعنى: أنها متماثلة في بعض الصفات مثل التكوير والتحرّك المنتظم في أنفسها وفي تحرك كل واحدة منها بالنسبة إلى تحرك بقيتها بحيث لا تَرْتَطِمُ ولا يتداخل سيرها. وليس في قوله: {طباقاً} ما يقتضي أن بعضها مظروف لبعض لأن ذلك ليس من مفاد مادة الطباق (فلا تَكُن طَبَاقاء). وجاءت جملة {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت} تقريراً لقوله: {خلق سبع سموات طباقاً}. فإن نفي التفاوت يحقق معنى التطابق، أي التماثل. والمعنى: ما ترى في خلق الله السماوات تفاوتاً. وأصل الكلام: ما ترى فيهن ولا في خلق الرحمان من تفاوت فعبر بخلق الرحمان لتكون الجملة تذييلاً لمضمون جملة: {خلق سبع سماوات طباقاً}، لأن انتفاء التفاوت عما خلقه الله متحقق في خلق السماوات وغيرها، أي كانت السماوات طباقاً لأنها من خلق الرحمان، وليس فيما خلق الرحمان من تفاوت ومن ذلك نظام السماوات. والتفاوت بوزن التفاعل: شدة الفَوت، والفوت: البعد، وليست صيغة التفاعل فيه لحصول فعل من جانبين ولكنها مفيدة للمبالغة. ويقال: تفوَّت الأمر أيضاً، وقيل: إن تفوَّت، بمعنى حصل فيه عيب. وقرأ الجمهور {من تفاوت}. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {من تفوُّت} بتشديد الواو دون ألف بعد الفاء، وهي مرسومة في المصحف بدون ألف كما هو كثير في رسم الفتحات المشبعة. وهو هنا مستعار للتخالف وانعدام التناسق لأن عدم المناسبة يشبه البعد بين الشيئين تشبيه معقول بمحسوس. والخطاب لغير معين، أي لا تَرى أيها الرائي تفاوتاً. والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب، وذلك مُمكن لكل من يبصر، قال تعالى: {أية : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج}تفسير : [ق: 6] فكأنه قال: ما تَرون في خلق الرحمان من تفاوت، فيجوز أن يكون {خلق الرحمان} بمعنى المفعول كما في قوله تعالى: {أية : هذا خَلْق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}تفسير : [لقمان: 11]، ويراد منه السماوات، والمعنى: ما ترى في السماوات من تفاوت، فيكون العدول عن الضمير لتتأتى الإضافة إلى اسمه {الرحمان} المشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس كما سيأتي. ويجوز أن يكون {خلْقِ} مصدراً فيشمل خلق السماوات وخلقَ غيرها فإن صنع الله رحمة للناس لو استقاموا كما صنع لهم وأوصاهم، فتفيد هذه الجملة مفاد التذييل في أثناء الكلام على وجه الاعتراض ولا يكون إظهاراً في مقام الإِضمار. والتعبير بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم، لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سبباً لاختلال النظام فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق، قال تعالى: {أية : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر}تفسير : [الأنعام: 97] وقال: {أية : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحق}تفسير : [يونس: 5]. وأيضاً في ذلك الوصف تورك على المشركين إذْ أنكروا اسمه تعالى: {الرحمان} {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً}تفسير : [الفرقان: 60]. وفرع عليه قوله: {فارجع البصر} الخ. والتفريع للتسبب، أي انتفاء رؤية التفاوت، جعل سبباً للأمر بالنظر ليكون نفي التفاوت معلوماً عن يقين دون تقليد للمخبِر. ورَجْع البصر: تكريره والرجْع: العود إلى الموضع الذي يجاء منه، وفِعل: رَجع يكون قاصراً ومتعدياً إلى مفعول بمعنى: أرْجَعَ، فأرجع هنا فعل أمر من رجع المتعدي. والرَّجع يقتضي سبق حلول بالموضع، فالمعنى: أعِد النظر، وهو النظر الذي دل عليه قوله: {ما تَرى في خلق الرحمان من تفاوت} أي أعد رؤية السماوات وأنها لا تفاوت فيها إعادة تحقيق وتبصر، كما يقال: أعِدْ نَظَراً. والخطاب في قوله: {ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت} وقوله: {فارجع البصر} الخ. خطاب لغير