Verse. 5249 (AR)

٦٧ - ٱلْمُلْك

67 - Al-Mulk (AR)

تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ۝۰ۭ كُلَّمَاۗ اُلْقِيَ فِيْہَا فَوْجٌ سَاَلَہُمْ خَزَنَــتُہَاۗ اَلَمْ يَاْتِكُمْ نَذِيْرٌ۝۸
Takadu tamayyazu mina alghaythi kullama olqiya feeha fawjun saalahum khazanatuha alam yatikum natheerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تكاد تميز» وقرئ تتميز على الأصل تتقطع «من الغيظ» غضبا على الكافر «كلما ألقي فيها فوج» جماعة منهم «سألهم خزنتها» سؤال توبيخ «ألم يأتكم نذير» رسول ينذركم عذاب الله تعالى.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : الصفة الثالثة: قوله: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } يقال: فلان يتميز غيظاً، ويتعصف غيظاً وغضب فطارت منه (شعلة في الأرض وشعلة) في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه. وأقول لعل السبب في هذا المجاز أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فتتمدد تلك الأوعية عند ازدياد مقادير الرطوبات في البدن، فكلما كان الغضب أشد كان الغليان أشد، فكان الازدياد أكثر، وكان تمدد الأوعية وانشقاقها وتميزها أكثر، فجعل ذكر هذه الملازمة كناية عن شدة الغضب، فإن قيل: النار ليست من الأحياء، فكيف يمكن وصفها بالغيظ قلنا الجواب من وجوه أحدها: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة فلعل الله يخلق فيها وهي نار حياة وثانيها: أنه شبه صوت لهبها وسرعة تبادرها بصوت الغضبان وحركته وثالثها: يجوز أن يكون المراد غيظ الزبانية. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ }. الفوج الجماعة من الناس والأفواج الجماعات في تعرفه، ومنه قوله: {أية : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } تفسير : [النبأ: 18] و {خَزَنَتُهَا } مالك وأعوانه من الزبانية {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } وهو سؤال توبيخ، قال الزجاج: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية، قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: كذبنا النذير، وهذا يقتضي أن من لم يكذب الله ورسوله لا يدخل النار، واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصر لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة المخوفة، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه. المسألة الثانية: احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه الآية وقالوا: هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم. ثم إنه تعالى حكى عن الكفار جوابهم عن ذلك السؤال من وجهين:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} يعني تتقطّع وينفصل بعضها من بعض؛ قاله سعيد بن جُبَير. وقال ابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرّق. «مِنَ الغَيْظِ» من شدّة الغيظ على أعداء الله تعالى. وقيل: «مِنَ الغَيْظِ» من الغليان. وأصل «تميّز» تتميز. {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} أي جماعة من الكفار. {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} على جهة التوبيخ والتقريع. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} أي رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا. {قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ} أنذرنا وخوّفنا. {فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أي على ألسنتكم. {إِنْ أَنتُمْ} يا معشر الرسل. {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} اعترفوا بتكذيب الرسل، ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا وهم في النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} من النذر ـ يعني الرسل ـ ما جاءوا به {أَوْ نَعْقِلُ} عنهم. قال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع سماع من يَعي ويفكّر، أو نعقل عقْلَ من يميّز وينظر. ودلّ هذا على أن الكافر لم يُعْطَ من العقل شيئاً. وقد مضى في «الطُّور» بيانه والحمد لله. {مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} يعني ما كنا من أهل النار. وعن أبي سعيد الخُدرِيّ. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقد نَدِم الفاجر يوم القيامة قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فقال الله تعالى فاعترفوا بذنبهم»تفسير : . أي بتكذيبهم الرسل. والذنب ها هنا بمعنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل. يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم. {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي فبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جُبير وأبو صالح: هو وادٍ في جهنم يقال له السَّحْق. وقرأ الكسائي وأبو جعفر «فَسُحُقاً» بضم الحاء، ورُوِيَت عن عليّ. الباقون بإسكانها، وهما لغتان مثل السُّحْتُ والرُّعُبُ. الزجاج: وهو منصوب على المصدر؛ أي أسحقهم الله سُحقاً؛ أي باعدهم بُعْداً. قال امرؤ القيس:شعر : يجول بأطراف البلاد مُغَرّباً وتَسْحَقُه رِيح الصِّبَا كُلَّ مَسْحَقِ تفسير : وقال أبو عليّ: القياس إسحاقاً؛ فجاء المصدر على الحذف؛ كما قيل:شعر : * وإن أهلك فذلك كان قدري تفسير : أي تقديري. وقيل: إن قوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} من قول خزنة جهنم لأهلها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ } وقرىء «تتميز» على الأصل تتقطع {مِنَ ٱلْغَيْظِ } غضباً على الكافر {كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } جماعة منهم {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ } سؤال توبيخ {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } رسول ينذركم عذاب الله تعالى؟.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَمَيَّزُ} تنقطع أو تتفرق "ع" {الْغَيْظِ} الغليان أو غضباً لله تعالى عليهم وانتقاماً منهم، النذير: الرسول والنبي أو النذير من الجن والرسل من الإنس.

