Verse. 5246 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاۗءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيْحَ وَجَعَلْنٰہَا رُجُوْمًا لِّلشَّـيٰطِيْنِ وَاَعْتَدْنَا لَہُمْ عَذَابَ السَّعِيْرِ۝۵
Walaqad zayyanna alssamaa alddunya bimasabeeha wajaAAalnaha rujooman lilshshayateeni waaAAtadna lahum AAathaba alssaAAeeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد زيَّنا السماء الدنيا» القربى إلى الأرض «بمصابيح» بنجوم «وجعلناها رجوما» مراجم «للشياطين» إذا استرقوا السمع بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله لا أن الكوكب يزول عن مكانه «وأعتدنا لهم عذاب السعير» النار الموقدة.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادراً عالماً، وذلك لأن هذه الكواكب نظراً إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين، وسير معين، تدل على أن صانعها قادر ونظراً إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا، وسبباً لانتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم، ونظير هذه الآية في سورة الصفات {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } تفسير : [الصافات: 7] وههنا مسائل. المسألة الأولى: {ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا } السماء القربى، وذلك لأنها أقرب السموات إلى الناس ومعناها السماء الدنيا من الناس، والمصابيح السرج سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، أما قوله تعالى: {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } فاعلم أن الرجوم جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، وذكروا في معرض هذه الآية وجهين: الوجه الأول أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها، فإن قيل: جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوماً للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض، قلنا: ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها، وتلك الشعل هي الشهب، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار باقية الوجه الثاني: في تفسير كون الكواكب رجوماً للشياطين أنا جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من المنجمين. المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح. واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرات السيارات، واحتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك، وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، وذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، وإنما قلنا: إن هذه الثوابت لما كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بد وأن تكون مركوزة في كرة واحدة. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلها هناك، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت القمر، وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية،إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا، فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف. المسألة الثالثة: اعلم أن منافع النجوم كثيرة، منها أن الله تعالى زين السماء بها، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، فإنها أجسام عظيمة نورانية، فإذا قارنت الشمس كوكباً مسخناً في الصيف، صار الصيف أقوى حراً، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، على ما قال تعالى: {أية : وَعَلامَـٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } تفسير : [النحل: 16] ومنها أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ورصدت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره، فهذا هو السبب في انقضاض الشهب، وهو المراد من قوله: {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } ومن الناس من طعن في هذا من وجوه أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، وإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب وثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحداً وألفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة ومراراً وألفاً امتنع أن يعود إليه من غير فائدة وثالثها: أنه يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال: {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } تفسير : [الملك: 3] وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم في الأرض ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها من وحي الله تعالى إليهم، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار بل تقويها، فكيف يعقل أن يقال: إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب وسادسها: أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وسابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من الفلك، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب،وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض، فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك وثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟ وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟. والجواب عن السؤال الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب أخر، إلا أن ذلك لا ينافي أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قد توجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية قال: نعم، قيل: أفرأيت قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } تفسير : [الجن: 9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها الحرق لطغيانها وضلالتها، قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها، تقدم على العمل المفضي إلى الهلاك والبوار. والجواب عن السؤال الثالث: أن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيماً. وأما الجواب عن السؤال الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «حديث : ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا، تفسير : قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل السماء، وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش، ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ولا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون، فما جاءوا به فهو حق، ولكنهم يزيدون فيهتفسير : والجواب عن السؤال الخامس: أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى، فالأقوى يبطل الأضعف. والجواب عن السؤال السادس: أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسول عن بطلان الكهانة. والجواب عن السؤال السابع: أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع، فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة. والجواب عن السؤال الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. والجواب عن السؤال التاسع: أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الكواكب وذكر أن من جملة المنافع أنها رجوم للشياطين، قال بعد ذلك: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } أي أعتدنا للشياطين بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عذاب السعير في الآخرة، قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير كقولك: مقبولة وقبيل، واحتج أصحابنا على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية، لأن قوله: {وَأَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} جمع مصباح وهو السراج. وتُسَمَّى الكواكب مصابيح لإضاءتها. {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً} أي جعلنا شُهُبَهَا؛ فحذف المضاف. دليلُه {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : .[الصافات:10] وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. وقيل: إن الضمير راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ينفصل منه شيء يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته. قاله أبو عليّ جواباً لمن قال: كيف تكون زينة وهي رجوم لا تبقى. قال المهدَوِيّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب. والتقدير الأول على أن يكون الاستراق من الهوى الذي هو دون موضع الكواكب. القُشَيْريّ: وأمثل من قول أبي عليّ أن نقول: هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين. والرّجوم جمع رجم؛ وهو مصدر سُمِّيَ به ما يرجم به. قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يُهتَدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلّف ما لا علم له به، وتعدّى وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلاً ويتخذون النجوم علّة. {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} أي أعتدنا للشياطين أشدّ الحريق؛ يقال: سعرت النار فهي مسعورة وسعير؛ مثل مقتولة وقتيل. {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا } القربى إلى الأرض {بِمَصَٰبِيحَ } بنجوم {وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً } مراجم {لِّلشَّيَٰطِينِ } إذا استرقوا السمع، بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله، لا أنّ الكوكب يزول عن مكانه {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ } النار الموقدة.