معين. وصيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين مع دلالته على الوجوب للمسلمين فإن النظر في أدلة الصفات واجب لمن عرض له داع إلى الاستدلال. والبصر مستعمل في حقيقته. والمراد به البصر المصحوب بالتفكر والاعتبار بدلالة الموجودات على موجدها. وهذا يتصل بمسألة إيمان المقلد وما اختلف فيه من الرواية عن الشيخ أبي الحسن الأشعري. والاستفهام في {هل ترى من فُطور} تقريري ووقع بـ {هل} لأن {هل} تفيد تأكيد الاستفهام إذ هي بمعنى (قد) في الاستفهام، وفي ذلك تأكيد وحث على التبصر والتأمل، أي لا تقتنع بنظرة ونظرتين، فتقول: لم أجد فُطوراً، بل كَرّر النظر وعاوده باحثاً عن مصادفة فطور لعلك تجده. والفطور: جمع فَطْر بفتح الفاء وسكون الطاء، وهو الشَق والصدع، أي لا يسعك إلاّ أن تعترف بانتفاء الفطور في نظام السماوات فتراها ملتئمة محبوكة لا ترى في خلالها انشقاقاً، ولذلك كان انفطار السماء وانشقاقها علامة على انقراض هذا العالم ونظامِه الشمسي، قال تعالى: {أية : وفُتحت السماء فكانت أبواباً}تفسير : [النبأ: 19] وقال: {أية : إذا السماء انشقت}تفسير : [الانشقاق: 1] {أية : إذا السماء انفطرت}تفسير : [الانفطار: 1]. وعطْف {ثم ارجع البصر كرتين} دال على التراخي الرتبي كما هو شأن {ثم} في عطف الجمل، فإن مضمون الجملة المعطوفة بـ {ثم} هنا أهمّ وأدخل في الغرض من مضمون الجملة المعطوف عليها لأن إعادة النظر تزيد العلم بانتفاء التفاوت في الخَلق رسوخاً ويقيناً. و {كرتين} تثنية كرَّة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكَرَّة مشتقة من الكر وهو العود لأنها عَود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككَرة المقاتل يحمِل على العدوّ بعد أن يفر فراراً مصنوعاً. وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقها على عدد الاثنين، فكان إيثارها في مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز، ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان مقتضياً تثنية مرة في قوله تعالى: {أية : الطلاق مرتان}تفسير : [البقرة: 229] لأنه أظهر في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولاً. وتثنية {كرتين} ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا يتعلق غرض بخصوص هذا العدد، وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير فإن من استعمالات صيغة التثنية في الكلام أن يراد بها التكرير وذلك كما في قولهم: «لَبَّيك وسَعديك» يريدون تلبيات كثيرة وإسعاداً كثيراً، وقولهم: دَواليك، ومنه المثل «دُهْدُرَّيْن، سَعْدُ القَين» (الدُّهْدُرُّ الباطل، أي باطلاً على باطل، أي أتيتَ يا سعدُ القَيْن دهدرين وهو تثنية دُهْدرّ الدال المهملة في أوله مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة مضمومة فراء مشددة) وأصله كلمة فارسية نقلها العرب وجعلوها بمعنى الباطل. وسبب النقل مختلف فيه وتثنيته مكنّى بها عن مضاعفة الباطل، وكانوا يقولون هذا المثل عند تكذيب الرجل صاحبَه وأما سعد القين فهو اسم رجل كان قيناً وكان يمرّ على الأحياء لصقل سيوفهم وإصلاححِ أسلحتهم فكان يُشيع أنه راحل غَداً ليُسرع أهل الحي بجلب ما يحتاج للإِصلاح فإذا أتوه بها أقام ولم يرحل فضُرب به المثل في الكذب فكان هذا المثل جامعاً لمثلين؛ وقد ذكره الزمخشري في «المستقصى»، والميداني في «مجمع الأمثال» وأطال. وأصل استعمال التثنية في معنى التكرير أنهم اختصروا بالتثنية تعداد ذكر الاسم تعداداً مشيراً إلى التكثير. وقريب من هذا القبيل قولهم: وقَع كذَا غيرَ مرة، أي مرات عديدة. فمعنى {ثم ارجع البصر كرتين} عاوِد التأمّلَ في خلق السماوات وغيرها غير مرة والانقلاب: الرجوع يقال: انقلب إلى أهله، أي رجع إلى منزله قال تعالى: {أية : وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين}تفسير : [المطففين: 31] وإيثار