البقاعي

تفسير : ولما وصفها بالفوران، بين سببه تمثيلاً لشدة اشتعالها عليهم فقال: {تكاد تميز} أي تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال: يكاد فلان ينشق من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء - كناية عن شدة الغضب {من الغيظ} أي عليهم، كأنه حذف إحدى التاءين إشارة إلى أنه يحصل منها افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الإدراك، وذلك كله لغضب سيدها، وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعاً وتحطم أهل المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر به أن يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما رواه الجماعة إلا الترمذي وهذا لفظ أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:"حديث : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر صلاته إلى أن قال: ثم نفخ في آخر سجوده. فقال: أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون"تفسير : وفي رواية النسائي أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لقد أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم ". تفسير : ولما ذكر سبحانه حالها، أتبعه حالهم في تعذيب القلب باعتقادهم أنهم ظلمة على وجه، بين السبب في عذابهم زجراً عنه فقال: {كلما} ولما كان المنكىء مجرد الإلقاء بني للمفعول دلالة على ذلك وعلى حقارتهم بسهولة إلقائهم قوله: {ألقي فيها} أي جهنم بدفع الزبانية بهم الذين هم أغيظ عليهم من النار {فوج} أي جماعة هم في غاية الإسراع موجفين مضطربي الأجواف من شدة السوق {سألهم} أي ذلك الفوج {خزنتها} أي النار سؤال توبيخ وتقريع وإرجاف. ولما كان كأنه قيل: ما كان سؤالهم؟ قال: قالوا موبخين لهم مبكتين محتجين عليهم في استحقاقهم العذاب زيادة في عذابهم بتعذيب أرواحهم بعد تعذيب أشباحهم: {ألم يأتكم} أي في الدنيا {نذير *} أي يخوفكم هذا العقار ويذكركم بما حل بكم وبما حل ممن قبلكم من المثلاث، لتكذيبهم بالآيات، ويقرأ عليكم الكتب المنزلات {قالوا بلى} ولما طابق هذا الجواب فتوقع السامع إيضاحه. افصحوا بما أفهمه وشرحوه تأسفاً على أنفسهم مما حل بهم وتحسراً فقالوا: {قد جاءنا} وأظهروا موضع الإضمار تأكيداً وتنصيصاً فقالوا: {نذير} أي مخوف بليغ التحذير {فكذبنا} أي فتسبب عن مجيئه أننا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير {وقلنا} أي زيادة في التكذيب والنكاية له والعناد الذي حل شؤمه بنا: {ما نزل الله} أي الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم، ولعل التعبير بالتفعيل إشارة إلى إنكارهم الفعل بالاختيار الملازم للتدريج - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأعرقنا في النفي فقلنا: {من شيء} لا وحياً ولا غيره، وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين: {إن} أي ما. ولما كان تكذيبهم برسول واحد تكذيباً لجميع الرسل قالوا عناداً: {أنتم} أي