ابن عطية

تفسير : أخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا التي تلينا بمصابيح وهي النجوم، فإن كانت جميع النجوم في السماء الدنيا فهذا اللفظ عام للكواكب، وإن كان في سائر السماوات كواكب، فإما أن يريد كواكب سماء الدنيا فقط، وإما أن يريد الجميع على أن ما في غيرها لما كانت هي تشق عنه، ويظهر منها، فقد زينت به بوجه ما، ومن تكلف القول بمواضع الكواكب وفي أي سماء هي، فقوله ليس من الشريعة. وقوله تعالى: {وجعلناها رجوماً للشياطين} معناه وجعلنا منها، وهذا كما تقول: أكرمت بني فلان وصنعت بهم وأنت إنما فعلت ذلك ببعضهم دون بعض، ويوجب هذا التأويل في الآية أن الكواكب الثابتة والبروج، وكل ما يهتدى به في البر والبحر فليست براجم، وهذا نص في حديث السير، وقال قتادة رحمه الله: خلق الله تعالى النجوم زينة للسماء ورجوماً للشياطين وليهتدى بها في البر والبحر، فمن قال غير هذه الخصال الثلاث فقد تكلف وأذهب حظه من الآخرة. {وأعتدنا} معنا: أعددنا والضمير في: {لهم} عائد على الشياطين، وقرأ جمهور الناس: "وللذين كفروا بربهم عذابُ جهنم" بالرفع على الابتداء والخبر في المجرور المتقدم، وقرأ الحسن في رواية هارون عنه: "عذابَ" بالنصب على معنى "وأعتدنا للذين كفروا عذابَ جهنم"، قالوا: وعاطفة فعل على فعل، وتضمنت هذه الآية، أن عذاب جهنم للكافرين المخلدين، وقد جاء في الأثر أنه يمر على جهنم زمن تخفق أبوابها قد أخلتها الشفاعة، فالذي قال في هذا إن {جهنم} اسم تختص به الطبقة العليا من النار ثم قد تسمى الطبقات كلها جهنم باسم بعضها، وهكذا كما يقال النجم للثريا، ثم يقال ذلك للكواكب اسم جنس فالذي في هذه الآية هي جهنم بأسرها، أي جميع الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا، لأنها مقر العصاة، والشهيق: أقبح ما يكون من صوت الحمار، فاحتدام النار وغليانها بصوت مثل ذلك، قوله تعالى: {تكاد تميز من الغيظ} أي يزايل بعضها بعضاً لشدة الاضطراب كما قال الشاعر في صفة الكلب المحتدم في جربه: [الرجز]: شعر : يكاد أن يخرج عن إهابه تفسير : وقرأ الضحاك: "تمايز" بألف، وقرأ طلحة: "تتميز" بتاءين، وقرأ الجمهور: "تكادُ تَميز" بضم الدال وفتح التاء مخففة، وقرأ البزي "تكادُ" بضم الدال وشد التاء أنها "تتميز" وأدغم إحدى التاءين في الأخرى. وقرأ أبو عمرو بن العلاء: {تكاد تميز} بإدغام الدال في التاء، وهذا فيه إدغام الأقوى في الأضعف، وقوله تعالى: {من الغيظ} معناه على الكفرة بالله، وقوله تعالى: {كلما ألقي فيها فوج}، الفوج: الفريق من الناس، ومنه قوله تعالى: {أية : في دين الله أفواجاً} تفسير : [النصر: 2] الآية، تقتضي أنه لا يلقى فيها أحد إلا سئل على جهة التوبيخ عن النذر فأقر بأنهم جاؤوا وكذبوهم، وقوله: {كلما} حصر. فإذا الآية تقتضي في الأطفال من أولاد المشركين وغيرهم، وفيمن نقدره صاحب فترة أنهم لا يدخلون النار لأنهم لم يأتهم نذير، واختلف الناس في أمر الأطفال، فأجمعت الأمة على أن أولاد الأنبياء في الجنة، واختلفوا في أولاد المؤمنين، فقال الجمهور: هم في الجنة، وقال قوم هم في المشيئة، واختلفوا في أولاد المشركين، فقالت فرقة: هم في النار، واحتجوا بحديث روي من آبائهم، وتأول مخالف هذا الحديث، أنهم في أحكام الدنيا، وقال: هم في المشيئة، وقال فريق: هم في الجنة، واحتج هذا الفريق بهذه الآية في مساءلة الخزنة، وبحديث وقع في صحيح البخاري في كتاب التفسير، يتضمن أنهم في الجنة. وبقوله عليه السلام: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فالأطفال لم يبلغوا أن يصنع بهم شيء من هذا". تفسير : وقوله تعالى: {إن أنتم إلا في ضلال كبير} يحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفار حين أخبروا عن أنفسهم أنهم كذبوا النذر، ويحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها "فعلى" تأنيث "أفعل" التفضيل، "بِمصَابِيحَ" جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}. الضمير في "وَجَعَلْنَاهَا" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على "مَصَابِيحَ". قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات: 10]، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: "للشَّياطينِ" بمحذوف على أنه صفة لـ"رُجُوماً". وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] شعر : 4796 -.......................... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ تفسير : فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟. وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟. وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟. والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي ابن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال:"حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ" ". تفسير : وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عليه الصلاة والسلام - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عليه الصلاة والسلام. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}. لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} خبر عن الماضي. قوله: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ} خبر مقدم في قراءة العامة، و"عذابُ جهنَّم" مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب "عَذَابَ" فيتعلق بـ"أعْتَدْنَا" عطفاً على "لَهُمْ" و"عَذابَ السَّعيرِ"، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً} يعني الكفار {إِذَآ أُلْقُواْ} طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً} أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}تفسير : [هود: 106]. قوله: "لَهَا" متعلق بمحذوف على أنه حال من "شَهيقاً" لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: "والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة "هود"". وقوله: {وَهِيَ تَفُورُ}. أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] شعر : تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ تفسير : قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ}. قرأ العامة: "تَميَّزُ" بتاء واحدة مخففة، والأصل "تتميَّز" بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته {أية : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ}تفسير : [النور: 15]، و{أية : نَاراً تَلَظَّىٰ}تفسير : [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: "تَمَايَزُ" والأصل: "تتمايزُ" بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: "تَمِيزُ" من "مَازَ". وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] شعر : 4798 -......................... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ تفسير : قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟. قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ}. تقدم الكلام على "كُلَّمَا". وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: {أية : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}تفسير : [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ}. فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: "فكَذَّبْنَا" إلى آخره. قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: "مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ" أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به "أوْ نَعْقِلُ" عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ}. قوله: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله "بِذنْبِهِمْ" وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف "بِذُنُوبِهِم" في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: {فَسُحْقاً}. فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: "أسحقهم الله سحقاً" فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو "جَدْعاً له، وغفراً" فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر "أسْحَقهُ اللَّهُ" أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] شعر : 4799 -......................... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي تفسير : أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع "سَحَقَهُ اللَّهُ" ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ تفسير : والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و"لأصْحابِ" بيان كـ{أية : هَيْتَ لَكَ}تفسير : [يوسف: 23]، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: "والرفع يجوز في الكلام على الابتداء". أي: لو قيل: "فسحق" جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: "فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}تفسير : [المطففين: 1] و{أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}تفسير : [الأنعام: 54]، وغير هذا من الأمثلة"، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الآية: 5]. قال عطاء: زينا قلوب الأولياء بأنوار المعرفة وزيَّنا قلوب المريدين بالخوف والرجاء وزينا قلوب الزاهدين بالتوبة والإنابة وزينا قلوب المؤمنين بالإيمان والتصديق وكل متجلٍّ بزينته لا يشرف على من فوقه فى الدرجة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}. زَيَّنَ السماءَ بالكواكب والنجوم، وزَيَّنَ قلوبَ أوليائه بأنواعٍ من الأنوار والنجوم؛ فالمؤمنون قلوبُهم مُزَيَّنةٌ بالتصديق والإيمان ثم بالتحقيق بتأَمُّل البرهان، ثم بالتوفيق لطلب البيان. والعارفون قلوبهم مُزَيَّنةٌ بشمسِ التوحيد، وأرواحُهم مُزَيَّنةٌ بأنوار التفريد، وأسرارُهم مزينةٌ بآثارِ التجريد... وعلى القياس: "لكلِّ طائفةٍ أنوارٌ". {وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ}: فمن النجوم ما هو للشياطين رجوم، ومنها ما هو للاهتداء به معلوم... فأخبر أن هذا القَدْرَ من العقوبة بواسطة الرجوم لا يكفي، وإنما يُعَذِّبهم مؤبَّدين في السعير. قوله جلّ ذكره: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}. أخبر: أنهم يحْتَجُّ عليهم بإرسال الرسل، فتقول لهم الملائِكةُ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}. {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ...} فأخبر أنهم لم يكن لهم سمع قبول، فاستوجبوا العقوبة لأَجْلِه، لم يسمعوا نصيحةَ الناصحين ولا وَعْظَ الواعظين، ولا ما فيه لقلوبهم حياة. وفي الآية للمؤمنين بشارة؛ لأنهم يسمعون ويعقلون ما يسمعون؛ فإِنَّ مَنْ سَمِعَ بالحقِّ سمع كل ما يقال عن الحق مِنْ كل مَنْ يقول عن الحق، فيحصل له الفهم لما يسمع، لأنه إذا كان من أهل الحقائق يكون سَمْعُه من الله وبالله وفي الله. قوله جلّ ذكره: {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. اعترفوا بذنبهم ولكن في غير وقت الاعتراف...فلا جَرَمَ يقال لهم: {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. الخشيةُ توجِب عدمَ القرار فيكون العبدُ أبداً - لانزعاجه - كالحَبِّ على المَقْلَى؛ لا يَقَرُّ ليلَه أو نهارَه، يتوقَّعُ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس، وكلمَّا ازداد في الله طاعةً ازداد لله خشيةً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد زينا السماء الدنيا} بيان لكون خلق السموات فى غاية الحسن والبهاء اثر بيان خلوها عن شائبة القصور وتصدير الجملة بالقسم لابراز كمال الاعتناء بمضمونها اى وبالله لقد زينا اقرب السموات الى الارض والناس وجملناها فالزين والتزيين بالفارسية آراستن. وهو ضد الشين بالفارسية معيوب كردن. والدنيا تأنيث الأدنى بمعنى الاقرب وكون السماء اقرب من سائر السموات انما هو بالاضافة الى ما تحتها من الارض لا مطلقا لان الامر بالعكس بالاضافة الى ما فوقها من العرش {بمصابيح} بجراغها. جمع مصباح وهو السراج وتنكيره للتعظيم والمدح اى بكواكب مضيئة بالليل اضاءة السرج من السيارات والثوابت تترآءى كلها مركوزة فى السماء الدنيا مع ان بعضها فى سائر السماوات لان السموات اذا كانت شفافة وأجراما صافية فالكواكب سوآء كانت فى السماء الدنيا او فى سموات اخرى فهى لا بد وان تظهر فى السماء الدنيا وتلوح منها فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح ودخل فى المصابيح القمر لانه اعظم نير يضيئ بالليل واذا جعل الله الكواكب زينة السماء التى هى سقف الدنيا فليجعل العباد المصابيح والقناديل زينة سقوف المساجد والجوامع ولا سرف وفى الخير وذكر ان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان اذا جاء العشاء يوقد فيه بسعف النخل فلما قدم تميم الدارى رضى الله عنه المدينة صحب معه قناديل وحبالا وزيتا وعلق تلك القناديل بسوارى المسجد واوقدت فقال عليه السلام حديث : نورت مسجدنا نور الله عليك اما والله لو كان لى ابنة لانكحتكهاتفسير : وسماه سراجا وكان اسمه الاول فتحا ثم اكثرها عمر رضى الله عنه حين جمع الناس على أبى بن كعب رضى الله عنه فى صلاة التراويح فلما رآها على رضى الله عنه تزهر قال نورت مسجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب وعن بعضهم قال امرنى المأمون ان اكتب بالاستكثار من المصابيح فى المساجد فلم أدر ما اكتب لانه شئ لم اسبق اليه فرأيت فى المنام اكتب فان فيه انسا للمتهجدين ونفيا لبيوت الله عنه وحشة الظلم فانتبهت وكتبت بذلك وفيه اشارة الى سماء القلب لدنوه منك من سماء الروح وزينة انوار المعارف والعلوم الالهية والواردات الرحمانية {وجعلناها} اى المصابيح المعبر بها عن النجوم اى بعضها كما فى تفسير ابى الليث {رجوما} جمع رجم بالفتح وهو ما يرجم به ويرمى للطرد والزجر او جمع راجم كسجود جمع ساجد {للشياطين} هم كفار الجن يخرجون الناس من النور الى الظلمات وجمع الشياطين على صيغة التكثير لكثرتهم فى الواقع فالمعنى وجعلنا لها فائدة اخرى هى رجم اعدآئكم بانقضاض الشهب المقتبسة من الكواكب لا بالكواكب نفسها فانها قارة فى الفلك على حالها فمنهم من يقتله الشهاب ومنهم من يفسد عضو من اعضائه او عقله والشهاب شعلة ساطعة من نار وهو ههنا شعلة نار تنفصل من النجم فأطلق عليها النجم ولفظ المصباح ولفظ الكوكب ويكون معنى جعلناها رجوما جعلنا منها رجوما وهى تلك الشهب ومما يؤيد ان الشعلة منفصلة من النجوم ما جاء عن سلمان الفارسى رضى الله عنه ان النجوم كلها كالقناديل معلقة فى السماء الدنيا كتعليق القناديل فى المساجد مخلوقة من نور وقيل انها معلقة بأيدى الملائكة وينصر هذا القول قوله تعالى {أية : اذا السماء انفطرت واذا الكواكب انتثرت}تفسير : لان انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة وقيل ان هذه ثقب فى السماء وينصره قول بعض المكاشفين ان الكواكب ليست مركوزة فى هذا التعين وانما هى بانعكاس الانوار فى بعض عروقه اللطيفة والذى يرى كسقوط النجم فكدفع الشمس من موضع الى موضع وهذا لا يطلع عليه الحكماء وانما يعرفه اهل السلوك انتهى وقال الفلاسفة ان الشهب انما هى اجزآء نارية تحصل فى الجو عند ارتفاع الابخرة المتصاعدة واتصالها بالنار التى دون الفلك وقد سبق بيان هذا المقام مفصلا فى اوآئل الصافات والحجر فلا نعيده والذى يلوح ان مذهب الفلاسفة قريب فى هذه المادة من مذهب اهل الحقائق ومر بيان مذهبهم فى الصافات والله اعلم بالخفيات {واعتدنا لهم} اى هيئنا للشياطين فى الآخرة بعد الاحراق فى الدنيا بالشهب ومنه العتاد اى العدة والاهبة {عذاب السعير} اى عذاب جهنم الموقدة المشعلة فالسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار اذا اوقدتها ولذلك لم يؤت بالتاء فى آخره مع انه اسم للدركة الرابعة من دركات النار السبع وهى جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية ولكن كل من هذه الاسماء يطلق على الآخر فيعبر عن النار تارة بالسعير وتارة بجهنم واخرى بآخر. واعلم ان فى كل دركة منها فرقة من فرق العصاة كعصاة اهل التوحيد والنصارى واليهود والصابئة والمجوس والمشركين والمنافقين ولم يذكروا الشياطين فى واحدة من الدركات السبع ولعلهم يقسمون على مراتب اضلالهم فيدخل كل قسم منهم مع قسم تبعه فى اضلاله فكان سببا لدخوله فى دركة من الدركات الست التحتانية جزآء لضلاله واضلاله واذية لمن تبعه فيما دعا اليه بمصاحبته ومقارنته كما قال تعالى {أية : وترى المجرمين يومئذ مقرنين}تفسير : اى مع شياطينهم وفى الآية اشارة الى شياطين الخواطر النفسانية والهواجس الظلمانية وعذابها عذاب الرد والانقلاب بغلبة الخواطر الملكية والرحمانية.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} اى اقرب السّماوات الى الارض فانّ جنس سماء الطّبع اقرب اصناف السّماوات الى الارض، وان كان المكوكبة منه هى الثّامنة منها، فانّ سماوات عالم المثال وعالم النّفوس وعالم العقول ابعد السّماوات الى الارض، وهكذا فى العالم الصّغير سماء الصّدر المنشرح بالاسلام وسماء القلب الدّاخل فيه الايمان اقرب السّماوات الى ارض البدن وارض النّفس الامّارة واللّوّامة {بِمَصَابِيحَ} بالكواكب الصّوريّة او بالكواكب الذّكريّة النّفسانيّة {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} كون النّجوم الذّكريّة رجوماً للشّياطين واضح، وامّا كون الشّهب السّماويّة رجوماً للشّياطين فقد انكر الفلاسفة سقوط الكواكب عن محالّها لانّها بسائط وليست مركّبةً من العناصر بل هى على ما خلقت من غير تغييرٍ وتغيّر، والشّهب الّتى تترائى انّما تتكوّن فى كرة الدّخان وهى انموذج للشّهب الّتى بها ترجم الشّياطين والاّ فالشّياطين من اهل عالم المثال السّفلىّ ولا تزاحم بين اهل عالم المثالين واجزاء عالم الطّبع، وقد مضى فى سورة الحجر وسورة الصّافّات بيان لهذه الآية {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} فى الآخرة.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} وهي الكواكب {وَجَعَلْنَاهَا} أي: الكواكب {رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} يعني ما جعل منها رجوماً. وكان الوقت الذي جعلت فيه رجوماً حين بعث النبي عليه السلام. ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل ان يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ما نرى نجماً يرمى به، فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رمي بها. فقلنا ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث. فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بعث، فأنزل الله في هذه الآية، وفي سورة الجن: (أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً)تفسير : [الجن:9]. ذكروا عن حسان بن أبي بلال قال: من قال في النجوم سوى هذه الأشياء الثلاثة فهو كاذب، ثم مفتن مبتدع. قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}. وقال: (أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) تفسير : [الأنعام:97] فهي مصابيح ورجوم ويهتدى بها. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الكواكب قد رمي بها فتواروا فإنها تحرق ولا تقتل. وفي تفسير الحسن: إنه يقتلهم في أسرع من طرف. قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} أي: وأعددنا لهم {عَذَابَ السَّعِيرِ} أي: في الآخرة، أي: للذين يرجمون من الشياطين ولجماعة الشياطين. تفسير الحسن الذين هم يسترقون السمع، يسترق أحدهم السمع وهو يعلم أنه محترق وأن له في الآخرة عذاب السعير. والكلبي يقول: هم شرار إبليس. وقال الحسن: الشيطان والعفريت والمارد لا يكون إلا الكافر من الجن.