فعل: {ينقلب} هنا دون: يرجع، لئلا يلتبس بفعل {ارجع} المذكور قبله. وهذا من خصائص الإِعجاز نظير إيثار كلمة {كرتين} كما ذكرناه آنفاً. والخاسىء: الخائب، أي الذي لم يجد ما يطلبه، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قال اخسئوا فيها }تفسير : [سورة المؤمنون: 108]. والحَسير: الكليل. وهو كلل ناشىء عن قوة التأمل والتحديق مع التكرير، أي يرجع البصر غير واجد ما أُغْري بالحرص على رؤيته بعد أن أدام التأمل والفحص حتى عيي وكلّ، أي لا تجدْ بعد الَّلأْي فطوراً في خلق الله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} الآية. ذكر خلق السماوات السبع الطباق على هذا النحو دون تفاوت أو فطور بعد ذكر أول السورة، يدل على أن خلق هذه السبع من كمال قدرته. وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الحكمة في خلق السماوات والأرض ضمن تنبيه عقده في أواخر سورة الذاريات. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الآية الكريمة، والآيات الموضحة لها عند الكلام على أول سورة قۤ عند قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}تفسير : [قۤ: 6] قال في إملائه: إن قوله تعالى في خلق الرحمن عام في جميع مخلوقاته، من معنى الاستواء والحكمة والدقة في الصنع، وتدخل السماوات في ذلك بدليل قوله تعالى: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل: 88] وإتقان كل شيء بحسبه، كما في قوله: {أية : قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]. وقوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}تفسير : [السجدة: 7]. وبدأ خلق الإنسان من طين، وهذا الحال للسماء في الدنيا فقط، وستنفطر يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الانفطار: 1] {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1] {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ}تفسير : [الفرقان: 25] ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32] في سورة الأنبياء. وعند قوله: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ}تفسير : [قۤ: 6] في سورة قۤ. ولعل مجيء هذه الآية بعد {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الملك: 2] توجيه إلى حسن صنع الله وإبداعه في خلقه {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُت} [الملك: 3].
د. أسعد حومد
تفسير : {سَمَاوَاتٍ} {تَفَاوُتٍ} (3) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (طِبَاقاً)، تَقُومُ كُلُّهَا وَفْقَ نِظَامٍ بَدِيعٍ، فَلاَ عَمَدَ، وَلاَ أَرْبِطَةَ تَشُدُّهَا وَتَرْبِطُ بَيْنَهَا، وَلاَ يَرَى النَّاظِرُ فِي خَلْقِ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ تَفَاوُتاً، وَلاَ خَلَلاً. وَإِذَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فِي شَكِّ وَرَيْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ لِيَرَى حَقِيقَةَ التَّنَاسُقِ وَالانْسِجَامِ القَائِمَيْنِ فِي خَلْقِهَا، فَإِنَّهُ لَنْ يَرَى فِيهَا خَلَلاً وَلاَ تَنَافُراً وَلاَ تَشَقُّقاً. طِبَاقاً - كُلُّ سَمَاءٍ تَلُفُّ الأُخْرَى. الفُطُورُ - الخَلَلُ أَوِ التَّشَقُّقُ. التَفَاوُتُ - الاخْتِلاَفُ وَعَدَمُ التَّنَاسُبِ.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قالَ: حدّثنا علي بن أحمد. قالَ: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} معناه من صِدوعٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 3263- قال عبد الرزاق، قال معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ}: [الآية: 3]، قال: أيْ من اختلاف. 3264- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن فُطُورٍ}: [الآية: 3]، قال: من خَلَلٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):