أيها النذر المذكورون في "نذير" المراد به الجنس، وفي خطاب الجمع إشارة إيضاً إلى أن جواب الكل للكل كان متحداً مع افتراقهم في الزمان حتى كأنهم كانوا على ميعاد {إلا في ضلال} أي بعد عن الطريق وخطأ وعمى محيط بكم {كبير *} فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف. ولما حكى سبحانه ما قالوه للخزنة تحسراً على أنفسهم حكى ما قالوه بعد ذلك فيما بينهم زيادة في التحزن ومقتاً لأنفسهم بأنفسهم فقال تعالى: {وقالوا} أي الكفرة في توبيخ أنفسهم: {لو كنا} أي بما هو لنا كالغريزة. ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار التكليف قالوا: {نسمع} أي سماعاً ينفع بالقبول للحق والرد للباطل {أو نعقل} أي بما أدته إلينا حاسة السمع وغيرها عقلاً ينجي وإن لم يكن سمع، وإنما قصروا الفعلين إشارة إلى أن ما كان لهم من السمع والعقل عدم لكونه لم يدفع عنهم هذا البلاء بالقبول من الرسل لما ذكروهم به من نصائح ربهم وشهادة الشواهد من الآيات البينات {ما كنا} أي كونا دائماً {في أصحاب السعير *} أي في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد والحر والتلهب والتوقد حتى كأن بها جنوناً، وحكم بخلودهم في صحبتها، وأعظم ما في هذا من العذاب بكونهم ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها بأنفسهم أنه لا يقبل منهم خروجاً عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا أظهر الخضوع باعترافه ولومه نفسه وإنصافه رحم وقبل، وفي الآية أعظم فضيلة للعقل، روى ابن المحبر في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ". تفسير : ولما كان هذا الإقرار زائداً في ضررهم، وإنما كان يكون نافعاً لهم لو قالوه في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه، سبب عنه قوله ضاماً - إلى ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم لأنفسهم - مقت الله لهم: {فاعترفوا} أي بالغوا جامعين إلى مقت الله وملائكته لهم مقتهم لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة. ولما كان الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي، أفرد فقال تعالى: {بذنبهم} أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في التكذيب في دار العمل فلم يكن ينفعهم لفوات محله، أو أنه لم يجمع الذنب إشارة إلى أنهم كانوا كلهم في المبالغة في التكذيب على حد واحد، كما قال تعالى{أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون}تفسير : [الذاريات: 53] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثير الذنوب وقليلها حقيرها وجليلها. ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم عن مواطن الرحمة وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله: {فسحقاً} أي بعداً في جهة السفل وهو دعاء عليهم مستجاب {لأصحاب} وأظهر تنبيهاً على عظيم توقدها وتغيظها وتهددها فقال: {السعير *} أي الذي قضت عليهم أعمالهم بملازمتها.