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءِ الدُّنْيَا} نعت السماء لان السماء مؤنث والألف في الدنيا للتأنيث والمذكر الادنى أي السماء لان السماء الدانية للارض أي القريبة قربا لم يكن لغيرها من السماوات. {بِمَصَابِيحَ} بكواكب كالمصابيح في الاضاءة ليلا وليست الكواكب في هذه السماء بل في غيرها ومعنى تزينها بها اظهارها عليها والتنكير للتعظيم وفيها القمر فقط وقيل غير هذا فانظره وذلك التزيين والاضاءة فائدتان. واشار الى اخرى بقوله {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً} جمع رجم سمى به وهو مصدر ما يكون به الرجم {لِّلشَّيَاطِينِ} المعادين لكم الذين يخرجونكم من النور الى الظلمات ترجمهم الملائكة عند استراق السمع فمنهم من يموت ومنهم من يحرق فقط أو يصير غولا يضل الناس او يخيل وعن بعض ان بعضا يحترق وبعضاً يقع في البر فيصير غولا وبعضاً يقع في البحر فيصير تمساحاً ومعنى الرجم بها ان يفصل منن الكوكب شهاب فيرمى به كما يقتبس من النار وهي باقية على حالها بدليل ان الكواكب اكبر من الدنيا فيما قيل وان عددها لا ينقص مع كثرة الرجم قال قتادة خلق النجوم ليهتدى بها وللتزيين والرجم ومن تأول غير هذا فقد تكلف بما لاعلم له به أو الرجم بمعنى الظن كقوله رجما بالغيب أي ظنونا لشياطين الانس وهم المنجمون والكهنة وعن محمد بن كعب والله ما لاحد من أهل الارض نجم ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم صلة. {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} بعد الاحراق في الدنيا والسعير النار الموقودة وكان الرجم قيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قليلا وقيل معدوما.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ زيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا} القريبة إِليكم وإِلى الأَرض بالنسبة إِلى ما فوقها من السماوات، وأما بالنسبة إِلى من تحت العرش فهى البعدى وهذه تحلية بالزينة بعد التخلية عن الفطور كما هو المعتاد من تقديم التخلية عن التحلية والدنيا نعت للسماء وهو اسم تفضيل المؤنث {بِمَصَابِيحَ} بنجوم ولو ما كان منها فوقها لأَنها تحلية ومنها الشمس والقمر سماها باسم السرج استعارة تصريحية، قيل أو سمى النجم سراجاً على الاستعارة ثم جمعه ونكر للتعظيم أى مصابيح عظيمة ليست كمصابيحكم وما رأيتم من ضوئها إِلا قليلاً لبعدها، وهذا أولى من أن يقال نكرت للتنويع، والمراد النجوم السيارة والثوابت وكلها مضيئة وبعضها أضوأ من بعض، وهى فى الأَفلاك مرسومة فيها، والأَفلاك غير السماوات، وفلك فوق فلك، وقيل المراد الكواكب المضيئة، وعن عطاء الكواكب كالقناديل بأيدى الملائكة بين السماء والأَرض كما يزين السقف بقناديل تحته، ولا دليل له، وقيل السماء الدنيا فلك القمر والست الباقيات أفلاك السيارة الباقية على الترتيب المشهور والكرسى فلك الثوابت، وزعم الفلاسفة قبحهم الله عز وجل أن من النجوم مالا يصل إِلينا شعاعه إِلا فى عدة سنين وأن شعاع الشمس يصل إِلينا فى ثمانى دقائق وثلاث عشرة ثانية وأن بيننا وبينها أربعة وثلاثين مليونا من الفراسخ والمليون ألف ألف والمليار فى هذه اللغة ألف مليون، {وَجَعلْنَاهَا} جعلنا المصابيح {رُجُوماً للِّشَّيَاطِينِ} المريدة لاستراق السمع جمع رجم مصدر بمعنى راجم فالمصابيح رواجم أسند إِليهن الرجم مع أنه فعل للملائكة لأَنهن آلته، أو مصدر بمعنى ما يرجم به أو جمع راجم كشاهد وشهود وقاعد وقعود، وكونه جمعاً أولى كيف ترجم بها وهى فى السماوات أو فوقهن، وكيف لا تنقضى أو لا تنقص مع طول الزمان، والنجم على ما زعموا أعظم من الأَرض والجواب إِما أنهن تحت السماء كما قيل يشعل الملك منها ما يرجم به كما يؤخذ القبس من النار ولا تفنى به ولا تنقص وإِما أنها فى فلك أقدر الله الملك بالشعل منها مع بعدها، وإِما أن الضمير عائد إِلى النجوم المزين لكن مراداً بها نجوم أُخرى على الاستخدام {وَأعْتَدْنا} هيأَنا {لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ} عذاب النار السعير، أى الموقدة، وإِنما لم يقرن بتاء التأَنيث لأَن معناه مسعورة وفعيل بمعنى مفعول يذكر ككحيل بمعنى مكحولة وهم محرقون بالشهب فى الدنيا وبنار الآخرة فى الآخرة وإِنما أثرت فيهم مع أنهم من النار لأَنها نار الشهب ونار الآخرة أقوى من النار التى هم منها، وأيضا ليسوا ناراً محضة بل هو أغلب عناصرهم كابن آدم خلق من تراب ومع ذلك يتضرر بالتراب.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء } الخ كلام مسوق للحث على النظر قدرة وامتناناً. وفي «الإرشاد» بيان لكون خلق السماوات في غاية الحسن والبهاء إثر بيان خلوها عن شائبة العيب والقصور. وتصدير الجملة بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها أي وبالله لقد زينا السماء {ٱلدُّنْيَا } منكم أي التي هي أتم دنواً منكم من غيرها فدنوها بالنسبة إلى ما تحت، وأما بالنسبة إلى من حول العرش فبالعكس {بِمَصَـٰبِيحَ } جمع مصباح وهو السراج وتجوز به عن الكوكب ثم جمع أو تجوز بالمصابيح ابتداء عن الكواكب، وفسره بعض اللغويين بمقر السراج فيكون حينئذ تجوزاً على تجوز ولا حاجة إليه مع تصريحهم بأن المصباح نفس السراج أيضاً. وتنكيرها للتعظيم أي بمصابيح عظيمة ليست كمصابيحكم التي تعرفونها وقيل للتنويع والأول أولى. والظاهر أن المراد الكواكب المضيئة بالليل إضاءة السراج من السيارات والثوابت بناء على أنها كلها في أفلاك ومجار متفاوتة قرباً وبعداً في ثخن السماء الدنيا. وكون السماء هي الفلك خلاف المعروف عن السلف وإنما هو قول قاله من أراد الجمع بين كلام الفلاسفة الأولى وكلام الشريعة فشاع فيما بين الإسلام واعتقده من اعتقده وعن عطاء أن الكواكب في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور في أيدي ملائكة، وعليه فزينا السماء بمصابيح كقول القائل: شعر : زينت السقف بالقناديل تفسير : وهو ظاهر لكن الخبر لا يكاد يصح. ومن اعتقد أن السماء الدنيا فلك القمر والست الباقية أفلاك السيارات الباقية على الترتيب المشهور وأن للثوابت فلكاً مخصوصاً يسمى بلسان الشرع بالكرسي، أو جوز أن تكون هذه في فلك زحل وهو السماء السابعة أو يكون بعضها في فلك وبعضها الآخر في آخر فوقه، أو كل منها في فلك وسماء غير السبع والاقتصار على العدد القليل لا ينفي الكثير قال إن تخصيص السماء بالتزيين بها لأنها إنما ترى عليها ولا ترى جرم ما فوقها أو رعاية لمقتضى أفهام العامة لتعذر التمييز بين سماء وسماء عليهم، فهم يرون الكواكب كجواهر متلألئة على بساط الفلك الأزرق الأقرب. ومن اعتبر ما عليه أهل الهيئة اليوم من أن الكواكب فلك عجائب القدرة مواخر في بحر جو الفضاء على وجه مخصوص تقتضيه الحكمة، ومجاريها فيه هي أفلاكها وقد تحركت إذ تحركت في خلاء أو ما يشبهه مع قوى بها تجاذبت وارتبطت ولها حركات على أنفسها وحركات غير ذلك وليست مركوزة كما اشتهر