اسماعيل حقي

تفسير : {تكاد تميز من الغيظ} الجملة خبر آخر وتميز اصله تتميز بتاءين والتميز الانقطاع والانفصال بين المتشابهات والغيظ اشد الغضب يقال يكاد فلان ينشق من غيظه اذا وصف بالافراط فى الغضب والمعنى تكاد تتفرق جهنم من شدة الغضب عليهم اى يقرب أن يتمزق تركيبها. وينفصل بعضه من بعض وبالفارسية نزديكست كه باره باره شود دوزخ از شدت خشم بركافران. شبه اشتعال النار بهم فى قوة تأثيرها فيهم وايصال الضرر اليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ فى ايصال الضرر اليه فاستيعر اسم الغيظ لذلك الاستعمال استعارة تصريحية قال الامام لعل سبب هذا المجاز ان دم القلب يغلى عند الغضب فيعظم مقداره فيزداد امتلاء العروق حتى يكاد يتمزق قال فى المناسبات وكان حذف احدى التاءين اشارة الى انه يحصل افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الادراك وذلك كله لغضب سيدها وتأتى يوم القيامة تقاد الى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقود ونهاية وهى من شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم اهل المحشر وتقول لأنتقمن اليوم ممن اكل رزق الله وعبد غيره فلا يردها عنهم الا النبى صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع مع ان لكل ملك القوة مالو أمر به أن يقتلع الارض وما عليها من الجبال ويصعد بها فعل من غير كلفة وهذا كما اطفأها فى الدنيا بنفحة كما قال عليه السلام حديث : لقد أدنيت منى النار حتى جعلت انفثها خشية أن تشغاكمتفسير : قال بعضهم تلك المهواة لشدة منافاتها بالطبع لعالم النور واصل فطرة النفس ليشتد غيظها على النفوس كما ان شدة منافرة الطباع بعضها بعضا تستلزم شدة العداوة والبغض المقتضية لشدة الغيظ. يقول الفقيرتقرر من هذا البيان ودل سائر الآثار الصحيحة ايضا ان جهنم لها حياة وشعور كسائر الاحياء ولذا يصدر منها كما يصدر منهم فلا حاجة الى ارتكاب المجاز عند اهل الله تعالى فى امتثال ذلك قال جعفر الطيار رضى الله عنه كنت مع النبى عليه السلام فى طريق فاشتد على العطش فعلمه النبى عليه السلام وكان خذآءنا جبل فقال عليه السلام حديث : بلغ منى السلام الى هذا الجبل وقل له يسقيك ان كان فيه ماءتفسير : قال فذهبت اليه وقلت السلام عليك أيها الجبل فقال الجبل ينطق بنطق فصيح لبيك يا رسول الله فعرضت القصة فقال بلغ سلامى الى رسول الله وقل منذ سمعت قوله تعالى {أية : فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة}تفسير : بكيت لخوف أن اكون من الحجارة التى هى وقود النار بحيث لم يبق فى ماء {كلما ألقى} الالقاء بيفكندن {فيها} اى فى جهنم {فوج} جماعة من الكفرة يدفع الزبانية لهم الذين هم اغيظ عليهم من النار وهو استئناف مسوق لبيان حال اهلها بعد بيان حال نفسها {سألهم} اى ذلك الفوج وضمير الجميع باعتبار المعنى {خزنتها} اى خزنة النار وهى مالك واعوانه من الربانية بطريق التوبيخ والتقريع ليزدادوا عذابا فوق عذاب وحسرة اى ليزدادوا العذاب الروحانى على العذاب الجسمانى جمع خازن بمعنى الحافظ والموكل يعرف ذلك من قولهم بالفارسية خزينه دار. قال فى تاج المصادر الخزن نكاه داشتن مال وسر {ألم يأتكم} اى وقالوا لهم ايها الكفرة الفجرة ألم يأتكم فى الدنيا {نذير} اى منذر يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا والانذار الابلاغ ولا يكون الا فى التخويف ويعدى الى مفعولين كما فى تاج المصادر.

الجنابذي

تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} اى تتفرّق من الغيظ على اعداء الله {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ وَقَالُواْ} اعترافاً بعدم التّحقيق وعدم التّقليد {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} وننقاد لاولياء الامر وكنّا فى تقليدٍ صحيحٍ {أَوْ نَعْقِلُ} اى ندرك بعقولنا ونميّز الحق من الباطل وكنّا محقّقين {مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} لمّا رأوا قصورهم وتقصيرهم فى تشخيص حال الانبياء (ع) {فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} اى بعداً، روى انّ هذه الآيات فى اعداء علىٍّ (ع) واولاده، والّتى بعدها فى اوليائهم.

اطفيش

تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ} اصله تتميز حذفت احدى التائين أي تتقطع {مِنَ الغَيْظِ} أي لاجل غيظه على اعداء الله فهي شديدة الاشتعال بهم شببها بعاقل مغتاظ لشدة غليانها كأنها تغضفت أي استرخت اجفانها العليا على عينها غضبا وكيرا ويجوز ان يراد غيظ الزبانية. {كُلَّمَا أُلقِىَ فِيهَا فَوْجٌ} جماعة {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا} سؤال توبيخ قيل وظاهر الآية انه لا يلقى فيها احد إلا سئل على جهة التوبيخ أي يسأل في جماعة لا وحده والخزنة تسعة عشر ملكا مالك واعوانه. {أَلمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} الجملة مفعول المؤوّل لانه بمعنى القول أو مفعول لقول محذوف والنذير الرسول ينذرهم بالعذاب ان لم يؤمنوا ويطيعوا في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ} تتميز حذفت إِحدى التاءين كما قرأ بهما طلحة أَى تتفرق وينفصل بعض من بعض {مِنَ الْغَيْظِ} لأَجل الغيظ أو بسبب الغيظ وهو الغضب الشديد، يخلق الله عزو جل لها عقلا وغضبا وبغضاً لأَهل الكفر لكفرهم كما مر آنفاً فلا مجاز أو شبه اشتعال النار بهم بالضر الواقع باغتياظ المغتاظ على المغتاظ عليه على الاستعارة التصريحية، أو شبه النار بإِنسان شديد الغيظ ورمز لذلك بذكر لازم الإِنسان وهو الغيظ، فإِثبات الغيظ لها تخييلية أو الغيظ نفسه تخييلية أو الغيظ تصريحية لازمها الشبيه بلازمه وهو نفس شدتها أو يبقى الغيظ على معناه الحقيقى تابعاً للاستعارة، ويجوز أن يكون الإِسناد إِليها مجازاً عقلياً وحقيقته للملائكة أو مجازاً بالحذف أَى تكاد ملائكتها، والتميز فى ذلك كله غير واقع لأَنه قال تكاد والواقع الغيظ، وجملة تكاد خبر ثان لهو أو حال من ضمير تفور {كُلَّما أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} جماعة من الكفار ولا يخفى أن أهل الفترة لا يقال لهم ألم يأتكم نذير ولا يقولون بلى جاءنا.. الخ، بل يقال لهم ألم أجعل لكم الدلائل التكوينية فيقولون بلى جعلت، وكذا صاحب الجزيرة فهم مكلفون بالتوحيد لا بسائر الأَحكام الشرعية إِذ لم يجدوا من يأخذونها عنه، ويدل لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم- لعدى "حديث : لو قال أبوك حاتم مرة لا إِله إلا الله لاستغفرت له" تفسير : فاكتفى بكلمة الشهادة له إِذ كان من أهل الفترة، وكل ظرف زمان وما مصدرية أى كلُّ إِلقاء فإِلقاء مصدر استعمل اسماً للزمان كجئت طلوع الشمس كأَنه قيل كل وقت إِلقاء فوج فيها وهو متعلق بقوله سأَل من قوله تعالى: {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا} خزنتها مالك وأعوانه سؤال توبيخ يحصل لهم تعذيب لأَرواحهم مع العذاب الجسمى الحاصل لها بواسطة أبدانهم والسائل مالك من باب الحكم على المجموع أو كل واحد يساءَلهم {ألَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} نبى يخبركم عن هذه الدار يتلو عليكم آياته أو مع غيرها من المعجزات وينذركم لقاء يومكم هذا والجملة مفعول به لسأَل لتضمنه معنى القول وهو متعلق بالاستفهام.