في أجرام صلبة شفافة لا ثقيلة ولا خفيفة تسمى أفلاكاً أو سماء وهي متفاوتة قرباً وبعداً تفاوتاً كلياً وإن رؤيت كلها قريبة لسبب خفي إلى الآن عليهم حتى أن منها ما لا يصل شعاعه إلينا إلا في عدة سنين مع أن شعاع الشمس وبيننا وبينها أربعة وثلاثون مليوناً من الفراسخ والمليون ألف ألف يصل إلينا في ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانية إلى آخر ما زعموا فيها قال يجوز أن يراد بالسماء الدنيا طبقة مخصوصة في هذا الفضاء وبالمصابيح كواكب فيها نفسها قد زينت تلك الطبقة بها تزيين فضاء دار بطيور يطرن وحائمات فيه مثلاً أو جميع ما يرى من الكواكب وإن كان فوقها وتزيينها بذلك بإظهاره فيها كما مر. وأنت تعلم أن من تصدى لتطبيق الآيات والأخبار على ما قاله الفلاسفة مطلقاً فقد تصدى لأمر لا يكاد يتم له والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع نعم تأويل النقلي إنما ينبغي إذا قام الدليل العقلي على خلاف ما دل عليه، وأكثر أدلة الفلاسفة قاعدة على العجز عن إثباتها إثباتاً صحيحاً ما يخالف أدلة أهل الشرع كما لا يخفى على من استضاء بمصابيحه. {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } الضمير للمصابيح على ما هو الظاهر لا للسماء الدنيا على معنى جعلنا منها أي من جهتها كما قيل. والرجوم جمع / رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به أي يرمى فصار له حكم الأسماء الجامدة ولذا جمع وإن كان الأصل في المصادر أنها لا تجمع، وقيل إنه هنا مصدر بمعنى الرجم أيضاً. والمراد بالشياطين مسترقو السمع، ورجمهم على ما اشتهر بانقضاض الشهب المسببة عن الكواكب، وإليه ذهب غير واحد من المفسرين وهو مبني على ما قرره الفلاسفة المتقدمون من أن الكواكب نفسها غير منقضة وإنما المنقض شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة لكرة النار لكنها بواسطة تسخين الكواكب للأرض، فالتجوز في إسناد الجعل إليها أو في لفظها وهو مجاز بوسايط. وقال الشهاب لا مانع من جعل المنقض نفسه من جنس الكواكب وإن خالف اعتقاد الفلاسفة وأهل الهيئة ولكن في النصوص الإلٰهية ما فيه رجوم للشياطين انتهى. وأقول: لا يخفى أن ذلك المبنى لا يتم أيضاً إلا بثبوت كرة النار الذي لا تراهم يستدلون عليه إلا بحدوث هذه الشهب وسلف الأمة لا يقولون بذلك وكذا أهل الفلسفة الجديدة وهؤلاء لم يحققوا إلى الآن أمر هذه الشهب لكن يميلون إلى أنها أجسام انفصلت عن الكواكب التي يزعمونها عوالم مشتملة على جبال ونحوها اشتمال الأرض على ذلك وخرجت لبعض الحوادث عن حد القوى الجاذبة لها إلى ما انفصلت عنه ولم تصل إلى حد جذب قوة الأرض لها فبقيت تدور عند منتهى كرة الأرض وما يحيط بها من الهواء فإذا عرض لها الدخول في هواء الأرض أثناء حركتها احترقت كلاً أو بعضاً كما تحترق بعض الأجسام المحفوظة عن الهواء إذا صادمها الهواء وربما تصل في بعض حركاتها إلى حد جذب الأرض فتقع عليها، وبعضهم يزعم في الحجارة الساقطة من الجو التي تسمى عندهم بالابروليت يعنون حجارة الهواء أنها من تلك الأجسام، وكل ذلك حديث خرافة ورجم بظنون فاسدة. وقصارى ما يقال في هذه الشهب أنها تحتمل أن تكون ناشئة من أجرام من جنس الكواكب فيها قوة الإحراق سواء كان كل مضىء محرقاً أم لا متكونة في جو هذا الفضاء المشاهد إلا أنها لغاية صغرها لا تشاهد ولو بالنظارات حتى إذا قربت بانقضاضها شوهدت وقد تصادف في انقضاضها أجساماً متصاعدة من الأرض فتحرقها وربما يتصل الحريق إلى ما يقرب من الأرض جداً وربما تكونت الحجارة من ذلك. ثم إن العقل يجوز أن يكون لها دوران على شكل من الأشكال فترجع بعد ما يشاهد لها من الانقضاض وأن تتلاشى بعد انقضاضها ويخلق الله تعالى غيرها من مادة لا يعلمها إلا هو عز وجل. والضمير المنصوب في {جَعَلْنَـٰهَا} وإن عاد على (المصابيح) لكن لم يعد عليها إلا باعتبار الجنس دون خصوصية كونها مزينة بها السماء الدنيا نظير{أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}تفسير : [فاطر: 11] وعندي درهم ونصفه، لما أن التزيين باعتبار الظهور ولا ظهور لهذه الأجرام قبل انقضاضها وإن اعتبر في كونها مصابيح أو كواكب أو نجوماً ظهورها في نفسها ولمن يقرب منها دون خصوصية ظهورها لنا وفي كونها زينة للسماء كونها زينة لها في الجملة فالأمر ظاهر جداً، ويحتمل أن تكون ناشئة من المصابيح المشاهدة المزين بها بأن ينفصل عنها وهي في محلها شعل هي الشهب وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة وإليه ذهب الجبائي وكثير وهو محتمل لأن يكون لكل منها قابلية أن ينفصل عنه ذلك وأن يكون القابلية لبعضها دون بعض وهذا لعدم الاطلاع على حقائق الأجرام العلوية وأحوالها في أنفسها، والكلام نحو قولك أسْكَنَ الأميرُ قبيلة كذا في ثغر كذا وجعلها ترمى بالبنادق من يقرب منه فإنه لا يلزم أن يكون لكل واحد منها قابلية الرمي ثم لا يلزم أن يكون كل ما يشاهد من الشهب قبساً من المصابيح بل يجوز أن يكون بعضه وهو الذي ترمى به الشياطين منها وبعضه من أمور تحدث في الجو من اصطكاك أو نحوه وتفاوت الشهب قلة وكثرة يحتمل أن يكون لتفاوت حوادث الجو وأن يكون لتفاوت الاستراق وليس في الآيات والأخبار ما هو نص في أن الشهب لا تكون إلا لرمي الشياطين فيحتمل / أن يكون أكثر الشهب من الحوادث الجوية وذوات الأذناب منها في رأي المتقدمين - وهي في أنفسها دون أذنابها - نجوم كثيرة جداً تدور لا كما يدور غيرها من النجوم فتقرب تارة وتبعد أخرى فتخرج عن مدارات السيارات إلى حيث لا تشاهد أصلاً عند فلاسفة العصر، ولهم فيها كلام أطول من أذنابها. وقد أورد الإمام الرازي في هذا الفصل أسئلة وشبهاً أجاب عنها بما أجاب ونحن فعلنا نحو ذلك فيما تقدم على وجه أتم فليتذكر، وقد أطنبنا هناك الكلام فيما يتعلق بهذا المقام إلا أن بعضاً مما ذكرناه هناك فخذ من الموضعين ما صفا ودع ما كدر بعد أن تتأمل حق التأمل وتتدبر. وقيل معنى الآية وجعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون المعتقدون تأثير النجوم في السعادة والشقاوة ونحوهما وقد رددنا عليهم أي رد فيما تقدم فارجع إليه إن أردته فإنه نفيس جداً. {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } وهيأنا للشياطين {عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } عذاب النار المسعرة المشعلة في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب. ولا يمنع من ذلك أنهم خلقوا من نار لأنهم ليسوا ناراً فقط بل هي أغلب عناصرهم فهي منهم كالتراب من بني آدم فيتأثرون من ذلك، على أنه تكون ناراً أقوى من نار. واستدل بالآية على أن النار مخلوقة الآن، وعلى أن الشياطين مكلفون.