الالوسي

تفسير : {تَكَادُ تَمَيَّزُ} أي ينفصل بعضها من بعض {مِنَ ٱلْغَيْظِ } من شدة الغضب عليهم. قال الراغب ((الغيظ أشد الغضب)) وقال المرزوقي في «الفصيح» إنه الغضب أو أسوءه. وقد شبه اشتعال النار بهم في قوة تأثيرها فيهم وإيصال الضرر إليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ في إيصال الضرر إليه على سبيل الاستعارة التصريحية، ويجوز أن تكون هنا تخييلية تابعة للمكنية بأن تشبه جهنم في شدة غليانها وقوة تأثيرها في أهلها بإنسان شديد الغيظ على غيره مبالغ في إيصال الضرر إليه فتوهم لها صورة كصورة الحالة المحققة الوجدانية وهي الغضب الباعث على ذلك، واستعير لتلك الحالة المتوهمة للغيظ. وجوز أن يكون الإسناد في {تَكَادُ تَمَيَّزُ} إلى جهنم مجازاً وإنما الإسناد الحقيقي إلى الزبانية وأن يكون الكلام على تقدير مضاف أي تميز زبانيتهم من الغيظ وقيل إن الله تعالى يخلق فيها إدراكاً فنغتاظ عليهم فلا مجاز بوجه من الوجوه وورد في بعض الأخبار ما يؤيد ذلك وزعم بعضهم أنه لا حاجة لشيء مما ذكر لمكان {تَكَادُ} كما في قوله تعالى{أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}تفسير : [النور: 35] وفيه ما فيه والجملة / اما حال من فاعل {أية : تَفُورُ }تفسير : [الملك: 7] أو خبر آخر. وقرأ طلحة (تتميز) بتاءين وأبو عمرو (تكاد تميز) بإدغام الدال في التاء والضحاك (تمايز) على وزن تفاعل وأصله تتمايز بتاءين وزيد بن علي وابن أبـي عبلة (تميز) من ماز. {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } استئناف مسوق لبيان حال أهلها بعد بيان نفسها وقيل لبيان حال آخر من أحوال أهلها. وجوز أن تكون الجملة حالاً من ضميرها أي كلما ألقي فيها جماعة من الكفرة {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } وهم مالك وأعوانه عليهم السلام. والسائل يحتمل أن يكون واحداً وأن يكون متعدداً وليس السؤال سؤال استعلام بل هو سؤال توبيخ وتقريع، وفيه عذاب روحاني لهم منضم إلى عذابهم الجسماني {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } يتلو عليكم آيات الله وينذركم لقاء يومكم هذا.

ابن عاشور

تفسير : أُتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فظائع أهوالها بوصف ما يتلقاهم به خزنة النار. فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ يَتساءل السامع عن سبب وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل الله الذين أرسلوا إليهم، مع ما انضمّ إلى ذلك من وصف ندامة أهل النار على ما فرط منهم من تكذيب رسل الله وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر فيما جاءوهم به. و {كلما} مركب من (كل) اسم دال على الشمول ومن (ما) الظرفية المصدرية وهي حرف يؤوَّل مع الفعل الذي بعده بمصدره. والتقدير: في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتُها الفوجَ. وباتصال (كل) بحرف (ما) المصدرية الظرفية اكتسبَ التركيب معنى الشرط وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مُرتبة إحداهما على الأخرى. وجيء بفعلى {أُلقي} و {سألهم} ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد {كلما} أن يكون بصيغة المضي لأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف. والفوج: الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ويوم نحشر من كل أمة فوجاً} تفسير : في سورة النمل (83). وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله: سألهم} الخ. لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : [الحجرات: 9]. وخزنة النار: الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل بالحفظ وأصل الخازن: الذي يخزن شيئاً، أي يحفظه في مكان حصين، فإطلاقه على الموكلين مجاز مرسل. وجملة {ألم يأتكم نذير} بيان لجملة {سألهم} كقوله: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا ءادم هل أدلك على شجرة الخلد}تفسير : [طه: 120]. والاستفهام في {ألم يأتكم نذير} للتوبيخ والتنديم ليزيدهم حسرة. والنذير: المنذر، أي رسول منذر بعقاب الله وهو مصوغ على غير قياس كما صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو ابن معد يكرب:شعر : أمــــن ريــــاحنة الــــداعي السميـــع تفسير : والمراد أفواج أهل النار من جميع الأمم التي أرسلت إليهم الرسل فتكون جملة: {كلّما أُلقي فيها فوج} الخ بمعنى التذييل. وجملة: {قالوا بلى قد جاءنا نذير} معترضة بين كلام خزنة جهنم اعتراضاً يشير إلى أن الفوج قاطَعَ كلام الخزنة بتعجيل الاعتراف بما وبّخوهم عليه وذلك من شدة الخوف. وفصلت الجملة لوجهين لأنها اعتراض، ولوقوعها في سياق المحَاورة كما تقدم غير مرة كقوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في سورة البقرة (30). وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم، فابتدأوا الجواب دفعة بحرف بلى} المفيد نقيض النفي في الاستفهام، فهو مفيد معنى: جاءنا نذير. ولذلك كان قولهم: {قد جاءنا نذير} موكداً لما دلت عليه {بلى}، وهو من تكرير الكلام عند التحسر، مع زيادة التحقيق بـ {قد}، وذلك التأكيد هو مناط الندامة والاعتراف بالخطأ. وجملة: {إن أنتم إلاَّ في ضلال كبير} الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم فُصل بينها وبين ما سبقها من كلامهم اعتراضُ جوابِ الفوج الموجه إليهم الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفاً، ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية بقية كلام الفوج في قوله تعالى: {أية : وقَالوا لو كنا نسمع}تفسير : [الملك: 10] الخ لانقطاعه بالاعتراض الواقع خلال حكايته. ويجوز أن تكون جملة {إن أنتم إلا في ضلال كبير} من تمام كلام كل فوج لنذيرهم. وأتي بضمير جمع المخاطبين مع أن لكل قوم رسولاً واحداً في الغالب باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس؛ إما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جُمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج، أي قال جميع الأفواج: {بلى قد جاءنا نذير} إلى قوله: {إن أنتم إلا في ضلال كبير}، على طريقة المثال المشهور: «ركِب القوم دوابهم»، وإما على إرادة شمول الضمير للنذير وأتباعِه الذين يؤمنون بما جاء به. وعموم {شيء} في قوله: {ما نزَّل الله من شيء} المرادِ منه شيء من التنزيل، يدل على أنهم كانوا يحيلون أن يُنزل الله وحياً على بشر، وهذه شنشنة أهل الكفر قال تعالى: {أية : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} تفسير : وقد تقدم في آخر [الأنعام: 91]. ووصف الضلال بـ {كبير} معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه جسم كبير. ومعنى القصر المستفادِ من النفي والاستثناء في {إن أنتم إلا في ضلال كبير} قصرُ قلب، أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلاّ الضلال، وليس الوحَي الإِلهي والهدى كما تزعمون. والظرفية مجازية لتشبيههم تَمَحُّضَهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَهِيَ تَكَادُ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْطِ مِنْ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةِ، وَكُلَّمَا طُرِحَ فِيهَا فَوْجٌ مِنَ الكَفَرَةِ سَأَلَهُمْ حُرَّاسُ النَّارِ مُقَرِّعِينَ مُوَبِّخِينَ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبِيٌّ مِنْ رَبِّكُمْ يُنْذِرُكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا؟ فَوْجٌ - جَمَاعَةٌ مِنَ الكُفَّارِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} معناه جَماعةٌ.