ابن عاشور

تفسير : انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خِلقة السماوات، إلى بيان ما في إحدى السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإِتقان في خلق السماوات السبع وذكره من ذِكر بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية، فدقائق السماء الدنيا أوضح دلالةً على إتقان الصنع لكونها نصب أعين المخاطبين، ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم. وتأكيد الخبر بـ (قد) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد بـ (هل) أختِ (قد) في الاستفهام. والكلام على السماء الدنيا ولماذا وصفت بالدنيا وعن الكواكب تقدم في أول سورة الصافات. وسميت النّجوم هنا مصابيح على التشبيه في حسن المنظر فهو تشبيه بليغ. وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال، أي زيَّنَاها لكم مثل الامتنان في قوله: {أية : ولكم فيها جَمال} تفسير : في سورة النحل (6). والمقصد: التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم. وعدل عن تعريف (مصابيح) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم. والرجوم: جمع رَجْم وهو اسْم لما يُرجم به، أي ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه تسميةً للمفعول بالمصدر مثل الخَلْق بمعنى المخلوق في قوله تعالى: {أية : هذا خَلق الله}تفسير : [لقمان: 11]. والذي جُعل رُجوماً للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقَضَّة، وتسمى الشُهُب ومضى القول عليها في سورة الصافات. وضمير الغائبة في {جعلناها} المتبادر أنه عائد إلى المصابيح، أي أن المصابيح رجوم للشياطين. ومعنى جعل المصابيح رجوماً جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 85] وقول العرب: قتلت هُذيل رضيع بني ليث تمَّام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في {جعلناها} عائد إلى {السماء الدنيا} على تقدير: وجعلنا منها رجوماً إما على حذف حرف الجر. وإمّا على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى: {أية : فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها} تفسير : في سورة البقرة (66) ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعاً إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف (163) {أية : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} تفسير : وقصتها هي المشار إليها بقوله: {أية : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت}تفسير : [البقرة: 65] فالتقدير: فجعلنا منها، أي من القرية نكالاً، وهم القوم الذين قيل لهم {أية : كونوا قردة خاسئين}تفسير : [البقرة: 65]. والشياطين هي التي تسترق السمع فتطردها الشهب كما تقدم في سورة الصافات. وأصل {أعتدنا} أعدَدْنا أي هيّأنا، قلبت الدال الأولى تاء لتقارب مخرجيهما ليتأتى الإِدغَام طلباً للخفة. و {السعير}: اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من: سَعَرَ النار، إذا أوقدها وهو لهب النار، أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقداً فإن جهنم طبَقَات. وكان السعير عذاباً لشياطين الجن مع كونهم من عنصر النار لأنّ نار جهنم أشد من نار طبعهم، فإذا أصابتهم صارت لهم عذاباً. وتسمية عذابهم {السعير} دون النار، أو جهنم مراد لهذا المعنى ومثله قوله تعالى في عذاب الجن {أية : ومن يَزغ منهم عن أمرنا نُذقه من عذاب السعير}تفسير : [سبأ: 12] وقال {أية : إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}تفسير : [فاطر: 6] يعني الشيطان. ومعنى الإِعداد يحتمل أنه إعداد تقدير وإيجاد فلا يقتضي أن تكون جهنم مخلوقة قبل يوم القيامة ويحتمل أنه إعداد استعمال، فتكون جهنم مخلوقة حين نزول الآية وقد اختلف علماؤنا في أن النار موجودة أو توجد يوم الجزاء إذ لا دليل في الكتاب والسنة على أحد الاحتمالين وإنما دعاهم إلى فرض هذه المسألة تأويل بعض الآيات والأحاديث.

الشنقيطي

تفسير : تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان زينة السماء بالمصابيح، وجعلها رجوماً للشياطين بياناً كاملاً عند قوله تعالى: {أية : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الحجر: 16-18]. وقد ذكر طرفاً من هذا البحث في سورة الفرقان لا بد من ضمه إلى هذا المبحث هناك لارتباط بعضها ببعض. تنبيه فقد ظهرت تلك المخترعات الحديثة ونادى أصحاب النظريات الجديدة والناس ينقسمون إلى قسمين: قسم يبادر بالإنكار وآخر يسارع للتصديق، وقد يستدل كل من الفريقين بنصوص من القرآن أو السنة، ولعل من الأولى أن يقال: إن النظريات الحديثة قسمان: نظرية تتعارض مع صريح القرآن، فهذه مردودة بلا نزاع كنظريه ثبوت الشمس مع قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا}تفسير : [يسۤ: 38]. ونظرية لا تتعارض مع نص القرآن ولم ينص عليها، وليس عندنا من وسائل العلم ما يؤيدها ولا يرفضها. فالأولى أن يكون موقفنا موقف التثبت ولا نبادر بحكم قاطع إيجاباً أو نفياً، وذلك أخذاً من قضية الهدهد وسبأ مع نبي الله سليمان لما جاء يخبرهم. وكان عليه السلام لم يعلم عنهم شيئاً فلم يكذب الخبر بكونه من الهدهد ولم يصدقه لأنه لم يعلم عنهم سابقاً، مع أنه وصف حالهم وصفاً دقيقاً. وكان موقفه عليه السلام موقف التثبت مع ما لديه من إمكانيات الكشف والتحقيق من الريح والطير والجن، فقال للمخبر وهو الهدهد: سننظر، أصدقت أم كنت من الكاذبين. ونحن في هذه الآونة لسنا أشد إمكانيات من نبي الله سليمان آنذاك، وليس المخبرون عن مثل هذه النظريات أقل من الهدهد. فليكن موقفنا على الأقل موقف من سينظرأيصدق الخبر أم يظهر كذبه؟ والغرض من هذا التنبيه هو ألا نحمل لفظ القرآن فيما هو ليس صريحاً فيه ما لا يحتمله، ثم يظهر كذب النظرية أو صدقها، فنجعل القرآن في معرض المقارنة مع النظريات الحديثة، والقرآن فوق ذلك كله {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}تفسير : [فصلت: 42]. قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا}. فالدنيا تأنيث الأدنى أي السماء الموالية للأرض، ومفهومه أن بقية السماوات ليست فيها مصابيح التي هي النجوم والكواكب كما قال: {أية : بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ}تفسير : [الصافات: 6] ويدل لهذا المفهوم ما جاء به عن قتادة: أن الله جعل النجوم لثلاثة أمور. أمران هنا، وهما زينة السماء الدنيا ورجوماً للشياطين. والثالثة علامات واهتداء في البر والبحر، وهذه الأمور الثلاثة تتعلق بالسماء الدنيا. لأن الشياطين لا تنفذ إلى السماوات الأخرى لأنها أجرام محفوظة، كما في حديث الإسراء "حديث : لها أبواب وتطرق ولا يدخل منها إلا بإذن " تفسير : وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأعراف: 40]. وكذلك ليس هناك من يحتاج إلى اهتداء بها في سيره لأن الملائكة كل في وضعه الذي أوجده الله عليه لأن الزينة لن ترى لوجود جرم السماء الدنيا، فثبت أن النجوم خاصة بالسماء الدنيا. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ}تفسير : [الصافات: 6-7]. ومفهونم الدنيا عدم وجودها فيما بعدها، ولا وجود للشيطان في غير السماء الدنيا. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}، وهي الشهب من النار، والشهب النار، كما في قوله: {أية : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}تفسير : [النمل: 7]، والرجوم والشهب هي التي ترمي بها الشياطين عند استراق السمع، كما في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}تفسير : [الجن: 9]. وقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات:10]. وهنا سؤال، وهو إذا كان الجن من نار، كما في قوله: {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}تفسير : [الرحمن: 15]، فكيف تحرقه النار؟ فأجاب عنه الفخر الرازي بقوله: إن النار يكون بعضها أقوى من بعض، فالأقوى يؤثر على الأضعف، ومما يشهد لما ذهب إليه قوله تعالى بعده {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} والسعير: أشد النار. ومعلوم أن النار طبقات بعضها أشد من بعض، وهذا أمر ملموس، فقد تكون الآلة مصنوعة من حديد وتسلط عليها آلة من حديد أيضاً، أقوى منها فتكسرها. كما قيل: لا يغل الحديد إلا الحديد، فلا يمنع كون أصله من نار ألا يتعذب بالنار، كما أن أصل الإنسان من طين من حمإٍ مسنون، ومن صلصال كالفخَّار، وبعد خلقه فإنه لا يحتمل التعذيب بالصلصال ولا بالفخار، فقد يقضي عليه بضربة من قطعة من فخَّار، والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 5- ولقد زيَّنا السماء القريبة التى تراها العيون بكواكب مضيئة، وجعلناها مصادر شهب، يُرْجَم بها الشياطين، وأعددنا لهم فى الآخرة عذاب النار الموقدة. 6- وللذين لم يؤمنوا بربهم عذاب جهنم، وساءت عاقبة لهم هذه العاقبة. 7، 8- إذا طُرحوا فيها سمعوا لها صوتاً منكراً، وهى تغلى غلياناً شديداً. تكاد تتقطع وتتفرق من شدة الغضب عليهم. كلما أُلْقِىَ فيها جماعة منهم سألهم الموكلون بها - موبخين لهم -: ألم يأتكم رسول يحذركم لقاء يومكم هذا؟. 9- قالوا مُجيبين: قد جاءنا نذير فكذبناه، وقلنا: ما نزَّل الله من شئ عليك ولا على غيرك من الرسل، ما أنتم - أيها المدعون للرسالة - إلا فى انحراف بعيد عن الحق. 10- وقالوا: لو كنا نسمع سماع مَن يطلب الحق، أو نفكر فيما نُدعى إليه؛ ما كنا فى عداد أصحاب السعير.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِمَصَابِيحَ} {جَعَلْنَاهَا} {لِّلشَّيَاطِينِ} (5) - وَلَقَدْ زَيَّنَ اللهُ تَعَالَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا القَرِيبَةَ مِنَ الأَرْضِ بِكَوَاكِبَ مُضِيئَةٍ وَكَأَنَّهَا المَصَابِيحُ فِي اللَّيْلِ، كَمَا يُزَيِّنُ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَمَسَاجِدَهُمْ بِالمَصَابِيحِ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الكَوَاكِبَ مَصَادِرَ شُهُبٍ تُرْجَمُ بِهَا الشَّيَاطِينُ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لِلشَّيَاطِينِ خِزْيَ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ فِي الآخِرَةِ. المَصَابِيحُ - الكَوَاكِبُ العَظِيمَةُ المُضِيئَةُ. السَّعِيرُ - النَّارُ المُلْتَهِبَةُ المُتَلَظِّيَةُ. رُجُوماً - تَنْقَضُّ عَلَيْهِمْ قِطَعٌ مِنْهَا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولقد جملنا { السَّمَاءَ الدُّنْيَا } التي ترونها وتليكم، { بِمَصَابِيحَ } وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال. ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، [وجمالا]، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها، { وَجَعَلْنَاهَا } أي: المصابيح { رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } الذين يريدون استراق خبر السماء، فجعل الله هذه النجوم، حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبار الأرض، فهذه الشهب التي ترمى من النجوم، أعدها الله في الدنيا للشياطين، { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } في الآخرة { عَذَابِ السَّعِيرِ } لأنهم تمردوا على الله، وأضلوا عباده، ولهذا كان أتباعهم من الكفار مثلهم، قد أعد الله لهم عذاب السعير، فلهذا قال: { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } الذي يهان أهله غاية الهوان. { إِذَا أُلْقُوا فِيهَا } على وجه الإهانة والذل { سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا } أي: صوتًا عاليًا فظيعًا، { وَهِيَ تَفُورُ } . { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ } أي: تكاد على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضًا، وتتقطع من شدة غيظها على الكفار، فما ظنك ما تفعل بهم، إذا حصلوا فيها؟" ثم ذكر توبيخ الخزنة لأهلها فقال: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } ؟ أي: حالكم هذا واستحقاقكم النار، كأنكم لم تخبروا عنها، ولم تحذركم النذر منها. { قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ } فجمعوا بين تكذيبهم الخاص، والتكذيب العام بكل ما أنزل الله ولم يكفهم ذلك، حتى أعلنوا بضلال الرسل المنذرين وهم الهداة المهتدون، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، بل جعلوا ضلالهم، ضلالا كبيرًا، فأي عناد وتكبر وظلم، يشبه هذا؟ { وَقَالُوا } معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما عاقبته ذميمة، فلا سمع [لهم] ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، وأرباب الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما جاء من عند الله، وجاء به رسول الله، علمًا ومعرفة وعملا. والأدلة العقلية: المعرفة للهدى من الضلال، والحسن من القبيح، والخير من الشر، وهم -في الإيمان- بحسب ما من الله عليهم به من الاقتداء بالمعقول والمنقول، فسبحان من يختص بفضله من يشاء، ويمن على من يشاء من عباده، ويخذل من لا يصلح للخير. قال تعالى عن هؤلاء الداخلين للنار، المعترفين بظلمهم وعنادهم: { فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا ...}.