الجيلاني

تفسير : ومن شدة غضبها وسخطها {تَكَادُ} وتقرب {تَمَيَّزُ} وتفترق أجزاؤها {مِنَ الغَيْظِ} المفرط {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} أي: جماعة وفرقة من المتفقين المجتمعين على ديدنة قبيحة، وخصلة خارجة عن مقتضى الحدود الإلهية {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} سؤال توبيخ وتقريع: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك: 8] يخفوكم من هذا العذاب الهائل، مع أن سنة الله جرت على ألاَّ يدخل عباده فيها إلاَّ بعد الإنذار والتخويف. {قَالُواْ} حينئذٍ متسحرين: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ} فأنذرنا عنها على أبلغ الوجوه {فَكَذَّبْنَا} النذير، وأفرطنا في تكذيبه إلى حيث نفينا الإنزال والإرسال مطلقاً، بل كفرنا بالحق وبحميع ما جاء به النبي النذير من عنده، ونسبنا دعواه إلى السفه والضلال {وَ} بالجملة: {قُلْنَا} له حين دعوته وادعائه نزول الكتاب: {مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ} أي: ما أنتم أيها المدَّعون للرسالة {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} [الملك: 9] عظيم لا ضلال أعظم من ضلالكم. {وَ} بعدما حكوا أولئك الضالون ما حكوا {قَالُواْ} من غاية أسفهم وحسرتهم على سبيل التمني: {أَوْ نَعْقِلُ} كلام الرسل المؤيَّدين بالمعجزات الظاهر {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} نتأمل ونتفكر في حججهم الساطعة، ودلائلهم القاطعة {مَا كُنَّا} الآن {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الملك: 10] أي: في عدادهم ومن جملتهم. وبالجملة: {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} وندموا، وما ينفعهم الاعتراف والندم؛ لمضي وقته، بل {فَسُحْقاً} طرداً وتبعيداً عن ساحة عز القبول، وعن سعة رحمة الحق، وكنف لطفه ومغفرته {لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الملك: 11] أي: لمطلق من دخل بشؤم كفره وإنكاره فيها. ثمَّ أردف سبحانه حال الكفرة بحال المؤمنين تنشيطاً للسامع، وحثاً له على التثبت في الإيمان فقال: {إِنَّ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ} ويخافون {رَبَّهُم} أي: عذابه {بِٱلْغَيْبِ} أي: حال كونهم في النشأة الأولى غائبين عنه، غير معاينين له {لَهُم} عند ربهم {مَّغْفِرَةٌ} ستر ومحو لذنوبهم الصادرة عنهم بمقتضى بشريتهم جزاء إيمانهم بالله، وخشيتهم عن عذابه {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] يصغر دونه الدنيا وما فيها تفضلاً عليهم وامتناناً، ألا وهو رضاء الله منهم {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة: 72] من الآخرة وما فيها، فكيف عن الدنيا؟! ثمَّ لمَّا قال بعض المشركين لبعضهم على سبيل التهكم: أسرُّوا قلوكم؛ كي لا يسمعه ربّ محمد، نزل: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ} أيها المشركون {أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ} وهما سيان بالنسبة إلى علمه المحيط، وكيف لا {إِنَّهُ} سبحانه {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الملك: 13] أي: بما في الضمائر قبل أن يعتبر به أو يقصد بتعبيره، بل هو عليم بما في استعداداتكم وقابلياتكم المكنونة في عالم الأسماء والصفات قبل ظهوركم في عالم الأشباح؟! {أَلاَ يَعْلَمُ} العليم الحكيم {مَنْ خَلَقَ} وقدّر بمقتضى علمه المحيط، وقدرته الشاملة، وإرادته الكاملة {وَ} كيف لا {هُوَ ٱللَّطِيفُ} الواصل آثار علمه إلى خفيات الأشياء وأسرارها {ٱلْخَبِيرُ} [الملك: 14] المحيط خبرته لظواهر المظاهر وبواطنها. وبالجملة: {هُوَ} سبحانه القادر المقتدر {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} أيها المكلفون بمقتضى سعة رحمته وجوده {ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} لينة سهلة، قابلة للسلوك عليها {فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} جبالها أو جوانبها حيث شئتم {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} رغداً واسعاً متى أردتم، واشكروا المنعم المفضل، ولا تكفروا به وبنعمه {وَ} اعلموا أنه {إِلَيْهِ} لا إلى غيره من الوسائل والأسباب {ٱلنُّشُورُ} [الملك: 15] أي: نشور الكل ورجوعه؛ إذ لا مرجع لكم سواه، ولا معاد إلاَّ إليه، فيسألكم عمَّا أنعم عليكم ويحاسبكم عليه.